الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ثمان عشرة ومائتين > زواج بوران وولادة جعفر وعطاء المعتصم
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة ثمان عشرة ومائتين
وَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُونُ أَنْ يَدْخُلَ بِبُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، جَعَلَ النَّاسُ يُهْدُونَ لِأَبِيهَا الْأَشْيَاءَ النَّفِيسَةَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَعْتَزُّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأُدَبَاءِ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ مِزْوَدًا فِيهِ مِلْحٌ طَيِّبٌ، وَمِزْوَدًا فِيهِ أُشْنَانٌ جَيِّدٌ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ تُطْوَى صَحِيفَةُ أَهْلِ الْبِرِّ وَلَا أُذْكَرُ فِيهَا فَوَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِالْمُبْتَدَأِ بِهِ، لِيُمْنِهِ، وَبَرَكَتِهِ، وَبِالْمَخْتُومِ بِهِ، لِطِيبِهِ وَنَظَافَتِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ:
بِضَاعَتِي تَقْصُرُ عَنْ هِمَّتِي … وَهِمَّتِي تَقْصُرُ عَنْ مَالِي فَالْمِلْحُ وَالْأُشْنَانُ يَا سَيِّدِي … أَحْسَنُ مَا يُهْدِيهِ أَمْثَالِي
قَالَ: فَدَخَلَ بِهِمَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى الْمَأْمُونِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالْمُزْوَدَيْنِ فَفُرِّغَا، وَمُلِئَا دَنَانِيرَ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى ذَلِكَ الْأَدِيبِ.
وَوُلِدَ لِلْمَأْمُونِ ابْنُهُ جَعْفَرٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ بِصُنُوفِ التَّهَانِي، وَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ لَهُ يُهَنِّئُهُ بِوَلَدِهِ:
مَدَّ لَكَ اللَّهُ الْحَيَاةَ مَدًّا … حَتَّى تَرَى ابْنَكَ هَذَا جَدَّا ثُمَّ يُفَدِّي مِثْلَ مَا تَفَدَّى … كَأَنَّهُ أَنْتَ إِذَا تَبَدَّى أَشْبَهُ مِنْكَ قَامَةً وَقَدًّا … مُؤْزَرًا بِمَجْدِهِ مُرَدَّا
قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِدِمَشْقَ مَالٌ جَزِيلٌ بَعْدَ مَا كَانَ قَدْ أَفْلَسَ وَشَكَى إِلَى أَخِيهِ الْمُعْتَصِمِ ذَلِكَ، فَوَرَدَتْ عَلَيْهِ خَزَائِنُ مِنْ خُرَاسَانَ وَبِهَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَخَرَجَ يَسْتَعْرِضُهَا وَقَدْ زُيِّنَتِ الْجِمَالُ وَالْأَحْمَالُ وَمَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ الْقَاضِي، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْبَلَدَ، قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ نَحُوزَ نَحْنُ هَذَا كُلَّهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ فَرَّقَ مِنْهُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِجْلُهُ فِي الرِّكَابِ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ فَرَسِهِ.
وَمِنْ لَطِيفِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
لِسَانِي كَتُومٌ لِأَسْرَارِكُمْ … وَدَمْعِي نَمُومٌ لِسِرِّي مُذِيعْ فَلَوْلَا دُمُوعِي كَتَمْتُ الْهَوَى … وَلَوْلَا الْهَوَى لَمْ تَكُنْ لِي دُمُوعْ وَقَدْ بَعَثَ خَادِمًا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي لِيَأْتِيَهُ بِجَارِيَةٍ، فَأَطَالَ الْخَادِمُ عِنْدَهَا الْمُكْثَ، وَتَمَنَّعَتِ الْجَارِيَةُ مِنَ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَيْهَا الْمَأْمُونُ بِنَفْسِهِ، فَأَنْشَأَ الْمَأْمُونُ يَقُولُ:
بَعَثْتُكَ مُشْتَاقًا فَفُزْتُ بِنَظْرَةٍ … وَأَغْفَلْتَنِي حَتَّى أَسَأْتُ بِكَ الظَّنَّا وَنَاجَيْتُ مَنْ أَهْوَى وَكُنْتُ مُقَرَّبًا … فَيَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْ دُنُوِّكَ مَا أَغْنَى وَرَدَّدْتَ طَرْفًا فِي مَحَاسِنِ وَجْهِهَا … وَمَتَّعْتَ بِاسْتِسْمَاعِ نَغَمَتِهَا أُذُنَا أَرَى أَثَرًا فِي صَحْنِ خَدِّكَ لَمْ يَكُنْ … لَقَدْ سَرَقَتْ عَيْنَاكَ مِنْ حُسْنِهَا حُسْنَا وَلَمَّا ابْتَدَعَ الْمَأْمُونُ مَا ابْتَدَعَ مِنَ التَّشَيُّعِ وَالِاعْتِزَالِ، فَرِحَ بِذَلِكَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَكَانَ بِشْرٌ هَذَا شَيْخَ الْمَأْمُونِ فَأَنْشَأَ الْمَرِيسِيُّ يَقُولُ:
قَدْ قَالَ مَأْمُونُنُا وَسَيِّدُنَا … قَوْلًا لَهُ فِي الْكِتَابِ تَصْدِيقُ إِنَّ عَلِيًّا أَعْنِي أَبَا حَسَنٍ … أَفْضَلُ مَنْ أَرْقَلَتْ بِهِ النُّوقُ بَعْدَ نَبِيِّ الْهُدَى وَإِنَّ لَنَا … أَعْمَالَنَا وَالْقُرْآنُ مَخْلُوقُ فَأَجَابَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا قَوْلٌ وَلَا عَمَلُ … لِمَنْ يَقُولُ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقُ مَا قَالَ ذَاكَ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ … وَلَا النَّبِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ صِدِّيقُ وَلَمْ يَقُلْ ذَاكَ إِلَّا كُلُّ مُبْتَدِعٍ … عَلَى الْإِلَهِ وَعِنْدَ اللَّهِ زِنْدِيقُ عَمْدًا أَرَادَ بِهِ إِمْحَاقَ دِينِكُمْ … لِأَنَّ دِينَهُمْ وَاللَّهِ مَمْحُوقُ أَصَحُّ يَا قَوْمُ عَقْلًا مِنْ خَلِيفَتِكُمْ … يُمْسِي وَيُصْبُحُ فِي الْأَغْلَالِ مَوْثُوقُ وَقَدْ سَأَلَ بِشْرٌ مِنَ الْمَأْمُونِ أَنْ يَطْلُبَ قَائِلَ هَذَا فَيُؤَدِّبَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! لَوْ كَانَ فَقِيهًا لَأَدَّبْتُهُ وَلَكِنَّهُ شَاعِرٌ فَلَسْتُ أَعْرِضُ لَهُ.