سمعت رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث 1089

الحديث رقم 1089 من كتاب «كتاب الفضائل» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لتسون صفوفكم…

سمعت رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». متفقٌ عَلَيهِ. (١)

وفي رواية لمسلم: أنَّ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ (٢) حَتَّى رَأى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَومًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ، لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ».

سند حديث: ١٠٨٩ - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما…

١٠٨٩ - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لتسون صفوفكم…

أكد صلى الله عليه وسلم أَّنَّه إن لم تعدل الصفوف وتسوى فليخالفنَّ الله بين وجوه الذين اعوجت صفوفهم فلم يعدلوها، وذلك بأنه حينما يتقدم بعضهم على بعض في الصف، ويتركون الفرجات بينهم.
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه بالقول ويهذبهم بالفعل، فظل يقيمهم بيده، حتى ظن صلى الله عليه وسلم أنهم قد عرفوا وفهموا، وفي إحدى الصلوات رأى واحدا من الصحابة قد بدا صدره في الصف من بين أصحابه، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".

الفوائد المستفادة من الحديث

  • التحذير من كل ما يوقع التباغض والتنافر.
  • ظاهر الحديث، وجوب تعديل الصفوف، وتحريم تعويجها، للوعيد الشديد.
  • شدة اهتمامه -صلى الله عليه وسلم- بإقامة الصفوف، فقد كان يتولى تعديلها بيده الكريمة وهذا يدل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام.
  • الجزاء من جنس العمل، فقد توعد بمخالفة وجوههم مقابل مخالفة صفوفهم.
  • غضب النبي صلى الله عليه وسلم على اختلاف الصف، فيقتضي الحذر من ذلك.
  • جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.
  • يتحتَّم على الإمام أن لا يُكبِّر حتَّى يَتأَكَّد من تأديته لمهامه في تسوية صفوف المأمومين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لتسون صفوفكم…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها]

١٠٨٢ - عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف رواه مسلم

١٠٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا متفق عليه

[الشَّرْحُ]

قال النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين باب فضل الصف الأول والتراص في الصفوف وتسويتها وإكمال الأول فالأول هذه مسائل متعددة بين رحمه الله حكمها بما ساقه من أحاديث الحديث الأول عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها الملائكة لها عبادات متنوعة وهم عليهم الصلاة والسلام لا

يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وتأمل قوله {يسبحون الليل والنهار} ولم يقل يسبحون في الليل والنهار لأنهم يستوعبون لوقت كله في التسبيح ومن عباداتهم عند ربهم أنهم يصفون عند الله عز وجل كما قال تعالى {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} وكيف صفوفهم قال النبي صلى الله عليه وسلم يكملون الأول فالأول ويتراصون إذن فنحن إذا صففنا بين يدي الله في صلاتنا ينبغي أن نكون كالملائكة يكملون الأول فالأول ويتراصون الأول فالأول كما أنه من سنة الملائكة عند الله عز وجل ومما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الأمور التي ينبغي أن يتزاحم الناس عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول يعني من الأجر ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا يعني لو لم يجدوا طريقا يصلون إلى الصف الأول به إلا أن يجروا قرعة لفعلوا وهذا يدل على فضيلة الصف الأول ويدل على أن الأفضل التراص في الصفوف ويدل على أنه يكمل الأول فلأول فهذه ثلاث مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها ١ - ألا يقف في صف حتى يكمل الذي قلبه ٢ - في الصلاة يتراصون يلصق بعضهم كعبه بكعب أخيه ومنكبه بمنكبه حتى تتم المراصة لأنهم إذا لم يتراصوا تدخل

الشياطين بينهم كأولاد الغنم الصغار ثم يشوشون عليهم صلاتهم ولكن يجب التنبه لمسائل ١ - ليس المراد بالمراصة المراصة التي تشوش على الآخرين وإنما المراد منها ألا يكون بينك وبينه فرجة ٢ - الصف الأول لا يجوز التقدم إليه بوضع المنديل أو الكتاب أو ما أشبه ذلك وكأنه أصبح ملكا له يحجزه دائما سواء جاء أو لا حتى إني سمعت بعض الناس عندنا هنا في الجمعة أنه جاء شخص متقدم فوجد المكان ليس فيه شيء فتقدم إليه وصف فيه فجاء صاحبه الذي كان من عادته أن يصلي فيه وكأنما اشتراه من كيسه فال لماذا تجلس هنا مكاني فقال الرجل لقد وجدت مكانا خاليا فجلست فيه فقال لا هذا مكاني..

سبحان الله..

اشتريته من مالك المساجد لله عز وجل..

من جاء الأول فهو أحق وليس أحد أحق بمكانه من أحد أبدا والإنسان ينبغي له أن يتجنب هذه الأمور بل قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أن التحجز حرام وأنه لا يجوز حتى بعض الفقهاء قال يتوجه أن لا تصح صلاته لأنه شبه مغصوب حيث إنه جلس في مكان لا يستحقه

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا معناه أنهم يتقدمون ويتسابقون ثم إن حجز الأماكن فيه مضرة فيقل الإنسان إن مكاني مضمون فينحرف عن الخير بناء على أن مكانه مضمون المهم بارك الله فيكم أن المراد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس من في النداء والصف الأول من يتقدم بنفسه نعم إذا كان إنسا حاضر بالمسجد ولكنه أراد أن يبتعد عن الصف الأول لأجل أن يقرأ أو يصلي أو يراجع أو ينام ولا بأس بالنوم في المسجد فلا بأس لأنه مستحقة لكن يجب أن يصل إلى مكانه قبل أن تتصل الصفوف فيحتاج إلى تخطي الرقاب وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتخطى الرقاب فقال اجلس فقد آذيتهم وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على جواز الاستهام في القرب يعني لو تنازع اثنان في الأذان وليس بينهما مؤذن راتب ومتساويان في الصفات المطلوبة في الأذان فحينئذ نقرع بينهما فمن خرجت له القرعة هو الذي يؤذن ومع الأسف أنك ترى بعض الناس الآن جماعة مسافرين أو ما أشبه ذلك كل واحد يقول للثاني أذن أنت وهو لا يعلم ما في الأذان من خير فهو الأذان لا يسمعه شجر ولا مضر ولا حجر إلا شهد لك يوم القيامة فينبغي أن تبادر للأذان

نسأل الله لنا ولكم الخير وأن يجعلنا من المتسابقين للخيرات إنه على كل شيء قدير

١٠٨٤ - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه مسلم

١٠٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم

يتأخرون حتى يؤخرهم الله رواه مسلم

١٠٨٦ - وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم رواه مسلم

١٠٨٧ - وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة متفق عليه وفي رواية للبخاري فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان فضل الصفوف نقلها النووي رحمه الله في رياض الصالحين منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وذلك لأن صفوف النساء تكون خلف الرجال ذا هو السنة فإذا كان أولها فهو قريب من الرجال فيكون شرها وآخرها بعيد عن الرجال فيكون

خيرها أما الرجال فكلما تقدموا فهو أفضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا عن التأخر لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله وهذه خطيرة أن الإنسان كلما تأخر عن الصف الأول أو الثاني أو الثالث ألقى الله في قلبه محبة التأخر في كل عمل صالح والعياذ بالله ولهذا قال لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله فأنت يا أخي تقدم في الصف الأول فالأول وقوله في الحديث خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ما لم يكن النساء في مكان خاص لهن فإن خير صفوفهن أولها لأنه أقرب من الإمام ولا محذور فيه لأنهن بعيدات عن الرجال ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي مناكب أصحابه عند التكبير مناكبهم يعني أكتافهم ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم يعني أن اختلاف الناس بعضهم متقدم وبعضهم متأخر يوجب اختلاف القلوب وآخر الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتسوية الصف وقال إن تسوية الصف من تمام الصلاة وهو كذلك وفي رواية إقامة الصفوف من تمام الصلاة فالذي ينبغي لنا أن نقيم صفوفنا وتكملة الأول فالأول والتراص حتى يكون ذلك من تمام صلاتنا والله الموفق

١٠٨٨ - وعنه قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه وفي رواية للبخاري وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه

١٠٨٩ - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم متفق عليه وفي رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في تتمة باب إقامة الصفوف والحث على تسويتها وما يتعلق بذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي الصفوف فيقبل على الناس ويقول أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري فأمرهم صلى الله عليه وسلم بإقامة الصفوف وأخبر أنه يراهم من وراء ظهره وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه في هذه الحالة المعينة يرى الناس من وراء ظهره أما فيما سوى ذلك فإنه لا يرى من وراء ظهره شيئا وأخبر صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير أنه إما أن تسووا الصفوف أو يخالفن الله بين وجوهكم فقال عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم واختلف العلماء في قوله بين وجوهكم فقيل المعنى أن الله

يعاقبهم بأن يجعل وجوههم نحو ظهورهم فتلوى الأعناق وقيل المعنى أي بين وجهات نظركم هو كالحديث الذي سبق لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وهذا المعنى أصح وأرجح فالرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن نختلف بل قال لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ومعلوم أن الاختلاف الظاهر يؤدي إلى اختلاف الباطن فإذا اختلف الناس فيما بينهم ظاهرا أدى ذلك إلى اختلاف القلوب وإذا اختلفت القلوب صار الشر والفساد والعياذ بالله وخلاصة هذا الباب كله أننا مأمورون بتسوية الصفوف على النحو التالي ١ - تسوية الصف بالمحاذاة بحيث لا يتقدم أحد على أحد ولهذا كان الصحابة يلصق أحدهم قدمه بقدم صاحبه ومنكبه بمنكبه وفي هذا الوصف دليل على فساد فهم هؤلاء الذين إذا وقفوا في الصف فتحوا بين أرجلهم حتى تكون القدم لاصقة بالقدم لكن المناكب متباعدة وهذا بدعة ليس من السنة السنة أننا نتراض جميعا بحيث يلصق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب ٢ - تسوية الصف بإكمال الأول فالأول بحيث لا يصف أحد في الصف الثاني والأول لم يتم أو في الثالث والثاني لم يتم ...

إلخ ٣ - أن الأولى إذا اجتمع رجال ونساء أن تبتعد النساء عن الرجال فإن خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ٤ - سد الفرج ألا ندع للشياطين فرجا يدخلون من بينها لأن

الشياطين تسلط على بني آدم ابتلاء من الله وامتحانا فإذا وجدوا فرجة في الصف تخللوا المصلين حتى يشوشوا عليهم صلواتهم ومن تمام الصفوف ٥ - إذا كانوا ثلاثة فإنه يتقدم أحدهم إماما ويكون الباقيان خلفه وإن كان بالغين أو صغيرين أو بالغ وصغير كلهم يكونون خلفه لأن ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة النفل وصلاة الفرض مثل صلاة النفل إلا إذا قام دليل على الفرق بينهما والله الموفق

١٠٩٠ - وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان يقول إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول رواه أبو داود بإسناد حسن

١٠٩١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله رواه أبو داود بإسناد صحيح

١٠٩٢ - وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رصوا صفوفكم

وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأردى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في تكمله هذا الباب الذي فيه بيان فضيلة الصف الأول وتكميل الأول فالأول من الصفوف فإن في هذه الأحاديث دليل على مسائل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح صدور أصحابه ومناكبهم ليسوي صفوفهم ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية يسوي بيده الكريمة وكان هذا عادته ولما كثر الناس في زمن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وفي زمن عثمان صار هناك رجال موكلون من قبل الخليفة يسوون الصفوف فإذا جاءوا إلى الإمام وقالوا إن الصفوف قد تمت وكملت كبر للصلاة وهذا دليل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بالصفوف والتراص فيها وتسويتها وعدم فرجات الشيطان حتى تكون الصلاة تامة مستوية فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ومن إقامة الصلاة

١٠٩٣ - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر رواه أبو داود بإسناد حسن

١٠٩٤ - عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم وفيه رجل مختلف في توثيقه

١٠٩٥ - وعن البراء رضي الله عنه قال كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك رواه مسلم

١٠٩٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطوا الإمام وسدوا الخلل رواه أبو داود

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان الصفوف الأول وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يكمل الصف الأول فالأول وأخبر أن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول وفي حديث أنس بن مالك الذي نقله المؤلف في

هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن نبدأ بالصف المقدم فالمقدم وما كان من نقص فليكن بالمؤخرة يعني أمرهم أن يتموا الصفوف الأول فالأول وما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر وهذا يدل على أن من وقف في الثاني قبل تمام الأول ولو كان معه غيره فإنه لم يصب السنة بل السنة ألا يكون أحد في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني..

إلخ هذه هي السنة وفي الأحاديث التي ذكرها المؤلف هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف لكن هذا الحديث فيه رجل مختلف في توثيقه وعلى هذا فيكون ضعيفا وإن كان على شرط مسلم من حيث الإسناد لكن إذا كان فيه رجل مختلف بتوثيقه فليكن ضعيفا أما الحديث الأخير فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يوسط الإمام فقال وسطوا الإمام يعني اجعلوه وسطا وهذا هو العدل ولهذا لما كان في أول الهجرة وكان الناس يصفون إذا كانوا ثلاثة صفا واحدا كان مشروعا أن الإمام يكون بينهم لا يكون متطرفا من حيث اليسار بل يكون بينهم فدل ذلك على أن توسيط الإمام له أهمية به نعرف أن ما

يفعله بعض الناس الآن تجدهم يكملون الصف يمينا والأيسر ليس فيه إلا القليل هذا خلاف السنة السنة أن يكون اليمين واليسار متقاربين فإذا تساويا فهنا نقول الأيمن أفضل فإن زاد رجل أو رجلان في الإيمن فلا بأس أما أن يكون الأيمن تاما والأيسر ليس فيه إلا قليل فهذا خلاف السنة لأنه ليس فيه توسيط الإمام وقد عرفتم أن الحديث الذي فيه إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف فيه رجل قد اختلف في توثيقه ...

والله أعلم

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

تعالى: (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وفي «شرح المشكاة» : إنه حديث صحيح، ففيه حث على إتقان الفرائض والاهتمام بمصححاتها وترك مفسداتها، وحض على إكثار النوافل لتكون جابرة لخلل الفرائض الذي لا يخلو منها إلا الفذّ النادر.H

١٩٤ - باب فضل الصف الأول

هو الصف الذي يلي الإمام على الصحيح وإن تخلله نحو منبر أو مقصورة وإن تأخر أصحابه، وهو في المسجد الحرام من بحاشية محل الطواف دون من تقدم عليه إلى الكعبة، بل قرب المأموم إليها على الإمام في غير جبهته مكروه مفوت لفضل الجماعة كما في «التحفة» لابن حجر. وقيل الأول ما لم يتخلله شيء وإن تأخر أصحابه، وقيل هو من جاء أولاً وإن صلى في صف متأخر. قال المصنف في «شرح مسلم» : وهذان القولان غلط صريح: أي وإن جرى الغزالي على أولهما (والأمر بإتمام الصفوف الأول) أي لا يصف الثاني حتى يتم الأول والثالث حتى يتم الثاني وهكذا (وتسويتها) أي عدم تقدم بعض من بالصف على بعض (والتراص فيها) بحيث لا يكون فيها فرجة تسع مصلياً.

١١٠٨٢ - (عن جابر بن سمرة) بضم الميم كما تقدم (رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله فقال: ألا) بتخفيف اللام حرف استفتاح جيء بها لتنبيه السامع لما بعدها (تصفون) أي تسوون صفوفكم للصلاة (كما تصف الملائكة عند) قيامها لطاعة (ربها، فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول) بضم

ففتح: أي لا يشرعون في صف حتى يكمل ما قبله، ومنه أخذ أصحابنا استحباب ذلك على التأكد فتكره مخالفته ويفوت بها ثواب الجماعة (ويتراصون) من التراص وهو الاجتماع والانتظام قال تعالى: {كأنهم بنيان مرصوص} (الصف: ٤) (في الصف) أي بحيث لا يبقى بينهم فرجة وهذا أيضاً سنة متأكدة يترتب على تركها ما ذكر فيما قبله (رواه مسلم) ورواه أبو داود والنسائي.

٢١٠٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله: قال لو يعلم الناس) أي لو علموا (ما في النداء) أي الأذان (والصف الأول) أي من الثواب والشرف الذي يضيق نطاق العبارة عن بيانه كما يومىء إليه حذفه (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا) أي يقترعوا (عليه) أي على ما ذكر لضيق الصف الأول عن جميعهم والوقت عن أذان كلهم (لاستهموا) لعظم فضلهما (متفق عليه) وتقدم مشروحاً في باب فضل الأذان.

٣١٠٨٤ - (وعنه قال: قال رسول الله: خير صفوف الرجال أولها) لقربهم من الإمام واستماعهم قراءته ومشاهدتهم لأحواله وصلوات الله وملائكته عليهم كما جاء في الأحاديث، ويليه في ذلك ثانيها ثم ثالثها وهكذا، والصف الأول أفضل حتى بمكة والمدينة على الأصح عندنا، وذلك لجريان خلاف مشهور عندنا في بطلان صلاة الذين هم أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام، ففي فضيلة الإتباع ما يزيد على المضاعفة الحاصلة للصف الثاني مثلاً الواقف في الروضة الشريفة، ومن ثم صرحوا بأفضلية النافلة في البيت عليها في مسجد مكة

والمدينة نظراً للاتباع وإن فاتت المضاعفة بناء على اختصاصها بالمسجد (وشرها آخرها) لحرمانهم ثواب تلك الفضائل الحاصلة لمن قبلهم، بل لوقوعهم في فتنة قربهم من النساء المؤدي إلى الاطلاع على بعض ما ينكشف منهن (وخير صفوف النساء آخرها) لبعده عن الرجال بعداً تنتفي معه الفتنة قطعا أو غالباً، ولامتثال أهله لما أمروا به من مزيد الستر والاحتجاب، ويليه في ذلك من قبله وهكذا (وشرها أولها) لقربه من الرجال المؤدي إلى الفتنة بهم والخير والشر في الصفين أمر نسبي باعتبار كثرة الثواب وقلته، وأيضاً فالتأخر عن الكمال مع القدرة عليه فيه غاية الهضم للقدر والتسفيه للرأي والتفنع بسفساف الأمور وعدم التطلع إلى معاليها، فلا يعد في تسميته شراً لذلك ولأنه يجر إليه كما يعلم مما يأتي في شرح قوله «ولا يزال قوم يتأخرون» الخ (رواه مسلم) ورواه أبو داود

والترمذي والنسائي.

٤١٠٨٥ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله رأى في أصحابه تأخراً) أي في صفوف الصلاة أو في أخذ العلم (فقال لهم: تقدموا فائتموا) أي اقتدوا (بي وليأتم بكم من بعدكم) معناه على الأول: ليقف خلفي من غير تأخر كثير بأن لا يزيد ما بينهم وبينه على ثلاثة أذرع، وكذا ما بين كل صف، وما يليه أهل الفضل والصلاح ثم خلفهم من هو دونهم في ذلك وهكذا، ومعنى ائتمام كل صف بمن قبله أنه يتبعه في حركاته لأن من قبله أسرع علماً بانتقالات الإمام منه، وعلى الثاني ليتعلم كل منكم العلوم الظاهرة والباطنة مني وليتعلم التايعون منكم وهكذا قرناً بعد قرن إلى آخر الدهر (لا يزال قوم يتأخرون) أي عن اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل (حتى يؤخرهم الله) عن رحمته وعظيم ثوابه وفضله ورفيع منزلة أهل قربه حتى يكون عاقبة أمرهم النار كما جاء في رواية: (رواه مسلم) وفيه آكد حث على التسبق إلى معالي الأمور والأخلاق، وأبلغ زجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، وأبلغ تنبيه إلى أن ذلك يؤدي إلى تجرع غصص البعد والغضب، أعادنا الله من ذلك بمنه.

٥١٠٨٦ - (وعن أبي مسعود) عقبة بن عامر البدري (رضي الله عنه قال: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة) أي يسويها بيده الكريمة حتى لا يخرج بعض الصف عن بعضه (ويقول) أي حال تسوية المناكب كما هو الظاهر من السياق، ويحتمل كونها معطوفة على الجمثة الخيرية قبلها (استووا) في التصاف (ولا تختلفوا) بأن يتدم منكب بعضكم على منكب بعض (فتختلف) بالنصب لأنه في جواب النهي (قلوبكم) أي، أهويتها وإرادتها (ليلني) أي ليدن مني بحذف الياء وتخفيف النون كذا في جميع النسخ هنا، وفي إحدى رواياته بفتح الياء وتشديد النون على أنها للتوكيد كما تقدم في باب توفير العلماء والكبار، وبتخفيف النون مع الياء قيل وهي غلط لأن حقه لكونه أمراً باللام حذف الياء. وأجيب بأن عدم حذف الجازم لحرف العلة لغة صحيحة. قلت: هذا إن كانت الياء ساكنة، فإن كانت مفتوحة والنون للتأكيد خفيفة فلا يحتاج لجواب كما كان مع الثقيلة (منكم أولو الأحلام) جمع حلم بالكسر كأنه من الحلم وهو الأناة والتثبت في الأمر وذلك من شعار العقلاء (والنهي) بضم ففتح جمع نهية بالضم وهو العقل لأنه ينهي صاحبه عن القبائح، هذا ما جرى عليه المصنف في غير «شرح مسلم» وقال فيه: النهي العقول، وأولوا الأحلام هم العقلاء، وقيل البالغون، فعلى الأول اللفظان بمعنى، ولاختلافهما لفظاً عطف أحدهما على الآخر تأكيداً وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء اهـ. وفي «المجموع» : أولوا الأحلام معناه البالغون العقلاء الكاملون في الفضيلة، وقد نقل المصنف بعض هذا الخلاف في الباب المذكور آنفاً (ثم الذين يلونهم) كالصبيان المميزين، المراهق وغيره سواء (ثم الذين يلونهم) وهو الخناثى ويصح أن يراد بهم النساء وذكرهم على وزن ما قبله (رواه مسلم) .

٦١٠٨٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: سووا صفوفكم) بترك تقدم بعض على آخر فيها، قال الشيخ تقي الدين القشيري: تسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، وقد تدل تسويتها أيضاً على سدّ الفرج فيها بناء على التسوية المعنوية،

واتفقوا على أن المراد تسويتها بالمعنى الأول، وأن الثاني أمر مطلوب أيضاً (فإن تسوية الصف) المراد به الجنس بدليل رواية الصوف بصيغة الجمع الآتية (من إقامة الصلاة) وفي رواية «من تمام الصلاة» وفي رواية «من حسن الصلاة» (متفق عليه) .

(وفي رواية للبخاري) أي عن أنس أيضاً (فإن تسوية الصفوف) أي بصيغة الجمع (من إقامة الصلاة) وفي «الجامع الصغير» بعد إيراده كذلك رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه. قال ابن رسلان: في هذا رد على من قال المفرد المحلى بأل لا يعم، ووجهه أنه أضاف. الصفوف بصيغة الجمع فعمت ثم أفردها فلو لم يكن للعموم لتناقض بالعموم في الأول والخصوص في الثاني.

٧١٠٨٨ - (وعنه قال: أقيمت الصلاة) وفي رواية ذكرها في «المشكاة» الصفوف (فأقبل علينا رضي الله عنه بوجهه) تأكيداً إذ الإقبال لا يكون إلا به (فقال: أقيموا صفوفكم) أي داوموا على إقامتها واعتنوا بها لعظم جدواها وشرف غايتها، هذا إن كان صدر منه بعد تمام الإقامة وإن كان قبلها فمعناه اجعلوها كذلك (وتراصوا) أي تلاصقوا بالمناكب حتى لا يكون بينكم فرجة (فإني أراكم من وراء ظهري) أي حقيقة فأعلم ما يقع منكم ثم الرؤية قيل بعينه معجزة له، وقيل بغير ذلك مما يأتي (رواه البخاري بلفظه) المذكور (ورواه مسلم بمعناه) ولفظه «أتموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري» ولا ينافي هذا الحديث حديث «لا أعلم ما وراء جداري» لأن هذا خاص بحالة الصلاة، لأنه لما حصل له فيها قرة العين بما أفيض عليه فيها من غايات القرب المختص بها التي لا يوازيه فيها غيره صار بدنه الشريف كالمرآة الصافية التي لا تحجب ما وراءها، وقل كان له بين جنبيه عينان كسم الخياط لا تحجبهما الثياب (وفي رواية للبخاري) من حديث أنس أيضاً (وكان أحدنا يلزق منكبه) بفتح الميم وكسر الكاف: هو مجتمع رأس العضد والكتف (بمنكب صاحبه

وقدمه بقدمه) مبالغة في التراص الذي أمروا به. وعند البخاري أيضاً: قال النعمان بن بشير «رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه» .

٨١٠٨٩ - (وعن النعمان بن بشير) الأنصاري (رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: لتسوّن) بصيغة المبني للفاعل وحذف الواو الفاعل لملاقاتها ساكنة مع النون المدغمة ودلالة الضمة عليها (صفوفكم) أي بعدم تقدم بعض من فيها على بعض وعدم الانتقال إلى الثاني حتى يكمل الأول (أو) للتنويع (ليخالفنّ الله بين وجوهكم) أي ليكونن أحد الأمرين تسوية الصفوف أو مخالفة الوجوه بتحويلها إلى أدباركم، أو بمسخها على صورة بعض الحيوان أو وجوه قلوبكم الخبر أبي مسعود السابق «فتختلف قلوبكم» أي أهويتها وإرادتها، وحينئذ تثور الفتن وتختلف الكلمة وتنحل شوكة الإسلام والمسلمين فيتسلط العدو ويفشو المنكر وتقل العبادات في ذلك من المفاسد ما لا يحصى (متفق عليه) .

(وفي رواية لمسلم) أي عن النعمان أيضاً (أن رسول الله كان يسوي صفوفنا حتى) غاية التسوية (كأنما يسوي بها القداح) جمع قدح بكسر فسكون وهو السهم قبل أن يراش ويركب نصله، وعكس فيه التشبيه إذ الظاهر كأنما يسويها بالقداح مبالغة في استوائها، لأن القدح لا يصلح لما يراد منه إلا بعد نهاية الاستواء، وجمع في مقابلة الصفوف: أي يسوى كل صف بقدح (حتى رأى أنا قد عقلنا عنه) أي لم يبرح يسويها حتى استوينا فيها الاستواء الذي أراده منا وفهمناه من قوله وفعله (ثم خرج يوماً فقام حتى كاد) أي قارب (يكبر) أي للإحرام (فأي رجلاً بادياً) أي ظاهراً (صدره من الصف) لخروجه عن مساواة من فيه،

وبادياً صفة رجل ورجل مفعول رأي البصرية (فقال: عباد الله) لم ينهه بخصوصه جريا على عادته الكريمة مبالغة في الستر (لتسوّن صفوفكم) اللام هي مؤذنة بالقسم المقدر ولذا أكد الفعل بالنون (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) أي والله ليكونن أحد الأمرين، فيه من التوبيخ والتهديد الغاية، وفيه آكد حث على تسوية الصفوف وأبلغ زجر عن ترك تسويتها لما يترتب عليه من المخالفة المتقدم معناها والخلاف فيه.

٩١٠٩٠ - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله يتخلل الصف) أي يذهب خلله نحو يتأثم ويتحنث: أي يتحرج من الوقوع في الإثم والحنث (من ناحية إلى ناحية) أي يستوعبه من سائر أطرافه (يمسح صدورنا ومناكبنا) بيده الكريمة حتى لا يخرج بعضها عن بعض (ويقول لا تختلفوا) بالتقدم والتأخر في الصف (فتختلف قلوبكم) أي أهويتها المؤدي إلى ما لا يحصى من المفاسد (وكان يقول) حثاً على تكميل الصفوف والمبادرة إلى الأقرب منها للإمام (إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول) بضم ففتح: أي بأن يكونوا في غير الأخير، وتسمية ما بين الصف الأول وهو الذي يلي الإمام والأخير صفوفاً أول مجاز لأنها كذلك بالنظر للأخير. ففيه تأكيد إتمام الصف الأول ثم الثاني وهكذا، فالصفوف الأول خير الصفوف للرجال وعكسه للنساء كما تقدم في حديث أبي هريرة (رواه أبو داود) في الصلاة من «سننه» ورواه النسائي أيضاً فيها (بإسناد حسن) فرواه أبو داود عن هناد وأبي عاصم أحمد بن خواس الحنفي كلاهما عن أبي الأحوص عن منصور عن طلحة بن مطرف عن عبد الرحمن بن عويجة الهنمي، ويقال الهمداني، ويقال الهمداني الكوفي، ورواه النسائي عن قتيبة عن أبي الأحوص بالسند المذكور، كذا في «أطراف» المزي.

١٠١٠٩١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: أقيموا الصفوف) بتسويتها كما جاء في رواية بلفظ: سووا الصفوف (وحاذوا بين المناكب) وذلك إنما يكون عند مساواة كل للغير في المسامنة في الصف (وسدوا الخلل) أي الفرج التي في الصفوف وذلك بأن تتراصوا حتى لا يبقى فيها فرجة ولا سعة، والفرق بينهما أن الفرجة خلاء ظاهر، والسعة أن يكونوا بحيث لو دل بينهم آخر لوسعه من غير مشقة تحصل لأحد (ولينوا بأيدي إخوانكم) أي إذا أخذوا بها ليقدموكم أو يؤخروكم حتى يستوي الصف لتنالوا فضل المعاونة على البر والتقوى، ويصح أن يراد: لينوا بيد من يجركم من الصف: أي وافقوه ليزيلوا عنه وصمة الانفراد المبطلة للصلاة عند بعض (ولا تذروا فرجات) بضمتين أو بضم فسكون جمع فرجة (للشيطان) أضيفت إليه لأنها محل تردده للإغواء (ومن وصل صفا وصله الله) أي بإدرار أصناف رحمته وإغداق هوامع نعمته والجملة مستأنفة (ومن قطع صفاً قطعه الله) أي عن مواسم الخيرات وحقائق المبرات. وفيه أبلغ حث على وصل الصفوف بسد فروجها وتكميلها بأن لا يشرع في صف حتى يكمل ما قبله، وأبلغ زجر عن قطعها بأن يقف في صف وبين يديه صف آخر ناقص أو فيه فرجة، ومن تأمل بركة دعائه للواصل وخطر دعائه المقبول الذي لا يرد على القاطع وكان عنده أدنى ذرة من الإيمان بادر إلى الوصل وفر عن القطع ما أمكنه (رواه أبو داود) ورواه أحمد والطبراني كما في «الجامع الصغير» (بإسناد صحيح) ورواه أحمد أيضاً كما في «المشكاة» بلفظ «سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم ولينوا في أيدي إخوانكم وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل بينكم بمنزلة الحذف» يعني بمنزلة أولاد الضأن الصغار، وعدم تعقيبه الحكم بصحة الإسناد بوصف المتن بما يخالف ذلك يشعر بصحة الحديث عنده على القاعدة في مثله.

١١١٠٩٢ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: رصوا صفوفكم) أي حتى

لا يبقى فيها فرجة ولا خلل (وقاربوا بينها) بأن يكون ما بين كل صفين ثلاثة أذرع تقريباً، فإن بعد صف عما قبله أكثر من ذلك كره لهم وفاتهم فضيلة الجماعة حيث لا عذر من حر أو برد شديد وهذا في غير النساء، أما هن فيسن لهن التأخر عن الرجال كثيراً (وحاذوا بالأعناق) ينبغي تفسيره بالمحاذاة بالمناكب التي سبق الأمر بها قولاً وفعلاً، إذ يلزم في المحاذاة بالأعناق بأن لا يتقدم عنق أحدهم ولا يتأخر المحاذاة بالمناكب (فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصفوف) أي فرجها أو تباعدها عن بعضها بأكثر مما مرّ (كأنها الحذف) ببه بهذا الإقسام العظيم على تأكيد التراص والتقارب لعظم فائدتهما وهي منع دخول الشيطان بينهم المستلزم لتسلطه وإغوائه ووسوسته حتى يفسد عليهم صلاتهم وخشوعهم الذي هو روح الصلاة وعود بركة ما فيها من الأنفاس الطاهرة على البقية، ولا مذهب للشيطان وكيده أعظم من الذكر الصادر من القلب الصالح ثم تأنيث ضمير كأنها الراجع إلى الشيطان صحيح لأنه اسم جنس بمعنى الشياطين فيجوز تذكير ضميره رعاية للفظه كما ورد به أيضاً وتأنيثه رعاية لمعناه وفيه أوجه أخر هذا أحسنها (حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح) فرواه عن مسلم بن إبراهيم عن أبان، عن قتادة، عن أنس (على شرط مسلم) أي برجال روى مسلم حديثهم في الصحيح، وإلا فليس لأحد من الشيخين شرط منصوص عليه في كتابيهما المذكورين، ورواه النسائي في الصلاة أيضاً من «سننه» عن محمد بن عبد الله بن المبارك عن أبي هشام المخزومي عن قتادة.

(الحذف بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين ثم فاء: وهي غنم سود صغار تكون باليمن) أو بالحجاز واحده حذفة بالتحريك سميت بذلك لأنها محذوفة عن مقدار غالب جنسها، وتقدم تفسيرها في حديث أحمد مرفوعاً بنحوه.

١٢١٠٩٣ - (وعنه أن رسول الله قال: أتموا الصف المقدم) أي الأول وذلك بسد فرجه

حتى لا يبقى منها ما يسع واحداً (ثم) أي بعد تمام الأول أتموا الصف (الذي يليه) وهو الثاني وهكذا (فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر) أي الأخير (رواه أبو داود) في الصلاة من سننه (بإسناد حسن) فرواه عن محمد بن سليمان الأنباري عن عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس، ومن هذا الحديث الصريح في إتمام الصف الأول والثاني أخذ أصحابنا قولهم يسن إتمام الصف الأول ثم الذي يليه حتى لا يبقى نقص في غير الأخير، وفيه أن من وقف قبل إتمام ما قبله كان مقصراً تاركاً للسنة فيفوته فضل الجماعة.

١٣١٠٩٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) أي الصفوف التي في ميمنة الإمام، ومنه أخذ أئمتنا أفضلية الوقوف عن يمين الإمام ولو تعارض مع القرب من الإمام ما استوجهه أئمتنا، والمراد أنه يسن إذا وصل المأموم المسجد ووجد الناس متوسطين الإمام ووجد فرجة على يمينه وأخرى عن يساره أن يسد فرجة اليمين، فلا يلزم من تفضيل التيامن فوات سنة توسيط الإمام المطلوب أيضاً، ومحل طلب التيامن إذا كانت جهته تسع جميع الجاءين وإلا سن التسابق إليها والباقون يصلون في اليسرى، كما أن السنة إتمام الصف الأول ثم الثاني وهكذا (رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم) فرواه عن عثمان بن أبي شيبة عن معاوية بن هشام عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة (وفيه رجل مختلف في توثيقه) هو معاوية بن هشام، قال في «الكاشف» : قال ابن معين: معاوية بن هشام صالح وليس بذاك في «التهذيب» للذهبي: وقال فيه أبو داود إنه ثقة، وقال يعقوب ابن أبي شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك هو إسحاق الأزراق اهـ.e قال المصنف في «الخلاصة» : وفيه رجل

مختلف فيه، وصححه أبو القاسم الطبراني، وأشار البيهقي إلى تضعيفه والمختار تصحيحه فلم يذكر ما يقتضي ضعفاً اهـ. وعبارة البيهقي التي أشار إليها في «الخلاصة» هي قوله بعد إيراد الحديث باللفظ المذكور لك المحفوظ بهذا الإسناد عن النبيّ «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف» ثم ذكر له طرقاً متنها كما ذكره ثم قال: قال الطبراني: كلاهما صحيحان، قال البيهقي: يعني الإسنادين، أما المتن الأول فإن معاوية بن هشام انفرد به، ولا أراه محفوظاً فقد رواه عبد الله بن وهب وغيره عن أمامة نحو رواية الجماعة «يصلون على الذين يصلون الصفوف» اهـ. وكأن وجه عدم تضعيف ذلك الحدث المذكور أنه لا يلزم من روايتهم بهذا الإسناد ذلك المتن أن لا يروي به غيره متناً آخر،

والسكوت عن الشيء لا ينقيها والله أعلم. قال في «الجامع الصغير» : والحديث رواه ابن حبان في «صحيحه» وأبو نعيم في «حليته» أيضاً، والحديث رواه ابن ماجه بهذا الإسناد.

١٤١٠٩٥ - (وعن البراء رضي الله عنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبيّ) فيه الإيماء إلى ندب تأخر المأموم عن الإمام وإن كانت المساواة له في الموقف لا تبطل الصلاة (أحببنا أن نكون عن يمينه) أي واقفين بجهة يمناه، وعلل حبهم ذلك على طريق الاستئناف البياني بقوله (يقبل علينا بوجهه) ولا مخالفة بين هذا الحديث وحديث ابن ماجه «من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر» لاختلاف زمنهما كما قال المحدثون، وذلك أنه لما حث على التيامن عمرت جهة اليمين وازدحموا عليها فتعطلت الميسرة فقال ذلك، ذكره الدميري في «الديباجة» (فسمعته يقول) خضوعاً لربه وتعظيماً لأمته (رب قنى عذابك يوم تبعث، أو) شك من الراوي (تجمع عبادك) والمراد منه عليهما يوم القيامة وطلب الوقاية من عذابه لأنه أشد العذاب وأعظمه (رواه مسلم) ورواه ابن ماجه أيضاً مقتصراً على قوله تبعت من غير شك.

١٥١٠٩٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: وسطوا الإمام) أي

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ في كِتابِ الإيمان بإسنادٍ صحيحٍ.

الحديث: دليل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، واختلف العلماء هل يجب القتل لترك الصلاة واحدة أو أكثر. فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة. قال أحمد بن حنبل: إذا دعي إلى الصلاة فامتنع، وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها، وجب قتله. وقال الشافعي: من ترك الصلاة كسلاً حتى أخرجها عن وقت الضرورة يقتل حدًا، إن لم يتب.

[١٠٨١] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإنْ صَلَحَتْ، فَقَدْ أفْلَحَ وأَنْجَحَ، وَإنْ فَسَدَتْ، فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُ - عز وجل -: انْظُرُوا هَلْ لِعَبدي من تطوّعٍ، فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أعْمَالِهِ عَلَى هَذَا» . رواه التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: الحثُّ على إتقان الفرائض، والاهتمام بمصححاتها، وترك مفسداتها، والحضُّ على إكثار النوافل لتكون جابرة لخلل الفرائض.

[١٩٤ - باب فضل الصف الأول]

والأمر بإتمام الصفوف الأُوَل وتسويتها والتراصّ فِيهَا

[١٠٨٢] عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ... رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «ألا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟» فَقُلنَا: يَا رَسُول اللهِ، وَكَيفَ تُصَفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ» . رواه مسلم.

الصفُّ الأول: هو الذي يلي الإِمام، وفي المسجد الحرام من بحاشية محل الطواف، دون من تقدم عليه إلى الكعبة في غير جهة الإمام.

قوله: «يتمون الصفوف الأُوَل» ، أي: لا يشرعون في صف حتى يُكمل ما قبله.

[١٠٨٣] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» . متفقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: عِظَمُ ثواب الأذان، وثواب الصف الأول.

[١٠٨٤] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أوَّلُهَا» . رواه مسلم.

«خير صفوف الرجال أولها» : لسبقهم إلى الفضيلة، «وشرها آخرها» : لتأخرهم. و «خير صفوف النساء آخرها» : لبعدهن عن الرجال، و «شرها أولها» : لقربهن من الفتنة.

[١٠٨٥] وعن أبي سعيد الخدرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في أصْحَابِهِ تَأَخُّراً، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الحثُّ على التسابق إلى الطاعة، وإلى معالي الأمور

والأخلاق، والزجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، والتأخر عن الطاعات.

[١٠٨٦] وعن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَووا ولا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.

الأحلام: جمع حِلْم، وهو: الأناة والتثبت. والنُّهى: العقول.

[١٠٨٧] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» . متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية للبخاري: «فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ» .

قال البخاري: بابٌ إقامةُ الصف من تمام الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه وأقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من أحسن الصلاة» ، ثم ذكر حديث أنس.

وفيه: دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف.

[١٠٨٨] وعنه قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . ... رواه البُخَارِيُّ بلفظه، ومسلم بمعناه.

وفي رواية للبخاري: وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.

لفظ مسلم: «أتموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري» .

قال الشارح: ولا ينافي هذا الحديثُ حديثَ: «لا أعلم ما وراء جداري» لأن هذا خاص بحالة الصلاة، لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حصل له فيها قرة العين بما أفيض عليه فيها من غايات القرب المختص بها التي لا يوازيه فيها غيره، صار بدنه الشريف كالمرآة الصافية التي لا تحجب ما وراءها.

[١٠٨٩] وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم: أنَّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى رَأى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوماً فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ، لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» .

القِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. والقداح: جمع قدح، وهي خشب السهام حين تبرى وتنحت وتهيأ للرمي، وهي مما يطلب فيها التحرير وإلا كان السهم طائشًا.

وفي الحديث: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.

وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة.

قوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم» ، أي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن؛ لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب، الداعي إلى القطيعة.

[١٠٩٠] وعن البراءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا، وَيَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وكانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

[١٠٩١] وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أقيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينوا بِأيْدِي إخْوانِكُمْ، ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ للشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفّاً وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفّاً قَطَعَهُ اللهُ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: الحث على وصل الصفوف وتكميلها، والزجر عن قطعها.

قوله: «ولينوا بأيدي إخوانكم» ، أي: إذا قدموكم أو أخروكم حتى يستوي الصف.

[١٠٩٢] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأعْنَاقِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ، كَأَنَّهَا الحَذَفُ» . حديث صحيح رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم.

«الحَذَفُ» بحاء مهملةٍ وذالٍ معجمة مفتوحتين ثُمَّ فاء وهي: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ.

نبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا االقسم العظيم على تأكيد التراص بين الصفوف، والتقارب لعظم فائدتهما، وهي منع دخول الشيطان بينهم، المستلزم لتسلطه وإغوائه، ووسوسته، حتى يفسد عليهم صلاتهم، وخشوعهم الذي هو روح الصلاة.

[١٠٩٣] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

في هذا الحديث: الحث على إتمام الصفوف الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ.

[١٠٩٤] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها، قالت: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم، وفيه رجل مُخْتَلَفٌ في تَوثِيقِهِ.

في هذا الحديث: فضل الوقوف في ميمنة الإمام.

قال البخاري: باب ميمنة المسجد والإمام وذكر حديث ابن عباس رضي لله عنهما، قال: «قمت ليلة أصلي عن يسار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ بيدي حتى أقامني عن يمينه» .

قال الحافظ: وكأنه أشار إلى ما أخرجه النِّسائي بإسناد صحيح، عن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحببنا أن نكون عن يمينه» .

ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» . انتهى.

ومحل ذلك إذا لم تتعطل ميسرة الإمام، وإلا فتوسيط الإمام أفضل كما في الحديث الآخر: «وسطوا الإِمام وسُدُّا الخلل» .

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب فضل الصف الأول والأمر بإتمام الصفوف الأول وتسويتها والتراص فيها]

١٠٨٢ - عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها قال يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف رواه مسلم

١٠٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لا ستهموا متفق عليه

[الشَّرْحُ]

قال النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين باب فضل الصف الأول والتراص في الصفوف وتسويتها وإكمال الأول فالأول هذه مسائل متعددة بين رحمه الله حكمها بما ساقه من أحاديث الحديث الأول عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها الملائكة لها عبادات متنوعة وهم عليهم الصلاة والسلام لا

يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وتأمل قوله {يسبحون الليل والنهار} ولم يقل يسبحون في الليل والنهار لأنهم يستوعبون لوقت كله في التسبيح ومن عباداتهم عند ربهم أنهم يصفون عند الله عز وجل كما قال تعالى {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} وكيف صفوفهم قال النبي صلى الله عليه وسلم يكملون الأول فالأول ويتراصون إذن فنحن إذا صففنا بين يدي الله في صلاتنا ينبغي أن نكون كالملائكة يكملون الأول فالأول ويتراصون الأول فالأول كما أنه من سنة الملائكة عند الله عز وجل ومما رغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الأمور التي ينبغي أن يتزاحم الناس عليها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول يعني من الأجر ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا يعني لو لم يجدوا طريقا يصلون إلى الصف الأول به إلا أن يجروا قرعة لفعلوا وهذا يدل على فضيلة الصف الأول ويدل على أن الأفضل التراص في الصفوف ويدل على أنه يكمل الأول فلأول فهذه ثلاث مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها ١ - ألا يقف في صف حتى يكمل الذي قلبه ٢ - في الصلاة يتراصون يلصق بعضهم كعبه بكعب أخيه ومنكبه بمنكبه حتى تتم المراصة لأنهم إذا لم يتراصوا تدخل

الشياطين بينهم كأولاد الغنم الصغار ثم يشوشون عليهم صلاتهم ولكن يجب التنبه لمسائل ١ - ليس المراد بالمراصة المراصة التي تشوش على الآخرين وإنما المراد منها ألا يكون بينك وبينه فرجة ٢ - الصف الأول لا يجوز التقدم إليه بوضع المنديل أو الكتاب أو ما أشبه ذلك وكأنه أصبح ملكا له يحجزه دائما سواء جاء أو لا حتى إني سمعت بعض الناس عندنا هنا في الجمعة أنه جاء شخص متقدم فوجد المكان ليس فيه شيء فتقدم إليه وصف فيه فجاء صاحبه الذي كان من عادته أن يصلي فيه وكأنما اشتراه من كيسه فال لماذا تجلس هنا مكاني فقال الرجل لقد وجدت مكانا خاليا فجلست فيه فقال لا هذا مكاني..

سبحان الله..

اشتريته من مالك المساجد لله عز وجل..

من جاء الأول فهو أحق وليس أحد أحق بمكانه من أحد أبدا والإنسان ينبغي له أن يتجنب هذه الأمور بل قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أن التحجز حرام وأنه لا يجوز حتى بعض الفقهاء قال يتوجه أن لا تصح صلاته لأنه شبه مغصوب حيث إنه جلس في مكان لا يستحقه

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا معناه أنهم يتقدمون ويتسابقون ثم إن حجز الأماكن فيه مضرة فيقل الإنسان إن مكاني مضمون فينحرف عن الخير بناء على أن مكانه مضمون المهم بارك الله فيكم أن المراد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لو يعلم الناس من في النداء والصف الأول من يتقدم بنفسه نعم إذا كان إنسا حاضر بالمسجد ولكنه أراد أن يبتعد عن الصف الأول لأجل أن يقرأ أو يصلي أو يراجع أو ينام ولا بأس بالنوم في المسجد فلا بأس لأنه مستحقة لكن يجب أن يصل إلى مكانه قبل أن تتصل الصفوف فيحتاج إلى تخطي الرقاب وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتخطى الرقاب فقال اجلس فقد آذيتهم وفي حديث أبي هريرة الثاني دليل على جواز الاستهام في القرب يعني لو تنازع اثنان في الأذان وليس بينهما مؤذن راتب ومتساويان في الصفات المطلوبة في الأذان فحينئذ نقرع بينهما فمن خرجت له القرعة هو الذي يؤذن ومع الأسف أنك ترى بعض الناس الآن جماعة مسافرين أو ما أشبه ذلك كل واحد يقول للثاني أذن أنت وهو لا يعلم ما في الأذان من خير فهو الأذان لا يسمعه شجر ولا مضر ولا حجر إلا شهد لك يوم القيامة فينبغي أن تبادر للأذان

نسأل الله لنا ولكم الخير وأن يجعلنا من المتسابقين للخيرات إنه على كل شيء قدير

١٠٨٤ - وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه مسلم

١٠٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم

يتأخرون حتى يؤخرهم الله رواه مسلم

١٠٨٦ - وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم رواه مسلم

١٠٨٧ - وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة متفق عليه وفي رواية للبخاري فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان فضل الصفوف نقلها النووي رحمه الله في رياض الصالحين منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها وذلك لأن صفوف النساء تكون خلف الرجال ذا هو السنة فإذا كان أولها فهو قريب من الرجال فيكون شرها وآخرها بعيد عن الرجال فيكون

خيرها أما الرجال فكلما تقدموا فهو أفضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرا عن التأخر لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله وهذه خطيرة أن الإنسان كلما تأخر عن الصف الأول أو الثاني أو الثالث ألقى الله في قلبه محبة التأخر في كل عمل صالح والعياذ بالله ولهذا قال لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله فأنت يا أخي تقدم في الصف الأول فالأول وقوله في الحديث خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ما لم يكن النساء في مكان خاص لهن فإن خير صفوفهن أولها لأنه أقرب من الإمام ولا محذور فيه لأنهن بعيدات عن الرجال ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي مناكب أصحابه عند التكبير مناكبهم يعني أكتافهم ويقول استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم يعني أن اختلاف الناس بعضهم متقدم وبعضهم متأخر يوجب اختلاف القلوب وآخر الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتسوية الصف وقال إن تسوية الصف من تمام الصلاة وهو كذلك وفي رواية إقامة الصفوف من تمام الصلاة فالذي ينبغي لنا أن نقيم صفوفنا وتكملة الأول فالأول والتراص حتى يكون ذلك من تمام صلاتنا والله الموفق

١٠٨٨ - وعنه قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه وفي رواية للبخاري وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه

١٠٨٩ - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم متفق عليه وفي رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف فقال عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في تتمة باب إقامة الصفوف والحث على تسويتها وما يتعلق بذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسوي الصفوف فيقبل على الناس ويقول أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري فأمرهم صلى الله عليه وسلم بإقامة الصفوف وأخبر أنه يراهم من وراء ظهره وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه في هذه الحالة المعينة يرى الناس من وراء ظهره أما فيما سوى ذلك فإنه لا يرى من وراء ظهره شيئا وأخبر صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير أنه إما أن تسووا الصفوف أو يخالفن الله بين وجوهكم فقال عباد الله لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم واختلف العلماء في قوله بين وجوهكم فقيل المعنى أن الله

يعاقبهم بأن يجعل وجوههم نحو ظهورهم فتلوى الأعناق وقيل المعنى أي بين وجهات نظركم هو كالحديث الذي سبق لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وهذا المعنى أصح وأرجح فالرسول عليه الصلاة والسلام نهى أن نختلف بل قال لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ومعلوم أن الاختلاف الظاهر يؤدي إلى اختلاف الباطن فإذا اختلف الناس فيما بينهم ظاهرا أدى ذلك إلى اختلاف القلوب وإذا اختلفت القلوب صار الشر والفساد والعياذ بالله وخلاصة هذا الباب كله أننا مأمورون بتسوية الصفوف على النحو التالي ١ - تسوية الصف بالمحاذاة بحيث لا يتقدم أحد على أحد ولهذا كان الصحابة يلصق أحدهم قدمه بقدم صاحبه ومنكبه بمنكبه وفي هذا الوصف دليل على فساد فهم هؤلاء الذين إذا وقفوا في الصف فتحوا بين أرجلهم حتى تكون القدم لاصقة بالقدم لكن المناكب متباعدة وهذا بدعة ليس من السنة السنة أننا نتراض جميعا بحيث يلصق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب ٢ - تسوية الصف بإكمال الأول فالأول بحيث لا يصف أحد في الصف الثاني والأول لم يتم أو في الثالث والثاني لم يتم ...

إلخ ٣ - أن الأولى إذا اجتمع رجال ونساء أن تبتعد النساء عن الرجال فإن خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ٤ - سد الفرج ألا ندع للشياطين فرجا يدخلون من بينها لأن

الشياطين تسلط على بني آدم ابتلاء من الله وامتحانا فإذا وجدوا فرجة في الصف تخللوا المصلين حتى يشوشوا عليهم صلواتهم ومن تمام الصفوف ٥ - إذا كانوا ثلاثة فإنه يتقدم أحدهم إماما ويكون الباقيان خلفه وإن كان بالغين أو صغيرين أو بالغ وصغير كلهم يكونون خلفه لأن ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة النفل وصلاة الفرض مثل صلاة النفل إلا إذا قام دليل على الفرق بينهما والله الموفق

١٠٩٠ - وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان يقول إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول رواه أبو داود بإسناد حسن

١٠٩١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله رواه أبو داود بإسناد صحيح

١٠٩٢ - وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رصوا صفوفكم

وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فوالذي نفسي بيده إني لأردى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في تكمله هذا الباب الذي فيه بيان فضيلة الصف الأول وتكميل الأول فالأول من الصفوف فإن في هذه الأحاديث دليل على مسائل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح صدور أصحابه ومناكبهم ليسوي صفوفهم ويقول لا تختلفوا فتختلف قلوبكم وكان صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية يسوي بيده الكريمة وكان هذا عادته ولما كثر الناس في زمن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وفي زمن عثمان صار هناك رجال موكلون من قبل الخليفة يسوون الصفوف فإذا جاءوا إلى الإمام وقالوا إن الصفوف قد تمت وكملت كبر للصلاة وهذا دليل على عناية النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بالصفوف والتراص فيها وتسويتها وعدم فرجات الشيطان حتى تكون الصلاة تامة مستوية فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ومن إقامة الصلاة

١٠٩٣ - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر رواه أبو داود بإسناد حسن

١٠٩٤ - عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم وفيه رجل مختلف في توثيقه

١٠٩٥ - وعن البراء رضي الله عنه قال كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك رواه مسلم

١٠٩٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطوا الإمام وسدوا الخلل رواه أبو داود

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان الصفوف الأول وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يكمل الصف الأول فالأول وأخبر أن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول وفي حديث أنس بن مالك الذي نقله المؤلف في

هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن نبدأ بالصف المقدم فالمقدم وما كان من نقص فليكن بالمؤخرة يعني أمرهم أن يتموا الصفوف الأول فالأول وما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر وهذا يدل على أن من وقف في الثاني قبل تمام الأول ولو كان معه غيره فإنه لم يصب السنة بل السنة ألا يكون أحد في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني..

إلخ هذه هي السنة وفي الأحاديث التي ذكرها المؤلف هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف لكن هذا الحديث فيه رجل مختلف في توثيقه وعلى هذا فيكون ضعيفا وإن كان على شرط مسلم من حيث الإسناد لكن إذا كان فيه رجل مختلف بتوثيقه فليكن ضعيفا أما الحديث الأخير فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يوسط الإمام فقال وسطوا الإمام يعني اجعلوه وسطا وهذا هو العدل ولهذا لما كان في أول الهجرة وكان الناس يصفون إذا كانوا ثلاثة صفا واحدا كان مشروعا أن الإمام يكون بينهم لا يكون متطرفا من حيث اليسار بل يكون بينهم فدل ذلك على أن توسيط الإمام له أهمية به نعرف أن ما

يفعله بعض الناس الآن تجدهم يكملون الصف يمينا والأيسر ليس فيه إلا القليل هذا خلاف السنة السنة أن يكون اليمين واليسار متقاربين فإذا تساويا فهنا نقول الأيمن أفضل فإن زاد رجل أو رجلان في الإيمن فلا بأس أما أن يكون الأيمن تاما والأيسر ليس فيه إلا قليل فهذا خلاف السنة لأنه ليس فيه توسيط الإمام وقد عرفتم أن الحديث الذي فيه إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف فيه رجل قد اختلف في توثيقه ...

والله أعلم

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

تعالى: (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وفي «شرح المشكاة» : إنه حديث صحيح، ففيه حث على إتقان الفرائض والاهتمام بمصححاتها وترك مفسداتها، وحض على إكثار النوافل لتكون جابرة لخلل الفرائض الذي لا يخلو منها إلا الفذّ النادر.H

١٩٤ - باب فضل الصف الأول

هو الصف الذي يلي الإمام على الصحيح وإن تخلله نحو منبر أو مقصورة وإن تأخر أصحابه، وهو في المسجد الحرام من بحاشية محل الطواف دون من تقدم عليه إلى الكعبة، بل قرب المأموم إليها على الإمام في غير جبهته مكروه مفوت لفضل الجماعة كما في «التحفة» لابن حجر. وقيل الأول ما لم يتخلله شيء وإن تأخر أصحابه، وقيل هو من جاء أولاً وإن صلى في صف متأخر. قال المصنف في «شرح مسلم» : وهذان القولان غلط صريح: أي وإن جرى الغزالي على أولهما (والأمر بإتمام الصفوف الأول) أي لا يصف الثاني حتى يتم الأول والثالث حتى يتم الثاني وهكذا (وتسويتها) أي عدم تقدم بعض من بالصف على بعض (والتراص فيها) بحيث لا يكون فيها فرجة تسع مصلياً.

١١٠٨٢ - (عن جابر بن سمرة) بضم الميم كما تقدم (رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله فقال: ألا) بتخفيف اللام حرف استفتاح جيء بها لتنبيه السامع لما بعدها (تصفون) أي تسوون صفوفكم للصلاة (كما تصف الملائكة عند) قيامها لطاعة (ربها، فقلنا يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول) بضم

ففتح: أي لا يشرعون في صف حتى يكمل ما قبله، ومنه أخذ أصحابنا استحباب ذلك على التأكد فتكره مخالفته ويفوت بها ثواب الجماعة (ويتراصون) من التراص وهو الاجتماع والانتظام قال تعالى: {كأنهم بنيان مرصوص} (الصف: ٤) (في الصف) أي بحيث لا يبقى بينهم فرجة وهذا أيضاً سنة متأكدة يترتب على تركها ما ذكر فيما قبله (رواه مسلم) ورواه أبو داود والنسائي.

٢١٠٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله: قال لو يعلم الناس) أي لو علموا (ما في النداء) أي الأذان (والصف الأول) أي من الثواب والشرف الذي يضيق نطاق العبارة عن بيانه كما يومىء إليه حذفه (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا) أي يقترعوا (عليه) أي على ما ذكر لضيق الصف الأول عن جميعهم والوقت عن أذان كلهم (لاستهموا) لعظم فضلهما (متفق عليه) وتقدم مشروحاً في باب فضل الأذان.

٣١٠٨٤ - (وعنه قال: قال رسول الله: خير صفوف الرجال أولها) لقربهم من الإمام واستماعهم قراءته ومشاهدتهم لأحواله وصلوات الله وملائكته عليهم كما جاء في الأحاديث، ويليه في ذلك ثانيها ثم ثالثها وهكذا، والصف الأول أفضل حتى بمكة والمدينة على الأصح عندنا، وذلك لجريان خلاف مشهور عندنا في بطلان صلاة الذين هم أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام، ففي فضيلة الإتباع ما يزيد على المضاعفة الحاصلة للصف الثاني مثلاً الواقف في الروضة الشريفة، ومن ثم صرحوا بأفضلية النافلة في البيت عليها في مسجد مكة

والمدينة نظراً للاتباع وإن فاتت المضاعفة بناء على اختصاصها بالمسجد (وشرها آخرها) لحرمانهم ثواب تلك الفضائل الحاصلة لمن قبلهم، بل لوقوعهم في فتنة قربهم من النساء المؤدي إلى الاطلاع على بعض ما ينكشف منهن (وخير صفوف النساء آخرها) لبعده عن الرجال بعداً تنتفي معه الفتنة قطعا أو غالباً، ولامتثال أهله لما أمروا به من مزيد الستر والاحتجاب، ويليه في ذلك من قبله وهكذا (وشرها أولها) لقربه من الرجال المؤدي إلى الفتنة بهم والخير والشر في الصفين أمر نسبي باعتبار كثرة الثواب وقلته، وأيضاً فالتأخر عن الكمال مع القدرة عليه فيه غاية الهضم للقدر والتسفيه للرأي والتفنع بسفساف الأمور وعدم التطلع إلى معاليها، فلا يعد في تسميته شراً لذلك ولأنه يجر إليه كما يعلم مما يأتي في شرح قوله «ولا يزال قوم يتأخرون» الخ (رواه مسلم) ورواه أبو داود

والترمذي والنسائي.

٤١٠٨٥ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله رأى في أصحابه تأخراً) أي في صفوف الصلاة أو في أخذ العلم (فقال لهم: تقدموا فائتموا) أي اقتدوا (بي وليأتم بكم من بعدكم) معناه على الأول: ليقف خلفي من غير تأخر كثير بأن لا يزيد ما بينهم وبينه على ثلاثة أذرع، وكذا ما بين كل صف، وما يليه أهل الفضل والصلاح ثم خلفهم من هو دونهم في ذلك وهكذا، ومعنى ائتمام كل صف بمن قبله أنه يتبعه في حركاته لأن من قبله أسرع علماً بانتقالات الإمام منه، وعلى الثاني ليتعلم كل منكم العلوم الظاهرة والباطنة مني وليتعلم التايعون منكم وهكذا قرناً بعد قرن إلى آخر الدهر (لا يزال قوم يتأخرون) أي عن اكتساب الفضائل واجتناب الرذائل (حتى يؤخرهم الله) عن رحمته وعظيم ثوابه وفضله ورفيع منزلة أهل قربه حتى يكون عاقبة أمرهم النار كما جاء في رواية: (رواه مسلم) وفيه آكد حث على التسبق إلى معالي الأمور والأخلاق، وأبلغ زجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، وأبلغ تنبيه إلى أن ذلك يؤدي إلى تجرع غصص البعد والغضب، أعادنا الله من ذلك بمنه.

٥١٠٨٦ - (وعن أبي مسعود) عقبة بن عامر البدري (رضي الله عنه قال: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة) أي يسويها بيده الكريمة حتى لا يخرج بعض الصف عن بعضه (ويقول) أي حال تسوية المناكب كما هو الظاهر من السياق، ويحتمل كونها معطوفة على الجمثة الخيرية قبلها (استووا) في التصاف (ولا تختلفوا) بأن يتدم منكب بعضكم على منكب بعض (فتختلف) بالنصب لأنه في جواب النهي (قلوبكم) أي، أهويتها وإرادتها (ليلني) أي ليدن مني بحذف الياء وتخفيف النون كذا في جميع النسخ هنا، وفي إحدى رواياته بفتح الياء وتشديد النون على أنها للتوكيد كما تقدم في باب توفير العلماء والكبار، وبتخفيف النون مع الياء قيل وهي غلط لأن حقه لكونه أمراً باللام حذف الياء. وأجيب بأن عدم حذف الجازم لحرف العلة لغة صحيحة. قلت: هذا إن كانت الياء ساكنة، فإن كانت مفتوحة والنون للتأكيد خفيفة فلا يحتاج لجواب كما كان مع الثقيلة (منكم أولو الأحلام) جمع حلم بالكسر كأنه من الحلم وهو الأناة والتثبت في الأمر وذلك من شعار العقلاء (والنهي) بضم ففتح جمع نهية بالضم وهو العقل لأنه ينهي صاحبه عن القبائح، هذا ما جرى عليه المصنف في غير «شرح مسلم» وقال فيه: النهي العقول، وأولوا الأحلام هم العقلاء، وقيل البالغون، فعلى الأول اللفظان بمعنى، ولاختلافهما لفظاً عطف أحدهما على الآخر تأكيداً وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء اهـ. وفي «المجموع» : أولوا الأحلام معناه البالغون العقلاء الكاملون في الفضيلة، وقد نقل المصنف بعض هذا الخلاف في الباب المذكور آنفاً (ثم الذين يلونهم) كالصبيان المميزين، المراهق وغيره سواء (ثم الذين يلونهم) وهو الخناثى ويصح أن يراد بهم النساء وذكرهم على وزن ما قبله (رواه مسلم) .

٦١٠٨٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: سووا صفوفكم) بترك تقدم بعض على آخر فيها، قال الشيخ تقي الدين القشيري: تسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، وقد تدل تسويتها أيضاً على سدّ الفرج فيها بناء على التسوية المعنوية،

واتفقوا على أن المراد تسويتها بالمعنى الأول، وأن الثاني أمر مطلوب أيضاً (فإن تسوية الصف) المراد به الجنس بدليل رواية الصوف بصيغة الجمع الآتية (من إقامة الصلاة) وفي رواية «من تمام الصلاة» وفي رواية «من حسن الصلاة» (متفق عليه) .

(وفي رواية للبخاري) أي عن أنس أيضاً (فإن تسوية الصفوف) أي بصيغة الجمع (من إقامة الصلاة) وفي «الجامع الصغير» بعد إيراده كذلك رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه. قال ابن رسلان: في هذا رد على من قال المفرد المحلى بأل لا يعم، ووجهه أنه أضاف. الصفوف بصيغة الجمع فعمت ثم أفردها فلو لم يكن للعموم لتناقض بالعموم في الأول والخصوص في الثاني.

٧١٠٨٨ - (وعنه قال: أقيمت الصلاة) وفي رواية ذكرها في «المشكاة» الصفوف (فأقبل علينا رضي الله عنه بوجهه) تأكيداً إذ الإقبال لا يكون إلا به (فقال: أقيموا صفوفكم) أي داوموا على إقامتها واعتنوا بها لعظم جدواها وشرف غايتها، هذا إن كان صدر منه بعد تمام الإقامة وإن كان قبلها فمعناه اجعلوها كذلك (وتراصوا) أي تلاصقوا بالمناكب حتى لا يكون بينكم فرجة (فإني أراكم من وراء ظهري) أي حقيقة فأعلم ما يقع منكم ثم الرؤية قيل بعينه معجزة له، وقيل بغير ذلك مما يأتي (رواه البخاري بلفظه) المذكور (ورواه مسلم بمعناه) ولفظه «أتموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري» ولا ينافي هذا الحديث حديث «لا أعلم ما وراء جداري» لأن هذا خاص بحالة الصلاة، لأنه لما حصل له فيها قرة العين بما أفيض عليه فيها من غايات القرب المختص بها التي لا يوازيه فيها غيره صار بدنه الشريف كالمرآة الصافية التي لا تحجب ما وراءها، وقل كان له بين جنبيه عينان كسم الخياط لا تحجبهما الثياب (وفي رواية للبخاري) من حديث أنس أيضاً (وكان أحدنا يلزق منكبه) بفتح الميم وكسر الكاف: هو مجتمع رأس العضد والكتف (بمنكب صاحبه

وقدمه بقدمه) مبالغة في التراص الذي أمروا به. وعند البخاري أيضاً: قال النعمان بن بشير «رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه» .

٨١٠٨٩ - (وعن النعمان بن بشير) الأنصاري (رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: لتسوّن) بصيغة المبني للفاعل وحذف الواو الفاعل لملاقاتها ساكنة مع النون المدغمة ودلالة الضمة عليها (صفوفكم) أي بعدم تقدم بعض من فيها على بعض وعدم الانتقال إلى الثاني حتى يكمل الأول (أو) للتنويع (ليخالفنّ الله بين وجوهكم) أي ليكونن أحد الأمرين تسوية الصفوف أو مخالفة الوجوه بتحويلها إلى أدباركم، أو بمسخها على صورة بعض الحيوان أو وجوه قلوبكم الخبر أبي مسعود السابق «فتختلف قلوبكم» أي أهويتها وإرادتها، وحينئذ تثور الفتن وتختلف الكلمة وتنحل شوكة الإسلام والمسلمين فيتسلط العدو ويفشو المنكر وتقل العبادات في ذلك من المفاسد ما لا يحصى (متفق عليه) .

(وفي رواية لمسلم) أي عن النعمان أيضاً (أن رسول الله كان يسوي صفوفنا حتى) غاية التسوية (كأنما يسوي بها القداح) جمع قدح بكسر فسكون وهو السهم قبل أن يراش ويركب نصله، وعكس فيه التشبيه إذ الظاهر كأنما يسويها بالقداح مبالغة في استوائها، لأن القدح لا يصلح لما يراد منه إلا بعد نهاية الاستواء، وجمع في مقابلة الصفوف: أي يسوى كل صف بقدح (حتى رأى أنا قد عقلنا عنه) أي لم يبرح يسويها حتى استوينا فيها الاستواء الذي أراده منا وفهمناه من قوله وفعله (ثم خرج يوماً فقام حتى كاد) أي قارب (يكبر) أي للإحرام (فأي رجلاً بادياً) أي ظاهراً (صدره من الصف) لخروجه عن مساواة من فيه،

وبادياً صفة رجل ورجل مفعول رأي البصرية (فقال: عباد الله) لم ينهه بخصوصه جريا على عادته الكريمة مبالغة في الستر (لتسوّن صفوفكم) اللام هي مؤذنة بالقسم المقدر ولذا أكد الفعل بالنون (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) أي والله ليكونن أحد الأمرين، فيه من التوبيخ والتهديد الغاية، وفيه آكد حث على تسوية الصفوف وأبلغ زجر عن ترك تسويتها لما يترتب عليه من المخالفة المتقدم معناها والخلاف فيه.

٩١٠٩٠ - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله يتخلل الصف) أي يذهب خلله نحو يتأثم ويتحنث: أي يتحرج من الوقوع في الإثم والحنث (من ناحية إلى ناحية) أي يستوعبه من سائر أطرافه (يمسح صدورنا ومناكبنا) بيده الكريمة حتى لا يخرج بعضها عن بعض (ويقول لا تختلفوا) بالتقدم والتأخر في الصف (فتختلف قلوبكم) أي أهويتها المؤدي إلى ما لا يحصى من المفاسد (وكان يقول) حثاً على تكميل الصفوف والمبادرة إلى الأقرب منها للإمام (إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول) بضم ففتح: أي بأن يكونوا في غير الأخير، وتسمية ما بين الصف الأول وهو الذي يلي الإمام والأخير صفوفاً أول مجاز لأنها كذلك بالنظر للأخير. ففيه تأكيد إتمام الصف الأول ثم الثاني وهكذا، فالصفوف الأول خير الصفوف للرجال وعكسه للنساء كما تقدم في حديث أبي هريرة (رواه أبو داود) في الصلاة من «سننه» ورواه النسائي أيضاً فيها (بإسناد حسن) فرواه أبو داود عن هناد وأبي عاصم أحمد بن خواس الحنفي كلاهما عن أبي الأحوص عن منصور عن طلحة بن مطرف عن عبد الرحمن بن عويجة الهنمي، ويقال الهمداني، ويقال الهمداني الكوفي، ورواه النسائي عن قتيبة عن أبي الأحوص بالسند المذكور، كذا في «أطراف» المزي.

١٠١٠٩١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: أقيموا الصفوف) بتسويتها كما جاء في رواية بلفظ: سووا الصفوف (وحاذوا بين المناكب) وذلك إنما يكون عند مساواة كل للغير في المسامنة في الصف (وسدوا الخلل) أي الفرج التي في الصفوف وذلك بأن تتراصوا حتى لا يبقى فيها فرجة ولا سعة، والفرق بينهما أن الفرجة خلاء ظاهر، والسعة أن يكونوا بحيث لو دل بينهم آخر لوسعه من غير مشقة تحصل لأحد (ولينوا بأيدي إخوانكم) أي إذا أخذوا بها ليقدموكم أو يؤخروكم حتى يستوي الصف لتنالوا فضل المعاونة على البر والتقوى، ويصح أن يراد: لينوا بيد من يجركم من الصف: أي وافقوه ليزيلوا عنه وصمة الانفراد المبطلة للصلاة عند بعض (ولا تذروا فرجات) بضمتين أو بضم فسكون جمع فرجة (للشيطان) أضيفت إليه لأنها محل تردده للإغواء (ومن وصل صفا وصله الله) أي بإدرار أصناف رحمته وإغداق هوامع نعمته والجملة مستأنفة (ومن قطع صفاً قطعه الله) أي عن مواسم الخيرات وحقائق المبرات. وفيه أبلغ حث على وصل الصفوف بسد فروجها وتكميلها بأن لا يشرع في صف حتى يكمل ما قبله، وأبلغ زجر عن قطعها بأن يقف في صف وبين يديه صف آخر ناقص أو فيه فرجة، ومن تأمل بركة دعائه للواصل وخطر دعائه المقبول الذي لا يرد على القاطع وكان عنده أدنى ذرة من الإيمان بادر إلى الوصل وفر عن القطع ما أمكنه (رواه أبو داود) ورواه أحمد والطبراني كما في «الجامع الصغير» (بإسناد صحيح) ورواه أحمد أيضاً كما في «المشكاة» بلفظ «سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم ولينوا في أيدي إخوانكم وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل بينكم بمنزلة الحذف» يعني بمنزلة أولاد الضأن الصغار، وعدم تعقيبه الحكم بصحة الإسناد بوصف المتن بما يخالف ذلك يشعر بصحة الحديث عنده على القاعدة في مثله.

١١١٠٩٢ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: رصوا صفوفكم) أي حتى

لا يبقى فيها فرجة ولا خلل (وقاربوا بينها) بأن يكون ما بين كل صفين ثلاثة أذرع تقريباً، فإن بعد صف عما قبله أكثر من ذلك كره لهم وفاتهم فضيلة الجماعة حيث لا عذر من حر أو برد شديد وهذا في غير النساء، أما هن فيسن لهن التأخر عن الرجال كثيراً (وحاذوا بالأعناق) ينبغي تفسيره بالمحاذاة بالمناكب التي سبق الأمر بها قولاً وفعلاً، إذ يلزم في المحاذاة بالأعناق بأن لا يتقدم عنق أحدهم ولا يتأخر المحاذاة بالمناكب (فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصفوف) أي فرجها أو تباعدها عن بعضها بأكثر مما مرّ (كأنها الحذف) ببه بهذا الإقسام العظيم على تأكيد التراص والتقارب لعظم فائدتهما وهي منع دخول الشيطان بينهم المستلزم لتسلطه وإغوائه ووسوسته حتى يفسد عليهم صلاتهم وخشوعهم الذي هو روح الصلاة وعود بركة ما فيها من الأنفاس الطاهرة على البقية، ولا مذهب للشيطان وكيده أعظم من الذكر الصادر من القلب الصالح ثم تأنيث ضمير كأنها الراجع إلى الشيطان صحيح لأنه اسم جنس بمعنى الشياطين فيجوز تذكير ضميره رعاية للفظه كما ورد به أيضاً وتأنيثه رعاية لمعناه وفيه أوجه أخر هذا أحسنها (حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح) فرواه عن مسلم بن إبراهيم عن أبان، عن قتادة، عن أنس (على شرط مسلم) أي برجال روى مسلم حديثهم في الصحيح، وإلا فليس لأحد من الشيخين شرط منصوص عليه في كتابيهما المذكورين، ورواه النسائي في الصلاة أيضاً من «سننه» عن محمد بن عبد الله بن المبارك عن أبي هشام المخزومي عن قتادة.

(الحذف بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين ثم فاء: وهي غنم سود صغار تكون باليمن) أو بالحجاز واحده حذفة بالتحريك سميت بذلك لأنها محذوفة عن مقدار غالب جنسها، وتقدم تفسيرها في حديث أحمد مرفوعاً بنحوه.

١٢١٠٩٣ - (وعنه أن رسول الله قال: أتموا الصف المقدم) أي الأول وذلك بسد فرجه

حتى لا يبقى منها ما يسع واحداً (ثم) أي بعد تمام الأول أتموا الصف (الذي يليه) وهو الثاني وهكذا (فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر) أي الأخير (رواه أبو داود) في الصلاة من سننه (بإسناد حسن) فرواه عن محمد بن سليمان الأنباري عن عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس، ومن هذا الحديث الصريح في إتمام الصف الأول والثاني أخذ أصحابنا قولهم يسن إتمام الصف الأول ثم الذي يليه حتى لا يبقى نقص في غير الأخير، وفيه أن من وقف قبل إتمام ما قبله كان مقصراً تاركاً للسنة فيفوته فضل الجماعة.

١٣١٠٩٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) أي الصفوف التي في ميمنة الإمام، ومنه أخذ أئمتنا أفضلية الوقوف عن يمين الإمام ولو تعارض مع القرب من الإمام ما استوجهه أئمتنا، والمراد أنه يسن إذا وصل المأموم المسجد ووجد الناس متوسطين الإمام ووجد فرجة على يمينه وأخرى عن يساره أن يسد فرجة اليمين، فلا يلزم من تفضيل التيامن فوات سنة توسيط الإمام المطلوب أيضاً، ومحل طلب التيامن إذا كانت جهته تسع جميع الجاءين وإلا سن التسابق إليها والباقون يصلون في اليسرى، كما أن السنة إتمام الصف الأول ثم الثاني وهكذا (رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم) فرواه عن عثمان بن أبي شيبة عن معاوية بن هشام عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة عن عروة عن عائشة (وفيه رجل مختلف في توثيقه) هو معاوية بن هشام، قال في «الكاشف» : قال ابن معين: معاوية بن هشام صالح وليس بذاك في «التهذيب» للذهبي: وقال فيه أبو داود إنه ثقة، وقال يعقوب ابن أبي شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك هو إسحاق الأزراق اهـ.e قال المصنف في «الخلاصة» : وفيه رجل

مختلف فيه، وصححه أبو القاسم الطبراني، وأشار البيهقي إلى تضعيفه والمختار تصحيحه فلم يذكر ما يقتضي ضعفاً اهـ. وعبارة البيهقي التي أشار إليها في «الخلاصة» هي قوله بعد إيراد الحديث باللفظ المذكور لك المحفوظ بهذا الإسناد عن النبيّ «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف» ثم ذكر له طرقاً متنها كما ذكره ثم قال: قال الطبراني: كلاهما صحيحان، قال البيهقي: يعني الإسنادين، أما المتن الأول فإن معاوية بن هشام انفرد به، ولا أراه محفوظاً فقد رواه عبد الله بن وهب وغيره عن أمامة نحو رواية الجماعة «يصلون على الذين يصلون الصفوف» اهـ. وكأن وجه عدم تضعيف ذلك الحدث المذكور أنه لا يلزم من روايتهم بهذا الإسناد ذلك المتن أن لا يروي به غيره متناً آخر،

والسكوت عن الشيء لا ينقيها والله أعلم. قال في «الجامع الصغير» : والحديث رواه ابن حبان في «صحيحه» وأبو نعيم في «حليته» أيضاً، والحديث رواه ابن ماجه بهذا الإسناد.

١٤١٠٩٥ - (وعن البراء رضي الله عنه قال: كنا إذا صلينا خلف النبيّ) فيه الإيماء إلى ندب تأخر المأموم عن الإمام وإن كانت المساواة له في الموقف لا تبطل الصلاة (أحببنا أن نكون عن يمينه) أي واقفين بجهة يمناه، وعلل حبهم ذلك على طريق الاستئناف البياني بقوله (يقبل علينا بوجهه) ولا مخالفة بين هذا الحديث وحديث ابن ماجه «من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر» لاختلاف زمنهما كما قال المحدثون، وذلك أنه لما حث على التيامن عمرت جهة اليمين وازدحموا عليها فتعطلت الميسرة فقال ذلك، ذكره الدميري في «الديباجة» (فسمعته يقول) خضوعاً لربه وتعظيماً لأمته (رب قنى عذابك يوم تبعث، أو) شك من الراوي (تجمع عبادك) والمراد منه عليهما يوم القيامة وطلب الوقاية من عذابه لأنه أشد العذاب وأعظمه (رواه مسلم) ورواه ابن ماجه أيضاً مقتصراً على قوله تبعت من غير شك.

١٥١٠٩٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: وسطوا الإمام) أي

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ في كِتابِ الإيمان بإسنادٍ صحيحٍ.

الحديث: دليل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر، واختلف العلماء هل يجب القتل لترك الصلاة واحدة أو أكثر. فالجمهور أنه يقتل لترك صلاة واحدة. قال أحمد بن حنبل: إذا دعي إلى الصلاة فامتنع، وقال: لا أصلي حتى خرج وقتها، وجب قتله. وقال الشافعي: من ترك الصلاة كسلاً حتى أخرجها عن وقت الضرورة يقتل حدًا، إن لم يتب.

[١٠٨١] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإنْ صَلَحَتْ، فَقَدْ أفْلَحَ وأَنْجَحَ، وَإنْ فَسَدَتْ، فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُ - عز وجل -: انْظُرُوا هَلْ لِعَبدي من تطوّعٍ، فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أعْمَالِهِ عَلَى هَذَا» . رواه التِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .

في هذا الحديث: الحثُّ على إتقان الفرائض، والاهتمام بمصححاتها، وترك مفسداتها، والحضُّ على إكثار النوافل لتكون جابرة لخلل الفرائض.

[١٩٤ - باب فضل الصف الأول]

والأمر بإتمام الصفوف الأُوَل وتسويتها والتراصّ فِيهَا

[١٠٨٢] عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ... رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقال: «ألا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟» فَقُلنَا: يَا رَسُول اللهِ، وَكَيفَ تُصَفُّ المَلائِكَةُ عِندَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ» . رواه مسلم.

الصفُّ الأول: هو الذي يلي الإِمام، وفي المسجد الحرام من بحاشية محل الطواف، دون من تقدم عليه إلى الكعبة في غير جهة الإمام.

قوله: «يتمون الصفوف الأُوَل» ، أي: لا يشرعون في صف حتى يُكمل ما قبله.

[١٠٨٣] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» . متفقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث: عِظَمُ ثواب الأذان، وثواب الصف الأول.

[١٠٨٤] وعنه قَالَ: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أوَّلُهَا» . رواه مسلم.

«خير صفوف الرجال أولها» : لسبقهم إلى الفضيلة، «وشرها آخرها» : لتأخرهم. و «خير صفوف النساء آخرها» : لبعدهن عن الرجال، و «شرها أولها» : لقربهن من الفتنة.

[١٠٨٥] وعن أبي سعيد الخدرِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى في أصْحَابِهِ تَأَخُّراً، فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ الله» . رواه مسلم.

في هذا الحديث: الحثُّ على التسابق إلى الطاعة، وإلى معالي الأمور

والأخلاق، والزجر عن الميل إلى الدعة والرفاهية، والتأخر عن الطاعات.

[١٠٨٦] وعن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَووا ولا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . رواه مسلم.

الأحلام: جمع حِلْم، وهو: الأناة والتثبت. والنُّهى: العقول.

[١٠٨٧] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ» . متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية للبخاري: «فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ» .

قال البخاري: بابٌ إقامةُ الصف من تمام الصلاة، وذكر حديث أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه وأقيموا الصف في الصلاة، فإنَّ إقامة الصف من أحسن الصلاة» ، ثم ذكر حديث أنس.

وفيه: دليلٌ على وجوب تسوية الصفوف.

[١٠٨٨] وعنه قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإنِّي أرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» . ... رواه البُخَارِيُّ بلفظه، ومسلم بمعناه.

وفي رواية للبخاري: وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.

لفظ مسلم: «أتموا الصفوف فإني أراكم من وراء ظهري» .

قال الشارح: ولا ينافي هذا الحديثُ حديثَ: «لا أعلم ما وراء جداري» لأن هذا خاص بحالة الصلاة، لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حصل له فيها قرة العين بما أفيض عليه فيها من غايات القرب المختص بها التي لا يوازيه فيها غيره، صار بدنه الشريف كالمرآة الصافية التي لا تحجب ما وراءها.

[١٠٨٩] وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية لمسلم: أنَّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأنَّمَا يُسَوِّي بِهَا القِدَاحَ حَتَّى رَأى أنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوماً فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ، فَرَأى رَجُلاً بَادِياً صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ، لتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أو لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» .

القِدْح: السهم قبل أن يراش وينصل. والقداح: جمع قدح، وهي خشب السهام حين تبرى وتنحت وتهيأ للرمي، وهي مما يطلب فيها التحرير وإلا كان السهم طائشًا.

وفي الحديث: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة.

وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة.

قوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم» ، أي: يوقع بينكم العداوة والبغضاء، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن؛ لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب، الداعي إلى القطيعة.

[١٠٩٠] وعن البراءِ بن عازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلى نَاحِيَةٍ، يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا، وَيَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وكانَ يَقُولُ: «إنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأُوَلِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

[١٠٩١] وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنهُما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أقيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ المَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الخَلَلَ، وَلِينوا بِأيْدِي إخْوانِكُمْ، ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ للشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفّاً وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفّاً قَطَعَهُ اللهُ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: الحث على وصل الصفوف وتكميلها، والزجر عن قطعها.

قوله: «ولينوا بأيدي إخوانكم» ، أي: إذا قدموكم أو أخروكم حتى يستوي الصف.

[١٠٩٢] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأعْنَاقِ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ، كَأَنَّهَا الحَذَفُ» . حديث صحيح رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم.

«الحَذَفُ» بحاء مهملةٍ وذالٍ معجمة مفتوحتين ثُمَّ فاء وهي: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِاليَمَنِ.

نبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا االقسم العظيم على تأكيد التراص بين الصفوف، والتقارب لعظم فائدتهما، وهي منع دخول الشيطان بينهم، المستلزم لتسلطه وإغوائه، ووسوسته، حتى يفسد عليهم صلاتهم، وخشوعهم الذي هو روح الصلاة.

[١٠٩٣] وعنه: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.

في هذا الحديث: الحث على إتمام الصفوف الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ.

[١٠٩٤] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنها، قالت: قال رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ... «إنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ» . رواه أبُو دَاوُدَ بإسنادٍ عَلَى شرط مسلم، وفيه رجل مُخْتَلَفٌ في تَوثِيقِهِ.

في هذا الحديث: فضل الوقوف في ميمنة الإمام.

قال البخاري: باب ميمنة المسجد والإمام وذكر حديث ابن عباس رضي لله عنهما، قال: «قمت ليلة أصلي عن يسار النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ بيدي حتى أقامني عن يمينه» .

قال الحافظ: وكأنه أشار إلى ما أخرجه النِّسائي بإسناد صحيح، عن البراء قال: «كنا إذا صلينا خلف النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحببنا أن نكون عن يمينه» .

ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» . انتهى.

ومحل ذلك إذا لم تتعطل ميسرة الإمام، وإلا فتوسيط الإمام أفضل كما في الحديث الآخر: «وسطوا الإِمام وسُدُّا الخلل» .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 11 جمادى الأولى
أحدب متزايد اليوم 11.8 / 29.5
الإضاءة 90%
البدر بعد 3 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56