الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة إحدى وأربعين ومائتين > أخباره في التوكل ومجالسه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة إحدى وأربعين ومائتين
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الصِّفَارِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِسُرَّ مَنْ رَأَى، فَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَا نَعْلَمُ أَنَّكَ لَنَا عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا نُحِبُّ فَاجْعَلْنَا عَلَى مَا تُحِبُّ. ثُمَّ سَكَتَ. فَقُلْنَا: زِدْنَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي قُلْتَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فُصِّلَتْ: 11] اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَرْضَاتِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ إِلَّا إِلَيْكَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الذُّلِّ إِلَّا لَكَ، اللَّهُمَّ لَا تُكْثِرْ لَنَا فَنَطْغَى، وَلَا تُقِلَّ عَلَيْنَا فَنَنْسَى، وَهَبْ لَنَا مَنْ رَحِمَتِكَ وَسَعَةِ رِزْقِكَ مَا يَكُونُ بَلَاغًا لَنَا فِي دُنْيَانَا، وَغِنًى مِنْ فَضْلِكَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي حِكَايَةِ أَبِي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَحْمَدَ: وَكَانَ دُعَاؤُهُ فِي السُّجُودِ: اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ فَرُدَّهُ إِلَى الْحَقِّ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ. وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ قَبِلْتَ مِنْ عُصَاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِدَاءً فَاجْعَلْنِي فِدَاءً لَهُمْ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي لَا يَدَعُ أَحَدًا يَسْتَقِي لَهُ الْمَاءَ لِلْوُضُوءِ، بَلْ كَانَ يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا خَرَجَ الدَّلْوُ مَلْآنَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ، مَا الْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الْمُلْكِ: 30] وَالْأَخْبَارُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ صَنَّفَ فِي الزُّهْدِ كِتَابًا حَافِلًا عَظِيمًا لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ أَحَدٌ فِيهِ. وَالْمَظْنُونُ بَلِ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ ذَلِكَ، صلى الله عليه وسلم، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ مُنْقَلَبَهُ وَمَأْوَاهُ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي الْحَارِثَ الْمُحَاسِبِيَّ إِذَا جَاءَ مَنْزِلَكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَفَرِحْتُ بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْحَارِثِ فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ اللَّيْلَةَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَثِيرٌ فَأَحْضِرْ لَهُمُ التَّمْرَ وَالْكُسْبَ.
فَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ جَاءُوا، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَدْ سَبَقَهُمْ فَجَلَسَ فِي غُرْفَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهُمْ وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، وَلَا يَرَوْنَهُ فَلَمَّا صَلَّوُا الْعِشَاءَ لَمْ يُصَلُّوا بَعْدَهَا شَيْئًا، حَتَّى جَاءُوا فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيِ الْحَارِثِ سُكُوتًا كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَشَرَعَ الْحَارِثُ يَتَكَلَّمُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزُّهْدِ وَالْوَعْظِ فَجَعَلَ هَذَا يَبْكِي، وَهَذَا يَئِنُّ، وَهَذَا يَزْعَقُ، قَالَ: فَصَعِدْتُ إِلَى الْغُرْفَةِ، فَإِذَا بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَبْكِي حَتَّى كَادَ يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى الصَّبَاحِ،
فَلَمَّا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ قُلْتُ: كَيْفَ رَأَيْتَ هَؤُلَاءِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِي الزُّهْدِ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا أَرَى لَكَ أَنْ تَجْتَمِعَ بِهِمْ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ لَهُ صُحْبَتَهُمْ; لِأَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَسَدٍ وَإِنْ كَانَ زَاهِدًا لَكِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ ذَلِكَ، أَوْ كَرِهَ لَهُ صُحْبَتَهُمْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ سُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ. قُلْتُ: بَلْ إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ; لِأَنَّ فِي كَلَامِ بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِنَ التَّقَشُّفِ الَّذِي لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَالتَّدْقِيقُ وَالتَّنْقِيرُ وَالْمُحَاسَبَةُ الْبَلِيغَةُ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ أَمْرٌ; وَلِهَذَا لَمَّا وَقَفَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ عَلَى كِتَابِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ الْمُسَمَّى «بِالرِّعَايَةِ» قَالَ: هَذَا بِدْعَةٌ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ: عَلَيْكَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَدَعْ هَذَا فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَدُومَ اللَّهُ لَكَ عَلَى مَا تُحِبُّ فَدُمْ لَهُ عَلَى مَا يُحِبُّ. وَكَانَ يَقُولُ: الصَّبْرُ عَلَى الْفَقْرِ مَرْتَبَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا الْأَكَابِرُ. وَكَانَ يَقُولُ: الْفَقْرُ أَشْرَفُ مِنَ الْغِنَى، فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مَرَارَةً، وَانْزِعَاجَهُ أَعْظَمُ حَالًا مِنَ الشُّكْرِ. وَقَالَ: لَا أَعْدِلُ بِفَضْلِ الْفَقْرِ شَيْئًا. وَكَانَ يَقُولُ: عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَقْبَلَ الرِّزْقَ بَعْدَ الْيَأْسِ، وَلَا يَقْبَلَهُ إِذَا تَقَدَّمَهُ طَمَعٌ أَوِ اسْتِشْرَافٌ. وَكَانَ يُحِبُّ التَّقَلُّلَ طَلَبًا لِخِفَّةِ الْحِسَابِ.