«فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ، عَلَى الذَّكَرِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥١١

الحديث رقم ١٥١١ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صدقة الفطر على الحر والمملوك.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «فرض النبي ﷺ صدقة الفطر، أو قال: رمضان، على…

«فَرَضَ النَّبِيُّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ، عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ

⦗١٣٢⦘

النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ : يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ : يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.

سند حديث: ١٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

١٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «فرض النبي ﷺ صدقة الفطر، أو قال: رمضان، على…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عبيد التِّجارة؛ إذ لا يلزم في مالٍ واحدٍ زكاتان، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا التَّعليق وصله ابن المنذر، ولم أقف على إسناده، وذكر بعضه أبو عبيدٍ في «كتاب الأموال».

١٥١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُلقَّب عارمٌ (١)؛ بالعين والرَّاء المهملتين، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ صَدَقَةَ الفِطْرِ -أَوْ قَالَ:) صدقة (رَمَضَانَ-) شكَّ الرَّاوي في المقول منهما، وكلاهما صحيحٌ؛ لتعلُّق الصَّدقة بهما، وفي روايةٍ في «الصَّحيحين» الجمع بينهما؛ وهي: «فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان» (٢) (عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ) قنًّا كان أو مُدبَّرًا أو أمَّ ولدٍ أو مُعلَّق العتق بصفةٍ، ولو آبقًا ومغصوبًا ومُؤجَّرًا ومرهونًا يؤدِّيها السَّيِّد عنه (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) أمَّا المُكاتَب فلا فطرة عليه؛ لضعف ملكه، ولا على سيِّده عنه؛ لنزوله منه (٣) منزلة الأجنبيِّ، وأمَّا المُبعَّض؛ فقال الشَّافعيُّ: يخرج هو من الصَّاع بقدر حرِّيَّته، وسيِّده بقدر رقِّه، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، والمشهور عند المالكيَّة: أنَّ على المالك بقدر نصيبه ولا شيء على العبد، وقال

أبو حنيفة: لا شيء فيه عليه ولا على السَّيِّد (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ) أي: بصاع التَّمر، أي (١): جعلوا (٢) مثله (نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) ولمَّا كان الكلام متضمِّنًا ترك المعدول به (٣)؛ أدخل الباء عليه؛ لأنَّها تدخل على المتروك، ففي الباء معنى: البدليَّة، والمراد بـ «النَّاس»: معاوية ومن معه -كما مرَّ- لا جميع النَّاس حتَّى يكون إجماعًا، كما نُقِل عن أبي حنيفة أنَّه استدلَّ به، وقد مرَّ ما فيه (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ) وفي رواية مالكٍ في «المُوطَّأ» عن نافعٍ: كان ابن عمر لا يُخرج إلَّا التَّمر في زكاة الفطر إلَّا مرَّةً واحدةً فإنَّه أخرج شعيرًا (فَأَعْوَزَ) بفتح الهمزة والواو، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، آخره زايٌ، أي: احتاج، ولأبي ذرٍّ: «فأُعوِز» بضمِّ الهمزة وكسر الواو (أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ) فلم يجدوه (فَأَعْطَى شَعِيرًا) وهو يدلُّ على أنَّ التَّمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّ الواجب جنس القوت المُعشَّر، وكذا الأَقِط؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق [خ¦١٥١٠] وفي معناه: اللَّبن والجبن، فيجزئ كلٌّ من الثَّلاثة لمن هو قُوته، ولا يجزئ المخيض والمصل والسَّمن والجبن المنزوع الزَّبد؛ لانتفاء الاقتيات بها، ولا المُملَّح من الأَقِط الذي أفسد كثرةُ الملح جوهرَه، ويجب من غالب قوت بلده، فـ «أو» في قوله في الحديث: «صاعًا من تمر أو صاعًا من شعيرٍ» ليست للتَّخيير، بل لبيان الأنواع التي يخرج منها، وذُكِرا لأنَّهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت أحاديث أُخَر (٤) بأجناسٍ أخرى، فعند الحاكم: أو صاعًا من قمحٍ، ولأبي داود والنَّسائيِّ: أو سُلْتٍ، وللمؤلِّف وغيره -كما سبق-: أو زبيبٍ أو أَقِطٍ [خ¦١٥٠٦] وكلُّها محمولةٌ على أنَّها غالب أقوات المخاطبين بها، ويجزئ الأعلى عن الأدنى ولا عكس، والاعتبار بزيادة الاقتيات في الأصحِّ، فالبُرُّ خيرٌ من التَّمر (٥) والأرزِّ، والشَّعير خيرٌ من التَّمر؛ لأنَّه أبلغ في الاقتيات، والتَّمر خيرٌ من الزَّبيب، وقال الحنفيَّة: يتخيَّر بين البُرِّ والدَّقيق والسَّويق والزَّبيب والتَّمر، والدَّقيق أَوْلى من البُرِّ، والدَّراهم أَوْلى من الدَّقيق فيما يُروَى

عن أبي يوسف، وقال المالكيَّة: من أغلب قوت المزكِّي أو قوت البلد الذي هو فيه من مُعشَّرٍ؛ وهو القمح والشَّعير والأرزُّ والذُّرة والدُّخن والتَّمر والزَّبيب والأَقِط غير العلس (١) إلَّا أن يقتات غير المُعشَّر، والأَقِط كالتِّين والقَطَانيِّ والسَّويق واللَّحم واللَّبن، فإنَّه يخرج منه على المشهور. قال نافعٌ: (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) (يُعْطِي) زكاة الفطر (عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى أَإِنْ كَانَ يُعْطِي) الفطرة (عَنْ بَنِيَّ) بفتح المُوحَّدة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أي: الذين رُزِقهم، وهو في الرِّقِّ، أو بعد أن أعتق على سبيل التَّبرُّع، أو كان يرى وجوبها على جميع من يموِّنه ولو لم تكن نفقته واجبةً عليه، وهمزة «إنَّ» مكسورةٌ ومفتوحةٌ، فقال الكِرمانيُّ: شرطُ المكسورة اللَّامُ في الخبر، أي: نحو: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] والمفتوحةُ «قد» ونحوه (٢)، وأجاب بأنَّهما مُقدَّرتان أو تُجعَل (٣) «أن» مصدريَّةً، و «كان» زائدةً. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا تعسُّفٌ، والأوجه أن يُقال: إنَّ «أنْ» مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، وأصله: حتَّى أنَّه كان، أي: حتَّى أنَّ ابن عمر كان يعطي، وأجاب في «المصابيح» عن اللَّام بأنَّه إذا دلَّ على قصد الإثبات؛ جاز تركها؛ كقوله:

إن كنت قاضي نحبي يوم بينكِم … لو لم تمنُّوا بوعدٍ يوم توديعِ

إذ (٤) المعنى فيه لا يستقيم إلَّا على إرادة الإثبات، والدَّليل في الحديث موجودٌ؛ لأنَّه قال: وكان ابن عمر يعطي عن الصَّغير والكبير وغيَّاه (٥) بقوله: «حتَّى إن كان يعطي عن بَنِيَّ»، ولا تأتي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي حَدِيث ابْن عمر السَّابِق. ومعاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقد مر فِي الصَّلَاة. وَأَبُو عمر، بِضَم الْعين: هُوَ حَفْص بن ميسرَة وَقد مر الْآن، وَزيد هُوَ زيد بن أسلم وَقد مر عَن قريب.

قَوْله (وَكَانَ طعامنا الشّعير) يدل صَرِيحًا على أَن المُرَاد من قَوْله: (صَاعا من طَعَام) أَنه أحد الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة، وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (قَالَ أَبُو سعيد) منافٍ لما تقدم من قَوْلك: إِن الطَّعَام هُوَ الْحِنْطَة، ثمَّ أجَاب عَن هَذَا نصْرَة لمذهبه بقوله: لَا نزاع فِي أَن الطَّعَام بِحَسب اللُّغَة عَام لكل مطعوم، إِنَّمَا الْبَحْث فِيمَا يعْطف عَلَيْهِ الشّعير وَسَائِر الْأَطْعِمَة، فَإِن الْعَطف قرينَة لإِرَادَة الْمَعْنى الْعرفِيّ مِنْهُ، وَهُوَ الْبر بِخُصُوصِهِ. قلت: لَا نسلم أَن معنى هَذَا الْعَطف هُوَ الَّذِي قَالَه، بل هَذَا الْعَطف يدل على أَن الطَّعَام الَّذِي ذكره أَبُو سعيد هُوَ أحد الْأَصْنَاف الَّتِي ذكرهَا فِيهِ، لِأَنَّهُ مثل التَّفْسِير لما قبله، وَالْأَصْل اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: لِمَ لَا يكون من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام نَحْو: {فَاكِهَة ونخل ورمان} (الرَّحْمَن: ٨٦) . وَأجَاب بِأَن هَذَا الْعَطف إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ الْخَاص أشرف، وَهَذَا بعكس ذَلِك. قلت: لَا نسلم دَعْوَى عكس الأشرفية فِيمَا نَحن فِيهِ، وَلَا يَخْلُو هَذَا أما من حَيْثُ اللُّغَة أَو الشَّرْع أَو الْعرف، وكل مِنْهَا منتفٍ، أما اللُّغَة فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِك، وَأما الشَّرْع فَعَلَيهِ الْبَيَان فِيهِ، وَأما الْعرف فَهُوَ مُشْتَرك. فَافْهَم.

٧٧ - (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب صَدَقَة الْفطر على الْحر والمملوك، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن الْحر والمملوك يستويان فِي صَدَقَة الْفطر، لَكِن بَينهمَا فرق فِي جِهَة الْوُجُوب، لِأَن الْحر تجب على نَفسه والمملوك على سَيّده، وَلَكِن فِيهِ أَيْضا فرق وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ للْخدمَة تجب على سَيّده، وَإِن كَانَ للتِّجَارَة فَلَا تجب خلافًا للشَّافِعِيّ. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: إِذا كَانَ: قُلْنَا بقول الْجُمْهُور، أَن صَدَقَة الْفطر على سيد العَبْد لَا على العَبْد، فَهَل وَجَبت على السَّيِّد ابْتِدَاء أَو وَجَبت على العَبْد وتحملها السَّيِّد بالانتقال عَنهُ؟ قَالَ الرَّوْيَانِيّ: ظَاهر الْمَذْهَب هُوَ الأول. قَالَ الإِمَام: وَذكر طَائِفَة من الْمُحَقِّقين أَن هَذَا الْخلاف فِي فطْرَة الزَّوْجَة، وَأما فطْرَة العَبْد فَتجب على السَّيِّد ابْتِدَاء بِلَا خلاف، وَتجب على السَّيِّد سَوَاء كَانَ العَبْد مَرْهُونا أَو مُسْتَأْجرًا أَو خائنا أَو ضَالًّا أَو مَغْصُوبًا أَو آبقا، لِأَن ملكه لَا يَنْقَطِع بذلك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم أَن لَا صَدَقَة على الذِّمِّيّ عَن عَبده الْمُسلم، وَكَذَا ذكر فِي (الْمُحِيط) لِأَن الْفطْرَة زَكَاة فَلَا تجب على الْكَافِر زَكَاة، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: تجب عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ مَال، لِأَن العَبْد يملك عِنْده، وَإِن كَانَ عَبده آبقا أَو مأسورا أَو مَغْصُوبًا مجحودا لَا تجب هَكَذَا فِي (الْبَدَائِع) و (الْيَنَابِيع) وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَعَن أبي حنيفَة: تجب فِي الْآبِق، وَبِه قَالَ عَطاء وَالثَّوْري، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: تجب إِن كَانَ فِي دَار الْإِسْلَام، وَفِي الْمَرْهُون على الْمَشْهُور إِن فضل لَهُ بعد الدّين تجب، وَعَن أبي يُوسُف: لَا تجب حَتَّى يفتكه وَإِن هلك قبله، وَلَا صَدَقَة على الرَّاهِن بِخِلَاف عَبده الْمُسْتَغْرق بِالدّينِ، وَالَّذِي فِي رقبته جِنَايَة. قَالَ أَبُو يُوسُف: ورقيق الأحباس ورقيق القوام الَّذين يقومُونَ على زَمْزَم ورقيق الْفَيْء وَالْغنيمَة والسبي والأسر قبل الْقِسْمَة لَا فطْرَة فيهم، وَالْعَبْد الْمُوصى بِرَقَبَتِهِ لإِنْسَان وبخدمته لآخر تجب على الْمُوصى لَهُ بِالرَّقَبَةِ دون الْخدمَة، كَالْعَبْدِ الْمُسْتَعَار. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: تجب على مَالك الْخدمَة، وَتجب عَن عبيد العبيد، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَا شَيْء فيهم. وَفِي مُعتق الْبَعْض أَقْوَال سِتَّة. الأول: لَا شَيْء فِيهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَالثَّانِي: تجب على الْمُعْتق لِأَن لَهُ أَن يعتقهُ كُله إِن كَانَ لَهُ مَال، وَهُوَ قَوْلهمَا لِأَنَّهُ حر عِنْدهمَا، وَالثَّالِث: يُؤَدِّي الْمَالِك نصف صَدَقَة فطره، وَلَا شَيْء على العَبْد فِيمَا عتق. وَالرَّابِع: تجب عَلَيْهِمَا صَدَقَة كَامِلَة إِذا ملكا فضلا عَن قوتهما، قَالَه أَبُو ثَوْر وَالشَّافِعِيّ. وَالْخَامِس: يُؤَدِّي الَّذِي يملك نصِيبه صَدَقَة كَامِلَة، وَهُوَ قَول ابْن الْمَاجشون. وَالسَّادِس: على سَيّده بِقدر مَا يملكهُ، وَفِي ذمَّة الْمُعْتق بِقدر حُرِّيَّته، فَإِن لم يكن لَهُ مَال يزكّى سَيّده كُله.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ ويُزَكَّى فِي الفِطْرِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَهَذَا التَّعْلِيق وصل بعضه أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال)

وَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ: لَيْسَ على الْمَمْلُوك زَكَاة، وَلَا يُزكي عَنهُ سَيّده إِلَّا زَكَاة الْفطر قَوْله: للتِّجَارَة، يجوز أَن يكون للْحَال، وَأَن يكون صفة أَي فِي المملوكين المعدين للتِّجَارَة، فعلى الأول مَحَله النصب وعَلى الثَّانِي الْجَرّ. قَوْله: (يزكّى) ، أَي: يُؤَدِّي الزَّكَاة فِي مماليك التِّجَارَة من جِهَتَيْنِ، فَفِي رَأس الْحول تجب زَكَاة قيمتهم، وَفِي صَدَقَة الْفطر زَكَاة بدنهم.

١١٥١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ فرَضَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَةَ الفِطْرِ أوْ قَالَ رَمَضَان علَى الذَّكرِ وَالأنْثى وَالحُرِّ والمَمْلُوكِ صَاعا مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ فعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ فكانَ ابنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فأعْطى شَعِيرا فكانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي عَن الصَّغِيرِ والكَبِيرِ حَتَّى كانِ يُعْطي عنْ بَنِيَّ وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُعْطِيها الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وكانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيومٍ أوْ يَوْمَيْنِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والمملوك) ، وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مضى الْكَلَام فِي صدر الحَدِيث فِيمَا مضى عَن قريب.

قَوْله: (فَعدل النَّاس) أَي: مُعَاوِيَة وَمن كَانَ مَعَه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (النَّاس) أَي: مُعَاوِيَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: التَّخْصِيص بِهِ خلاف الظَّاهِر، فَيكون المُرَاد بِهِ الصَّحَابَة فَيصير إِجْمَاعًا سكوتيا. ثمَّ قَالَ: قلت: الأَصْل فِي: اللَّام، أَن تكون للْجِنْس الصَّادِق على الْقَلِيل وَالْكثير والاستغراق مجَازًا. انْتهى. قلت: هَذَا تعسف، فَلَو قَالَ من الأول مثل مَا قُلْنَا مَا كَانَ يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّطْوِيل، مَعَ أَن قَوْله الأَصْل فِي: اللَّام، أَن تكون للْجِنْس لَيْسَ كَذَلِك، بل الأَصْل فِي اللَّام أَن تكون للْعهد كَمَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ. قَوْله: (فَكَانَ ابْن عمر يُعْطي التَّمْر) وَفِي رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع: (كَانَ ابْن عمر لَا يخرج إِلَّا التَّمْر فِي زَكَاة الْفطر إلَاّ مرّة وَاحِدَة فَإِنَّهُ أخرج شَعِيرًا) . وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب: (كَانَ ابْن عمر إِذا أعْطى أعْطى التَّمْر إلَاّ عَاما وَاحِدًا) . قَوْله: (فأعوز) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي: أَي: احْتَاجَ. تَقول: أعوزني الشَّيْء إِذا احتجت إِلَيْهِ وَلم تقدر عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: فأعوز بِلَفْظ الْمَعْرُوف والمجهول: يُقَال: أعوزه الشَّيْء إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ فَلم يقدر عَلَيْهِ، وعوز الشَّيْء إِذا لم يُوجد، وأعوز أَي: افْتقر. قَوْله: (حَتَّى أَن كَانَ) قَالَ الْكرْمَانِي مَا محصله: إِنَّه روى: ان، بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، وَشرط المخففة الْمَكْسُورَة، اللَّام، وَشرط الْمَفْتُوحَة: قد، وَنَحْوه وَقد يكون وَاحِد مِنْهُمَا مُقَدرا، أَو أَن: ان، مَصْدَرِيَّة و: كَانَ، زَائِدَة. قلت: هَذَا تعسف، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: أَن، مُخَفّفَة من المثقلة، وَأَصله حَتَّى إِنَّه، كَانَ، أَي: حَتَّى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يُعْطي. قَوْله: (بني) أَصله بنُون لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم صَار: بنيي، بياءين فأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: بني، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: بني هُوَ قَول نَافِع يَعْنِي: كَانَ ابْن عمر يُعْطي عَن أَوْلَادنَا وهم موَالِي عبد الله وَفِي نَفَقَته، فَكَانَ يُعْطي عَنْهُم الْفطْرَة. قلت: قَوْله: (بني) هُوَ قَول نَافِع، لَيْسَ قَول نَافِع لفظ بني فَقَط، وَإِنَّمَا قَوْله من قَوْله: (فَكَانَ ابْن عمر. .) إِلَى آخر الحَدِيث من كَلَام نَافِع، قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يُعْطِيهَا الَّذين يقبلونها) ، وهم الَّذين ينصبهم الإِمَام لقبض الزكوات، وَقيل: مَعْنَاهُ من قَالَ: أَنا فَقير، وَقَالَ بَعضهم: الأول أظهر. قلت: بل الثَّانِي أظهر على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَكَانُوا) أَي: النَّاس، يعطونها أَي: صَدَقَة الْفطر، قبل الْفطر: أَي يَوْم الْفطر، بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: صَدَقَة الْفطر من التَّمْر وَالشعِير صَاع، وَفِيه: أَنهم عدلوا الصَّاع من التَّمْر بِنصْف صَاع من الْبر، فَأَعْطوهُ، وَهُوَ حجَّة للحنفية من أَن صَدَقَة الْفطر من الْبر نصف صَاع. وَفِيه: أَن الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْحر وَالْعَبْد سَوَاء فِي الْفطْرَة. وَفِيه: جَوَاز تَقْدِيم صَدَقَة الْفطر قبل يَوْم الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ. وَفِيه: قَالَ ابْن بطال: لَا يجوز إلَاّ أَن يُعْطي من قوته، لِأَن التَّمْر كَانَ بِهِ جلّ عيشهم، فحين لم يَجدوا كَانُوا أعْطوا الشّعير. وَفِيه: أَن أَي من قَالَ: أَنا فَقير فأقبلها يُعْطِيهِ وَلَا يسْأَل عَن حَقِيقَة فقره.

٨٧ - (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب صَدَقَة الْفطر على الصَّغِير وَالْكَبِير، قيل: هَذِه التَّرْجَمَة تكْرَار. قلت: فِيهِ التَّنْبِيه على أَن الصَّغِير وَالْكَبِير سَوَاء فِي صَدَقَة الْفطر، غير أَن الْجِهَة مُخْتَلفَة على مَا لَا يخفى.

٢١٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ فرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صدَقَةَ الفِطْرِ صَاعا مِن شَعيرٍ أوْ صَاعا مِن تَمْرٍ عَلى الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والمَمْلُوكِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (على الصَّغِير وَالْكَبِير) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله، بِضَم الْعين بتصغير العَبْد: ابْن عمر الْعمريّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُسَدّد نَحوه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ سعيد الجُمَحِي عَن عبيد الله عَن نَافِع قَالَ فِيهِ: (من الْمُسلمين) ، وَالْمَشْهُور عَن عبد الله لَيْسَ فِيهِ: (من الْمُسلمين) . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل: (وَالذكر وَالْأُنْثَى) . وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت غير مرّة. وَالله أعلم، وَالْحَمْد لله وَحده.

بِسم الله الرحمان الرَّحِيم

٥٢ - (كِتَابُ الحَجِّ)

هَذَا كتاب فِي بَيَان الْحَج، وَقد ذكرنَا أول الْكتاب أَن الْكتاب يشْتَمل الْأَبْوَاب، والأبواب تَشْمَل الْفُصُول، وَلم يَقع فِي تَرْتِيب البُخَارِيّ الْفُصُول، وَإِنَّمَا يُوجد فِي بعض الْمَوَاضِع لَفْظَة: بَاب، مُجَردا وَيُرِيد بِهِ الْفَصْل عَمَّا قبله، لكنه من جنسه كَمَا ستقف عَلَيْهِ فِي أثْنَاء الْكتاب.

وَالْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع.

الأول: ذكر كتاب الْحَج عقيب كتاب الزَّكَاة، وَكَانَ الْمُنَاسب ذكر كتاب الصَّوْم عقيب كتاب الزَّكَاة، كَمَا قدمه ابْن بطال على كتاب الْحَج كَمَا وَقع فِي الْخمس الَّذِي بني الْإِسْلَام عَلَيْهَا، وَلَكِن لما كَانَ لِلْحَجِّ اشْتِرَاك مَعَ الزَّكَاة فِي كَونهمَا عبَادَة مَالِيَّة ذكره عقيب الزَّكَاة. فَإِن قلت: فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر الصَّوْم عقيب الصَّلَاة لِأَن كلا مِنْهُمَا عبَادَة بدنية. قلت: نعم، كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي ذَلِك وَلَكِن ذكرت الزَّكَاة عقيب الصَّلَاة لِأَنَّهَا ثَانِيَة الصَّلَاة وثالثة الْإِيمَان فِي الْكتاب وَالسّنة.

النَّوْع الثَّانِي: أَنه قد وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: كتاب الْمَنَاسِك، كَمَا وَقع هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَوَقع فِي كتاب الطَّحَاوِيّ: كتاب مَنَاسِك الْحَج، وَهُوَ جمع منسك، بِفَتْح السِّين وَكسرهَا وَهُوَ المتعبد، وَيَقَع على الْمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان، ثمَّ سميت أُمُور الْحَج كلهَا مَنَاسِك، والمنسك: المذبح، وَقد نسك ينْسك نسكا إِذا ذبح، والنسيكة الذَّبِيحَة، وَجَمعهَا نسك، والنسك أَيْضا الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، وكل مَا تقرب بِهِ إِلَى الله، عز وَجل، والنسك مَا أمرت بِهِ الشَّرِيعَة والورع وَمَا نهت عَنهُ. والناسك العابد، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الناسك مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ مَأْخُوذ من النسيكة، وَهِي سبيكة الْفضة المصفاة، كَأَن الناسك صفي نَفسه لله تَعَالَى.

النَّوْع الثَّالِث فِي معنى الْحَج لُغَة وَشرعا أما لغةٍ: فَمَعْنَاه الْقَصْد، من حججْت الشَّيْء أحجه حجا إِذا قصدته. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وأصل الْحَج من قَوْلك: حججْت فلَانا أحجه حجا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. فَقيل: حج الْبَيْت، لِأَن النَّاس يأتونه كل سنة، وَمِنْه قَول المخبل السَّعْدِيّ:

(واشهد من عَوْف حلولاً كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)

يَقُول: يأتونه مرّة بعد أُخْرَى لسؤدده وسبه: عمَامَته، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : السب الثَّوْب الرَّقِيق، وَقيل: غلالة رقيقَة يمنية، والزبرقان، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء وبالقاف المخففة وَفِي آخِره نون: وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم الْقَمَر، ولقب بِهِ الْحصين لصفرة عمَامَته. وَأما شرعا: الْحَج قصد إِلَى زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام على وَجه التَّعْظِيم بِأَفْعَال مَخْصُوصَة، وَسَببه الْبَيْت، لِأَنَّهُ يُضَاف إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يجب فِي الْعُمر إلَاّ مرّة وَاحِدَة لعدم تكْرَار السب، وَالْحج، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. وَقَالَ الزّجاج:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عبيد التِّجارة؛ إذ لا يلزم في مالٍ واحدٍ زكاتان، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا التَّعليق وصله ابن المنذر، ولم أقف على إسناده، وذكر بعضه أبو عبيدٍ في «كتاب الأموال».

١٥١١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل، السَّدوسيُّ البصريُّ، المُلقَّب عارمٌ (١)؛ بالعين والرَّاء المهملتين، قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هو ابن درهمٍ، الجهضميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ( قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ صَدَقَةَ الفِطْرِ -أَوْ قَالَ:) صدقة (رَمَضَانَ-) شكَّ الرَّاوي في المقول منهما، وكلاهما صحيحٌ؛ لتعلُّق الصَّدقة بهما، وفي روايةٍ في «الصَّحيحين» الجمع بينهما؛ وهي: «فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان» (٢) (عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ) قنًّا كان أو مُدبَّرًا أو أمَّ ولدٍ أو مُعلَّق العتق بصفةٍ، ولو آبقًا ومغصوبًا ومُؤجَّرًا ومرهونًا يؤدِّيها السَّيِّد عنه (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) أمَّا المُكاتَب فلا فطرة عليه؛ لضعف ملكه، ولا على سيِّده عنه؛ لنزوله منه (٣) منزلة الأجنبيِّ، وأمَّا المُبعَّض؛ فقال الشَّافعيُّ: يخرج هو من الصَّاع بقدر حرِّيَّته، وسيِّده بقدر رقِّه، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد، والمشهور عند المالكيَّة: أنَّ على المالك بقدر نصيبه ولا شيء على العبد، وقال

أبو حنيفة: لا شيء فيه عليه ولا على السَّيِّد (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ) أي: بصاع التَّمر، أي (١): جعلوا (٢) مثله (نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) ولمَّا كان الكلام متضمِّنًا ترك المعدول به (٣)؛ أدخل الباء عليه؛ لأنَّها تدخل على المتروك، ففي الباء معنى: البدليَّة، والمراد بـ «النَّاس»: معاوية ومن معه -كما مرَّ- لا جميع النَّاس حتَّى يكون إجماعًا، كما نُقِل عن أبي حنيفة أنَّه استدلَّ به، وقد مرَّ ما فيه (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ) وفي رواية مالكٍ في «المُوطَّأ» عن نافعٍ: كان ابن عمر لا يُخرج إلَّا التَّمر في زكاة الفطر إلَّا مرَّةً واحدةً فإنَّه أخرج شعيرًا (فَأَعْوَزَ) بفتح الهمزة والواو، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، آخره زايٌ، أي: احتاج، ولأبي ذرٍّ: «فأُعوِز» بضمِّ الهمزة وكسر الواو (أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ) فلم يجدوه (فَأَعْطَى شَعِيرًا) وهو يدلُّ على أنَّ التَّمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، ومذهب الشَّافعيَّة أنَّ الواجب جنس القوت المُعشَّر، وكذا الأَقِط؛ لحديث أبي سعيدٍ السَّابق [خ¦١٥١٠] وفي معناه: اللَّبن والجبن، فيجزئ كلٌّ من الثَّلاثة لمن هو قُوته، ولا يجزئ المخيض والمصل والسَّمن والجبن المنزوع الزَّبد؛ لانتفاء الاقتيات بها، ولا المُملَّح من الأَقِط الذي أفسد كثرةُ الملح جوهرَه، ويجب من غالب قوت بلده، فـ «أو» في قوله في الحديث: «صاعًا من تمر أو صاعًا من شعيرٍ» ليست للتَّخيير، بل لبيان الأنواع التي يخرج منها، وذُكِرا لأنَّهما الغالب في قوت أهل المدينة، وجاءت أحاديث أُخَر (٤) بأجناسٍ أخرى، فعند الحاكم: أو صاعًا من قمحٍ، ولأبي داود والنَّسائيِّ: أو سُلْتٍ، وللمؤلِّف وغيره -كما سبق-: أو زبيبٍ أو أَقِطٍ [خ¦١٥٠٦] وكلُّها محمولةٌ على أنَّها غالب أقوات المخاطبين بها، ويجزئ الأعلى عن الأدنى ولا عكس، والاعتبار بزيادة الاقتيات في الأصحِّ، فالبُرُّ خيرٌ من التَّمر (٥) والأرزِّ، والشَّعير خيرٌ من التَّمر؛ لأنَّه أبلغ في الاقتيات، والتَّمر خيرٌ من الزَّبيب، وقال الحنفيَّة: يتخيَّر بين البُرِّ والدَّقيق والسَّويق والزَّبيب والتَّمر، والدَّقيق أَوْلى من البُرِّ، والدَّراهم أَوْلى من الدَّقيق فيما يُروَى

عن أبي يوسف، وقال المالكيَّة: من أغلب قوت المزكِّي أو قوت البلد الذي هو فيه من مُعشَّرٍ؛ وهو القمح والشَّعير والأرزُّ والذُّرة والدُّخن والتَّمر والزَّبيب والأَقِط غير العلس (١) إلَّا أن يقتات غير المُعشَّر، والأَقِط كالتِّين والقَطَانيِّ والسَّويق واللَّحم واللَّبن، فإنَّه يخرج منه على المشهور. قال نافعٌ: (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) (يُعْطِي) زكاة الفطر (عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى أَإِنْ كَانَ يُعْطِي) الفطرة (عَنْ بَنِيَّ) بفتح المُوحَّدة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أي: الذين رُزِقهم، وهو في الرِّقِّ، أو بعد أن أعتق على سبيل التَّبرُّع، أو كان يرى وجوبها على جميع من يموِّنه ولو لم تكن نفقته واجبةً عليه، وهمزة «إنَّ» مكسورةٌ ومفتوحةٌ، فقال الكِرمانيُّ: شرطُ المكسورة اللَّامُ في الخبر، أي: نحو: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣] والمفتوحةُ «قد» ونحوه (٢)، وأجاب بأنَّهما مُقدَّرتان أو تُجعَل (٣) «أن» مصدريَّةً، و «كان» زائدةً. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا تعسُّفٌ، والأوجه أن يُقال: إنَّ «أنْ» مُخفَّفةٌ من الثَّقيلة، وأصله: حتَّى أنَّه كان، أي: حتَّى أنَّ ابن عمر كان يعطي، وأجاب في «المصابيح» عن اللَّام بأنَّه إذا دلَّ على قصد الإثبات؛ جاز تركها؛ كقوله:

إن كنت قاضي نحبي يوم بينكِم … لو لم تمنُّوا بوعدٍ يوم توديعِ

إذ (٤) المعنى فيه لا يستقيم إلَّا على إرادة الإثبات، والدَّليل في الحديث موجودٌ؛ لأنَّه قال: وكان ابن عمر يعطي عن الصَّغير والكبير وغيَّاه (٥) بقوله: «حتَّى إن كان يعطي عن بَنِيَّ»، ولا تأتي

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي حَدِيث ابْن عمر السَّابِق. ومعاذ، بِضَم الْمِيم: ابْن فضَالة، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقد مر فِي الصَّلَاة. وَأَبُو عمر، بِضَم الْعين: هُوَ حَفْص بن ميسرَة وَقد مر الْآن، وَزيد هُوَ زيد بن أسلم وَقد مر عَن قريب.

قَوْله (وَكَانَ طعامنا الشّعير) يدل صَرِيحًا على أَن المُرَاد من قَوْله: (صَاعا من طَعَام) أَنه أحد الْأَصْنَاف الْمَذْكُورَة، وَقد حققنا الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (قَالَ أَبُو سعيد) منافٍ لما تقدم من قَوْلك: إِن الطَّعَام هُوَ الْحِنْطَة، ثمَّ أجَاب عَن هَذَا نصْرَة لمذهبه بقوله: لَا نزاع فِي أَن الطَّعَام بِحَسب اللُّغَة عَام لكل مطعوم، إِنَّمَا الْبَحْث فِيمَا يعْطف عَلَيْهِ الشّعير وَسَائِر الْأَطْعِمَة، فَإِن الْعَطف قرينَة لإِرَادَة الْمَعْنى الْعرفِيّ مِنْهُ، وَهُوَ الْبر بِخُصُوصِهِ. قلت: لَا نسلم أَن معنى هَذَا الْعَطف هُوَ الَّذِي قَالَه، بل هَذَا الْعَطف يدل على أَن الطَّعَام الَّذِي ذكره أَبُو سعيد هُوَ أحد الْأَصْنَاف الَّتِي ذكرهَا فِيهِ، لِأَنَّهُ مثل التَّفْسِير لما قبله، وَالْأَصْل اسْتِعْمَال الْأَلْفَاظ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي أَيْضا: لِمَ لَا يكون من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام نَحْو: {فَاكِهَة ونخل ورمان} (الرَّحْمَن: ٨٦) . وَأجَاب بِأَن هَذَا الْعَطف إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا كَانَ الْخَاص أشرف، وَهَذَا بعكس ذَلِك. قلت: لَا نسلم دَعْوَى عكس الأشرفية فِيمَا نَحن فِيهِ، وَلَا يَخْلُو هَذَا أما من حَيْثُ اللُّغَة أَو الشَّرْع أَو الْعرف، وكل مِنْهَا منتفٍ، أما اللُّغَة فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِك، وَأما الشَّرْع فَعَلَيهِ الْبَيَان فِيهِ، وَأما الْعرف فَهُوَ مُشْتَرك. فَافْهَم.

٧٧ - (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب صَدَقَة الْفطر على الْحر والمملوك، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن الْحر والمملوك يستويان فِي صَدَقَة الْفطر، لَكِن بَينهمَا فرق فِي جِهَة الْوُجُوب، لِأَن الْحر تجب على نَفسه والمملوك على سَيّده، وَلَكِن فِيهِ أَيْضا فرق وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ للْخدمَة تجب على سَيّده، وَإِن كَانَ للتِّجَارَة فَلَا تجب خلافًا للشَّافِعِيّ. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: إِذا كَانَ: قُلْنَا بقول الْجُمْهُور، أَن صَدَقَة الْفطر على سيد العَبْد لَا على العَبْد، فَهَل وَجَبت على السَّيِّد ابْتِدَاء أَو وَجَبت على العَبْد وتحملها السَّيِّد بالانتقال عَنهُ؟ قَالَ الرَّوْيَانِيّ: ظَاهر الْمَذْهَب هُوَ الأول. قَالَ الإِمَام: وَذكر طَائِفَة من الْمُحَقِّقين أَن هَذَا الْخلاف فِي فطْرَة الزَّوْجَة، وَأما فطْرَة العَبْد فَتجب على السَّيِّد ابْتِدَاء بِلَا خلاف، وَتجب على السَّيِّد سَوَاء كَانَ العَبْد مَرْهُونا أَو مُسْتَأْجرًا أَو خائنا أَو ضَالًّا أَو مَغْصُوبًا أَو آبقا، لِأَن ملكه لَا يَنْقَطِع بذلك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم أَن لَا صَدَقَة على الذِّمِّيّ عَن عَبده الْمُسلم، وَكَذَا ذكر فِي (الْمُحِيط) لِأَن الْفطْرَة زَكَاة فَلَا تجب على الْكَافِر زَكَاة، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: تجب عَلَيْهِ إِن كَانَ لَهُ مَال، لِأَن العَبْد يملك عِنْده، وَإِن كَانَ عَبده آبقا أَو مأسورا أَو مَغْصُوبًا مجحودا لَا تجب هَكَذَا فِي (الْبَدَائِع) و (الْيَنَابِيع) وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْمُنْذر، وَعَن أبي حنيفَة: تجب فِي الْآبِق، وَبِه قَالَ عَطاء وَالثَّوْري، وَقَالَ الزُّهْرِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: تجب إِن كَانَ فِي دَار الْإِسْلَام، وَفِي الْمَرْهُون على الْمَشْهُور إِن فضل لَهُ بعد الدّين تجب، وَعَن أبي يُوسُف: لَا تجب حَتَّى يفتكه وَإِن هلك قبله، وَلَا صَدَقَة على الرَّاهِن بِخِلَاف عَبده الْمُسْتَغْرق بِالدّينِ، وَالَّذِي فِي رقبته جِنَايَة. قَالَ أَبُو يُوسُف: ورقيق الأحباس ورقيق القوام الَّذين يقومُونَ على زَمْزَم ورقيق الْفَيْء وَالْغنيمَة والسبي والأسر قبل الْقِسْمَة لَا فطْرَة فيهم، وَالْعَبْد الْمُوصى بِرَقَبَتِهِ لإِنْسَان وبخدمته لآخر تجب على الْمُوصى لَهُ بِالرَّقَبَةِ دون الْخدمَة، كَالْعَبْدِ الْمُسْتَعَار. وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: تجب على مَالك الْخدمَة، وَتجب عَن عبيد العبيد، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَقَالَ مَالك: لَا شَيْء فيهم. وَفِي مُعتق الْبَعْض أَقْوَال سِتَّة. الأول: لَا شَيْء فِيهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَالثَّانِي: تجب على الْمُعْتق لِأَن لَهُ أَن يعتقهُ كُله إِن كَانَ لَهُ مَال، وَهُوَ قَوْلهمَا لِأَنَّهُ حر عِنْدهمَا، وَالثَّالِث: يُؤَدِّي الْمَالِك نصف صَدَقَة فطره، وَلَا شَيْء على العَبْد فِيمَا عتق. وَالرَّابِع: تجب عَلَيْهِمَا صَدَقَة كَامِلَة إِذا ملكا فضلا عَن قوتهما، قَالَه أَبُو ثَوْر وَالشَّافِعِيّ. وَالْخَامِس: يُؤَدِّي الَّذِي يملك نصِيبه صَدَقَة كَامِلَة، وَهُوَ قَول ابْن الْمَاجشون. وَالسَّادِس: على سَيّده بِقدر مَا يملكهُ، وَفِي ذمَّة الْمُعْتق بِقدر حُرِّيَّته، فَإِن لم يكن لَهُ مَال يزكّى سَيّده كُله.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ ويُزَكَّى فِي الفِطْرِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَهَذَا التَّعْلِيق وصل بعضه أَبُو عبيد فِي (كتاب الْأَمْوَال)

وَقَالَ: حَدثنَا عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب قَالَ: لَيْسَ على الْمَمْلُوك زَكَاة، وَلَا يُزكي عَنهُ سَيّده إِلَّا زَكَاة الْفطر قَوْله: للتِّجَارَة، يجوز أَن يكون للْحَال، وَأَن يكون صفة أَي فِي المملوكين المعدين للتِّجَارَة، فعلى الأول مَحَله النصب وعَلى الثَّانِي الْجَرّ. قَوْله: (يزكّى) ، أَي: يُؤَدِّي الزَّكَاة فِي مماليك التِّجَارَة من جِهَتَيْنِ، فَفِي رَأس الْحول تجب زَكَاة قيمتهم، وَفِي صَدَقَة الْفطر زَكَاة بدنهم.

١١٥١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ فرَضَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَةَ الفِطْرِ أوْ قَالَ رَمَضَان علَى الذَّكرِ وَالأنْثى وَالحُرِّ والمَمْلُوكِ صَاعا مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ فعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ فكانَ ابنُ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فأعْطى شَعِيرا فكانَ ابنُ عُمَرَ يُعْطِي عَن الصَّغِيرِ والكَبِيرِ حَتَّى كانِ يُعْطي عنْ بَنِيَّ وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يُعْطِيها الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وكانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيومٍ أوْ يَوْمَيْنِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والمملوك) ، وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَقد مضى الْكَلَام فِي صدر الحَدِيث فِيمَا مضى عَن قريب.

قَوْله: (فَعدل النَّاس) أَي: مُعَاوِيَة وَمن كَانَ مَعَه، وَقَالَ الْكرْمَانِي: (النَّاس) أَي: مُعَاوِيَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: التَّخْصِيص بِهِ خلاف الظَّاهِر، فَيكون المُرَاد بِهِ الصَّحَابَة فَيصير إِجْمَاعًا سكوتيا. ثمَّ قَالَ: قلت: الأَصْل فِي: اللَّام، أَن تكون للْجِنْس الصَّادِق على الْقَلِيل وَالْكثير والاستغراق مجَازًا. انْتهى. قلت: هَذَا تعسف، فَلَو قَالَ من الأول مثل مَا قُلْنَا مَا كَانَ يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّطْوِيل، مَعَ أَن قَوْله الأَصْل فِي: اللَّام، أَن تكون للْجِنْس لَيْسَ كَذَلِك، بل الأَصْل فِي اللَّام أَن تكون للْعهد كَمَا قَالَه الْمُحَقِّقُونَ. قَوْله: (فَكَانَ ابْن عمر يُعْطي التَّمْر) وَفِي رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع: (كَانَ ابْن عمر لَا يخرج إِلَّا التَّمْر فِي زَكَاة الْفطر إلَاّ مرّة وَاحِدَة فَإِنَّهُ أخرج شَعِيرًا) . وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عبد الْوَارِث عَن أَيُّوب: (كَانَ ابْن عمر إِذا أعْطى أعْطى التَّمْر إلَاّ عَاما وَاحِدًا) . قَوْله: (فأعوز) ، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي: أَي: احْتَاجَ. تَقول: أعوزني الشَّيْء إِذا احتجت إِلَيْهِ وَلم تقدر عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: فأعوز بِلَفْظ الْمَعْرُوف والمجهول: يُقَال: أعوزه الشَّيْء إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ فَلم يقدر عَلَيْهِ، وعوز الشَّيْء إِذا لم يُوجد، وأعوز أَي: افْتقر. قَوْله: (حَتَّى أَن كَانَ) قَالَ الْكرْمَانِي مَا محصله: إِنَّه روى: ان، بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا، وَشرط المخففة الْمَكْسُورَة، اللَّام، وَشرط الْمَفْتُوحَة: قد، وَنَحْوه وَقد يكون وَاحِد مِنْهُمَا مُقَدرا، أَو أَن: ان، مَصْدَرِيَّة و: كَانَ، زَائِدَة. قلت: هَذَا تعسف، وَالْأَوْجه أَن يُقَال: أَن، مُخَفّفَة من المثقلة، وَأَصله حَتَّى إِنَّه، كَانَ، أَي: حَتَّى أَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ يُعْطي. قَوْله: (بني) أَصله بنُون لي، فَلَمَّا أضيف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم صَار: بنيي، بياءين فأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَ: بني، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: بني هُوَ قَول نَافِع يَعْنِي: كَانَ ابْن عمر يُعْطي عَن أَوْلَادنَا وهم موَالِي عبد الله وَفِي نَفَقَته، فَكَانَ يُعْطي عَنْهُم الْفطْرَة. قلت: قَوْله: (بني) هُوَ قَول نَافِع، لَيْسَ قَول نَافِع لفظ بني فَقَط، وَإِنَّمَا قَوْله من قَوْله: (فَكَانَ ابْن عمر. .) إِلَى آخر الحَدِيث من كَلَام نَافِع، قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يُعْطِيهَا الَّذين يقبلونها) ، وهم الَّذين ينصبهم الإِمَام لقبض الزكوات، وَقيل: مَعْنَاهُ من قَالَ: أَنا فَقير، وَقَالَ بَعضهم: الأول أظهر. قلت: بل الثَّانِي أظهر على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَكَانُوا) أَي: النَّاس، يعطونها أَي: صَدَقَة الْفطر، قبل الْفطر: أَي يَوْم الْفطر، بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: صَدَقَة الْفطر من التَّمْر وَالشعِير صَاع، وَفِيه: أَنهم عدلوا الصَّاع من التَّمْر بِنصْف صَاع من الْبر، فَأَعْطوهُ، وَهُوَ حجَّة للحنفية من أَن صَدَقَة الْفطر من الْبر نصف صَاع. وَفِيه: أَن الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْحر وَالْعَبْد سَوَاء فِي الْفطْرَة. وَفِيه: جَوَاز تَقْدِيم صَدَقَة الْفطر قبل يَوْم الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ، وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ. وَفِيه: قَالَ ابْن بطال: لَا يجوز إلَاّ أَن يُعْطي من قوته، لِأَن التَّمْر كَانَ بِهِ جلّ عيشهم، فحين لم يَجدوا كَانُوا أعْطوا الشّعير. وَفِيه: أَن أَي من قَالَ: أَنا فَقير فأقبلها يُعْطِيهِ وَلَا يسْأَل عَن حَقِيقَة فقره.

٨٧ - (بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان وجوب صَدَقَة الْفطر على الصَّغِير وَالْكَبِير، قيل: هَذِه التَّرْجَمَة تكْرَار. قلت: فِيهِ التَّنْبِيه على أَن الصَّغِير وَالْكَبِير سَوَاء فِي صَدَقَة الْفطر، غير أَن الْجِهَة مُخْتَلفَة على مَا لَا يخفى.

٢١٥١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ فرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صدَقَةَ الفِطْرِ صَاعا مِن شَعيرٍ أوْ صَاعا مِن تَمْرٍ عَلى الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والمَمْلُوكِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (على الصَّغِير وَالْكَبِير) ، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله، بِضَم الْعين بتصغير العَبْد: ابْن عمر الْعمريّ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن مُسَدّد نَحوه، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَاهُ سعيد الجُمَحِي عَن عبيد الله عَن نَافِع قَالَ فِيهِ: (من الْمُسلمين) ، وَالْمَشْهُور عَن عبد الله لَيْسَ فِيهِ: (من الْمُسلمين) . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل: (وَالذكر وَالْأُنْثَى) . وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت غير مرّة. وَالله أعلم، وَالْحَمْد لله وَحده.

بِسم الله الرحمان الرَّحِيم

٥٢ - (كِتَابُ الحَجِّ)

هَذَا كتاب فِي بَيَان الْحَج، وَقد ذكرنَا أول الْكتاب أَن الْكتاب يشْتَمل الْأَبْوَاب، والأبواب تَشْمَل الْفُصُول، وَلم يَقع فِي تَرْتِيب البُخَارِيّ الْفُصُول، وَإِنَّمَا يُوجد فِي بعض الْمَوَاضِع لَفْظَة: بَاب، مُجَردا وَيُرِيد بِهِ الْفَصْل عَمَّا قبله، لكنه من جنسه كَمَا ستقف عَلَيْهِ فِي أثْنَاء الْكتاب.

وَالْكَلَام هُنَا على أَنْوَاع.

الأول: ذكر كتاب الْحَج عقيب كتاب الزَّكَاة، وَكَانَ الْمُنَاسب ذكر كتاب الصَّوْم عقيب كتاب الزَّكَاة، كَمَا قدمه ابْن بطال على كتاب الْحَج كَمَا وَقع فِي الْخمس الَّذِي بني الْإِسْلَام عَلَيْهَا، وَلَكِن لما كَانَ لِلْحَجِّ اشْتِرَاك مَعَ الزَّكَاة فِي كَونهمَا عبَادَة مَالِيَّة ذكره عقيب الزَّكَاة. فَإِن قلت: فعلى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر الصَّوْم عقيب الصَّلَاة لِأَن كلا مِنْهُمَا عبَادَة بدنية. قلت: نعم، كَانَ الْقيَاس يَقْتَضِي ذَلِك وَلَكِن ذكرت الزَّكَاة عقيب الصَّلَاة لِأَنَّهَا ثَانِيَة الصَّلَاة وثالثة الْإِيمَان فِي الْكتاب وَالسّنة.

النَّوْع الثَّانِي: أَنه قد وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: كتاب الْمَنَاسِك، كَمَا وَقع هَكَذَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَوَقع فِي كتاب الطَّحَاوِيّ: كتاب مَنَاسِك الْحَج، وَهُوَ جمع منسك، بِفَتْح السِّين وَكسرهَا وَهُوَ المتعبد، وَيَقَع على الْمصدر وَالزَّمَان وَالْمَكَان، ثمَّ سميت أُمُور الْحَج كلهَا مَنَاسِك، والمنسك: المذبح، وَقد نسك ينْسك نسكا إِذا ذبح، والنسيكة الذَّبِيحَة، وَجَمعهَا نسك، والنسك أَيْضا الطَّاعَة وَالْعِبَادَة، وكل مَا تقرب بِهِ إِلَى الله، عز وَجل، والنسك مَا أمرت بِهِ الشَّرِيعَة والورع وَمَا نهت عَنهُ. والناسك العابد، وَسُئِلَ ثَعْلَب عَن الناسك مَا هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ مَأْخُوذ من النسيكة، وَهِي سبيكة الْفضة المصفاة، كَأَن الناسك صفي نَفسه لله تَعَالَى.

النَّوْع الثَّالِث فِي معنى الْحَج لُغَة وَشرعا أما لغةٍ: فَمَعْنَاه الْقَصْد، من حججْت الشَّيْء أحجه حجا إِذا قصدته. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: وأصل الْحَج من قَوْلك: حججْت فلَانا أحجه حجا إِذا عدت إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى. فَقيل: حج الْبَيْت، لِأَن النَّاس يأتونه كل سنة، وَمِنْه قَول المخبل السَّعْدِيّ:

(واشهد من عَوْف حلولاً كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)

يَقُول: يأتونه مرّة بعد أُخْرَى لسؤدده وسبه: عمَامَته، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : السب الثَّوْب الرَّقِيق، وَقيل: غلالة رقيقَة يمنية، والزبرقان، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الرَّاء وبالقاف المخففة وَفِي آخِره نون: وَهُوَ فِي الأَصْل اسْم الْقَمَر، ولقب بِهِ الْحصين لصفرة عمَامَته. وَأما شرعا: الْحَج قصد إِلَى زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام على وَجه التَّعْظِيم بِأَفْعَال مَخْصُوصَة، وَسَببه الْبَيْت، لِأَنَّهُ يُضَاف إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يجب فِي الْعُمر إلَاّ مرّة وَاحِدَة لعدم تكْرَار السب، وَالْحج، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا. وَقَالَ الزّجاج:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل