قصة البربر وخطبه وحكمته

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين > قصة البربر وخطبه وحكمته

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين

وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قِتَالَ الْبَرْبَرِ; وَكَانُوا فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، وَالْمُسْلِمُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَحَاطُوا بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ،

فَمَا زَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَحْتَالُ حَتَّى رَكِبَ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا، وَسَارَ نَحْوَ مَلِكِ الْبَرْبَرِ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ وَرَاءَ الْجَيْشِ، وَجَوَارِيهِ يُظَلِّلْنَهُ بِرِيشِ النَّعَامِ، فَسَاقَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ ذَاهِبٌ فِي رِسَالَةٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَهِمَهُ الْمَلِكُ وَلَّى مُدْبِرًا، فَلَحِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَجَعَلَهُ فَوْقَ رُمْحِهِ، وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَحَمَلُوا عَلَى الْبَرْبَرِ فَهَزَمُوهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا مَغَانِمَ كَثِيرَةً جِدًّا، وَبَعْثَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ بِالْبِشَارَةِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَصَّ عَلَى عُثْمَانَ الْخَبَرَ، وَكَيْفَ جَرَى، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَتَسْتَطِيعُ أَنَّ تُؤَدِّيَ هَذَا لِلنَّاسِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.

فَصَعِدَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَذَكَرَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ مَا جَرَى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَبِي الزُّبَيْرُ فِي جُمْلَةِ مِنْ حَضَرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ كَادَ أَنْ يُرْتَجَ عَلَيَّ فِي الْكَلَامِ مِنْ هَيْبَتِهِ فِي قَلْبِي، فَزَبَرَنِي بِعَيْنِهِ، وَأَشَارَ إِلَيَّ لِيَحْصِبَنِي، فَمَضَيْتُ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا كُنْتُ، فَلَمَّا نَزَلْتُ قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِي أَسْمَعُ خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ سَمِعْتُ خُطْبَتَكَ يَا بُنَيَّ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ يَبُولُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا عَلَى الرَّاحِلَةِ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَرَكِبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَاحِلَتَهُ وَمَضَى، قَالَ: فَنَادَاهُ: وَاللَّهِ يَابْنَ الزُّبَيْرِ لَوْ دَخَلَ قَلْبَكَ اللَّيْلَةَ مِنِّي شَعْرَةٌ لَخَبَلْتُكَ. قَالَ: وَمِنْكَ أَنْتَ يَا لَعِينُ يَدْخُلُ قَلْبِي شَيْءٌ؟! وَقَدْ رُوِيَ لِهَذِهِ الْحِكَايَةِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى جَيِّدَةٍ.

وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانُوا عِنْدَ التَّنَاضِبِ أَبْصَرُوا رَجُلًا عِنْدَ شَجَرَةٍ، فَتَقَدَّمَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ، وَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا، وَنَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: تَنَحَّ عَنِ الظِّلِّ. فَانْحَازَ مُتَكَارِهًا، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَلَسْتُ، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَقَلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ.

فَمَا عَدَا أَنْ قَالَهَا حَتَّى قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي فَاجْتَذَبْتُهُ، وَقَلْتُ: أَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ وَتَبْدُو لِي هَكَذَا؟ وَإِذْ لَيْسَ لَهُ سُفْلَةٌ، وَانْكَسَرَ وَنَهَرْتُهُ، وَقُلْتُ: إِلَيَّ تَتَبَدَّى وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَذَهَبَ هَارِبًا، وَجَاءَ أَصْحَابِي، فَقَالُوا: أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ عِنْدَكَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَهَرَبَ. قَالَ: فَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذْتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَشَدَدْتُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَمَجَ وَمَا يَعْقِلُونَ.

وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا نِسْوَةٌ يَطُفْنَ بِالْبَيْتِ، فَأَعْجَبْنَنِي، فَلَمَّا قَضَيْنَ طَوَافَهُنَّ خَرَجْنَ، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِنَّ; لِأَعْلَمَ أَيْنَ مَنْزِلُهُنَّ، فَخَرَجْنَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَيْنَ الْعَقَبَةَ، ثُمَّ انْحَدَرْنَ حَتَّى أَتَيْنَ فَجًّا فَدَخَلْنَ فِي خَرِبَةٍ، فَدَخَلْتُ فِي إِثْرِهِنَّ، فَإِذَا مَشْيَخَةٌ جُلُوسٌ فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ يَابْنَ الزُّبَيْرِ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: الْجِنُّ، وَتِلْكَ النِّسْوَةُ نِسَاؤُنَا، فَمَا تَشْتَهِي يَابْنَ الزُّبَيْرِ؟ فَقُلْتُ: أَشْتَهِي رُطَبًا، وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ مِنْ رُطَبَةٍ، فَأَتَوْنِي بِرُطَبٍ فَأَكَلْتُ، ثُمَّ قَالُوا: احْمِلْ مَا بَقِيَ مَعَكَ، فَجِئْتُ بِهِ الْمَنْزِلَ، فَوَضَعْتُهُ فِي سَفَطٍ، وَوَضَعْتُ السَّفَطَ فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ وَضَعْتُ رَأْسِي لِأَنَامَ، فَبَيْنَمَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيْنَ وَضَعَهُ؟ قَالُوا: فِي الصُّنْدُوقِ.

فَفَتَحُوهُ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّفَطِ دَاخِلَهُ، فَهَمُّوا بِفَتْحِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّفَطَ بِمَا فِيهِ، فَذَهَبُوا بِهِ، قَالَ: فَلَمْ آسَفْ عَلَى شَيْءٍ أَسَفِي كَيْفَ لَمْ أَثِبْ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الْبَيْتِ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 5 جمادى الأولى
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56