«كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ». ﷽بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٠٤

الحديث رقم ١٠٠٤ من كتاب «كتاب الوتر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب القنوت قبل الركوع وبعده.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٠٤ في صحيح البخاري

«كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ».

بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ وَخُرُوجِ النَّبِيِّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٠٠٤

١٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَنَتُوا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَبَعْضَهُمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ - أَيْ دَائِمًا - عُثْمَانُ، لِكَيْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ، وَقَدْ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا عَنِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: لَا بَلْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَمَجْمُوعُ مَا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلْحَاجَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ فَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مِجْلَزٍ، وَالتَّيْمِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ نَفْسِهِ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

١٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ.

قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ) قَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِيرَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِهَا فِي أَثْنَاءِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا، وَتَمَسَّكَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ فِي تَرْكِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى نَسْخِهِ فِي الْمَغْرِبِ، فَيَكُونُ فِي الصُّبْحِ كَذَلِكَ. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ قَنَتَ فِي الصُّبْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَرَكَ، فَيُتَمَسَّكَ بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؟ وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي جَعْلِ الْقُنُوتِ النَّازِلَةَ فِي الِاعْتِدَالِ دُونَ السُّجُودِ مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ كَمَا ثَبَتَ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَثُبُوتُ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِيهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الدُّعَاءِ وَلَوْ بِالتَّأْمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُجْهَرُ بِهِ، بِخِلَافِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ فَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّهِ وَفِي الْجَهْرِ بِهِ.

(تَكْمِلَةٌ): ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْقُنُوتَ وَرَدَ لِعَشَرَةِ مَعَانٍ، فَنَظَمَهَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِيمَا أَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ إِجَازَةً غَيْرَ مَرَّةٍ:

وَلَفْظُ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ … مَزِيدًا عَلَى عَشْرِ مَعَانِي مَرْضِيَّهْ

دُعَاءُ خُشُوعٍ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةٌ … إِقَامَتُهَا إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّهْ

سُكُوتُ صَلَاةٍ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ … كَذَاكَ دَوَامُ الطَاعَةِ الرَّابِحِ الْقُنِيَّهْ

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْوِتْرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ، وَالْخَالِصُ سَبْعَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ ثَلَاثَةٌ مَوْصُولَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُفْتَح، وسكون الجيم وفتح اللَّام آخره زايٌ، لاحق بن حميدٍ السَّدوسيّ البصريّ (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: قَنَتَ النَّبِيُّ شَهْرًا) متتابعًا (يَدْعُو) في اعتدال الرَّكعة الأخيرة من كُلٍّ من (١) الصَّلوات الخمس (عَلَى رِعْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون العين المهملة (وَذَكْوَانَ) بفتح الذَّال المعجمة وسكون الكاف آخره نونٌ غير منصرفٍ، قبيلتان مِن سُليَم، لمَّا قتلوا القرَّاء، فقد صحَّ قنوته على قَتَلَة القرَّاء شهرًا أو (٢) أكثر في صلاةٍ مكتوبةٍ، وصحَّ أنَّه لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا، فإِنْ نزل نازلةٌ بالمسلمين مِن خوفٍ أو قحطٍ أو وباءٍ أو جرادٍ أو نحوها استُحبَّ القنوت (٣) في سائر المكتوبات، وإلَّا ففي الصُّبح، وكذا في أخيرة الوتر في النِّصف الأخير من رمضان، رواه البيهقيُّ.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ: سليمان (٤) ولاحق، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٩٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

١٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُليَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأربعة: «أخبرنا» (خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَانَ القُنُوتُ) أي: في زمنه (فِي) صلاة (المَغْرِبِ وَ) صلاة (الفَجْرِ) وللأَصيليِّ: «في الفجر والمغرب» لكونهما طرفي النَّهار لزيادة شرف وقتهما (٥) رجاء إجابة الدُّعاء، فكان تارةً يقنت فيهما، وتارةً في جميع الصَّلوات حرصًا على إجابة الدُّعاء،

حتَّى نزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فترك إلَّا في الصُّبح، كما روى أنسٌ: أنَّه لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا -كما مرَّ- كذا قرَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ. وتُعقِّب بأنَّ قوله: إلَّا في الصُّبح، يحتاج إلى دليلٍ، وإلَّا فهو نسخٌ فيهما، وقال الطَّحاويُّ: أجمعوا على نسخه في المغرب، فيكون في الصُّبح كذلك. انتهى. وقد عارضه بعضهم فقال: قد أجمعوا على أنه قنت في الصُّبح، ثمَّ اختلفوا هل ترك؟ فيتمسَّك بما أجمعوا عليه حتَّى يثبت ما اختلفوا فيه، فإن قلت: ما وجه إيراد هذا الباب في أبواب الوتر ولم يكن في أحاديثه تصريحٌ به؟ أُجيبَ بأنَّه ثبت أنَّ المغرب وتر النَّهار، فإذا ثبت فيها، ثبت في وتر اللَّيل بجامع ما بينهما من الوتريَّة (١)، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند أصحاب السُّنن قال: علَّمني رسول الله كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنَّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنَّه لا يذلُّ من واليت،

تباركت ربَّنا (١) وتعاليت … » الحديثَ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وغيره، لكن ليس على شرط المؤلِّف، وروى البيهقيُّ عن ابن عبَّاس وغيره، أنه كان يعلِّمهم هذه الكلماتِ ليقنتَ بها في الصُّبح والوتر، وقد صحَّ أنَّه قنت قبل الرُّكوع أيضًا، لكن رواة القنوت بعده (٢) أكثر وأحفظ، فهو أولى، وعليه درج الخلفاء الرَّاشدون في أشهر الرِّوايات عنهم وأكثرها، فلو قنت شافعيٌّ قبل الرُّكوع لم يُجزِهِ لوقوعه في غير محلِّه، فيعيده بعده، ويسجد للسَّهو، قال في «الأمِّ»: لأنَّ القنوت عملٌ من أعمال (٣) الصَّلاة، فإذا عمله في غير محلِّه أوجب سجود السَّهو، وصورته: أن يأتي به بنيَّة القنوت، وإلَّا فلا يسجد، قاله الخوارزميُّ، وخرج بالشَّافعيِّ غيرُه -ممَّن يرى القنوت قبله كالمالكيِّ- فيجزيه عنده، وقال الكوفيُّون: لا قنوت إلَّا في الوتر قبل الرُّكوع. انتهى.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وشاميٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٩٨].

((١٥))

(١) (بسم الله الرحمن الرحيم (١)) أي: الدُّعاء لطلب السُّقيا، بضمِّ السِّين، وهي المطر من الله تعالى عند حصول الجَدْب على وجهٍ مخصوصٍ (٢). (باب الاسْتِسْقَاءِ، وَخُرُوجِ النَّبِيِّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) إلى الصَّحراء. كذا في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بلفظ: «أبواب» بالجمع ثمَّ الإفراد من غير بسملةٍ، وسقط ما قبل «باب» من رواية الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «كتاب الاستسقاء» وثبتت البسملة في رواية أبي عليٍّ ابن شَبُّويه.

والاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون بالدُّعاء مطلقًا فرادى ومجتمعين. وثانيها: أن يكون بالدُّعاء خلف الصَّلاة (٣) -ولو نافلة كما في «البيان» وغيره عن الأصحاب، خلافًا لما وقع للنَّوويِّ في «شرح مسلمٍ» من تقييده بالفرائض- وفي خطبة الجمعة. وثالثها: وهو الأفضل، أن يكون بالصَّلاة والخطبتين، وبه قال مالكٌ وأبو يوسف ومحمَّدٌ (٤)، وعن أحمد: لا خطبة، وإنَّما يدعو، ويكثر الاستغفار، والجمهور على سنِّيَّةِ الصَّلاة خلافًا لأبي حنيفة، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَنَتُوا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَبَعْضَهُمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ.

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَعَلَ الْقُنُوتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ - أَيْ دَائِمًا - عُثْمَانُ، لِكَيْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ، وَقَدْ وَافَقَ عَاصِمًا عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسًا عَنِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: لَا بَلْ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَمَجْمُوعُ مَا جَاءَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقُنُوتَ لِلْحَاجَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ فَالصَّحِيحُ عَنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ: الْقُرَّاءُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَكَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مِجْلَزٍ، وَالتَّيْمِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ نَفْسِهِ، وَيُرْوَى عَنْهُ أَيْضًا بِوَاسِطَةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

١٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ.

قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَخَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ.

قَوْلُهُ: (كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ) قَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِيرَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِهَا فِي أَثْنَاءِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا، وَتَمَسَّكَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ فِي تَرْكِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى نَسْخِهِ فِي الْمَغْرِبِ، فَيَكُونُ فِي الصُّبْحِ كَذَلِكَ. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ قَنَتَ فِي الصُّبْحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَرَكَ، فَيُتَمَسَّكَ بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُتَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؟ وَظَهَرَ لِي أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي جَعْلِ الْقُنُوتِ النَّازِلَةَ فِي الِاعْتِدَالِ دُونَ السُّجُودِ مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ كَمَا ثَبَتَ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَثُبُوتُ الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِيهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ قُنُوتِ النَّازِلَةِ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الدُّعَاءِ وَلَوْ بِالتَّأْمِينِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُجْهَرُ بِهِ، بِخِلَافِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ فَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّهِ وَفِي الْجَهْرِ بِهِ.

(تَكْمِلَةٌ): ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْقُنُوتَ وَرَدَ لِعَشَرَةِ مَعَانٍ، فَنَظَمَهَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِيمَا أَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ إِجَازَةً غَيْرَ مَرَّةٍ:

وَلَفْظُ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ … مَزِيدًا عَلَى عَشْرِ مَعَانِي مَرْضِيَّهْ

دُعَاءُ خُشُوعٍ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةٌ … إِقَامَتُهَا إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّهْ

سُكُوتُ صَلَاةٍ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ … كَذَاكَ دَوَامُ الطَاعَةِ الرَّابِحِ الْقُنِيَّهْ

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْوِتْرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةُ أَحَادِيثَ، وَالْخَالِصُ سَبْعَةٌ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ ثَلَاثَةٌ مَوْصُولَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تُفْتَح، وسكون الجيم وفتح اللَّام آخره زايٌ، لاحق بن حميدٍ السَّدوسيّ البصريّ (عَنْ أَنَسٍ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: قَنَتَ النَّبِيُّ شَهْرًا) متتابعًا (يَدْعُو) في اعتدال الرَّكعة الأخيرة من كُلٍّ من (١) الصَّلوات الخمس (عَلَى رِعْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون العين المهملة (وَذَكْوَانَ) بفتح الذَّال المعجمة وسكون الكاف آخره نونٌ غير منصرفٍ، قبيلتان مِن سُليَم، لمَّا قتلوا القرَّاء، فقد صحَّ قنوته على قَتَلَة القرَّاء شهرًا أو (٢) أكثر في صلاةٍ مكتوبةٍ، وصحَّ أنَّه لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا، فإِنْ نزل نازلةٌ بالمسلمين مِن خوفٍ أو قحطٍ أو وباءٍ أو جرادٍ أو نحوها استُحبَّ القنوت (٣) في سائر المكتوبات، وإلَّا ففي الصُّبح، وكذا في أخيرة الوتر في النِّصف الأخير من رمضان، رواه البيهقيُّ.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ: سليمان (٤) ولاحق، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٩٠]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

١٠٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُليَّة (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأربعة: «أخبرنا» (خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: «عن أنس بن مالكٍ» (قَالَ: كَانَ القُنُوتُ) أي: في زمنه (فِي) صلاة (المَغْرِبِ وَ) صلاة (الفَجْرِ) وللأَصيليِّ: «في الفجر والمغرب» لكونهما طرفي النَّهار لزيادة شرف وقتهما (٥) رجاء إجابة الدُّعاء، فكان تارةً يقنت فيهما، وتارةً في جميع الصَّلوات حرصًا على إجابة الدُّعاء،

حتَّى نزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فترك إلَّا في الصُّبح، كما روى أنسٌ: أنَّه لم يزل يقنت في الصُّبح حتَّى فارق الدُّنيا -كما مرَّ- كذا قرَّره البرماويُّ كالكِرمانيِّ. وتُعقِّب بأنَّ قوله: إلَّا في الصُّبح، يحتاج إلى دليلٍ، وإلَّا فهو نسخٌ فيهما، وقال الطَّحاويُّ: أجمعوا على نسخه في المغرب، فيكون في الصُّبح كذلك. انتهى. وقد عارضه بعضهم فقال: قد أجمعوا على أنه قنت في الصُّبح، ثمَّ اختلفوا هل ترك؟ فيتمسَّك بما أجمعوا عليه حتَّى يثبت ما اختلفوا فيه، فإن قلت: ما وجه إيراد هذا الباب في أبواب الوتر ولم يكن في أحاديثه تصريحٌ به؟ أُجيبَ بأنَّه ثبت أنَّ المغرب وتر النَّهار، فإذا ثبت فيها، ثبت في وتر اللَّيل بجامع ما بينهما من الوتريَّة (١)، وفي حديث الحسن بن عليٍّ عند أصحاب السُّنن قال: علَّمني رسول الله كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرَّ ما قضيت، فإنَّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنَّه لا يذلُّ من واليت،

تباركت ربَّنا (١) وتعاليت … » الحديثَ، وصحَّحه التِّرمذيُّ وغيره، لكن ليس على شرط المؤلِّف، وروى البيهقيُّ عن ابن عبَّاس وغيره، أنه كان يعلِّمهم هذه الكلماتِ ليقنتَ بها في الصُّبح والوتر، وقد صحَّ أنَّه قنت قبل الرُّكوع أيضًا، لكن رواة القنوت بعده (٢) أكثر وأحفظ، فهو أولى، وعليه درج الخلفاء الرَّاشدون في أشهر الرِّوايات عنهم وأكثرها، فلو قنت شافعيٌّ قبل الرُّكوع لم يُجزِهِ لوقوعه في غير محلِّه، فيعيده بعده، ويسجد للسَّهو، قال في «الأمِّ»: لأنَّ القنوت عملٌ من أعمال (٣) الصَّلاة، فإذا عمله في غير محلِّه أوجب سجود السَّهو، وصورته: أن يأتي به بنيَّة القنوت، وإلَّا فلا يسجد، قاله الخوارزميُّ، وخرج بالشَّافعيِّ غيرُه -ممَّن يرى القنوت قبله كالمالكيِّ- فيجزيه عنده، وقال الكوفيُّون: لا قنوت إلَّا في الوتر قبل الرُّكوع. انتهى.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وشاميٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦٧٩٨].

((١٥))

(١) (بسم الله الرحمن الرحيم (١)) أي: الدُّعاء لطلب السُّقيا، بضمِّ السِّين، وهي المطر من الله تعالى عند حصول الجَدْب على وجهٍ مخصوصٍ (٢). (باب الاسْتِسْقَاءِ، وَخُرُوجِ النَّبِيِّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ) إلى الصَّحراء. كذا في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بلفظ: «أبواب» بالجمع ثمَّ الإفراد من غير بسملةٍ، وسقط ما قبل «باب» من رواية الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ، ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «كتاب الاستسقاء» وثبتت البسملة في رواية أبي عليٍّ ابن شَبُّويه.

والاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون بالدُّعاء مطلقًا فرادى ومجتمعين. وثانيها: أن يكون بالدُّعاء خلف الصَّلاة (٣) -ولو نافلة كما في «البيان» وغيره عن الأصحاب، خلافًا لما وقع للنَّوويِّ في «شرح مسلمٍ» من تقييده بالفرائض- وفي خطبة الجمعة. وثالثها: وهو الأفضل، أن يكون بالصَّلاة والخطبتين، وبه قال مالكٌ وأبو يوسف ومحمَّدٌ (٤)، وعن أحمد: لا خطبة، وإنَّما يدعو، ويكثر الاستغفار، والجمهور على سنِّيَّةِ الصَّلاة خلافًا لأبي حنيفة، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله