الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة خمس وتسعين ومائة > توبة أبي نواس ورجاؤه في المغفرة
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة خمس وتسعين ومائة
وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا تُهِمُّهُ نَفْسُهُ، لَا يُحِبُّ أَنْ يُكْثَرَ عَلَيْهِ، كَأَنَّ النِّيرَانَ قَدْ سُعِّرَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زِلْتُ أَتَرَفَّقُ بِهِ، وَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِأَنِّي مِنْ مَوَالِي شَيْبَانَ، حَتَّى قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ نَظَرْتَ؟ فَقُلْتُ: فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالشِّعْرِ. قَالَ: مَرَرْتُ بِالْبَصْرَةِ وَجَمَاعَةٌ يَكْتُبُونَ عَنْ رَجُلٍ الشِّعْرَ، وَقِيلَ لِي: هَذَا أَبُو نُوَاسٍ فَتَخَلَّلْتُ النَّاسَ وَرَائِي، فَلَمَّا جَلَسْتُ أَمْلَى عَلَيْنَا:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ … خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً … وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ لَهَوْنَا لَعَمْرُ اللَّهِ حَتَّى تَتَابَعَتْ … ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوبُ فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى … وَيَأْذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَنَتُوبُ
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي نُوَاسٍ بَعْدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَقُولُ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي … وَحَلَّ بِقَلْبِي لِلْهُمُومِ نُدُوبُ لِطُولِ جِنَايَاتِي وَعِظَمِ خَطِيئَتِي … هَلَكْتُ وَمَا لِي فِي الْمَتَابِ نَصِيبُ وَأَغْرَقُ فِي بَحْرِ الْمَخَافَةِ آيِسًا … وَتَرْجِعُ نَفْسِي تَارَةً فَتَتُوبُ وَيُذْكَرُ عَفْوٌ لِلْكَرِيمِ عَنِ الْوَرَى … فَأَحْيَا وَأَرْجُو عَفْوَهُ فَأُنِيبُ فَأَخْضَعُ فِي قَوْلِي وَأَرْغَبُ سَائِلًا … عَسَى كَاشِفُ الْبَلْوَى عَلَيَّ يَتُوبُ قَالَ ابْنُ طَرَارَا الْجَرِيرِيُّ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: لِمَنْ؟ قِيلَ: لِأَبِي نُوَاسٍ، وَهِيَ فِي زُهْدِيَّاتِهِ. وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا النُّحَاةُ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا.
وَقَالَ حَسَنُ ابْنُ الدَّايَةِ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي نُوَاسٍ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: عِظْنِي. فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا … فَإِنَّكَ لَاقِي رَبًّا غَفُورَا سَتُبْصِرُ إِذْ وَرَدْتَ عَلَيْهِ عَفْوَا … وَتَلْقَى سَيِّدًا مَلِكًا قَدِيرَا تَعَضُّ نَدَامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا … تَرَكْتَ مَخَافَةَ النَّارِ السُّرُورَا
فَقُلْتُ: وَيْلَكَ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ تَعِظُنِي بِهَذِهِ الْمَوْعِظَةِ؟ فَقَالَ: اسْكُتْ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِهَذَا السَّنَدِ لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ وَقَالَ الرَّبِيعُ وَغَيْرُهُ، عَنِ الشَّافِعِيِّ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي نُوَاسٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقُلْنَا: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ … بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ … تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا وَلَوْلَاكَ لَمْ يَصْمُدْ لِإِبْلِيسَ عَابِدٌ … فَكَيْفَ وَقَدْ أَغْوَى صَفِيَّكَ آدَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَرُوِيَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا عِنْدَ رَأْسِهِ رُقْعَةً مَكْتُوبًا فِيهَا بِخَطِّهِ:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً … فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ … فَمَنِ الَّذِي يَدْعُو وَيَرْجُو الْمُجْرِمُ أَدْعُوكَ رَبِّ كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا … فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا … وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ أَنَّي مُسْلِمُ
وَقَالَ يُوسُفُ ابْنُ الدَّايَةِ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ:
دَبَّ فِيَّ الْفَنَاءُ سُفْلًا وَعُلْوًا … وَأُرَانِي أَمُوتُ عُضْوًا فَعُضْوَا لَيْسَ تَأْتِي مِنْ سَاعَةٍ بِيَ إِلَّا … نَقَصَتْنِي بِمُرِّهَا فِيَّ جَزْوَا ذَهَبَتْ جِدَّتِي بِلَذَّةِ عَيْشِي … وَتَذَكَّرْتُ طَاعَةَ اللَّهِ نِضْوَا قَدْ أَسْأْنَا كُلَّ الْإِسَاءَةِ فَاللَّهُمَّ … صَفْحًا عَنَّا وَغَفْرًا وَعَفْوَا ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، سَامَحَهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا. فَأَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي فَمِهِ إِذَا غَسَّلُوهُ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَجِدُوا لَهُ مِنَ الْمَالِ سِوَى ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثِيَابِهِ وَأَثَاثِهِ. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الشُّونِيزِيَّةِ فِي تَلِّ الْيَهُودِ، وَلَهُ خَمْسُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً. وَقِيلَ: تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. وَقَدْ رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا فِي النَّرْجِسِ:
تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ … إِلَى آثَارِ مَا فَعَلَ الْمَلِيكُ عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ فَاخِرَاتٌ … بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ عَلَى قَصَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ … بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا، وَهِيَ تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَاءُوا فَوَجَدُوهَا فِي رُقْعَةٍ بِخَطِّهِ وَهِيَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ:
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً … فَلَقْدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ الْأَبْيَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.