«قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٩٦

الحديث رقم ١٤٩٦ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى…

«قَالَ رَسُولُ اللهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى: أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ،

⦗١٢٩⦘

فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ.»

سند حديث: ١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا…

١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى…

لما أَرسلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذَ بن جبل رضي الله عنه إلى بلاد اليمن داعيًا إلى الله ومُعلِّمًا، بَيَّنَ له أنه سيواجه قومًا من النصارى؛ ليكون على استعداد لهم، ثم ليبدأ في دعوتهم بالأهم فالأهم، فيدعوهم إلى إصلاح العقيدة أولًا؛ بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ لأنهم بها يدخلون الإسلام، فإذا انقادوا لذلك أمرهم بإقام الصلاة؛ لأنها أعظم الواجبات بعد التوحيد، فإذا أقاموها أمر أغنياءهم بدفع زكاة أموالهم إلى فقرائهم.

ثم حذّره من أخذ أفضل المال؛ لأن الواجب الوسط.

ثم أوصاه باجتناب الظلم؛ لئلا يدعو عليه المظلوم، فإن دعوته مستجابة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • معنى شهادة أن لا إله إلا الله هو إفراد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه.
  • معنى شهادة أن محمدًا رسول الله هو الإيمان به وبما جاء به وتصديقه وأنه آخر رسل الله إلى البشرية.
  • مخاطبة العالِم ومَن لديه شُبهات ليست كمخاطبة الجاهل؛ لذا نَبَّه معاذًا بقوله: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب".
  • أهمية أن يكون المسلم على بصيرة من دينه؛ ليَتَخلَّص من شُبهات المشبِّهين، وذلك بطلب العلم.
  • بطلان دين اليهود والنصارى بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم ليسوا من أهل النجاة يوم القيامة حتى يدخلوا في دين الإسلام، ويؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

- بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - اسْمُ أُمِّ عَطِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ بَعَثْتَ بِهَا أَنْتَ.

قَوْلُهُ: (بَلَغَتْ مَحَلَّهَا) أَيْ أَنَّهَا لَمَّا تَصَرَّفَتْ فِيهَا بِالْهَدِيَّةِ لِصِحَّةِ مِلْكِهَا لَهَا انْتَقَلَتْ عنْ حُكْمِ الصَّدَقَةِ، فَحَلَّتْ مَحَلَّ الْهَدِيَّةِ، وَكَانَتْ تَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ، بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ، وَهَذَا تَقْرِيرُ ابْنِ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ ضَبَطَ مَحَلَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِهَا مِنَ الْحُلُولِ؛ أَيْ بَلَغَتْ مُسْتَقَرَّهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ. وَهَذَا نَظِيرُ قِصَّةِ بَرِيرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ. فَذَكَرَ الْإِسْنَادَ دُونَ الْمَتْنِ لِتَصْرِيحِ قَتَادَةَ فِيهِ بِالسَّمَاعِ. وَأَبُو دَاوُدَ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ كَذَلِكَ، وَرَأَيْتُهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْهُ مُعَنْعَنًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ مِنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وَاسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَأُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ إِذَا عَمِلَ عَلَى الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى عَمَلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا حَلَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَمْلِكُهُ بِالْهَدِيَّةِ مِمَّا كَانَ صَدَقَةً لَا بِالصَّدَقَةِ كَذَلِكَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا يَمْلِكُهُ بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْفُسِهُمْ وَبَيْنَهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، بَلْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْهَدِيَّةَ بِعَيْنِهَا خَرَجَتْ عنْ كَوْنِهَا صَدَقَةً بِتَصَرُّفِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٣ - بَاب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا

١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدُّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ظ اهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُرَدُّ عَلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَيُّ فَقِيرٍ مِنْهُمْ رُدَّتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ فِي أَيِّ جِهَةٍ كَانَ فَقَدْ وَافَقَ عُمُومَ الْحَدِيثِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُ النَّقْلِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ فُقَرَاؤُهُمْ، لَكِنْ رَجَّحَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَظْهَرَ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّيهِ أَنَّ أَعْيَانَ الْأَشْخَاصِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْكُلِّيَّةِ لَا تُعْتَبَرُ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهِمُ الْحُكْمُ وَإِنِ اخْتَصَّ بِهِمْ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ. انْتَهَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَجَازَ النَّقْلَ اللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ تَرْكُ النَّقْلِ، فَلَوْ خَالَفَ وَنَقَلَ أَجْزَأَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَمْ يُجْزِئْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ إِلَّا إِذَا فُقِدَ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ،

لِأَنَّ قَوْلَهُ: (حَيْثُ كَانُوا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُهَا عَنْ بَلَدٍ وَفِيهِ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ مَكِّيٌّ، وَكَذَا مَنْ فَوْقَهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ زَكَرِيَّا: حَدَّثَنِي يَحْيَى. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ: عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ. أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ . فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ مُسْلِمٍ أَنَّ اللَّفْظَ مُدْرَجٌ، لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ مُعَاذًا. وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بِهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ وَكِيعٍ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَظَالِمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيِّ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَمُوسَى بْنِ السُّدِّيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيِّ، كُلِّهِمْ عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ، فَهُوَ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَيْسَ حُضُورُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ بِبَعِيدٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ مَعَ أَبَوَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ بَعْثُ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ سَنَةَ عَشْرٍ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ، رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْهُ، ثُمَّ حَكَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقِيلَ: بَعَثَهُ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ قَدِمَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مُعَاذٌ وَالِيًا أَوْ قَاضِيًا؟ فَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالثَّانِي وَالْغَسَّانِيُّ بِالْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) هِيَ كَالتَّوْطِئَةِ لِلْوَصِيَّةِ، لِتُسْتَجْمَعَ هِمَّتُهُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَهْلَ عِلْمٍ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا تَكُونُ الْعِنَايَةُ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ كَمُخَاطَبَةِ الْجُهَّالِ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا جِئْتَهُمْ) قِيلَ: عَبَّرَ بِلَفْظِ إِذَا تَفَاؤُلًا بِحُصُولِ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. كَذَا فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهَا، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ فَفِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ: فَأَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ. وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْهُ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَبِتَوْحِيدِهِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِذَلِكَ وَلِنَبِيِّهِ بِالرِّسَالَةِ، وَوَقَعَتِ الْبُدَاءَةُ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَيْءٌ غَيْرُهُمَا إِلَّا بِهِمَا فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ مُوَحِّدٍ فَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَيْهِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَمَنْ كَانَ مُوَحِّدًا فَالْمُطَالَبَةُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ بِالرِّسَالَةِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مَا يَقْتَضِي الْإِشْرَاكَ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَنْ يَقُولُ بِبُنُوَّةِ عُزَيْرٍ أَوْ يَعْتَقِدُ التَّشْبِيهَ فَتَكُونُ مُطَالَبَتُهُمْ بِالتَّوْحِيدِ لِنَفْيِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَقَائِدِهِمْ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّبَرِّي مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا بِشَيْءٍ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِغَيْرِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِتَرْكِ اعْتِقَادِ مَا كَفَرَ بِهِ،

وَالْجَوَابُ أَنَّ اعْتِقَادَ الشَّهَادَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ اعْتِقَادِ التَّشْبِيهِ وَدَعْوَى بُنُوَّةِ عُزَيْرٍ وَغَيْرِهِ فَيُكْتَفَى بِذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِسْلَامِ الِاقْتِصَارُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَيْهَا الشَّهَادَةَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِيرُ بِالْأُولَى مُسْلِمًا وَيُطَالَبُ بِالثَّانِيَةِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ بِالْحُكْمِ بِالرِّدَّةِ.

(تَنْبِيهَانِ) أَحَدُهُمَا: كَانَ أَصْلُ دُخُولِ الْيَهُودِيَّةِ فِي الْيَمَنِ فِي زَمَنِ أَسْعَدَ أَبِي كَرِبَ، وَهُوَ تُبَّعُ الْأَصْغَرُ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

ثَانِيهِمَا: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: تَبَرَّأَتِ الْيَهُودُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي زَمَنِهِ، وَالْيَهُودُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ وَلَا تَعَقَّبَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَائِلَ مِنَ النَّصَارَى: إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّائِفَةُ انْقَرَضَتْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ كَمَا انْقَلَبَ اعْتِقَادُ مُعْظَمِ الْيَهُودِ عَنِ التَّشْبِيهِ إِلَى التَّعْطِيلِ وَتَحَوَّلَ مُعْتَقَدُ النَّصَارَى فِي الِابْنِ وَالْأَبِ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ، فَسُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) أَيْ شَهِدُوا وَانْقَادُوا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ: فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ. وَعَدَّى أَطَاعَ بِاللَّامِ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى انْقَادَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا بِعَارِفِينَ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُظْهِرُونَ مَعْرِفَتَهُ، لَكِنْ قَالَ حُذَّاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْيَدَ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ (١) فَمَعْبُودُهُمُ الَّذِي عَبَدُوهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَإِنْ سَمَّوْهُ بِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ حَيْثُ دُعُوا أَوَّلًا إِلَى الْإِيمَانِ فَقَطْ، ثُمَّ دُعُوا إِلَى الْعَمَلِ، وَرَتَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالْفَاءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا فَأَخْبِرْهُمْ. يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُطِيعُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الدَّعْوَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّرْتِيبَ فِي الْوُجُوبِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ، وَقَدْ قُدِّمَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرُتِّبَتِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا بِالْفَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ.

وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَرْتِيبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَنَّ الَّذِي يُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ وَيَجْحَدُ الصَّلَاةَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا فَلَا تَنْفَعُهُ الزَّكَاةُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: إِنَّ ذِكْرَ الصَّدَقَةِ أُخِّرَ عَنْ ذِكْرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَأَنَّهَا لَا تُكَرَّرُ تَكْرَارَ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: بَدَأَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَذَلِكَ مِنَ التَّلَطُّفِ فِي الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُمْ بِالْجَمِيعِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يَأْمَنِ النُّفْرَةَ.

قَوْلُهُ: (خَمْسَ صَلَوَاتٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِقْرَارَهُمْ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ وَالْتِزَامِهِمْ لَهَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الطَّاعَةَ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْفَرِيضَةِ، فَتَعُودُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَيْهَا، وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّهُمْ لَوْ أُخْبِرُوا بِالْفَرِيضَةِ فَبَادَرُوا إِلَى الِامْتِثَالِ بِالْفِعْلِ لَكَفَى وَلَمْ يُشْتَرَطِ التَّلَفُّظُ بِخِلَافِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَالشَّرْطُ عَدَمُ الْإِنْكَارِ وَالْإِذْعَانُ لِلْوُجُوبِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَمَنِ امْتَثَلَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَفَاهُ أَوْ بِهِمَا فَأَوْلَى،

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ: فَإِذَا صَلَّوْا وَبَعْدَ ذِكْرِ الزَّكَاةِ: فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (صَدَقَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّا: فِي أَمْوَالِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ: افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ الزَّكَاةِ وَصَرْفَهَا إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِنَائِبِهِ، فَمَنِ امْتَنَعَ مِنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا.

قَوْلُهُ: (عَلَى فُقَرَائِهِمْ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّهُ يَكْفِي إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْفُقَرَاءَ لِكَوْنِهِمُ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ، وَلِلْمُطَابَقَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الْمَدْيُونِ زَكَاةَ مَا فِي يَدِهِ إِذَا لَمْ يَفْضُلْ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْرُ نِصَابٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ إِذَا كَانَ إِخْرَاجُ مَالِهِ مُسْتَحَقًّا لِغُرَمَائِهِ.

قَوْلُهُ: (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) كَرَائِمَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ، وَالْكَرَائِمُ جَمْعُ كَرِيمَةٍ أَيْ نَفِيسَةٍ، فَفِيهِ تَرْكُ أَخْذِ خِيَارِ الْمَالِ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ لِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ، فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْإِجْحَافَ بِمَالِ الْأَغْنِيَاءِ إِلَّا إِنْ رَضَوْا بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) أَيْ تَجَنَّبِ الظُّلْمَ لِئَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْكَ الْمَظْلُومُ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهِ عَقِبَ الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْكَرَائِمِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَخْذَهَا ظُلْمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَطَفَ وَاتَّقِ عَلَى عَامِلِ إِيَّاكَ الْمَحْذُوفِ وُجُوبًا، فَالتَّقْدِيرُ: اتَّقِ نَفْسَكَ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْكَرَائِمِ. وَأَشَارَ بِالْعَطْفِ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الْكَرَائِمِ ظُلْمٌ، وَلَكِنَّهُ عَمَّمَ إِشَارَةً إِلَى التَّحَرُّزِ عَنِ الظُّلْمِ مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (حِجَابٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا وَلَا مَانِعٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حِجَابًا يَحْجُبُهُ عَنِ النَّاسِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. تَذْيِيلٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الظُّلْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَخْذِ الْكَرَائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ. تَعْلِيلٌ لِلِاتِّقَاءِ وَتَمْثِيلٌ لِلدُّعَاءِ، كَمَنْ يَقْصِدُ دَارَ السُّلْطَانِ مُتَظَلِّمًا فَلَا يُحْجَبُ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِلَّا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ مَا طَلَبَ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلُهُ.

وَهَذَا كَمَا قُيِّدَ مُطْلَقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَتَوْصِيَةُ الْإِمَامِ عَامِلَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِيجَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ قَالَهُ عِيَاضٌ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَى الْكَافِرِ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي فُقَرَائِهِمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ قُلْنَا بِخُصُوصِ الْبَلَدِ أَوِ الْعُمُومِ، وَأَنَّ الْفَقِيرَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَعَلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ غَنِيًّا وَقَابَلَهُ بِالْفَقِيرِ، وَمَنْ مَلَكَ النِّصَابَ فَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ فَهُوَ غَنِيٌّ وَالْغِنَى مَانِعٌ مِنْ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ إِلَّا مَنِ اسْتُثْنِيَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَيْسَ هَذَا الْبَحْثُ بِالشَّدِيدِ الْقُوَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَالَ إِذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْأَدَاءِ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ لِإِضَافَةِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمَالِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.

(تَكْمِيلٌ): لَمْ يَقَعْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّ بَعْثَ مُعَاذٍ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَأَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى ارْتِفَاعِ الْوُثُوقِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفاء (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) نافدٍ (١)، بالنُّون والفاء والدَّال المهملة أو المعجمة (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ) وفي رواية إسماعيل بن أميَّة عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٧٢] عن يحيى أنَّه سمع أبا معبدٍ يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ) ولمسلمٍ عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُرَيْبٍ وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيعٍ، وقال فيه: عن ابن عبَّاسٍ عن معاذ بن جبلٍ قال: بعثني رسول الله ، وعلى هذا يكون الحديث من مسند معاذٍ، لكنَّه في جميع الطُّرق من مُسنَد ابن عبَّاسٍ، كما عند المؤلِّف، وليس حضور ابن عبَّاسٍ لذلك ببعيدٍ؛ لأنَّه كان في (٢) أواخر حياة النَّبيِّ ، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة، قاله الحافظ ابن حجرٍ (لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ) واليًا كما عند العسكريِّ، أو قاضيًا كما عند ابن البرِّ: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) بنصب «أهلَ» بدلًا (٣) من «قومٍ» لا صفةً، وهذا كالتَّوطئة للوصيَّة؛ لتقوى همَّتُه عليها؛ لكون (٤) أهل الكتاب أهل علمٍ في الجملة؛ ولذا خصَّهم بالذِّكر تفضيلًا لهم على غيرهم من عبدة الأوثان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أهل الكتاب» بالتَّعريف (فَإِذَا جِئْتَهُمْ) عبَّر

بـ «إذا» دون «إن» تفاؤلًا بالوصول إليهم (فَادْعُهُمْ إِلَى (١) أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) بدأ بهما؛ لأنَّهما أصل الدِّين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلَّا بهما، واستدلَّ به على أنَّه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلَّا الله حتَّى يضيف الشَّهادة لمحمَّدٍ بالرِّسالة، وهو قول الجمهور (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا) أي: شهدوا وانقادوا (لَكَ بِذَلِكَ) وعدَّى «أطاع» باللَّام وإن كان يتعدَّى بنفسه؛ لتضمُّنه معنى «انقاد» (٢)، ولابن خزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك (٣)» (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) بأن أقرُّوا بوجوب الخمس عليهم و (٤) فعلوها (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) في أموالهم (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) يأخذها الإمام أو نائبه (فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) خصَّهم بالذِّكر -وإن كان مستحقُّ الزَّكاة أصنافًا أخر- لمقابلة الأغنياء، ولأنَّ الفقراء هم الأغلب، والضَّمير في «فقرائهم» يعود على (٥) أهل اليمن، فلا يجوز النَّقل لغير فقراء أهل بلد الزَّكاة؛ كما سبق أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٥] (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ) أي: نفائسَ (أَمْوَالِهِمْ) بنصب «كرائمَ» بفعلٍ مُضمَرٍ لا يجوز إظهاره؛ للقرينة الدَّالَّة عليه، وقال ابن قتيبة: لا يجوز حذف واو: «وكرائم». انتهى. وعلَّل بأنَّها حرف عطفٍ، فيختلُّ الكلام بالحذف. (وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ) أي: تجنَّب جميع أنواع الظُّلم؛ لئلَّا يدعو عليك المظلوم، وإنَّما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم؛ للإشارة إلى أنَّ أخذَها ظلمٌ (فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ) أي: المظلوم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ:

«فإنَّها (١) ليس بينها» أي: دعوة المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ) وإن كان المظلوم عاصيًا؛ لحديث أحمد عن أبي هريرة بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه (٢)» وليس لله حجابٌ يحجبه عن خلقه، فإن قلت: إنَّ بعث معاذٍ كان بعد فرض الصَّوم والحجِّ، فلِمَ لم يذكرهما؟ أُجيب بأنَّه اختصارٌ من بعض الرُّواة، وقِيلَ: إنَّ اهتمام الشَّارع بالصَّلاة والزَّكاة أكثر؛ ولذا كُرِّرا (٣) في القرآن، فمن ثمَّ لم يذكرهما في هذا الحديث، وقال الإمام البلقينيُّ: إذا كان الكلام في بيان الأركان؛ لم يُخِلَّ الشَّارع منها (٤) بشيءٍ؛ كحديث ابن عمر [خ¦٨]: «بني الإسلام على خمسٍ … »، فإذا كان في الدُّعاء إلى الإسلام؛ اكتُفِي بالأركان الثَّلاثة: الشَّهادة والصَّلاة والزَّكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصَّوم والحجِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] في موضعين من «براءة» مع أنَّ نزولها بعد فرض الصَّوم والحجِّ قطعًا، والحكمة في ذلك: أنَّ الأركان الخمسة: اعتقاديٌّ؛ وهو الشَّهادة، وبدنيٌّ؛ وهو الصَّلاة، وماليٌّ؛ وهو الزَّكاة، فاقتصر في الدُّعاء إلى الإسلام عليها؛ لتفرُّع الرُّكنين الأخيرين عليها، فإنَّ الصَّوم بدنيٌّ محضٌ، والحجَّ بدنيٌّ وماليٌّ.

وهذا الحديث قد مرَّ في أوَّل «باب وجوب الزَّكاة» [خ¦١٣٩٥]. انتهى (٥).

(٦٤) (باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ) كأن يقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، ونحو ذلك، والمرادُ من الصَّلاة معناها اللَّغويُّ؛ وهو الدُّعاء، وعطف الدُّعاء على الصَّلاة؛ ليبيِّن أنَّ لفظ الصَّلاة ليس بحتمٍ، بل غيره من الدُّعاء ينزل منزلته، قاله ابن المُنيِّر، ويؤيِّده ما في حديث وائل بن حُجْرٍ عند النَّسائيِّ أنَّه قال في رجلٍ بعث بناقةٍ حسناء (٦) في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَمُحَمّد بن الْحسن فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا بَأْس أَن يكون الْعَامِل هاشميا وَيَأْخُذ عمالته مِنْهَا، لِأَن ذَلِك على عمله، وَلقَائِل أَن يَقُول: هَذَا الْقيَاس لَيْسَ بِصَحِيح: لِأَن الْغَنِيّ إِذا كَانَ عَاملا يكون متفرغا لذَلِك صارفا نَفسه وحابسها لأجل ذَلِك فَيسْتَحق الْجعَالَة فِي مُقَابلَة هَذَا الْفِعْل، وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَة يكون لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِك، فَيصير كَابْن السَّبِيل تُبَاح لَهُ الصَّدَقَة، وَإِن كَانَ غَنِيا، بِخِلَاف الْهَاشِمِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة لكَونهَا أوساخ النَّاس وَلأَجل لُحُوق الذلة والهوان لشرف نسبه، فَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود دَائِما سَوَاء كَانَ الَّذِي يَأْخُذهُ من الصَّدَقَة على وَجه الاعتمال والاجتعال أَو غير ذَلِك. وَفِيه: دَلِيل على تَحْويل الصَّدَقَة إِلَى هَدِيَّة لِأَنَّهُ لما كَانَ يجوز التَّصَرُّف للمتصدق عَلَيْهِ فِيهَا بِالْبيعِ وَالْهِبَة لصِحَّة ملكه لَهَا، حكم لَهَا بِحكم الْهِبَة، وخروجها عَن معنى الصَّدَقَة فَصَارَت حَلَالا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْكُل الْهَدِيَّة دون الصَّدَقَة لما فِي الْهَدِيَّة من التألف وَالدُّعَاء إِلَى الْمحبَّة، وَقَالَ: تهادوا تحَابوا) ، وَجَائِز أَن يثبت عَلَيْهَا وَأفضل مِنْهَا فيرفع الذلة والْمنَّة بِخِلَاف الصَّدَقَة. وَفِيه: بَيَان أَن الْأَشْيَاء الْمُحرمَة لعلل مَعْلُومَة إِذا ارْتَفَعت عَنْهَا تِلْكَ الْعِلَل حلت وَأَن التَّحْرِيم فِي الْأَشْيَاء لَيْسَ لعينها.

٥٩٤١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسى اقال حدَّثنا وَكِيعٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلى بَريرَة فَقَالَ هُوَ عَلَيْها صدقَةٌ وَهْوَ لَنا هَدِيَّةٌ.

(الحَدِيث ٥٩٤١ طرفه فِي: ٧٧٥٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الصَّدَقَة الَّتِي تصدق بهَا على بَرِيرَة صَارَت هَدِيَّة لملكها إِيَّاهَا.

وَرِجَاله قد ذكرُوا وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي يُقَال لَهُ: خت، قد مر فِي آخر كتاب الصَّلَاة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزّهْد عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع، وَفِي الْهِبَة عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كلا من غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن مَرْزُوق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعمريّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.

قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة) ، قد لفظ: (عَلَيْهَا) ليُفِيد الْحصْر أَي: عَلَيْهَا صَدَقَة لَا علينا، وَحَاصِله أَنَّهَا إِذا قبضهَا الْمُتَصَدّق زَالَ عَنْهَا وصف الصَّدَقَة وَحكمهَا، فَيجوز للغني شراها للْفَقِير، وللهاشمي أكله مِنْهَا.

وَقَالَ أبُو داوُدَ أنْبَأنا شُعْبَةُ عنُ قَتَادَةَ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَبُو دَاوُد هُوَ سُلَيْمَان الطَّيَالِسِيّ الْحَافِظ، كتب عَنهُ بأصفهان أَرْبَعُونَ ألف حَدِيث، وَلم يكن مَعَه كتاب، مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ. وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله حَدثنَا يُونُس حَدثنَا أَبُو دَاوُد يَعْنِي الطَّيَالِسِيّ قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة، فَذكره وَفَائِدَته تَصْرِيح قَتَادَة بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس، وَلما كَانَ قَتَادَة مدلسا قوي الْإِسْنَاد الأول بِهَذَا حَيْثُ قَالَ: سمع أنسا، إِذْ فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ. قَوْله: (أَنبأَنَا) أَي: أخبرنَا. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: دَرَجَة أَنبأَنَا أحط من دَرَجَة أخبرنَا، وَهُوَ قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال، وثلاثيه من النبأ وَهُوَ الْخَبَر.

٣٦ - (بابُ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِن الأغْنِيَاءِ وتُرَدُّ فِي الفُقرَاءِ حَيْثُ كَانُوا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَخذ الصَّدَقَة، أَي: الزَّكَاة، من الْأَغْنِيَاء، فَإِذا أخذت مَا يكون حكمهَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَترد فِي الْفُقَرَاء) وَترد، بِنصب الدَّال بِتَقْدِير: أَن، ليَكُون فِي حكم الْمصدر، وَيكون التَّقْدِير: وَأَن ترد، أَي: وَالرَّدّ فِي الْفُقَرَاء حَاصله: بَاب فِي أَخذ الصَّدَقَة، وَفِي ردهَا فِي الْفُقَرَاء حَيْثُ كَانَ الْفُقَرَاء. قَوْله: (حَيْثُ كَانُوا) ، يشْعر بِأَنَّهُ اخْتَار جَوَاز نقل الزَّكَاة من بلد إِلَى بلد، وَفِيه خلاف، فَعَن اللَّيْث بن سعد وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه جَوَازه، وَنَقله ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي وَاخْتَارَهُ، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية ترك النَّقْل، فَلَو نقل أَجْزَأَ عِنْد الْمَالِكِيَّة على الْأَصَح، وَلم يجزىء عِنْد الشَّافِعِيَّة على الْأَصَح إلَاّ إِذا فقد المستحقون لَهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن غَرَض البُخَارِيّ بَيَان الِامْتِنَاع، أَي: ترد على فُقَرَاء أُولَئِكَ الْأَغْنِيَاء، أَي: فِي مَوضِع

وجد لَهُم الْفُقَرَاء، وإلَاّ جَازَ النَّقْل، وَيحْتَمل أَن يكون غَرَضه عَكسه. قلت: لَيْسَ الظَّاهِر مَا قَالَه، فَإِنَّهُ قَالَ: ترد حَيْثُ كَانُوا، أَي: الْفُقَرَاء، وَهُوَ أَعم من أَن يَكُونُوا فِي مَوضِع كَانَ فِيهِ الْأَغْنِيَاء أَو فِي غَيره، فالعجب مِنْهُ الْعَكْس حَيْثُ جعل الِامْتِنَاع ظَاهرا وَهُوَ مُحْتَمل، وَجعل الظَّاهِر عكسا. فَافْهَم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث معَاذ فِي أَوَائِل الزَّكَاة.

٦٩٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ عنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِ الله ابنِ صَيْفِيٍ ّ عنْ أبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ حِينَ بَعثَهُ إِلَى اليَمَنُ إنَّكَ سَتأتِي قَوْما أهْلَ كِتَابٍ فإذَا جِئْتُهمْ فادْعُهُمْ إلَى أنْ يَشْهَدُوا أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدا رسُولَ الله فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ علَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائهِمْ فَتُرَدُّ عَلىَ فُقَرَائِهِمْ فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوالِهِم وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّهُ ليْسَ بَيْنَهُ وبيْنَ الله حِجَابٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم) ، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول: بَاب وجوب الزَّكَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن زَكَرِيَّاء بن إِسْحَاق. . إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً، وَهَهُنَا زِيَادَة، وَهِي قَوْله: (فإياك وكرائم أَمْوَالهم وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) إِلَى آخِره، ولنذكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. فَقَوله: (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن) ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الطّرق إلَاّ مَا أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع، فَقَالَ فِيهِ: عَن ابْن عَبَّاس (عَن معَاذ بن جبل، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْيمن) فعلى هَذَا فَهُوَ من مُسْند معَاذ، وَسَائِر الرِّوَايَات غير هَذِه من مُرْسل ابْن عَبَّاس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي كريب عَن وَكِيع عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعث معَاذًا، وَكَذَا أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن وَكِيع نَحوه، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن وَكِيع، وَأخرجه عَنهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَظَالِم عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع كَذَلِك. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي، وجعفر بن مُحَمَّد الثَّعْلَبِيّ والإسماعيلي من طَرِيق أبي خَيْثَمَة، ومُوسَى بن المسندي وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الْبَغَوِيّ، كلهم عَن وَكِيع كَذَلِك، وَلَا يستبعد حُضُور ابْن عَبَّاس لذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِر حَيَاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ إِذْ ذَاك مَعَ أَبَوَيْهِ.

قَوْله: (ستأتي قوما) تَوْطِئَة للْوَصِيَّة ليقوي همته عَلَيْهَا لكَون أهل الْكتاب أهل علم فِي الْجُمْلَة فَلذَلِك خصهم بِالذكر تَفْضِيلًا لَهُم على غَيرهم. قَوْله: (أهل كتاب) ، بدل لَا صفة، وَكَانَ فِي الْيمن أهل الذِّمَّة وَغَيرهم. وَحكى ابْن إِسْحَاق فِي أول (السِّيرَة) : إِن أصل دُخُول الْيَهُود فِي الْيمن فِي زمن أسعد أبي كرب، وَهُوَ تبع الْأَصْفَر. قَوْله: (فَإِذا جئتهم) إِنَّمَا ذكر لَفْظَة: إِذا، دون: أَن، تفاؤلاً بِحُصُول الْوُصُول إِلَيْهِم. قَوْله: (فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) ، كَذَا فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِيهَا، وَفِي رِوَايَة روح بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة: (فَأول مَا تدعوهم إِلَيْهِ عبَادَة الله تَعَالَى، فَإِذا عرفُوا الله) . وَفِي رِوَايَة الْفضل بن الْعَلَاء عَنهُ: (إِلَى أَن يوحدوا الله، وَإِذا عرفُوا ذَلِك) . قَوْله: (فَإِن هم أطاعوا لَك بذلك) أَي: شهدُوا وانقادوا، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: (فَإِن هم أجابوا لذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْفضل ابْن الْعَلَاء: (فَإِذا عرفُوا ذَلِك) ، وَإِنَّمَا عدى: أطاعوا، بِاللَّامِ وَإِن كَانَ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ لتَضَمّنه معنى: انقادوا قَوْله (فإياك) كلمة تحذير (وكرائم) مَنْصُوب بِفعل مُضْمر لَا يجوز إِظْهَاره قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَلَا يجوز حذف

الْوَاو، أما عدم جَوَاز إِظْهَار الْفِعْل فللقرينة الدَّالَّة عَلَيْهِ ولطول الْكَلَام، وَقيل: لِأَن مثل هَذَا يُقَال عِنْد تَشْدِيد الْخَوْف، وَأما عدم جَوَاز حذف الْوَاو لِأَنَّهَا حرف عطف، فيختل الْكَلَام بحذفه، والكرائم جمع: كَرِيمَة وَهِي النفيسة. قَوْله: (وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) أَي: تجنب الظُّلم لِئَلَّا يَدْعُو عَلَيْك الْمَظْلُوم، وَقيل: هُوَ تذييل لاشْتِمَاله على الظُّلم الْخَاص وَهُوَ أَخذ الكرائم وعَلى غَيره. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشان، وَهُوَ تَعْلِيل للاتقاء، وتمثيل للدعوة كمن يقْصد إِلَى السُّلْطَان متظلما فيمَ يحجب عَنهُ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: عظة الإِمَام وتخويفه من الظُّلم قَالَ تَعَالَى: {أَلا لعنة الله على الظَّالِمين} (هود: ٨١) . ولعنة الله إبعاده من رَحمته، وَالظُّلم محرم فِي كل شَرِيعَة، وَقد جَاءَ: (إِن دَعْوَة الْمَظْلُوم لَا ترد وَإِن كَانَت من كَافِر) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا: (دَعْوَة الْمَظْلُوم مستجابة وَإِن كَانَ فَاجِرًا، ففجوره على نَفسه) . وَمعنى ذَلِك أَن الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يرضى ظلم الْكَافِر كَمَا لَا يرضى ظلم الْمُؤمن، وَأخْبر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنه لَا يظلم النَّاس شَيْئا، فَدخل فِي عُمُوم هَذَا اللَّفْظ جَمِيع النَّاس من مُؤمن وَكَافِر، وحذر معَاذًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من الظُّلم مَعَ علمه وفضله وورعه، وَأَنه من أهل بدر وَقد شهد لَهُ بِالْجنَّةِ، غير أَنه لَا يَأْمَن أحدا، بل يشْعر نَفسه بالخوف، وفوائده كَثِيرَة ذَكرنَاهَا فِي حَدِيث معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أول الزَّكَاة.

٤٦ - (بابُ صَلَاةِ الإمامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وقَوْلِهِ {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الإِمَام ودعائه لصَاحب الصَّدَقَة، وَالْمرَاد من الصَّلَاة الدُّعَاء لِأَن مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا عطف لفظ الدُّعَاء على الصَّلَاة لِئَلَّا يفهم أَن الدُّعَاء بِلَفْظ الصَّلَاة مُتَعَيّن، بل إِذا دعِي بِلَفْظ يُؤَدِّي معنى الثَّنَاء وَالْخَيْر فَإِنَّهُ يَكْفِي، مثل أَن يَقُول: آجرك فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارك لَك فِيمَا أبقيت أَو يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَتقبل مِنْهُ، وَنَحْو ذَلِك، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث وَائِل بن حجر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي رجل بعث بِنَاقَة حَسَنَة فِي الزَّكَاة: اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَفِي إبِله. قيل: إِنَّمَا ذكر لفظ الإِمَام فِي التَّرْجَمَة ردا لشُبْهَة أهل الرِّدَّة فِي قَوْلهم لأبي بكر الصّديق: إِنَّمَا قَالَ الله عز وَجل لرَسُوله: {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَادعوا خُصُوصِيَّة ذَلِك بالرسول، فَأَرَادَ أَن كل إِمَام دَاخل فِيهِ، وَلِهَذَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله من الْمَجْرُور أَعنِي: لفظ الصَّلَاة وَالدُّعَاء، أَمر الله تَعَالَى رَسُوله أَن يَأْخُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا، وَأمره أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم بقوله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: ادْع لَهُم واستغفر لَهُم، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب: (عَن عبد الله ابْن أبي أوفى قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَى بِصَدقَة قوم صلى عَلَيْهِم، فَأَتَاهُ أبي بِصَدقَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى) . وَفِي حَدِيث آخر: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله، صل عَليّ وعَلى زَوجي! فَقَالَ: صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك) . قَوْله: {إِن صَلَاتك سكن لَهُم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي سكن لَهُم، وَقَالَ قَتَادَة: وقار وقرىء: {إِن صلواتك} على الْجمع. قَوْله: {وَالله سميع عليم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: سميع لدعائك عليم من يسْتَحق ذَلِك مِنْك، وَمن هُوَ أهل لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ صل عَلَيْهِم إِذا مَاتُوا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّهَا فِي الشَّرِيعَة مَحْمُولَة على الصَّلَاة أَي: الْعِبَادَة المفتتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ، أَو أَنه من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم ينْقل أحد أَنه أَمر السعاة بذلك، وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهم بِهِ ولعلمهم كيفيته، وبالقياس على اسْتِيفَاء سَائِر الْحُقُوق إِذْ لَا يجب الدُّعَاء فِيهِ. انْتهى. قلت: لم ينْحَصر معنى قَوْله تَعَالَى: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . على مَا ذكره ابْن بطال من الصَّلَاة على الْجِنَازَة، بل جُمْهُور الْمُفَسّرين فسروا قَوْله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . مثل مَا ذكرنَا، وَعَن هَذَا قَالَ الْخطابِيّ: أصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء إلَاّ أَن الدُّعَاء يخْتَلف بِحَسب الْمَدْعُو لَهُ، فَصلَاته عَلَيْهِ السَّلَام لأمته دُعَاء لَهُم بالمغفرة، وَصَلَاة الْأمة لَهُ دُعَاء لَهُ بِزِيَادَة الْقرْبَة والزلفة، وبظاهر الْآيَة أَخذ أهل الظَّاهِر، وَقَالُوا: الدُّعَاء وَاجِب، وَخَالفهُم جَمِيع الْعلمَاء، وَقَالُوا: إِنَّه مُسْتَحبّ لِأَنَّهَا تقع الْموقع وَإِن لم يدع، وَلَو كَانَ وَاجِبا، لأمر السعاة بِهِ، كَمَا ذكرنَا.

٧٩٤١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قَالَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

- بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - اسْمُ أُمِّ عَطِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ بَعَثْتَ بِهَا أَنْتَ.

قَوْلُهُ: (بَلَغَتْ مَحَلَّهَا) أَيْ أَنَّهَا لَمَّا تَصَرَّفَتْ فِيهَا بِالْهَدِيَّةِ لِصِحَّةِ مِلْكِهَا لَهَا انْتَقَلَتْ عنْ حُكْمِ الصَّدَقَةِ، فَحَلَّتْ مَحَلَّ الْهَدِيَّةِ، وَكَانَتْ تَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ، بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ، وَهَذَا تَقْرِيرُ ابْنِ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ ضَبَطَ مَحَلَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِهَا مِنَ الْحُلُولِ؛ أَيْ بَلَغَتْ مُسْتَقَرَّهَا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ. وَهَذَا نَظِيرُ قِصَّةِ بَرِيرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ مُخْتَصَرًا، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ. فَذَكَرَ الْإِسْنَادَ دُونَ الْمَتْنِ لِتَصْرِيحِ قَتَادَةَ فِيهِ بِالسَّمَاعِ. وَأَبُو دَاوُدَ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ كَذَلِكَ، وَرَأَيْتُهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْهُ مُعَنْعَنًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ مِنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وَاسْتَنْبَطَ الْبُخَارِيُّ مِنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ وَأُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ إِذَا عَمِلَ عَلَى الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى عَمَلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا حَلَّ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَمْلِكُهُ بِالْهَدِيَّةِ مِمَّا كَانَ صَدَقَةً لَا بِالصَّدَقَةِ كَذَلِكَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا يَمْلِكُهُ بِعَمَلِهِ لَا بِالصَّدَقَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْفُسِهُمْ وَبَيْنَهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، بَلْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْهَدِيَّةَ بِعَيْنِهَا خَرَجَتْ عنْ كَوْنِهَا صَدَقَةً بِتَصَرُّفِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٣ - بَاب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا

١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدُّ فِي الْفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ظ اهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُرَدُّ عَلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَيُّ فَقِيرٍ مِنْهُمْ رُدَّتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ فِي أَيِّ جِهَةٍ كَانَ فَقَدْ وَافَقَ عُمُومَ الْحَدِيثِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَدَمُ النَّقْلِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فَيَخْتَصُّ بِذَلِكَ فُقَرَاؤُهُمْ، لَكِنْ رَجَّحَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَظْهَرَ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّيهِ أَنَّ أَعْيَانَ الْأَشْخَاصِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْكُلِّيَّةِ لَا تُعْتَبَرُ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهِمُ الْحُكْمُ وَإِنِ اخْتَصَّ بِهِمْ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ. انْتَهَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَجَازَ النَّقْلَ اللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ تَرْكُ النَّقْلِ، فَلَوْ خَالَفَ وَنَقَلَ أَجْزَأَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَمْ يُجْزِئْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ إِلَّا إِذَا فُقِدَ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ،

لِأَنَّ قَوْلَهُ: (حَيْثُ كَانُوا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُهَا عَنْ بَلَدٍ وَفِيهِ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ مَكِّيٌّ، وَكَذَا مَنْ فَوْقَهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى) فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ زَكَرِيَّا: حَدَّثَنِي يَحْيَى. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ: عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ. أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ . فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ مُعَاذٍ، وَظَاهِرُ سِيَاقِ مُسْلِمٍ أَنَّ اللَّفْظَ مُدْرَجٌ، لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ مُعَاذًا. وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ بِهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ وَكِيعٍ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَظَالِمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيِّ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَمُوسَى بْنِ السُّدِّيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغَوِيِّ، كُلِّهِمْ عَنْ وَكِيعٍ كَذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ، فَهُوَ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَيْسَ حُضُورُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ بِبَعِيدٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ مَعَ أَبَوَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ بَعْثُ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ سَنَةَ عَشْرٍ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ، رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْهُ، ثُمَّ حَكَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقِيلَ: بَعَثَهُ عَامَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ قَدِمَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مُعَاذٌ وَالِيًا أَوْ قَاضِيًا؟ فَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالثَّانِي وَالْغَسَّانِيُّ بِالْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) هِيَ كَالتَّوْطِئَةِ لِلْوَصِيَّةِ، لِتُسْتَجْمَعَ هِمَّتُهُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَهْلَ عِلْمٍ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا تَكُونُ الْعِنَايَةُ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ كَمُخَاطَبَةِ الْجُهَّالِ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا جِئْتَهُمْ) قِيلَ: عَبَّرَ بِلَفْظِ إِذَا تَفَاؤُلًا بِحُصُولِ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ بِلَفْظِ: وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. كَذَا فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهَا، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ فَفِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ: فَأَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ. وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْهُ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ. وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَبِتَوْحِيدِهِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِذَلِكَ وَلِنَبِيِّهِ بِالرِّسَالَةِ، وَوَقَعَتِ الْبُدَاءَةُ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَيْءٌ غَيْرُهُمَا إِلَّا بِهِمَا فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ غَيْرَ مُوَحِّدٍ فَالْمُطَالَبَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَيْهِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَمَنْ كَانَ مُوَحِّدًا فَالْمُطَالَبَةُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ بِالرِّسَالَةِ، وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مَا يَقْتَضِي الْإِشْرَاكَ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَنْ يَقُولُ بِبُنُوَّةِ عُزَيْرٍ أَوْ يَعْتَقِدُ التَّشْبِيهَ فَتَكُونُ مُطَالَبَتُهُمْ بِالتَّوْحِيدِ لِنَفْيِ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَقَائِدِهِمْ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّبَرِّي مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا بِشَيْءٍ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِغَيْرِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِتَرْكِ اعْتِقَادِ مَا كَفَرَ بِهِ،

وَالْجَوَابُ أَنَّ اعْتِقَادَ الشَّهَادَتَيْنِ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ اعْتِقَادِ التَّشْبِيهِ وَدَعْوَى بُنُوَّةِ عُزَيْرٍ وَغَيْرِهِ فَيُكْتَفَى بِذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِسْلَامِ الِاقْتِصَارُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يُضِيفَ إِلَيْهَا الشَّهَادَةَ لِمُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِيرُ بِالْأُولَى مُسْلِمًا وَيُطَالَبُ بِالثَّانِيَةِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ بِالْحُكْمِ بِالرِّدَّةِ.

(تَنْبِيهَانِ) أَحَدُهُمَا: كَانَ أَصْلُ دُخُولِ الْيَهُودِيَّةِ فِي الْيَمَنِ فِي زَمَنِ أَسْعَدَ أَبِي كَرِبَ، وَهُوَ تُبَّعُ الْأَصْغَرُ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.

ثَانِيهِمَا: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: تَبَرَّأَتِ الْيَهُودُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي زَمَنِهِ، وَالْيَهُودُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ وَلَا تَعَقَّبَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَائِلَ مِنَ النَّصَارَى: إِنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَا جَمِيعُهُمْ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّائِفَةُ انْقَرَضَتْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ كَمَا انْقَلَبَ اعْتِقَادُ مُعْظَمِ الْيَهُودِ عَنِ التَّشْبِيهِ إِلَى التَّعْطِيلِ وَتَحَوَّلَ مُعْتَقَدُ النَّصَارَى فِي الِابْنِ وَالْأَبِ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ، فَسُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) أَيْ شَهِدُوا وَانْقَادُوا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ: فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ. وَعَدَّى أَطَاعَ بِاللَّامِ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى انْقَادَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسُوا بِعَارِفِينَ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُظْهِرُونَ مَعْرِفَتَهُ، لَكِنْ قَالَ حُذَّاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا عَرَفَ اللَّهَ مَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْيَدَ أَوْ أَضَافَ إِلَيْهِ الْوَلَدَ (١) فَمَعْبُودُهُمُ الَّذِي عَبَدُوهُ لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَإِنْ سَمَّوْهُ بِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ حَيْثُ دُعُوا أَوَّلًا إِلَى الْإِيمَانِ فَقَطْ، ثُمَّ دُعُوا إِلَى الْعَمَلِ، وَرَتَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالْفَاءِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا فَأَخْبِرْهُمْ. يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُطِيعُوا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الدَّعْوَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّرْتِيبَ فِي الْوُجُوبِ، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا فِي الْوُجُوبِ، وَقَدْ قُدِّمَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرُتِّبَتِ الْأُخْرَى عَلَيْهَا بِالْفَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ.

وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَرْتِيبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَنَّ الَّذِي يُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ وَيَجْحَدُ الصَّلَاةَ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا فَلَا تَنْفَعُهُ الزَّكَاةُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: إِنَّ ذِكْرَ الصَّدَقَةِ أُخِّرَ عَنْ ذِكْرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَأَنَّهَا لَا تُكَرَّرُ تَكْرَارَ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَتَمَامُهُ أَنْ يُقَالَ: بَدَأَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَذَلِكَ مِنَ التَّلَطُّفِ فِي الْخِطَابِ لِأَنَّهُ لَوْ طَالَبَهُمْ بِالْجَمِيعِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يَأْمَنِ النُّفْرَةَ.

قَوْلُهُ: (خَمْسَ صَلَوَاتٍ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِقْرَارَهُمْ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ وَالْتِزَامِهِمْ لَهَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الطَّاعَةَ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْفَرِيضَةِ، فَتَعُودُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إِلَيْهَا، وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي بِأَنَّهُمْ لَوْ أُخْبِرُوا بِالْفَرِيضَةِ فَبَادَرُوا إِلَى الِامْتِثَالِ بِالْفِعْلِ لَكَفَى وَلَمْ يُشْتَرَطِ التَّلَفُّظُ بِخِلَافِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَالشَّرْطُ عَدَمُ الْإِنْكَارِ وَالْإِذْعَانُ لِلْوُجُوبِ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَمَنِ امْتَثَلَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَفَاهُ أَوْ بِهِمَا فَأَوْلَى،

وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ: فَإِذَا صَلَّوْا وَبَعْدَ ذِكْرِ الزَّكَاةِ: فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (صَدَقَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّا: فِي أَمْوَالِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَلَاءِ: افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ.

قَوْلُهُ: (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى قَبْضَ الزَّكَاةِ وَصَرْفَهَا إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِنَائِبِهِ، فَمَنِ امْتَنَعَ مِنْهَا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا.

قَوْلُهُ: (عَلَى فُقَرَائِهِمْ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّهُ يَكْفِي إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ بَحْثٌ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْفُقَرَاءَ لِكَوْنِهِمُ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ، وَلِلْمُطَابَقَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى عَلَى الْمَدْيُونِ زَكَاةَ مَا فِي يَدِهِ إِذَا لَمْ يَفْضُلْ مِنَ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْرُ نِصَابٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ إِذَا كَانَ إِخْرَاجُ مَالِهِ مُسْتَحَقًّا لِغُرَمَائِهِ.

قَوْلُهُ: (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) كَرَائِمَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَا يَجُوزُ إِظْهَارُهُ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ، وَالْكَرَائِمُ جَمْعُ كَرِيمَةٍ أَيْ نَفِيسَةٍ، فَفِيهِ تَرْكُ أَخْذِ خِيَارِ الْمَالِ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ لِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ، فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْإِجْحَافَ بِمَالِ الْأَغْنِيَاءِ إِلَّا إِنْ رَضَوْا بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) أَيْ تَجَنَّبِ الظُّلْمَ لِئَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْكَ الْمَظْلُومُ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهِ عَقِبَ الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْكَرَائِمِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَخْذَهَا ظُلْمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَطَفَ وَاتَّقِ عَلَى عَامِلِ إِيَّاكَ الْمَحْذُوفِ وُجُوبًا، فَالتَّقْدِيرُ: اتَّقِ نَفْسَكَ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْكَرَائِمِ. وَأَشَارَ بِالْعَطْفِ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الْكَرَائِمِ ظُلْمٌ، وَلَكِنَّهُ عَمَّمَ إِشَارَةً إِلَى التَّحَرُّزِ عَنِ الظُّلْمِ مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (حِجَابٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا وَلَا مَانِعٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حِجَابًا يَحْجُبُهُ عَنِ النَّاسِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ. تَذْيِيلٌ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الظُّلْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَخْذِ الْكَرَائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ. تَعْلِيلٌ لِلِاتِّقَاءِ وَتَمْثِيلٌ لِلدُّعَاءِ، كَمَنْ يَقْصِدُ دَارَ السُّلْطَانِ مُتَظَلِّمًا فَلَا يُحْجَبُ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِلَّا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ مَا طَلَبَ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلُهُ.

وَهَذَا كَمَا قُيِّدَ مُطْلَقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا الدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَتَوْصِيَةُ الْإِمَامِ عَامِلَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ، وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِيجَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ قَالَهُ عِيَاضٌ وَفِيهِ بَحْثٌ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُدْفَعُ إِلَى الْكَافِرِ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي فُقَرَائِهِمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ قُلْنَا بِخُصُوصِ الْبَلَدِ أَوِ الْعُمُومِ، وَأَنَّ الْفَقِيرَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا لَا يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَعَلَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ غَنِيًّا وَقَابَلَهُ بِالْفَقِيرِ، وَمَنْ مَلَكَ النِّصَابَ فَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ فَهُوَ غَنِيٌّ وَالْغِنَى مَانِعٌ مِنْ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ إِلَّا مَنِ اسْتُثْنِيَ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَيْسَ هَذَا الْبَحْثُ بِالشَّدِيدِ الْقُوَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَالَ إِذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْأَدَاءِ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ لِإِضَافَةِ الصَّدَقَةِ إِلَى الْمَالِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.

(تَكْمِيلٌ): لَمْ يَقَعْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّ بَعْثَ مُعَاذٍ كَمَا تَقَدَّمَ كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَأَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى ارْتِفَاعِ الْوُثُوقِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٩٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن مقاتلٍ المروزيُّ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكِّيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) بفتح الصَّاد المهملة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الفاء (عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) نافدٍ (١)، بالنُّون والفاء والدَّال المهملة أو المعجمة (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ) وفي رواية إسماعيل بن أميَّة عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٧٢] عن يحيى أنَّه سمع أبا معبدٍ يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ) ولمسلمٍ عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُرَيْبٍ وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيعٍ، وقال فيه: عن ابن عبَّاسٍ عن معاذ بن جبلٍ قال: بعثني رسول الله ، وعلى هذا يكون الحديث من مسند معاذٍ، لكنَّه في جميع الطُّرق من مُسنَد ابن عبَّاسٍ، كما عند المؤلِّف، وليس حضور ابن عبَّاسٍ لذلك ببعيدٍ؛ لأنَّه كان في (٢) أواخر حياة النَّبيِّ ، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة، قاله الحافظ ابن حجرٍ (لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ) واليًا كما عند العسكريِّ، أو قاضيًا كما عند ابن البرِّ: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) بنصب «أهلَ» بدلًا (٣) من «قومٍ» لا صفةً، وهذا كالتَّوطئة للوصيَّة؛ لتقوى همَّتُه عليها؛ لكون (٤) أهل الكتاب أهل علمٍ في الجملة؛ ولذا خصَّهم بالذِّكر تفضيلًا لهم على غيرهم من عبدة الأوثان، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أهل الكتاب» بالتَّعريف (فَإِذَا جِئْتَهُمْ) عبَّر

بـ «إذا» دون «إن» تفاؤلًا بالوصول إليهم (فَادْعُهُمْ إِلَى (١) أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) بدأ بهما؛ لأنَّهما أصل الدِّين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلَّا بهما، واستدلَّ به على أنَّه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلَّا الله حتَّى يضيف الشَّهادة لمحمَّدٍ بالرِّسالة، وهو قول الجمهور (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا) أي: شهدوا وانقادوا (لَكَ بِذَلِكَ) وعدَّى «أطاع» باللَّام وإن كان يتعدَّى بنفسه؛ لتضمُّنه معنى «انقاد» (٢)، ولابن خزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك (٣)» (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) بأن أقرُّوا بوجوب الخمس عليهم و (٤) فعلوها (فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) في أموالهم (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) يأخذها الإمام أو نائبه (فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) خصَّهم بالذِّكر -وإن كان مستحقُّ الزَّكاة أصنافًا أخر- لمقابلة الأغنياء، ولأنَّ الفقراء هم الأغلب، والضَّمير في «فقرائهم» يعود على (٥) أهل اليمن، فلا يجوز النَّقل لغير فقراء أهل بلد الزَّكاة؛ كما سبق أوَّل «الزَّكاة» [خ¦١٣٩٥] (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ) أي: نفائسَ (أَمْوَالِهِمْ) بنصب «كرائمَ» بفعلٍ مُضمَرٍ لا يجوز إظهاره؛ للقرينة الدَّالَّة عليه، وقال ابن قتيبة: لا يجوز حذف واو: «وكرائم». انتهى. وعلَّل بأنَّها حرف عطفٍ، فيختلُّ الكلام بالحذف. (وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ) أي: تجنَّب جميع أنواع الظُّلم؛ لئلَّا يدعو عليك المظلوم، وإنَّما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم؛ للإشارة إلى أنَّ أخذَها ظلمٌ (فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ) أي: المظلوم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ:

«فإنَّها (١) ليس بينها» أي: دعوة المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ) وإن كان المظلوم عاصيًا؛ لحديث أحمد عن أبي هريرة بإسنادٍ حسنٍ مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه (٢)» وليس لله حجابٌ يحجبه عن خلقه، فإن قلت: إنَّ بعث معاذٍ كان بعد فرض الصَّوم والحجِّ، فلِمَ لم يذكرهما؟ أُجيب بأنَّه اختصارٌ من بعض الرُّواة، وقِيلَ: إنَّ اهتمام الشَّارع بالصَّلاة والزَّكاة أكثر؛ ولذا كُرِّرا (٣) في القرآن، فمن ثمَّ لم يذكرهما في هذا الحديث، وقال الإمام البلقينيُّ: إذا كان الكلام في بيان الأركان؛ لم يُخِلَّ الشَّارع منها (٤) بشيءٍ؛ كحديث ابن عمر [خ¦٨]: «بني الإسلام على خمسٍ … »، فإذا كان في الدُّعاء إلى الإسلام؛ اكتُفِي بالأركان الثَّلاثة: الشَّهادة والصَّلاة والزَّكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصَّوم والحجِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] في موضعين من «براءة» مع أنَّ نزولها بعد فرض الصَّوم والحجِّ قطعًا، والحكمة في ذلك: أنَّ الأركان الخمسة: اعتقاديٌّ؛ وهو الشَّهادة، وبدنيٌّ؛ وهو الصَّلاة، وماليٌّ؛ وهو الزَّكاة، فاقتصر في الدُّعاء إلى الإسلام عليها؛ لتفرُّع الرُّكنين الأخيرين عليها، فإنَّ الصَّوم بدنيٌّ محضٌ، والحجَّ بدنيٌّ وماليٌّ.

وهذا الحديث قد مرَّ في أوَّل «باب وجوب الزَّكاة» [خ¦١٣٩٥]. انتهى (٥).

(٦٤) (باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ) كأن يقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، ونحو ذلك، والمرادُ من الصَّلاة معناها اللَّغويُّ؛ وهو الدُّعاء، وعطف الدُّعاء على الصَّلاة؛ ليبيِّن أنَّ لفظ الصَّلاة ليس بحتمٍ، بل غيره من الدُّعاء ينزل منزلته، قاله ابن المُنيِّر، ويؤيِّده ما في حديث وائل بن حُجْرٍ عند النَّسائيِّ أنَّه قال في رجلٍ بعث بناقةٍ حسناء (٦) في

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَمُحَمّد بن الْحسن فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا بَأْس أَن يكون الْعَامِل هاشميا وَيَأْخُذ عمالته مِنْهَا، لِأَن ذَلِك على عمله، وَلقَائِل أَن يَقُول: هَذَا الْقيَاس لَيْسَ بِصَحِيح: لِأَن الْغَنِيّ إِذا كَانَ عَاملا يكون متفرغا لذَلِك صارفا نَفسه وحابسها لأجل ذَلِك فَيسْتَحق الْجعَالَة فِي مُقَابلَة هَذَا الْفِعْل، وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَة يكون لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِك، فَيصير كَابْن السَّبِيل تُبَاح لَهُ الصَّدَقَة، وَإِن كَانَ غَنِيا، بِخِلَاف الْهَاشِمِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة لكَونهَا أوساخ النَّاس وَلأَجل لُحُوق الذلة والهوان لشرف نسبه، فَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود دَائِما سَوَاء كَانَ الَّذِي يَأْخُذهُ من الصَّدَقَة على وَجه الاعتمال والاجتعال أَو غير ذَلِك. وَفِيه: دَلِيل على تَحْويل الصَّدَقَة إِلَى هَدِيَّة لِأَنَّهُ لما كَانَ يجوز التَّصَرُّف للمتصدق عَلَيْهِ فِيهَا بِالْبيعِ وَالْهِبَة لصِحَّة ملكه لَهَا، حكم لَهَا بِحكم الْهِبَة، وخروجها عَن معنى الصَّدَقَة فَصَارَت حَلَالا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْكُل الْهَدِيَّة دون الصَّدَقَة لما فِي الْهَدِيَّة من التألف وَالدُّعَاء إِلَى الْمحبَّة، وَقَالَ: تهادوا تحَابوا) ، وَجَائِز أَن يثبت عَلَيْهَا وَأفضل مِنْهَا فيرفع الذلة والْمنَّة بِخِلَاف الصَّدَقَة. وَفِيه: بَيَان أَن الْأَشْيَاء الْمُحرمَة لعلل مَعْلُومَة إِذا ارْتَفَعت عَنْهَا تِلْكَ الْعِلَل حلت وَأَن التَّحْرِيم فِي الْأَشْيَاء لَيْسَ لعينها.

٥٩٤١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُوسى اقال حدَّثنا وَكِيعٌ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلى بَريرَة فَقَالَ هُوَ عَلَيْها صدقَةٌ وَهْوَ لَنا هَدِيَّةٌ.

(الحَدِيث ٥٩٤١ طرفه فِي: ٧٧٥٢) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الصَّدَقَة الَّتِي تصدق بهَا على بَرِيرَة صَارَت هَدِيَّة لملكها إِيَّاهَا.

وَرِجَاله قد ذكرُوا وَيحيى بن مُوسَى بن عبد ربه أَبُو زَكَرِيَّا السّخْتِيَانِيّ الْبَلْخِي يُقَال لَهُ: خت، قد مر فِي آخر كتاب الصَّلَاة، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الزّهْد عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع، وَفِي الْهِبَة عَن بنْدَار عَن غنْدر. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع وَعَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار كلا من غنْدر وَعَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عَمْرو بن مَرْزُوق. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعمريّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن وَكِيع.

قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة) ، قد لفظ: (عَلَيْهَا) ليُفِيد الْحصْر أَي: عَلَيْهَا صَدَقَة لَا علينا، وَحَاصِله أَنَّهَا إِذا قبضهَا الْمُتَصَدّق زَالَ عَنْهَا وصف الصَّدَقَة وَحكمهَا، فَيجوز للغني شراها للْفَقِير، وللهاشمي أكله مِنْهَا.

وَقَالَ أبُو داوُدَ أنْبَأنا شُعْبَةُ عنُ قَتَادَةَ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَبُو دَاوُد هُوَ سُلَيْمَان الطَّيَالِسِيّ الْحَافِظ، كتب عَنهُ بأصفهان أَرْبَعُونَ ألف حَدِيث، وَلم يكن مَعَه كتاب، مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ. وَهَذَا التَّعْلِيق أسْندهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) فَقَالَ: حَدثنَا عبد الله حَدثنَا يُونُس حَدثنَا أَبُو دَاوُد يَعْنِي الطَّيَالِسِيّ قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة، فَذكره وَفَائِدَته تَصْرِيح قَتَادَة بِسَمَاعِهِ إِيَّاه من أنس، وَلما كَانَ قَتَادَة مدلسا قوي الْإِسْنَاد الأول بِهَذَا حَيْثُ قَالَ: سمع أنسا، إِذْ فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ. قَوْله: (أَنبأَنَا) أَي: أخبرنَا. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ: دَرَجَة أَنبأَنَا أحط من دَرَجَة أخبرنَا، وَهُوَ قَلِيل فِي الِاسْتِعْمَال، وثلاثيه من النبأ وَهُوَ الْخَبَر.

٣٦ - (بابُ أخْذِ الصَّدَقَةِ مِن الأغْنِيَاءِ وتُرَدُّ فِي الفُقرَاءِ حَيْثُ كَانُوا)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَخذ الصَّدَقَة، أَي: الزَّكَاة، من الْأَغْنِيَاء، فَإِذا أخذت مَا يكون حكمهَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (وَترد فِي الْفُقَرَاء) وَترد، بِنصب الدَّال بِتَقْدِير: أَن، ليَكُون فِي حكم الْمصدر، وَيكون التَّقْدِير: وَأَن ترد، أَي: وَالرَّدّ فِي الْفُقَرَاء حَاصله: بَاب فِي أَخذ الصَّدَقَة، وَفِي ردهَا فِي الْفُقَرَاء حَيْثُ كَانَ الْفُقَرَاء. قَوْله: (حَيْثُ كَانُوا) ، يشْعر بِأَنَّهُ اخْتَار جَوَاز نقل الزَّكَاة من بلد إِلَى بلد، وَفِيه خلاف، فَعَن اللَّيْث بن سعد وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه جَوَازه، وَنَقله ابْن الْمُنْذر عَن الشَّافِعِي وَاخْتَارَهُ، وَالأَصَح عِنْد الشَّافِعِيَّة والمالكية ترك النَّقْل، فَلَو نقل أَجْزَأَ عِنْد الْمَالِكِيَّة على الْأَصَح، وَلم يجزىء عِنْد الشَّافِعِيَّة على الْأَصَح إلَاّ إِذا فقد المستحقون لَهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن غَرَض البُخَارِيّ بَيَان الِامْتِنَاع، أَي: ترد على فُقَرَاء أُولَئِكَ الْأَغْنِيَاء، أَي: فِي مَوضِع

وجد لَهُم الْفُقَرَاء، وإلَاّ جَازَ النَّقْل، وَيحْتَمل أَن يكون غَرَضه عَكسه. قلت: لَيْسَ الظَّاهِر مَا قَالَه، فَإِنَّهُ قَالَ: ترد حَيْثُ كَانُوا، أَي: الْفُقَرَاء، وَهُوَ أَعم من أَن يَكُونُوا فِي مَوضِع كَانَ فِيهِ الْأَغْنِيَاء أَو فِي غَيره، فالعجب مِنْهُ الْعَكْس حَيْثُ جعل الِامْتِنَاع ظَاهرا وَهُوَ مُحْتَمل، وَجعل الظَّاهِر عكسا. فَافْهَم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث معَاذ فِي أَوَائِل الزَّكَاة.

٦٩٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ عنْ يَحْيَى بنِ عَبْدِ الله ابنِ صَيْفِيٍ ّ عنْ أبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ حِينَ بَعثَهُ إِلَى اليَمَنُ إنَّكَ سَتأتِي قَوْما أهْلَ كِتَابٍ فإذَا جِئْتُهمْ فادْعُهُمْ إلَى أنْ يَشْهَدُوا أنْ لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدا رسُولَ الله فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فأخْبِرْهُمْ أنَّ الله قَدْ فَرَضَ علَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائهِمْ فَتُرَدُّ عَلىَ فُقَرَائِهِمْ فإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذالِكَ فإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوالِهِم وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّهُ ليْسَ بَيْنَهُ وبيْنَ الله حِجَابٌ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تُؤْخَذ من أغنيائهم فَترد على فقرائهم) ، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى فِي أول: بَاب وجوب الزَّكَاة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد عَن زَكَرِيَّاء بن إِسْحَاق. . إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه عَن مُحَمَّد بن مقَاتل عَن عبد الله بن الْمُبَارك ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصىً، وَهَهُنَا زِيَادَة، وَهِي قَوْله: (فإياك وكرائم أَمْوَالهم وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) إِلَى آخِره، ولنذكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. فَقَوله: (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن) ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع الطّرق إلَاّ مَا أخرجه مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَأبي كريب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع، فَقَالَ فِيهِ: عَن ابْن عَبَّاس (عَن معَاذ بن جبل، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْيمن) فعلى هَذَا فَهُوَ من مُسْند معَاذ، وَسَائِر الرِّوَايَات غير هَذِه من مُرْسل ابْن عَبَّاس. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن أبي كريب عَن وَكِيع عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعث معَاذًا، وَكَذَا أخرجه إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن وَكِيع نَحوه، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) عَن وَكِيع، وَأخرجه عَنهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَظَالِم عَن يحيى بن مُوسَى عَن وَكِيع كَذَلِك. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن مُحَمَّد بن عبد الله المَخْزُومِي، وجعفر بن مُحَمَّد الثَّعْلَبِيّ والإسماعيلي من طَرِيق أبي خَيْثَمَة، ومُوسَى بن المسندي وَالدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي، وَإِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الْبَغَوِيّ، كلهم عَن وَكِيع كَذَلِك، وَلَا يستبعد حُضُور ابْن عَبَّاس لذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَاخِر حَيَاة النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ إِذْ ذَاك مَعَ أَبَوَيْهِ.

قَوْله: (ستأتي قوما) تَوْطِئَة للْوَصِيَّة ليقوي همته عَلَيْهَا لكَون أهل الْكتاب أهل علم فِي الْجُمْلَة فَلذَلِك خصهم بِالذكر تَفْضِيلًا لَهُم على غَيرهم. قَوْله: (أهل كتاب) ، بدل لَا صفة، وَكَانَ فِي الْيمن أهل الذِّمَّة وَغَيرهم. وَحكى ابْن إِسْحَاق فِي أول (السِّيرَة) : إِن أصل دُخُول الْيَهُود فِي الْيمن فِي زمن أسعد أبي كرب، وَهُوَ تبع الْأَصْفَر. قَوْله: (فَإِذا جئتهم) إِنَّمَا ذكر لَفْظَة: إِذا، دون: أَن، تفاؤلاً بِحُصُول الْوُصُول إِلَيْهِم. قَوْله: (فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) ، كَذَا فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِيهَا، وَفِي رِوَايَة روح بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة: (فَأول مَا تدعوهم إِلَيْهِ عبَادَة الله تَعَالَى، فَإِذا عرفُوا الله) . وَفِي رِوَايَة الْفضل بن الْعَلَاء عَنهُ: (إِلَى أَن يوحدوا الله، وَإِذا عرفُوا ذَلِك) . قَوْله: (فَإِن هم أطاعوا لَك بذلك) أَي: شهدُوا وانقادوا، وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: (فَإِن هم أجابوا لذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة الْفضل ابْن الْعَلَاء: (فَإِذا عرفُوا ذَلِك) ، وَإِنَّمَا عدى: أطاعوا، بِاللَّامِ وَإِن كَانَ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ لتَضَمّنه معنى: انقادوا قَوْله (فإياك) كلمة تحذير (وكرائم) مَنْصُوب بِفعل مُضْمر لَا يجوز إِظْهَاره قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَلَا يجوز حذف

الْوَاو، أما عدم جَوَاز إِظْهَار الْفِعْل فللقرينة الدَّالَّة عَلَيْهِ ولطول الْكَلَام، وَقيل: لِأَن مثل هَذَا يُقَال عِنْد تَشْدِيد الْخَوْف، وَأما عدم جَوَاز حذف الْوَاو لِأَنَّهَا حرف عطف، فيختل الْكَلَام بحذفه، والكرائم جمع: كَرِيمَة وَهِي النفيسة. قَوْله: (وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم) أَي: تجنب الظُّلم لِئَلَّا يَدْعُو عَلَيْك الْمَظْلُوم، وَقيل: هُوَ تذييل لاشْتِمَاله على الظُّلم الْخَاص وَهُوَ أَخذ الكرائم وعَلى غَيره. قَوْله: (فَإِنَّهُ) أَي: فَإِن الشان، وَهُوَ تَعْلِيل للاتقاء، وتمثيل للدعوة كمن يقْصد إِلَى السُّلْطَان متظلما فيمَ يحجب عَنهُ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: عظة الإِمَام وتخويفه من الظُّلم قَالَ تَعَالَى: {أَلا لعنة الله على الظَّالِمين} (هود: ٨١) . ولعنة الله إبعاده من رَحمته، وَالظُّلم محرم فِي كل شَرِيعَة، وَقد جَاءَ: (إِن دَعْوَة الْمَظْلُوم لَا ترد وَإِن كَانَت من كَافِر) . وروى أَحْمد فِي (مُسْنده) ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا: (دَعْوَة الْمَظْلُوم مستجابة وَإِن كَانَ فَاجِرًا، ففجوره على نَفسه) . وَمعنى ذَلِك أَن الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يرضى ظلم الْكَافِر كَمَا لَا يرضى ظلم الْمُؤمن، وَأخْبر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنه لَا يظلم النَّاس شَيْئا، فَدخل فِي عُمُوم هَذَا اللَّفْظ جَمِيع النَّاس من مُؤمن وَكَافِر، وحذر معَاذًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من الظُّلم مَعَ علمه وفضله وورعه، وَأَنه من أهل بدر وَقد شهد لَهُ بِالْجنَّةِ، غير أَنه لَا يَأْمَن أحدا، بل يشْعر نَفسه بالخوف، وفوائده كَثِيرَة ذَكرنَاهَا فِي حَدِيث معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أول الزَّكَاة.

٤٦ - (بابُ صَلَاةِ الإمامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وقَوْلِهِ {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الإِمَام ودعائه لصَاحب الصَّدَقَة، وَالْمرَاد من الصَّلَاة الدُّعَاء لِأَن مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا عطف لفظ الدُّعَاء على الصَّلَاة لِئَلَّا يفهم أَن الدُّعَاء بِلَفْظ الصَّلَاة مُتَعَيّن، بل إِذا دعِي بِلَفْظ يُؤَدِّي معنى الثَّنَاء وَالْخَيْر فَإِنَّهُ يَكْفِي، مثل أَن يَقُول: آجرك فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارك لَك فِيمَا أبقيت أَو يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَتقبل مِنْهُ، وَنَحْو ذَلِك، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث وَائِل بن حجر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي رجل بعث بِنَاقَة حَسَنَة فِي الزَّكَاة: اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَفِي إبِله. قيل: إِنَّمَا ذكر لفظ الإِمَام فِي التَّرْجَمَة ردا لشُبْهَة أهل الرِّدَّة فِي قَوْلهم لأبي بكر الصّديق: إِنَّمَا قَالَ الله عز وَجل لرَسُوله: {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَادعوا خُصُوصِيَّة ذَلِك بالرسول، فَأَرَادَ أَن كل إِمَام دَاخل فِيهِ، وَلِهَذَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله من الْمَجْرُور أَعنِي: لفظ الصَّلَاة وَالدُّعَاء، أَمر الله تَعَالَى رَسُوله أَن يَأْخُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا، وَأمره أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم بقوله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: ادْع لَهُم واستغفر لَهُم، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب: (عَن عبد الله ابْن أبي أوفى قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَى بِصَدقَة قوم صلى عَلَيْهِم، فَأَتَاهُ أبي بِصَدقَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى) . وَفِي حَدِيث آخر: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله، صل عَليّ وعَلى زَوجي! فَقَالَ: صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك) . قَوْله: {إِن صَلَاتك سكن لَهُم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي سكن لَهُم، وَقَالَ قَتَادَة: وقار وقرىء: {إِن صلواتك} على الْجمع. قَوْله: {وَالله سميع عليم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: سميع لدعائك عليم من يسْتَحق ذَلِك مِنْك، وَمن هُوَ أهل لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ صل عَلَيْهِم إِذا مَاتُوا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّهَا فِي الشَّرِيعَة مَحْمُولَة على الصَّلَاة أَي: الْعِبَادَة المفتتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ، أَو أَنه من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم ينْقل أحد أَنه أَمر السعاة بذلك، وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهم بِهِ ولعلمهم كيفيته، وبالقياس على اسْتِيفَاء سَائِر الْحُقُوق إِذْ لَا يجب الدُّعَاء فِيهِ. انْتهى. قلت: لم ينْحَصر معنى قَوْله تَعَالَى: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . على مَا ذكره ابْن بطال من الصَّلَاة على الْجِنَازَة، بل جُمْهُور الْمُفَسّرين فسروا قَوْله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . مثل مَا ذكرنَا، وَعَن هَذَا قَالَ الْخطابِيّ: أصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء إلَاّ أَن الدُّعَاء يخْتَلف بِحَسب الْمَدْعُو لَهُ، فَصلَاته عَلَيْهِ السَّلَام لأمته دُعَاء لَهُم بالمغفرة، وَصَلَاة الْأمة لَهُ دُعَاء لَهُ بِزِيَادَة الْقرْبَة والزلفة، وبظاهر الْآيَة أَخذ أهل الظَّاهِر، وَقَالُوا: الدُّعَاء وَاجِب، وَخَالفهُم جَمِيع الْعلمَاء، وَقَالُوا: إِنَّه مُسْتَحبّ لِأَنَّهَا تقع الْموقع وَإِن لم يدع، وَلَو كَانَ وَاجِبا، لأمر السعاة بِهِ، كَمَا ذكرنَا.

٧٩٤١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قَالَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله