الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث 1567
الحديث رقم 1567 من كتاب «كتاب الأمور المنهي عنها» في رياض الصالحين، تحت باب: باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٥٦٧ - وعن أنس - رضي الله عنه: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ». متفق عَلَيْهِ. (١)
معنى الحديث : أنه لا يَحِلُّ للمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، إذا كان الهجر لحَظِّ النفس ومعايش الدنيا، أما إذا كان لمقصد شرعي جاز، بل قد يجب ذلك، كهجر أهل البدع والفجور والفسوق إذا لم يتوبوا، ومن فعل ذلك، ثم مات وهو مُصِرٌّ على معصيته ولم يَتُب منها قبل أن يموت دخل النار، ومعلوم أن من استحق النار من المسلمين لذنب اقترفه ولم يتجاوز الله عنه، فإنه إذا دخلها لابد وأن يخرج منها، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر]
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) : باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر.
التباغض بالقلوب، والتقاطع بالأفعال والأقوال أيضاً، والتدابر بالأفعال أيضا، أما التباغض بالقلوب فأن يبغض الإنسان أخاه المؤمن، وهذا أعني بغض المؤمن حرام، لأي شيء تبغضه؟ ! قد يقول أبغضه لأنه يعصي الله عز وجل فنقول: وإذا عصى الله لا تبغضه بغضاً مطلقاً الذي أبغضه بغضاً مطلقاً على حال هو الكافر لأنه ليس فيه خير، أما المؤمن وإن عصى وإن أصر على معصية يجب أن تحبه على ما معه من الإيمان وأن تكرهه على ما معه من الفسق والعصيان.
فإن قال إنسان: كيف يجتمع البغض والحب؟ قلنا: يجتمعان؛ لأن كل واحد منهم منصب على وجه لم يتفقا في محل واحد، أحبه لإيمانه، وأكرهه لفسوقه.
نظير ذلك المريض، يعطى دواء مراً رائحته كريهة فيحب هذا الدواء من وجه ويكرهه من وجه، يحبه لما فيه من الشفاء ويكره لطعمه أو رائحته أو ما أشبه ذلك، وكذلك المؤمن أنت وهو في أصل واحد وهو الإيمان لماذا تبغضه بغضاً مطلقاً أبغضه على ما معه من المعصية، لا بأس وأحبه على ما معه من الإيمان، وهذا يؤدي - أعني إذا أحببته لما معه من الإيمان وكرهته لما معه من الفسق - إلى أن تنصحه لأنك تثق أنه أخوك فتحبه وتؤدي له ما تؤدي لنفسك فتنصحه على ما تكره فيه من المعصية.
ومن ذلك السلام عليه، سلم عليه ولو كان عنده معصية إلا إذا علمت أنك إذا
تركت السلام عليه اهتدى وصلحت أموره فهنا يكون الهجر دواء نافعاً.
وأما التقاطع وهو تقاطع الصلة بينك وبين أخيك، أخوك المؤمن له حق عليك أن تصله ولا يحل لك أن تقطعه لأنه أخوك حتى وإن كان عاصياً ولذلك تجد الإنسان يكرم جاره ولو كان جاره عاصياً يكرمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره أكرمه ولو كان عاصياً ولكن انصحه، وكذلك بعض الناس يقاطع أقاربه لأنهم قطعوه أو لأنهم على معصية وهذا خطأ، صل أقاربك ولو كانوا عصاة، صلهم ولو كانوا يقاطعونك كما جاء رجل للرسول صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم وقال كلمة أخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان الأمر كما قلت فكأنما تسفهم المل.
يعني كأنما تدخل في قلوبهم الرماد أو التراب الحار، يعني فاستمر على صلتهم ولو كانوا يقطعونك ولو كانوا يسيئون إليك ولو كانوا يعتدون عليك، صلهم لأن من لا يصل إلا إذا وصل فليس بواصل بل هو مكافئ.
التدابر: أيضا لا يحل بين المؤمنين، لكن هل هو التدابر في القلوب أو التدابر في الأبدان أو هذا وهذا؟ إنه هذا وهذا، لا تدابروا في القلوب حتى لو وجدت من أخيك أنه أدبر عنك بقلبه فاقرب منه وأقبل عليه ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
لو طبقنا هذه التوجيهات الإلهية والنبوية لحصل لنا خير كثير لكن الشيطان يلعب بنا يقول كيف تصله وهو يقطعك؟ كيف تقبل عليه وهو يدبر عنك؟ اتركه، هذا ما فيه خير.
هذا من وحي الشيطان، أما الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم فإن نصوص الكتاب والسنة كلها تحرم التدابر، كذلك التدابر بالأبدان بعض الناس لا يهمه أن يصعر وجهه للناس وإن يعرض ربما يكون من كبريائه يتكلم معك ووجهه لجانب آخر نسأل الله العافية هذا لا يحل، بعض الناس أيضا كالبهائم تجدهم جلوسا في مكان واحد، يدير للثاني دبره وظهره، هذا ليس أدبا: لا أدبا شرعيا ولا أدبا عربيا ولا خلقا، تجلسون معا كل واحد يدابر الثاني، إن الله وصف أهل الجنة بأنهم على سرر متقابلين، التقابل صفة حميدة طيبة، والتدابر صفة ذميمة خبيثة، لكن بعض الناس همج ليس عندهم تربية إسلامية وتجدهم في المجالس متدابرين، هذا خطأ.
ومما يشبه هذا الفعل ما يفعله بعض الناس إذا سلم من الصلاة وهو في الصف تقدم وجعل الناس وراءه استقبلهم بدبره وفي ظني أنه يتخيل في تلك اللحظة أنه ذو عظمة وأن الناس وراءه لأني ما أظن أحداً يتقدم هذا التقدم إلا ويشعر - وإن كان من غير قصد - بالعظمة ولقد رأيتموني أنهي عنه إذا وجدت إنسانا تقدم أقول له: ارجع لأن هذا يشبه التدابر.
فإذا قال: ضاق علي المكان ولا أستطيع أن أبقى مفترشا.
قلنا: يا أخي، الأمر واسع، والحمد لله، قم تقدم وكن على الجدار وافعل ما شئت أو تأخر، أما أن تتقدم على الناس وتكون بين أيديهم والناس وراءك هذا لا ينبغي.
هذه ثلاثة أشياء: الأول التباغض، والثاني التقاطع، والثالث التدابر، كل هذا منهي عنه.
قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} :
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله في كتاب (رياض الصالحين) : باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر وسبق معنا هذا ثم استدل المؤلف رحمه الله على ذلك بقول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة وهذه الآية في سياق ذكر الطائفتين تقتتلان فتصلح بينهما طائفة أخرى فقال تعالى {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} وسياق الآيات يقول الله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} يعني لو اقتتلت طائفتان من المسلمين، قبيلتان اقتتلتا فيما بينهما
فأصلحوا بينهما والخطاب لمن له الأمر من المؤمنين الذين لم يقاتلوا فإن بغت إحداها على الأخرى وأبت أن تصالح فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله يعني كونوا مع الطائفة العادلة التي ليست باغية قاتلوا الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إليه، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل أي فيما جرى بينهم من إتلاف أنفس أو أموال أو غير ذلك فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، فيقال مثلا: كم قتلتم من نفس؟ لطائفة منهما، وللأخرى كذلك، ثم يعادل بينهما ويصلح بينهما.
كم أتلفتم من مال ويمضي فيعادل بينهما ويصلح بينهما.
ثم قال عز وجل: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} أي الذين يعدلون فيما ولاهم الله عليه إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، المؤمنون كلهم إخوة حتى الطائفتين المقتتلتين هم إخوة للذين أصلحوا بينهما وفي هذه الآية رد صريح لقول الخوارج الذين يقولون: إن الإنسان إذا فعل الكبيرة صار كافرا؛ فإنه من أكبر الكبائر أن يقتتل المسلمون بينهم ومع ذلك قال الله في المقتتلين وفي التي أصلحت بينهما {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فإذا كان الله تعالى أوجب الإصلاح بين المتقاتلين فكذلك أيضا بين المتعادين عداء دون قتل، يجب على الإنسان إذا علم أن بين اثنين عداوة وبغضاء وشحناء وتباعدا أن يحاول الإصلاح بينهما.
وفي هذه الحال يجوز أن
يكذب للمصلحة فيقون مثلا لأحدهم: إن فلانا لم يفعل شيئا يضرك وما أشبه ذلك ويتأول شيئا آخر غير الذي أظهره لهذا الرجل حتى يتم الصلح بينهما، والصلح خير.
أما الآية الثانية فهي قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} يعني أنكم لو ارتدتم عن دينكم فإن ذلك لا يضر الله شيئا يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه لقيامهم بعبادته واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لأن من أقوى أسباب محبة الله للعبد أن يتبع الرسول كما قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فأنت إذا أحببت أن الله يحبك فأتبع الرسول الطريق بين واضح يقول الله عز وجل {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وهذا هو وصف المؤمن حقا أنه بالنسبة لإخوانه المسلمين ذليل متواضع متهاون ومتسامح، أما على الكافرين فهم أعزة على الكافرين يعني أنهم أقوياء أمام الكافر لا يلينون له ولا يداهنونه ولا يوادنه، كل هذا بالنسبة للكافر حرام على المؤمن لا يجوز للمؤمن أن يواد الكافر، ولا يجوز له أن يذل له؛ لأن الله تعالى جعل له دينا يعلو على الأديان كلها بل يجب علينا أن نبغض الكفار وأن نعتبرهم أعداء لنا وأن نعلم أنهم لن يفعلوا بنا شيئا هو مصلحتنا إلا لينالوا ما هو أشد مما نتوقع من الإضرار بنا لأنهم أعداء، والعدو ماذا يريد أن يفعل بك؟ يريد أن يفعل بك كل سوء وإن تظاهر
بأنه صديق أو بأنه ولي لك فهو كاذب، إنما يفعل لمصلحته لأنه لا أحد أصدق من الله عز وجل وهو يعلم ما في الصدور يقول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ويقول جلا وعلا: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ويقول عز وجل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} محال أن يرضوا عن المسلمين إلا إذا تهودوا أو تنصروا، ولهذا هم الآن يحاولون بكل ما يستطيعون أن يصدوا الناس عن دينهم تارة بالأخلاق السافلة، وتارة بالمجلات، وتارة بالدعاية الخبيثة، وتارة بالصراحة يدعون إلى الكفر كما قال عز وجل: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} فيقول عز وجل في وصف هؤلاء: {أذلة على المؤمنين} وهذا هو الشاهد {أعزة على الكافرين} وقال تعالى في الآية الثالثة: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} هذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم (محمد رسول الله والذين معه) يعني أصحابه وصفهم أشداء على الكفار أقوياء على الكفار لا يلينوا لهم ولا يداهنونهم ولا يوالونهم ولا يوادونهم لكن فيما بينهم {رحماء بينهم} يرحم بعضهم
بعضا، ويلين بعضهم لبعض، وهذا هو حال المؤمنين، ضد ذلك نقص في الإيمان من لا يرحم إخوانه المؤمنين فإن ذلك نقص في إيمانه وربما يحرم الرحمة، لأن من لا يرحم لا يرحم والعياذ بالله وأيضا مثل ذلك التباغض، احرص على أن تزيل كل سبب يكون سببا للبغضاء بينكم أنتم المسلمون كافة التباغض بعض الناس يبغض أخاه من أجل لعاعة من الدنيا، إما لأجل مال، أو من أجل أنه لا يقابله ببشاشة أو ما أشبه ذلك، هذا خطأ حاول أن تزيل البغضاء بينك وبين إخوانك بقدر المستطاع وحاول أن تبتعد عن كل شيء يثير العداوة والبغضاء لأنكم إخوة نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير وصلاح
١٥٦٧ - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث متفق عليه.
:
[الشَّرْحُ]
لما ذكر المؤلف رحمه الله الآيات الدالة على تحريم التباغض والتقاطع والتدابر ذكر أحاديث منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا هذه أربعة أشياء نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم: الأول: التباغض نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لو وقع في قلبك بغض لإنسان فحاول أن ترفع هذا عن قلبك وانظر إلى محاسنه حتى تمحوا سيئاته وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا حيث قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة يعني لا يبغض المؤمن المؤمنة يعني زوجته أو أخته أو أمه ولكن يراد الزوجة هنا لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها خلقاً آخر، وهذا من الموازنة بين الحسنات والسيئات، بعض الناس ينظر إلى السيئات والعياذ بالله فيحكم بها وينسى الحسنات، وبعض الناس ينظر للحسنات وينسى السيئات، والعدل أن يقارن الإنسان بين هذا وهذا، وأن يميل إلى الصفح والعفو والتجاوز؛ فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس، فإذا وجدت في قلبك بغضاء لشخص فحاول أن تزيل هذه البغضاء وذكر نفسك بمحاسنه ربما يكون بينك وبينه سوء عشرة أو سوء معاملة لكنه رجل فاضل طيب محسن إلى الناس يحب الخير، تذكر هذه المحاسن حتى تكون المعاملة السيئة التي يعاملك بها مضمحلة منغمرة في جانب الحسنات.
كذلك أيضا لا تناجشوا، المناجشة: الزيادة في الثمن بغير إرادة الشراء، مثلا رأيت سلعة ينادي عليها في السوق، ثمنها مثلاً مائة ريال، وهو يريد شراءها فناجشت عليه وقلت: بمائة وعشرة، وأنت لا تريدها، ولكن تريد أن يزيد الثمن على المشتري هذا حرام عدوان.
أما لو كنت رأيت السلعة رخيصة بمائة
وزدت مائة وعشرة وأنت من الأول ما عندك نية لشرائها لكن استرخصتها فزدت حتى بلغت الثمن الذي لا ترى فيه مصلحة لك ثم تركتها، هذا لا بأس به لكن إذا كان قصدك العدوان على المشتري وأن تنكد عليه وتزيد عليه الثمن فهذا هو النجش وكذلك لو زدت السلعة من أجل نفع البائع وهو لا يعرف المشتري، وليس بينه وبينه شيء، لكن يريد أن ينتفع البائع فزاد في الثمن وهو لا يريد الشراء وإنما يريد نفع البائع، فمثلا قيمة السلعة بمائة، فقال: بمائة وعشرة لا إضرارا بالمشتري لأنه لا يعرفه وليس بينه وبينه شيء لكن من أجل نفع البائع، هذا أيضا حرام لا يجوز وهو من المناجشة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أيضا إذا أراد الأمرين يعني أراد أن ينفع البائع ويضر المشتري فهذا أيضا حرام وهو من النجش الذي حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولا تدابروا: سبق الكلام عليه.
ولا تقاطعوا: يعني لا يقطع أخ أخاه، بل يواصله بحسب العرف وبحسب السبب الداعي للصلة، لأن القريب تصله لقربه، الجار لجيرته، الصاحب لصحبته، وهكذا لا تقاطع أخاك، صله فإن الله تعالى يحب الواصلين الذين يصلون أرحامهم ولا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، الهجر من التقاطع، يعني يلقاه لا يسلم عليه هذا حرام حرام، إلا أن الشارع النبي صلى الله عليه وسلم رخص لك ثلاثة أيام لأن الإنسان ربما يكون في نفسه شيء لا يعفو على
واحد يهجره له رخصة ثلاثة أيام بعد الأيام الثلاثة لا يجوز أن يلقاه فلا يسلم عليه إلا إذا كان على معصية إذا هجرناه تركها فنهجره للمصلحة وهذا كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا وتخلفوا عن غزوة تبوك وإلا فالأصل أن الهجر حرام، وأما قول بعض العلماء هو إطلاقهم أن المجاهر بالمعصية يهجر فهذا فيه نظر فصار عندنا الهجر إلى ثلاثة جائز، فوق الثلاث فهو حرام إلا للمصلحة والله الموفق
١٥٦٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا رواه مسلم وفي رواية له: تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين وذكر نحوه:
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث ذكره المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم التباغض والتقاطع والتدابر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تفتح أبواب الجنة في كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل مسلم إلا رجلين بينهما
شحناء فيقال: انظروا هؤلاء حتى يصطلحا فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان أن يبادر بإزالة الشحناء والعداوة والبغضاء بينه وبين إخوانه حتى وإن رأى في نفسه غضاضة وثقلا في طلب إزالة الشحناء فليصبر وليحتسب لأن العاقبة في ذلك حميدة والإنسان إذا رأى ما في العمل من الخير والأجر والثواب سهل عليه، وكذلك إذا رأى الوعيد على تركه سهل عليه فعله، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يذهب إلى الشخص ويقول: يجب أن نتصالح ونزيل ما بيننا من العداوة والبغضاء فبإمكانه أن يوسط رجلا ثقة يرضاه الطرفان ويذهب إليه ويقول إني أجد بينك وبين فلان كذا وكذا فلو اصطلحتم وأزلتم ما بينكم من العداوة والبغضاء فيكون هذا حسناً جيداً والله الموفق
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا
١٧٠٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت
١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم
١٧٠٩ - وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف
بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح
١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود
١٧١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرياء شرك
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله عز وجل احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من
أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى} فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...
أو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وقال تعالى {تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وقال {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد عز وجل فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله عز وجل فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا
[٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]
قَالَ الله تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات (١٢) ] .
في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.
قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال عزَّ وجلّ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.
وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .
وقال تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء (٣٦) ] .
قال ابن عباس: يقول: لا تقل.
وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.
وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨] .
أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.
قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد (٣٩) ] .
وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق (١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.
اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،
وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
[١٥١١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.
وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.
يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.
[١٥١٢] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.
هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.
[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.
[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه سمع النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.
ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.
في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.
وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .
[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.
قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.
[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى
يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله عز وجل، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.
[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت (٣٠) ] .
وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.
قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.
[١٥١٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ
اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.
الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.
وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.
[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.
[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.
[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.
معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.
قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.
قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.
[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.
في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.
وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله عز وجل، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.
وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.
[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.
[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.
[١٥٢٥] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . [النجم (٣، ٤) ] .
قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.
قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.
[١٥٢٦] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.
فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .
[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.
أي: المسلم الكامل من كفَّ لسانه ويده عن المسلمين، والمهاجر الكامل من ترك المعاصي.
[١٥٦٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» . رواه مسلم.
وَهُوَ بعض حديثٍ طويلٍ سبق في بابِ طاعَةِ وُلَاةِ الأمُورِ.
هذا الحديث: كقوله تعالى: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران (١٠٢) ] ، أي: استقيموا على الإِسلام.
قوله: «وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» ، أي: يحسن معاملتهم بالبشر، وكف الأذى، وبذل النَّدى، كما يحب ذلك منهم له.
[٢٦٩- باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر]
قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات (١٠) ] .
أي: وشأن الأخوة التواصل. قال تعالى في مدح المؤمنين: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الرعد (٢١) ] .
وقال تَعَالَى: {أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ} [المائدة (٥٤) ] .
أي: عاطفين على المؤمنين، خافضين لهم أجنحتهم، متغلِّبين على الكافرين.
وقال تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح (٢٩) ] .
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا
ريب. فقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} ، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه رضي الله عنهم، فقال: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} ، كما قال عزَّ وجلّ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة (٥٤) ] ، وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار.
[١٥٦٧] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» . متفق عَلَيْهِ.
قوله: «لا تباغضوا» ، أي: لا تفعلوا ما يؤدي إلى التباغض، من التحاسد، والتدابر، والتتقاطع.
قوله: «ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه» ، أي: بالإِعراض عنه، وترك السلام عليه فوق ثلاث. أُغْتُفِرت الثلاث لأن حِدَّة المزاج قد تدعوا للهجر في زمنها.
وفي رواية: «فمن هجر فوق ثلاث، فمات دخل النار» .
[١٥٦٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمْيِسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، إِلا رَجُلاً كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا!» . رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: «تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وإثْنَيْن» وذَكَرَ نَحْوَهُ.
قوله: «انظروا هذين حتى يصلحا» ، أي: أخّروا غفرانهم، وكرره للتأكيد اهتمامًا بأمره.
حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.
وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.
قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.
قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.
ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.
قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.
[٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي]
والكعبة والملائكة والسماء والآباء
والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً
[١٧٠٧] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،
فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .
قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.
وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.
قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.
[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.
«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.
قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.
أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.
[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.
وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.
[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.
[١٧١١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر]
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله تعالى في كتابه (رياض الصالحين) : باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر.
التباغض بالقلوب، والتقاطع بالأفعال والأقوال أيضاً، والتدابر بالأفعال أيضا، أما التباغض بالقلوب فأن يبغض الإنسان أخاه المؤمن، وهذا أعني بغض المؤمن حرام، لأي شيء تبغضه؟ ! قد يقول أبغضه لأنه يعصي الله عز وجل فنقول: وإذا عصى الله لا تبغضه بغضاً مطلقاً الذي أبغضه بغضاً مطلقاً على حال هو الكافر لأنه ليس فيه خير، أما المؤمن وإن عصى وإن أصر على معصية يجب أن تحبه على ما معه من الإيمان وأن تكرهه على ما معه من الفسق والعصيان.
فإن قال إنسان: كيف يجتمع البغض والحب؟ قلنا: يجتمعان؛ لأن كل واحد منهم منصب على وجه لم يتفقا في محل واحد، أحبه لإيمانه، وأكرهه لفسوقه.
نظير ذلك المريض، يعطى دواء مراً رائحته كريهة فيحب هذا الدواء من وجه ويكرهه من وجه، يحبه لما فيه من الشفاء ويكره لطعمه أو رائحته أو ما أشبه ذلك، وكذلك المؤمن أنت وهو في أصل واحد وهو الإيمان لماذا تبغضه بغضاً مطلقاً أبغضه على ما معه من المعصية، لا بأس وأحبه على ما معه من الإيمان، وهذا يؤدي - أعني إذا أحببته لما معه من الإيمان وكرهته لما معه من الفسق - إلى أن تنصحه لأنك تثق أنه أخوك فتحبه وتؤدي له ما تؤدي لنفسك فتنصحه على ما تكره فيه من المعصية.
ومن ذلك السلام عليه، سلم عليه ولو كان عنده معصية إلا إذا علمت أنك إذا
تركت السلام عليه اهتدى وصلحت أموره فهنا يكون الهجر دواء نافعاً.
وأما التقاطع وهو تقاطع الصلة بينك وبين أخيك، أخوك المؤمن له حق عليك أن تصله ولا يحل لك أن تقطعه لأنه أخوك حتى وإن كان عاصياً ولذلك تجد الإنسان يكرم جاره ولو كان جاره عاصياً يكرمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره أكرمه ولو كان عاصياً ولكن انصحه، وكذلك بعض الناس يقاطع أقاربه لأنهم قطعوه أو لأنهم على معصية وهذا خطأ، صل أقاربك ولو كانوا عصاة، صلهم ولو كانوا يقاطعونك كما جاء رجل للرسول صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم وقال كلمة أخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن كان الأمر كما قلت فكأنما تسفهم المل.
يعني كأنما تدخل في قلوبهم الرماد أو التراب الحار، يعني فاستمر على صلتهم ولو كانوا يقطعونك ولو كانوا يسيئون إليك ولو كانوا يعتدون عليك، صلهم لأن من لا يصل إلا إذا وصل فليس بواصل بل هو مكافئ.
التدابر: أيضا لا يحل بين المؤمنين، لكن هل هو التدابر في القلوب أو التدابر في الأبدان أو هذا وهذا؟ إنه هذا وهذا، لا تدابروا في القلوب حتى لو وجدت من أخيك أنه أدبر عنك بقلبه فاقرب منه وأقبل عليه ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
لو طبقنا هذه التوجيهات الإلهية والنبوية لحصل لنا خير كثير لكن الشيطان يلعب بنا يقول كيف تصله وهو يقطعك؟ كيف تقبل عليه وهو يدبر عنك؟ اتركه، هذا ما فيه خير.
هذا من وحي الشيطان، أما الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم فإن نصوص الكتاب والسنة كلها تحرم التدابر، كذلك التدابر بالأبدان بعض الناس لا يهمه أن يصعر وجهه للناس وإن يعرض ربما يكون من كبريائه يتكلم معك ووجهه لجانب آخر نسأل الله العافية هذا لا يحل، بعض الناس أيضا كالبهائم تجدهم جلوسا في مكان واحد، يدير للثاني دبره وظهره، هذا ليس أدبا: لا أدبا شرعيا ولا أدبا عربيا ولا خلقا، تجلسون معا كل واحد يدابر الثاني، إن الله وصف أهل الجنة بأنهم على سرر متقابلين، التقابل صفة حميدة طيبة، والتدابر صفة ذميمة خبيثة، لكن بعض الناس همج ليس عندهم تربية إسلامية وتجدهم في المجالس متدابرين، هذا خطأ.
ومما يشبه هذا الفعل ما يفعله بعض الناس إذا سلم من الصلاة وهو في الصف تقدم وجعل الناس وراءه استقبلهم بدبره وفي ظني أنه يتخيل في تلك اللحظة أنه ذو عظمة وأن الناس وراءه لأني ما أظن أحداً يتقدم هذا التقدم إلا ويشعر - وإن كان من غير قصد - بالعظمة ولقد رأيتموني أنهي عنه إذا وجدت إنسانا تقدم أقول له: ارجع لأن هذا يشبه التدابر.
فإذا قال: ضاق علي المكان ولا أستطيع أن أبقى مفترشا.
قلنا: يا أخي، الأمر واسع، والحمد لله، قم تقدم وكن على الجدار وافعل ما شئت أو تأخر، أما أن تتقدم على الناس وتكون بين أيديهم والناس وراءك هذا لا ينبغي.
هذه ثلاثة أشياء: الأول التباغض، والثاني التقاطع، والثالث التدابر، كل هذا منهي عنه.
قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} :
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله في كتاب (رياض الصالحين) : باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر وسبق معنا هذا ثم استدل المؤلف رحمه الله على ذلك بقول الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة وهذه الآية في سياق ذكر الطائفتين تقتتلان فتصلح بينهما طائفة أخرى فقال تعالى {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} وسياق الآيات يقول الله عز وجل: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} يعني لو اقتتلت طائفتان من المسلمين، قبيلتان اقتتلتا فيما بينهما
فأصلحوا بينهما والخطاب لمن له الأمر من المؤمنين الذين لم يقاتلوا فإن بغت إحداها على الأخرى وأبت أن تصالح فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله يعني كونوا مع الطائفة العادلة التي ليست باغية قاتلوا الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، أي حتى ترجع إليه، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل أي فيما جرى بينهم من إتلاف أنفس أو أموال أو غير ذلك فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، فيقال مثلا: كم قتلتم من نفس؟ لطائفة منهما، وللأخرى كذلك، ثم يعادل بينهما ويصلح بينهما.
كم أتلفتم من مال ويمضي فيعادل بينهما ويصلح بينهما.
ثم قال عز وجل: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} أي الذين يعدلون فيما ولاهم الله عليه إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، المؤمنون كلهم إخوة حتى الطائفتين المقتتلتين هم إخوة للذين أصلحوا بينهما وفي هذه الآية رد صريح لقول الخوارج الذين يقولون: إن الإنسان إذا فعل الكبيرة صار كافرا؛ فإنه من أكبر الكبائر أن يقتتل المسلمون بينهم ومع ذلك قال الله في المقتتلين وفي التي أصلحت بينهما {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فإذا كان الله تعالى أوجب الإصلاح بين المتقاتلين فكذلك أيضا بين المتعادين عداء دون قتل، يجب على الإنسان إذا علم أن بين اثنين عداوة وبغضاء وشحناء وتباعدا أن يحاول الإصلاح بينهما.
وفي هذه الحال يجوز أن
يكذب للمصلحة فيقون مثلا لأحدهم: إن فلانا لم يفعل شيئا يضرك وما أشبه ذلك ويتأول شيئا آخر غير الذي أظهره لهذا الرجل حتى يتم الصلح بينهما، والصلح خير.
أما الآية الثانية فهي قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} يعني أنكم لو ارتدتم عن دينكم فإن ذلك لا يضر الله شيئا يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه لقيامهم بعبادته واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لأن من أقوى أسباب محبة الله للعبد أن يتبع الرسول كما قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فأنت إذا أحببت أن الله يحبك فأتبع الرسول الطريق بين واضح يقول الله عز وجل {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وهذا هو وصف المؤمن حقا أنه بالنسبة لإخوانه المسلمين ذليل متواضع متهاون ومتسامح، أما على الكافرين فهم أعزة على الكافرين يعني أنهم أقوياء أمام الكافر لا يلينون له ولا يداهنونه ولا يوادنه، كل هذا بالنسبة للكافر حرام على المؤمن لا يجوز للمؤمن أن يواد الكافر، ولا يجوز له أن يذل له؛ لأن الله تعالى جعل له دينا يعلو على الأديان كلها بل يجب علينا أن نبغض الكفار وأن نعتبرهم أعداء لنا وأن نعلم أنهم لن يفعلوا بنا شيئا هو مصلحتنا إلا لينالوا ما هو أشد مما نتوقع من الإضرار بنا لأنهم أعداء، والعدو ماذا يريد أن يفعل بك؟ يريد أن يفعل بك كل سوء وإن تظاهر
بأنه صديق أو بأنه ولي لك فهو كاذب، إنما يفعل لمصلحته لأنه لا أحد أصدق من الله عز وجل وهو يعلم ما في الصدور يقول الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ويقول جلا وعلا: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} ويقول عز وجل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} محال أن يرضوا عن المسلمين إلا إذا تهودوا أو تنصروا، ولهذا هم الآن يحاولون بكل ما يستطيعون أن يصدوا الناس عن دينهم تارة بالأخلاق السافلة، وتارة بالمجلات، وتارة بالدعاية الخبيثة، وتارة بالصراحة يدعون إلى الكفر كما قال عز وجل: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} فيقول عز وجل في وصف هؤلاء: {أذلة على المؤمنين} وهذا هو الشاهد {أعزة على الكافرين} وقال تعالى في الآية الثالثة: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} هذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم (محمد رسول الله والذين معه) يعني أصحابه وصفهم أشداء على الكفار أقوياء على الكفار لا يلينوا لهم ولا يداهنونهم ولا يوالونهم ولا يوادونهم لكن فيما بينهم {رحماء بينهم} يرحم بعضهم
بعضا، ويلين بعضهم لبعض، وهذا هو حال المؤمنين، ضد ذلك نقص في الإيمان من لا يرحم إخوانه المؤمنين فإن ذلك نقص في إيمانه وربما يحرم الرحمة، لأن من لا يرحم لا يرحم والعياذ بالله وأيضا مثل ذلك التباغض، احرص على أن تزيل كل سبب يكون سببا للبغضاء بينكم أنتم المسلمون كافة التباغض بعض الناس يبغض أخاه من أجل لعاعة من الدنيا، إما لأجل مال، أو من أجل أنه لا يقابله ببشاشة أو ما أشبه ذلك، هذا خطأ حاول أن تزيل البغضاء بينك وبين إخوانك بقدر المستطاع وحاول أن تبتعد عن كل شيء يثير العداوة والبغضاء لأنكم إخوة نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه خير وصلاح
١٥٦٧ - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث متفق عليه.
:
[الشَّرْحُ]
لما ذكر المؤلف رحمه الله الآيات الدالة على تحريم التباغض والتقاطع والتدابر ذكر أحاديث منها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا، ولا تناجشوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا هذه أربعة أشياء نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم: الأول: التباغض نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لو وقع في قلبك بغض لإنسان فحاول أن ترفع هذا عن قلبك وانظر إلى محاسنه حتى تمحوا سيئاته وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا حيث قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة يعني لا يبغض المؤمن المؤمنة يعني زوجته أو أخته أو أمه ولكن يراد الزوجة هنا لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقا رضي منها خلقاً آخر، وهذا من الموازنة بين الحسنات والسيئات، بعض الناس ينظر إلى السيئات والعياذ بالله فيحكم بها وينسى الحسنات، وبعض الناس ينظر للحسنات وينسى السيئات، والعدل أن يقارن الإنسان بين هذا وهذا، وأن يميل إلى الصفح والعفو والتجاوز؛ فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس، فإذا وجدت في قلبك بغضاء لشخص فحاول أن تزيل هذه البغضاء وذكر نفسك بمحاسنه ربما يكون بينك وبينه سوء عشرة أو سوء معاملة لكنه رجل فاضل طيب محسن إلى الناس يحب الخير، تذكر هذه المحاسن حتى تكون المعاملة السيئة التي يعاملك بها مضمحلة منغمرة في جانب الحسنات.
كذلك أيضا لا تناجشوا، المناجشة: الزيادة في الثمن بغير إرادة الشراء، مثلا رأيت سلعة ينادي عليها في السوق، ثمنها مثلاً مائة ريال، وهو يريد شراءها فناجشت عليه وقلت: بمائة وعشرة، وأنت لا تريدها، ولكن تريد أن يزيد الثمن على المشتري هذا حرام عدوان.
أما لو كنت رأيت السلعة رخيصة بمائة
وزدت مائة وعشرة وأنت من الأول ما عندك نية لشرائها لكن استرخصتها فزدت حتى بلغت الثمن الذي لا ترى فيه مصلحة لك ثم تركتها، هذا لا بأس به لكن إذا كان قصدك العدوان على المشتري وأن تنكد عليه وتزيد عليه الثمن فهذا هو النجش وكذلك لو زدت السلعة من أجل نفع البائع وهو لا يعرف المشتري، وليس بينه وبينه شيء، لكن يريد أن ينتفع البائع فزاد في الثمن وهو لا يريد الشراء وإنما يريد نفع البائع، فمثلا قيمة السلعة بمائة، فقال: بمائة وعشرة لا إضرارا بالمشتري لأنه لا يعرفه وليس بينه وبينه شيء لكن من أجل نفع البائع، هذا أيضا حرام لا يجوز وهو من المناجشة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك أيضا إذا أراد الأمرين يعني أراد أن ينفع البائع ويضر المشتري فهذا أيضا حرام وهو من النجش الذي حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولا تدابروا: سبق الكلام عليه.
ولا تقاطعوا: يعني لا يقطع أخ أخاه، بل يواصله بحسب العرف وبحسب السبب الداعي للصلة، لأن القريب تصله لقربه، الجار لجيرته، الصاحب لصحبته، وهكذا لا تقاطع أخاك، صله فإن الله تعالى يحب الواصلين الذين يصلون أرحامهم ولا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، الهجر من التقاطع، يعني يلقاه لا يسلم عليه هذا حرام حرام، إلا أن الشارع النبي صلى الله عليه وسلم رخص لك ثلاثة أيام لأن الإنسان ربما يكون في نفسه شيء لا يعفو على
واحد يهجره له رخصة ثلاثة أيام بعد الأيام الثلاثة لا يجوز أن يلقاه فلا يسلم عليه إلا إذا كان على معصية إذا هجرناه تركها فنهجره للمصلحة وهذا كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا وتخلفوا عن غزوة تبوك وإلا فالأصل أن الهجر حرام، وأما قول بعض العلماء هو إطلاقهم أن المجاهر بالمعصية يهجر فهذا فيه نظر فصار عندنا الهجر إلى ثلاثة جائز، فوق الثلاث فهو حرام إلا للمصلحة والله الموفق
١٥٦٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا رواه مسلم وفي رواية له: تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين وذكر نحوه:
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث ذكره المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم التباغض والتقاطع والتدابر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تفتح أبواب الجنة في كل يوم اثنين وخميس فيغفر لكل مسلم إلا رجلين بينهما
شحناء فيقال: انظروا هؤلاء حتى يصطلحا فدل ذلك على أنه يجب على الإنسان أن يبادر بإزالة الشحناء والعداوة والبغضاء بينه وبين إخوانه حتى وإن رأى في نفسه غضاضة وثقلا في طلب إزالة الشحناء فليصبر وليحتسب لأن العاقبة في ذلك حميدة والإنسان إذا رأى ما في العمل من الخير والأجر والثواب سهل عليه، وكذلك إذا رأى الوعيد على تركه سهل عليه فعله، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يذهب إلى الشخص ويقول: يجب أن نتصالح ونزيل ما بيننا من العداوة والبغضاء فبإمكانه أن يوسط رجلا ثقة يرضاه الطرفان ويذهب إليه ويقول إني أجد بينك وبين فلان كذا وكذا فلو اصطلحتم وأزلتم ما بينكم من العداوة والبغضاء فيكون هذا حسناً جيداً والله الموفق
باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي صلى الله عليه وسلم والكعبة والملائكة والحياة والروح ونعمة السلطان وتربة فلان وهي من أشدها نهيا
١٧٠٧ - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى ينهاكم أن تخلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت متفق عليه وفي رواية في الصحيح فمن كان حالفا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت
١٧٠٨ - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم رواه مسلم الطواغي جمع طاغية وهي الأصنام ومنه الحديث هذه طاغية دوس أي: صنمهم ومعبودهم وروي في غير مسلم بالطواغيت جمع طاغوت وهو الشيطان والصنم
١٧٠٩ - وعن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف
بالأمانة فليس منا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح
١٧١٠ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما رواه أبو داود
١٧١١ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال ابن عمر لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك رواه الترمذي وقال حديث حسن وفسر بعض العلماء قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرياء شرك
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى باب النهي عن الحلف الحلف معناه تأكيد الشيء بذكر معظم والإنسان لا يحلف بشيء إلا لأنه عظيم في نفسه فكأنه يقول بقدر عظمة هذا المحلوف به أني صادق ولهذا كان الحلف بالله عز وجل احلف بالله أو بصفة من صفاته أو بأي اسم من
أسمائه قال الله تعالى وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال الله تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى} فإذا حلفت بالرحمن أو بالرحيم أو بالسميع ...
أو أي اسم من أسماء الله فهذا جائز وحروف القسم ثلاثة الواو والباء والتاء الواو مثل والله لأفعلن كذا والباء مثل بالله لأفعلن كذا والتاء تالله لأفعلن كذا قال الله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} وقال تعالى {تَاللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} وقال تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} فهذه حروف القسم والقسم بغير الله كفر أو شرك ثم قد يكون كفرا أكبر وقد يكون كفرا أصغر وكذلك قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر فإذا اعتقد الحالف في شيء أن هذا الشيء له من العظمة مثل ما لله فإن هذا شرك أكبر وإن اعتقد أن له عظمة دون عظمة الله فهو شرك أصغر لأنه وسيلة للأكبر وكانوا في الجاهلية قد اعتادوا أن يحلفوا بآبائهم فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال لا تحلفوا بآبائكم يعني ولا بإخوانكم ولا بأجدادكم ولا برؤسائكم لكن خص الآباء بالذكر لأن هذا هو المعتاد عندهم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت يعني إما ليحلف بالله أو لا يحلف أما أن يحلف بغير الله فلا ومن ذلك الحلف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أشرف البشر وسيد البشر لو قلت والنبي محمد كنت مشركا أو كافرا الحلف بجبريل لو قلت وجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار أو غير هؤلاء فهذا شرك لو قلت والشمس والقمر والليل والنهار تحلف بها فهذا شرك إما أكبر وإما أصغر على حسب ما قسمنا وتحلف أيضا بصفة من صفات الله مثل وعزة الله لأفعلن وحكمة الله لأفعلن كذا وكذا لا بأس به أما الحلف بغير الله فهو كما قلت كفر أو شرك إما أكبر وإما أصغر ثم ذكر المؤلف الحديث أن من قال هو بريء من دين الإسلام إن كان كذا وأن الإنسان لا يحل له أن يقول هذا وأنه إن قال هذا فإن كان كاذبا فهو كما قال يعني أنه بريء من الإسلام والعياذ بالله وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما يعني لابد أن يأثم أو يكفر ومثله قول القائل هو يهودي إن حصل كذا وكذا هو نصراني إن حصل كذا وكذا هذا يقال له إن ذلك محرم عليك لأنك إن كنت كاذبا فأنت كما قلت يهودي أو نصراني وإن كنت صادقا فلن ترجع إلى الإسلام سالما مثال ذلك قال رجل إن فلانا قدم اليوم وصل اليوم وكان مسافرا فقال له صاحبه لا ما وصل قال الأول هو يهودي إن كان لم يقدم فإن كان كاذبا وأنه لم يقدم يعني كاذبا فإنه يكن يهوديا لأنه قال هو يهودي إن كان لم يقدم وهو كاذب فيكون بذلك يهوديا وإن كان صادقا أنه قدم فإنه لن يرجع إلى الإسلام سالما كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم المهم إنك إذا أردت أن تحلف فاحلف بالله بأي اسم من أسماء الله أو بأي صفة من صفات الله قد يقول قائل أليس الله تعالى أقسم بالمخلوقات قال {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} وقال {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} نقول إن الله تعالى له أن يحلف بما شاء من خلقه فهو إذا حلف بشيء كان ذلك دليلا على عظمة الله لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق والله تعالى لا يحلف بشيء إلا بشيء عظيم وعظم المخلوق من عظم الخالق ولله أن يحلف بما شاء من خلقه ولا أحد يحجر على الله يفعل ما يريد عز وجل فإن قال القائل نسمع بعض الناس تقول أقسم بآيات الله هل هذا حلف بغير الله وهل هذا كفر أو شرك نقول ماذا يريد بآيات الله إن أراد بآيات الله الشمس والقمر والليل والنهار فهذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا لأن الله يقول {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} فإذا قال أنا أريد بآيات الله التي حلفت بها هذه الأشياء قلنا هذا حلف بغير الله فيكون مشركا أو كافرا وإن قال أريد بآيات الله القرآن لأن القرآن آيات الله عز وجل فهذا ليس بمشرك لماذا لأن القرآن الكريم كلام الله وكلام الله تعالى من صفاته فإذا قال أقسم بآيات الله أقصد بذلك القرآن قلنا هذا قسم صحيح وليس فيه شيء وفي ظني أن العوام إذا قال أقسم بآيات الله في ظني أنهم يريدون القرآن فإذا كانوا يريدون القرآن فليس حراما ولكن إن كانوا يردون الآيات التي هي الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وما أشبه ذلك هذا شرك أو كفر والله الموفق
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
كتَاب الأمُور المَنهي عَنْهَا
[٢٥٤- باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان]
قَالَ الله تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات (١٢) ] .
في هذه الآية: النهي عن الغيبة، وهي ذكرك المسلم بما يكره، وإن كان ذلك فيه.
قال ابن كثير: والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة. كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة» . وكقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس رضي الله عنها، وقد خطبها معاوية، وأبو الجهم: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» ، وكذا ما جرى مجرى ذلك، ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تبارك وتعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال عزَّ وجلّ: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} ... [الحجرات (١٢) ] ، أي: كما تكرهون هذا طبعًا، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا.
وهذا من التنفير عنها، والتحذير منها. كما قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العائد في هبته: «كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه» . وقد قال: «ليس منا مثل السوء» .
وقال تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} [الإسراء (٣٦) ] .
قال ابن عباس: يقول: لا تقل.
وقال قتادة: لا تقل رأيتُ ولمْ تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. فإنَّ الله تعالى سائلك عن ذلك كله.
وقال تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتيدٌ} [ق: ١٨] .
أي: ما يتكلم من كلام إلا وله حافظ يكتبه.
قال ابن عباس: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، قال: يكتب كلما يتكلم به من خير أو شر حتى إنه ليُكْتَبُ قوله: أكلت. شربت. ذهبت. جئت. رأيت. حتى إذ كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله تعالى: {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد (٣٩) ] .
وقال الحسن البصري: وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق (١٧) ] ، يَا ابن آدم، بسطتْ لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك. أما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيِّآتك. فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُوِيَتْ صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة. فعند ذلك يقول تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} [الإسراء (١٣، ١٤) ] ، ثم يقول: عدل - والله - من جعلك حسيب نفسك.
اعْلَمْ أنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَميعِ الكَلامِ إِلا كَلَاماً ظَهَرَتْ فِيهِ المَصْلَحَةُ، ومَتَى اسْتَوَى الكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي المَصْلَحَةِ، فالسُّنَّةُ الإمْسَاكُ عَنْهُ، لأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الكَلَامُ المُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ،
وذَلِكَ كَثِيرٌ في العَادَةِ، والسَّلَامَةُ لا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ.
قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
[١٥١١] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.
وهذا الحديث صَريحٌ في أنَّهُ يَنْبَغي أنْ لا يَتَكَلَّمَ إِلا إِذَا كَانَ الكلامُ خَيراً، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، ومَتَى شَكَّ في ظُهُورِ المَصْلَحَةِ، فَلا يَتَكَلَّم.
يعني: من كان يؤمن الإيمان الكامل، المنجي من عذاب الله، الموصل إلى رضوان الله، فليقل خيرًا أو ليصمت؛ لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده، ورجا ثوابه، واجتهد في فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.
[١٥١٢] وعن أَبي موسى - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ أَيُّ المُسْلمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» . متفق عَلَيْهِ.
هذا الحديث: أن من سَلِم المسلمون من أذاه، أنه من أفضلهم، وخص اللسان واليد بالذكر، لغلبة صدور الأمر عنهما، فالقول باللسان، والفعل باليد.
[١٥١٣] وعن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: أنَّ من حفظ لسانه وفرجه عن الحرام دخل الجنة.
[١٥١٤] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّه سمع النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . متفق عَلَيْهِ.
ومعنى: «يَتَبَيَّنُ» يَتَفَكِّرُ أنَّها خَيْرٌ أم لا.
في هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أنْ لا يكثر الكلام، وأن لا يتكلم إلا فيما يعنيه، وأن يحترز من الكلام حين الغضب؛ لأنه يتكلم عند الغضب بما يضره في دينه ودنياه.
وفي حديث أبي ذر، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يروي عن صحف إبراهيم عليه السلام: «وعلى العاقل أنْ يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه ومن حسب كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه» .
[١٥١٥] وعنه عن النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله تَعَالَى مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلَمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا في جَهَنَّمَ» . رواه البخاري.
قوله: «ما يلقى لها بالاً» ، أي، لا يصغى إليها، ولا يجعل قلبه نحوها.
[١٥١٦] وعن أَبي عبد الرحمن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى
يَومِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ الله لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ» . رواه مالك في المُوَطَّأ، والترمذي، وقال: ... (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا في قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة» . إنها الكلمة عند السلطان الجائر الظالم يرضيه بها فيسخط الله عز وجل، ويزيّن له باطلاً يريده من إراقة دم، أو ظلم مسلم ونحوه مما ينحط به في حبل هواه، فيبعد من الله وينال سخطه، وكذا الكلمة التي يرضى بها الله عز وجل عند السلطان ليصرفه عن هواه، ويكفه عن معصيته التي يريدها يبلغ بها أيضًا رضوانًا من الله لا يحتبسه.
[١٥١٧] وعن سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله حدِّثني بأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ: «قلْ: رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، مَا أخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
الاستقامة: هي امتثال الأومر واجتناب المناهي. والحديث مقتبس من مشكاة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت (٣٠) ] .
وفيه: أن أعظم ما يهلك الإنسان لسانه.
قال العاقولي: أسند الخوف إلى اللسان لأنه زمام الإنسان.
[١٥١٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ
اللهِ تَعَالَى قَسْوَةٌ لِلقَلْبِ! وإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ تعالى القَلْبُ القَاسِي» . رواه الترمذي.
الذكر: هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، و (أشرف الذكر) : القرآن.
وقسوة القلب: غلظة وعدم تأثره بالمواعظ، فلا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر.
[١٥١٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
أي: من حبس لسانه عن الشر، وأجراه في الخير، وحفظ فرجه عن الحرام دخل الجنة.
[١٥٢٠] وعن عقبة بن عامرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
قيل: هذا الجواب من أسلوب الحكيم، فإن السؤال عن حقيقة النجاة والجواب بسببها لأنه أهم.
[١٥٢١] وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسانَ، تَقُولُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإنَّما نَحنُ بِكَ؛ فَإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا» . رواه الترمذي.
معنى: «تُكَفِّرُ اللِّسَانَ» : أيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ لَهُ.
قوله: «فإنما نحن بك» ، أي: مجازون بما يصدر عنك.
قال الطيبي: الجمع بين هذا الحديث وحديث: «إن في الجسد مضغة» . أن اللسان خليفة القلب وترجمانه، وأن الإنسان عبارة عن القلب واللسان، والمرء بأصغريه.
[١٥٢٢] وعن مُعَاذٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُني الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُني مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «لَقَدْ سَألتَ عَنْ عَظيمٍ، وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتِي الزَّكَاةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَما يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» ثُمَّ تَلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِرَأسِ الأَمْرِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ» قُلْتُ: بَلَى يَا رسولَ اللهِ، قَالَ: «رَأسُ الأمْر الإسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةِ سِنَامِهِ الجِهادُ» ثُمَّ قَالَ: «ألا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ!» قُلْتُ: بلَى يَا رَسولَ اللهِ، فَأخَذَ بِلِسانِهِ قال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» قُلْتُ: يَا رسولَ الله وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» . رواه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح) ، وَقَدْ سبق شرحه في باب قبل هَذَا.
في هذا الحديث: دليل على أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.
وفيه: إشارة إلى أنَّ التوفيق كله بيد الله عز وجل، ولما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل.
وفيه: دليل على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الفرائض، وأن كف اللسان إلا عن الخير هو أصل الخير.
[١٥٢٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أخَاكَ بِما يَكْرَهُ» قِيلَ: أفَرَأيْتَ إنْ كَانَ في أخِي مَا أقُولُ؟ قَالَ: «إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فقد اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: أن حقيقة الغيبة ذكر الإنسان بما فيه من المكروه.
[١٥٢٤] وعن أَبي بَكْرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إنَّ دِماءكُمْ، وَأمْوَالَكُمْ، وأعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألا هَلْ بَلَّغْتُ» . متفق عَلَيْهِ.
في هذا الحديث: تحريم التعرض لدم مسلم، أو ماله، أو عرضه، بما لم يأذن به الشارع.
[١٥٢٥] وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قُلْتُ للنبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا. قَالَ بعضُ الرواةِ: تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ! قالت: وَحَكَيْتُ لَهُ إنْسَاناً فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أنِّي حَكَيْتُ إنْساناً وإنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» . رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .
ومعنى: «مَزَجَتْهُ» خَالَطَتْهُ مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بِهَا طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ لِشِدَّةِ نَتْنِها وَقُبْحِهَا. وهذا مِنْ أبلَغِ الزَّواجِرِ عَنِ الغِيبَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . [النجم (٣، ٤) ] .
قولها: وحكيت له إنسانًا، أي: حكت له بالفعل حركة إنسان يكرهها.
قال العاقولي: قوله: «ما أحب أني حكيت إنسانًا» ، أي: فعلت مثل فعله. يقال: حكاه وحاكاه. وأكثر ما استعمل المحاكاة في القبيح، وهو في الغيبة المحرمة، كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا، وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها.
[١٥٢٦] وعن أنسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمَّا عُرِجَ بي مَرَرْتُ بِقَومٍ لَهُمْ أظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بها وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هؤُلاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: هؤُلاءِ الَّذِينَ يَأكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ!» . رواه أَبُو داود.
فائدة: روى الإمام أحمد أنه قيل: يا رسول الله، إنَّ فلانة وفلانة صائمتان، وققد بلغتا الجهد. فقال: «ادعهما» . فقال لإحداهما: ... «قيئي» . فقاءت لحمًا، ودمًا عبيطًا، وقيحًا. والأخرى مثل ذلك. ثم قال: «صامتا عما أحل لله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما الأخرى فلم يزالا يأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا» .
[١٥٢٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» . رواه مسلم.
في هذا الحديث: تغليظ تحريم دم المسلم، وتحريم عرضه، وتحريمم ماله.
أي: المسلم الكامل من كفَّ لسانه ويده عن المسلمين، والمهاجر الكامل من ترك المعاصي.
[١٥٦٦] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» . رواه مسلم.
وَهُوَ بعض حديثٍ طويلٍ سبق في بابِ طاعَةِ وُلَاةِ الأمُورِ.
هذا الحديث: كقوله تعالى: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران (١٠٢) ] ، أي: استقيموا على الإِسلام.
قوله: «وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» ، أي: يحسن معاملتهم بالبشر، وكف الأذى، وبذل النَّدى، كما يحب ذلك منهم له.
[٢٦٩- باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر]
قَالَ الله تَعَالَى: {إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات (١٠) ] .
أي: وشأن الأخوة التواصل. قال تعالى في مدح المؤمنين: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [الرعد (٢١) ] .
وقال تَعَالَى: {أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ} [المائدة (٥٤) ] .
أي: عاطفين على المؤمنين، خافضين لهم أجنحتهم، متغلِّبين على الكافرين.
وقال تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح (٢٩) ] .
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا
ريب. فقال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} ، وهذا مبتدأ وخبر، وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه رضي الله عنهم، فقال: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} ، كما قال عزَّ وجلّ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة (٥٤) ] ، وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار.
[١٥٦٧] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» . متفق عَلَيْهِ.
قوله: «لا تباغضوا» ، أي: لا تفعلوا ما يؤدي إلى التباغض، من التحاسد، والتدابر، والتتقاطع.
قوله: «ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه» ، أي: بالإِعراض عنه، وترك السلام عليه فوق ثلاث. أُغْتُفِرت الثلاث لأن حِدَّة المزاج قد تدعوا للهجر في زمنها.
وفي رواية: «فمن هجر فوق ثلاث، فمات دخل النار» .
[١٥٦٨] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمْيِسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، إِلا رَجُلاً كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا!» . رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: «تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وإثْنَيْن» وذَكَرَ نَحْوَهُ.
قوله: «انظروا هذين حتى يصلحا» ، أي: أخّروا غفرانهم، وكرره للتأكيد اهتمامًا بأمره.
حتى ينحر الهدي. ومحل الكراهة عند عدم الحاجة. انتهى ملخصًا.
وقال البخاري: باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شيء. وذكر حديث مسروق أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إنَّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة، ويجلس في المصر فيوصي أنْ تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس؟ قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيبعث هديه إلى الكعبة فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله حتى يرجع الناس.
قال الحافظ: واستدل الداودي به على أنَّ الحديث المرفوع: «إذا دخل عشر ذي الحجة فمن أراد أنْ يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره» . يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا.
قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك لأن عائشة أنكرت أنْ يصير محرمًا بمجرد بعثه الهدي، ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة، من اجتناب إزالة الشعر والظفر.
ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة.
قال الحافظ: لا يلزم من دلالته على عدم اجتناب ما يشترطه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر لغير المحرم، والله أعلم. انتهى ملخصًا.
[٣١٤- باب النهي عن الحلف بمخلوق كالنبي]
والكعبة والملائكة والسماء والآباء
والحياة والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان والأمانة، وهي من أشدها نهياً
[١٧٠٧] عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً،
فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . متفق عَلَيْهِ.
وفي رواية في الصحيح: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلا يَحْلِفْ إِلا بِاللهِ، أَوْ لِيَسْكُتْ» .
قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع.
وعن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حدثيًا، فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» . فالتفتُّ فإذا رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم» . رواه ابن أبي شيبة.
قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.
[١٧٠٨] وعن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي، وَلا بِآبَائِكُمْ» . رواه مسلم.
«الطَّواغِي» : جَمْعُ طَاغِيَةٍ، وهِيَ الأصنَامُ. وَمِنْهُ الحَدِيثُ: «هذِهِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ» أيْ: صَنَمُهُمْ وَمَعْبُودُهُمْ. وَرُوِيَ في غير مسلم: ... «بِالطَّوَاغِيتِ» جَمعُ طَاغُوت، وَهُوَ الشَّيْطَانُ وَالصَّنَمُ.
قال الحافظ: من حلف بغير الله مطلقًا لم تنعقد يمينه، سواء كان المخلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة، كالأنبياء والملائكة، والعلماء والصلحاء، والملوك، والآباء والكعبة.
أو كان لا يستحق التعظيم كالآحاد. أو يستحق التحقير والإَذلال كالشياطين، والأصنام، وسائر من عُبِد من دون الله.
[١٧٠٩] وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالأمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» . حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قال الخطابي: سَبَبُهُ أنَّ اليمين لا تنعقد إلا بالله تعالى، أو بصفاته، وليست منها الأمانة، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنُهوا عنه لما يوهمه الحلف بها من مساواتها لأسماء الله وصفاته.
وقال ابن رسلان: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالحج والصوم ونحوهما.
[١٧١٠] وعنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإسْلَامِ، فَإنْ كَانَ كَاذِباً، فَهُوَ كمَا قَالَ، وإنْ كَانَ صَادِقاً، فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإسْلَامِ سَالِماً» . رواه أَبُو داود.
في هذا الحديث: وعيد شديد وتهديد أكيد لمن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا أو صادقًَا.
[١٧١١] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يقُولُ: لا وَالكَعْبَةِ، قَالَ ابنُ عُمَرَ: لا تَحْلِفْ بَغَيْرِ اللهِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ، فقد كَفَرَ أَوْ أشْرَكَ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
وفَسَّرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قولَهُ: «كفَرَ أَوْ أشْرَكَ» عَلَى التَّغْلِيظِ، كما روي أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرِّياءُ شِرْكٌ» .
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56