«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1160

الحديث رقم 1160 من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على…

«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ».

بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ

سند حديث: ١١٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ…

١١٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح حديث: «كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً: تِسْعًا قَائِمًا، وَرَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.

قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ) أَيْ: بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى مِنَ الصُّبْحِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا) اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: كَانَ الْحَسَنُ يَرَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاجِبَتَيْنِ. وَالْمُرَادُ بِالْفَجْرِ هُنَا: صَلَاةُ الصُّبْحِ. وَنَقَلَ الْمَرْغِينَانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ صَلَّاهُمَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِلْقَدِيمِ فِي أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: أَفْضَلُهَا الْوِتْرُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَفْضَلُهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ أَبَدًا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا الْمَاضِي فَيُؤَكَّدُ بِقَطُّ، وَيُجَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهَا ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ إِجْرَاءً لِلْمَاضِي مَجْرَى الْمُسْتَقْبَلِ، كَأَنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُ لَا يَتْرُكُهُ.

٢٣ - بَاب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ

١١٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الضِّجْعَةِ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى إِرَادَةِ الْمَرَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَبُو الْأَسْوَدِ) هُوَ النَّوْفَلِيُّ يَتِيمُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْقَلْبَ فِي وَجْهِهِ الْيَسَارُ، فَلَوِ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ لَاسْتَغْرَقَ نَوْمًا، لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي الرَّاحَةِ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ، فَيَكُونُ الْقَلْبُ مُعَلَّقًا فَلَا يَسْتَغْرِقُ، وَفِيهِ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا إِنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ الِاضْطِجَاعَ، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: هِيَ ضِجْعَةُ الشَّيْطَانِ، كَمَا أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا الْأَمْرُ بِفِعْلِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: إِذَا سَلَّمَ فَقَدْ فَصَلَ. وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنِ اضْطَجَعَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْجِبُهُ الِاضْطِجَاعُ، وَأَرْجَحُ الْأَقْوَالِ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِلْفَصْلِ، لَكِنْ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٤ - بَاب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ

١١٦١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سنة الفجر، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَضْطَجِعَ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ الرَّاحَةُ وَالنَّشَاطُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إِلَّا لِلمتَّهَجُّدِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْطَجِعَ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى) وللحَمُّويي (١) والمُستملي: «وصلَّى» بواو العطف (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) بفتح النُّون، وهو شاذٌّ، ولأبي ذَرٍّ: «ثمانِيَ» بكسرها ثمَّ ياءٌ مفتوحةٌ على الأصل (وَرَكْعَتَيْنِ) حال كونه (جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ): أذان الصُّبح وإقامته، ولمسلمٍ: «ركعتين خفيفتين بين النِّداء والإقامة» (وَلَمْ يَكُنْ) ﵊ (يَدَعُهُمَا) يتركهما، وفي «اليونينيَّة» بسكون عَين «يدعْهما» بدلُ فعلٍ من فعلٍ، أي: لم يدعهما على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] (أَبَدًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة، واستعمله للماضي (٢) وإن كان المقرَّر استعماله للمستقبل، و «قَطُّ» للماضي؛ للمبالغة إجراءً للماضي مجرى المستقبل، كأنَّ ذلك دأبه لا يتركه، واستدلَّ به القائل بالوجوب، وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ، كما أخرجه عنه (٣) ابن أبي شيبة، واستدلَّ به بعض الشَّافعيَّة للقديم: في أنَّها أفضل التَّطوُّعات، والجديد: أنَّ أفضلها الوتر.

ورواته ما بين بصريٍّ ومصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديثُ، والعنعنة، والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٢٣) (باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) بكسر الضِّاد من الضَّجعة؛ لأنَّ المراد: الهيئة، ويجوز الفتح على إرادة (٤) المرَّة.

١١٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) مِن

الزِّيادة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاصٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو (١) الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن النَّوفليُّ، يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) لأنَّه كان يحبُّ التَّيمُّن (٢) في شأنه كلِّه، أو تشريعٌ لنا؛ لأنَّ القلب في جهة اليسار، فلو اضطجع عليه (٣) لاستغرق نومًا؛ لكونه أبلغ في الرَّاحة، بخلاف اليمين فيكون معلَّقًا، فلا يستغرق، وهذا بخلافه ﷺ؛ لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، وروى أبو داود بإسنادٍ على شرط الشَّيخين: «إذا صلَّى أحدكم الرَّكعتين قبل الصُّبح فليضطجع على يمينه»، فقال مروان بن الحكم: أَمَا يجزئ أحدنا ممشاه في (٤) المسجد حتَّى يضطجع على يمينه؟ قال: لا، واستدلَّ به ابن حزمٍ على وجوبهما (٥)، وأُجِيبَ بحمل الأمر فيه على الاستحباب، فإنْ لم يفصل بالاضطجاع فبحديثٍ أو تحوُّلٍ من (٦) مكانه أو نحوهما. واستحبَّ البغويُّ في «شرح السُّنَّة» الاضطجاع بخصوصه، واختاره في «شرح المهذَّب» للحديث السَّابق، وقال: فإن تعذَّر عليه فصل بكلامٍ، وأمَّا إنكار ابن مسعودٍ الاضطجاع، وقول إبراهيم النَّخعيِّ: هي ضجعة الشَّيطان، كما أخرجه ابن أبي شيبة؛ فهو محمولٌ على أنَّه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعودٍ يدلُّ على أنَّه إنَّما أنكر تحتُّمه، فإنَّه قال في آخر كلامه: إذا سلَّم فقد فَصَل.

(٢٤) (باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ) سنَّة الفجر (وَلَمْ يَضْطَجِعْ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَأْكِيد رَكْعَتي الْفجْر وأنهما من أشرف التَّطَوُّع لمواظبته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَلَيْهِمَا وملازمته لَهما، وَعند الْمَالِكِيَّة خلاف: هَل هِيَ سنة أَو من الرغائب؟ فَالصَّحِيح عِنْدهم أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الْعلمَاء، وَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى وُجُوبهَا وَهُوَ شَاذ لَا أصل لَهُ، نَقله صَاحب (التَّوْضِيح) فَإِن قلت: الَّذِي ذكرته يدل على الْوُجُوب كَمَا قَالَه الْحسن، وَلِهَذَا ذكر المرغيناني عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا وَاجِبَة. وَفِي (جَامع المحبوبي) : روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: لَو صلى سنة الْفجْر قَاعِدا بِلَا عذر لَا يجوز؟ قلت: إِنَّمَا لم يقل بِوُجُوبِهَا لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَاقهَا مَعَ سَائِر السّنَن فِي حَدِيث المثابرة، هَكَذَا قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَيْسَ فِيهِ مَا يشفي العليل، وَقد روى أَحَادِيث كَثِيرَة فِي رَكْعَتي الْفجْر مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا تدعوا رَكْعَتي الفحر وَلَو طردتكم الْخَيل) أَي: الفرسان، وَهَذَا كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة وحث عَظِيم على مواظبتهما، وَبِه اسْتدلَّ أَصْحَابنَا أَن الرجل إِذا انْتهى إِلَى الإِمَام فِي صَلَاة الْفجْر وَهُوَ لم يصل رَكْعَتي الْفجْر إِن خشِي أَن تفوته رَكْعَة وَيدْرك الْأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر عِنْد بَاب الْمَسْجِد ثمَّ يدْخل، وَلَا يتركهما، وَأما إِذا خشِي فَوت الْفَرْض فَحِينَئِذٍ يدْخل مَعَ الإِمَام وَلَا يُصَلِّي. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يقضيهما فِيهِ، فأظهر أَقْوَال الشَّافِعِي: يقْضِي مُؤَبَّدًا وَلَو بعد الصُّبْح، وَهُوَ قَول عَطاء وطاووس، وَرِوَايَة عَن ابْن عمر وأبى ذَلِك مَالك وَنَقله عَن ابْن بطال عَن أَكثر الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: يقضيهما بعد طُلُوع الشَّمْس، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَرِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ مَالك وَمُحَمّد بن الْحسن: يقضيهما بعد الطُّلُوع إِن أحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: لَا يقضيهما. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سعيد بن هِشَام (عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ نَحوه، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث سعيد بن هِشَام (عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي شَأْن الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد طُلُوع الْفجْر: لَهما أحب من الدُّنْيَا جَمِيعًا) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي زِيَاد الْكِنْدِيّ (عَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه حَدثهُ أَنه أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليؤذنه بِصَلَاة الْغَدَاة) الحَدِيث، وَفِيه: (أَن بِلَالًا قَالَ لَهُ: أَصبَحت جدا، قَالَ: أَصبَحت جدا؟ قَالَ: لَو أَصبَحت أَكثر مِمَّا أَصبَحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما) وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يسَار مولى ابْن عمر عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا صَلَاة بعد الْفجْر إلَاّ سَجْدَتَيْنِ) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، من رِوَايَة مطر الْوراق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: لَا صَلَاة إِذا طلع الْفجْر إلَاّ رَكْعَتَيْنِ) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة زيد بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر (عَن حَفْصَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا طلع الْفجْر لَا يُصَلِّي إلَاّ رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة رشيد بن كريب عَن أَبِيه عَن جده (عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمن اللَّيْل فسبحه وإدبار النُّجُوم} (الطّور: ٩٤) . قَالَ: رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ من حَدِيث قيس بن فَهد (رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بعد صَلَاة الْفجْر رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لم أكن صليت الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلهمَا فصليتهما الْآن، فَسكت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل، وَأخرجه ابْن أبي خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَلَفظه: (مَا هَاتَانِ الركعتان؟ قَالَ: يَا رَسُول الله رَكعَتَا الْفجْر لم أكن أصليهما فهما هَاتَانِ. قَالَ: فَسكت عَنهُ) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٣٢ - (بابُ الضَّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِّ الفَجْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الضجعة إِلَى آخِره، والضجعة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسرهَا، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكسر يدل على الْهَيْئَة وَالْفَتْح على الْمرة، من: ضجع يضجع ضجعا وضجوعا، إِذا وضع جنبه بِالْأَرْضِ.

٠٦١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي أيُّوبَ قالَ حدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا صلَّى

رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه قد ذكرُوا فِي الْبَاب السَّابِق، وَأَبُو الْأسود، ضد الْأَبْيَض: اسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بيتيم عُرْوَة مر فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.

الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذَا الحَدِيث يدل على أَن الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَنْهَا: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر، فَإِن كنت مستيقظة حَدثنِي وإلَاّ اضْطجع) . فَهَذَا يدل على أَنه تَارَة يضطجع قبل، وَتارَة بعد، وَتارَة لَا يضطجع. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، يدل على أَنه قبلهمَا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ) ، فَذكره مكررا ثمَّ قَالَ: (ثمَّ أوتر ثمَّ اضْطجع حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذّن فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى الصُّبْح) وَهَذَا يُصَرح بِأَن اضطجاعه كَانَ قبل رَكْعَتي الْفجْر، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه: كَانَ إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر اضْطجع، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه قبل رَكْعَتي الْفجْر لَا تَسْتَلْزِم نَفْيه بعدهمَا، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه بعدهمَا لَا تَسْتَلْزِم نَفْيه قبلهمَا، أَو يحمل تَركه إِيَّاه قبلهمَا أَو بعدهمَا على بَيَان الْجَوَاز إِذا ثَبت التّرْك، وَإِذا أمكن الْجمع بَين الْأَحَادِيث الْمُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا فِي الظَّاهِر تحمل على وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا، لِأَن الْعَمَل بِالْكُلِّ مَعَ الْإِمْكَان أولى من إهمال بَعْضهَا.

النَّوْع الثَّانِي: فِي أَن هَذِه الضجعة سنة أَو مُسْتَحبَّة أَو وَاجِبَة أَو غير ذَلِك؟ فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ على سِتَّة أَقْوَال. أَحدهَا: أَنه سنة، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَالصَّحِيح أَو الصَّوَاب أَن الِاضْطِجَاع بعد سنة الْفجْر سنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) : وَقد أَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى أَن الِاضْطِجَاع الْمَنْقُول فِي الْأَحَادِيث للفصل بَين النَّافِلَة وَالْفَرِيضَة، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك الْفَصْل بالاضطجاع أَو التحدث أَو التَّحَوُّل من ذَلِك الْمَكَان إِلَى غَيره أَو غَيره، والاضطجاع غير مُتَعَيّن فِي ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : الْمُخْتَار الِاضْطِجَاع. القَوْل الثَّانِي: أَنه مُسْتَحبّ، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وهم: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من التَّابِعين، وهم: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعُرْوَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعُرْوَة بن الزبير وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد بن ثَابت وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَسليمَان بن يسَار، وَكَانُوا يضطجعون على أَيْمَانهم بَين رَكْعَتي الْفجْر وَصَلَاة الصُّبْح. القَوْل الثَّالِث: أَنه وَاجِب، مفترض لَا بُد من الْإِتْيَان بِهِ، وَهُوَ قَول أبي مُحَمَّد بن حزم، فَقَالَ: وَمن ركع رَكْعَتي الْفجْر لم تجزه صَلَاة الصُّبْح إلَاّ بِأَن يضطجع على جنبه الْأَيْمن بَين سَلَامه من رَكْعَتي الْفجْر وَبَين تكبيره لصَلَاة الصُّبْح، وَسَوَاء ترك الضجعة عمدا أَو نِسْيَانا، وَسَوَاء صلاهَا فِي وَقتهَا أَو صلاهَا قَاضِيا لَهَا من نِسْيَان أَو نوم، وَإِن لم يصل رَكْعَتي الْفجْر لم يلْزمه أَن يضطجع، وَاسْتدلَّ فِيهِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد وَأَبُو كَامِل وَعبيد الله بن عَمْرو بن ميسرَة، قَالُوا: حَدثنَا عبد الْوَاحِد حَدثنَا الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا صلى أحدكُم الرَّكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْح فليضطجع على يَمِينه. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر اضْطجع) ، فَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد يخبر عَن أمره، وَمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه يخبر عَن فعله، وَأَجَابُوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول: أَن عبد الْوَاحِد الرَّاوِي عَن الْأَعْمَش قد تكلم فِيهِ، فَعَن يحيى: أَنه لَيْسَ بِشَيْء، وَعَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس: سَمِعت أَبَا دَاوُد قَالَ: عمد عبد الْوَاحِد إِلَى أَحَادِيث كَانَ يرسلها الْأَعْمَش فوصلها، يَقُول: حَدثنَا الْأَعْمَش حَدثنَا مُجَاهِد فِي كَذَا وَكَذَا. الثَّانِي: أَن الْأَعْمَش قد عنعن وَهُوَ مُدَلّس. الثَّالِث: أَنه لما بلغ ذَلِك ابْن عمر قَالَ: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة على نَفسه حَتَّى حدث بِهَذَا الحَدِيث. الرَّابِع: أَن الْأَئِمَّة حملُوا الْأَمر الْوَارِد فِيهِ على الِاسْتِحْبَاب، وَقيل فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: إِنَّه مَعْلُول لم يسمعهُ أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَبَين الْأَعْمَش وَبَين أبي صَالح كَلَام، وَنسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن الْعَرَبِيّ، وَقَالَ الْأَثْرَم: سَمِعت أَحْمد يسْأَل عَن الِاضْطِجَاع؟ قَالَ: مَا أَفعلهُ أَنا. قلت: فَإِن فعله رجل ثمَّ سكت كَأَنَّهُ لم يعبه إِن فعله، قيل لَهُ: لِمَ لَا تَأْخُذ بِهِ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث يثبت. قلت: لَهُ حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: رَوَاهُ بَعضهم مُرْسلا. فَإِن قلت: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد

احْتج بِهِ الْأَئِمَّة السِّتَّة وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن سعد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان؟ قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن الْأَجْوِبَة الْبَاقِيَة تَكْفِي لدفع الْوُجُوب بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة. القَوْل الرَّابِع: أَنه بِدعَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ من الصَّحَابَة: عبد الله بن مَسْعُود وَابْن عمر على اخْتِلَاف عَنهُ، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة إِبْرَاهِيم قَالَ: قَالَ عبد الله: مَا بَال الرجل إِذا صلى الرَّكْعَتَيْنِ يتمعك كَمَا تتمعك الدَّابَّة وَالْحمار، إِذا سلم فقد فصل، وروى أَيْضا ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر فِي السّفر والحضر فَمَا رَأَيْته اضْطجع بعد الرَّكْعَتَيْنِ: وَمن رِوَايَة سعيد بن الْمسيب قَالَ: رأى ابْن عمر رجلا يضطجع بَين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: أحصبوه، وَمن رِوَايَة أبي مجلز، قَالَ: سَأَلت ابْن عمر عَن ضجعة الرجل على يَمِينه بعد الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر؟ قَالَ: يتلعب بكم الشَّيْطَان، وَمن رِوَايَة زيد الْعمي عَن أبي الصّديق النَّاجِي، قَالَ: رأى ابْن عمر قوما اضطجعوا بعد رَكْعَتي الْفجْر، فَأرْسل إِلَيْهِم فنهاهم، فَقَالُوا: نُرِيد بذلك السّنة، فَقَالَ ابْن عمر: إرجع إِلَيْهِم فَأخْبرهُم أَنَّهَا بِدعَة. وَمِمَّنْ كره ذَلِك من التَّابِعين: الْأسود بن زيد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: وَقَالَ: هِيَ ضجعة الشَّيْطَان، وَسَعِيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير، وَمن الْأَئِمَّة: مَالك ابْن أنس وَحَكَاهُ القَاضِي عِيَاض عَنهُ وَعَن جُمْهُور الْعلمَاء. القَوْل الْخَامِس: إِنَّه خلاف الأولى، روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يُعجبهُ الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر. القَوْل السَّادِس: أَنه لَيْسَ مَقْصُودا لذاته، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود الْفَصْل بَين رَكْعَتي الْفجْر وَبَين الْفَرِيضَة إِمَّا باضطجاع أَو حَدِيث أَو غير ذَلِك، وَهُوَ محكي عَن الشَّافِعِي كَمَا ذكرنَا.

النَّوْع الثَّالِث: أَنه على قَول من يرَاهُ مُسْتَحبا أَو سنة أَن يكون على يَمِينه لوُرُود الحَدِيث بِهِ، كَذَلِك، وَهل تحصل سنة الِاضْطِجَاع بِكَوْنِهِ على شقَّه الإيسر، أما مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك فَالظَّاهِر أَنه لَا تحصل بِهِ السّنة لعدم مُوَافَقَته لِلْأَمْرِ، وَأما إِذا كَانَ بِهِ ضَرَر فِي الشق الْأَيْمن لَا يُمكن مَعَه الِاضْطِجَاع أَو يُمكن لَكِن مَعَ مشقة، فَهَل يضطجع على الْيَسَار إو يُشِير إِلَى الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الْأَيْمن لعَجزه عَن كَمَاله كَمَا يفعل من عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود فِي الصَّلَاة؟ قَالَ شَيخنَا زين الدّين: لم أر لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نصا وَجزم ابْن حزم بِأَنَّهُ يُشِير إِلَى الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الْأَيْمن وَلَا يضطجع على الْأَيْسَر.

النَّوْع الرَّابِع: فِي الْحِكْمَة على الْجَانِب الْأَيْمن، وَهِي أَن الْقلب فِي جِهَة الْيَسَار، فَإِذا نَام على الْيَسَار استغرق فِي النّوم لاستراحته بذلك، وَإِذا نَام على جِهَة الْيَمين تعلق فِي نَومه فَلَا يسْتَغْرق.

٤٢ - (بابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ولَمْ يَضْطَجِعْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تحدث بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَالْحَال أَنه لم يضطجع، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن الاضطجاح لم يكن إلَاّ للفصل بَين رَكْعَتي الْفجْر وَبَين الْفَرِيضَة، وَأَن الْفَصْل أعمل من أَن يكون بالاضطجاع أَو بِالْحَدِيثِ أَو بالتحول من مَكَانَهُ.

١٦١١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ الحَكَمِ قَالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني سالِمٌ أبُو النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ إذَا صلَّى فإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حدَّثَنِي وَإلَاّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا صلى رَكْعَتي الفحر، وَكَانَت عَائِشَة مستيقظة كَانَ يتحدث مَعهَا، وَلَا يضطجع، فَدلَّ ذَلِك أَن الِاضْطِجَاع لَا يتَعَيَّن للفصل كَمَا ذكرنَا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: الْعَبْدي، بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: النَّيْسَابُورِي، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي التَّيْمِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري كَمَا ذكرنَا، وسُفْيَان مكي وَسَالم وَأَبُو سَلمَة مدنيان.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً: تِسْعًا قَائِمًا، وَرَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.

قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ) أَيْ: بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ: ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى مِنَ الصُّبْحِ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَدًا) اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: كَانَ الْحَسَنُ يَرَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاجِبَتَيْنِ. وَالْمُرَادُ بِالْفَجْرِ هُنَا: صَلَاةُ الصُّبْحِ. وَنَقَلَ الْمَرْغِينَانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ صَلَّاهُمَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِلْقَدِيمِ فِي أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَفْضَلُ التَّطَوُّعَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: أَفْضَلُهَا الْوِتْرُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَفْضَلُهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ أَبَدًا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا الْمَاضِي فَيُؤَكَّدُ بِقَطُّ، وَيُجَابُ عَنِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهَا ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ إِجْرَاءً لِلْمَاضِي مَجْرَى الْمُسْتَقْبَلِ، كَأَنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُ لَا يَتْرُكُهُ.

٢٣ - بَاب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ

١١٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الضِّجْعَةِ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى إِرَادَةِ الْمَرَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَبُو الْأَسْوَدِ) هُوَ النَّوْفَلِيُّ يَتِيمُ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْقَلْبَ فِي وَجْهِهِ الْيَسَارُ، فَلَوِ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ لَاسْتَغْرَقَ نَوْمًا، لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي الرَّاحَةِ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ، فَيَكُونُ الْقَلْبُ مُعَلَّقًا فَلَا يَسْتَغْرِقُ، وَفِيهِ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا إِنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ الِاضْطِجَاعَ، وَقَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: هِيَ ضِجْعَةُ الشَّيْطَانِ، كَمَا أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا الْأَمْرُ بِفِعْلِهِ، وَكَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ تَحَتُّمَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: إِذَا سَلَّمَ فَقَدْ فَصَلَ. وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، فَإِنَّهُ شَذَّ بِذَلِكَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِحَصْبِ مَنِ اضْطَجَعَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْجِبُهُ الِاضْطِجَاعُ، وَأَرْجَحُ الْأَقْوَالِ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِلْفَصْلِ، لَكِنْ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٤ - بَاب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ

١١٦١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سنة الفجر، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يَضْطَجِعَ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ الْوَارِدَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ الرَّاحَةُ وَالنَّشَاطُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إِلَّا لِلمتَّهَجُّدِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْطَجِعَ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «رسول الله» (ﷺ العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى) وللحَمُّويي (١) والمُستملي: «وصلَّى» بواو العطف (ثَمَانَ رَكَعَاتٍ) بفتح النُّون، وهو شاذٌّ، ولأبي ذَرٍّ: «ثمانِيَ» بكسرها ثمَّ ياءٌ مفتوحةٌ على الأصل (وَرَكْعَتَيْنِ) حال كونه (جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ): أذان الصُّبح وإقامته، ولمسلمٍ: «ركعتين خفيفتين بين النِّداء والإقامة» (وَلَمْ يَكُنْ) ﵊ (يَدَعُهُمَا) يتركهما، وفي «اليونينيَّة» بسكون عَين «يدعْهما» بدلُ فعلٍ من فعلٍ، أي: لم يدعهما على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] (أَبَدًا) نصبٌ على الظَّرفيَّة، واستعمله للماضي (٢) وإن كان المقرَّر استعماله للمستقبل، و «قَطُّ» للماضي؛ للمبالغة إجراءً للماضي مجرى المستقبل، كأنَّ ذلك دأبه لا يتركه، واستدلَّ به القائل بالوجوب، وهو مرويٌّ عن الحسن البصريِّ، كما أخرجه عنه (٣) ابن أبي شيبة، واستدلَّ به بعض الشَّافعيَّة للقديم: في أنَّها أفضل التَّطوُّعات، والجديد: أنَّ أفضلها الوتر.

ورواته ما بين بصريٍّ ومصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديثُ، والعنعنة، والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(٢٣) (باب الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) بكسر الضِّاد من الضَّجعة؛ لأنَّ المراد: الهيئة، ويجوز الفتح على إرادة (٤) المرَّة.

١١٦٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) مِن

الزِّيادة قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاصٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو (١) الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن النَّوفليُّ، يتيم عروة (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ) لأنَّه كان يحبُّ التَّيمُّن (٢) في شأنه كلِّه، أو تشريعٌ لنا؛ لأنَّ القلب في جهة اليسار، فلو اضطجع عليه (٣) لاستغرق نومًا؛ لكونه أبلغ في الرَّاحة، بخلاف اليمين فيكون معلَّقًا، فلا يستغرق، وهذا بخلافه ﷺ؛ لأنَّ عينه تنام ولا ينام قلبه، وروى أبو داود بإسنادٍ على شرط الشَّيخين: «إذا صلَّى أحدكم الرَّكعتين قبل الصُّبح فليضطجع على يمينه»، فقال مروان بن الحكم: أَمَا يجزئ أحدنا ممشاه في (٤) المسجد حتَّى يضطجع على يمينه؟ قال: لا، واستدلَّ به ابن حزمٍ على وجوبهما (٥)، وأُجِيبَ بحمل الأمر فيه على الاستحباب، فإنْ لم يفصل بالاضطجاع فبحديثٍ أو تحوُّلٍ من (٦) مكانه أو نحوهما. واستحبَّ البغويُّ في «شرح السُّنَّة» الاضطجاع بخصوصه، واختاره في «شرح المهذَّب» للحديث السَّابق، وقال: فإن تعذَّر عليه فصل بكلامٍ، وأمَّا إنكار ابن مسعودٍ الاضطجاع، وقول إبراهيم النَّخعيِّ: هي ضجعة الشَّيطان، كما أخرجه ابن أبي شيبة؛ فهو محمولٌ على أنَّه لم يبلغهما الأمر بفعله، وكلام ابن مسعودٍ يدلُّ على أنَّه إنَّما أنكر تحتُّمه، فإنَّه قال في آخر كلامه: إذا سلَّم فقد فَصَل.

(٢٤) (باب مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ) سنَّة الفجر (وَلَمْ يَضْطَجِعْ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: تَأْكِيد رَكْعَتي الْفجْر وأنهما من أشرف التَّطَوُّع لمواظبته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَلَيْهِمَا وملازمته لَهما، وَعند الْمَالِكِيَّة خلاف: هَل هِيَ سنة أَو من الرغائب؟ فَالصَّحِيح عِنْدهم أَنَّهَا سنة، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الْعلمَاء، وَذهب الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى وُجُوبهَا وَهُوَ شَاذ لَا أصل لَهُ، نَقله صَاحب (التَّوْضِيح) فَإِن قلت: الَّذِي ذكرته يدل على الْوُجُوب كَمَا قَالَه الْحسن، وَلِهَذَا ذكر المرغيناني عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا وَاجِبَة. وَفِي (جَامع المحبوبي) : روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: لَو صلى سنة الْفجْر قَاعِدا بِلَا عذر لَا يجوز؟ قلت: إِنَّمَا لم يقل بِوُجُوبِهَا لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سَاقهَا مَعَ سَائِر السّنَن فِي حَدِيث المثابرة، هَكَذَا قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَيْسَ فِيهِ مَا يشفي العليل، وَقد روى أَحَادِيث كَثِيرَة فِي رَكْعَتي الْفجْر مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا تدعوا رَكْعَتي الفحر وَلَو طردتكم الْخَيل) أَي: الفرسان، وَهَذَا كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة وحث عَظِيم على مواظبتهما، وَبِه اسْتدلَّ أَصْحَابنَا أَن الرجل إِذا انْتهى إِلَى الإِمَام فِي صَلَاة الْفجْر وَهُوَ لم يصل رَكْعَتي الْفجْر إِن خشِي أَن تفوته رَكْعَة وَيدْرك الْأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتي الْفجْر عِنْد بَاب الْمَسْجِد ثمَّ يدْخل، وَلَا يتركهما، وَأما إِذا خشِي فَوت الْفَرْض فَحِينَئِذٍ يدْخل مَعَ الإِمَام وَلَا يُصَلِّي. ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يقضيهما فِيهِ، فأظهر أَقْوَال الشَّافِعِي: يقْضِي مُؤَبَّدًا وَلَو بعد الصُّبْح، وَهُوَ قَول عَطاء وطاووس، وَرِوَايَة عَن ابْن عمر وأبى ذَلِك مَالك وَنَقله عَن ابْن بطال عَن أَكثر الْعلمَاء، وَقَالَت طَائِفَة: يقضيهما بعد طُلُوع الشَّمْس، رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَرِوَايَة الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي، وَقَالَ مَالك وَمُحَمّد بن الْحسن: يقضيهما بعد الطُّلُوع إِن أحب. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف: لَا يقضيهما. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سعيد بن هِشَام (عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ نَحوه، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وروى مُسلم أَيْضا من حَدِيث سعيد بن هِشَام (عَن عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي شَأْن الرَّكْعَتَيْنِ عِنْد طُلُوع الْفجْر: لَهما أحب من الدُّنْيَا جَمِيعًا) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي زِيَاد الْكِنْدِيّ (عَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه حَدثهُ أَنه أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليؤذنه بِصَلَاة الْغَدَاة) الحَدِيث، وَفِيه: (أَن بِلَالًا قَالَ لَهُ: أَصبَحت جدا، قَالَ: أَصبَحت جدا؟ قَالَ: لَو أَصبَحت أَكثر مِمَّا أَصبَحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما) وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يسَار مولى ابْن عمر عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا صَلَاة بعد الْفجْر إلَاّ سَجْدَتَيْنِ) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث لَا صَلَاة بعد طُلُوع الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، من رِوَايَة مطر الْوراق عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: لَا صَلَاة إِذا طلع الْفجْر إلَاّ رَكْعَتَيْنِ) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة زيد بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر (عَن حَفْصَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا طلع الْفجْر لَا يُصَلِّي إلَاّ رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة رشيد بن كريب عَن أَبِيه عَن جده (عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمن اللَّيْل فسبحه وإدبار النُّجُوم} (الطّور: ٩٤) . قَالَ: رَكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ من حَدِيث قيس بن فَهد (رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي بعد صَلَاة الْفجْر رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي لم أكن صليت الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلهمَا فصليتهما الْآن، فَسكت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل، وَأخرجه ابْن أبي خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَلَفظه: (مَا هَاتَانِ الركعتان؟ قَالَ: يَا رَسُول الله رَكعَتَا الْفجْر لم أكن أصليهما فهما هَاتَانِ. قَالَ: فَسكت عَنهُ) . وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٣٢ - (بابُ الضَّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِّ الفَجْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الضجعة إِلَى آخِره، والضجعة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَكسرهَا، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكسر يدل على الْهَيْئَة وَالْفَتْح على الْمرة، من: ضجع يضجع ضجعا وضجوعا، إِذا وضع جنبه بِالْأَرْضِ.

٠٦١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي أيُّوبَ قالَ حدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا صلَّى

رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَشَيْخه وَشَيخ شَيْخه قد ذكرُوا فِي الْبَاب السَّابِق، وَأَبُو الْأسود، ضد الْأَبْيَض: اسْمه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بيتيم عُرْوَة مر فِي: بَاب الْجنب يتَوَضَّأ، وَعُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام.

الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذَا الحَدِيث يدل على أَن الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَنْهَا: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر، فَإِن كنت مستيقظة حَدثنِي وإلَاّ اضْطجع) . فَهَذَا يدل على أَنه تَارَة يضطجع قبل، وَتارَة بعد، وَتارَة لَا يضطجع. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي الْوتر، يدل على أَنه قبلهمَا، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ) ، فَذكره مكررا ثمَّ قَالَ: (ثمَّ أوتر ثمَّ اضْطجع حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذّن فَقَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ خرج فصلى الصُّبْح) وَهَذَا يُصَرح بِأَن اضطجاعه كَانَ قبل رَكْعَتي الْفجْر، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه: كَانَ إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر اضْطجع، والتوفيق بَين هَذِه الرِّوَايَات أَن الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه قبل رَكْعَتي الْفجْر لَا تَسْتَلْزِم نَفْيه بعدهمَا، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَة الَّتِي تدل على أَنه بعدهمَا لَا تَسْتَلْزِم نَفْيه قبلهمَا، أَو يحمل تَركه إِيَّاه قبلهمَا أَو بعدهمَا على بَيَان الْجَوَاز إِذا ثَبت التّرْك، وَإِذا أمكن الْجمع بَين الْأَحَادِيث الْمُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا فِي الظَّاهِر تحمل على وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا، لِأَن الْعَمَل بِالْكُلِّ مَعَ الْإِمْكَان أولى من إهمال بَعْضهَا.

النَّوْع الثَّانِي: فِي أَن هَذِه الضجعة سنة أَو مُسْتَحبَّة أَو وَاجِبَة أَو غير ذَلِك؟ فَفِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن بعدهمْ على سِتَّة أَقْوَال. أَحدهَا: أَنه سنة، وَإِلَيْهِ ذهب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : وَالصَّحِيح أَو الصَّوَاب أَن الِاضْطِجَاع بعد سنة الْفجْر سنة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) : وَقد أَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى أَن الِاضْطِجَاع الْمَنْقُول فِي الْأَحَادِيث للفصل بَين النَّافِلَة وَالْفَرِيضَة، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك الْفَصْل بالاضطجاع أَو التحدث أَو التَّحَوُّل من ذَلِك الْمَكَان إِلَى غَيره أَو غَيره، والاضطجاع غير مُتَعَيّن فِي ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : الْمُخْتَار الِاضْطِجَاع. القَوْل الثَّانِي: أَنه مُسْتَحبّ، وروى ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، وهم: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَأَبُو هُرَيْرَة، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من التَّابِعين، وهم: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعُرْوَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعُرْوَة بن الزبير وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد بن ثَابت وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَسليمَان بن يسَار، وَكَانُوا يضطجعون على أَيْمَانهم بَين رَكْعَتي الْفجْر وَصَلَاة الصُّبْح. القَوْل الثَّالِث: أَنه وَاجِب، مفترض لَا بُد من الْإِتْيَان بِهِ، وَهُوَ قَول أبي مُحَمَّد بن حزم، فَقَالَ: وَمن ركع رَكْعَتي الْفجْر لم تجزه صَلَاة الصُّبْح إلَاّ بِأَن يضطجع على جنبه الْأَيْمن بَين سَلَامه من رَكْعَتي الْفجْر وَبَين تكبيره لصَلَاة الصُّبْح، وَسَوَاء ترك الضجعة عمدا أَو نِسْيَانا، وَسَوَاء صلاهَا فِي وَقتهَا أَو صلاهَا قَاضِيا لَهَا من نِسْيَان أَو نوم، وَإِن لم يصل رَكْعَتي الْفجْر لم يلْزمه أَن يضطجع، وَاسْتدلَّ فِيهِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُسَدّد وَأَبُو كَامِل وَعبيد الله بن عَمْرو بن ميسرَة، قَالُوا: حَدثنَا عبد الْوَاحِد حَدثنَا الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا صلى أحدكُم الرَّكْعَتَيْنِ قبل الصُّبْح فليضطجع على يَمِينه. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب، وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه (عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا صلى رَكْعَتي الْفجْر اضْطجع) ، فَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد يخبر عَن أمره، وَمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه يخبر عَن فعله، وَأَجَابُوا عَن هَذَا بأجوبة. الأول: أَن عبد الْوَاحِد الرَّاوِي عَن الْأَعْمَش قد تكلم فِيهِ، فَعَن يحيى: أَنه لَيْسَ بِشَيْء، وَعَن عَمْرو بن عَليّ الفلاس: سَمِعت أَبَا دَاوُد قَالَ: عمد عبد الْوَاحِد إِلَى أَحَادِيث كَانَ يرسلها الْأَعْمَش فوصلها، يَقُول: حَدثنَا الْأَعْمَش حَدثنَا مُجَاهِد فِي كَذَا وَكَذَا. الثَّانِي: أَن الْأَعْمَش قد عنعن وَهُوَ مُدَلّس. الثَّالِث: أَنه لما بلغ ذَلِك ابْن عمر قَالَ: أَكثر أَبُو هُرَيْرَة على نَفسه حَتَّى حدث بِهَذَا الحَدِيث. الرَّابِع: أَن الْأَئِمَّة حملُوا الْأَمر الْوَارِد فِيهِ على الِاسْتِحْبَاب، وَقيل فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة: إِنَّه مَعْلُول لم يسمعهُ أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَبَين الْأَعْمَش وَبَين أبي صَالح كَلَام، وَنسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن الْعَرَبِيّ، وَقَالَ الْأَثْرَم: سَمِعت أَحْمد يسْأَل عَن الِاضْطِجَاع؟ قَالَ: مَا أَفعلهُ أَنا. قلت: فَإِن فعله رجل ثمَّ سكت كَأَنَّهُ لم يعبه إِن فعله، قيل لَهُ: لِمَ لَا تَأْخُذ بِهِ؟ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ حَدِيث يثبت. قلت: لَهُ حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: رَوَاهُ بَعضهم مُرْسلا. فَإِن قلت: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد

احْتج بِهِ الْأَئِمَّة السِّتَّة وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن سعد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان؟ قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن الْأَجْوِبَة الْبَاقِيَة تَكْفِي لدفع الْوُجُوب بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة. القَوْل الرَّابِع: أَنه بِدعَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ من الصَّحَابَة: عبد الله بن مَسْعُود وَابْن عمر على اخْتِلَاف عَنهُ، فروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة إِبْرَاهِيم قَالَ: قَالَ عبد الله: مَا بَال الرجل إِذا صلى الرَّكْعَتَيْنِ يتمعك كَمَا تتمعك الدَّابَّة وَالْحمار، إِذا سلم فقد فصل، وروى أَيْضا ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة مُجَاهِد، قَالَ: صَحِبت ابْن عمر فِي السّفر والحضر فَمَا رَأَيْته اضْطجع بعد الرَّكْعَتَيْنِ: وَمن رِوَايَة سعيد بن الْمسيب قَالَ: رأى ابْن عمر رجلا يضطجع بَين الرَّكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: أحصبوه، وَمن رِوَايَة أبي مجلز، قَالَ: سَأَلت ابْن عمر عَن ضجعة الرجل على يَمِينه بعد الرَّكْعَتَيْنِ قبل صَلَاة الْفجْر؟ قَالَ: يتلعب بكم الشَّيْطَان، وَمن رِوَايَة زيد الْعمي عَن أبي الصّديق النَّاجِي، قَالَ: رأى ابْن عمر قوما اضطجعوا بعد رَكْعَتي الْفجْر، فَأرْسل إِلَيْهِم فنهاهم، فَقَالُوا: نُرِيد بذلك السّنة، فَقَالَ ابْن عمر: إرجع إِلَيْهِم فَأخْبرهُم أَنَّهَا بِدعَة. وَمِمَّنْ كره ذَلِك من التَّابِعين: الْأسود بن زيد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: وَقَالَ: هِيَ ضجعة الشَّيْطَان، وَسَعِيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير، وَمن الْأَئِمَّة: مَالك ابْن أنس وَحَكَاهُ القَاضِي عِيَاض عَنهُ وَعَن جُمْهُور الْعلمَاء. القَوْل الْخَامِس: إِنَّه خلاف الأولى، روى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن الْحسن أَنه كَانَ لَا يُعجبهُ الِاضْطِجَاع بعد رَكْعَتي الْفجْر. القَوْل السَّادِس: أَنه لَيْسَ مَقْصُودا لذاته، وَإِنَّمَا الْمَقْصُود الْفَصْل بَين رَكْعَتي الْفجْر وَبَين الْفَرِيضَة إِمَّا باضطجاع أَو حَدِيث أَو غير ذَلِك، وَهُوَ محكي عَن الشَّافِعِي كَمَا ذكرنَا.

النَّوْع الثَّالِث: أَنه على قَول من يرَاهُ مُسْتَحبا أَو سنة أَن يكون على يَمِينه لوُرُود الحَدِيث بِهِ، كَذَلِك، وَهل تحصل سنة الِاضْطِجَاع بِكَوْنِهِ على شقَّه الإيسر، أما مَعَ الْقُدْرَة على ذَلِك فَالظَّاهِر أَنه لَا تحصل بِهِ السّنة لعدم مُوَافَقَته لِلْأَمْرِ، وَأما إِذا كَانَ بِهِ ضَرَر فِي الشق الْأَيْمن لَا يُمكن مَعَه الِاضْطِجَاع أَو يُمكن لَكِن مَعَ مشقة، فَهَل يضطجع على الْيَسَار إو يُشِير إِلَى الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الْأَيْمن لعَجزه عَن كَمَاله كَمَا يفعل من عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود فِي الصَّلَاة؟ قَالَ شَيخنَا زين الدّين: لم أر لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نصا وَجزم ابْن حزم بِأَنَّهُ يُشِير إِلَى الِاضْطِجَاع على الْجَانِب الْأَيْمن وَلَا يضطجع على الْأَيْسَر.

النَّوْع الرَّابِع: فِي الْحِكْمَة على الْجَانِب الْأَيْمن، وَهِي أَن الْقلب فِي جِهَة الْيَسَار، فَإِذا نَام على الْيَسَار استغرق فِي النّوم لاستراحته بذلك، وَإِذا نَام على جِهَة الْيَمين تعلق فِي نَومه فَلَا يسْتَغْرق.

٤٢ - (بابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ولَمْ يَضْطَجِعْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تحدث بعد رَكْعَتي الْفجْر، وَالْحَال أَنه لم يضطجع، وَأَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى أَن الاضطجاح لم يكن إلَاّ للفصل بَين رَكْعَتي الْفجْر وَبَين الْفَرِيضَة، وَأَن الْفَصْل أعمل من أَن يكون بالاضطجاع أَو بِالْحَدِيثِ أَو بالتحول من مَكَانَهُ.

١٦١١ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ الحَكَمِ قَالَ حدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثني سالِمٌ أبُو النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ إذَا صلَّى فإنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حدَّثَنِي وَإلَاّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا صلى رَكْعَتي الفحر، وَكَانَت عَائِشَة مستيقظة كَانَ يتحدث مَعهَا، وَلَا يضطجع، فَدلَّ ذَلِك أَن الِاضْطِجَاع لَا يتَعَيَّن للفصل كَمَا ذكرنَا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: الْعَبْدي، بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: النَّيْسَابُورِي، مَاتَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر الْقرشِي التَّيْمِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه نيسابوري كَمَا ذكرنَا، وسُفْيَان مكي وَسَالم وَأَبُو سَلمَة مدنيان.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 30%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56