«لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٨٤

الحديث رقم ١٤٨٤ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل…

«لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الْإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ إِذَا قَالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا.

سند حديث: ١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا…

١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل…

الزكاة، مواساة بين الأغنياء والفقراء، ولذا فإنها لا تؤخذ ممن ماله قليل لا يُعدَّ به غنيا.
فالشارع بين أدنى حد لمن تجب عليه، وأما من يملك دون الحد الأدنى، فإنه فقير لا يؤخذ منه شيء.
فصاحب الفضة، لا تجب عليه حتى يكون عنده خمس أَوَاقٍ، وكل أوقية أربعون درهما، فيكون نصابه منها مائتي درهم ، تعادل: خَمْسَمائَةٍ وتسعين جرامًا.
وصاحب الإبل لا تجب عليه الزكاة، حتى يكون عنده خمسٌ فصاعدا، وما دون ذلك ليس فيها زكاة.
وصاحب الحبوب والثمار، لا تجب عليه، حتى يكون ما عنده خمسة أَوسُقٍ، و"الوَسْقُ" ستون صاعا، فيكون نصابه ثَلاثُمِائةِ صاعٍ.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوب الزكاة في الفضة، والإبل، والحبوب والثمار، إذا بلغت نصابًا.
  • فيه مقدار نصاب الأشياء الثلاثة.
  • سقوط الزكاة فيما دون تلك المقادير من هذه الأعيان.
  • أن النقصان اليسير في الوزن يمنع وجوب الزكاة.
  • حكمة التشريع بإسقاط الزكاة عما دون النصاب؛ حيث لا يحتمل أن تؤخذ منه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا: لَا زَكَاةَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَمُعَاذٍ مَرْفُوعًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا مُرْسَلُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا يُكَالُ مِمَّا يُدَّخَرُ لِلِاقْتِيَاتِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ: يُخْرِجُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لَاقْتَياتُ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي يُوسُفَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِمَّا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: تَجِبُ فِي جَمِيعِ مَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الْأَرْضِ إِلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ وَالشَّجَرَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ثَمَرٌ. انْتَهَى.

وَحَكَى عِيَاضٌ، عَنْ دَاوُدَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَيْلُ يُرَاعَى فِيهِ النِّصَابُ، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَيْلُ فَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَقْوَى الْمَذَاهِبِ وَأَحْوَطُهَا لِلْمَسَاكِينِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ، قَالَ: وَقَدْ زَعَمَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ لِتَفْصِيلِ مَا تُقِلُّ مِمَّا تَكْثُرُ مُؤْنَتُهُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (كَمَا رَوَى إِلَخْ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فِي حَدِيثَيِ الْفَضْلِ، وَبِلَالٍ، وَحَدِيثُ الْفَضْلِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَدِيثُ بِلَالٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَكْمِيلٌ): اخْتُلِفَ فِي هَذَا النِّصَابِ: هَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ؟ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَحْمَدُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَّا إِنْ كَانَ نَقْصًا يَسِيرًا جِدًّا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ فَلَا يَضُرُّ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِحِسَابِهِ وَلَا وَقَصَ فِيهَا.

٥٦ - بَاب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ

١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ إِذَا قَالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْوَرِقِ وَذُكِرَ فِيهِ قَدْرُ الْوَسْقِ وَقَوْلُهُ هُنَا: لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مَا زَائِدَةٌ، وَأَقَلُّ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِفِي، وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدَهُ بِلَفْظِ: وَلَيْسَ فِي أَقَلَّ.

٥٧ - بَاب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ

١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ فَجَعَلَ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ فَأَخَذَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٨٤ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ) «ما»: زائدةٌ، و «أقلَّ»: مجرورٌ بـ «في» بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرف بدليل قوله بعد: و «لا في أقلَّ»، وقيَّده بعضهم فيما حكاه في «التَّنقيح» بالرَّفع، قال في «اللَّامع» و «المصابيح»، واللَّفظ له: فتكون «ما» موصولةً، حُذِف صدر صلتها، وهو المبتدأ الذي (١) «أقلُّ» خبره، أي: فيما هو أقلُّ، وجاز الحذف هنا؛ لطول صلة ذلك بمُتعلَّق الخبر (مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) بفتح الهمزة وضمِّ السِّين، جمع وسقٍ، وسبق (٢) الكلام فيه [خ¦١٤٠٥] (وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ) بغير ياءٍ؛ كـ «جوارٍ»، ولأبي ذرٍّ: «خمسة أواقيِّ» بتاء التَّأنيث في «خمس»، و «أواقيِّ» بالياء المُشدَّدة (مِنَ الوَرِقِ) أي: الفضَّة (صَدَقَةٌ) أي: زكاةٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (هَذَا) الحديث (تَفْسِيرُ) حديث ابن عمر [خ¦١٤٨٣] (الأَوَّلِ) المذكور في الباب السَّابق (إِذَا) بألفٍ بعد الذَّال؛ كذا في الفرع وأصله (٣)، والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ، وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة: «إذا» بألفٍ بعد المعجمة، ولعلَّها سبق قلمٍ، وإلَّا فالمراد: «إذ» التَّعليليَّة، ولا وقفت (٤) على أنَّ «إذا» تَرِدُ بمعنى: «إذ» التَّعليليَّة بعد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّارِيخ، وَلَا تقدم حَدِيث أبي سعيد، وَإِنَّمَا الأَصْل عِنْده التَّوَقُّف إِذا جهل التَّارِيخ وَالرُّجُوع إِلَى غَيرهمَا، أَو يرجح أَحدهمَا بِدَلِيل، وَمن جملَة تَرْجِيح الْعَام هُنَا هُوَ أَنه إِذا خص لزم إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله أَن يكون مرَادا، وَمِنْهَا الِاحْتِيَاط فِي جعله آخرا كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ ابْن بطال: نَاقض أَبُو حنيفَة حَيْثُ اسْتعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي مَسْأَلَة الرقة، وَلم يسْتَعْمل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، كَمَا أَنه أوجب الزَّكَاة فِي الْعَسَل وَلَيْسَ فِيهِ خبر وَلَا إِجْمَاع. قلت: كَيفَ يسْتَعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ غير قَائِل بِهِ هُنَا لعدم الْإِجْمَال فِيهِ، وَمن أَيْن الْإِجْمَال ودلالته ظَاهِرَة، لِأَن دلَالَته على إِفْرَاده كدلالة الْخَاص على فَرد وَاحِد، فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير، وَلَفظ الصَّدَقَة فِي الزَّكَاة أظهر من الْعشْر فَصَرفهُ إِلَيْهَا أولى، وَلَا كَذَلِك صَدَقَة الرقة. وَلم يفهم ابْن بطال الْفرق بَينهمَا، وَكَيف يَقُول ابْن بطال: كَمَا أَنه أوجب الزَّكَاة وَلَيْسَ فِيهِ خبر؟ وَقد ذكرنَا عَن التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (فِي الْعَسَل فِي كل عشرَة أزق زق) ، وَذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب جملَة أَحَادِيث تدل على الْوُجُوب، وَقَوله: وَلَا إِجْمَاع، كَلَام واهٍ، لِأَن الْمُجْتَهد لَا يرى بِالْوُجُوب فِي شَيْء إلَاّ إِذا كَانَ فِيهِ إِجْمَاع، وَهَذَا لم يقل بِهِ أحد. قَوْله: (أهل الثبت) ، بتحريك الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أهل الثَّبَات. قَوْله: (كَمَا روى الْفضل بن عَبَّاس) أَي: عبد الْمطلب، ابْن عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا الَّذِي ذكره صُورَة اجْتِمَاع النَّفْي وَالْإِثْبَات، لِأَن الْفضل يَنْفِي صَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوف الْكَعْبَة لما حج عَام الْفَتْح، وبلال يثبت ذَلِك، فَأخذ بقول بِلَال لكَونه يثبت أمرا، وَترك قَول الْفضل لِأَنَّهُ يَنْفِيه، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّفْي مَتى عرف بدليله يُعَارض الْمُثبت وإلَاّ فَلَا، وَهَهُنَا لم يعرف النَّفْي بِدَلِيل، فَقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وَذكر بعض أَصْحَابنَا هَذِه الصُّورَة بِخِلَاف مَا قَالَه البُخَارِيّ، وَهِي: أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، روى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى فِي جَوف الْكَعْبَة، ورجحنا رِوَايَته على رِوَايَة بِلَال أَنه: لم يصل فِي جَوف الْكَعْبَة عَام الْفَتْح فِي تِلْكَ الْأَيَّام.

٦٥ - (بابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة، أَي: زَكَاة.

٤٨٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا مالِكٌ قَالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَيْسَ فِيمَا أقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أقَلَّ منْ خَمْسَةٍ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أقَلَّ مِنْ خَمْسِ أوَاقٍ منَ الوَرَقِ صَدَقَةٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة الْجُزْء الأول من الحَدِيث، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب زَكَاة الْوَرق، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَلَكِن فِي الْمَتْن اخْتِلَاف فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَهَهُنَا رَوَاهُ عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن مَالك.

قَوْله: (فِيمَا أقل) ، كلمة: مَا، زَائِدَة و: أقل، فِي مَحل الْجَرّ، وَقَالَ ابْن بطال: الأوسق الْخَمْسَة هِيَ الْمِقْدَار الْمَأْخُوذ مِنْهُ، وَأوجب أَبُو حنيفَة فِي قَلِيل مَا تخرجه الأَرْض وَكَثِيره، فَإِنَّهُ خَالف الْإِجْمَاع. قلت: لَيْت شعري كَيفَ يتَلَفَّظ بِهَذَا الْكَلَام؟ وَمن أَيْن الْإِجْمَاع حَتَّى خَالفه أَبُو حنيفَة؟ وَقد ذكرنَا عَن جمَاعَة ذَهَبُوا إِلَى مَا قَالَه أَبُو حنيفَة، قَالَ: وَكَذَلِكَ أوجبهَا فِي الْبُقُول والرياحين وَمَا لَا يوسق كالرمان، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. قلت: أوجب أَبُو حنيفَة فِي الْبُقُول، يَعْنِي: الخضروات بِعُمُوم حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور عَن قريب، وبعموم حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (فِيمَا سقت السَّمَاء والغيم العُشر، وَفِيمَا سقِِي بالسانية نصف العُشر) ، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأحمد، فَدلَّ عمومها على وجوب العُشر فِي جَمِيع مَا أخرجته الأَرْض من غير قيد وَإِخْرَاج لبَعض الْخَارِج عَن الْوُجُوب وإخلائه عَن حُقُوق الْفُقَرَاء، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي (عارضة الأحوذي) : وَأقوى الْمذَاهب فِي الْمَسْأَلَة

مَذْهَب أبي حنيفَة دَلِيلا، وأحفظها للْمَسَاكِين، وأولاها قيَاما بشكر النِّعْمَة، وَعَلِيهِ يدل عُمُوم الْآيَة والْحَدِيث، وَقد رام الْجُوَيْنِيّ أَن يخرج عُمُوم الحَدِيث من يَدي أبي حنيفَة بِأَن قَالَ: إِن هَذَا الحَدِيث لم يَأْتِ للْعُمُوم، وَإِنَّمَا جَاءَ لتفصيل الْفرق بَين مَا يقلّ وَيكثر مؤونته وَأبْدى، فِي ذَلِك وَأعَاد، وَلَيْسَ بممتنع أَن يَقْتَضِي الحَدِيث الْوَجْهَيْنِ: الْعُمُوم وَالتَّفْصِيل، وَذَلِكَ أكمل فِي الدَّلِيل وَأَصَح فِي التَّأْوِيل. انْتهى. وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة الْمَالِكِيَّة) وَالظَّاهِر أَنه نَقله من كَلَام الْجُوَيْنِيّ: إِن الْكَلَام إِذا سيق لِمَعْنى لَا يحْتَج بِهِ فِي غَيره، وَهَذِه قَاعِدَة أصولية، فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّمَا المَاء من المَاء) ، لَا يسْتَدلّ بِهِ على جَوَاز المَاء الْمُسْتَعْمل، لِأَنَّهُ لم يرد إلَاّ لبَيَان حصر الْوُجُوب للْغسْل، فَكَذَا قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) ورد لبَيَان جُزْء الْوَاجِب لَا لبَيَان مَحل الْوُجُوب، فَلَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: النَّص اشْتَمَل على جملتين: شَرْطِيَّة وجزائية، فالجملة الشّرطِيَّة لعُمُوم مَحل الْوَاجِب، فإلغاء عمومها بَاطِل، وَالْجُمْلَة الجزائية لبَيَان مِقْدَار الْوَاجِب، مِثَاله قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه) ، فالجملة الشّرطِيَّة وَهِي الأولى وَردت لبَيَان سَبَب اسْتِحْقَاق الْقَاتِل، وَعُمُوم من فعل ذَلِك. وَالْجُمْلَة الثَّانِيَة: الجزائية، وَردت لبَيَان مَا يسْتَحقّهُ، وَهُوَ سلب الْمَقْتُول، واختصاصه بِهِ، فَلَا يجوز إبِْطَال مَدْلُول الشَّرْط كَمَا لَا يجوز إبِْطَال مَدْلُول الْجَزَاء، وَلَيْسَ هَذَا نَظِير مَا اسْتشْهد بِهِ الْقَرَافِيّ، وَقد يساق الْكَلَام لأمر وَله تعلق بِغَيْرِهِ وإيماء بِهِ وَإِشَارَة إِلَيْهِ، ألَا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن} (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . سيقت الْآيَة لبَيَان وجوب نَفَقَة المطلقات وكسوتهن إِذا أرضعن أَوْلَادهنَّ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن للْأَب تَأْوِيلا فِي نفس الْوَلَد وَمَاله حَتَّى لَا يسْتَوْجب الْعقُوبَة بوطىء جَارِيَته، وَلَا بِسَبَبِهِ، ذكره السَّرخسِيّ فِي (أُصُوله) ، وَقَاعِدَة الْقَرَافِيّ هَذِه إِن كَانَت صَحِيحَة أبطلت عَلَيْهِ قَاعِدَة مذْهبه ومدركه لِأَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا صَدَقَة فِي حب وَلَا ثَمَر حَتَّى يبلغ خَمْسَة أوسق) سيق لبَيَان تَقْدِير النّصاب، وَنفى الْوُجُوب عَمَّا دون الْخَمْسَة الأوسق، فَلَا يدل حِينَئِذٍ على عُمُوم الْحبّ وَالثَّمَر، وَقد قَالَ: هُوَ عَام فِي الْحُبُوب وَالثِّمَار. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ عَن معَاذ أَنه كتب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْأَله عَن الخضروات وَهِي: الْبُقُول، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْء! قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَيْسَ يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْء، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُرْسلا، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة قَالَت: جرت السّنة من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَيْسَ فِيمَا أنبتت الأَرْض من الْخضر زَكَاة، وَفِي سَنَده صَالح بن مُوسَى، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن جَابر، قَالَ: لم يكن المقاثي فِيمَا جَاءَ بِهِ معَاذ، وَلَيْسَ فِي المقاثي شَيْء، وَقد تكون عندنَا المقثاة تخرج عشرَة الْآن، فَلَا يكون فِيهَا شَيْء، قلت: فِي سَنَده عدي بن الْفضل، وَهُوَ مَتْرُوك.

قالَ أبُو عَبْدِ الله هاذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ إذَا قالَ لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيِّنْ وَيُؤْخَذُ أبَدا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أهْلُ الثَّبَتِ أوْ بَيَّنُوا

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَأَرَادَ بِالْأولِ حَدِيث أبي سعيد، وَقد مر هَذَا عَن قريب. قَوْله: (وَيُؤْخَذ أبدا) إِلَى آخِره، يرد عَلَيْهِ مَا بيَّنه أَبُو حنيفَة من استدلاله بِعُمُوم حَدِيث ابْن عمر، وَهُوَ من أهل الْعلم الْكِبَار الْمُجْتَهدين، وَقد بيّن هَذَا، فَيَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ بِهِ، والمكابرة مطروحة.

٧٥ - (بابُ أخذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فيَمَس تَمْرَ الصَّدَقَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَخذ الصَّدَقَة من التَّمْر عِنْد صرام النّخل، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ: الْجذاذ والقطاف وزنا وَمعنى، وصرام النّخل أَوَان إِدْرَاكه، وأصرم: حَان صرامه، والصرامة: مَا صرم من النّخل، ونخل صريم مصروم، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (المغيث) : قد يكون الصرام النّخل لِأَنَّهُ يصرم أَي: يجتنى ثمره، والصرام التَّمْر بِعَيْنِه أَيْضا لِأَنَّهُ يصرم، فَسمى بِالْمَصْدَرِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَوْله: عِنْد صرام النّخل، يُرِيد بعد أَن يصير تَمرا لِأَنَّهُ يصرم النّخل وَهُوَ رطب فيثمر فِي المربد، وَلَكِن ذَاك لَا يَتَطَاوَل، فَحسن أَن ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: (وَهل يتْرك الصَّبِي؟) تَرْجَمَة أُخْرَى، وللترجمة الأولى تعلق بقوله

تَعَالَى: {وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده} (الْأَنْعَام: ١٤١) . وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: {حَقه} (الْأَنْعَام: ١٤١) . فَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ الْوَاجِبَة، وَعَن ابْن عمر: هُوَ شَيْء سوي الزَّكَاة، وَبِه قَالَ عَطاء وَغَيره، وللترجمة الثَّانِيَة تعلق بِالتّرْكِ، وَلكنه ذكره بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام لاحْتِمَال أَن يكون النَّهْي خَاصّا بِمن لَا يحل لَهُ تنَاول الصَّدَقَة. فَإِن قلت: الصَّبِي لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْخطاب؟ قلت: وليه يُخَاطب بتأديبه وتعليمه. قَوْله: (فيمس) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام.

٥٨٤١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الأسَدِيُّ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فيَجِيءُ هاذا بِتَمْرِهِ وَهاذا مِنْ تَمرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهْ كَوْما مِنْ تَمْر فجَعَلَ الحَسنُ والحُسَينُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يلْعَبَانِ بِذالِكَ التَّمْرِ فأخذَ أحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجعَلَهُ فِي فِيهِ فنَظَرَ إلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ أمَا عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يأْكُلونَ الصَّدَقَةَ.

مطابقته للترجمتين ظَاهِرَة لِأَن مطابقته للأولى فِي قَوْله: (عِنْد صرام النّخل) ، وللثانية فِي قَوْله: (فَجعل الْحسن. .) إِلَى آخِره.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عمر بن مُحَمَّد بن الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن التل، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام: الْأَسدي، بِسُكُون السِّين الْمُهْملَة. وَحكى الغساني: الْأَزْدِيّ، بالزاي بدل السِّين، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو جَعْفَر، مَاتَ سنة مِائَتَيْنِ. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، مر فِي: بَاب الْقِسْمَة وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وخفة الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي: بَاب غسل الأعقاب. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه أول مَا ذكره هُنَا وَأَنه وأباه كوفيان وَإِبْرَاهِيم هروي سكن نيسابور، ثمَّ سكن مَكَّة وَأَن مُحَمَّد بن زِيَاد مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد أخرج البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا الحَدِيث من طَرِيق شُعْبَة: عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن قريب يَأْتِي فِي: بَاب مَا يذكر فِي الصَّدَقَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم من طَرِيق شُعْبَة هَذَا عَن مُحَمَّد هُوَ: ابْن زِيَاد، سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (أَخذ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كخ كخ إرم بهَا، أما علمت أنّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة؟) وَفِي رِوَايَة لَهُ: (أنّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي (السّير) : عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة.

وَفِي الْبَاب عَن أبي رَافع، وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن بن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة وَمُعَاوِيَة بن حيدة وَعبد الْمطلب بن ربيعَة وَأبي ليلى وَبُرَيْدَة بن حصيب وسلمان الْفَارِسِي وهرمز أَو كيسَان مولى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورشيد بن مَالك وَمَيْمُون أَو مهْرَان وَالْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَحَدِيث أبي رَافع أخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن ابْن رَافع (عَن أبي رَافع: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلا على الصَّدَقَة من بني مَخْزُوم، فَقَالَ لأبي رَافع: إصحبني فَإنَّك تصيب مِنْهَا. فَقَالَ: حَتَّى آتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسْأَلْهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مولى الْقَوْم من أنفسهم، وَإِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) ، وَاسم أبي رَافع: إِبْرَاهِيم أَو أسلم أَو ثَابت أَو هُرْمُز مولى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسم ابْنه عبيد الله، كَاتب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ورجلاً) ، هُوَ الأرقم بن أبي الأرقم الْقرشِي المَخْزُومِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن شُعْبَة. وَحَدِيث أنس أخرجه الشَّيْخَانِ، وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم، وَلَفظه: (وَالله إِنِّي لأنقلب إِلَى أَهلِي فأجد التمرة سَاقِطَة على فِرَاشِي. أَو

فِي بَيْتِي، فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخْشَى أَن تكون صَدَقَة فألقيها) . وَحَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة أبي الْحَوْرَاء، قَالَ: كُنَّا عِنْد الْحسن بن عَليّ، فَسئلَ: مَا عقلت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ أَو: عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: كنت أَمْشِي مَعَه، فَمر على جرين من تمر الصَّدَقَة، فَأخذت تَمْرَة فألقيتها فِي فمي، فَأَخذهَا بلعابها، فَقَالَ بعض الْقَوْم: وَمَا عَلَيْك لَو تركتهَا؟ فَقَالَ: إنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَإِسْنَاده صَحِيح. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ قَالَ: (اسْتعْمل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الأرقم ابْن أبي الأرقم على السّعَايَة، فاستتبع أَبَا رَافع، فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا رَافع {إِن الصَّدَقَة حرَام عَليّ وعَلى آل مُحَمَّد، وَإِن مولى الْقَوْم من أنفسهم) . وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَوَاهُ أَحْمد، حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا أُسَامَة بن زيد عَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجد تَمْرَة تَحت جنبه من اللَّيْل فَأكلهَا، فَلم ينم تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقَالَ بعض نِسَائِهِ: يَا رَسُول الله أرقت البارحة} قَالَ: إِنِّي وجدت تَمْرَة فَأَكَلتهَا. وَكَانَ عندنَا تمر من تمر الصَّدَقَة فَخَشِيت أَن تكون مِنْهُ) . وَحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: (قدم وَفد الثقيف على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَهُمْ هَدِيَّة، فَقَالَ: أهدية أم صَدَقَة ... ؟) الحَدِيث. وَفِيه: (قَالُوا: لَا، بل هَدِيَّة، فقبلها مِنْهُم وَقعد مَعَهم يسائلهم ويسائلونه حَتَّى صلى الظّهْر مَعَ الْعَصْر) . وَحَدِيث مُعَاوِيَة بن حيدة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مكي بن إِبْرَاهِيم ويوسف ابْن سعد الضبعِي، قَالَا: حَدثنَا بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أُتِي بِشَيْء سَأَلَ: أصدقة هِيَ أم هَدِيَّة؟ فَإِن قَالُوا: صَدَقَة، لم يَأْكُل وَإِن قَالُوا: هَدِيَّة، أكل) . وجد بهز بن حَكِيم اسْمه مُعَاوِيَة بن حيدة القريشي وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَحَدِيث عبد الْمطلب بن ربيعَة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مطولا. وَفِيه: (إِن الصَّدَقَة لَا تنبغي إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس) ، وَفِي رِوَايَة: (إِن هَذِه الصَّدَقَة إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس، وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد) ، الحَدِيث. وَحَدِيث أبي ليلى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة شريك عَن عبد الله بن عِيسَى عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (عَن أبي ليلى قَالَ: دخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيت الصَّدَقَة وَمَعَهُ الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخذ تَمْرَة فوضعها فِي فِيهِ، فَأدْخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إصبعه فأخرجها من فِيهِ، ثمَّ قَالَ: إنّا أهل بَيت لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَحَدِيث بُرَيْدَة بن حصيب رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل من رِوَايَة الْحسن بن وَاقد (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ سلمَان إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قدم الْمَدِينَة بمائدة عَلَيْهَا رطب، فوضعها بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هَذَا يَا سلمَان؟ قَالَ: صَدَقَة عَلَيْك وعَلى أَصْحَابك. قَالَ: إرفعها فَإنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) . وَحَدِيث سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة أبي ذَر الْكِنْدِيّ عَن سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما قدم الْمَدِينَة) الحَدِيث، وَفِيه: (فَسَأَلَهُ: أصدقة أم هَدِيَّة؟ فَقَالَ: هَدِيَّة، فَأكل) . اللَّفْظ للْحَاكِم، وروى أَحْمد من رِوَايَة أبي الطُّفَيْل (عَن سلمَان، قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة) . وَحَدِيث هُرْمُز أَو كيسَان رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد، قَالَ: حَدثنَا وَرْقَاء بن عمر (عَن عَطاء بن السَّائِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: دخلت على أم كُلْثُوم بنت عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَت: إِن مولى لنا يُقَال لَهُ هُرْمُز أَو كيسَان أَخْبرنِي أَنه مر على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فدعاني فَجئْت، فَقَالَ: يَا فلَان إنّا أهل بَيت قد نهينَا أَن نَأْكُل الصَّدَقَة، وَإِن مولى الْقَوْم من أنفسهم، فَلَا تَأْكُل الصَّدَقَة) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ: مهْرَان، وَأخرجه الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) وَقَالَ: هُرْمُز، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة، وَقَالَ: كيسَان، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق وَقَالَ: مَيْمُون أَو مهْرَان. وَحَدِيث رشيد، بِضَم الرَّاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مَالك بن عميرَة السَّعْدِيّ التَّمِيمِي الصَّحَابِيّ، عداده فِي الْكُوفِيّين، ويكنى بِأبي عميرَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْمِيم، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأتي بطبق عَلَيْهِ تمر، فَقَالَ: أصدقة أم هَدِيَّة؟ قَالَ: بل صَدَقَة، فَوَضعه بَين يَدي الْقَوْم وَالْحسن يتعفر بَين يَدَيْهِ، وَأخذ الصَّبِي تَمْرَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَأدْخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إصبعه فَجعل يترفق بِهِ، فأخرجها فقذفها، ثمَّ قَالَ: إنّا آل مُحَمَّد لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) . وَأخرجه الْكَجِّي فِي (مُسْنده) نَحوه. قَوْله: (يتعفر) ، أَي: يتمرغ بِالتُّرَابِ، لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا يلْعَب. وَحَدِيث مَيْمُون أَو مهْرَان رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق، وَقد

ذَكرْنَاهُ الْآن. وَحَدِيث الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا وَكِيع، قَالَ: حَدثنَا ثَابت ابْن عمَارَة عَن ربيعَة بن شَيبَان، قَالَ: قلت للحسين بن عَليّ: مَا تعقل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: صعدت غرفَة فَأخذت تَمْرَة فلكتها فِي فيّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ألقها، فَإنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة، وَقد تقدم حَدِيث الْحسن بن عَليّ على نَحْو هَذَا، وَكِلَاهُمَا من رِوَايَة أبي الْحَوْرَاء عَنهُ، وَأَبُو الْحَوْرَاء هُوَ ربيعَة بن شَيبَان، قَالَ شَيخنَا زين الدّين: الظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ لكل وَاحِد وَاحِدَة، فالحسن مر على جرين تمر، وَالْحُسَيْن صعد غرفَة فِيهَا تمر الصَّدَقَة، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَته الْحسن مكبر، وطرق حَدِيثه أَكثر من طرق حَدِيث الْحُسَيْن، وَالله أعلم.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عِنْد صرام النّخل) أَي: عِنْد جذاذه، وَهُوَ قطع التمرة مِنْهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كوما) ، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ مَعْرُوف، وَأَصله: الْقطع الْعَظِيمَة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِهِ: مَا اجْتمع من التَّمْر كالصرمة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كوما، بِضَم الْكَاف. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: كومت كومة، بِالضَّمِّ: إِذا جمعت قِطْعَة من تُرَاب وَرفعت رَأسهَا، وَهُوَ فِي الْكَلَام بِمَنْزِلَة قَوْلك: صبرَة من الطَّعَام. قَالَ: وَفِي بعض الرِّوَايَة بِالْفَتْح. وانتصاب كوما على أَنه خبر: يصير، أَي: حَتَّى يصير التَّمْر عِنْده كوما ويروى: كوم، بِالرَّفْع على أَنه اسْم: يصير، وَيكون: يصير، تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (من تمر) كلمة: من، بَيَانِيَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَولا بثمرة يَعْنِي بِالْبَاء، وَهنا قَالَ: من تمر، يَعْنِي بِكَلِمَة: من، لِأَن فِي الأول ذكر المجبىء بِهِ، وَفِي الثَّانِي المجىء عَنهُ، وهما متلازمان وَإِن تغايرا مفهوما. قَوْله: (فَأخذ أَحدهمَا) وَهُوَ الْحسن مكبر كَمَا سَيَأْتِي بعد بَابَيْنِ من رِوَايَة شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِلَفْظ: فَأخذ الْحسن بن عَليّ. قَوْله: (فَجعله) إِنَّمَا ذكّر الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى: التمرة، بِاعْتِبَار الْمَأْخُوذ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَجَعلهَا، أَي: التمرة على الأَصْل. قَوْله: (فِي فِيهِ) أَي: فِي فَمه، وَفِي الْفَم تسع لُغَات: تثليث الْفَاء مَعَ تَخْفيف الْمِيم وَالنَّقْص وَفتح الْفَاء وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الْمِيم وَفتحهَا وَضمّهَا وَكسرهَا مَعَ التَّخْفِيف وَالْقصر. قَوْله: وَحكى ابْن الْأَعرَابِي فِي تثنيته: فموان وفميان، وَحكى اللحياني أَنه يُقَال: فَم وأفمام، واللغة التَّاسِعَة: النَّقْص وَاتِّبَاع الْفَاء الْمِيم فِي الحركات الإعرابية، تَقول: هَذَا فَمه، وَرَأَيْت فَمه، وَنظرت إِلَى فَمه. قَوْله: (أما علمت؟) ويروى بِدُونِ همزَة الِاسْتِفْهَام لَكِنَّهَا مقدرَة. قَوْله: (إِن آل مُحَمَّد) آل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَنو هَاشم خَاصَّة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك، وَعند الشَّافِعِي: هم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، وَبِه قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ القَاضِي: وَقَالَ بعض الْعلمَاء: هم قُرَيْش كلهَا. وَقَالَ إصبغ الْمَالِكِي: هم بَنو قصي، وَبَنُو هَاشم هم آل عَليّ، وَآل عَبَّاس وَآل جَعْفَر وَآل عقيل وَآل الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وهَاشِم هُوَ ابْن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة فَافْهَم. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: بَنو هَاشم آل، وَمَا فَوق غَالب لَيْسَ بآل، وَفِيمَا بَينهمَا قَولَانِ. وَقَالَ إصبغ: هم عترته الأقربون الَّذين ناداهم حِين أنزل الله {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وهم آل عبد الْمطلب وهَاشِم وَعبد منَاف وقصي وغالب، وَقد قيل: قُرَيْش كلهَا. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا يدْخل فِي آله من كَانَ فَوق بني هَاشم من بني عبد منَاف أَو من قصي أَو غَيرهم، وَكَذَا فسر ابْن الْمَاجشون ومطرف، وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة. وعَلى قَول إصبغ: لَا يَأْخُذهَا الحلفاء الثَّلَاثَة الأول وَلَا عبد الرَّحْمَن وَلَا سعيد بن أبي وَقاص وَلَا طَلْحَة وَلَا الزبير وَلَا سعد وَلَا أَبُو عُبَيْدَة. وَقَالَ: الْأَصَح عندنَا إِلْحَاق مواليهم بهم، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري، وَعند الْمَالِكِيَّة قَولَانِ لِابْنِ الْقَاسِم وإصبغ. قَالَ إصبغ: احتججت على ابْن الْقَاسِم بِالْحَدِيثِ: مولى الْقَوْم مِنْهُم، فَقَالَ: قد جَاءَ حَدِيث آخر: ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم، فَكَذَلِك حَدِيث الْمولى، وَإِنَّمَا تَفْسِير: مولى الْقَوْم مِنْهُم، فِي الْبر كَمَا فِي حَدِيث: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) ، أَي فِي: الْبر لَا فِي الْقَضَاء واللزوم، وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْقَاسِم الْحل، وَمَا حَكَاهُ عَن الشَّافِعِي غَرِيب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد، وَفِي (الذَّخِيرَة) للقرافي: إِن الصَّدَقَة مُحرمَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْمَاعًا. وَفِي (الْمُغنِي) : الظَّاهِر أَن الصَّدَقَة فَرضهَا ونفلها كَانَت مُحرمَة على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ ابْن شَدَّاد فِي (أَحْكَامه) : اخْتلف النَّاس فِي تَحْرِيم الصَّدَقَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر ابْن تَيْمِية فِي الصَّدَقَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجْهَيْن، وَللشَّافِعِيّ قَوْلَيْنِ. قَالَ: وَإِنَّمَا تَركهَا تنزها. وَعَن أَحْمد: حل صَدَقَة التَّطَوُّع لَهُ، وَفِي (نِهَايَة الْمطلب) يحرم

فَرضهَا ونفلها على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْأَئِمَّة على تَحْرِيمهَا على قرَابَته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِي: يحل لَهُم فَرضهَا ونفلها، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي: إِن منعُوا الْخمس جَازَ صرف الزَّكَاة إِلَيْهِم، وروى ابْن أبي سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف أَن زَكَاة بني هَاشم تحل لبني هَاشم، وَلَا يحل ذَلِك لَهُم من غَيرهم. وَفِي (الْيَنَابِيع) : يجوز للهاشمي أَن يدْفع زَكَاته للهاشمي عِنْد أبي حنيفَة، وَلَا يجوز عِنْد أبي يُوسُف، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : يكره للهاشمي عِنْد أبي يُوسُف، خلافًا لمُحَمد، وروى أَبُو عصمَة عَن أبي حنيفَة جَوَاز دَفعهَا إِلَى الْهَاشِمِي فِي زَمَانه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذِه الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة لَيست بالمشهورة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : يجوز دفع صَدَقَة التَّطَوُّع والأوقاف إِلَى بني هَاشم، مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي (النَّوَادِر) وَفِي (شرح مُخْتَصر الْكَرْخِي) و (الْإِسْبِيجَابِيّ) و (الْمُفِيد) إِذا سموا فِي الْوَقْف، وَفِي الْكَرْخِي: إِذا أطلق الْوَقْف لَا يجوز لِأَن حكمهم حكم الْأَغْنِيَاء. وَفِي (شرح الْقَدُورِيّ) : الصَّدَقَة الْوَاجِبَة كَالزَّكَاةِ وَالْعشر وَالنُّذُور وَالْكَفَّارَات لَا تجوز لَهُم، وَأما الصَّدَقَة على وَجه الصِّلَة والتطوع فَلَا بَأْس، وَجوز بعض الْمَالِكِيَّة صَدَقَة التَّطَوُّع لَهُم، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَعند الشَّافِعِيَّة فِيهَا وَجْهَان، وَفِي النذور خلاف عِنْدهم، ذكر ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي (النِّهَايَة) . وَفِي (التَّوْضِيح) ، وَفِي الحَدِيث دلَالَة وَاضِحَة على تَحْرِيم الصَّدَقَة على آله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وللمالكية فِي إعطائهم من الصَّدَقَة أَرْبَعَة أَقْوَال: الْجَوَاز، وَالْمَنْع، ثَالِثهَا: يُعْطون من التَّطَوُّع دون الْوَاجِب، رَابِعهَا: عَكسه، لِأَن الْمِنَّة قد تقع فِيهَا، وَالْمَنْع أولاها، وَقَالَ الطَّبَرِيّ، فِي مقَالَة أبي يُوسُف: لَا الْقيَاس أصَاب وَلَا الْخَبَر اتبع، وَذَلِكَ أَن كل صَدَقَة وَزَكَاة أوساخ النَّاس وغسالة ذنُوب من أخذت مِنْهُ هاشميا أَو مطلبيا، وَلم يفرق الله وَلَا رَسُوله بَين شَيْء مِنْهَا بافتراق حَال الْمَأْخُوذ ذَلِك مِنْهُ، قَالَ: وَصَاحبه أَشد قولا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لزم ظَاهر التَّنْزِيل، وَهُوَ {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} (التَّوْبَة: ٠٦) . الْآيَة، وَأنكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بتحريمها على بني هَاشم، فَلَا ظَاهر التَّنْزِيل لزموا وَلَا بالْخبر قَالُوا. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير روية ناشيء عَن تعصب بَاطِل، وَأَبُو يُوسُف من أعرف النَّاس بموارد التَّنْزِيل وأعلمهم بِتَأْوِيل الْأَخْبَار ومداركها، وَهَذَا الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ من أكبر أَئِمَّة الحَدِيث وأدرى النَّاس بِمذهب أبي حنيفَة وأقوال صَاحبه نقل عَن أبي يُوسُف: أَن التَّطَوُّع يحرم على بني هَاشم، فَإِذا كَانَ التَّطَوُّع حَرَامًا فالفرض أَشد حُرْمَة، ثمَّ إِنْكَار الطَّبَرِيّ على صَاحب أبي يُوسُف: أَن التَّطَوُّع يحرم على بني هَاشم، فَإِذا كَانَ التَّطَوُّع حَرَامًا فالفرض أَشد حُرْمَة، ثمَّ إِنْكَار الطبريي على صَاحب أبي يُوسُف الَّذِي هُوَ الإِمَام أَبُو حنيفَة أَشد شناعة وأقبح إِشَاعَة حَيْثُ يَقُول: إِنَّه أنكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بتحريمها، فَفِي أَي مَوضِع ذكر هَذَا عَنهُ على هَذِه الصِّيغَة؟ وَالْمَنْقُول عَنهُ أَنه قطّ لَا يذهب إِلَى الْقيَاس إلَاّ عِنْد عدم النَّص من الشَّارِع، فعادة هَؤُلَاءِ المتعصبين أَن ينسبوا رِوَايَة سقيمة أَو شَاذَّة إِلَى إِمَام من الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ ينكروا عَلَيْهِ بذلك بِمَا لَا تحل نسبته إِلَى أحد مِنْهُم.

وَفِيه: من الْفَوَائِد: دفع الصَّدقَات إِلَى السُّلْطَان. وَفِيه: أَن السّنة أَخذ صَدَقَة التَّمْر عِنْد جذاذة لقَوْله تَعَالَى: {وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده} (الْأَنْعَام: ١٤١) . فَإِن أخرجهَا عِنْد محلهَا فسرقت، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: يَجْزِي عَنهُ، وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالثَّوْري وَأحمد: هُوَ ضَامِن لَهَا حَتَّى يَضَعهَا موَاضعهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ بَقِي لَهُ من مَاله مَا فِيهِ زَكَاة زَكَّاهُ، وَأما إِذا أخر إخْرَاجهَا حَتَّى هَلَكت؟ فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا أمكن الْأَدَاء بعد حُلُول الْحول وفرط حَتَّى هلك المَال، فَعَلَيهِ الضَّمَان. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد قد ينْتَفع بِهِ فِي أَمر جمَاعَة الْمُسلمين فِي غير الصَّلَاة، أَلا يرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع فِيهِ الصَّدقَات وَجعله مخرجا لَهَا، وَكَذَلِكَ أَمر أَن يوضع فِيهِ مَال الْبَحْرين حَتَّى قسمه فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يقْعد فِيهِ للوفود وَالْحكم بَين النَّاس، وَمثل ذَلِك مِمَّا هُوَ أبين مِنْهُ: لعب الْحَبَشَة بالحراب وَتعلم المثاقفة، وكل ذَلِك إِذا كَانَ شَامِلًا لجَماعَة الْمُسلمين، وَأما إِذا كَانَ الْعَمَل لخاصة نَفسه فَيكْرَه مثل: الْخياطَة وَنَحْوهَا، وَقد كره قوم التَّأْدِيب فِيهِ لِأَنَّهُ خَاص، وَرخّص فِيهِ آخَرُونَ لما يُرْجَى من نفع تعلم الْقُرْآن فِيهِ. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْأَطْفَال فِيهِ واللعب فِيهِ بِغَيْر مَا يسْقط حرمته إِذا كَانَ الْأَطْفَال إِذا نهوا انْتَهوا. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي أَن يتَجَنَّب الْأَطْفَال مَا يتَجَنَّب الْكِبَار من الْمُحرمَات. وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. وَفِيه: أَن لأولياء الصغار المعاتبة عَلَيْهِم والحول بَينهم وَبَين مَا حرم الله على عباده، أَلا يرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استخرج التَّمْر من الصَّدَقَة من فَم الْحسن وَهُوَ طِفْل لَا تلْزمهُ الْفَرَائِض وَلم تجر عَلَيْهِ الأقلام؟ فَبَان بذلك أَن الْوَاجِب على ولي الطِّفْل وَالْمَعْتُوه، إِذا رَآهُ يتَنَاوَل خمرًا يشْربهَا، أَو لحم خِنْزِير يَأْكُلهُ، أَو مَالا لغيره يتلفه، أَن يمنعهُ من فعله ويحول بَينه وَبَين ذَلِك. وَقَالَ صَاحب

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا: لَا زَكَاةَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَمُعَاذٍ مَرْفُوعًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا مُرْسَلُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا يُكَالُ مِمَّا يُدَّخَرُ لِلِاقْتِيَاتِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَعَنْ أَحْمَدَ: يُخْرِجُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لَاقْتَياتُ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي يُوسُفَ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِمَّا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: تَجِبُ فِي جَمِيعِ مَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الْأَرْضِ إِلَّا الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَالْحَشِيشَ وَالشَّجَرَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ثَمَرٌ. انْتَهَى.

وَحَكَى عِيَاضٌ، عَنْ دَاوُدَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَيْلُ يُرَاعَى فِيهِ النِّصَابُ، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَيْلُ فَفِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَقْوَى الْمَذَاهِبِ وَأَحْوَطُهَا لِلْمَسَاكِينِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ، قَالَ: وَقَدْ زَعَمَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا جَاءَ لِتَفْصِيلِ مَا تُقِلُّ مِمَّا تَكْثُرُ مُؤْنَتُهُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (كَمَا رَوَى إِلَخْ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فِي حَدِيثَيِ الْفَضْلِ، وَبِلَالٍ، وَحَدِيثُ الْفَضْلِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَدِيثُ بِلَالٍ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْحَجِّ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَكْمِيلٌ): اخْتُلِفَ فِي هَذَا النِّصَابِ: هَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ؟ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَحْمَدُ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَّا إِنْ كَانَ نَقْصًا يَسِيرًا جِدًّا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ فَلَا يَضُرُّ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ بِحِسَابِهِ وَلَا وَقَصَ فِيهَا.

٥٦ - بَاب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ

١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ إِذَا قَالَ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا.

قَوْلُهُ: (بَابُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْوَرِقِ وَذُكِرَ فِيهِ قَدْرُ الْوَسْقِ وَقَوْلُهُ هُنَا: لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مَا زَائِدَةٌ، وَأَقَلُّ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِفِي، وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْدَهُ بِلَفْظِ: وَلَيْسَ فِي أَقَلَّ.

٥٧ - بَاب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ

١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ فَجَعَلَ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ فَأَخَذَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٤٨٤ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَيْسَ فِيمَا أَقَلَّ) «ما»: زائدةٌ، و «أقلَّ»: مجرورٌ بـ «في» بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرف بدليل قوله بعد: و «لا في أقلَّ»، وقيَّده بعضهم فيما حكاه في «التَّنقيح» بالرَّفع، قال في «اللَّامع» و «المصابيح»، واللَّفظ له: فتكون «ما» موصولةً، حُذِف صدر صلتها، وهو المبتدأ الذي (١) «أقلُّ» خبره، أي: فيما هو أقلُّ، وجاز الحذف هنا؛ لطول صلة ذلك بمُتعلَّق الخبر (مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ) بفتح الهمزة وضمِّ السِّين، جمع وسقٍ، وسبق (٢) الكلام فيه [خ¦١٤٠٥] (وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ) بغير ياءٍ؛ كـ «جوارٍ»، ولأبي ذرٍّ: «خمسة أواقيِّ» بتاء التَّأنيث في «خمس»، و «أواقيِّ» بالياء المُشدَّدة (مِنَ الوَرِقِ) أي: الفضَّة (صَدَقَةٌ) أي: زكاةٌ.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (هَذَا) الحديث (تَفْسِيرُ) حديث ابن عمر [خ¦١٤٨٣] (الأَوَّلِ) المذكور في الباب السَّابق (إِذَا) بألفٍ بعد الذَّال؛ كذا في الفرع وأصله (٣)، والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ، وجميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة: «إذا» بألفٍ بعد المعجمة، ولعلَّها سبق قلمٍ، وإلَّا فالمراد: «إذ» التَّعليليَّة، ولا وقفت (٤) على أنَّ «إذا» تَرِدُ بمعنى: «إذ» التَّعليليَّة بعد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّارِيخ، وَلَا تقدم حَدِيث أبي سعيد، وَإِنَّمَا الأَصْل عِنْده التَّوَقُّف إِذا جهل التَّارِيخ وَالرُّجُوع إِلَى غَيرهمَا، أَو يرجح أَحدهمَا بِدَلِيل، وَمن جملَة تَرْجِيح الْعَام هُنَا هُوَ أَنه إِذا خص لزم إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله أَن يكون مرَادا، وَمِنْهَا الِاحْتِيَاط فِي جعله آخرا كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ ابْن بطال: نَاقض أَبُو حنيفَة حَيْثُ اسْتعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي مَسْأَلَة الرقة، وَلم يسْتَعْمل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، كَمَا أَنه أوجب الزَّكَاة فِي الْعَسَل وَلَيْسَ فِيهِ خبر وَلَا إِجْمَاع. قلت: كَيفَ يسْتَعْمل الْمُجْمل والمفسر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ غير قَائِل بِهِ هُنَا لعدم الْإِجْمَال فِيهِ، وَمن أَيْن الْإِجْمَال ودلالته ظَاهِرَة، لِأَن دلَالَته على إِفْرَاده كدلالة الْخَاص على فَرد وَاحِد، فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّفْسِير، وَلَفظ الصَّدَقَة فِي الزَّكَاة أظهر من الْعشْر فَصَرفهُ إِلَيْهَا أولى، وَلَا كَذَلِك صَدَقَة الرقة. وَلم يفهم ابْن بطال الْفرق بَينهمَا، وَكَيف يَقُول ابْن بطال: كَمَا أَنه أوجب الزَّكَاة وَلَيْسَ فِيهِ خبر؟ وَقد ذكرنَا عَن التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (فِي الْعَسَل فِي كل عشرَة أزق زق) ، وَذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب جملَة أَحَادِيث تدل على الْوُجُوب، وَقَوله: وَلَا إِجْمَاع، كَلَام واهٍ، لِأَن الْمُجْتَهد لَا يرى بِالْوُجُوب فِي شَيْء إلَاّ إِذا كَانَ فِيهِ إِجْمَاع، وَهَذَا لم يقل بِهِ أحد. قَوْله: (أهل الثبت) ، بتحريك الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أهل الثَّبَات. قَوْله: (كَمَا روى الْفضل بن عَبَّاس) أَي: عبد الْمطلب، ابْن عَم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا الَّذِي ذكره صُورَة اجْتِمَاع النَّفْي وَالْإِثْبَات، لِأَن الْفضل يَنْفِي صَلَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوف الْكَعْبَة لما حج عَام الْفَتْح، وبلال يثبت ذَلِك، فَأخذ بقول بِلَال لكَونه يثبت أمرا، وَترك قَول الْفضل لِأَنَّهُ يَنْفِيه، وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن النَّفْي مَتى عرف بدليله يُعَارض الْمُثبت وإلَاّ فَلَا، وَهَهُنَا لم يعرف النَّفْي بِدَلِيل، فَقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وَذكر بعض أَصْحَابنَا هَذِه الصُّورَة بِخِلَاف مَا قَالَه البُخَارِيّ، وَهِي: أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، روى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلى فِي جَوف الْكَعْبَة، ورجحنا رِوَايَته على رِوَايَة بِلَال أَنه: لم يصل فِي جَوف الْكَعْبَة عَام الْفَتْح فِي تِلْكَ الْأَيَّام.

٦٥ - (بابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صَدَقَة، أَي: زَكَاة.

٤٨٤١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى قَالَ حدَّثنا مالِكٌ قَالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله ابنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبِي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَيْسَ فِيمَا أقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أقَلَّ منْ خَمْسَةٍ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أقَلَّ مِنْ خَمْسِ أوَاقٍ منَ الوَرَقِ صَدَقَةٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة الْجُزْء الأول من الحَدِيث، وَقد مضى الحَدِيث فِي: بَاب زَكَاة الْوَرق، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ ... إِلَى آخِره، وَلَكِن فِي الْمَتْن اخْتِلَاف فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير. وَأخرجه أَيْضا فِي: بَاب لَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره، وَهَهُنَا رَوَاهُ عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن مَالك.

قَوْله: (فِيمَا أقل) ، كلمة: مَا، زَائِدَة و: أقل، فِي مَحل الْجَرّ، وَقَالَ ابْن بطال: الأوسق الْخَمْسَة هِيَ الْمِقْدَار الْمَأْخُوذ مِنْهُ، وَأوجب أَبُو حنيفَة فِي قَلِيل مَا تخرجه الأَرْض وَكَثِيره، فَإِنَّهُ خَالف الْإِجْمَاع. قلت: لَيْت شعري كَيفَ يتَلَفَّظ بِهَذَا الْكَلَام؟ وَمن أَيْن الْإِجْمَاع حَتَّى خَالفه أَبُو حنيفَة؟ وَقد ذكرنَا عَن جمَاعَة ذَهَبُوا إِلَى مَا قَالَه أَبُو حنيفَة، قَالَ: وَكَذَلِكَ أوجبهَا فِي الْبُقُول والرياحين وَمَا لَا يوسق كالرمان، وَالْجُمْهُور على خِلَافه. قلت: أوجب أَبُو حنيفَة فِي الْبُقُول، يَعْنِي: الخضروات بِعُمُوم حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور عَن قريب، وبعموم حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (فِيمَا سقت السَّمَاء والغيم العُشر، وَفِيمَا سقِِي بالسانية نصف العُشر) ، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَأحمد، فَدلَّ عمومها على وجوب العُشر فِي جَمِيع مَا أخرجته الأَرْض من غير قيد وَإِخْرَاج لبَعض الْخَارِج عَن الْوُجُوب وإخلائه عَن حُقُوق الْفُقَرَاء، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي (عارضة الأحوذي) : وَأقوى الْمذَاهب فِي الْمَسْأَلَة

مَذْهَب أبي حنيفَة دَلِيلا، وأحفظها للْمَسَاكِين، وأولاها قيَاما بشكر النِّعْمَة، وَعَلِيهِ يدل عُمُوم الْآيَة والْحَدِيث، وَقد رام الْجُوَيْنِيّ أَن يخرج عُمُوم الحَدِيث من يَدي أبي حنيفَة بِأَن قَالَ: إِن هَذَا الحَدِيث لم يَأْتِ للْعُمُوم، وَإِنَّمَا جَاءَ لتفصيل الْفرق بَين مَا يقلّ وَيكثر مؤونته وَأبْدى، فِي ذَلِك وَأعَاد، وَلَيْسَ بممتنع أَن يَقْتَضِي الحَدِيث الْوَجْهَيْنِ: الْعُمُوم وَالتَّفْصِيل، وَذَلِكَ أكمل فِي الدَّلِيل وَأَصَح فِي التَّأْوِيل. انْتهى. وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة الْمَالِكِيَّة) وَالظَّاهِر أَنه نَقله من كَلَام الْجُوَيْنِيّ: إِن الْكَلَام إِذا سيق لِمَعْنى لَا يحْتَج بِهِ فِي غَيره، وَهَذِه قَاعِدَة أصولية، فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّمَا المَاء من المَاء) ، لَا يسْتَدلّ بِهِ على جَوَاز المَاء الْمُسْتَعْمل، لِأَنَّهُ لم يرد إلَاّ لبَيَان حصر الْوُجُوب للْغسْل، فَكَذَا قَوْله: (فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر) ورد لبَيَان جُزْء الْوَاجِب لَا لبَيَان مَحل الْوُجُوب، فَلَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: النَّص اشْتَمَل على جملتين: شَرْطِيَّة وجزائية، فالجملة الشّرطِيَّة لعُمُوم مَحل الْوَاجِب، فإلغاء عمومها بَاطِل، وَالْجُمْلَة الجزائية لبَيَان مِقْدَار الْوَاجِب، مِثَاله قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه) ، فالجملة الشّرطِيَّة وَهِي الأولى وَردت لبَيَان سَبَب اسْتِحْقَاق الْقَاتِل، وَعُمُوم من فعل ذَلِك. وَالْجُمْلَة الثَّانِيَة: الجزائية، وَردت لبَيَان مَا يسْتَحقّهُ، وَهُوَ سلب الْمَقْتُول، واختصاصه بِهِ، فَلَا يجوز إبِْطَال مَدْلُول الشَّرْط كَمَا لَا يجوز إبِْطَال مَدْلُول الْجَزَاء، وَلَيْسَ هَذَا نَظِير مَا اسْتشْهد بِهِ الْقَرَافِيّ، وَقد يساق الْكَلَام لأمر وَله تعلق بِغَيْرِهِ وإيماء بِهِ وَإِشَارَة إِلَيْهِ، ألَا ترى إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن} (الْبَقَرَة: ٣٣٢) . سيقت الْآيَة لبَيَان وجوب نَفَقَة المطلقات وكسوتهن إِذا أرضعن أَوْلَادهنَّ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن للْأَب تَأْوِيلا فِي نفس الْوَلَد وَمَاله حَتَّى لَا يسْتَوْجب الْعقُوبَة بوطىء جَارِيَته، وَلَا بِسَبَبِهِ، ذكره السَّرخسِيّ فِي (أُصُوله) ، وَقَاعِدَة الْقَرَافِيّ هَذِه إِن كَانَت صَحِيحَة أبطلت عَلَيْهِ قَاعِدَة مذْهبه ومدركه لِأَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا صَدَقَة فِي حب وَلَا ثَمَر حَتَّى يبلغ خَمْسَة أوسق) سيق لبَيَان تَقْدِير النّصاب، وَنفى الْوُجُوب عَمَّا دون الْخَمْسَة الأوسق، فَلَا يدل حِينَئِذٍ على عُمُوم الْحبّ وَالثَّمَر، وَقد قَالَ: هُوَ عَام فِي الْحُبُوب وَالثِّمَار. فَإِن قلت: روى التِّرْمِذِيّ عَن معَاذ أَنه كتب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْأَله عَن الخضروات وَهِي: الْبُقُول، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْء! قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَيْسَ يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيْء، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُرْسلا، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة قَالَت: جرت السّنة من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَيْسَ فِيمَا أنبتت الأَرْض من الْخضر زَكَاة، وَفِي سَنَده صَالح بن مُوسَى، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا عَن جَابر، قَالَ: لم يكن المقاثي فِيمَا جَاءَ بِهِ معَاذ، وَلَيْسَ فِي المقاثي شَيْء، وَقد تكون عندنَا المقثاة تخرج عشرَة الْآن، فَلَا يكون فِيهَا شَيْء، قلت: فِي سَنَده عدي بن الْفضل، وَهُوَ مَتْرُوك.

قالَ أبُو عَبْدِ الله هاذا تَفْسِيرُ الأوَّلِ إذَا قالَ لَيْسَ فِيمَا دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيِّنْ وَيُؤْخَذُ أبَدا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أهْلُ الثَّبَتِ أوْ بَيَّنُوا

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَأَرَادَ بِالْأولِ حَدِيث أبي سعيد، وَقد مر هَذَا عَن قريب. قَوْله: (وَيُؤْخَذ أبدا) إِلَى آخِره، يرد عَلَيْهِ مَا بيَّنه أَبُو حنيفَة من استدلاله بِعُمُوم حَدِيث ابْن عمر، وَهُوَ من أهل الْعلم الْكِبَار الْمُجْتَهدين، وَقد بيّن هَذَا، فَيَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ بِهِ، والمكابرة مطروحة.

٧٥ - (بابُ أخذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فيَمَس تَمْرَ الصَّدَقَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَخذ الصَّدَقَة من التَّمْر عِنْد صرام النّخل، بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة، وَهُوَ: الْجذاذ والقطاف وزنا وَمعنى، وصرام النّخل أَوَان إِدْرَاكه، وأصرم: حَان صرامه، والصرامة: مَا صرم من النّخل، ونخل صريم مصروم، ذكره ابْن سَيّده. وَفِي (المغيث) : قد يكون الصرام النّخل لِأَنَّهُ يصرم أَي: يجتنى ثمره، والصرام التَّمْر بِعَيْنِه أَيْضا لِأَنَّهُ يصرم، فَسمى بِالْمَصْدَرِ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: قَوْله: عِنْد صرام النّخل، يُرِيد بعد أَن يصير تَمرا لِأَنَّهُ يصرم النّخل وَهُوَ رطب فيثمر فِي المربد، وَلَكِن ذَاك لَا يَتَطَاوَل، فَحسن أَن ينْسب إِلَيْهِ. قَوْله: (وَهل يتْرك الصَّبِي؟) تَرْجَمَة أُخْرَى، وللترجمة الأولى تعلق بقوله

تَعَالَى: {وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده} (الْأَنْعَام: ١٤١) . وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: {حَقه} (الْأَنْعَام: ١٤١) . فَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ الْوَاجِبَة، وَعَن ابْن عمر: هُوَ شَيْء سوي الزَّكَاة، وَبِه قَالَ عَطاء وَغَيره، وللترجمة الثَّانِيَة تعلق بِالتّرْكِ، وَلكنه ذكره بِلَفْظ الِاسْتِفْهَام لاحْتِمَال أَن يكون النَّهْي خَاصّا بِمن لَا يحل لَهُ تنَاول الصَّدَقَة. فَإِن قلت: الصَّبِي لَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْخطاب؟ قلت: وليه يُخَاطب بتأديبه وتعليمه. قَوْله: (فيمس) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام.

٥٨٤١ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الأسَدِيُّ قَالَ حدَّثنا أبي قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُؤتى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فيَجِيءُ هاذا بِتَمْرِهِ وَهاذا مِنْ تَمرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهْ كَوْما مِنْ تَمْر فجَعَلَ الحَسنُ والحُسَينُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يلْعَبَانِ بِذالِكَ التَّمْرِ فأخذَ أحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجعَلَهُ فِي فِيهِ فنَظَرَ إلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ أمَا عَلِمْتَ أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يأْكُلونَ الصَّدَقَةَ.

مطابقته للترجمتين ظَاهِرَة لِأَن مطابقته للأولى فِي قَوْله: (عِنْد صرام النّخل) ، وللثانية فِي قَوْله: (فَجعل الْحسن. .) إِلَى آخِره.

ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: عمر بن مُحَمَّد بن الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن التل، بِفَتْح الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد اللَّام: الْأَسدي، بِسُكُون السِّين الْمُهْملَة. وَحكى الغساني: الْأَزْدِيّ، بالزاي بدل السِّين، مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبوهُ مُحَمَّد بن الْحسن أَبُو جَعْفَر، مَاتَ سنة مِائَتَيْنِ. الثَّالِث: إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْهَاء، مر فِي: بَاب الْقِسْمَة وَتَعْلِيق القنو فِي الْمَسْجِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وخفة الْيَاء آخر الْحُرُوف، مر فِي: بَاب غسل الأعقاب. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه أول مَا ذكره هُنَا وَأَنه وأباه كوفيان وَإِبْرَاهِيم هروي سكن نيسابور، ثمَّ سكن مَكَّة وَأَن مُحَمَّد بن زِيَاد مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة الإبن عَن الْأَب.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد أخرج البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، هَذَا الحَدِيث من طَرِيق شُعْبَة: عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة عَن قريب يَأْتِي فِي: بَاب مَا يذكر فِي الصَّدَقَة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الْجِهَاد: عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه مُسلم من طَرِيق شُعْبَة هَذَا عَن مُحَمَّد هُوَ: ابْن زِيَاد، سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: (أَخذ الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كخ كخ إرم بهَا، أما علمت أنّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة؟) وَفِي رِوَايَة لَهُ: (أنّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي (السّير) : عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث عَن شُعْبَة.

وَفِي الْبَاب عَن أبي رَافع، وَأنس وَأبي هُرَيْرَة وَالْحسن بن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن عَمْرو وَعبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة وَمُعَاوِيَة بن حيدة وَعبد الْمطلب بن ربيعَة وَأبي ليلى وَبُرَيْدَة بن حصيب وسلمان الْفَارِسِي وهرمز أَو كيسَان مولى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورشيد بن مَالك وَمَيْمُون أَو مهْرَان وَالْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَحَدِيث أبي رَافع أخرجه أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن ابْن رَافع (عَن أبي رَافع: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث رجلا على الصَّدَقَة من بني مَخْزُوم، فَقَالَ لأبي رَافع: إصحبني فَإنَّك تصيب مِنْهَا. فَقَالَ: حَتَّى آتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسْأَلْهُ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مولى الْقَوْم من أنفسهم، وَإِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة) ، وَاسم أبي رَافع: إِبْرَاهِيم أَو أسلم أَو ثَابت أَو هُرْمُز مولى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسم ابْنه عبيد الله، كَاتب عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (ورجلاً) ، هُوَ الأرقم بن أبي الأرقم الْقرشِي المَخْزُومِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن عَمْرو بن عَليّ عَن يحيى عَن شُعْبَة. وَحَدِيث أنس أخرجه الشَّيْخَانِ، وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم، وَلَفظه: (وَالله إِنِّي لأنقلب إِلَى أَهلِي فأجد التمرة سَاقِطَة على فِرَاشِي. أَو

فِي بَيْتِي، فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخْشَى أَن تكون صَدَقَة فألقيها) . وَحَدِيث الْحسن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة أبي الْحَوْرَاء، قَالَ: كُنَّا عِنْد الْحسن بن عَليّ، فَسئلَ: مَا عقلت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ أَو: عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: كنت أَمْشِي مَعَه، فَمر على جرين من تمر الصَّدَقَة، فَأخذت تَمْرَة فألقيتها فِي فمي، فَأَخذهَا بلعابها، فَقَالَ بعض الْقَوْم: وَمَا عَلَيْك لَو تركتهَا؟ فَقَالَ: إنَّا آل مُحَمَّد لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَإِسْنَاده صَحِيح. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ قَالَ: (اسْتعْمل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الأرقم ابْن أبي الأرقم على السّعَايَة، فاستتبع أَبَا رَافع، فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا رَافع {إِن الصَّدَقَة حرَام عَليّ وعَلى آل مُحَمَّد، وَإِن مولى الْقَوْم من أنفسهم) . وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَوَاهُ أَحْمد، حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا أُسَامَة بن زيد عَن عمر بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجد تَمْرَة تَحت جنبه من اللَّيْل فَأكلهَا، فَلم ينم تِلْكَ اللَّيْلَة، فَقَالَ بعض نِسَائِهِ: يَا رَسُول الله أرقت البارحة} قَالَ: إِنِّي وجدت تَمْرَة فَأَكَلتهَا. وَكَانَ عندنَا تمر من تمر الصَّدَقَة فَخَشِيت أَن تكون مِنْهُ) . وَحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَلْقَمَة أخرجه النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: (قدم وَفد الثقيف على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعَهُمْ هَدِيَّة، فَقَالَ: أهدية أم صَدَقَة ... ؟) الحَدِيث. وَفِيه: (قَالُوا: لَا، بل هَدِيَّة، فقبلها مِنْهُم وَقعد مَعَهم يسائلهم ويسائلونه حَتَّى صلى الظّهْر مَعَ الْعَصْر) . وَحَدِيث مُعَاوِيَة بن حيدة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا مكي بن إِبْرَاهِيم ويوسف ابْن سعد الضبعِي، قَالَا: حَدثنَا بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أُتِي بِشَيْء سَأَلَ: أصدقة هِيَ أم هَدِيَّة؟ فَإِن قَالُوا: صَدَقَة، لم يَأْكُل وَإِن قَالُوا: هَدِيَّة، أكل) . وجد بهز بن حَكِيم اسْمه مُعَاوِيَة بن حيدة القريشي وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَحَدِيث عبد الْمطلب بن ربيعَة رَوَاهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ مطولا. وَفِيه: (إِن الصَّدَقَة لَا تنبغي إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس) ، وَفِي رِوَايَة: (إِن هَذِه الصَّدَقَة إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس، وَإِنَّهَا لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد) ، الحَدِيث. وَحَدِيث أبي ليلى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من رِوَايَة شريك عَن عبد الله بن عِيسَى عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى (عَن أبي ليلى قَالَ: دخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيت الصَّدَقَة وَمَعَهُ الْحسن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأخذ تَمْرَة فوضعها فِي فِيهِ، فَأدْخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إصبعه فأخرجها من فِيهِ، ثمَّ قَالَ: إنّا أهل بَيت لَا تحل لنا الصَّدَقَة) . وَحَدِيث بُرَيْدَة بن حصيب رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل من رِوَايَة الْحسن بن وَاقد (عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ سلمَان إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين قدم الْمَدِينَة بمائدة عَلَيْهَا رطب، فوضعها بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هَذَا يَا سلمَان؟ قَالَ: صَدَقَة عَلَيْك وعَلى أَصْحَابك. قَالَ: إرفعها فَإنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) . وَحَدِيث سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة أبي ذَر الْكِنْدِيّ عَن سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما قدم الْمَدِينَة) الحَدِيث، وَفِيه: (فَسَأَلَهُ: أصدقة أم هَدِيَّة؟ فَقَالَ: هَدِيَّة، فَأكل) . اللَّفْظ للْحَاكِم، وروى أَحْمد من رِوَايَة أبي الطُّفَيْل (عَن سلمَان، قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقبل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة) . وَحَدِيث هُرْمُز أَو كيسَان رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ: حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد، قَالَ: حَدثنَا وَرْقَاء بن عمر (عَن عَطاء بن السَّائِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: دخلت على أم كُلْثُوم بنت عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَت: إِن مولى لنا يُقَال لَهُ هُرْمُز أَو كيسَان أَخْبرنِي أَنه مر على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فدعاني فَجئْت، فَقَالَ: يَا فلَان إنّا أهل بَيت قد نهينَا أَن نَأْكُل الصَّدَقَة، وَإِن مولى الْقَوْم من أنفسهم، فَلَا تَأْكُل الصَّدَقَة) . وَأخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) وَقَالَ: مهْرَان، وَأخرجه الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) وَقَالَ: هُرْمُز، وَأخرجه ابْن أبي شيبَة، وَقَالَ: كيسَان، وَأخرجه عبد الرَّزَّاق وَقَالَ: مَيْمُون أَو مهْرَان. وَحَدِيث رشيد، بِضَم الرَّاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مَالك بن عميرَة السَّعْدِيّ التَّمِيمِي الصَّحَابِيّ، عداده فِي الْكُوفِيّين، ويكنى بِأبي عميرَة، بِفَتْح الْعين وَكسر الْمِيم، أخرجه الطَّحَاوِيّ عَنهُ قَالَ: (كُنَّا عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأتي بطبق عَلَيْهِ تمر، فَقَالَ: أصدقة أم هَدِيَّة؟ قَالَ: بل صَدَقَة، فَوَضعه بَين يَدي الْقَوْم وَالْحسن يتعفر بَين يَدَيْهِ، وَأخذ الصَّبِي تَمْرَة فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَأدْخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إصبعه فَجعل يترفق بِهِ، فأخرجها فقذفها، ثمَّ قَالَ: إنّا آل مُحَمَّد لَا نَأْكُل الصَّدَقَة) . وَأخرجه الْكَجِّي فِي (مُسْنده) نَحوه. قَوْله: (يتعفر) ، أَي: يتمرغ بِالتُّرَابِ، لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرا يلْعَب. وَحَدِيث مَيْمُون أَو مهْرَان رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق، وَقد

ذَكرْنَاهُ الْآن. وَحَدِيث الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا وَكِيع، قَالَ: حَدثنَا ثَابت ابْن عمَارَة عَن ربيعَة بن شَيبَان، قَالَ: قلت للحسين بن عَليّ: مَا تعقل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: صعدت غرفَة فَأخذت تَمْرَة فلكتها فِي فيّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ألقها، فَإنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة، وَقد تقدم حَدِيث الْحسن بن عَليّ على نَحْو هَذَا، وَكِلَاهُمَا من رِوَايَة أبي الْحَوْرَاء عَنهُ، وَأَبُو الْحَوْرَاء هُوَ ربيعَة بن شَيبَان، قَالَ شَيخنَا زين الدّين: الظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ لكل وَاحِد وَاحِدَة، فالحسن مر على جرين تمر، وَالْحُسَيْن صعد غرفَة فِيهَا تمر الصَّدَقَة، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي رِوَايَته الْحسن مكبر، وطرق حَدِيثه أَكثر من طرق حَدِيث الْحُسَيْن، وَالله أعلم.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عِنْد صرام النّخل) أَي: عِنْد جذاذه، وَهُوَ قطع التمرة مِنْهُ، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (كوما) ، بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ مَعْرُوف، وَأَصله: الْقطع الْعَظِيمَة من الشَّيْء، وَالْمرَاد بِهِ: مَا اجْتمع من التَّمْر كالصرمة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كوما، بِضَم الْكَاف. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: كومت كومة، بِالضَّمِّ: إِذا جمعت قِطْعَة من تُرَاب وَرفعت رَأسهَا، وَهُوَ فِي الْكَلَام بِمَنْزِلَة قَوْلك: صبرَة من الطَّعَام. قَالَ: وَفِي بعض الرِّوَايَة بِالْفَتْح. وانتصاب كوما على أَنه خبر: يصير، أَي: حَتَّى يصير التَّمْر عِنْده كوما ويروى: كوم، بِالرَّفْع على أَنه اسْم: يصير، وَيكون: يصير، تَامَّة فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (من تمر) كلمة: من، بَيَانِيَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ أَولا بثمرة يَعْنِي بِالْبَاء، وَهنا قَالَ: من تمر، يَعْنِي بِكَلِمَة: من، لِأَن فِي الأول ذكر المجبىء بِهِ، وَفِي الثَّانِي المجىء عَنهُ، وهما متلازمان وَإِن تغايرا مفهوما. قَوْله: (فَأخذ أَحدهمَا) وَهُوَ الْحسن مكبر كَمَا سَيَأْتِي بعد بَابَيْنِ من رِوَايَة شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد بِلَفْظ: فَأخذ الْحسن بن عَليّ. قَوْله: (فَجعله) إِنَّمَا ذكّر الضَّمِير الَّذِي يرجع إِلَى: التمرة، بِاعْتِبَار الْمَأْخُوذ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فَجَعلهَا، أَي: التمرة على الأَصْل. قَوْله: (فِي فِيهِ) أَي: فِي فَمه، وَفِي الْفَم تسع لُغَات: تثليث الْفَاء مَعَ تَخْفيف الْمِيم وَالنَّقْص وَفتح الْفَاء وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الْمِيم وَفتحهَا وَضمّهَا وَكسرهَا مَعَ التَّخْفِيف وَالْقصر. قَوْله: وَحكى ابْن الْأَعرَابِي فِي تثنيته: فموان وفميان، وَحكى اللحياني أَنه يُقَال: فَم وأفمام، واللغة التَّاسِعَة: النَّقْص وَاتِّبَاع الْفَاء الْمِيم فِي الحركات الإعرابية، تَقول: هَذَا فَمه، وَرَأَيْت فَمه، وَنظرت إِلَى فَمه. قَوْله: (أما علمت؟) ويروى بِدُونِ همزَة الِاسْتِفْهَام لَكِنَّهَا مقدرَة. قَوْله: (إِن آل مُحَمَّد) آل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَنو هَاشم خَاصَّة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك، وَعند الشَّافِعِي: هم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، وَبِه قَالَ بعض الْمَالِكِيَّة. قَالَ القَاضِي: وَقَالَ بعض الْعلمَاء: هم قُرَيْش كلهَا. وَقَالَ إصبغ الْمَالِكِي: هم بَنو قصي، وَبَنُو هَاشم هم آل عَليّ، وَآل عَبَّاس وَآل جَعْفَر وَآل عقيل وَآل الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وهَاشِم هُوَ ابْن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة فَافْهَم. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَالَت الْمَالِكِيَّة: بَنو هَاشم آل، وَمَا فَوق غَالب لَيْسَ بآل، وَفِيمَا بَينهمَا قَولَانِ. وَقَالَ إصبغ: هم عترته الأقربون الَّذين ناداهم حِين أنزل الله {وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين} (الشُّعَرَاء: ٤١٢) . وهم آل عبد الْمطلب وهَاشِم وَعبد منَاف وقصي وغالب، وَقد قيل: قُرَيْش كلهَا. وَقَالَ ابْن حبيب: لَا يدْخل فِي آله من كَانَ فَوق بني هَاشم من بني عبد منَاف أَو من قصي أَو غَيرهم، وَكَذَا فسر ابْن الْمَاجشون ومطرف، وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن أبي حنيفَة. وعَلى قَول إصبغ: لَا يَأْخُذهَا الحلفاء الثَّلَاثَة الأول وَلَا عبد الرَّحْمَن وَلَا سعيد بن أبي وَقاص وَلَا طَلْحَة وَلَا الزبير وَلَا سعد وَلَا أَبُو عُبَيْدَة. وَقَالَ: الْأَصَح عندنَا إِلْحَاق مواليهم بهم، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْري، وَعند الْمَالِكِيَّة قَولَانِ لِابْنِ الْقَاسِم وإصبغ. قَالَ إصبغ: احتججت على ابْن الْقَاسِم بِالْحَدِيثِ: مولى الْقَوْم مِنْهُم، فَقَالَ: قد جَاءَ حَدِيث آخر: ابْن أُخْت الْقَوْم مِنْهُم، فَكَذَلِك حَدِيث الْمولى، وَإِنَّمَا تَفْسِير: مولى الْقَوْم مِنْهُم، فِي الْبر كَمَا فِي حَدِيث: (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) ، أَي فِي: الْبر لَا فِي الْقَضَاء واللزوم، وَنقل ابْن بطال عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْقَاسِم الْحل، وَمَا حَكَاهُ عَن الشَّافِعِي غَرِيب.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد، وَفِي (الذَّخِيرَة) للقرافي: إِن الصَّدَقَة مُحرمَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِجْمَاعًا. وَفِي (الْمُغنِي) : الظَّاهِر أَن الصَّدَقَة فَرضهَا ونفلها كَانَت مُحرمَة على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ ابْن شَدَّاد فِي (أَحْكَامه) : اخْتلف النَّاس فِي تَحْرِيم الصَّدَقَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر ابْن تَيْمِية فِي الصَّدَقَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجْهَيْن، وَللشَّافِعِيّ قَوْلَيْنِ. قَالَ: وَإِنَّمَا تَركهَا تنزها. وَعَن أَحْمد: حل صَدَقَة التَّطَوُّع لَهُ، وَفِي (نِهَايَة الْمطلب) يحرم

فَرضهَا ونفلها على رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْأَئِمَّة على تَحْرِيمهَا على قرَابَته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ الْمَالِكِي: يحل لَهُم فَرضهَا ونفلها، وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي حنيفَة. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي: إِن منعُوا الْخمس جَازَ صرف الزَّكَاة إِلَيْهِم، وروى ابْن أبي سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف أَن زَكَاة بني هَاشم تحل لبني هَاشم، وَلَا يحل ذَلِك لَهُم من غَيرهم. وَفِي (الْيَنَابِيع) : يجوز للهاشمي أَن يدْفع زَكَاته للهاشمي عِنْد أبي حنيفَة، وَلَا يجوز عِنْد أبي يُوسُف، وَفِي (جَوَامِع الْفِقْه) : يكره للهاشمي عِنْد أبي يُوسُف، خلافًا لمُحَمد، وروى أَبُو عصمَة عَن أبي حنيفَة جَوَاز دَفعهَا إِلَى الْهَاشِمِي فِي زَمَانه. قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذِه الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة لَيست بالمشهورة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : يجوز دفع صَدَقَة التَّطَوُّع والأوقاف إِلَى بني هَاشم، مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي (النَّوَادِر) وَفِي (شرح مُخْتَصر الْكَرْخِي) و (الْإِسْبِيجَابِيّ) و (الْمُفِيد) إِذا سموا فِي الْوَقْف، وَفِي الْكَرْخِي: إِذا أطلق الْوَقْف لَا يجوز لِأَن حكمهم حكم الْأَغْنِيَاء. وَفِي (شرح الْقَدُورِيّ) : الصَّدَقَة الْوَاجِبَة كَالزَّكَاةِ وَالْعشر وَالنُّذُور وَالْكَفَّارَات لَا تجوز لَهُم، وَأما الصَّدَقَة على وَجه الصِّلَة والتطوع فَلَا بَأْس، وَجوز بعض الْمَالِكِيَّة صَدَقَة التَّطَوُّع لَهُم، وَعَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَعند الشَّافِعِيَّة فِيهَا وَجْهَان، وَفِي النذور خلاف عِنْدهم، ذكر ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي (النِّهَايَة) . وَفِي (التَّوْضِيح) ، وَفِي الحَدِيث دلَالَة وَاضِحَة على تَحْرِيم الصَّدَقَة على آله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وللمالكية فِي إعطائهم من الصَّدَقَة أَرْبَعَة أَقْوَال: الْجَوَاز، وَالْمَنْع، ثَالِثهَا: يُعْطون من التَّطَوُّع دون الْوَاجِب، رَابِعهَا: عَكسه، لِأَن الْمِنَّة قد تقع فِيهَا، وَالْمَنْع أولاها، وَقَالَ الطَّبَرِيّ، فِي مقَالَة أبي يُوسُف: لَا الْقيَاس أصَاب وَلَا الْخَبَر اتبع، وَذَلِكَ أَن كل صَدَقَة وَزَكَاة أوساخ النَّاس وغسالة ذنُوب من أخذت مِنْهُ هاشميا أَو مطلبيا، وَلم يفرق الله وَلَا رَسُوله بَين شَيْء مِنْهَا بافتراق حَال الْمَأْخُوذ ذَلِك مِنْهُ، قَالَ: وَصَاحبه أَشد قولا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لزم ظَاهر التَّنْزِيل، وَهُوَ {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء} (التَّوْبَة: ٠٦) . الْآيَة، وَأنكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بتحريمها على بني هَاشم، فَلَا ظَاهر التَّنْزِيل لزموا وَلَا بالْخبر قَالُوا. قلت: هَذَا كَلَام صادر من غير روية ناشيء عَن تعصب بَاطِل، وَأَبُو يُوسُف من أعرف النَّاس بموارد التَّنْزِيل وأعلمهم بِتَأْوِيل الْأَخْبَار ومداركها، وَهَذَا الطَّحَاوِيّ الَّذِي هُوَ من أكبر أَئِمَّة الحَدِيث وأدرى النَّاس بِمذهب أبي حنيفَة وأقوال صَاحبه نقل عَن أبي يُوسُف: أَن التَّطَوُّع يحرم على بني هَاشم، فَإِذا كَانَ التَّطَوُّع حَرَامًا فالفرض أَشد حُرْمَة، ثمَّ إِنْكَار الطَّبَرِيّ على صَاحب أبي يُوسُف: أَن التَّطَوُّع يحرم على بني هَاشم، فَإِذا كَانَ التَّطَوُّع حَرَامًا فالفرض أَشد حُرْمَة، ثمَّ إِنْكَار الطبريي على صَاحب أبي يُوسُف الَّذِي هُوَ الإِمَام أَبُو حنيفَة أَشد شناعة وأقبح إِشَاعَة حَيْثُ يَقُول: إِنَّه أنكر الْأَخْبَار الْوَارِدَة بتحريمها، فَفِي أَي مَوضِع ذكر هَذَا عَنهُ على هَذِه الصِّيغَة؟ وَالْمَنْقُول عَنهُ أَنه قطّ لَا يذهب إِلَى الْقيَاس إلَاّ عِنْد عدم النَّص من الشَّارِع، فعادة هَؤُلَاءِ المتعصبين أَن ينسبوا رِوَايَة سقيمة أَو شَاذَّة إِلَى إِمَام من الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ثمَّ ينكروا عَلَيْهِ بذلك بِمَا لَا تحل نسبته إِلَى أحد مِنْهُم.

وَفِيه: من الْفَوَائِد: دفع الصَّدقَات إِلَى السُّلْطَان. وَفِيه: أَن السّنة أَخذ صَدَقَة التَّمْر عِنْد جذاذة لقَوْله تَعَالَى: {وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده} (الْأَنْعَام: ١٤١) . فَإِن أخرجهَا عِنْد محلهَا فسرقت، فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: يَجْزِي عَنهُ، وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَالثَّوْري وَأحمد: هُوَ ضَامِن لَهَا حَتَّى يَضَعهَا موَاضعهَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن كَانَ بَقِي لَهُ من مَاله مَا فِيهِ زَكَاة زَكَّاهُ، وَأما إِذا أخر إخْرَاجهَا حَتَّى هَلَكت؟ فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: إِذا أمكن الْأَدَاء بعد حُلُول الْحول وفرط حَتَّى هلك المَال، فَعَلَيهِ الضَّمَان. وَفِيه: أَن الْمَسْجِد قد ينْتَفع بِهِ فِي أَمر جمَاعَة الْمُسلمين فِي غير الصَّلَاة، أَلا يرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع فِيهِ الصَّدقَات وَجعله مخرجا لَهَا، وَكَذَلِكَ أَمر أَن يوضع فِيهِ مَال الْبَحْرين حَتَّى قسمه فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يقْعد فِيهِ للوفود وَالْحكم بَين النَّاس، وَمثل ذَلِك مِمَّا هُوَ أبين مِنْهُ: لعب الْحَبَشَة بالحراب وَتعلم المثاقفة، وكل ذَلِك إِذا كَانَ شَامِلًا لجَماعَة الْمُسلمين، وَأما إِذا كَانَ الْعَمَل لخاصة نَفسه فَيكْرَه مثل: الْخياطَة وَنَحْوهَا، وَقد كره قوم التَّأْدِيب فِيهِ لِأَنَّهُ خَاص، وَرخّص فِيهِ آخَرُونَ لما يُرْجَى من نفع تعلم الْقُرْآن فِيهِ. وَفِيه: جَوَاز دُخُول الْأَطْفَال فِيهِ واللعب فِيهِ بِغَيْر مَا يسْقط حرمته إِذا كَانَ الْأَطْفَال إِذا نهوا انْتَهوا. وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي أَن يتَجَنَّب الْأَطْفَال مَا يتَجَنَّب الْكِبَار من الْمُحرمَات. وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. وَفِيه: أَن لأولياء الصغار المعاتبة عَلَيْهِم والحول بَينهم وَبَين مَا حرم الله على عباده، أَلا يرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استخرج التَّمْر من الصَّدَقَة من فَم الْحسن وَهُوَ طِفْل لَا تلْزمهُ الْفَرَائِض وَلم تجر عَلَيْهِ الأقلام؟ فَبَان بذلك أَن الْوَاجِب على ولي الطِّفْل وَالْمَعْتُوه، إِذا رَآهُ يتَنَاوَل خمرًا يشْربهَا، أَو لحم خِنْزِير يَأْكُلهُ، أَو مَالا لغيره يتلفه، أَن يمنعهُ من فعله ويحول بَينه وَبَين ذَلِك. وَقَالَ صَاحب

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله