«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤١٩

الحديث رقم ١٤١٩ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤١٩ في صحيح البخاري

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ.»

بَابٌ:

إسناد حديث البخاري رقم ١٤١٩

١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤١٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَالشَّيْءُ الْمَذْكُورُ كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ.)

قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو عَقِيلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي عَقِيلٍ لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ عَلَى النَّزْحِ مِنَ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا) سُمِّيَ مِنَ اللَّامِزِينَ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَبْتَلَ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ.

قَوْلُهُ: (يَلْمِزُونَ) أَيْ يَعِيبُونَ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) أَيْ: ابْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَيُحَامِلُ) بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامُ مَضْمُومَةٌ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّفْسِيرِ: فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ.

قَوْلُهُ: (فَيُصِيبُ الْمُدَّ) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ أُجْرَتِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَإِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ بَعْدَهُ مِنَ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانُوا فِي الْعَهْدِ الْأَوَّلِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ وَلَوْ جَهِدُوا، وَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ آخِرًا بِخِلَافِ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

ثَانِيَهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهُوَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِشِقِّ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ: نِصْفُهَا أَوْ جَانِبُهَا، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الِاتِّقَاءُ بِالتَّصَدُّقِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَابًا، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: يَا عَائِشَةُ، اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الْجَائِعِ مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُهُ، وَأَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ: تَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعُهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَكَأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ حَلَاوَتُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ وَمَا جَلَّ، وَأَنْ لَا يَحْتَقِرَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الصَّدَقَةِ يَسْتُرُ الْمُتَصَدِّقَ مِنَ النَّارِ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ، وَفِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْإِحْسَانِ، وَلَفْظُهُ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأُمَّ الْمَذْكُورَةَ لَمَّا قَسَمَتِ التَّمْرَةَ بَيْنَ ابْنَتَيْهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شِقُّ تَمْرَةٍ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهَا مِمَّنْ سُتِرَ مِنَ النَّارِ لِأَنَّهَا مِمَّنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ فَأَحْسَنَ، وَمُنَاسَبَةُ فِعْلِ عَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلِلْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ: فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ، وَفِيهِ شِدَّةُ حِرْصِ عَائِشَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ امْتِثَالًا لِوَصِيَّتِهِ لَهَا حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْجِعُ مِنْ عِنْدِكِ سَائِلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

١١ - بَاب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ

لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الآية.

١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ … الآية [المنافقون: ١٠]) أي: يرى دلائله، وفي بعض الأصول «إلى خاتمتها» بدل قوله: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه، أو (١) الإنفاق في سبيل الخير مطلقًا (﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ … الآية [البقرة: ٢٥٤]) أي: من قبل أن يأتي يومٌ لا تقدرون فيه على تحصيل ما فرَّطتم؛ إذ لا بيع فيه فتحصِّلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب، ولا خُلَّة حتَّى تعينكم عليه أخلَّاؤكم، ولا شفاعة إلَّا لمن أذن له الرَّحمن حتَّى تتَّكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطِّ ما في ذممكم، فمناسبة الآية للتَّرجمة -كما نبَّه عليه ابن المُنيِّر- من حيث إنَّ الآية معناها: التَّحذير من التَّسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل والتَّرغيب في المبادرة بالصَّدقة قبل هجوم المنيَّة وفوات الأمنية، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ: «باب فضل صدقة الشَّحيح الصَّحيح» فأسقط الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المُؤذِن بالتَّردُّد، ثمَّ إنَّه في رواية أبي ذرٍّ قدَّم آية «البقرة» على آية «المنافقون» فقال: «لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية» [المنافقون: ١٠].

١٤١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، و «القعْقاع» بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ آخره عينٌ مهملتين (٢)، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، قِيلَ: يحتمل أن يكون أبا ذَرٍّ؛ لأنَّه ورد في

«مسند أحمد» أنَّه سأل: أيُّ الصَّدقة أفضل؟ وكذا عند الطَّبرانيِّ، لكنَّه أُجيب: «جهدٌ من (١) مُقِلٍّ أو سِرٌّ إلى فقيرٍ» (٢) (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ:) أعظم الصَّدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) بتخفيف الصَّاد وحذف إحدى التَّاءين، أو بإبدال إحدى التَّاءين صادًا وإدغامها في الصَّاد، وهي في (٣) موضع رفعٍ، خبر المبتدأ المحذوف (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (شَحِيحٌ) حال كونك (تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى) بضمِّ الميم، أي: تطمع في الغنى، لمجاهدة النَّفس حينئذٍ على إخراج المال مع قيام المانع، وهو الشُّحُّ، إذ فيه دلالةٌ على صحَّة القصد، وقوَّة الرَّغبة في القربة (وَلَا تُمْهِلُْ) بالجزم على النَّهي، أو بالنَّصب، عطفًا (٤) على «أن تصدَّقَ»، أو بالرَّفع، وهو الذي في «اليونينيَّة» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) الرُّوح، أي: قاربت (الحُلْقُومَ) بضمِّ الحاء المهملة، مجرى النَّفس عند الغرغرة (قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا) كنايةٌ عن المُوصَى له والموصى به فيهما (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا (٥) زاد على الثُّلث، أو أوصى به لوارثٍ آخر، والمعنى: تصدَّق في حال صحَّتك، واختصاص المال بك، وشحِّ نفسك بأن تقول: لا تتلف مالك، لئلَّا (٦) تصير فقيرًا، لا في حال سقمك وسياق موتك؛ لأنَّ المال حينئذٍ خرج منك وتعلَّق بغيرك.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَالشَّيْءُ الْمَذْكُورُ كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ.)

قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو عَقِيلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي عَقِيلٍ لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ عَلَى النَّزْحِ مِنَ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا) سُمِّيَ مِنَ اللَّامِزِينَ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَبْتَلَ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ.

قَوْلُهُ: (يَلْمِزُونَ) أَيْ يَعِيبُونَ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) أَيْ: ابْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَيُحَامِلُ) بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامُ مَضْمُومَةٌ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّفْسِيرِ: فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ.

قَوْلُهُ: (فَيُصِيبُ الْمُدَّ) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ أُجْرَتِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَإِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ بَعْدَهُ مِنَ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانُوا فِي الْعَهْدِ الْأَوَّلِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ وَلَوْ جَهِدُوا، وَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ آخِرًا بِخِلَافِ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

ثَانِيَهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهُوَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِشِقِّ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ: نِصْفُهَا أَوْ جَانِبُهَا، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الِاتِّقَاءُ بِالتَّصَدُّقِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَابًا، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: يَا عَائِشَةُ، اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الْجَائِعِ مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُهُ، وَأَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ: تَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعُهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَكَأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ حَلَاوَتُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ وَمَا جَلَّ، وَأَنْ لَا يَحْتَقِرَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الصَّدَقَةِ يَسْتُرُ الْمُتَصَدِّقَ مِنَ النَّارِ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ، وَفِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْإِحْسَانِ، وَلَفْظُهُ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأُمَّ الْمَذْكُورَةَ لَمَّا قَسَمَتِ التَّمْرَةَ بَيْنَ ابْنَتَيْهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شِقُّ تَمْرَةٍ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهَا مِمَّنْ سُتِرَ مِنَ النَّارِ لِأَنَّهَا مِمَّنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ فَأَحْسَنَ، وَمُنَاسَبَةُ فِعْلِ عَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلِلْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ: فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ، وَفِيهِ شِدَّةُ حِرْصِ عَائِشَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ امْتِثَالًا لِوَصِيَّتِهِ لَهَا حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْجِعُ مِنْ عِنْدِكِ سَائِلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

١١ - بَاب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ

لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الآية.

١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ … الآية [المنافقون: ١٠]) أي: يرى دلائله، وفي بعض الأصول «إلى خاتمتها» بدل قوله: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه، أو (١) الإنفاق في سبيل الخير مطلقًا (﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ … الآية [البقرة: ٢٥٤]) أي: من قبل أن يأتي يومٌ لا تقدرون فيه على تحصيل ما فرَّطتم؛ إذ لا بيع فيه فتحصِّلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب، ولا خُلَّة حتَّى تعينكم عليه أخلَّاؤكم، ولا شفاعة إلَّا لمن أذن له الرَّحمن حتَّى تتَّكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطِّ ما في ذممكم، فمناسبة الآية للتَّرجمة -كما نبَّه عليه ابن المُنيِّر- من حيث إنَّ الآية معناها: التَّحذير من التَّسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل والتَّرغيب في المبادرة بالصَّدقة قبل هجوم المنيَّة وفوات الأمنية، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ: «باب فضل صدقة الشَّحيح الصَّحيح» فأسقط الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المُؤذِن بالتَّردُّد، ثمَّ إنَّه في رواية أبي ذرٍّ قدَّم آية «البقرة» على آية «المنافقون» فقال: «لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية» [المنافقون: ١٠].

١٤١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، و «القعْقاع» بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ آخره عينٌ مهملتين (٢)، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، قِيلَ: يحتمل أن يكون أبا ذَرٍّ؛ لأنَّه ورد في

«مسند أحمد» أنَّه سأل: أيُّ الصَّدقة أفضل؟ وكذا عند الطَّبرانيِّ، لكنَّه أُجيب: «جهدٌ من (١) مُقِلٍّ أو سِرٌّ إلى فقيرٍ» (٢) (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ:) أعظم الصَّدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) بتخفيف الصَّاد وحذف إحدى التَّاءين، أو بإبدال إحدى التَّاءين صادًا وإدغامها في الصَّاد، وهي في (٣) موضع رفعٍ، خبر المبتدأ المحذوف (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (شَحِيحٌ) حال كونك (تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى) بضمِّ الميم، أي: تطمع في الغنى، لمجاهدة النَّفس حينئذٍ على إخراج المال مع قيام المانع، وهو الشُّحُّ، إذ فيه دلالةٌ على صحَّة القصد، وقوَّة الرَّغبة في القربة (وَلَا تُمْهِلُْ) بالجزم على النَّهي، أو بالنَّصب، عطفًا (٤) على «أن تصدَّقَ»، أو بالرَّفع، وهو الذي في «اليونينيَّة» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) الرُّوح، أي: قاربت (الحُلْقُومَ) بضمِّ الحاء المهملة، مجرى النَّفس عند الغرغرة (قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا) كنايةٌ عن المُوصَى له والموصى به فيهما (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا (٥) زاد على الثُّلث، أو أوصى به لوارثٍ آخر، والمعنى: تصدَّق في حال صحَّتك، واختصاص المال بك، وشحِّ نفسك بأن تقول: لا تتلف مالك، لئلَّا (٦) تصير فقيرًا، لا في حال سقمك وسياق موتك؛ لأنَّ المال حينئذٍ خرج منك وتعلَّق بغيرك.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر