الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث 1148
الحديث رقم 1148 من كتاب «كتاب الفضائل» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والطيب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه بيان ساعة الإجابة واستحباب إكثار ذكر الله تعالى بعد الجمعة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١١٤٨ - وعنه، قَالَ:
يُخْبِرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن توضأ فأحسن وضوءه بإتمام أركانه والإتيان بسننه وآدابه، ثم أتى صلاة الجمعة وأنصت وأصغى للخطيب، وسكت عن اللغو؛ غفر الله له صغائر ذنوب عشرة أيام، من صلاة الجمعة إلى الجمعة الثانية وزياة ثلاثة أيام؛ لأن الحسنة بعَشر أمثالها،
ثم حذَّر صلى الله عليه وسلم من عدم إقبال القلب عمّا يقال في الخطبة من مواعظ، ومِن عَبَثِ الجوارح مِن مَسِّ الحصى وغيره من أنواع العبث والانشغال، بأنَّ مَن فَعل ذلك فقد لغا، ومن لغا فلا حظ له في أجر جمعة كاملة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وبيان ساعة الإجابة ...
قال الله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل الجمعة وذكر أشياء من خصائص يوم الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وهو اليوم الذي خصت به هذه الأمة، وأضل الله عنه اليهود والنصارى، اليهود كان لهم السبت، والنصارى كان لهم الأحد، فكانوا تبعا لنا مع أنهم قبلنا في الزمن، وهذا من فضائل هذه الأمة ولله الحمد، وهذا اليوم هو يوم الخصائص، ويوم السبت والأحد ليس فيه خصائص، لكن ضل اليهود والنصارى عن يوم الجمعة، فصار لنا ولله الحمد والمنة.
ويوم الجمعة له خصائص متعددة، ومن أحسن من ذكرها ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد فليرجع إليه فإنه واف شاف.
ثم صدر المؤلف رحمه الله هذا الباب بقول الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا في فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وكان هذا آخر آية سبقت وهو قوله: {يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة..
..
} فخاطب الله المؤمنين أن يتركوا البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الإمام أما & النداء الأول فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم كثر & الناس في المدينة أمر أن يؤذن أذان سابق ليستعد الناس للحضور فكان هذا من سنة الخليفة الراشد عثمان الذي أمرنا باتباع سنته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ولقد ضل من قال إنه بدعة، وسفه الصحابة رضي الله عنهم وسفه الخليفة الراشد، ونحن نقول له: أنت المبتدع في هذا القول الذي ادعيت أن هذا بدعة وكيف يكون بدعة وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم سنة، سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
لكن هؤلاء سفهاء الأحلام وإن كانوا كبار السن، كيف تضلل الصحابة رضي الله عنهم بقائدهم عثمان بن عفان، وتدعي أنك أنت صاحب السنة؟، بل أنت صاحب البدعة في هذا القول.
يقول عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر
الله} والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة أما الخطبة فيذكر الله فيها بالتشهد وذكر الأحكام والموعظة وغير ذلك، وأما ذكر الله في الصلاة فهذا ظاهر: {وذروا البيع} اتركوا البيع، ولهذا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع إلا على من لا تجب عليه كالنساء مثلا، وأما من تجب عليه الجمعة فإنه يحرم عليه البيع ولو باع لم يصح، حتى لو كان في طريقه إلى المسجد، وسمع أذان الجمعة ومعه زميل له فتبايعا فإن البيع باطل لا ينتقل به المبيع إلى المشتري ولا الثمن إلى البائع لأنه باطل وكل شيء نهى الله عنه فهو باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} يشمل، المسافر الذي في البلد إذا سمع أذان الجمعة يجب أن يحضر الجمعة، لأنه مؤمن، فمن الذي أخرجه، فإذا قال أنا مسافر قلنا ألست مؤمنا؟ فيقول: بلى إذا قال: بلى، قلنا اسمع {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم} يعني خير لكم من البيع لأن فيه إقامة شعيرة من شعائر الإسلام وقياما بواجب فهو خير من البيع & {إن كنتم تعلمون} يعني إن كنتم من ذوي العلم فاعلموا أنه خير، والمراد بهذه الجملة الشرطية الحث على ترك البيع والتوجه إلى الجمعة.
{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} يعني انتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله في البيع والشراء لكن لا يلهيكم ذلك عن ذكر الله.
ولهذا قال: {واذكروا الله كثيرا} يعني: لا تظنوا أنكم إذا فرغتم من ذكر الله في الخطبة والصلاة أنكم انتهيتم من ذكر الله، لا، ذكر الله في كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان، قال الله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} من ذوي الألباب؟ {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} فالحاصل أنه إذا قضيت الصلاة فلا جلوس بعدها ملزم، اخرج، ابتغ الرزق، ابتغ من فضل الله، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا قدم الصلاة على البيع والشراء ثم اشترى وباع بعد ذلك فإنه يرزق، لأنه قال: {وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا
لعلكم تفلحون} وفي هذا إشارة إلى أنه لا خطبة بعد صلاة الجمعة، لأن الله قال: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} ما في خطبة ولا كلام ولا موعظة تكفي المواعظ التي في الخطبة التي قبل الصلاة والتي كانت مشروعة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله إذا تكلم أحد بعد الصلاة فلا تستمع له إلا أن يكون كتابا من السلطان، لأن الكتابات الموجهة من السلطان لابد أن تستمعها الرعية، لأن السلطان له حق على
الرعية يوجهها ويدلها على الخير، أما غير ذلك من النصائح فإن في الخطبتين كفاية، خير الهدي، هدي من؟ محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن يخطب بعد الصلاة، ولم يرو عنه ذلك بحرف صحيح ولا ضعيف.
يوجد بعض الناس يتخذها سنة راتبة، كلما انتهت صلاة الجمعة قام يتكلم، فتكون الجمعة فيها كم خطبة؟، ثلاث خطب، من أين هذا؟ أما لو طرأ أمر لابد منه، لو جاء كتاب من السلطان أو من نائب السلطان من أحد الوزراء أو من غيرهم ممن له أن يتكلم، فهذا نعم، يقرأ على الناس ويسمع.
وقوله تبارك وتعالى: {لعلكم تفلحون} لعل هنا للتعليل وليست للترجي، وكلما جاءتك لعل في كتاب الله فهي للتعليل، لأن الرجاء إنما يكون في شأن من يتعسر عليه الأمر، وأما الرب عز وجل فكل شيء يسير عليه، فإذا وجدت لعل في القرآن فهي للتعليل مثل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} وما أشبه ذلك.
{لعلكم تتقون} يعني: لأجل أن تتقوا {ولعلكم تفلحون} يعني لأجل أن تفلحوا.
رزقنا الله وإياكم الفلاح والصلاح والإصلاح والهداية، نسأل الله أن يهدينا وأن يهدي لنا وأن يهدي بنا، إنه على كل شيء قدير.
وأنبه على أنه لا يشتري المساويك، حتى المساويك بعد نداء الجمعة الثاني لا يجوز بيعها
ولا شراؤها ولذلك نبه صاحب المساويك.
وأقول لك عبارة أحسن من المساويك جمع (سيئ) لكن قل: أعواد الأراك، والله أعلم..
١١٤٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجمعة وما يتعلق بها فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة والمراد بذلك خير يوم من أيام الأسبوع، وإنما قلنا هذا لئلا يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة: فإن يوم عرفة أفضل باعتبار العام، وهذا أفضل باعتبار الأسبوع، فيه خلق آدم، وآدم هو أبو البشر خلقه الله عز وجل بيده، خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون خلق يوم الجمعة وفيه أدخل الجنة وهي جنة المأوى التي يأوي إليها البشر، أدخله الله الجنة هو وزوجه وقال: اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأذن الله لهما أن يأكلا من جميع أشجار الجنة مما شاءا ونهاهما عن شجرة معينة اختبارا وابتلاء
{فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو & تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} وأقسم لهما أن يأكلا من هذه الشجرة وأنه بذلك يحصل لهما الخلد والملك الذي لا يبلى، وما زال بهما حتى أكلا من الشجرة، وكان الله تعالى قد وضع على عورتيهما هيبة فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوءاتهما، وصار كل إنسان ينظر إلى عورته، آدم ينظر إلى عورته، وحواء تنظر إلى عورتها، انكشفت لأنهما هتكا حرمة الله عز وجل بأكلهما من الشجرة، وقال الله تعالى عن ذلك: {وعصى آدم ربه فغوى} لما أكلا منها أمرهما الله عز وجل أن يخرجا من الجنة فهبطا إلى الأرض، وهذا من حكمة الله عز وجل، لأنه لولا ذلك ما وجدت هذه البشرية وهذه الخليقة وحصل هذا الامتحان، ولكن الله تعالى بحكمته قدر لكل شيء سببا، فانظر كيف نزل من الجنة العالية إلى الأرض الهابطة بمعصية واحدة؟ فما بالك بنا نحن معاصينا كثيرة بالليل والنهار، نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بعفوه، ومع ذلك نؤمل أملا ما هو إلا أوهام، نؤمل أننا في الدرجات العليا مع أننا هابطون بكثرة المعاصي والتهاون بالواجبات وما يعتري القلوب من الحقد والبغضاء والكراهية، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يصحح قلوبنا وقلوبكم.
وهذه الجنة التي أهبط منها آدم، اختلف فيها هل هي جنة المأوى أو أنها جنة بستان عظيم على ربوة طيبة الهواء كثيرة الماء؟ والصواب أنها جنة الخلد، وفي هذا يقول ابن القيم:
فحي على جنات عدن فإنها ...
منازلنا الأولى وفيها المخيم
والله على كل شيء قدير، فهذا فضل يوم الجمعة أنه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وكلاهما حكمة: خلق آدم حكمة، إدخاله الجنة حكمة، إنزاله إلى الأرض بسبب المعصية حكمة، ولكن اعلموا أن آدم تاب إلى الله هو وزوجه {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقال الله تعالى: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} فكان بعد التوبة خيرا منه قبل التوبة، والله الموفق
١١٤٨ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى، فقد لغا رواه مسلم.
١١٤٩ - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر رواه مسلم.
١١٥٠ - وعنه وعن ابن عمر رضي الله عنهم، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم.
١١٥١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل متفق عليه.
١١٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه المراد بالمحتلم: البالغ والمراد بالوجوب: وجوب اختيار، كقول الرجل لصاحبه حقك واجب علي، والله أعلم.
١١٥٤ - وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري..
١١٥٦ - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه
وأشار بيده يقللها.
متفق عليه.
١١٥٧ - وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة رواه مسلم.
/٠L٢ باب استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع بلية ظاهرة
١١٥٩ - عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزوراء نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال: إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربي رواه أبو داود
[الشَّرْحُ]
قال رحمه الله تعالى: باب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم.
من & المعلوم أن نعمة الله سبحانه وتعالى لا تحصى، كما قال الله تبارك وتعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وأضرب مثلا بالنفس الذي يتكرر في الدقيقة الواحدة إلى ستين مرة، هذا النفس لو قبض لهلك الإنسان، فهو نعمة كبرى ولا يمكن عدها، وكذلك الصحة والعافية، الأكل والشرب، البراز والبول، كلها نعم عظيمة، لكنها نعم مستمرة، ولو كلف الإنسان أن يسجد عند كل نعمة منها لبقي ساجدا مدى
الدهر، لكن هناك نعم تتجدد للإنسان، كإنسان ولد له، أو تسهل له الزواج، أو قدم له غائب ميئوس منه، أو حصل له مال أو ما أشبه ذلك من النعم التي تتجدد أو بشر بنصر المسلمين، أو ما أشبه ذلك، فهذا يستحب للإنسان أن يسجد لله تبارك وتعالى شكرا له.
فمثلا إذا بشر بولد قيل له: أبشر بولد هذه نعمة متجددة، فيسجد لله كما يسجد في الصلاة ويقول: سبحان ربي الأعلى، سبحانك الله ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ثم يشكر الله على النعمة المعينة التي حصلت، فيقول: أشكرك يا ربي على هذه النعمة ويثني على الله تعالى في ذلك.
هكذا أيضا في اندفاع النقم، الإنسان في سلامة دائمة، ودائما هو معرض للآفات وللنقم، لكن أحيانا تنعقد أسباب النقمة ويشاهدها فيرفعها الله عنه، ولنضرب لذلك مثلا بحادث، إنسان مثلا يمشي في الطريق فانقلبت السيارة فنجا، هذه اندفاع نقمة، فيسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، أو إنسان مثلا يمشي وبينما هو كذلك انخسفت به حفرة في الأرض فنجا، فحضره اندفاع نقمة، يحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك.
واندفاع النقم كثير، فإذا دفع الله عنك نقمة فاسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، وقل مثلا في السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، اللهم إني أشكرك على أن نجيتني من هذه المصيبة ويذكرها، هذا سجود الشكر.
واختلف العلماء رحمهم الله، هل تشترط له الطهارة أو لا؟
والصحيح أنها لا تشترط، وذلك لأن هذا يأتي بغتة والإنسان غير متأهب فلو ذهب يتوضأ لطال الفصل بين السبب ومسببه فإذا كان & على غير طهارة فليسجد.
والله الموفق..
/٠L٢ باب فضل قيام الليل
قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقال تعالى: {كانوا قليلا & من الليل ما يهجعون}
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل.
قيام الليل يعني: الصلاة فيه وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة، كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الثناء على القائمين في الليل، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتهجد، قال: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فأمر الله نبيه أن يتهجد من الليل يعني لا كل الليل، لأن قيام كل الليل ليس من السنة إلا أحيانا، كقيام عشر رمضان، وأما البقية فالسنة أن ينام ويقوم.
قوله: {فتهجد به نافلة لك} اختلف العلماء في قوله: {نافلة لك} فقيل: المعنى أن هذا خاص بك يعني الوجوب، وجوب التهجد، لأن غير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجب عليه التهجد إلا أن ينذره، إن نذر أن يتهجد لزمه الوفاء بالنذر وإلا فلا.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليه أن يتهجد من الليل، وقيل: المعنى {نافلة لك} يعني أنه نافلة أي زيادة، فضل وهذا له ولغيره عليه الصلاة
والسلام.
ثم قال تعالى مبينا ما يكون من ثمرات التهجد، قال: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} قال العلماء: إذا قال الله تعالى في القرآن عسى فهو واجب يعني أن الله سيبعثك مقاما محمودا أي يبعثك يوم القيامة مقاما تحمد عليه من كل الخلائق.
فلرسول الله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود يوم القيامة، ومنه الشفاعة العظمى، يعني من المقام المحمود للنبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، وهي أن الناس يوم القيامة يبعثون في صعيد واحد ليس هناك جبال ولا أشجار ولا بناء ولا أنهار، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا يحول بينهم وبين الداعي شيء ولا بينهم وبين الرائي شيء في صعيد واحد.
وتدنو الشمس، تدنو الشمس منهم حتى تكون & على قدر ميل، ويطول هذا اليوم حتى يكون مقداره خمسين ألف سنة، سبحان الله، الإنسان ما يستطيع أن يقف ولا أربعا وعشرين ساعة، لكن هذا اليوم مقداره خمسون ألف سنة.
فيلحق الناس من الهم والكرب ما لا يطيقون، فيطلب بعضهم إلى بعض النظر في الأمر لعل أحدا يشفع لهم عند الله عز وجل لكي يريحهم من هذا الموقف، يلهمهم الله عز وجل أن يذهبوا إلى آدم، آدم أبو البشر، كل البشر أبوهم واحد وهو آدم عليه الصلاة والسلام، وكما هو العادة أن الإنسان يفر إلى أقرب من يراه أنه أنفع، فيذهبون إلى أبيهم، ألا ترى ما نحن فيه، إن الله خلقك بيده، وعلمك أسماء كل شيء وأسجد لك الملائكة، يعني أعطاك خيرا كثيرا، فاشفع لنا إلى
الله، فيعتذر يعتذر بماذا؟ يقول: إن الله نهاه عن أكل الشجرة فأكل منها، وهذه معصية، فهو خجلان من الله عز وجل، فكيف يشفع لكم عند الله؟ فيذهبون إلى نوح وهو أول الرسل من البشر، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض هو نوح صلى الله عليه وسلم فيذكرونه بنعمة الله عليه، أنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولكنه يعتذر، يعتذر بماذا؟ بقوله: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} لأن الله وعده أن ينجيه وأهله وكان أحد أبنائه كافرا لم ينج من الماء حتى قال له نوح: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} يعني ولا أركب معك لأن المياه عظيمة، فكيف كانت؟ السماء فتحها، في قراءة {فَفَتَحْنَا أبواب السماء} وفي قراءة {فَفَتَّحْنَا أبواب السماء} وهي أعظم فتح الله أبواب السماء بماء منهمر غزير أشد من القرب وفجرنا الأرض عيونا حتى التنور الذي هو محل النار وهو أشد الأرض يبوسة وأبعدها من الماء، بدأ التنور يفور فجرنا الأرض عيونا، كل الأرض إذا كان السماء فتحت بماء منهمر، والأرض فجرت بالعيون كيف يكون منسوب المياه؟ يكون عظيما عظيما حتى صعد الماء إلى قمم الجبال.
وكانت امرأة معها صبي من الكفار الذين كفروا بنوح معها صبي، كلما ارتفع الماء في الجبل صعدت عليه، كلما ارتفع صعدت عليه، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل فارتفع المنسوب ووصل إلى كعبيها ثم إلى ركبتيها ثم ألجمها الماء فرفعت صبيها هكذا من أجل أن ينجو من الغرق، فتغرق هي والولد & ترجو أن ينجو من
الغرق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو نجا الله أحدا لنجى أم الصبي لكن والعياذ بالله قضى الله على أهل الأرض أن يغرقوا كلهم إلا من ركب في هذه السفينة.
ابن نوح الذي كفر بأبيه أبى أن يركب، قال: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} قال له أبوه {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} غرق لكن نوحا عليه الصلاة والسلام قال: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} سبحان الله كلام الله عز وجل لنبي من الأنبياء من أولي العزم: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} فيأتون إلى نوح في ذلك اليوم نسأل الله أن ينجينا وإياكم من عذابه يأتون إلى نوح ويقولوا اشفع لنا، فيذكر ذنبه أنه سأل ما ليس له به علم، والمذنب ليس له وجه يشفع، المذنب لا يمكن أن يشفع عند من عصاه، لأنه ليس له وجه فيعتذر.
فيذهبون إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم أبو الأنبياء الذي أمرنا أن نتبع ملته ويذكرونه بنعمة الله عليه ولكنه يعتذر، يعتذر بأشياء ما تضره، ولكنه عليه الصلاة والسلام بكمال إيمانه جعلها من الأشياء الضارة، فيذكر ما يذكر من العذر، ويقول: اذهبوا إلى موسى.
يأتون موسى ويذكرونه بنعمة الله عليه، ولكنه يعتذر، بماذا
يعتذر؟ يقول: إنه قتل نفسا لم يؤذن له بقتلها حين قتل القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، إسرائيلي من بني إسرائيل كان مع قبطي يتنازعان، وكان موسى من أشد الناس صرامة قويا شديدا، وهذا من حكمة الله، لأن بني إسرائيل لا ينفعهم إلا الأقوياء الأشداء، فبعثه الله إلى بني إسرائيل، فلما رأى هذا القبطي قد استغاثه الإسرائيلي عليه وكزه موسى يعني أعطاه وكزة بيده، فقضى عليه.
فقال يعتذر أنه قتل نفسا لم يؤم بقتلها، اذهبوا إلى عيسى، فيذهبون إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، الذي هو آخر الرسل قبل محمد عليه الصلاة والسلام، ليس بينه وبينه نبي ولا رسول، ولكنه يعتذر بدون أن يذكر شيئا، لكنه يدلهم على من هو أكمل منه، وهو محمد صلوات الله وسلامه عليه أسأل الله تعالى أن يدخلني وإياكم في شفاعته يأتون إلى محمد فيقول: أنا لها ويذهب ويسجد تحت العرش بعد إذن الله عز وجل، ثم يؤذن له بالشفاعة فيشفع، فينزل الرب عز وجل للقضاء بين عباده، فيقضي بينهم ويستريحون من هذا الموقف.
هذا المقام يا إخواني هل يحمد عليه الرسول؟ نعم لا شك كل الأنبياء الكرام والرسل، أولو العزم كلهم يعتذرون حتى تصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وانظر كيف كانت هذه السلسلة، يعني لو شاء الله تبارك وتعالى
لدلهم على محمد من أول الأمر، لكن ليظهر فضل هذا النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، ويتحقق قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} ونعم هذا المقام مقاما، فصلوات الله وسلامه عليه، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآيات.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
٢١٠ - باب فضل يوم الجمعة
قال المصنف: يقال بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاهن الفراء والواحدي وغيرهما، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها كما يقال همزة ولمزة لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك، سميت جمعة لاجتماع الناس فيها، وحكي كسر الميم وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية العروبة اهـ. وكانوا يسمون الأحد أول والاثنين أهون والثلاثاء جباراً والأربعاء دباراً والخميس مونساً والسبت شباراً، قال الشاعر:
أؤمل أن أعيش وأن يومى
بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته
فمونس أو عروبة أو شبار
وقد أفرد الحافظ السيوطي فضائل الجمعة وخصائصها في مؤلف وكذا من قبله ابن أبي الصيف اليمني ومن قبله الحافظ النسائي (ووجوبها والاغتسال لها) معطوف على يوم لأن الصحيح من المذهب ندب الاغتسال وتأويل ما يوهم وجوبه، أو على وجوب ويكون حينئذ ساكتاً عن بيان حكمه من ندب وغيره، وإن قام الدليل على الأول فهو أولى (والطيب والتبكير لها) أي الوصول للمسجد من أول النهار (والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي فيه) ولا يكره إفرادها فيه عن السلام لورود النص بها فيه منفردة كما ذكره الشيخ عبد الرزاق المكي الواعظ (وبيان ساعة الإجابة) أي تعيين وقتها فيه (واستحباب إكثار ذكر الله تعالى بعد الجمعة) أي صلاتها، عبر باستحباب بعد التعبير في الأعمال السابقة بفضل قمنا في التعبير.
(قال الله تعالى) : {فإذا قضيت الصلاة} أي فرغتم من الصلاة المعهودة وهي صلاة الجماعة (فانتشروا في الأرض) لقضاء حوائجكم ( {وابتغوا من فضل الله} ) أي رزقه، وهذا أمر إباحة بعد الحظر، عن بعض السلف: من باع واشترى بعد الجمعة
بارك الله ما سبعين مرة ( {واذكروا الله كثيراً} ) في حال انتشاركم وصرح به لئلا يغفل عنه بالاشتغال بطلب الرزق ( {لعلكم تفلحون} ) أي ائتوا بما ذكر راجين الفلاح، ففيه إيماء للحض على ترك الاعتماد على حال أو مقام، والحث على التوجه إلى الله سبحانه وحسن الرجاء منه، وهذه الآية دليل على آخر الترجمة، وقدمها مع ذلك لشرف الكتاب على السنة.
١١١٤٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: خير يوم) حذفت الألف من خير للتخفيف لكثرة استعماله (طلعت عليه الشمس) جملة في محل الصفة ليوم وهي مسوقة لبيان الواقع إذ كل يوم كذلك (يوم الجمعة) فلذا كان سيد أيام الأسبوع ولا ينافيه خبر «سيد الأيام يوم عرفة» لأنه محمول على أيام السنة، وفي كلام العلقمي ما يوهم أن يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة. وذكر بعض أحوال اليوم بقوله (فيه خلق آدم) عليه السلام وهو أصل النوع الذي هو أفضل أنواع المخلوقات، وخلقه فيه يحتمل أن يكون سبب فضله أو بسببه، ثم رأيت العلقمي نقل عن شيخه يعني السيوطي عن القاضي يعني عياضا أنه قال: الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيله لأن إخراج آدم من الجنة وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب بصالح العمل لينال رحمة الله ويدفع نقمته. وقال أبو بكر بن العربي في كتابه «الأحوزي في شرح الترمذي» الجميع من الفضائل، وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية والنسل والأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، ولم يخرج منها طرداً بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، وقيام الساعة سبب تعجيل جزاء النبيين والصديقين اهـ ملخصاً. وقد زيد في رواية «وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه قبض وفيه تقوم الساعة» (وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها) هذا الحديث هكذا فقط في رواية لمسلم، وفي أخرى له بزيادة «ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» وأخرجه كذلك أحمد والترمذي (رواه مسلم) هو كلفظ حديث أحمد والترمذي المزيد فيه ما ذكر فيصح أن تنسب روايته لهما.
٢١١٤٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: من توضأ فأحسن الوضوء) بالإسباغ والإتيان به بآدابه وسننه (ثم أتى الجمعة) أتى بثم إيماء إلى تأخر الإتيان عن الوضوء لاشتغاله بالأذكار عقب الوضوء وصلاته (فاستمع) أي عقب إتيانه (وأنصت) أي ترك الكلام (غفر له ما بينه وبين الجمعة) أي ما بين صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية ليكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقص، نقله المصنف عن العلماء، وأعاد بين مع أنها لا تضاف إلا لمتعدد لفظاً نحو الود بين زيد وعمرو أو تقديراً نحو لا نفرق بين أحد من رسله» ويلزم على عودها إضافتها لغير متعدد دفعاً للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وهو ممنوع عند الجمهور (وزيادة) بالرفع عطف على الموصول المرفوع بغفر، وقال المصنف: إنه منصوب على الظرف: أي غفر له مدة ما بين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، فحذف المضاف المنصوب على الظرف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه، وما ذكرته أقرب إلا إن كانت الرواية بما قاله المصنف (ثلاثة أيام) أي غفر له ذنوب عشرة أيام: أي الصغائر المتعلقة بحق الله سبحانه المفعولة فيها دون الكبائر فلا تكفر إلا بالتوبة الصحيحة أو فضل إلهي، وحق العباد إذ لا يكفر إلا بارضاء صاحبه. قال المصنف: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشرة أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشرة أمثالها (ومن مس الحصا فقد لغا) فيه نهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى الحض على إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود (رواه مسلم) .g
٣١١٤٩ - (وعنه عن النبيّ قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان) يجوز إبقاء الكلام على ظاهره، لأن كلاً من الجمعة ورمضان لما كان محل الأفعال الحسنة صار كأنه حسنة مكفرة كما قال المصنف في الحديث قبله. ويحتمل أن في الكلام
مقدراً: أي وصلاة الجمعة إلى صلاتها وصوم رمضان إلى صوم مثله (مكفرات) أي كل منها صالح لتكفير الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، فإن لم يجد البعض منها ما يكفره كان رفعة في درجاته، وإن وجد كبائر فقط، قال المصنف: رجونا أن يخفف عنه منها بقدر ما يكفر من الصغائر. قال العلقمي: قال شيخنا زكريا: إن قلت يلزم من جعل الصغائر مكفرة بالمذكورات عند اجتناب الكبائر اجتماع سببين على مسبب واحد وهو ممتنع. قلت: لا مانع من ذلك في الأسباب المعرفة لأنها علامات لا مؤثرات كما في اجتماع أسباب الحدث وما هنا كذلك اهـ (ما بينهن) وهو مفعول الوصف قبله إن كان منوناً كما هو في أصل مضبوط، ويؤيده أنه روى «مكفرات لما بينهن» أي بزيادة اللام وإلا فمضاف إليه (إذا اجتنبت الكبائر) قال المصنف: هو مؤول بعدم تكفير العمل الصالح للكبائر وإن كان صريحه أن شرط تكفيره اجتناب الكبائر فليس مراداً وإن قال به بعض (رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي.
٤١١٥٠ - (وعنه عن ابن عمر رضي الله عنهم) في نسخة عنهما والأولى أولى ليشمل الترضي أبا هريرة (أنهما سمعا رسول الله يقول) جملة في محل الحال من رسول الله، وقوله (على أعواد منبره) في محل الحال من ضمير يقول (لينتهين) بفتح الياء لكونه مسنداً للاسم الظاهر وهو قوله (أقوام) وإذا أسند العامل لمرفوع مثنى أو مجموع وجب في الأفصح تجريده من علامة التثنية والجمع وإفراده، ولعل جمعه لتنوع التاركين له باعتبار قبائل المنافقين وفرقهم (عن ودعهم) بفتح الواو وسكون الدال وبالعين المهملتين مصدر ودع المستغني عنه برديفه وهو ترك: أي تركهم (الجمعات) بضمتين ويجوز إسكان الميم تخفيفاً: أي صلاتها (أو ليختمن الله على قلوبهم) فلا يصير فيها تأهل لقبول الهدى ولا استعداداً لتلقي الأنوار، والمعنى: ليكونن أحد الأمرين الانتهاء عن تركهم الجمعة أو الختم
على قلوبهم (ثم ليكونن) بضم النون والفاعل ضمير الجماعة المحذوف لملاقاته ساكناً النون الساكنة المدغمة (من الغافلين) قال المصنف: معنى الختم الطبع والتغطية، قالوا في قوله {ختم الله على قلوبهم} (البقرة: ٧) أي طبع، ومثله الرين، وقيل الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر الإقفال الإقفال أشدها، قال القاضي: اختلف المتكلمون في هذا اختلافاً كثيراً، فقيل هو إعدام اللطف وأسباب الخير، وقيل هو خلق الكفر في صدورهم وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من تمدح ومن تذم (رواه مسلم) في أبواب الجمعة من «صحيحه» ، ورواه أحمد. وأبو داود وابن ماجه.
٥١١٥١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: إذا جاء أحدكم الجمعة) أي أراد المجيء إليها كما جاء في رواية أخرى «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة» (فليغتسل) أي وجوباً وعليه طائفة من السلف، وحكي عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك أو ندباً، وعليه جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار، قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه. واحتج الأولون بظاهر هذا الحديث وما بعده وما في معناهما. واحتج الجمهور بأحاديث منها حديث سمرة الآتي قريباً «من توضأ يوم الجمعة الخ» وهو حديث صحيح في السنن ومنها حديث سمرة الآتي قريباً «من توضأ يوم الجمعة الخ» وهو حديث صحيح في السنن ومنها حديث عمر وقوله وهو في الخطبة للرجل المتأخر إلى الآن، فقال ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت، فقال عمر: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله كان يأمرنا بالغسل؟ والحديث في البخاري، وأجابوا عن الأحاديث بأنها محمولة على الندب المتأكد جمعاً بين الأحاديث أشار إليه المصنف في «شرح مسلم» (متفق عليه) ورواه مالك والنسائي.
٦١١٥٣ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله قال: غسل الجمعة) وفي رواية «غسل يوم الجمعة» (واجب على كل محتلم متفق عليه) ورواه مالك وأبو داود والنسائي كلهم عن أبي سعيد، وأخرجه الرافعي من حديثه بلفظ «غسل يوم الجمعة واجب كوجوب غسل الجنابة» (المراد بالمحتلم) بصيغة الفاعل (البالغ) أي ولو امرأة تحضر الجمعة بأن كانت عجوزاً، وحينئذ ففي التعبير به مجاز مرسل من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أو إطلاق الخاص وإرادة العام (والمراد بالوجوب وجوب اختيار) أي يختار فعله ويطلب كما يختار فعل الواجب وإن افترقا يترتب الإثم بترك الواجب دون تركه (كقول الرجل لصاحبه حقك واجب عليّ) أي يطلب مني على سبيل الاختيار والإتيان به (والله أعلم) وقال في «شرح مسلم» : والمراد بالوجوب التأكد كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب على: أي متأكد لا أن المراد الواجب المتحتم المعاقب عليه.
٧١١٥٣ - (وعن سمرة) بفتح فضم (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من توضأ يوم الجمعة فيها) أي فبالرخصة المدلول عليها بالسياق أخذ (ونعمت) هي الرخصة والمخصوص بالمدح محذوف وهو الوضوء لدلالة قوله توضأ عليه (ومن اغتسل) معه (فالغسل أفضل) قال المصنف: فيه دليلان على أن غسل الجمعة ليس بواجب اهـ: أحدهما مدحه للإتيان بالوضوء دون الغسل وتارك الواجب لا يمدح. الثاني قوله فالغسل أفضل فإنه يدل على ندبه وزيادة فضله على الوضوء (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) قال المصنف
في «شرح مسلم» : هو حديث صحيح في «السنن» مشهور وفي «الجامع الصغير» ، ورواه أحمد في «مسنده» والنسائي في «سننه» وابن خزيمة.
٨١١٥٤ - (وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا يغتسل رجل) تقدم أن المرأة كذلك في ندب الغسل للجمعة إن طلب منها الحضور (يوم الجمعة) ظاهره ولو بعد فعلها وهو غير مراد كما يدل عليه باقي الروايات (ويتطهر ما استطاع من طهر) قال البرماوي: التنكير فيه للتكثير ليشمل قص الشارب وقلم الظفر وحلق العانة وتنظيف الثياب وفي نسخة من البخاري من الطهر بالتعريف (ويدّهن) بالتشديد: أي يطلى بالدهن (من دهنه) بضم الدال (أو يمس من طيب بيته) أي يمس شيئاً من ذلك، فأو للتفصيل وفي قوله طيب بيته إيماء إلى ندب اتخاذ الطيب في البيت واعتياد الطيب، وقدم التطهير لما فيه من التخلية بالمعجمة عن الأوساخ ثم الادهان لما فيه من ترك الشعث وختم بالطيب لأنه كالتحلية بالمهملة، وقد زاد أبو داود في روايته «ويلبس من صالح ثيابه» (ثم يخرج) زاد ابن خزيمة «إلى المسجد» وزاد أحمد «ثم يمشي وعليه السكينة» (فلا يفرق) بالرفع عطف على ما قبله (بين اثنين) ولأبي داود «ثم لم يتخط رقاب الناس» قال البرماوي: وقوله فلا يفرق الخ كناية عن التبكير، فإنه إذا بكر لا يتخطى الرقاب ولا يفرق بين الناس (ثم يصلي ما كتب له) أي فرض من صلاة الجمعة أو ما قدر له من الصلاة فرضاً أو نفلاً (ثم ينصت) بضم التحتية على الأفصح من أنصت إذا سكت، ويجوز فتحها، قال المصنف: يقال أنصت وانتصت ونصت بمعنى. وتعقب قول القاضي عياض أن التعبير بانتصت بدل أنصت في حديث أبي هريرة السابق في تكفير الجمعة لما بينها وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام وهم من الراوي بأنه ليس وهماً بل هي لغة صحيحة، قال البرماوي: ويجيء أنصت أيضاً متعدياً يقال أنصته (إذا تكلم الإمام) أي خطب زاد ابن حبان «حتى يقضي صلاته» (إلا غفر له ما بينه) أي بين يوم الجمعة (وبين الجمعة الأخرى) قال البرماوي: يحتمل الجمعة الماضية والمستقبلة لأنها تأنيث الآخر بفتح الخاء لا بالكسر، والمغفرة تكون للمستقبل كالماضي قال تعالى:
{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح: ٢) اهـ، وقد عين ابن خزيمة في
روايته أنها الجمعة التي قبلها وزاد ابن حبان «وزيادة ثلاثة أيام من اللتي بعدها» زاد ابن ماجه «ما لم تغش الكبائر» (رواه البخاري) ورواه أحمد في «مسنده» كما في «الجامع الكبير» .
٩١١٥٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: من اغتسل يوم الجمعة) ويدخل وقته بطلوع الفجر وتقريبه من الذهاب لصلاتها أولى، ولو تعارض هو والتبكير قدمه (غسل الجنابة) مفعول مطلق ناب فيه عن المصدر اسمه نحو سلمت عليك سلاماً وأعطيتك عطاء، أو هو مما ناب فيه صفته منابه والأصل اغتسالاً مثل غسل الجنابة فحذفت الصفة وأقيم المضاف إليه مقامها في ذلك، وإليه يومىء كلام المصنف الآتي ويؤيده أن عند عبد الرزاق في «مصنفه» «كما يغتسل من الجنابة» وأتى به لدفع توهم الاكتفاء بمسمى الغسل اللغوي في حصول سنة غسلها، بل لا بد فيه من الشرعي الشامل لجميع البشرة والشعر ظاهراً وباطناً وإن كثف (ثم راح) زاد في «الموطأ» «في الساعة الأولى» وراح تستعمل في جميع الأوقات بمعنى ذهب، قاله الأزهري منكراً على من زعم أنه لا يكون، إلا بعد الزوال (فكأنما قرب) بتشديد الراء (بدنة) أي تصدق بها متقرباً إلى الله تعالى، والبدنة هي البعير ذكراً كان أو أنثى والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث سميت بذلك لعظم بدنها، وقال الجوهري: البدنة ناقة أو بقرة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمونها (ومن راح في الساعة الثانية) أي من النهار (فكأنما قرب بقرة) مشقة من البقر وهو الشق لأنها تبقر الأرض أي تشقها بالحرث (ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) وصفه بذلك لأنه أكمل وأحسن صورة ولأن قرنه ينتفع به (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة) ، بفتح الدال المهملة وهو الفصيح وحكي كسرها، وقيل إنه أفصح من الفتح،
حكاه الدماميني، في «مصابيحه» وضمها، واقتصر ابن حبيب على
الفتح في ذكورها قال: وأما في الإناث فبالكسر، وذكر الدجاجة وإن لم تكن من نوع ما يتقرب به من النعم لأن المراد مطلق التصدق (ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) قال السيوطي في «التوشيح» : ذكر الساعات هنا خمساً والنسائي ستاً، وجعل بين الدجاجة والبيضة العصفور. قلت: وفي رواية أخرى له بين الشاة والدجاجة بطة، أوردها عنه البرماوي ولها شواهد. واختلف في المراد بالساعات فقيل المراد بها بيان مراتب المبكرين، ورد بأنها متفاوتة إلى أكثر من هذا العدد، فدل على أن المراد حقيقة الساعات، ثم قيل هي لحظات لطيفة أولها زوال الشمس وآخرها قعود الخطيب على المنبر. قلت: وعليه مالك، وقيل هي من أول النهار، والمراد الساعات الزمانية المتفاوتة بتفاوت زيادة النهار ونقصه. وينقسم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة منها طويلاً كان أو قصيراً. وأورد عليه لزوم تساوي الآيتين في طرفيها. وأجيب بالتساوي في مسمى البدنة مثلاً والتفاوت في صفاتها. قال المصنف: قال السيوطي في «تاريخ ابن عساكر» عن ابن عباس بسند ضعيف: أول من قدر النهار اثنتي عشرة ساعة وكذا الليل نوح عليه السلام حين كان في السفينة (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة) قال البرماوي: أي غير الحفظة، وهم الذي وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، وسيأتي ما ورد فيهم (يستمعون الذكر) لفظ مسلم «فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر» ولابن خزيمة «على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول» وفي «الحلية» «إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور» ولابن خزيمة «فيقول بعض الملائكة لبعض ما حبس فلاناً؟ فيقول: اللهم إن كان ضالاً فاهده، وإن كان فقيراً فاغنه، وإن كان مريضاً فعافه» (متفق عليه) قال في «الجامع الكبير» : ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان كلهم عن أبي هريرة.
(قوله غسل الجنابة) بالنصب على الحكاية (أي غسلاً كغسل الجنابة في الصفة) وهذا التأويل يحتاج إليه من يرى عدم حصول سنة غسلها بواجب غسل الجنابة إذا لم ينوه، وهو الذي عليه المصنف وهو المختار، والذي عليه الرافعي حصوله وإن لم ينوه،
فلا يحتاج للتأويل إلا من جهة عدم التقييد بكون الغسل واجباً يحصل به وإن كان وإلا فبالمندوب والله أعلم.
١٠١١٥٦ - (وعنه أن رسول الله ذكر يوم الجمعة) أي بالثناء عليه وبيان فضله (فقال: فيها ساعة لا يوافقها) أي يصادفها (عبد مسلم وهو قائم) جملة حالية من ضمير وافق المستكن فيه وهو خارج مخرج الغالب فلا يعمل بمفهومه (يصلي) جملة حالية من ضمير قائم، أو جملة تفسيرية لقائم أو بدل منه (يسأل) حال مترادفة أو متداخلة (الله شيئاً) عند البخاري في رواية (خيراً) . ولابن ماجه «ما لم يسأل حراماً» ولأحمد «ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم» (إلا أعطاه إياه وأشار) أي رسول الله كما في «الموطأ» من رواية أبي مصعب (بيده يقللها) أي يبين أنها لحظة لطيفة خفيفة، وزاد مسلم «وهي ساعة خفيفة» وقد اختلف العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم هل هذه الساعة باقية أو رفعت؟ وعلى الأول هل هي في كل جمعة أو جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول هل هي في وقت من اليوم معين أو مبهم؟ وعلى التعيين هل تستوعب الوقت أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام ما اتبداؤه وما انتهاؤه وعلى كل ذلك هل تستمر أو تنتقل؟ وعلى الانتقال هل تستغرق الوقت أو بعضه؟ وحاصله أن الأقوال فيها خمسة وأربعون قولاً بينها الحافظ في «فتح الباري» والسيوطي في «شرح الموطأ» ، وقد بينتها بدلائلها في كتابي «سطوع البدر في فضائل ليلة القدر» (متفق عليه) .
١١١١٥٧ - (وعن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهملتين فهاء تأنيث كنية (ابن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري رضي الله عنه) واسم أبي بردة قيل الحارث وقيل عامر، كان قاضي الكوفة يروي عن أبيه وعلي والزبير وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد وبلال وحفيده بريد بن عبد الله، وكان من نبلاء العلماء توفي سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك جاوز الثمانين اهـ ملخصاً من «كاشف الذهبي» و «تقريب الحافظ» بن حجر (قال:
قال عبد الله بن رسول الله) أي مخاطباً لأبي بردة (أسمعت أباك يحدث) جملة حالية من المفعول (عن رضي الله عنه في شأن) أي بيان (ساعة الجمعة؟ قال: قلت نعم) حصل به الجواب وزاد لزيادة البيان قوله (سمعته يقول: سمعت رسول الله يقول: هي) أي ساعة الإجابة فيها (ما) أي الوقت الذي (بين أن يجلس الإمام) أي على المنبر (إلى أن تقضى الصلاة. رواه مسلم) قال المصنف في «شرحه» : هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: لم يسنده غير مخرمة عن أبيه عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى رضي الله عنه عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة وتابعه وأصل الأحدب ومجالد، روياه عن أبي بردة من قوله، وقال النعمان بن عبد السلام: عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موقوف ولا يثبت قوله عن أبيه. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن حماد بن خالد «قلت لمخرمة: سمعت عن أبيك شيئاً؟ قال لا» هذا كلام الدارقطني وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة. والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة اهـ. قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى وأشهر الأقوال قول عبد الله بن سلام: إنها آخر ساعة
بعد العصر، زاد الحافظ ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. ثم اختلف السلف في أي القولين أرجح فرجح كلاً مرجحون فمن رجح الأول البيهقي وابن العربي والقرطبي، وقال المصنف: إنه الصحيح أو الصواب، ورجح الثاني أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن عبد البر وابن الزملكاني من الشافعية، قال القاضي عياض: وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لها بل معناه أنها تكون في أثناء ذلك لقوله «وأشار بيده يقللها» والحكمة في إبهامها ألا يقتصر على إحيائها،
بل يعمم بالطاعات سائر أوقات الجمعة كإخفاء ليلة القدر بين الليالي، ولا يشكل على كل من القولين قوله في الحديث يصلي، لأن المراد منه عليهما أنه منتظرها وهو في حكم المصلي كما أجاب به ابن سلام رضي الله عنه لمَّا أورد عليه ذلك وهو جار على الوجه الثاني كما في «التوشيح» .
١٢١١٥٨ - (وعن أوس) بفتح فسكون وآخره سين مهملة (ابن أوس) بضبط ما قبله، قال المصنف في «التهذيب» : هو الثقفي، وقال يحيى بن معين: يقال له أوس بن أوس، ويقال له أوس بن أبي أوس، وقال البخاري: أوس بن أوس وأوس بن أبي أويس وأوس بن حذيفة الثلاثة اسم لرجل واحد، ووافقه جماعة وخالفه بعضهم.
قلت: ممن خالفه الحافظ ابن حجر في «التقريب» فقال: أوس بن أوس الثقفي صحابي سكن دمشق وأوس بن أبي أوس، واسم أبي أوس حذيفة الثقفي صحابي أيضاً، وهو غير الذي قبله على الصحيح اهـ. قال المصنف: نزل أوس هذا دمشق ومسجده ودراه بها في درب العلي وقبره بها، روى حديثين في الجمعة حديث «من غسل واغتسل» وحديث «أكثروا من الصلاة عليّ» وحديثاً في الصيام اهـ. وفي «تقريب الحافظ» : خرج عنه الترمذي وابن ماجه، وفي «محتضر التلقيح» : أوس بن أوس له أربعة وعشرون حديثاً وليس له في الصحيح شيء (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إن من أفضل أيامكم) فيه دليل لأن أفضل أيام السنة يوم عرفة كما جاء «سيد الأيام يوم عرفة» (يوم الجمعة) ويوم الجمعة من الأفضل وهو أفضل أيام الأسبوع (فأكثروا عليّ من الصلاة فيه) ليزكوا ثوابها وينمو فضلها، لأن العمل الصالح يشرف بشرف زمانه ومكانه، وقوله (فإن صلاتكم معروضة عليّ) يحتمل أن يراد عرض خاص وإلا فسائر الأعمال صالحها وفاسدها في سائر الأيام تعرض عليه كما جاء في السنة. قال الشيخ ابن حجر الهيتمي وغيره: ويوم الجمعة كغيره في أن النبي يسمع بأذنيه الصلاة عليه إن كانت بحضرته بين يديه، وإلا فتبلغه الملائكة إياها، وما اشتهر من قول العامة أن النبي ليلة الجمعة يسمع بأذنيه الصلاة عليه محمول على ما ذكر، وللحديث تتمة تأتي في كتاب الصلاة على النبيّ (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
باب فضل يوم الجمعة ووجوبها والاغتسال لها والتطيب والتبكير إليها والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه وبيان ساعة الإجابة ...
قال الله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين باب فضل الجمعة وذكر أشياء من خصائص يوم الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وهو اليوم الذي خصت به هذه الأمة، وأضل الله عنه اليهود والنصارى، اليهود كان لهم السبت، والنصارى كان لهم الأحد، فكانوا تبعا لنا مع أنهم قبلنا في الزمن، وهذا من فضائل هذه الأمة ولله الحمد، وهذا اليوم هو يوم الخصائص، ويوم السبت والأحد ليس فيه خصائص، لكن ضل اليهود والنصارى عن يوم الجمعة، فصار لنا ولله الحمد والمنة.
ويوم الجمعة له خصائص متعددة، ومن أحسن من ذكرها ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد فليرجع إليه فإنه واف شاف.
ثم صدر المؤلف رحمه الله هذا الباب بقول الله تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا في فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وكان هذا آخر آية سبقت وهو قوله: {يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة..
..
} فخاطب الله المؤمنين أن يتركوا البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، والمراد به النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الإمام أما & النداء الأول فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم كثر & الناس في المدينة أمر أن يؤذن أذان سابق ليستعد الناس للحضور فكان هذا من سنة الخليفة الراشد عثمان الذي أمرنا باتباع سنته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ولقد ضل من قال إنه بدعة، وسفه الصحابة رضي الله عنهم وسفه الخليفة الراشد، ونحن نقول له: أنت المبتدع في هذا القول الذي ادعيت أن هذا بدعة وكيف يكون بدعة وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم سنة، سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
لكن هؤلاء سفهاء الأحلام وإن كانوا كبار السن، كيف تضلل الصحابة رضي الله عنهم بقائدهم عثمان بن عفان، وتدعي أنك أنت صاحب السنة؟، بل أنت صاحب البدعة في هذا القول.
يقول عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر
الله} والمراد بذكر الله: الخطبة والصلاة أما الخطبة فيذكر الله فيها بالتشهد وذكر الأحكام والموعظة وغير ذلك، وأما ذكر الله في الصلاة فهذا ظاهر: {وذروا البيع} اتركوا البيع، ولهذا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة حرم البيع إلا على من لا تجب عليه كالنساء مثلا، وأما من تجب عليه الجمعة فإنه يحرم عليه البيع ولو باع لم يصح، حتى لو كان في طريقه إلى المسجد، وسمع أذان الجمعة ومعه زميل له فتبايعا فإن البيع باطل لا ينتقل به المبيع إلى المشتري ولا الثمن إلى البائع لأنه باطل وكل شيء نهى الله عنه فهو باطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} يشمل، المسافر الذي في البلد إذا سمع أذان الجمعة يجب أن يحضر الجمعة، لأنه مؤمن، فمن الذي أخرجه، فإذا قال أنا مسافر قلنا ألست مؤمنا؟ فيقول: بلى إذا قال: بلى، قلنا اسمع {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم} يعني خير لكم من البيع لأن فيه إقامة شعيرة من شعائر الإسلام وقياما بواجب فهو خير من البيع & {إن كنتم تعلمون} يعني إن كنتم من ذوي العلم فاعلموا أنه خير، والمراد بهذه الجملة الشرطية الحث على ترك البيع والتوجه إلى الجمعة.
{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} يعني انتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله في البيع والشراء لكن لا يلهيكم ذلك عن ذكر الله.
ولهذا قال: {واذكروا الله كثيرا} يعني: لا تظنوا أنكم إذا فرغتم من ذكر الله في الخطبة والصلاة أنكم انتهيتم من ذكر الله، لا، ذكر الله في كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان، قال الله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} من ذوي الألباب؟ {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} فالحاصل أنه إذا قضيت الصلاة فلا جلوس بعدها ملزم، اخرج، ابتغ الرزق، ابتغ من فضل الله، وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان إذا قدم الصلاة على البيع والشراء ثم اشترى وباع بعد ذلك فإنه يرزق، لأنه قال: {وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا
لعلكم تفلحون} وفي هذا إشارة إلى أنه لا خطبة بعد صلاة الجمعة، لأن الله قال: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} ما في خطبة ولا كلام ولا موعظة تكفي المواعظ التي في الخطبة التي قبل الصلاة والتي كانت مشروعة في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله إذا تكلم أحد بعد الصلاة فلا تستمع له إلا أن يكون كتابا من السلطان، لأن الكتابات الموجهة من السلطان لابد أن تستمعها الرعية، لأن السلطان له حق على
الرعية يوجهها ويدلها على الخير، أما غير ذلك من النصائح فإن في الخطبتين كفاية، خير الهدي، هدي من؟ محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن يخطب بعد الصلاة، ولم يرو عنه ذلك بحرف صحيح ولا ضعيف.
يوجد بعض الناس يتخذها سنة راتبة، كلما انتهت صلاة الجمعة قام يتكلم، فتكون الجمعة فيها كم خطبة؟، ثلاث خطب، من أين هذا؟ أما لو طرأ أمر لابد منه، لو جاء كتاب من السلطان أو من نائب السلطان من أحد الوزراء أو من غيرهم ممن له أن يتكلم، فهذا نعم، يقرأ على الناس ويسمع.
وقوله تبارك وتعالى: {لعلكم تفلحون} لعل هنا للتعليل وليست للترجي، وكلما جاءتك لعل في كتاب الله فهي للتعليل، لأن الرجاء إنما يكون في شأن من يتعسر عليه الأمر، وأما الرب عز وجل فكل شيء يسير عليه، فإذا وجدت لعل في القرآن فهي للتعليل مثل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} وما أشبه ذلك.
{لعلكم تتقون} يعني: لأجل أن تتقوا {ولعلكم تفلحون} يعني لأجل أن تفلحوا.
رزقنا الله وإياكم الفلاح والصلاح والإصلاح والهداية، نسأل الله أن يهدينا وأن يهدي لنا وأن يهدي بنا، إنه على كل شيء قدير.
وأنبه على أنه لا يشتري المساويك، حتى المساويك بعد نداء الجمعة الثاني لا يجوز بيعها
ولا شراؤها ولذلك نبه صاحب المساويك.
وأقول لك عبارة أحسن من المساويك جمع (سيئ) لكن قل: أعواد الأراك، والله أعلم..
١١٤٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجمعة وما يتعلق بها فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة والمراد بذلك خير يوم من أيام الأسبوع، وإنما قلنا هذا لئلا يتعارض مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة: فإن يوم عرفة أفضل باعتبار العام، وهذا أفضل باعتبار الأسبوع، فيه خلق آدم، وآدم هو أبو البشر خلقه الله عز وجل بيده، خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون خلق يوم الجمعة وفيه أدخل الجنة وهي جنة المأوى التي يأوي إليها البشر، أدخله الله الجنة هو وزوجه وقال: اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأذن الله لهما أن يأكلا من جميع أشجار الجنة مما شاءا ونهاهما عن شجرة معينة اختبارا وابتلاء
{فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو & تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} وأقسم لهما أن يأكلا من هذه الشجرة وأنه بذلك يحصل لهما الخلد والملك الذي لا يبلى، وما زال بهما حتى أكلا من الشجرة، وكان الله تعالى قد وضع على عورتيهما هيبة فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوءاتهما، وصار كل إنسان ينظر إلى عورته، آدم ينظر إلى عورته، وحواء تنظر إلى عورتها، انكشفت لأنهما هتكا حرمة الله عز وجل بأكلهما من الشجرة، وقال الله تعالى عن ذلك: {وعصى آدم ربه فغوى} لما أكلا منها أمرهما الله عز وجل أن يخرجا من الجنة فهبطا إلى الأرض، وهذا من حكمة الله عز وجل، لأنه لولا ذلك ما وجدت هذه البشرية وهذه الخليقة وحصل هذا الامتحان، ولكن الله تعالى بحكمته قدر لكل شيء سببا، فانظر كيف نزل من الجنة العالية إلى الأرض الهابطة بمعصية واحدة؟ فما بالك بنا نحن معاصينا كثيرة بالليل والنهار، نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بعفوه، ومع ذلك نؤمل أملا ما هو إلا أوهام، نؤمل أننا في الدرجات العليا مع أننا هابطون بكثرة المعاصي والتهاون بالواجبات وما يعتري القلوب من الحقد والبغضاء والكراهية، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم وأن يصحح قلوبنا وقلوبكم.
وهذه الجنة التي أهبط منها آدم، اختلف فيها هل هي جنة المأوى أو أنها جنة بستان عظيم على ربوة طيبة الهواء كثيرة الماء؟ والصواب أنها جنة الخلد، وفي هذا يقول ابن القيم:
فحي على جنات عدن فإنها ...
منازلنا الأولى وفيها المخيم
والله على كل شيء قدير، فهذا فضل يوم الجمعة أنه فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وكلاهما حكمة: خلق آدم حكمة، إدخاله الجنة حكمة، إنزاله إلى الأرض بسبب المعصية حكمة، ولكن اعلموا أن آدم تاب إلى الله هو وزوجه {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} وقال الله تعالى: {ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} فكان بعد التوبة خيرا منه قبل التوبة، والله الموفق
١١٤٨ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى، فقد لغا رواه مسلم.
١١٤٩ - وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر رواه مسلم.
١١٥٠ - وعنه وعن ابن عمر رضي الله عنهم، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
على أعواد منبره: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين رواه مسلم.
١١٥١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل متفق عليه.
١١٥٢ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم متفق عليه المراد بالمحتلم: البالغ والمراد بالوجوب: وجوب اختيار، كقول الرجل لصاحبه حقك واجب علي، والله أعلم.
١١٥٤ - وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى رواه البخاري..
١١٥٦ - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا، إلا أعطاه إياه
وأشار بيده يقللها.
متفق عليه.
١١٥٧ - وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة رواه مسلم.
/٠L٢ باب استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة ظاهرة أو اندفاع بلية ظاهرة
١١٥٩ - عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزوراء نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدا فعله ثلاثا وقال: إني سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدا لربي شكرا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدا لربي رواه أبو داود
[الشَّرْحُ]
قال رحمه الله تعالى: باب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم.
من & المعلوم أن نعمة الله سبحانه وتعالى لا تحصى، كما قال الله تبارك وتعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وأضرب مثلا بالنفس الذي يتكرر في الدقيقة الواحدة إلى ستين مرة، هذا النفس لو قبض لهلك الإنسان، فهو نعمة كبرى ولا يمكن عدها، وكذلك الصحة والعافية، الأكل والشرب، البراز والبول، كلها نعم عظيمة، لكنها نعم مستمرة، ولو كلف الإنسان أن يسجد عند كل نعمة منها لبقي ساجدا مدى
الدهر، لكن هناك نعم تتجدد للإنسان، كإنسان ولد له، أو تسهل له الزواج، أو قدم له غائب ميئوس منه، أو حصل له مال أو ما أشبه ذلك من النعم التي تتجدد أو بشر بنصر المسلمين، أو ما أشبه ذلك، فهذا يستحب للإنسان أن يسجد لله تبارك وتعالى شكرا له.
فمثلا إذا بشر بولد قيل له: أبشر بولد هذه نعمة متجددة، فيسجد لله كما يسجد في الصلاة ويقول: سبحان ربي الأعلى، سبحانك الله ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، ثم يشكر الله على النعمة المعينة التي حصلت، فيقول: أشكرك يا ربي على هذه النعمة ويثني على الله تعالى في ذلك.
هكذا أيضا في اندفاع النقم، الإنسان في سلامة دائمة، ودائما هو معرض للآفات وللنقم، لكن أحيانا تنعقد أسباب النقمة ويشاهدها فيرفعها الله عنه، ولنضرب لذلك مثلا بحادث، إنسان مثلا يمشي في الطريق فانقلبت السيارة فنجا، هذه اندفاع نقمة، فيسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، أو إنسان مثلا يمشي وبينما هو كذلك انخسفت به حفرة في الأرض فنجا، فحضره اندفاع نقمة، يحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك.
واندفاع النقم كثير، فإذا دفع الله عنك نقمة فاسجد لله تعالى شكرا على اندفاع هذه النقمة، وقل مثلا في السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، اللهم إني أشكرك على أن نجيتني من هذه المصيبة ويذكرها، هذا سجود الشكر.
واختلف العلماء رحمهم الله، هل تشترط له الطهارة أو لا؟
والصحيح أنها لا تشترط، وذلك لأن هذا يأتي بغتة والإنسان غير متأهب فلو ذهب يتوضأ لطال الفصل بين السبب ومسببه فإذا كان & على غير طهارة فليسجد.
والله الموفق..
/٠L٢ باب فضل قيام الليل
قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقال تعالى: {كانوا قليلا & من الليل ما يهجعون}
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل.
قيام الليل يعني: الصلاة فيه وهو أفضل الصلاة بعد المكتوبة، كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الثناء على القائمين في الليل، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتهجد، قال: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فأمر الله نبيه أن يتهجد من الليل يعني لا كل الليل، لأن قيام كل الليل ليس من السنة إلا أحيانا، كقيام عشر رمضان، وأما البقية فالسنة أن ينام ويقوم.
قوله: {فتهجد به نافلة لك} اختلف العلماء في قوله: {نافلة لك} فقيل: المعنى أن هذا خاص بك يعني الوجوب، وجوب التهجد، لأن غير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجب عليه التهجد إلا أن ينذره، إن نذر أن يتهجد لزمه الوفاء بالنذر وإلا فلا.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليه أن يتهجد من الليل، وقيل: المعنى {نافلة لك} يعني أنه نافلة أي زيادة، فضل وهذا له ولغيره عليه الصلاة
والسلام.
ثم قال تعالى مبينا ما يكون من ثمرات التهجد، قال: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} قال العلماء: إذا قال الله تعالى في القرآن عسى فهو واجب يعني أن الله سيبعثك مقاما محمودا أي يبعثك يوم القيامة مقاما تحمد عليه من كل الخلائق.
فلرسول الله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود يوم القيامة، ومنه الشفاعة العظمى، يعني من المقام المحمود للنبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، وهي أن الناس يوم القيامة يبعثون في صعيد واحد ليس هناك جبال ولا أشجار ولا بناء ولا أنهار، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لا يحول بينهم وبين الداعي شيء ولا بينهم وبين الرائي شيء في صعيد واحد.
وتدنو الشمس، تدنو الشمس منهم حتى تكون & على قدر ميل، ويطول هذا اليوم حتى يكون مقداره خمسين ألف سنة، سبحان الله، الإنسان ما يستطيع أن يقف ولا أربعا وعشرين ساعة، لكن هذا اليوم مقداره خمسون ألف سنة.
فيلحق الناس من الهم والكرب ما لا يطيقون، فيطلب بعضهم إلى بعض النظر في الأمر لعل أحدا يشفع لهم عند الله عز وجل لكي يريحهم من هذا الموقف، يلهمهم الله عز وجل أن يذهبوا إلى آدم، آدم أبو البشر، كل البشر أبوهم واحد وهو آدم عليه الصلاة والسلام، وكما هو العادة أن الإنسان يفر إلى أقرب من يراه أنه أنفع، فيذهبون إلى أبيهم، ألا ترى ما نحن فيه، إن الله خلقك بيده، وعلمك أسماء كل شيء وأسجد لك الملائكة، يعني أعطاك خيرا كثيرا، فاشفع لنا إلى
الله، فيعتذر يعتذر بماذا؟ يقول: إن الله نهاه عن أكل الشجرة فأكل منها، وهذه معصية، فهو خجلان من الله عز وجل، فكيف يشفع لكم عند الله؟ فيذهبون إلى نوح وهو أول الرسل من البشر، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض هو نوح صلى الله عليه وسلم فيذكرونه بنعمة الله عليه، أنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولكنه يعتذر، يعتذر بماذا؟ بقوله: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين} لأن الله وعده أن ينجيه وأهله وكان أحد أبنائه كافرا لم ينج من الماء حتى قال له نوح: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} يعني ولا أركب معك لأن المياه عظيمة، فكيف كانت؟ السماء فتحها، في قراءة {فَفَتَحْنَا أبواب السماء} وفي قراءة {فَفَتَّحْنَا أبواب السماء} وهي أعظم فتح الله أبواب السماء بماء منهمر غزير أشد من القرب وفجرنا الأرض عيونا حتى التنور الذي هو محل النار وهو أشد الأرض يبوسة وأبعدها من الماء، بدأ التنور يفور فجرنا الأرض عيونا، كل الأرض إذا كان السماء فتحت بماء منهمر، والأرض فجرت بالعيون كيف يكون منسوب المياه؟ يكون عظيما عظيما حتى صعد الماء إلى قمم الجبال.
وكانت امرأة معها صبي من الكفار الذين كفروا بنوح معها صبي، كلما ارتفع الماء في الجبل صعدت عليه، كلما ارتفع صعدت عليه، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل فارتفع المنسوب ووصل إلى كعبيها ثم إلى ركبتيها ثم ألجمها الماء فرفعت صبيها هكذا من أجل أن ينجو من الغرق، فتغرق هي والولد & ترجو أن ينجو من
الغرق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو نجا الله أحدا لنجى أم الصبي لكن والعياذ بالله قضى الله على أهل الأرض أن يغرقوا كلهم إلا من ركب في هذه السفينة.
ابن نوح الذي كفر بأبيه أبى أن يركب، قال: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} قال له أبوه {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} غرق لكن نوحا عليه الصلاة والسلام قال: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} سبحان الله كلام الله عز وجل لنبي من الأنبياء من أولي العزم: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} فيأتون إلى نوح في ذلك اليوم نسأل الله أن ينجينا وإياكم من عذابه يأتون إلى نوح ويقولوا اشفع لنا، فيذكر ذنبه أنه سأل ما ليس له به علم، والمذنب ليس له وجه يشفع، المذنب لا يمكن أن يشفع عند من عصاه، لأنه ليس له وجه فيعتذر.
فيذهبون إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم أبو الأنبياء الذي أمرنا أن نتبع ملته ويذكرونه بنعمة الله عليه ولكنه يعتذر، يعتذر بأشياء ما تضره، ولكنه عليه الصلاة والسلام بكمال إيمانه جعلها من الأشياء الضارة، فيذكر ما يذكر من العذر، ويقول: اذهبوا إلى موسى.
يأتون موسى ويذكرونه بنعمة الله عليه، ولكنه يعتذر، بماذا
يعتذر؟ يقول: إنه قتل نفسا لم يؤذن له بقتلها حين قتل القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، إسرائيلي من بني إسرائيل كان مع قبطي يتنازعان، وكان موسى من أشد الناس صرامة قويا شديدا، وهذا من حكمة الله، لأن بني إسرائيل لا ينفعهم إلا الأقوياء الأشداء، فبعثه الله إلى بني إسرائيل، فلما رأى هذا القبطي قد استغاثه الإسرائيلي عليه وكزه موسى يعني أعطاه وكزة بيده، فقضى عليه.
فقال يعتذر أنه قتل نفسا لم يؤم بقتلها، اذهبوا إلى عيسى، فيذهبون إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، الذي هو آخر الرسل قبل محمد عليه الصلاة والسلام، ليس بينه وبينه نبي ولا رسول، ولكنه يعتذر بدون أن يذكر شيئا، لكنه يدلهم على من هو أكمل منه، وهو محمد صلوات الله وسلامه عليه أسأل الله تعالى أن يدخلني وإياكم في شفاعته يأتون إلى محمد فيقول: أنا لها ويذهب ويسجد تحت العرش بعد إذن الله عز وجل، ثم يؤذن له بالشفاعة فيشفع، فينزل الرب عز وجل للقضاء بين عباده، فيقضي بينهم ويستريحون من هذا الموقف.
هذا المقام يا إخواني هل يحمد عليه الرسول؟ نعم لا شك كل الأنبياء الكرام والرسل، أولو العزم كلهم يعتذرون حتى تصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وانظر كيف كانت هذه السلسلة، يعني لو شاء الله تبارك وتعالى
لدلهم على محمد من أول الأمر، لكن ليظهر فضل هذا النبي الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، ويتحقق قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} ونعم هذا المقام مقاما، فصلوات الله وسلامه عليه، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآيات.
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
٢١٠ - باب فضل يوم الجمعة
قال المصنف: يقال بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاهن الفراء والواحدي وغيرهما، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها كما يقال همزة ولمزة لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك، سميت جمعة لاجتماع الناس فيها، وحكي كسر الميم وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية العروبة اهـ. وكانوا يسمون الأحد أول والاثنين أهون والثلاثاء جباراً والأربعاء دباراً والخميس مونساً والسبت شباراً، قال الشاعر:
أؤمل أن أعيش وأن يومى
بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته
فمونس أو عروبة أو شبار
وقد أفرد الحافظ السيوطي فضائل الجمعة وخصائصها في مؤلف وكذا من قبله ابن أبي الصيف اليمني ومن قبله الحافظ النسائي (ووجوبها والاغتسال لها) معطوف على يوم لأن الصحيح من المذهب ندب الاغتسال وتأويل ما يوهم وجوبه، أو على وجوب ويكون حينئذ ساكتاً عن بيان حكمه من ندب وغيره، وإن قام الدليل على الأول فهو أولى (والطيب والتبكير لها) أي الوصول للمسجد من أول النهار (والدعاء يوم الجمعة والصلاة على النبي فيه) ولا يكره إفرادها فيه عن السلام لورود النص بها فيه منفردة كما ذكره الشيخ عبد الرزاق المكي الواعظ (وبيان ساعة الإجابة) أي تعيين وقتها فيه (واستحباب إكثار ذكر الله تعالى بعد الجمعة) أي صلاتها، عبر باستحباب بعد التعبير في الأعمال السابقة بفضل قمنا في التعبير.
(قال الله تعالى) : {فإذا قضيت الصلاة} أي فرغتم من الصلاة المعهودة وهي صلاة الجماعة (فانتشروا في الأرض) لقضاء حوائجكم ( {وابتغوا من فضل الله} ) أي رزقه، وهذا أمر إباحة بعد الحظر، عن بعض السلف: من باع واشترى بعد الجمعة
بارك الله ما سبعين مرة ( {واذكروا الله كثيراً} ) في حال انتشاركم وصرح به لئلا يغفل عنه بالاشتغال بطلب الرزق ( {لعلكم تفلحون} ) أي ائتوا بما ذكر راجين الفلاح، ففيه إيماء للحض على ترك الاعتماد على حال أو مقام، والحث على التوجه إلى الله سبحانه وحسن الرجاء منه، وهذه الآية دليل على آخر الترجمة، وقدمها مع ذلك لشرف الكتاب على السنة.
١١١٤٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: خير يوم) حذفت الألف من خير للتخفيف لكثرة استعماله (طلعت عليه الشمس) جملة في محل الصفة ليوم وهي مسوقة لبيان الواقع إذ كل يوم كذلك (يوم الجمعة) فلذا كان سيد أيام الأسبوع ولا ينافيه خبر «سيد الأيام يوم عرفة» لأنه محمول على أيام السنة، وفي كلام العلقمي ما يوهم أن يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة. وذكر بعض أحوال اليوم بقوله (فيه خلق آدم) عليه السلام وهو أصل النوع الذي هو أفضل أنواع المخلوقات، وخلقه فيه يحتمل أن يكون سبب فضله أو بسببه، ثم رأيت العلقمي نقل عن شيخه يعني السيوطي عن القاضي يعني عياضا أنه قال: الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيله لأن إخراج آدم من الجنة وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام وما سيقع ليتأهب بصالح العمل لينال رحمة الله ويدفع نقمته. وقال أبو بكر بن العربي في كتابه «الأحوزي في شرح الترمذي» الجميع من الفضائل، وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية والنسل والأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، ولم يخرج منها طرداً بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، وقيام الساعة سبب تعجيل جزاء النبيين والصديقين اهـ ملخصاً. وقد زيد في رواية «وفيه أهبط وفيه تيب عليه وفيه قبض وفيه تقوم الساعة» (وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها) هذا الحديث هكذا فقط في رواية لمسلم، وفي أخرى له بزيادة «ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» وأخرجه كذلك أحمد والترمذي (رواه مسلم) هو كلفظ حديث أحمد والترمذي المزيد فيه ما ذكر فيصح أن تنسب روايته لهما.
٢١١٤٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: من توضأ فأحسن الوضوء) بالإسباغ والإتيان به بآدابه وسننه (ثم أتى الجمعة) أتى بثم إيماء إلى تأخر الإتيان عن الوضوء لاشتغاله بالأذكار عقب الوضوء وصلاته (فاستمع) أي عقب إتيانه (وأنصت) أي ترك الكلام (غفر له ما بينه وبين الجمعة) أي ما بين صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية ليكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقص، نقله المصنف عن العلماء، وأعاد بين مع أنها لا تضاف إلا لمتعدد لفظاً نحو الود بين زيد وعمرو أو تقديراً نحو لا نفرق بين أحد من رسله» ويلزم على عودها إضافتها لغير متعدد دفعاً للعطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وهو ممنوع عند الجمهور (وزيادة) بالرفع عطف على الموصول المرفوع بغفر، وقال المصنف: إنه منصوب على الظرف: أي غفر له مدة ما بين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، فحذف المضاف المنصوب على الظرف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه، وما ذكرته أقرب إلا إن كانت الرواية بما قاله المصنف (ثلاثة أيام) أي غفر له ذنوب عشرة أيام: أي الصغائر المتعلقة بحق الله سبحانه المفعولة فيها دون الكبائر فلا تكفر إلا بالتوبة الصحيحة أو فضل إلهي، وحق العباد إذ لا يكفر إلا بارضاء صاحبه. قال المصنف: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشرة أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشرة أمثالها (ومن مس الحصا فقد لغا) فيه نهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة، وفيه إشارة إلى الحض على إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود (رواه مسلم) .g
٣١١٤٩ - (وعنه عن النبيّ قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان) يجوز إبقاء الكلام على ظاهره، لأن كلاً من الجمعة ورمضان لما كان محل الأفعال الحسنة صار كأنه حسنة مكفرة كما قال المصنف في الحديث قبله. ويحتمل أن في الكلام
مقدراً: أي وصلاة الجمعة إلى صلاتها وصوم رمضان إلى صوم مثله (مكفرات) أي كل منها صالح لتكفير الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، فإن لم يجد البعض منها ما يكفره كان رفعة في درجاته، وإن وجد كبائر فقط، قال المصنف: رجونا أن يخفف عنه منها بقدر ما يكفر من الصغائر. قال العلقمي: قال شيخنا زكريا: إن قلت يلزم من جعل الصغائر مكفرة بالمذكورات عند اجتناب الكبائر اجتماع سببين على مسبب واحد وهو ممتنع. قلت: لا مانع من ذلك في الأسباب المعرفة لأنها علامات لا مؤثرات كما في اجتماع أسباب الحدث وما هنا كذلك اهـ (ما بينهن) وهو مفعول الوصف قبله إن كان منوناً كما هو في أصل مضبوط، ويؤيده أنه روى «مكفرات لما بينهن» أي بزيادة اللام وإلا فمضاف إليه (إذا اجتنبت الكبائر) قال المصنف: هو مؤول بعدم تكفير العمل الصالح للكبائر وإن كان صريحه أن شرط تكفيره اجتناب الكبائر فليس مراداً وإن قال به بعض (رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي.
٤١١٥٠ - (وعنه عن ابن عمر رضي الله عنهم) في نسخة عنهما والأولى أولى ليشمل الترضي أبا هريرة (أنهما سمعا رسول الله يقول) جملة في محل الحال من رسول الله، وقوله (على أعواد منبره) في محل الحال من ضمير يقول (لينتهين) بفتح الياء لكونه مسنداً للاسم الظاهر وهو قوله (أقوام) وإذا أسند العامل لمرفوع مثنى أو مجموع وجب في الأفصح تجريده من علامة التثنية والجمع وإفراده، ولعل جمعه لتنوع التاركين له باعتبار قبائل المنافقين وفرقهم (عن ودعهم) بفتح الواو وسكون الدال وبالعين المهملتين مصدر ودع المستغني عنه برديفه وهو ترك: أي تركهم (الجمعات) بضمتين ويجوز إسكان الميم تخفيفاً: أي صلاتها (أو ليختمن الله على قلوبهم) فلا يصير فيها تأهل لقبول الهدى ولا استعداداً لتلقي الأنوار، والمعنى: ليكونن أحد الأمرين الانتهاء عن تركهم الجمعة أو الختم
على قلوبهم (ثم ليكونن) بضم النون والفاعل ضمير الجماعة المحذوف لملاقاته ساكناً النون الساكنة المدغمة (من الغافلين) قال المصنف: معنى الختم الطبع والتغطية، قالوا في قوله {ختم الله على قلوبهم} (البقرة: ٧) أي طبع، ومثله الرين، وقيل الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر الإقفال الإقفال أشدها، قال القاضي: اختلف المتكلمون في هذا اختلافاً كثيراً، فقيل هو إعدام اللطف وأسباب الخير، وقيل هو خلق الكفر في صدورهم وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من تمدح ومن تذم (رواه مسلم) في أبواب الجمعة من «صحيحه» ، ورواه أحمد. وأبو داود وابن ماجه.
٥١١٥١ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: إذا جاء أحدكم الجمعة) أي أراد المجيء إليها كما جاء في رواية أخرى «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة» (فليغتسل) أي وجوباً وعليه طائفة من السلف، وحكي عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك أو ندباً، وعليه جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار، قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه. واحتج الأولون بظاهر هذا الحديث وما بعده وما في معناهما. واحتج الجمهور بأحاديث منها حديث سمرة الآتي قريباً «من توضأ يوم الجمعة الخ» وهو حديث صحيح في السنن ومنها حديث سمرة الآتي قريباً «من توضأ يوم الجمعة الخ» وهو حديث صحيح في السنن ومنها حديث عمر وقوله وهو في الخطبة للرجل المتأخر إلى الآن، فقال ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت، فقال عمر: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله كان يأمرنا بالغسل؟ والحديث في البخاري، وأجابوا عن الأحاديث بأنها محمولة على الندب المتأكد جمعاً بين الأحاديث أشار إليه المصنف في «شرح مسلم» (متفق عليه) ورواه مالك والنسائي.
٦١١٥٣ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله قال: غسل الجمعة) وفي رواية «غسل يوم الجمعة» (واجب على كل محتلم متفق عليه) ورواه مالك وأبو داود والنسائي كلهم عن أبي سعيد، وأخرجه الرافعي من حديثه بلفظ «غسل يوم الجمعة واجب كوجوب غسل الجنابة» (المراد بالمحتلم) بصيغة الفاعل (البالغ) أي ولو امرأة تحضر الجمعة بأن كانت عجوزاً، وحينئذ ففي التعبير به مجاز مرسل من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم أو إطلاق الخاص وإرادة العام (والمراد بالوجوب وجوب اختيار) أي يختار فعله ويطلب كما يختار فعل الواجب وإن افترقا يترتب الإثم بترك الواجب دون تركه (كقول الرجل لصاحبه حقك واجب عليّ) أي يطلب مني على سبيل الاختيار والإتيان به (والله أعلم) وقال في «شرح مسلم» : والمراد بالوجوب التأكد كما يقول الرجل لصاحبه حقك واجب على: أي متأكد لا أن المراد الواجب المتحتم المعاقب عليه.
٧١١٥٣ - (وعن سمرة) بفتح فضم (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من توضأ يوم الجمعة فيها) أي فبالرخصة المدلول عليها بالسياق أخذ (ونعمت) هي الرخصة والمخصوص بالمدح محذوف وهو الوضوء لدلالة قوله توضأ عليه (ومن اغتسل) معه (فالغسل أفضل) قال المصنف: فيه دليلان على أن غسل الجمعة ليس بواجب اهـ: أحدهما مدحه للإتيان بالوضوء دون الغسل وتارك الواجب لا يمدح. الثاني قوله فالغسل أفضل فإنه يدل على ندبه وزيادة فضله على الوضوء (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) قال المصنف
في «شرح مسلم» : هو حديث صحيح في «السنن» مشهور وفي «الجامع الصغير» ، ورواه أحمد في «مسنده» والنسائي في «سننه» وابن خزيمة.
٨١١٥٤ - (وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: لا يغتسل رجل) تقدم أن المرأة كذلك في ندب الغسل للجمعة إن طلب منها الحضور (يوم الجمعة) ظاهره ولو بعد فعلها وهو غير مراد كما يدل عليه باقي الروايات (ويتطهر ما استطاع من طهر) قال البرماوي: التنكير فيه للتكثير ليشمل قص الشارب وقلم الظفر وحلق العانة وتنظيف الثياب وفي نسخة من البخاري من الطهر بالتعريف (ويدّهن) بالتشديد: أي يطلى بالدهن (من دهنه) بضم الدال (أو يمس من طيب بيته) أي يمس شيئاً من ذلك، فأو للتفصيل وفي قوله طيب بيته إيماء إلى ندب اتخاذ الطيب في البيت واعتياد الطيب، وقدم التطهير لما فيه من التخلية بالمعجمة عن الأوساخ ثم الادهان لما فيه من ترك الشعث وختم بالطيب لأنه كالتحلية بالمهملة، وقد زاد أبو داود في روايته «ويلبس من صالح ثيابه» (ثم يخرج) زاد ابن خزيمة «إلى المسجد» وزاد أحمد «ثم يمشي وعليه السكينة» (فلا يفرق) بالرفع عطف على ما قبله (بين اثنين) ولأبي داود «ثم لم يتخط رقاب الناس» قال البرماوي: وقوله فلا يفرق الخ كناية عن التبكير، فإنه إذا بكر لا يتخطى الرقاب ولا يفرق بين الناس (ثم يصلي ما كتب له) أي فرض من صلاة الجمعة أو ما قدر له من الصلاة فرضاً أو نفلاً (ثم ينصت) بضم التحتية على الأفصح من أنصت إذا سكت، ويجوز فتحها، قال المصنف: يقال أنصت وانتصت ونصت بمعنى. وتعقب قول القاضي عياض أن التعبير بانتصت بدل أنصت في حديث أبي هريرة السابق في تكفير الجمعة لما بينها وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام وهم من الراوي بأنه ليس وهماً بل هي لغة صحيحة، قال البرماوي: ويجيء أنصت أيضاً متعدياً يقال أنصته (إذا تكلم الإمام) أي خطب زاد ابن حبان «حتى يقضي صلاته» (إلا غفر له ما بينه) أي بين يوم الجمعة (وبين الجمعة الأخرى) قال البرماوي: يحتمل الجمعة الماضية والمستقبلة لأنها تأنيث الآخر بفتح الخاء لا بالكسر، والمغفرة تكون للمستقبل كالماضي قال تعالى:
{ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (الفتح: ٢) اهـ، وقد عين ابن خزيمة في
روايته أنها الجمعة التي قبلها وزاد ابن حبان «وزيادة ثلاثة أيام من اللتي بعدها» زاد ابن ماجه «ما لم تغش الكبائر» (رواه البخاري) ورواه أحمد في «مسنده» كما في «الجامع الكبير» .
٩١١٥٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: من اغتسل يوم الجمعة) ويدخل وقته بطلوع الفجر وتقريبه من الذهاب لصلاتها أولى، ولو تعارض هو والتبكير قدمه (غسل الجنابة) مفعول مطلق ناب فيه عن المصدر اسمه نحو سلمت عليك سلاماً وأعطيتك عطاء، أو هو مما ناب فيه صفته منابه والأصل اغتسالاً مثل غسل الجنابة فحذفت الصفة وأقيم المضاف إليه مقامها في ذلك، وإليه يومىء كلام المصنف الآتي ويؤيده أن عند عبد الرزاق في «مصنفه» «كما يغتسل من الجنابة» وأتى به لدفع توهم الاكتفاء بمسمى الغسل اللغوي في حصول سنة غسلها، بل لا بد فيه من الشرعي الشامل لجميع البشرة والشعر ظاهراً وباطناً وإن كثف (ثم راح) زاد في «الموطأ» «في الساعة الأولى» وراح تستعمل في جميع الأوقات بمعنى ذهب، قاله الأزهري منكراً على من زعم أنه لا يكون، إلا بعد الزوال (فكأنما قرب) بتشديد الراء (بدنة) أي تصدق بها متقرباً إلى الله تعالى، والبدنة هي البعير ذكراً كان أو أنثى والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث سميت بذلك لعظم بدنها، وقال الجوهري: البدنة ناقة أو بقرة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمونها (ومن راح في الساعة الثانية) أي من النهار (فكأنما قرب بقرة) مشقة من البقر وهو الشق لأنها تبقر الأرض أي تشقها بالحرث (ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) وصفه بذلك لأنه أكمل وأحسن صورة ولأن قرنه ينتفع به (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة) ، بفتح الدال المهملة وهو الفصيح وحكي كسرها، وقيل إنه أفصح من الفتح،
حكاه الدماميني، في «مصابيحه» وضمها، واقتصر ابن حبيب على
الفتح في ذكورها قال: وأما في الإناث فبالكسر، وذكر الدجاجة وإن لم تكن من نوع ما يتقرب به من النعم لأن المراد مطلق التصدق (ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) قال السيوطي في «التوشيح» : ذكر الساعات هنا خمساً والنسائي ستاً، وجعل بين الدجاجة والبيضة العصفور. قلت: وفي رواية أخرى له بين الشاة والدجاجة بطة، أوردها عنه البرماوي ولها شواهد. واختلف في المراد بالساعات فقيل المراد بها بيان مراتب المبكرين، ورد بأنها متفاوتة إلى أكثر من هذا العدد، فدل على أن المراد حقيقة الساعات، ثم قيل هي لحظات لطيفة أولها زوال الشمس وآخرها قعود الخطيب على المنبر. قلت: وعليه مالك، وقيل هي من أول النهار، والمراد الساعات الزمانية المتفاوتة بتفاوت زيادة النهار ونقصه. وينقسم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة منها طويلاً كان أو قصيراً. وأورد عليه لزوم تساوي الآيتين في طرفيها. وأجيب بالتساوي في مسمى البدنة مثلاً والتفاوت في صفاتها. قال المصنف: قال السيوطي في «تاريخ ابن عساكر» عن ابن عباس بسند ضعيف: أول من قدر النهار اثنتي عشرة ساعة وكذا الليل نوح عليه السلام حين كان في السفينة (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة) قال البرماوي: أي غير الحفظة، وهم الذي وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، وسيأتي ما ورد فيهم (يستمعون الذكر) لفظ مسلم «فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر» ولابن خزيمة «على كل باب من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأول فالأول» وفي «الحلية» «إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور» ولابن خزيمة «فيقول بعض الملائكة لبعض ما حبس فلاناً؟ فيقول: اللهم إن كان ضالاً فاهده، وإن كان فقيراً فاغنه، وإن كان مريضاً فعافه» (متفق عليه) قال في «الجامع الكبير» : ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان كلهم عن أبي هريرة.
(قوله غسل الجنابة) بالنصب على الحكاية (أي غسلاً كغسل الجنابة في الصفة) وهذا التأويل يحتاج إليه من يرى عدم حصول سنة غسلها بواجب غسل الجنابة إذا لم ينوه، وهو الذي عليه المصنف وهو المختار، والذي عليه الرافعي حصوله وإن لم ينوه،
فلا يحتاج للتأويل إلا من جهة عدم التقييد بكون الغسل واجباً يحصل به وإن كان وإلا فبالمندوب والله أعلم.
١٠١١٥٦ - (وعنه أن رسول الله ذكر يوم الجمعة) أي بالثناء عليه وبيان فضله (فقال: فيها ساعة لا يوافقها) أي يصادفها (عبد مسلم وهو قائم) جملة حالية من ضمير وافق المستكن فيه وهو خارج مخرج الغالب فلا يعمل بمفهومه (يصلي) جملة حالية من ضمير قائم، أو جملة تفسيرية لقائم أو بدل منه (يسأل) حال مترادفة أو متداخلة (الله شيئاً) عند البخاري في رواية (خيراً) . ولابن ماجه «ما لم يسأل حراماً» ولأحمد «ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم» (إلا أعطاه إياه وأشار) أي رسول الله كما في «الموطأ» من رواية أبي مصعب (بيده يقللها) أي يبين أنها لحظة لطيفة خفيفة، وزاد مسلم «وهي ساعة خفيفة» وقد اختلف العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم هل هذه الساعة باقية أو رفعت؟ وعلى الأول هل هي في كل جمعة أو جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول هل هي في وقت من اليوم معين أو مبهم؟ وعلى التعيين هل تستوعب الوقت أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام ما اتبداؤه وما انتهاؤه وعلى كل ذلك هل تستمر أو تنتقل؟ وعلى الانتقال هل تستغرق الوقت أو بعضه؟ وحاصله أن الأقوال فيها خمسة وأربعون قولاً بينها الحافظ في «فتح الباري» والسيوطي في «شرح الموطأ» ، وقد بينتها بدلائلها في كتابي «سطوع البدر في فضائل ليلة القدر» (متفق عليه) .
١١١١٥٧ - (وعن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهملتين فهاء تأنيث كنية (ابن أبي موسى) عبد الله بن قيس (الأشعري رضي الله عنه) واسم أبي بردة قيل الحارث وقيل عامر، كان قاضي الكوفة يروي عن أبيه وعلي والزبير وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد وبلال وحفيده بريد بن عبد الله، وكان من نبلاء العلماء توفي سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك جاوز الثمانين اهـ ملخصاً من «كاشف الذهبي» و «تقريب الحافظ» بن حجر (قال:
قال عبد الله بن رسول الله) أي مخاطباً لأبي بردة (أسمعت أباك يحدث) جملة حالية من المفعول (عن رضي الله عنه في شأن) أي بيان (ساعة الجمعة؟ قال: قلت نعم) حصل به الجواب وزاد لزيادة البيان قوله (سمعته يقول: سمعت رسول الله يقول: هي) أي ساعة الإجابة فيها (ما) أي الوقت الذي (بين أن يجلس الإمام) أي على المنبر (إلى أن تقضى الصلاة. رواه مسلم) قال المصنف في «شرحه» : هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: لم يسنده غير مخرمة عن أبيه عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى رضي الله عنه عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة وتابعه وأصل الأحدب ومجالد، روياه عن أبي بردة من قوله، وقال النعمان بن عبد السلام: عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موقوف ولا يثبت قوله عن أبيه. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن حماد بن خالد «قلت لمخرمة: سمعت عن أبيك شيئاً؟ قال لا» هذا كلام الدارقطني وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة. والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة اهـ. قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى وأشهر الأقوال قول عبد الله بن سلام: إنها آخر ساعة
بعد العصر، زاد الحافظ ابن حجر: وما عداهما إما ضعيف الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. ثم اختلف السلف في أي القولين أرجح فرجح كلاً مرجحون فمن رجح الأول البيهقي وابن العربي والقرطبي، وقال المصنف: إنه الصحيح أو الصواب، ورجح الثاني أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن عبد البر وابن الزملكاني من الشافعية، قال القاضي عياض: وليس معنى هذه الأقوال أن هذا كله وقت لها بل معناه أنها تكون في أثناء ذلك لقوله «وأشار بيده يقللها» والحكمة في إبهامها ألا يقتصر على إحيائها،
بل يعمم بالطاعات سائر أوقات الجمعة كإخفاء ليلة القدر بين الليالي، ولا يشكل على كل من القولين قوله في الحديث يصلي، لأن المراد منه عليهما أنه منتظرها وهو في حكم المصلي كما أجاب به ابن سلام رضي الله عنه لمَّا أورد عليه ذلك وهو جار على الوجه الثاني كما في «التوشيح» .
١٢١١٥٨ - (وعن أوس) بفتح فسكون وآخره سين مهملة (ابن أوس) بضبط ما قبله، قال المصنف في «التهذيب» : هو الثقفي، وقال يحيى بن معين: يقال له أوس بن أوس، ويقال له أوس بن أبي أوس، وقال البخاري: أوس بن أوس وأوس بن أبي أويس وأوس بن حذيفة الثلاثة اسم لرجل واحد، ووافقه جماعة وخالفه بعضهم.
قلت: ممن خالفه الحافظ ابن حجر في «التقريب» فقال: أوس بن أوس الثقفي صحابي سكن دمشق وأوس بن أبي أوس، واسم أبي أوس حذيفة الثقفي صحابي أيضاً، وهو غير الذي قبله على الصحيح اهـ. قال المصنف: نزل أوس هذا دمشق ومسجده ودراه بها في درب العلي وقبره بها، روى حديثين في الجمعة حديث «من غسل واغتسل» وحديث «أكثروا من الصلاة عليّ» وحديثاً في الصيام اهـ. وفي «تقريب الحافظ» : خرج عنه الترمذي وابن ماجه، وفي «محتضر التلقيح» : أوس بن أوس له أربعة وعشرون حديثاً وليس له في الصحيح شيء (رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إن من أفضل أيامكم) فيه دليل لأن أفضل أيام السنة يوم عرفة كما جاء «سيد الأيام يوم عرفة» (يوم الجمعة) ويوم الجمعة من الأفضل وهو أفضل أيام الأسبوع (فأكثروا عليّ من الصلاة فيه) ليزكوا ثوابها وينمو فضلها، لأن العمل الصالح يشرف بشرف زمانه ومكانه، وقوله (فإن صلاتكم معروضة عليّ) يحتمل أن يراد عرض خاص وإلا فسائر الأعمال صالحها وفاسدها في سائر الأيام تعرض عليه كما جاء في السنة. قال الشيخ ابن حجر الهيتمي وغيره: ويوم الجمعة كغيره في أن النبي يسمع بأذنيه الصلاة عليه إن كانت بحضرته بين يديه، وإلا فتبلغه الملائكة إياها، وما اشتهر من قول العامة أن النبي ليلة الجمعة يسمع بأذنيه الصلاة عليه محمول على ما ذكر، وللحديث تتمة تأتي في كتاب الصلاة على النبيّ (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56