الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٢١
الحديث رقم ١٤٢١ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
⦗١١١⦘
عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بخبر من أخبار الأمم المضية لأخذ العبرة منها فقال ما معناه: خرج رجل ليتصدق، ومعروف أن الصدقة على الفقراء والمساكين، فوقعت صدقته في يد سارق فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على سارق، والسارق ينبغي أن يعاقب؛ لا أن يعطى وينمى ماله، فقال هذا الرجل المتصدق: الحمد لله؛ لأن الله تعالى محمود على كل حال، ثم خرج هذا الرجل فقال: لأتصدقن الليلة، فوقعت صدقته في يد امرأة بغي تمكن الناس من الزنا بها، فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على زانية، وهذا شيء لا يقبله العقل ولا الفطرة، فقال: الحمد لله، ثم قال لأتصدقن الليلة -وكأنه رأى أن صدقته الأولى والثانية لم تقبل- فتصدق فوقعت في يد غني، والغني ليس من أهل الصدقة بل من أهل الهدية والهبة وما أشبه ذلك، فأصبح الناس يتحدثون تصدق الليلة على غني، فقال: الحمد لله، على سارق وعلى زانية وعلى غني.
وقد كان يريد أن تقع صدقته في يد فقير متعفف نزيه لكن كان أمر الله قدرًا مقدورًا، فقيل له بواسطة نبي تلك الأمة: إن صدقاتك الثلاثة قد قبلت؛ لأنه مخلص قد نوى خيرًا لكنه لم يتيسر له، وأما السارق فلعله أن يستعف عن السرقة يقول هذا مال يكفيني، وأما البغِي فلعلها أن تستعف عن الزنا؛ لأنها ربما كانت تزني والعياذ بالله ابتغاء المال وقد حصل لها ما يكفها عن الزنا، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما آتاه الله.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٤ - بَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَيْ: فَصَدَقَتُهُ مَقْبُولَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَوْلُهُ: (لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ. وَكَرَّرَ كَذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عَقَبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وَقَوْلُهُ: لَأَتَصَدَّقَنَّ مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ كَالنَّذْرِ مَثَلًا، وَالْقَسَمُ فِيهِ مُقَدَّرٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) أَيْ: وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سَارِقٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَيَّةَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارقٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى فُلَانٍ السَّارِقِ. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَسْمِيَةَ أَحَدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: تُصُدِّقَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) أَيْ: لَا لِي لِأَنَّ صَدَقَتِي وَقَعَتْ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَلَكَ الْحَمْدُ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِكَ لَا بِإِرَادَتِي، فَإِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ كُلَّهَا جَمِيلَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مُسْتَحِقٍّ فَوَضَعَهَا بِيَدِ زَانِيَةٍ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهَا، أَوْ أَجْرَى الْحَمْدَ مَجْرَى التَّسْبِيحِ فِي اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، فَلَمَّا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ تَعَجَّبَ هُوَ أَيْضًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، أَيْ: الَّتِي تَصَدَّقْتُ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا الَّذِي قَبْلَهُ فَأَبْعَدُ مِنْهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ سَلَّمَ وَفَوَّضَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، لِأَنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالِ، لَا يُحْمَدُ عَلَى الْمَكْرُوهِ سِوَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى مَا لَا يُعْجِبُهُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَأَتَى فِي مَنَامِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْهُ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُعَيْبٍ وَفِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ أُتِيَ أَيْ: أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَوْ سَمِعَ هَاتِفًا مَلَكًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ أَوْ أَفْتَاهُ عَالِمٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَوْ أَتَاهُ مَلَكٌ فَكَلَّمَهُ، فَقَدْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُكَلِّمُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حديثًا إلَّا المُعلَّق فقط، وروى ابن أبي حاتمٍ عن الشَّعبيِّ في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] نزلت في أبي بكرٍ وعمر ﵄ أمَّا عمر فجاء بنصف ماله حتَّى دفعه إلى النَّبيِّ ﷺ، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «ما خلَّفتَ وراءك لأهلك يا عمر؟» قال: خلَّفت لهم نصف مالي، وأمَّا أبو بكرٍ فجاء بماله كلِّه، فكاد أن يخفيه من (١) نفسه حتَّى دفعه إلى النَّبيِّ ﷺ، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «ما خلَّفتَ وراءك يا أبا بكرٍ؟» فقال: عدَة الله وعدَة رسوله، فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا أبا بكرٍ، والله ما استبقنا (٢) إلى باب خيرٍ قطُّ إلَّا كنت سابقنا عليه.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَصَدَّقَ) رجلٌ (عَلَى) آخر (غَنِيٍّ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (لَا يَعْلَمُ) أنَّه غنيٌّ، فصدقته مقبولةٌ، وسقط لفظ «بابٌ» في رواية أبي ذرٍّ، وقال عقب قوله في السَّابق ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ .... الآية [البقرة: ٢٧١]: «وإذا تصدَّق» بواو العطف.
١٤٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن (٣) ذكوان السَّمَّان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) من بني إسرائيل، كما عند أحمد من طريق ابن لَهِيعة عن الأعرج: (لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) هو من باب الالتزام؛ كالنَّذر مثلًا، والقَسَم فيه مُقدَّرٌ، كأنَّه قال: والله لأتصدقنَّ، وزاد في رواية أبي عَوانة عن أبي أميَّة عن أبي اليمان بهذا الإسناد: «اللَّيلة»، وكرَّرها (١) في المواضع الثَّلاثة، وكذا مسلمٌ من طريق موسى بن عقبة، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث وترجمته بصدقة السِّرِّ على رواية أبي ذرٍّ؛ إذ لو كانت جهرًا لمَا خفيَ عليه حال الغنيِّ؛ لأنَّه في الغالب لا يخفى بخلاف الآخرَين (٢) (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحِقٍّ (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) وهو لا يعلم أنَّه سارقٌ (فَأَصْبَحُوا) أي: القوم الذين فيهم هذا (٣) المتصدِّق (يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصبٍ، خبر «أصبح» (تُصُدِّقَ) أي: اللَّيلة (عَلَى سَارِقٍ) بضمِّ التَّاء والصَّاد مبنيًّا للمفعول، إخبارٌ بمعنى التَّعجُّب أو الإنكار، ولابن لَهِيعة: «على فلانٍ السَّارق» (فَقَالَ) المتصدِّق: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) على تصدُّقي على سارقٍ، حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإنَّ إرادتك كلَّها جميلةٌ، ولا يُحمَد على المكروه سِواك، وقدَّم الخبر على المبتدأ في قوله: «لك الحمد» للاختصاص (لأَتَصَدَّقَنَّ) اللَّيلة (بِصَدَقَةٍ) على مستحقٍّ (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحقٍّ (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأةٍ (زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا) أي (٤): بنو إسرائيل (يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ) مبنيًّا للمفعول (٥) (اللَّيْلَةَ عَلَى) امرأةٍ (زَانِيَةٍ، فَقَالَ) المتصدِّق: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) على تصدُّقي (عَلَى) امرأةٍ (زَانِيَةٍ) حيث كان بإرادتك (لأَتَصَدَّقَنَّ) اللَّيلة (بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ (٦) غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ) اللَّيلة (عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ) زاد الطَّبرانيُّ: «فساءه ذلك» (فَأُتِيَ) في منامه (فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ) زاد أبو أميَّة: «فقد قُبِلت» فأَمَّا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
هِيَ، وَإِن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فَهُوَ خير لكم. قَالُوا: فَأَما من أعْطى فُقَرَاء الْمُسلمين من زَكَاة وَصدقَة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذَلِك يزِيد بن أبي حبيب. وَنقل الطَّبَرِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع على أَن الإعلان فِي صَدَقَة الْفَرْض أفضل من الْإخْفَاء وَصدقَة التَّطَوُّع على الْعَكْس من ذَلِك. وَنقل أَبُو إِسْحَاق الزّجاج أَن إخفاء الزَّكَاة فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ أفضل، فَأَما بعده فَإِن الظَّن يساء بِمن أخفاها، فَلهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة أفضل. وَقَالَ أَبُو عَطِيَّة: وَيُشبه فِي زَمَاننَا أَن يكون الْإخْفَاء بِصَدقَة الْفَرْض أفضل، فقد كثر الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إخْرَاجهَا عرضة للرياء. قَوْله: {إِن تبدوا} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ الزّجاج: يَعْنِي: تظهروا، يُقَال: بدا يَبْدُو إِذا ظهر، وأبديته إبداء إِذا أظهرته، وبدا لي بداء إِذا تغير رَأْيه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. قَوْله: {فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ قراآت موضعهَا فِي محلهَا. قَوْله: {وَإِن تخفوها} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . من الْإخْفَاء، يُقَال: أخفيت الشَّيْء إخفاء إِذا سترته، وخفي الشَّيْء خَفَاء إِذا استتر، وخفيته أخفيه خفِيا إِذا أظهرته. وَأهل الْمَدِينَة يسمون النباش المختفي. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير. قَوْله: {وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ دَلِيل على أَن إسرار الصَّدَقَة أفضل من إظهارها، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء إلَاّ أَن يتربت على الْإِظْهَار مصلحَة راجحة من اقْتِدَاء النَّاس بِهِ، فَيكون أفضل من هَذِه الْحَيْثِيَّة، والإسرار أفضل لهَذِهِ الْآيَة. وَلما ثَبت فِي (الصَّحِيح) عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سَبْعَة يظلهم الله) الحَدِيث، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْعَوام بن حَوْشَب عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن أنس بن مَالك، عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد، فخلق الْجبَال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت، فتعجب الْمَلَائِكَة من خلق الْجبَال، فَقَالَت: يَا رب، فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْجبَال؟ فَقَالَ: نعم الْحَدِيد. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم النَّار. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم المَاء. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم الرّيح. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم، ابْن آدم يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فيخفيها من شِمَاله) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن زِيَاد الْمحَاربي، مُؤذن محَارب، أخبرنَا مُوسَى بن عُمَيْر عَن عَامر الشّعبِيّ. فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ: أنزلت فِي أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أما عمر: فجَاء بِنصْف مَاله حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك لأهْلك يَا عمر؟ قَالَ: خلفت لَهُم نصف مَالِي. وَأما أَبُو بكر، فجَاء بِمَالِه كُله، فكاد أَن يخفيه من نَفسه حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك يَا أَبَا بكر؟ فَقَالَ: عدَّة الله وعدة رَسُوله، فَبكى عمر، وَقَالَ: بِأبي أَنْت يَا أَبَا بكر، وَالله مَا أسبقنا إِلَى بَاب خير قطّ ألَاّ كنت سَابِقًا، وَتَمام الْآيَة الْمَذْكُورَة: {ونكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: نكفر عَنْكُم بدل الصَّدقَات من سَيِّئَاتكُمْ أَي من ذنوبكم، قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم من رِوَايَة حَفْص: يكفر، بِالْيَاءِ وَضم الرَّاء، وَقَرَأَ حَمْزَة وَنَافِع وَالْكسَائِيّ: ونكفر، بالنُّون وَجزم الرَّاء، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر: ونكفر، بالنُّون وَضم الرَّاء {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وسيجزيكم عَلَيْهِ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٤١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق رجل على شخص غَنِي، وَالْحَال أَنه لم يعلم أَنه غَنِي، يَعْنِي ظَنّه فَقِيرا. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر أَي: فصدقته مَقْبُولَة، وَإِن كَانَت وَقعت فِي غير محلهَا لعدم التَّقْصِير من جِهَته.
٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج
بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وعَلى زَانِيَة وعَلى غَنِي فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله) مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله " فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي " (فَإِن قلت) الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء فَمَا وَجه التَّرْجَمَة فِي التَّصَدُّق على الْغَنِيّ (قلت) التَّصَدُّق على الْغَنِيّ لَا يجوز على كل حَال حَتَّى إِذا أعْطى زَكَاته لَغَنِيّ يَظُنّهُ فَقِيرا ثمَّ بَان لَهُ أَنه غَنِي يُعِيد زَكَاته عِنْد الْبَعْض على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما دَفعهَا إِلَى سَارِق فَقِيرا وَإِلَى زَانِيَة فقيرة فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِي رِوَايَة مَالك فِي الغرائب للدارقطني عَن أبي الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَفِيه راويان مذكوران بكنيتهما وَالْآخر بلقبه وَالْآخر مُجَردا عَن نِسْبَة فَافْهَم. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة بِالْإِسْنَادِ وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على غَنِي لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة وعَلى غَنِي وعَلى سَارِق فَأتى فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد قبلت أما الزَّانِيَة فلعلها تستعف بهَا عَن زنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله وَلَعَلَّ السَّارِق يستعف بهَا عَن سَرقته " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " قَالَ رجل " لم يعرف اسْمه وَوَقع عِنْد أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن الْأَعْرَج فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل قَوْله " لأتصدقن " فِي معرض الْقسم فَلذَلِك أكده بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة كَأَنَّهُ قَالَ وَالله لأتصدقن وَهُوَ من بَاب الِالْتِزَام كالنذر قَوْله " بِصَدقَة " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي أُميَّة عَن أبي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد " لأتصدقن اللَّيْلَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " لأتصدقن فِي اللَّيْلَة بِصَدقَة " قَوْله " فوضعها فِي يَد سَارِق " أَي فَوضع صدقته فِي يَد سَارِق من غير أَن يعلم أَنه سَارِق قَوْله " فَأَصْبحُوا " أَي الْقَوْم الَّذين فيهم هَذَا الرجل الْمُتَصَدّق قَوْله " يتحدثون " فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر أَصْبحُوا الَّذِي هُوَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة قَوْله " تصدق " على صِيغَة الْمَجْهُول هَذَا إِخْبَار فِي معنى التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار وَفِي رِوَايَة أبي أُميَّة " تصدق اللَّيْلَة على سَارِق " وَفِي رِوَايَة ابْن لَهِيعَة " تصدق على فلَان السَّارِق " قَوْله " فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد " أَي على تصدقي على سَارِق هَذَا وَارِد إِمَّا إنكارا أَو إِمَّا تَعَجبا أما الْإِنْكَار فَأن يجْرِي الْحَمد على الشُّكْر وَذَلِكَ أَنه لما جزم أَن يتَصَدَّق على مُسْتَحقّ لَيْسَ بعده بِدلَالَة التنكير فِي صَدَقَة أبرز كَلَامه فِي معرض القسمية تَأْكِيدًا وقطعا للقبول بِهِ فَلَمَّا جوزي بِوَضْعِهِ على يَد سَارِق حمد الله بِأَنَّهُ لم يقدر على من هُوَ أَسْوَأ حَالا من السَّارِق وَأما التَّعَجُّب فَأن يجْرِي الْحَمد على غير الشُّكْر وَأَن يعظم الله تَعَالَى عِنْد رُؤْيَة الْعجب كَمَا يُقَال سُبْحَانَ الله عِنْد مُشَاهدَة مَا يتعجب مِنْهُ وللتعظيم قرن بِهِ اللَّهُمَّ قَوْله " لَك الْحَمد على زَانِيَة " قَالَ الطَّيِّبِيّ لما قَالُوا تصدق على زَانِيَة تعجب هُوَ أَيْضا من فعل نَفسه وَقَالَ الْحَمد لله على زَانِيَة أَي أَتصدق عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف انْتهى (قلت) معنى قَوْله على زَانِيَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله أتصدقت وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَلقا بقوله لَك الْحَمد وَلم يفهم معنى هَذَا بَعضهم حَتَّى قَالَ وَلَا يخفى بعد هَذَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَا معنى الْحَمد عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يكون إِلَّا على أَمر جميل وَمَا فَائِدَة تَقْدِيم
لَك (قلت) التَّقْدِيم يُفِيد الِاخْتِصَاص أَي لَك الْحَمد لَا لي على زَانِيَة حَيْثُ كَانَ التَّصَدُّق عَلَيْهَا بإرادتك لَا بإرادتي وَإِرَادَة الله تَعَالَى كلهَا جميلَة حَتَّى إِرَادَة الله الإنعام على الْكفَّار قَوْله " تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة " على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا وَكَذَلِكَ لفظ تصدق الثَّالِث قَوْله " فَأتى " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي رأى فِي الْمَنَام أَو سمع هاتفا ملكا أَو غَيره أَو أخبرهُ نَبِي أَو أفتاه عَالم وَقَالَ ابْن التِّين يحْتَمل أَن يكون أخبرهُ بذلك نَبِي زَمَانه أَو أخبر فِي نَومه وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح لَو رأى مَا فِي مستخرج أبي نعيم لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التخرص وَهُوَ قَوْله فساءه ذَلِك فَأتى فِي مَنَامه فَقيل لَهُ إِن الله عز وَجل قد قبل صدقتك وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي مُسْند الشامين عَن أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب عَن أبي الْيَمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فساءه ذَلِك فَأتى فِي مَنَامه قَوْله " أما صدقتك على سَارِق " زَاد أَبُو أُميَّة " فقد قبلت " وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة وَابْن لَهِيعَة " أما صدقتك فقد قبلت " وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ " إِن الله قد قبل صدقتك " قَوْله " لَعَلَّه أَن يستعف " لَعَلَّ من الله تَعَالَى على معنى الْقطع والختم وَأَنه تَارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال عَسى وَتارَة اسْتِعْمَال كَاد قَوْله " عَن زنَاهَا " قَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بِالْمدِّ وَعند أبي ذَر بِالْقصرِ وَهِي لُغَة أهل الْحجاز وَالْمدّ لأهل نجد (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دلَالَة على أَن الصَّدَقَة كَانَت عِنْدهم فِي أيامهم مُخْتَصَّة بِأَهْل الْحَاجة من أهل الْخَيْر وَلِهَذَا تعجبوا من الصَّدَقَة على الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة. وَفِيه دَلِيل على أَن الله يَجْزِي العَبْد على حسب نِيَّته فِي الْخَيْر لِأَن هَذَا الْمُتَصَدّق لما قصد بِصَدَقَتِهِ وَجه الله تَعَالَى قبلت مِنْهُ وَلم يضرّهُ وَضعهَا عِنْد من لَا يَسْتَحِقهَا وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع وَأما الزَّكَاة فَلَا يجوز دَفعهَا إِلَى الْأَغْنِيَاء. وَفِيه اعْتِبَار لمن تصدق عَلَيْهِ بِأَن يتَحَوَّل عَن الْحَال المذمومة إِلَى الْحَال الممدوحة ويستعف السَّارِق من سَرقته والزانية من زنَاهَا والغني من إِمْسَاكه. وَفِيه فضل صَدَقَة السِّرّ وَفضل الْإِخْلَاص. وَفِيه اسْتحبَّ إِعَادَة الصَّدَقَة إِذا لم تقع الْموقع. وَفِيه أَن الحكم للظَّاهِر حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه. وَفِيه التَّسْلِيم والرضى وذم التضجر بِالْقضَاءِ وَفِيه مَا يحْتَج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد فِيمَا إِذا أعْطى زَكَاته لشخص وظنه فَقِيرا فَبَان أَنه غَنِي سَقَطت عَنهُ تِلْكَ الزَّكَاة وَلَا تجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة وَحكي ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَالْحسن بن صَالح لَا يجْزِيه وَعَلِيهِ الْإِعَادَة وَهُوَ قَول الثَّوْريّ لِأَنَّهُ لم يضع الصَّدَقَة موضعهَا وَأَخْطَأ فِي اجْتِهَاده كَمَا لَو نسي المَاء فِي رَحْله وَتيَمّم لصَلَاة لم يجزه فَافْهَم (فَإِن قيل) هَذَا الْخَبَر خَاص وَقع فِيهِ الِاطِّلَاع على قبُول الصَّدَقَة برؤيا صَادِقَة اتّفق وُقُوعهَا فَهَل يتَعَدَّى هَذَا الحكم إِلَى غَيره (قيل لَهُ) إِن التَّنْصِيص فِي هَذَا الْخَبَر على رَجَاء الاستعفاف فَيدل ذَلِك على التَّعْدِيَة فَيَقْتَضِي ارتباط الْقبُول بِهَذِهِ الْأَسْبَاب
٥١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق شخص على ابْنه وَالْحَال أَنه لَا يشْعر، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: جَازَ، وَإِنَّمَا حذفه إِمَّا اختصارا وَإِمَّا اكْتِفَاء بِمَا دلّ حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ. وَقيل: إِنَّمَا حذفه لِأَنَّهُ يصير لعدم شعوده كَالْأَجْنَبِيِّ.
٢٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا إِسْرَائِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو الجويرية أَن معن بن يزِيد رَضِي الله عَنهُ حَدثهُ قَالَ بَايَعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنا وَأبي وجدي وخطب عَليّ فأنكحني وخاصمت إِلَيْهِ وَكَانَ أبي يزِيد أخرج دَنَانِير يتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجئْت فأخذتها فَأَتَيْته بهَا فَقَالَ وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد وَلَك مَا أخذت يَا معن) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن يزِيد أعْطى دَنَانِير للرجل ليتصدق عَنهُ وَلم يحْجر عَلَيْهِ فجَاء ابْنه معن وَأَخذهَا من الرجل فَكَانَ يزِيد هُوَ السَّبَب فِي وُقُوع صدقته فِي يَد ابْنه فَكَأَنَّهُ تصدق عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يشْعر. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُحَمَّد بن
يُوسُف الْفرْيَابِيّ وَقد مر. الثَّانِي إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَق السبيعِي. الثَّالِث أَبُو الجويرة مصغر الْجَارِيَة بِالْجِيم وَالرَّاء حطَّان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة وبالنون ابْن جفاف بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء. الرَّابِع معن بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن يزِيد من الزِّيَادَة السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة يُقَال أَنه شهد بَدْرًا مَعَ أَبِيه وجده وَلم يتَّفق ذَلِك لغَيرهم وَقيل لم يُتَابع على ذَلِك فقد روى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق صَفْوَان بن عَمْرو عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير عَن يزِيد بن الْأَخْنَس السّلمِيّ أَنه أسلم فَأسلم مَعَه جَمِيع أَهله إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة أَبَت أَن تسلم فَأنْزل الله تَعَالَى على رَسُوله {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} فَهَذَا دَال على أَن إِسْلَامه كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَن الْآيَة مُتَأَخِّرَة الْإِنْزَال عَن بدر قطعا وَاسم جده الْأَخْنَس بن حبيب السّلمِيّ وَقيل ثَوْر وَمِمَّنْ قَالَه الطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فترجموا فِي كتبهمْ لثور وَسَاقُوا حَدِيث الْبَاب من طَرِيق الْجراح وَالِد وَكِيع عَن أبي الجويرية عَن معن بن يزِيد بن ثَوْر السّلمِيّ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن سَماع أبي الجويرية عَن معن ومعن أَمِير على غزَاة الرّوم فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَفِيه أَن شَيْخه سكن قيسارية من الشَّام وَإِسْرَائِيل وحطان ومعن كوفيون وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَنا " تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع الَّذِي فِي بَايَعت قَوْله " وَأبي " هُوَ يزِيد قَوْله " وجدي " هُوَ الْأَخْنَس بن حبيب قَوْله " وخطب عَليّ " أَي خطب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَليّ يُقَال خطب الْمَرْأَة إِلَى وَليهَا إِذا أرادها الْخَاطِب لنَفسِهِ وعَلى فلَان إِذا أرادها لغيره قَالَ الْكرْمَانِي الْفَاعِل هُوَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين قَوْله " فأنكحني " أَي طلب لي الْإِنْكَاح فأجبت ومقصود معن من ذَلِك بَيَان أَنْوَاع علاقاته من الْمُبَايعَة وَغَيرهَا من الْخطْبَة عَلَيْهِ وإنكاحه وَعرض الْخُصُومَة عَلَيْهِ قَوْله " وخاصمت إِلَيْهِ " أَي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَفظ خاصمته ثَانِيًا تَفْسِير لقَوْله " خَاصَمت إِلَيْهِ " قَوْله " وَكَانَ أبي يزِيد " وَيزِيد بِالرَّفْع عطف بَيَان لقَوْله أبي وَلَيْسَ بِبَدَل كَمَا قَالَه بَعضهم على مَا لَا يخفى قَوْله " فوضعها عِنْد رجل " أَي فَوضع الدَّنَانِير الَّتِي أخرجهَا للصدقة عِنْد رجل وَفِيه حذف تَقْدِيره عِنْد رجل وَأذن لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا على من يحْتَاج إِلَيْهَا إِذْنا مُطلقًا من غير تعْيين نَاس فَجئْت فأخذتها يَعْنِي من الرجل الَّذِي أذن لَهُ فِي التَّصَدُّق بِاخْتِيَار مِنْهُ لَا بطرِيق الْغَصْب وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي حَمْزَة الْيَشْكُرِي عَن أبي الجويرية فِي هَذَا الحَدِيث (قلت) وَمَا كَانَت خصومتك قَالَ كَانَ رجل يغشى الْمَسْجِد فَيتَصَدَّق على رجال يعرفهُمْ فَظن أَنِّي بعض من يعرف فَذكر الحَدِيث قَوْله " وَالله مَا إياك أردْت " يَعْنِي قَالَ يزِيد لِابْنِهِ معن مَا إياك أردْت فِي الصَّدَقَة وَلَو أردْت أَنَّك تأخذها لناولتها لَك وَلم أوكل فِيهَا قَوْله " فَخَاصَمته " أَي خَاصَمت أبي يزِيد إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد " يَعْنِي من أجر الصَّدَقَة لِأَنَّهُ نوى أَن يتَصَدَّق بهَا على من يحْتَاج إِلَيْهَا وابنك يحْتَاج إِلَيْهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيْضا " وَلَك مَا أخذت يَا معن " لِأَنَّك أخذت مُحْتَاجا إِلَيْهَا ومفعول كل من نَوَيْت وَأخذت مَحْذُوف (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دَلِيل على الْعَمَل بالمطلقات على إِطْلَاقهَا لِأَن يزِيد فوض إِلَى الرجل بِلَفْظ مُطلق فنفذ فعله وَفِيه جَوَاز التحاكم بَين الْأَب وَالِابْن وخصومته مَعَه وَلَا يكون هَذَا عقوقا إِذا كَانَ ذَلِك فِي حق على أَن مَالِكًا رَحمَه الله كره ذَلِك وَلم يَجعله من بَاب الْبر واختياري هَذَا وَفِيه أَن مَا خرج إِلَى الابْن من مَال الْأَب على وَجه الصَّدَقَة أَو الصِّلَة أَو الْهِبَة لَا رُجُوع للْأَب فِيهِ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن الصَّدَقَة الْوَاجِبَة لَا تسْقط عَن الْوَالِد إِذا أَخذهَا وَلَده حاشا التَّطَوُّع قَالَ ابْن بطال وَعَلِيهِ حمل حَدِيث معن وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يجوز أَن يَأْخُذهَا لولد بِشَرْط أَن يكون غارما أَو غازيا فَيحمل حَدِيث معن على أَنه كَانَ متلبسا بِأحد هذَيْن النَّوْعَيْنِ قَالُوا وَإِذا كَانَ الْوَلَد أَو الْوَالِد فَقِيرا أَو مِسْكينا وَقُلْنَا فِي بعض الْأَحْوَال لَا تجب نَفَقَته فَيجوز لوالده أَو لوَلَده دفع الزَّكَاة إِلَيْهِ من سهم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين بِلَا خلاف عِنْد الشَّافِعِي لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْأَجْنَبِيِّ وَقَالَ ابْن التِّين يجوز دفع الصَّدَقَة الْوَاجِبَة إِلَى الْوَلَد بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يتَوَلَّى غَيره من صرفهَا إِلَيْهِ وَالثَّانِي أَن لَا يكون فِي عِيَاله فَإِن كَانَ فِي عِيَاله وَقصد إعطاءه فروى مطرف
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٤ - بَاب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ
١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ، تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَيْ: فَصَدَقَتُهُ مَقْبُولَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
قَوْلُهُ: (لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ. وَكَرَّرَ كَذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عَقَبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ. وَقَوْلُهُ: لَأَتَصَدَّقَنَّ مِنْ بَابِ الِالْتِزَامِ كَالنَّذْرِ مَثَلًا، وَالْقَسَمُ فِيهِ مُقَدَّرٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ.
قَوْلُهُ: (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) أَيْ: وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ سَارِقٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَيَّةَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارقٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى فُلَانٍ السَّارِقِ. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَسْمِيَةَ أَحَدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: تُصُدِّقَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) أَيْ: لَا لِي لِأَنَّ صَدَقَتِي وَقَعَتْ بِيَدِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا فَلَكَ الْحَمْدُ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِكَ لَا بِإِرَادَتِي، فَإِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ كُلَّهَا جَمِيلَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مُسْتَحِقٍّ فَوَضَعَهَا بِيَدِ زَانِيَةٍ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهَا، أَوْ أَجْرَى الْحَمْدَ مَجْرَى التَّسْبِيحِ فِي اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، فَلَمَّا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ تَعَجَّبَ هُوَ أَيْضًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ، أَيْ: الَّتِي تَصَدَّقْتُ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَّا الَّذِي قَبْلَهُ فَأَبْعَدُ مِنْهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ سَلَّمَ وَفَوَّضَ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، لِأَنَّهُ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ الْحَالِ، لَا يُحْمَدُ عَلَى الْمَكْرُوهِ سِوَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى مَا لَا يُعْجِبُهُ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَأَتَى فِي مَنَامِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنْهُ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ شُعَيْبٍ وَفِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قَوْلُهُ أُتِيَ أَيْ: أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَوْ سَمِعَ هَاتِفًا مَلَكًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ نَبِيٌّ أَوْ أَفْتَاهُ عَالِمٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَوْ أَتَاهُ مَلَكٌ فَكَلَّمَهُ، فَقَدْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُكَلِّمُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حديثًا إلَّا المُعلَّق فقط، وروى ابن أبي حاتمٍ عن الشَّعبيِّ في قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] نزلت في أبي بكرٍ وعمر ﵄ أمَّا عمر فجاء بنصف ماله حتَّى دفعه إلى النَّبيِّ ﷺ، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «ما خلَّفتَ وراءك لأهلك يا عمر؟» قال: خلَّفت لهم نصف مالي، وأمَّا أبو بكرٍ فجاء بماله كلِّه، فكاد أن يخفيه من (١) نفسه حتَّى دفعه إلى النَّبيِّ ﷺ، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «ما خلَّفتَ وراءك يا أبا بكرٍ؟» فقال: عدَة الله وعدَة رسوله، فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا أبا بكرٍ، والله ما استبقنا (٢) إلى باب خيرٍ قطُّ إلَّا كنت سابقنا عليه.
(١٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا تَصَدَّقَ) رجلٌ (عَلَى) آخر (غَنِيٍّ وَهُوَ) أي: والحال أنَّه (لَا يَعْلَمُ) أنَّه غنيٌّ، فصدقته مقبولةٌ، وسقط لفظ «بابٌ» في رواية أبي ذرٍّ، وقال عقب قوله في السَّابق ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ .... الآية [البقرة: ٢٧١]: «وإذا تصدَّق» بواو العطف.
١٤٢١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن (٣) ذكوان السَّمَّان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) من بني إسرائيل، كما عند أحمد من طريق ابن لَهِيعة عن الأعرج: (لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ) هو من باب الالتزام؛ كالنَّذر مثلًا، والقَسَم فيه مُقدَّرٌ، كأنَّه قال: والله لأتصدقنَّ، وزاد في رواية أبي عَوانة عن أبي أميَّة عن أبي اليمان بهذا الإسناد: «اللَّيلة»، وكرَّرها (١) في المواضع الثَّلاثة، وكذا مسلمٌ من طريق موسى بن عقبة، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث وترجمته بصدقة السِّرِّ على رواية أبي ذرٍّ؛ إذ لو كانت جهرًا لمَا خفيَ عليه حال الغنيِّ؛ لأنَّه في الغالب لا يخفى بخلاف الآخرَين (٢) (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحِقٍّ (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) وهو لا يعلم أنَّه سارقٌ (فَأَصْبَحُوا) أي: القوم الذين فيهم هذا (٣) المتصدِّق (يَتَحَدَّثُونَ) في موضع نصبٍ، خبر «أصبح» (تُصُدِّقَ) أي: اللَّيلة (عَلَى سَارِقٍ) بضمِّ التَّاء والصَّاد مبنيًّا للمفعول، إخبارٌ بمعنى التَّعجُّب أو الإنكار، ولابن لَهِيعة: «على فلانٍ السَّارق» (فَقَالَ) المتصدِّق: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) على تصدُّقي على سارقٍ، حيث كان ذلك بإرادتك لا بإرادتي، فإنَّ إرادتك كلَّها جميلةٌ، ولا يُحمَد على المكروه سِواك، وقدَّم الخبر على المبتدأ في قوله: «لك الحمد» للاختصاص (لأَتَصَدَّقَنَّ) اللَّيلة (بِصَدَقَةٍ) على مستحقٍّ (فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ) ليضعها في يد مستحقٍّ (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ) امرأةٍ (زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا) أي (٤): بنو إسرائيل (يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ) مبنيًّا للمفعول (٥) (اللَّيْلَةَ عَلَى) امرأةٍ (زَانِيَةٍ، فَقَالَ) المتصدِّق: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ) على تصدُّقي (عَلَى) امرأةٍ (زَانِيَةٍ) حيث كان بإرادتك (لأَتَصَدَّقَنَّ) اللَّيلة (بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ (٦) غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ) اللَّيلة (عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ) زاد الطَّبرانيُّ: «فساءه ذلك» (فَأُتِيَ) في منامه (فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ) زاد أبو أميَّة: «فقد قُبِلت» فأَمَّا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
هِيَ، وَإِن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فَهُوَ خير لكم. قَالُوا: فَأَما من أعْطى فُقَرَاء الْمُسلمين من زَكَاة وَصدقَة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذَلِك يزِيد بن أبي حبيب. وَنقل الطَّبَرِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع على أَن الإعلان فِي صَدَقَة الْفَرْض أفضل من الْإخْفَاء وَصدقَة التَّطَوُّع على الْعَكْس من ذَلِك. وَنقل أَبُو إِسْحَاق الزّجاج أَن إخفاء الزَّكَاة فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ أفضل، فَأَما بعده فَإِن الظَّن يساء بِمن أخفاها، فَلهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة أفضل. وَقَالَ أَبُو عَطِيَّة: وَيُشبه فِي زَمَاننَا أَن يكون الْإخْفَاء بِصَدقَة الْفَرْض أفضل، فقد كثر الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إخْرَاجهَا عرضة للرياء. قَوْله: {إِن تبدوا} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ الزّجاج: يَعْنِي: تظهروا، يُقَال: بدا يَبْدُو إِذا ظهر، وأبديته إبداء إِذا أظهرته، وبدا لي بداء إِذا تغير رَأْيه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. قَوْله: {فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ قراآت موضعهَا فِي محلهَا. قَوْله: {وَإِن تخفوها} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . من الْإخْفَاء، يُقَال: أخفيت الشَّيْء إخفاء إِذا سترته، وخفي الشَّيْء خَفَاء إِذا استتر، وخفيته أخفيه خفِيا إِذا أظهرته. وَأهل الْمَدِينَة يسمون النباش المختفي. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير. قَوْله: {وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ دَلِيل على أَن إسرار الصَّدَقَة أفضل من إظهارها، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء إلَاّ أَن يتربت على الْإِظْهَار مصلحَة راجحة من اقْتِدَاء النَّاس بِهِ، فَيكون أفضل من هَذِه الْحَيْثِيَّة، والإسرار أفضل لهَذِهِ الْآيَة. وَلما ثَبت فِي (الصَّحِيح) عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سَبْعَة يظلهم الله) الحَدِيث، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْعَوام بن حَوْشَب عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن أنس بن مَالك، عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد، فخلق الْجبَال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت، فتعجب الْمَلَائِكَة من خلق الْجبَال، فَقَالَت: يَا رب، فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْجبَال؟ فَقَالَ: نعم الْحَدِيد. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم النَّار. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم المَاء. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم الرّيح. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم، ابْن آدم يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فيخفيها من شِمَاله) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن زِيَاد الْمحَاربي، مُؤذن محَارب، أخبرنَا مُوسَى بن عُمَيْر عَن عَامر الشّعبِيّ. فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ: أنزلت فِي أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أما عمر: فجَاء بِنصْف مَاله حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك لأهْلك يَا عمر؟ قَالَ: خلفت لَهُم نصف مَالِي. وَأما أَبُو بكر، فجَاء بِمَالِه كُله، فكاد أَن يخفيه من نَفسه حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك يَا أَبَا بكر؟ فَقَالَ: عدَّة الله وعدة رَسُوله، فَبكى عمر، وَقَالَ: بِأبي أَنْت يَا أَبَا بكر، وَالله مَا أسبقنا إِلَى بَاب خير قطّ ألَاّ كنت سَابِقًا، وَتَمام الْآيَة الْمَذْكُورَة: {ونكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: نكفر عَنْكُم بدل الصَّدقَات من سَيِّئَاتكُمْ أَي من ذنوبكم، قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم من رِوَايَة حَفْص: يكفر، بِالْيَاءِ وَضم الرَّاء، وَقَرَأَ حَمْزَة وَنَافِع وَالْكسَائِيّ: ونكفر، بالنُّون وَجزم الرَّاء، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر: ونكفر، بالنُّون وَضم الرَّاء {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وسيجزيكم عَلَيْهِ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٤١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق رجل على شخص غَنِي، وَالْحَال أَنه لم يعلم أَنه غَنِي، يَعْنِي ظَنّه فَقِيرا. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر أَي: فصدقته مَقْبُولَة، وَإِن كَانَت وَقعت فِي غير محلهَا لعدم التَّقْصِير من جِهَته.
٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج
بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وعَلى زَانِيَة وعَلى غَنِي فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله) مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله " فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي " (فَإِن قلت) الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء فَمَا وَجه التَّرْجَمَة فِي التَّصَدُّق على الْغَنِيّ (قلت) التَّصَدُّق على الْغَنِيّ لَا يجوز على كل حَال حَتَّى إِذا أعْطى زَكَاته لَغَنِيّ يَظُنّهُ فَقِيرا ثمَّ بَان لَهُ أَنه غَنِي يُعِيد زَكَاته عِنْد الْبَعْض على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما دَفعهَا إِلَى سَارِق فَقِيرا وَإِلَى زَانِيَة فقيرة فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِي رِوَايَة مَالك فِي الغرائب للدارقطني عَن أبي الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَفِيه راويان مذكوران بكنيتهما وَالْآخر بلقبه وَالْآخر مُجَردا عَن نِسْبَة فَافْهَم. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة بِالْإِسْنَادِ وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على غَنِي لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة وعَلى غَنِي وعَلى سَارِق فَأتى فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد قبلت أما الزَّانِيَة فلعلها تستعف بهَا عَن زنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله وَلَعَلَّ السَّارِق يستعف بهَا عَن سَرقته " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " قَالَ رجل " لم يعرف اسْمه وَوَقع عِنْد أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن الْأَعْرَج فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل قَوْله " لأتصدقن " فِي معرض الْقسم فَلذَلِك أكده بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة كَأَنَّهُ قَالَ وَالله لأتصدقن وَهُوَ من بَاب الِالْتِزَام كالنذر قَوْله " بِصَدقَة " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي أُميَّة عَن أبي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد " لأتصدقن اللَّيْلَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " لأتصدقن فِي اللَّيْلَة بِصَدقَة " قَوْله " فوضعها فِي يَد سَارِق " أَي فَوضع صدقته فِي يَد سَارِق من غير أَن يعلم أَنه سَارِق قَوْله " فَأَصْبحُوا " أَي الْقَوْم الَّذين فيهم هَذَا الرجل الْمُتَصَدّق قَوْله " يتحدثون " فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر أَصْبحُوا الَّذِي هُوَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة قَوْله " تصدق " على صِيغَة الْمَجْهُول هَذَا إِخْبَار فِي معنى التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار وَفِي رِوَايَة أبي أُميَّة " تصدق اللَّيْلَة على سَارِق " وَفِي رِوَايَة ابْن لَهِيعَة " تصدق على فلَان السَّارِق " قَوْله " فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد " أَي على تصدقي على سَارِق هَذَا وَارِد إِمَّا إنكارا أَو إِمَّا تَعَجبا أما الْإِنْكَار فَأن يجْرِي الْحَمد على الشُّكْر وَذَلِكَ أَنه لما جزم أَن يتَصَدَّق على مُسْتَحقّ لَيْسَ بعده بِدلَالَة التنكير فِي صَدَقَة أبرز كَلَامه فِي معرض القسمية تَأْكِيدًا وقطعا للقبول بِهِ فَلَمَّا جوزي بِوَضْعِهِ على يَد سَارِق حمد الله بِأَنَّهُ لم يقدر على من هُوَ أَسْوَأ حَالا من السَّارِق وَأما التَّعَجُّب فَأن يجْرِي الْحَمد على غير الشُّكْر وَأَن يعظم الله تَعَالَى عِنْد رُؤْيَة الْعجب كَمَا يُقَال سُبْحَانَ الله عِنْد مُشَاهدَة مَا يتعجب مِنْهُ وللتعظيم قرن بِهِ اللَّهُمَّ قَوْله " لَك الْحَمد على زَانِيَة " قَالَ الطَّيِّبِيّ لما قَالُوا تصدق على زَانِيَة تعجب هُوَ أَيْضا من فعل نَفسه وَقَالَ الْحَمد لله على زَانِيَة أَي أَتصدق عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف انْتهى (قلت) معنى قَوْله على زَانِيَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله أتصدقت وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَلقا بقوله لَك الْحَمد وَلم يفهم معنى هَذَا بَعضهم حَتَّى قَالَ وَلَا يخفى بعد هَذَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَا معنى الْحَمد عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يكون إِلَّا على أَمر جميل وَمَا فَائِدَة تَقْدِيم
لَك (قلت) التَّقْدِيم يُفِيد الِاخْتِصَاص أَي لَك الْحَمد لَا لي على زَانِيَة حَيْثُ كَانَ التَّصَدُّق عَلَيْهَا بإرادتك لَا بإرادتي وَإِرَادَة الله تَعَالَى كلهَا جميلَة حَتَّى إِرَادَة الله الإنعام على الْكفَّار قَوْله " تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة " على صِيغَة الْمَجْهُول أَيْضا وَكَذَلِكَ لفظ تصدق الثَّالِث قَوْله " فَأتى " على صِيغَة الْمَجْهُول أَي رأى فِي الْمَنَام أَو سمع هاتفا ملكا أَو غَيره أَو أخبرهُ نَبِي أَو أفتاه عَالم وَقَالَ ابْن التِّين يحْتَمل أَن يكون أخبرهُ بذلك نَبِي زَمَانه أَو أخبر فِي نَومه وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح لَو رأى مَا فِي مستخرج أبي نعيم لما احْتَاجَ إِلَى هَذَا التخرص وَهُوَ قَوْله فساءه ذَلِك فَأتى فِي مَنَامه فَقيل لَهُ إِن الله عز وَجل قد قبل صدقتك وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي مُسْند الشامين عَن أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب عَن أبي الْيَمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور فساءه ذَلِك فَأتى فِي مَنَامه قَوْله " أما صدقتك على سَارِق " زَاد أَبُو أُميَّة " فقد قبلت " وَفِي رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة وَابْن لَهِيعَة " أما صدقتك فقد قبلت " وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ " إِن الله قد قبل صدقتك " قَوْله " لَعَلَّه أَن يستعف " لَعَلَّ من الله تَعَالَى على معنى الْقطع والختم وَأَنه تَارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال عَسى وَتارَة اسْتِعْمَال كَاد قَوْله " عَن زنَاهَا " قَالَ ابْن التِّين روينَاهُ بِالْمدِّ وَعند أبي ذَر بِالْقصرِ وَهِي لُغَة أهل الْحجاز وَالْمدّ لأهل نجد (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دلَالَة على أَن الصَّدَقَة كَانَت عِنْدهم فِي أيامهم مُخْتَصَّة بِأَهْل الْحَاجة من أهل الْخَيْر وَلِهَذَا تعجبوا من الصَّدَقَة على الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة. وَفِيه دَلِيل على أَن الله يَجْزِي العَبْد على حسب نِيَّته فِي الْخَيْر لِأَن هَذَا الْمُتَصَدّق لما قصد بِصَدَقَتِهِ وَجه الله تَعَالَى قبلت مِنْهُ وَلم يضرّهُ وَضعهَا عِنْد من لَا يَسْتَحِقهَا وَهَذَا فِي صَدَقَة التَّطَوُّع وَأما الزَّكَاة فَلَا يجوز دَفعهَا إِلَى الْأَغْنِيَاء. وَفِيه اعْتِبَار لمن تصدق عَلَيْهِ بِأَن يتَحَوَّل عَن الْحَال المذمومة إِلَى الْحَال الممدوحة ويستعف السَّارِق من سَرقته والزانية من زنَاهَا والغني من إِمْسَاكه. وَفِيه فضل صَدَقَة السِّرّ وَفضل الْإِخْلَاص. وَفِيه اسْتحبَّ إِعَادَة الصَّدَقَة إِذا لم تقع الْموقع. وَفِيه أَن الحكم للظَّاهِر حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه. وَفِيه التَّسْلِيم والرضى وذم التضجر بِالْقضَاءِ وَفِيه مَا يحْتَج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد فِيمَا إِذا أعْطى زَكَاته لشخص وظنه فَقِيرا فَبَان أَنه غَنِي سَقَطت عَنهُ تِلْكَ الزَّكَاة وَلَا تجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة وَحكي ذَلِك أَيْضا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَالْحسن بن صَالح لَا يجْزِيه وَعَلِيهِ الْإِعَادَة وَهُوَ قَول الثَّوْريّ لِأَنَّهُ لم يضع الصَّدَقَة موضعهَا وَأَخْطَأ فِي اجْتِهَاده كَمَا لَو نسي المَاء فِي رَحْله وَتيَمّم لصَلَاة لم يجزه فَافْهَم (فَإِن قيل) هَذَا الْخَبَر خَاص وَقع فِيهِ الِاطِّلَاع على قبُول الصَّدَقَة برؤيا صَادِقَة اتّفق وُقُوعهَا فَهَل يتَعَدَّى هَذَا الحكم إِلَى غَيره (قيل لَهُ) إِن التَّنْصِيص فِي هَذَا الْخَبَر على رَجَاء الاستعفاف فَيدل ذَلِك على التَّعْدِيَة فَيَقْتَضِي ارتباط الْقبُول بِهَذِهِ الْأَسْبَاب
٥١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق شخص على ابْنه وَالْحَال أَنه لَا يشْعر، وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف تَقْدِيره: جَازَ، وَإِنَّمَا حذفه إِمَّا اختصارا وَإِمَّا اكْتِفَاء بِمَا دلّ حَدِيث الْبَاب عَلَيْهِ. وَقيل: إِنَّمَا حذفه لِأَنَّهُ يصير لعدم شعوده كَالْأَجْنَبِيِّ.
٢٦ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا إِسْرَائِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو الجويرية أَن معن بن يزِيد رَضِي الله عَنهُ حَدثهُ قَالَ بَايَعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنا وَأبي وجدي وخطب عَليّ فأنكحني وخاصمت إِلَيْهِ وَكَانَ أبي يزِيد أخرج دَنَانِير يتَصَدَّق بهَا فوضعها عِنْد رجل فِي الْمَسْجِد فَجئْت فأخذتها فَأَتَيْته بهَا فَقَالَ وَالله مَا إياك أردْت فَخَاصَمته إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد وَلَك مَا أخذت يَا معن) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن يزِيد أعْطى دَنَانِير للرجل ليتصدق عَنهُ وَلم يحْجر عَلَيْهِ فجَاء ابْنه معن وَأَخذهَا من الرجل فَكَانَ يزِيد هُوَ السَّبَب فِي وُقُوع صدقته فِي يَد ابْنه فَكَأَنَّهُ تصدق عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يشْعر. (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُحَمَّد بن
يُوسُف الْفرْيَابِيّ وَقد مر. الثَّانِي إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَق السبيعِي. الثَّالِث أَبُو الجويرة مصغر الْجَارِيَة بِالْجِيم وَالرَّاء حطَّان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الطَّاء الْمُهْملَة وبالنون ابْن جفاف بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْفَاء الأولى الْجرْمِي بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء. الرَّابِع معن بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن يزِيد من الزِّيَادَة السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة يُقَال أَنه شهد بَدْرًا مَعَ أَبِيه وجده وَلم يتَّفق ذَلِك لغَيرهم وَقيل لم يُتَابع على ذَلِك فقد روى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق صَفْوَان بن عَمْرو عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير عَن يزِيد بن الْأَخْنَس السّلمِيّ أَنه أسلم فَأسلم مَعَه جَمِيع أَهله إِلَّا امْرَأَة وَاحِدَة أَبَت أَن تسلم فَأنْزل الله تَعَالَى على رَسُوله {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} فَهَذَا دَال على أَن إِسْلَامه كَانَ مُتَأَخِّرًا لِأَن الْآيَة مُتَأَخِّرَة الْإِنْزَال عَن بدر قطعا وَاسم جده الْأَخْنَس بن حبيب السّلمِيّ وَقيل ثَوْر وَمِمَّنْ قَالَه الطَّبَرَانِيّ وَابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم فترجموا فِي كتبهمْ لثور وَسَاقُوا حَدِيث الْبَاب من طَرِيق الْجراح وَالِد وَكِيع عَن أبي الجويرية عَن معن بن يزِيد بن ثَوْر السّلمِيّ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن سَماع أبي الجويرية عَن معن ومعن أَمِير على غزَاة الرّوم فِي خلَافَة مُعَاوِيَة وَفِيه أَن شَيْخه سكن قيسارية من الشَّام وَإِسْرَائِيل وحطان ومعن كوفيون وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " أَنا " تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع الَّذِي فِي بَايَعت قَوْله " وَأبي " هُوَ يزِيد قَوْله " وجدي " هُوَ الْأَخْنَس بن حبيب قَوْله " وخطب عَليّ " أَي خطب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَليّ يُقَال خطب الْمَرْأَة إِلَى وَليهَا إِذا أرادها الْخَاطِب لنَفسِهِ وعَلى فلَان إِذا أرادها لغيره قَالَ الْكرْمَانِي الْفَاعِل هُوَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين قَوْله " فأنكحني " أَي طلب لي الْإِنْكَاح فأجبت ومقصود معن من ذَلِك بَيَان أَنْوَاع علاقاته من الْمُبَايعَة وَغَيرهَا من الْخطْبَة عَلَيْهِ وإنكاحه وَعرض الْخُصُومَة عَلَيْهِ قَوْله " وخاصمت إِلَيْهِ " أَي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَفظ خاصمته ثَانِيًا تَفْسِير لقَوْله " خَاصَمت إِلَيْهِ " قَوْله " وَكَانَ أبي يزِيد " وَيزِيد بِالرَّفْع عطف بَيَان لقَوْله أبي وَلَيْسَ بِبَدَل كَمَا قَالَه بَعضهم على مَا لَا يخفى قَوْله " فوضعها عِنْد رجل " أَي فَوضع الدَّنَانِير الَّتِي أخرجهَا للصدقة عِنْد رجل وَفِيه حذف تَقْدِيره عِنْد رجل وَأذن لَهُ أَن يتَصَدَّق بهَا على من يحْتَاج إِلَيْهَا إِذْنا مُطلقًا من غير تعْيين نَاس فَجئْت فأخذتها يَعْنِي من الرجل الَّذِي أذن لَهُ فِي التَّصَدُّق بِاخْتِيَار مِنْهُ لَا بطرِيق الْغَصْب وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي حَمْزَة الْيَشْكُرِي عَن أبي الجويرية فِي هَذَا الحَدِيث (قلت) وَمَا كَانَت خصومتك قَالَ كَانَ رجل يغشى الْمَسْجِد فَيتَصَدَّق على رجال يعرفهُمْ فَظن أَنِّي بعض من يعرف فَذكر الحَدِيث قَوْله " وَالله مَا إياك أردْت " يَعْنِي قَالَ يزِيد لِابْنِهِ معن مَا إياك أردْت فِي الصَّدَقَة وَلَو أردْت أَنَّك تأخذها لناولتها لَك وَلم أوكل فِيهَا قَوْله " فَخَاصَمته " أَي خَاصَمت أبي يزِيد إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَك مَا نَوَيْت يَا يزِيد " يَعْنِي من أجر الصَّدَقَة لِأَنَّهُ نوى أَن يتَصَدَّق بهَا على من يحْتَاج إِلَيْهَا وابنك يحْتَاج إِلَيْهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيْضا " وَلَك مَا أخذت يَا معن " لِأَنَّك أخذت مُحْتَاجا إِلَيْهَا ومفعول كل من نَوَيْت وَأخذت مَحْذُوف (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ دَلِيل على الْعَمَل بالمطلقات على إِطْلَاقهَا لِأَن يزِيد فوض إِلَى الرجل بِلَفْظ مُطلق فنفذ فعله وَفِيه جَوَاز التحاكم بَين الْأَب وَالِابْن وخصومته مَعَه وَلَا يكون هَذَا عقوقا إِذا كَانَ ذَلِك فِي حق على أَن مَالِكًا رَحمَه الله كره ذَلِك وَلم يَجعله من بَاب الْبر واختياري هَذَا وَفِيه أَن مَا خرج إِلَى الابْن من مَال الْأَب على وَجه الصَّدَقَة أَو الصِّلَة أَو الْهِبَة لَا رُجُوع للْأَب فِيهِ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن الصَّدَقَة الْوَاجِبَة لَا تسْقط عَن الْوَالِد إِذا أَخذهَا وَلَده حاشا التَّطَوُّع قَالَ ابْن بطال وَعَلِيهِ حمل حَدِيث معن وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يجوز أَن يَأْخُذهَا لولد بِشَرْط أَن يكون غارما أَو غازيا فَيحمل حَدِيث معن على أَنه كَانَ متلبسا بِأحد هذَيْن النَّوْعَيْنِ قَالُوا وَإِذا كَانَ الْوَلَد أَو الْوَالِد فَقِيرا أَو مِسْكينا وَقُلْنَا فِي بعض الْأَحْوَال لَا تجب نَفَقَته فَيجوز لوالده أَو لوَلَده دفع الزَّكَاة إِلَيْهِ من سهم الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين بِلَا خلاف عِنْد الشَّافِعِي لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْأَجْنَبِيِّ وَقَالَ ابْن التِّين يجوز دفع الصَّدَقَة الْوَاجِبَة إِلَى الْوَلَد بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يتَوَلَّى غَيره من صرفهَا إِلَيْهِ وَالثَّانِي أَن لَا يكون فِي عِيَاله فَإِن كَانَ فِي عِيَاله وَقصد إعطاءه فروى مطرف