الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٧٢
الحديث رقم ١٤٧٢ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الاستعفاف عن المسألة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ﵁ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والصَّنعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكنَّ الزِّراعة أفضلُهما؛ لعموم النَّفع بها للآدميِّ وغيره، وعموم الحاجة إليها، والله أعلم. وغاية ما في حديث هذا الباب (١): تفضيل الاحتطاب على السُّؤال، وليس فيه أنَّه أفضل المكاسب، فلعلَّه ذكره لتيسُّره -لا سيَّما في بلاد الحجاز- لكثرة ذلك فيها.
١٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المهملة وسكون المُوحَّدة، عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد، الأيليُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بفتح الحاء (٢) المهملة في الأوَّل، وكسرها في الثَّاني، وتخفيف الزَّاي المعجمة (﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير الإعطاء ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه وحرص النُّفوس عليه، كالفاكهة التي هي (خَضِرَةٌ) في المنظر (حُلْوَةٌ) في الذَّوق، وكلٌّ منهما يُرغَب فيه على انفراده، فكيف إذا اجتمعا؟! وقال في «التَّنقيح»: تأنيث الخبر تنبيهٌ على أنَّ المبتدأ مُؤنَّثٌ، والتَّقدير: أنَّ صورة هذا المال، أو يكون التَّأنيث للمعنى؛ لأنَّه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرةٍ، والمراد بالخضرة: الرَّوضة الخضراء أو الشَّجرة النَّاعمة، والحلوة المستحلاة الطَّعم، قال في «المصابيح»: إذا كان
قوله: «خَضِرَةٌ» صفةً للرَّوضة، أو المراد بها نفس الرَّوضة الخضرة؛ لم يكنْ ثمَّ إشكالٌ ألبتَّة، وذلك أنَّ توافق المبتدأ والخبر في التَّأنيث إنَّما يجب إذا كان الخبر صفةً مُشتقَّةً غير سببيَّةٍ، نحو: هندٌ حسنةٌ، أو في حكمها، كالمنسوب، أمَّا في الجوامد فيجوز نحو: هذه الدَّار مكانٌ طيِّبٌ، وزيدٌ نسمةٌ عجيبةٌ. انتهى. (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي: المال، وللحَمُّويي: «فمن أخذ» (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوة نفس المعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) أي: مكتسبًا له بطلب النَّفس وحرصها عليه وتطلُّعها إليه (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ) أي: الآخذ (١) (فِيهِ) أي: في المُعطَى (وكان) أي (٢): الآخذ (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي: كذي الجوع الكاذب، بسبب سقمٍ من غلبة خلطٍ سوداويٍّ أو آفةٍ، ويُسمَّى جوع الكلب، كلمَّا ازداد أكلًا ازداد جوعًا، فلا يجد شبعًا ولا ينجع فيه الطَّعام. وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا وصف المال بما تميل إليه النَّفس الإنسانيَّة بجبلَّتها، رتَّب عليه بالفاء أمرين: أحدهما: تركه مع ما هي مجبولةٌ عليه (٣) من الحرص والشَّره والميل إلى الشَّهوات، وإليه أشار بقوله: «ومن أخذه بإشراف نفسٍ»، وثانيهما: كفُّها (٤) عن الرَّغبة فيه (٥) إلى (٦) ما عند الله من الثَّواب، وإليه أشار بقوله: «بسخاوة نفسٍ»، فكنَّى في الحديث بالسَّخاوة عن كفِّ النَّفس عن الحرص والشَّره؛ كما كنَّى في الآية بتوقِّي النَّفس من الشُّحِّ والحرص المجبولة عليه (٧) عن (٨) السَّخاء؛ لأنَّ من توقَّى من
(١) الشُّحَّ يكون سخيًّا (٢) مفلحًا في الدَّارين، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. وسقط من «اليونينيَّة» -كما نبَّه عليه بحاشية فرعها- لفظة: «وكان» فإمَّا أن يكون سهوًا أو الرِّواية كذلك (اليَدُ العُلْيَا) المنفقة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) السَّائلة (فقَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الزَّاي وضمِّ الهمزة، أي: لا أنقص (أَحَدًا بَعْدَكَ) أي: بعد سؤالك أو لا أرزأ غيرك (شَيْئًا) من ماله، أي: لا آخذ من أحدٍ شيئًا بعدك، وفي رواية إسحاق: «قلت: فوالله، لا تكون يدي بعدك تحت أيدي العرب» (حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى) أي: يمتنع (أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ) خوف الاعتياد، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريد، ففطمها عن ذلك وترك ما يَريبه إلى ما لا يَريبه (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) ابن الخطَّاب (﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى) أي: امتنع (أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ) لمن حضره مبالغةً في براءة سيرته العادلة من الحيف والتَّخصيص والحرمان بغير مُستَندٍ: (إِنِّي أُشْهِدُكُمْ -يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ- عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ) فيه: أنَّه لا يستحقُّ من بيت المال شيئًا إلَّا بإعطاء الإمام، ولا يُجبَر أحدٌ على الأخذ، وإنَّما أشهد عمر على حكيمٍ (٣) لِما مرَّ (فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّي) لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجبلَّة الإشراف (٤) والحرص، والنَّفس سرَّاقةٌ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قال النَّوويُّ: اتَّفق العلماء على النَّهي عن السُّؤال من غير ضرورةٍ، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحُّهما أنَّها (٥) حرامٌ؛ لظاهر الأحاديث، والثَّاني: حلالٌ مع الكراهة بثلاثة شروطٍ: ألَّا يذلَّ نفسه ولا (٦) يلحَّ في السُّؤال ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقِد واحدٌ (٧) من هذه الشُّروط؛ فحرامٌ بالاتِّفاق. انتهى. وقد مثَّل (٨) القاضي أبو بكر ابن العربيِّ للواجب بالمريدين في
ابتداء أمرهم، ونازعه العراقيُّ بأنَّه لا يُطلَق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنَّما جرت عادة المشايخ (١) في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك؛ لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحُهم، فأمَّا الوجوب الشَّرعيُّ فلا، وفي حديث ابن الفِرَاسِيِّ (٢) ممَّا رواه أبو داود والنَّسائيُّ أنَّه قال: يا رسول الله، أسأل؟ فقال: «لا، وإن كنت سائلًا لا بدَّ، فاسأل الصَّالحين» أي: من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحقِّ، وقد لا يعلمون المستحقَّ من غيره، فإذا عرفوا بالسُّؤال المحتاج أعطَوه ممَّا عليهم من حقوق الله، أو المراد: من يُتبرَّك بدعائهم وتُرجَى إجابتهم، وحيث جاز السُّؤال، فيجتنب فيه الإلحاح والسُّؤال بوجه الله تعالى (٣) لحديث «المعجم الكبير» عن أبي موسى بإسنادٍ حسنٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «ملعونٌ من سأل بوجه الله، وملعونٌ من سُئِل بوجه الله، فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا».
وفي حديث الباب التَّحديثُ والإخبار والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] وفي «الخمس» [خ¦٣١٤٣] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
(٥١) (بابٌ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ) فليقبله (﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ﴾) أي: المتَّقين المذكورين قبل هذه الآية (﴿حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]) المتعفِّف الذي لا يسأل، رواه الطَّبريُّ من طريق ابن شهابٍ، وفي رواية المُستملي تقديم الآية، وسقطت للأكثر؛ كذا قاله في «الفتح»، والذي في الفرع وأصله: «باب من أعطاه (٤) الله شيئًا من غير مسألةٍ ولا إشراف نفسٍ»، وفي هامشها لأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾».
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والصَّنعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكنَّ الزِّراعة أفضلُهما؛ لعموم النَّفع بها للآدميِّ وغيره، وعموم الحاجة إليها، والله أعلم. وغاية ما في حديث هذا الباب (١): تفضيل الاحتطاب على السُّؤال، وليس فيه أنَّه أفضل المكاسب، فلعلَّه ذكره لتيسُّره -لا سيَّما في بلاد الحجاز- لكثرة ذلك فيها.
١٤٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين المهملة وسكون المُوحَّدة، عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد، الأيليُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ) بفتح الحاء (٢) المهملة في الأوَّل، وكسرها في الثَّاني، وتخفيف الزَّاي المعجمة (﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير الإعطاء ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه وحرص النُّفوس عليه، كالفاكهة التي هي (خَضِرَةٌ) في المنظر (حُلْوَةٌ) في الذَّوق، وكلٌّ منهما يُرغَب فيه على انفراده، فكيف إذا اجتمعا؟! وقال في «التَّنقيح»: تأنيث الخبر تنبيهٌ على أنَّ المبتدأ مُؤنَّثٌ، والتَّقدير: أنَّ صورة هذا المال، أو يكون التَّأنيث للمعنى؛ لأنَّه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرةٍ، والمراد بالخضرة: الرَّوضة الخضراء أو الشَّجرة النَّاعمة، والحلوة المستحلاة الطَّعم، قال في «المصابيح»: إذا كان
قوله: «خَضِرَةٌ» صفةً للرَّوضة، أو المراد بها نفس الرَّوضة الخضرة؛ لم يكنْ ثمَّ إشكالٌ ألبتَّة، وذلك أنَّ توافق المبتدأ والخبر في التَّأنيث إنَّما يجب إذا كان الخبر صفةً مُشتقَّةً غير سببيَّةٍ، نحو: هندٌ حسنةٌ، أو في حكمها، كالمنسوب، أمَّا في الجوامد فيجوز نحو: هذه الدَّار مكانٌ طيِّبٌ، وزيدٌ نسمةٌ عجيبةٌ. انتهى. (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي: المال، وللحَمُّويي: «فمن أخذ» (بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوة نفس المعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) أي: مكتسبًا له بطلب النَّفس وحرصها عليه وتطلُّعها إليه (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ) أي: الآخذ (١) (فِيهِ) أي: في المُعطَى (وكان) أي (٢): الآخذ (كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) أي: كذي الجوع الكاذب، بسبب سقمٍ من غلبة خلطٍ سوداويٍّ أو آفةٍ، ويُسمَّى جوع الكلب، كلمَّا ازداد أكلًا ازداد جوعًا، فلا يجد شبعًا ولا ينجع فيه الطَّعام. وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا وصف المال بما تميل إليه النَّفس الإنسانيَّة بجبلَّتها، رتَّب عليه بالفاء أمرين: أحدهما: تركه مع ما هي مجبولةٌ عليه (٣) من الحرص والشَّره والميل إلى الشَّهوات، وإليه أشار بقوله: «ومن أخذه بإشراف نفسٍ»، وثانيهما: كفُّها (٤) عن الرَّغبة فيه (٥) إلى (٦) ما عند الله من الثَّواب، وإليه أشار بقوله: «بسخاوة نفسٍ»، فكنَّى في الحديث بالسَّخاوة عن كفِّ النَّفس عن الحرص والشَّره؛ كما كنَّى في الآية بتوقِّي النَّفس من الشُّحِّ والحرص المجبولة عليه (٧) عن (٨) السَّخاء؛ لأنَّ من توقَّى من
(١) الشُّحَّ يكون سخيًّا (٢) مفلحًا في الدَّارين، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. وسقط من «اليونينيَّة» -كما نبَّه عليه بحاشية فرعها- لفظة: «وكان» فإمَّا أن يكون سهوًا أو الرِّواية كذلك (اليَدُ العُلْيَا) المنفقة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) السَّائلة (فقَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ) بفتح الهمزة وسكون الرَّاء وفتح الزَّاي وضمِّ الهمزة، أي: لا أنقص (أَحَدًا بَعْدَكَ) أي: بعد سؤالك أو لا أرزأ غيرك (شَيْئًا) من ماله، أي: لا آخذ من أحدٍ شيئًا بعدك، وفي رواية إسحاق: «قلت: فوالله، لا تكون يدي بعدك تحت أيدي العرب» (حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى) أي: يمتنع (أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ) خوف الاعتياد، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريد، ففطمها عن ذلك وترك ما يَريبه إلى ما لا يَريبه (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ) ابن الخطَّاب (﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى) أي: امتنع (أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ) لمن حضره مبالغةً في براءة سيرته العادلة من الحيف والتَّخصيص والحرمان بغير مُستَندٍ: (إِنِّي أُشْهِدُكُمْ -يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ- عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ) فيه: أنَّه لا يستحقُّ من بيت المال شيئًا إلَّا بإعطاء الإمام، ولا يُجبَر أحدٌ على الأخذ، وإنَّما أشهد عمر على حكيمٍ (٣) لِما مرَّ (فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّي) لعشر سنين من إمارة معاوية مبالغةً في الاحتراز؛ إذ مقتضى الجبلَّة الإشراف (٤) والحرص، والنَّفس سرَّاقةٌ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قال النَّوويُّ: اتَّفق العلماء على النَّهي عن السُّؤال من غير ضرورةٍ، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحُّهما أنَّها (٥) حرامٌ؛ لظاهر الأحاديث، والثَّاني: حلالٌ مع الكراهة بثلاثة شروطٍ: ألَّا يذلَّ نفسه ولا (٦) يلحَّ في السُّؤال ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقِد واحدٌ (٧) من هذه الشُّروط؛ فحرامٌ بالاتِّفاق. انتهى. وقد مثَّل (٨) القاضي أبو بكر ابن العربيِّ للواجب بالمريدين في
ابتداء أمرهم، ونازعه العراقيُّ بأنَّه لا يُطلَق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنَّما جرت عادة المشايخ (١) في تهذيب أخلاق المبتدئين بفعل ذلك؛ لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك إصلاحُهم، فأمَّا الوجوب الشَّرعيُّ فلا، وفي حديث ابن الفِرَاسِيِّ (٢) ممَّا رواه أبو داود والنَّسائيُّ أنَّه قال: يا رسول الله، أسأل؟ فقال: «لا، وإن كنت سائلًا لا بدَّ، فاسأل الصَّالحين» أي: من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحقِّ، وقد لا يعلمون المستحقَّ من غيره، فإذا عرفوا بالسُّؤال المحتاج أعطَوه ممَّا عليهم من حقوق الله، أو المراد: من يُتبرَّك بدعائهم وتُرجَى إجابتهم، وحيث جاز السُّؤال، فيجتنب فيه الإلحاح والسُّؤال بوجه الله تعالى (٣) لحديث «المعجم الكبير» عن أبي موسى بإسنادٍ حسنٍ عنه ﷺ أنَّه قال: «ملعونٌ من سأل بوجه الله، وملعونٌ من سُئِل بوجه الله، فمنع سائله ما لم يسأل هجرًا».
وفي حديث الباب التَّحديثُ والإخبار والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] وفي «الخمس» [خ¦٣١٤٣] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٤١]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
(٥١) (بابٌ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ) فليقبله (﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ﴾) أي: المتَّقين المذكورين قبل هذه الآية (﴿حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]) المتعفِّف الذي لا يسأل، رواه الطَّبريُّ من طريق ابن شهابٍ، وفي رواية المُستملي تقديم الآية، وسقطت للأكثر؛ كذا قاله في «الفتح»، والذي في الفرع وأصله: «باب من أعطاه (٤) الله شيئًا من غير مسألةٍ ولا إشراف نفسٍ»، وفي هامشها لأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بابٌ» بالتَّنوين «﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾».