«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٤٠

الحديث رقم ١١٤٠ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب كيف كان صلاة النبي ﷺ.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٤٠ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا

⦗٥٢⦘

الْفَجْرِ».

بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَوْلُِهُِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطَاءً وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾. وَقَوْلُِهُِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ وِطَاءً قَالَ مُوَاطَأَةَ الْقُرْآنِ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ. لِيُوَاطِؤُوا: لِيُوَافِقُوا

إسناد حديث البخاري رقم ١١٤٠

١١٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٤٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عشرة ركعة، وأمَّا (١) ما رواه الزُّهريُّ عن عروة عنها -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- في «باب ما يقرأ في ركعتي الفجر» [خ¦١١٧٠] بلفظ: «كان يصلِّي باللَّيل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلِّي إذا سمع النِّداء بالصُّبح (٢) ركعتين خفيفتين»؛ فظاهره يخالف ما ذُكِر، فأجيب باحتمال أن تكون أضافت إلى صلاة اللَّيل سنَّة العشاء؛ لكونه كان يصلِّيها في بيته، أو ما (٣) كان يفتتح به صلاة اللَّيل، فقد ثبت في «مسلمٍ» عنها: «أنَّه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين»، ويؤيِّد هذا الاحتمال رواية أبي سلمة عند المصنِّف وغيره: «يصلِّي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا» [خ¦٢٠١٣] فدلَّ على أنَّها لم تتعرَّض للرَّكعتين الخفيفتين، وتعرَّضت لهما في رواية الزُّهري، والزِّيادة من الحافظ مقبولةٌ.

١١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مصغَّرًا، العبسيُّ الكوفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان الأسود بن عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) بالبناء على الفتح وسكون شين «عشرة»، كما أجازه الفرَّاء (مِنْهَا) أي: من ثلاث عشرة: (الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ) وفي بعض النُّسخ: «وركعتي الفجر» نصبٌ على المفعول معه، وفي رواية مسلمٍ من هذا الوجه: «كانت صلاته عشر ركعاتٍ، ويوتر بسجدةٍ، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة»، وهذا كان غالب عادته .

(١١) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ) أي: صلاته (بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ) بواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «من نومه» (وَ) باب (مَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله: «وما نُسخ»: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾) أصله: المتزمِّل؛ وهو الذي يتزمَّل في الثِّياب، أي: يلتفُّ فيها، قُلِبت التَّاء زايًا، وأدغمت في الأخرى، أي: يا أيَّها المتلفِّفُ (١) في ثيابه، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي: يا محمَّد، قد زمَّلت القرآن (﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾) منه (﴿نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٣]) أي: على النِّصف، وهو بدلٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءٌ من النِّصف، كأنَّه قال: قُمْ أقلَّ من نصف اللَّيل، والضَّمير في ﴿مِنْهُ﴾ للنِّصف؛ والمعنى: التَّخيير بين أمرين: أن يقوم أقلَّ من النِّصف على البَتِّ، وبين أن يختار أحد الأمرين: النُّقصان من النِّصف، والزِّيادة عليه، قاله في «الكشَّاف»، وتعقَّبه في «البَحر» بأنَّه يلزم منه التَّكرار؛ لأنَّه على تقدير (٢): قم أقلَّ من نصف اللَّيل؛ يكون قوله: ﴿أَوِ انقُصْ﴾ مِن نصف اللَّيل تكرارًا، أو بدلٌ (٣) من ﴿قَلِيلًا﴾ فكأنَّ في الآية تخييرًا بين ثلاثٍ: بين قيام النِّصف بتمامه، أو قيام أنقصَ منه (٤)، أو أزيد، ووُصِفَ النِّصف بالقلَّة بالنِّسبة إلى الكلِّ، قال في «الفتح»: وبهذا -أي: الأخير- جزم الطَّبريُّ، وأَسنَد ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخراسانيِّ، وفي حديث مسلمٍ من طريق سعد بن هشامٍ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «افترض الله تعالى قيام اللَّيل في أوَّلِ هذه السُّورة» -يعني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فقام نبيُّ الله وأصحابه حولًا حتَّى أنزل الله في آخر هذه السُّورة التَّخفيف، فصار قيام

اللَّيل تطوُّعًا بعد فريضةٍ، وقال (١) البرهان النَّسفيُّ في «الشِّفاء» (٢): أمَرَه أن يختار على الهجود التَّهجُّد، وعلى التَّزمُّل التَّشمُّر للعبادة، والمجاهدة في الله تعالى، فلا جرم أنَّه قد تشمَّر لذلك وأصحابه حقَّ التَّشمُّر (٣)، وأقبلوا (٤) على إحياء لياليهم، ورفضوا الرُّقاد والدَّعة، وجاهدوا فيه (٥) حتَّى انتفخت أقدامهم، واصفرَّت ألوانهم، وظهرت السِّيما على وجوههم، حتَّى رحمهم ربُّهم، فخفَّف عنهم، وحكى الشَّافعيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّ آخر السُّورة نسخ افتراضَ قيام اللَّيل إلَّا ما تيسَّر منه؛ لقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ثم نُسِخَ فرض ذلك بالصَّلوات الخمس. (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾) أي: اقرأه مترسِّلًا (٦)، بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط، وقال أبو بكر بن طاهرٍ: تدبَّر لطائف خطابه، وطالِبْ نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبَك بفهم معانيه، وسرَّك بالإقبال عليه (﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾) أي: القرآن؛ لثقل العمل به، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن، أو: ثقيلًا في الميزان يوم القيامة، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى (﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾) مصدرٌ: من «نشأ» إذا قام ونهض (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا﴾) بكسر الواو وفتح الطَّاء ممدودًا؛ كما في قراءة أبي عمرٍو وابن عامرٍ، والباقون بفتح الواو وسكون الطَّاء من غير مدٍّ، أي: قيامًا (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾) أشدُّ مقالًا، وأثبت قراءةً؛ لهدوء الأصوات، وقيل: أعجلُ إجابةً للدُّعاء (﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٣ - ٧]): تصرُّفًا وتقلُّبًا في مهمَّاتك وشواغلك، وعن السُّدِّيِّ: تطوُّعًا كثيرًا، وقال السَّمرقنديُّ: فراغًا طويلًا تقضي حوائجك فيه؛

ففرِّغ نفسك لصلاة اللَّيل (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾) أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام اللَّيل، أو الضَّمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدرٍ مقدَّرٍ، أي: علم أن لا يصحَّ منكم ضبطُ الأوقات، ولا يتأتَّى حسابها بالتَّسوية إلَّا بالاحتياط، وهو شاقٌّ عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) رخَّص لكم في ترك القيام المقدَّر (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾) فصلُّوا ما تيسَّر عليكم من قيام اللَّيل، وهو ناسخٌ للأوَّل، ثم نُسِخا جميعًا بالصَّلوات الخمس، أو المراد: قراءة القرآن بعينها، ثمَّ بيَّن حكمة النَّسخ بقوله: (﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾) لا يقدرون على قيام اللَّيل (﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ﴾) يسافرون (﴿فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾) في طلب (١) الرِّزق منه تعالى (﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يجاهدون في طاعة الله (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾) أي: من القرآن، قيل: في صلاة المغرب والعشاء (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾) الواجبتين، أو المراد: صدقة الفطر؛ لأنَّه لم يكن بمكَّة زكاةٌ، ومن فسَّرها بها جعل آخر السُّورة من المدنيِّ (﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾) بسائر الصَّدقات المستحبَّة، وسمَّاه قرضًا تأكيدًا للجزاء (﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾) عملٍ صالحٍ وصدقةٍ بنيَّةٍ خالصةٍ (﴿تَجِدُوهُ﴾) أي: ثوابَه (﴿عِندَ اللهِ﴾) (٢) في الآخرة (﴿هُوَ خَيْرًا﴾) نصب ثاني مفعولي «وجد» (﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾) زاد في نسخةٍ: «﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] لمن استغفر».

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) ممَّا وصله عبد بن حُميد بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبيرٍ عنه، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف: «قال ابن عبَّاس»: (نَشَأَ) بفتحاتٍ مهموزًا معناه: (قَامَ) يتهجَّد (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: بلسان الحبشة، وليس في القرآن شيءٌ بغير العربيَّة، وإن ورد (٣) من ذلك شيءٌ فهو من توافق اللُّغتين، وعلى هذا فـ ﴿نَاشِئَةَ﴾ -كما مرَّ- مصدرٌ بوزن فاعِلَة، من نشأ؛ إذا قام، أو اسم فاعل، أي: النَّفسُ النَّاشئة باللَّيل، أي: الَّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، وفي «الغريبين» لأبي عُبيد: كلُّ ما حدث باللَّيل وبدأ فهو ناشئٌ، وفي «المجاز» لأبي عبيدة: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: آناء اللَّيل، ناشئةً بعد ناشئةٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عشرة ركعة، وأمَّا (١) ما رواه الزُّهريُّ عن عروة عنها -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- في «باب ما يقرأ في ركعتي الفجر» [خ¦١١٧٠] بلفظ: «كان يصلِّي باللَّيل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلِّي إذا سمع النِّداء بالصُّبح (٢) ركعتين خفيفتين»؛ فظاهره يخالف ما ذُكِر، فأجيب باحتمال أن تكون أضافت إلى صلاة اللَّيل سنَّة العشاء؛ لكونه كان يصلِّيها في بيته، أو ما (٣) كان يفتتح به صلاة اللَّيل، فقد ثبت في «مسلمٍ» عنها: «أنَّه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين»، ويؤيِّد هذا الاحتمال رواية أبي سلمة عند المصنِّف وغيره: «يصلِّي أربعًا ثم أربعًا ثم ثلاثًا» [خ¦٢٠١٣] فدلَّ على أنَّها لم تتعرَّض للرَّكعتين الخفيفتين، وتعرَّضت لهما في رواية الزُّهري، والزِّيادة من الحافظ مقبولةٌ.

١١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مصغَّرًا، العبسيُّ الكوفيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان الأسود بن عبد الرَّحمن (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) بالبناء على الفتح وسكون شين «عشرة»، كما أجازه الفرَّاء (مِنْهَا) أي: من ثلاث عشرة: (الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ) وفي بعض النُّسخ: «وركعتي الفجر» نصبٌ على المفعول معه، وفي رواية مسلمٍ من هذا الوجه: «كانت صلاته عشر ركعاتٍ، ويوتر بسجدةٍ، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة»، وهذا كان غالب عادته .

(١١) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ) أي: صلاته (بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ) بواو العطف، ولأبي ذرٍّ: «من نومه» (وَ) باب (مَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله: «وما نُسخ»: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾) أصله: المتزمِّل؛ وهو الذي يتزمَّل في الثِّياب، أي: يلتفُّ فيها، قُلِبت التَّاء زايًا، وأدغمت في الأخرى، أي: يا أيَّها المتلفِّفُ (١) في ثيابه، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي: يا محمَّد، قد زمَّلت القرآن (﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾) منه (﴿نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٣]) أي: على النِّصف، وهو بدلٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءٌ من النِّصف، كأنَّه قال: قُمْ أقلَّ من نصف اللَّيل، والضَّمير في ﴿مِنْهُ﴾ للنِّصف؛ والمعنى: التَّخيير بين أمرين: أن يقوم أقلَّ من النِّصف على البَتِّ، وبين أن يختار أحد الأمرين: النُّقصان من النِّصف، والزِّيادة عليه، قاله في «الكشَّاف»، وتعقَّبه في «البَحر» بأنَّه يلزم منه التَّكرار؛ لأنَّه على تقدير (٢): قم أقلَّ من نصف اللَّيل؛ يكون قوله: ﴿أَوِ انقُصْ﴾ مِن نصف اللَّيل تكرارًا، أو بدلٌ (٣) من ﴿قَلِيلًا﴾ فكأنَّ في الآية تخييرًا بين ثلاثٍ: بين قيام النِّصف بتمامه، أو قيام أنقصَ منه (٤)، أو أزيد، ووُصِفَ النِّصف بالقلَّة بالنِّسبة إلى الكلِّ، قال في «الفتح»: وبهذا -أي: الأخير- جزم الطَّبريُّ، وأَسنَد ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخراسانيِّ، وفي حديث مسلمٍ من طريق سعد بن هشامٍ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «افترض الله تعالى قيام اللَّيل في أوَّلِ هذه السُّورة» -يعني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فقام نبيُّ الله وأصحابه حولًا حتَّى أنزل الله في آخر هذه السُّورة التَّخفيف، فصار قيام

اللَّيل تطوُّعًا بعد فريضةٍ، وقال (١) البرهان النَّسفيُّ في «الشِّفاء» (٢): أمَرَه أن يختار على الهجود التَّهجُّد، وعلى التَّزمُّل التَّشمُّر للعبادة، والمجاهدة في الله تعالى، فلا جرم أنَّه قد تشمَّر لذلك وأصحابه حقَّ التَّشمُّر (٣)، وأقبلوا (٤) على إحياء لياليهم، ورفضوا الرُّقاد والدَّعة، وجاهدوا فيه (٥) حتَّى انتفخت أقدامهم، واصفرَّت ألوانهم، وظهرت السِّيما على وجوههم، حتَّى رحمهم ربُّهم، فخفَّف عنهم، وحكى الشَّافعيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّ آخر السُّورة نسخ افتراضَ قيام اللَّيل إلَّا ما تيسَّر منه؛ لقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ثم نُسِخَ فرض ذلك بالصَّلوات الخمس. (﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾) أي: اقرأه مترسِّلًا (٦)، بتبيين الحروف وإشباع الحركات من غير إفراط، وقال أبو بكر بن طاهرٍ: تدبَّر لطائف خطابه، وطالِبْ نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبَك بفهم معانيه، وسرَّك بالإقبال عليه (﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾) أي: القرآن؛ لثقل العمل به، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن، أو: ثقيلًا في الميزان يوم القيامة، أخرجه عنه أيضًا من طريق أخرى (﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾) مصدرٌ: من «نشأ» إذا قام ونهض (﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا﴾) بكسر الواو وفتح الطَّاء ممدودًا؛ كما في قراءة أبي عمرٍو وابن عامرٍ، والباقون بفتح الواو وسكون الطَّاء من غير مدٍّ، أي: قيامًا (﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾) أشدُّ مقالًا، وأثبت قراءةً؛ لهدوء الأصوات، وقيل: أعجلُ إجابةً للدُّعاء (﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٣ - ٧]): تصرُّفًا وتقلُّبًا في مهمَّاتك وشواغلك، وعن السُّدِّيِّ: تطوُّعًا كثيرًا، وقال السَّمرقنديُّ: فراغًا طويلًا تقضي حوائجك فيه؛

ففرِّغ نفسك لصلاة اللَّيل (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾) أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام اللَّيل، أو الضَّمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدرٍ مقدَّرٍ، أي: علم أن لا يصحَّ منكم ضبطُ الأوقات، ولا يتأتَّى حسابها بالتَّسوية إلَّا بالاحتياط، وهو شاقٌّ عليكم (﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾) رخَّص لكم في ترك القيام المقدَّر (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾) فصلُّوا ما تيسَّر عليكم من قيام اللَّيل، وهو ناسخٌ للأوَّل، ثم نُسِخا جميعًا بالصَّلوات الخمس، أو المراد: قراءة القرآن بعينها، ثمَّ بيَّن حكمة النَّسخ بقوله: (﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾) لا يقدرون على قيام اللَّيل (﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ﴾) يسافرون (﴿فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾) في طلب (١) الرِّزق منه تعالى (﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يجاهدون في طاعة الله (﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾) أي: من القرآن، قيل: في صلاة المغرب والعشاء (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾) الواجبتين، أو المراد: صدقة الفطر؛ لأنَّه لم يكن بمكَّة زكاةٌ، ومن فسَّرها بها جعل آخر السُّورة من المدنيِّ (﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾) بسائر الصَّدقات المستحبَّة، وسمَّاه قرضًا تأكيدًا للجزاء (﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾) عملٍ صالحٍ وصدقةٍ بنيَّةٍ خالصةٍ (﴿تَجِدُوهُ﴾) أي: ثوابَه (﴿عِندَ اللهِ﴾) (٢) في الآخرة (﴿هُوَ خَيْرًا﴾) نصب ثاني مفعولي «وجد» (﴿وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾) زاد في نسخةٍ: «﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠] لمن استغفر».

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) ممَّا وصله عبد بن حُميد بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبيرٍ عنه، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال أبو عبد الله» أي: المؤلِّف: «قال ابن عبَّاس»: (نَشَأَ) بفتحاتٍ مهموزًا معناه: (قَامَ) يتهجَّد (بِالحَبَشِيَّةِ) أي: بلسان الحبشة، وليس في القرآن شيءٌ بغير العربيَّة، وإن ورد (٣) من ذلك شيءٌ فهو من توافق اللُّغتين، وعلى هذا فـ ﴿نَاشِئَةَ﴾ -كما مرَّ- مصدرٌ بوزن فاعِلَة، من نشأ؛ إذا قام، أو اسم فاعل، أي: النَّفسُ النَّاشئة باللَّيل، أي: الَّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، وفي «الغريبين» لأبي عُبيد: كلُّ ما حدث باللَّيل وبدأ فهو ناشئٌ، وفي «المجاز» لأبي عبيدة: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾: آناء اللَّيل، ناشئةً بعد ناشئةٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده