«بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٢٢

الحديث رقم ١٤٢٢ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٢٢ في صحيح البخاري

«بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ.»

بَابُ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٤٢٢

١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٢٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَعْضَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ. وَقَدْ ظَهَرَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا كُلَّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا النَّقْلَ الْأَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ) زَادَ أَبُو أُمَيَّةَ: فَقَدْ قُبِلَتْ. وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ لَهِيعَةَ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مُخْتَصَّةً بِأَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَلِهَذَا تَعَجَّبُوا مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ. وَفِيهِ أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِجْزَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفَرْضِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَلَا عَلَى الْمَنْعِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا تَضَمَّنَ قِصَّةً خَاصَّةً وَقَعَ الِاطِّلَاعُ فِيهَا عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِرُؤْيَا صَادِقَةٍ اتِّفَاقِيَّةٍ، فَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّنْصِيصَ فِي هَذَا الْخَبرِ عَلَى رَجَاءِ الِاسْتِعْفَافِ هُوَ الدَّالُّ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ، فَيَقْتَضِي ارْتِبَاطُ الْقَبُولِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ. وَفِيهِ فَضْلُ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَفَضْلُ الْإِخْلَاصِ، وَاسْتِحْبَابُ إِعَادَةِ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سِوَاهُ، وَبَرَكَةُ التَّسْلِيمِ وَالرِّضَا، وَذَمُّ التَّضَجُّرِ بِالْقَضَاءِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَقْطَعِ الْخِدْمَةَ، وَلَوْ ظَهَرَ لَكَ عَدَمُ الْقَبُولِ.

١٥ - بَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ) أَيِ الشَّخْصُ (عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ اخْتِصَارًا، وَتَقْدِيرُهُ جَازَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَمُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْخَبَرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ يَزِيدَ أَعْطَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ السَّبَبُ فِي وُقُوعِ الصَّدَقَةِ فِي يَدِ وَلَدِهِ، قَالَ: وَعَبَّرَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِنَفْيِ الشُّعُورِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِنَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ فِي السَّابِقَةِ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ إِعْطَاءِ الْفَقِيرِ فَأَخْطَأَ اجْتِهَادُهُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الْعِلْمَ، وَأَمَّا هَذَا فَبَاشَرَ التَّصَدُّقَ غَيْرُهُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ صَاحِبِ الصَّدَقَةِ الشُّعُورَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا اسْمُهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ سَمَاعُهُ منْ مَعْنٍ، وَمَعْنٌ أَمِيرٌ عَلَى غَزَاةٍ بِالرُّومِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي) اسْمُ جَدِّهِ الْأَخْنَسُ بْنُ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَوَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ لِمُطَيَّنٍ، وَتَبِعَهُ الْبَارُودِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمْ أَنَّ اسْمَ جَدِّ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ثَوْرٌ، فَتَرْجَمُوا فِي كُتُبِهِمْ بِثَوْرٍ، وَسَاقُوا حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ وَالِدِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ثَوْرٍ السُّلَمِيِّ، أَخْرَجَهُ مُطَيَّنٌ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَرَوَاهُ الْبَارُودِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ مُطَيَّنٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، عَنِ الْبَارُودِيِّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، لَمْ يُسَمُّوا جَدَّ مَعْنٍ، بَلْ تَفَرَّدَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ بِذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَظُنُّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي ثَوْرٍ السُّلَمِيِّ فَتَصَحَّفْتُ أَدَاةَ الْكُنْيَةِ بِابْنٍ، فَإِنَّ مَعْنًا كَانَ يُكَنَّى أَبَا ثَوْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ، وَابْنَهُ ثَوْرًا قُتِلَا يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ. وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا) بالقصر، كذا في الفرع وغيره، وقال ابن التِّين: رويناه بالمدِّ، وعند أبي ذرٍّ بالقصر، قال الجوهريُّ: بالقصر لأهل الحجاز، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إ﴾ [الإسراء: ٣٢] والمدُّ لأهل نجدٍ، قال الفرزدق:

ومن يشربِ الخرطومَ يصبح مُسكَرًا … أبا حاضرٍ مَنْ يَزْنِ يُعرَف زِناؤُه

(وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ) بالرَّفع فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أن يعتبرَ فينفقَ» (مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) وفيه: أنَّ الصَّدقة كانت عندهم مُختصَّةً بأهل الحاجات من أهل الخير (١)، ولهذا تعجَّبوا من الصَّدقة على هؤلاء، وأنَّ نيَّة المتصدِّق إذا كانت صالحةً قُبِلت صدقتُه، ولو لم (٢) تقع الموقع، واستحباب إعادة الصَّدقة إذا لم تقع الموقع، وهذا في صدقة التَّطوُّع، أمَّا الواجبة فلا تجزئ على غنيٍّ وإن ظنَّه فقيرًا، خلافًا لأبي حنيفة ومحمَّدٍ حيث قالا: تسقط ولا تجب عليه الإعادة.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَصَدَّقَ) الشَّخص (عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) أنَّه ابنه جاز؛ لأنَّه يصير لعدم شعوره كالأجنبيِّ، فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بنفي الشُّعور، وفيما سبق بنفي العلم؟ أُجيب بأنَّ المتصدِّق فيما سبق بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده، فناسب أن ينفي عنه العلم، وهنا باشر ذلك غيره فناسب أن ينفي عن صاحب الصَّدقة الشُّعور، قاله في «فتح الباري».

١٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي

إسحاق السَّبيعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين آخره نونٌ- ابن خُفَافٍ -بضمِّ الخاء المعجمة (١) وتخفيف الفاء الأولى- الجَرْميُّ، بفتح الجيم وسكون الرَّاء (أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، آخره نونٌ، و «يزيد» -من الزِّيادة- السُّلَمِيَّ -بضمِّ السِّين- الصَّحابيَّ ( حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ أَنَا وَأَبِي) يزيدُ الصَّحابيُّ (وَجَدِّي) الأخنس الصَّحابيُّ ابن حبيبٍ السُّلَمِيُّ (وَخَطَبَ عَلَيَّ) من الخِطبة، بكسر الخاء، أي: طلب من وليِّ المرأة أن يزوِّجها منِّي (فَأَنْكَحَنِي) أي: طلب لي النِّكاح فأجبته (وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ) ، قال الزَّركشيُّ (٢) والبرماويُّ: وكأنَّه سقط هنا من البخاريِّ ما ثبت في غيره، وهو: «فأفلجني» بالجيم، يعني (٣): حكم لي، أي: أظفرني بمرادي، يُقال: فلج الرَّجل على خصمه، إذا ظفر به (وَ كَانَ أَبِي -يَزِيدُ-) بالرَّفع، عطف بيانٍ لـ «أبي» (أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا) أي: الدَّنانير (عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ) لم يعرف اسمه الحافظ ابن حجرٍ، وأذن له أن يتصدَّق بها على المحتاج إليها إذنًا مُطلَقًا (فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا) من الرَّجل الذي أَذِن له في التَّصدُّق بها باختيارٍ منه، لا بطريق الغصب (٤) (فَأَتَيْتُهُ بِهَا) أي: أتيت أبي بالصَّدقة (فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ) على الخصوص بالصَّدقة، بل أردت عموم الفقراء، أي: من غير حجرٍ على الوكيل أن يعطي الولد، وقد كان الولد فقيرًا (فَخَاصَمْتُهُ) يعني: أباه، وهذه المخاصمة تفسيرٌ لـ «خاصمت» الأوَّل (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ) من أجر الصَّدقة (يَا يَزِيدُ) لأنَّك نويت الصَّدقة على محتاجٍ وابنك محتاجٌ (وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) لأنَّك أخذت محتاجًا إليها، وإنَّما أمضاها لأنَّه دخل في عموم الفقراء المأذون للوكيل في الصَّرف إليهم وكانت صدقة تطوُّعٍ.

وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَعْضَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ. وَقَدْ ظَهَرَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا كُلَّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا النَّقْلَ الْأَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ) زَادَ أَبُو أُمَيَّةَ: فَقَدْ قُبِلَتْ. وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ لَهِيعَةَ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مُخْتَصَّةً بِأَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَلِهَذَا تَعَجَّبُوا مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ. وَفِيهِ أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِجْزَاءِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفَرْضِ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَلَا عَلَى الْمَنْعِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَمْ يَجْزِمْ بِالْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا تَضَمَّنَ قِصَّةً خَاصَّةً وَقَعَ الِاطِّلَاعُ فِيهَا عَلَى قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِرُؤْيَا صَادِقَةٍ اتِّفَاقِيَّةٍ، فَمِنْ أَيْنَ يَقَعُ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّنْصِيصَ فِي هَذَا الْخَبرِ عَلَى رَجَاءِ الِاسْتِعْفَافِ هُوَ الدَّالُّ عَلَى تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ، فَيَقْتَضِي ارْتِبَاطُ الْقَبُولِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ. وَفِيهِ فَضْلُ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَفَضْلُ الْإِخْلَاصِ، وَاسْتِحْبَابُ إِعَادَةِ الصَّدَقَةِ إِذَا لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سِوَاهُ، وَبَرَكَةُ التَّسْلِيمِ وَالرِّضَا، وَذَمُّ التَّضَجُّرِ بِالْقَضَاءِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا تَقْطَعِ الْخِدْمَةَ، وَلَوْ ظَهَرَ لَكَ عَدَمُ الْقَبُولِ.

١٥ - بَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ

١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ) أَيِ الشَّخْصُ (عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ اخْتِصَارًا، وَتَقْدِيرُهُ جَازَ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ لِعَدَمِ شُعُورِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَمُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْخَبَرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ يَزِيدَ أَعْطَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ السَّبَبُ فِي وُقُوعِ الصَّدَقَةِ فِي يَدِ وَلَدِهِ، قَالَ: وَعَبَّرَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِنَفْيِ الشُّعُورِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِنَفْيِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ فِي السَّابِقَةِ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ إِعْطَاءِ الْفَقِيرِ فَأَخْطَأَ اجْتِهَادُهُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الْعِلْمَ، وَأَمَّا هَذَا فَبَاشَرَ التَّصَدُّقَ غَيْرُهُ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْفِيَ عَنْ صَاحِبِ الصَّدَقَةِ الشُّعُورَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَأَبُو الْجُوَيْرِيَةِ بِالْجِيمِ مُصَغَّرًا اسْمُهُ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ سَمَاعُهُ منْ مَعْنٍ، وَمَعْنٌ أَمِيرٌ عَلَى غَزَاةٍ بِالرُّومِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ.

قَوْلُهُ: (أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي) اسْمُ جَدِّهِ الْأَخْنَسُ بْنُ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَوَقَعَ فِي الصَّحَابَةِ لِمُطَيَّنٍ، وَتَبِعَهُ الْبَارُودِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَنْدَهْ، وَأَبُو نُعَيْمْ أَنَّ اسْمَ جَدِّ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ثَوْرٌ، فَتَرْجَمُوا فِي كُتُبِهِمْ بِثَوْرٍ، وَسَاقُوا حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْجَرَّاحِ وَالِدِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ثَوْرٍ السُّلَمِيِّ، أَخْرَجَهُ مُطَيَّنٌ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَرَوَاهُ الْبَارُودِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ مُطَيَّنٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، عَنِ الْبَارُودِيِّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ، لَمْ يُسَمُّوا جَدَّ مَعْنٍ، بَلْ تَفَرَّدَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ بِذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَظُنُّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي ثَوْرٍ السُّلَمِيِّ فَتَصَحَّفْتُ أَدَاةَ الْكُنْيَةِ بِابْنٍ، فَإِنَّ مَعْنًا كَانَ يُكَنَّى أَبَا ثَوْرٍ، فَقَدْ ذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ، وَابْنَهُ ثَوْرًا قُتِلَا يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ. وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا) بالقصر، كذا في الفرع وغيره، وقال ابن التِّين: رويناه بالمدِّ، وعند أبي ذرٍّ بالقصر، قال الجوهريُّ: بالقصر لأهل الحجاز، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى إ﴾ [الإسراء: ٣٢] والمدُّ لأهل نجدٍ، قال الفرزدق:

ومن يشربِ الخرطومَ يصبح مُسكَرًا … أبا حاضرٍ مَنْ يَزْنِ يُعرَف زِناؤُه

(وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ) بالرَّفع فيهما، ولأبي ذرٍّ: «أن يعتبرَ فينفقَ» (مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) وفيه: أنَّ الصَّدقة كانت عندهم مُختصَّةً بأهل الحاجات من أهل الخير (١)، ولهذا تعجَّبوا من الصَّدقة على هؤلاء، وأنَّ نيَّة المتصدِّق إذا كانت صالحةً قُبِلت صدقتُه، ولو لم (٢) تقع الموقع، واستحباب إعادة الصَّدقة إذا لم تقع الموقع، وهذا في صدقة التَّطوُّع، أمَّا الواجبة فلا تجزئ على غنيٍّ وإن ظنَّه فقيرًا، خلافًا لأبي حنيفة ومحمَّدٍ حيث قالا: تسقط ولا تجب عليه الإعادة.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَصَدَّقَ) الشَّخص (عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ) أنَّه ابنه جاز؛ لأنَّه يصير لعدم شعوره كالأجنبيِّ، فإن قلت: لِمَ عبَّر هنا بنفي الشُّعور، وفيما سبق بنفي العلم؟ أُجيب بأنَّ المتصدِّق فيما سبق بذل وسعه في طلب إعطاء الفقير فأخطأ اجتهاده، فناسب أن ينفي عنه العلم، وهنا باشر ذلك غيره فناسب أن ينفي عن صاحب الصَّدقة الشُّعور، قاله في «فتح الباري».

١٤٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي

إسحاق السَّبيعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مُصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين آخره نونٌ- ابن خُفَافٍ -بضمِّ الخاء المعجمة (١) وتخفيف الفاء الأولى- الجَرْميُّ، بفتح الجيم وسكون الرَّاء (أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة، آخره نونٌ، و «يزيد» -من الزِّيادة- السُّلَمِيَّ -بضمِّ السِّين- الصَّحابيَّ ( حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ أَنَا وَأَبِي) يزيدُ الصَّحابيُّ (وَجَدِّي) الأخنس الصَّحابيُّ ابن حبيبٍ السُّلَمِيُّ (وَخَطَبَ عَلَيَّ) من الخِطبة، بكسر الخاء، أي: طلب من وليِّ المرأة أن يزوِّجها منِّي (فَأَنْكَحَنِي) أي: طلب لي النِّكاح فأجبته (وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ) ، قال الزَّركشيُّ (٢) والبرماويُّ: وكأنَّه سقط هنا من البخاريِّ ما ثبت في غيره، وهو: «فأفلجني» بالجيم، يعني (٣): حكم لي، أي: أظفرني بمرادي، يُقال: فلج الرَّجل على خصمه، إذا ظفر به (وَ كَانَ أَبِي -يَزِيدُ-) بالرَّفع، عطف بيانٍ لـ «أبي» (أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا) أي: الدَّنانير (عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ) لم يعرف اسمه الحافظ ابن حجرٍ، وأذن له أن يتصدَّق بها على المحتاج إليها إذنًا مُطلَقًا (فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا) من الرَّجل الذي أَذِن له في التَّصدُّق بها باختيارٍ منه، لا بطريق الغصب (٤) (فَأَتَيْتُهُ بِهَا) أي: أتيت أبي بالصَّدقة (فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ) على الخصوص بالصَّدقة، بل أردت عموم الفقراء، أي: من غير حجرٍ على الوكيل أن يعطي الولد، وقد كان الولد فقيرًا (فَخَاصَمْتُهُ) يعني: أباه، وهذه المخاصمة تفسيرٌ لـ «خاصمت» الأوَّل (إِلَى رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ) من أجر الصَّدقة (يَا يَزِيدُ) لأنَّك نويت الصَّدقة على محتاجٍ وابنك محتاجٌ (وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) لأنَّك أخذت محتاجًا إليها، وإنَّما أمضاها لأنَّه دخل في عموم الفقراء المأذون للوكيل في الصَّرف إليهم وكانت صدقة تطوُّعٍ.

وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر