«خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٢٦

الحديث رقم ١٤٢٦ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن…

«خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.»

سند حديث: ١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا…

١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن…

بين الحديث أن أفضل الصدقات ما كان المتصدق به غير محتاج إليه لنفقةِ عياله وأهله، ولا يحتاجه لسداد دين عن نفسه، وأن الواجب على المُنفِق أن يبدأ بنفقات من يعول، كالزوجة والأولاد وما ملكت يمينه، وأنه لا ينبغي أن يحبس النفقة عنهم فيتصدق على البعيدين، ويترك الأقربين، ممن يعولهم وينفق عليهم.
وبين الحديث أنه إنْ فَضُل عنده ما يزيد على نفقة من هم تحت يده، فإنه يتصدق على الأبعدين من الفقراء والمحتاجين، ثم بين الحديث فضل الإنفاق بأنَّ يدَ المُعطي والمنفق هي العُليا على يد الآخذ حسًّا ومعنًى؛ وذلك بما أنفق من ماله، وبذل من إحسانه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل الصدقة, والترغيب في البذل والإنفاق.
  • فضل اليد العليا المنفقة أو المحسنة على اليد السفلى الآخذة أو السائلة.
  • أن أفضل الصدقة ما كان عن سعة وفضل وغنى بعد أن يؤدي ما يلزمه نحو أهله ومن يعول, ثم يجود بعد ذلك على البعيدين.
  • أنَّ الواجب على المُنفِق أن يبدأ بنفقات من يعول، فلا يذهب ليتصدق على البعيدين، ويترك الأقربين، ممن يعولهم وينفق عليهم.
  • وجوب الإنفاق على من ذكر من الزوجة والمملوك.
  • أنَّ نفقة الزوجة هي أوجب نفقة تجب عليه بعد النفقة على النفس؛ ذلك أنَّ الزوجة حبيسة عنده؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "هنَّ عَوان عندكم"؛ أي: أسيرات.
  • أنَّ الذي يعسر بنفقة زوجته عليه أن يفارقها بطلاق أو خلع أو فسخ، وذلك راجع إلى رغبتها وطلبها.

درجة الحديث: صحيح, لكن قوله: ((تقول امرأته ..... )) مدرجٌ من قول أبي هريرة

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَقِيقَةً. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ: إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا. الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: نَبَّهَ بِالتَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُفَسَّرٌ بِهَا، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَازِنِ وَالْخَادِمِ وَالْمَرْأَةِ أَمِينٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ نَصًّا أَوْ عُرْفًا إِجْمَالًا أَوْ تَفْصِيلًا. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.

١٨ - بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى

وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ ، قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ

١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.

[الحديث ١٤٢٦ - أطرافه في: ١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦]

١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"

١٤٢٨ - وَعَنْ وُهَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ بِهَذَا

١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ"

قَوْلُهُ: (بَابٌ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى) أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ النَّفْيَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ لِلْكَمَالِ لَا لِلْحَقِيقَةِ، فَالْمَعْنَى لَا صَدَقَةَ كَامِلَةً إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى لَفْظِ التَّرْجَمَةِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، قَالَ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى. الْحَدِيثَ.

وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَعْلِيقًا فِي الْوَصَايَا، وَسَاقَهُ مُغَلْطَايْ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ، وَلَيْسَ هُوَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَاقَهُ مِنْهُ، فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ وَلَا بِمَنْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ) كَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ شَرْطَ الْمُتَصَدِّقِ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَاجًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَيَلْتَحِقُ بِالتَّصَدُّقِ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ ذَا الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّبَرُّعُ، لَكِنَّ مَحِلَّ هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْفَلَسِ، وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ، فَيُحْمَلُ إِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ. فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَلَامُ ابْنِ التِّينِ يُوهِمُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ فَلَا يُغْتَرَّ بِهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ بِهِ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخْتَصُّ بِالْمُحْتَاجِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُحْتَاجِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ أَوْ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ. وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَنْصَارِ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِدْيَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَيَتْرُكَ قَضَاءَ الدَّيْنِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْتَاجِ. وَحَكَى ابْنُ رَشِيدٍ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي الْمِدْيَانِ فِيمَا إِذَا عَامَلَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَالِ فَلَوْ آثَرَ بِقُوتِهِ وَكَانَ صَبُورًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ إِيثَارُهُ سَبَبًا فِي أَنْ يَرْجِعَ لِاحْتِيَاجِهِ فَيَأْكُلَ فَيُتْلِفَ أَمْوَالَهُمْ فَيُمْنَعَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدِ اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ، وَفِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ مَوْصُولَةٍ. فَأَمَّا الْمُعَلَّقَةُ فَأَوَّلَهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ. ثَانِيهَا قَوْلُهُ: كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ.

هَذَا مَشْهُورٌ فِي السِّيَرِ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، وَهِشَامٌ صَدُوقٌ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: قَالَ الْجُمْهُورُ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فِي صِحَّةِ بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْإِضَاقَةِ، وَلَا عِيَالَ لَهُ أَوْ لَهُ عِيَالٌ يَصْبِرُونَ أَيْضًا فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُرِهَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَرْدُودٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ حَيْثُ رَدَّ عَلَى غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ قِسْمَةَ مَالِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ الْمُدَبَّرِ الْآتِي ذِكْرُهُ، فَإِنَّهُ بَاعَهُ وَأَرْسَلَ ثَمَنَهُ إِلَى الَّذِي دَبَّرَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ مُحْتَاجًا. وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ مِنَ الثُّلْثِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ الثُّلْثَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَكْحُولٍ. وَعَنْ مَكْحُولٍ أَيْضًا يُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ عِنْدنَا الْأَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازِ، وَالْمُخْتَارُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْبَابِ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ الثُّلْثِ جَمْعًا بَيْنَ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَدِيثِ كَعْبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ هُوَ مَشْهُورٌ أَيْضًا فِي السِّيَرِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ: مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ: قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ. وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الْهِبَةِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي آثَرَ ضَيْفَهُ بِعَشَائِهِ وَعَشَاءِ أَهْلِهِ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ. رَابِعُهَا قَوْلُهُ: وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. خَامِسُهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ كَعْبٌ. يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ إِلَخْ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ.

وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَيْرُ

الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. فَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَفْظُ الظَّهْرِ يَرِدُ فِي مِثْلِ هَذَا إِشْبَاعًا لِلْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِنْهُ قَدْرَ الْكِفَايَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ: وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْمُرَادُ غِنًى يَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: رَكِبَ مَتْنَ السَّلَامَةِ. وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: غِنًى لِلتَّعْظِيمِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَغْنَيْتَ بِهِ مَنْ أَعْطَيْتَهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَقِيلَ: عَنْ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالظَّهْرُ زَائِدٌ، أَيْ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ سَبَبُهَا غِنًى فِي الْمُتَصَدِّقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ، وَيَكُونُ هُوَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَاقَةِ وَالْفَقْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يُرَدُّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَطَّابِيِّ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ الْمُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: أفَضْلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ.

وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا وَقَعَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَالِ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمُتَصَدِّقُ مُحْتَاجًا بَعْدَ صَدَقَتِهِ إِلَى أَحَدٍ، فَمَعْنَى الْغِنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُصُولُ مَا تُدْفَعُ بِهِ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ الْمُشَوِّشِ الَّذِي لَا صَبْرَ عَلَيْهِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ فَلَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ نَفْسِهِ أَوِ الْإِضْرَارِ بِهَا أَوْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ، فَمُرَاعَاةُ حَقِّهِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ صَحَّ الْإِيثَارُ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ هِيَ الْأَفْضَلُ لِأَجْلِ مَا يَتَحَمَّلُ مِنْ مَضَضِ الْفَقْرِ وَشِدَّةِ مَشَقَّتِهِ، فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي النَّفَقَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. الْحَدِيثَ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَهِشَامٌ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ أَبْوَابٍ.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بِهَذَا أَيْ: بِحَدِيثِ حَكِيمٍ، أَوْرَدَهُ مَعْطُوفًا عَلَى إِسْنَادِ حَدِيثِ حَكِيمٍ بِلَفْظِ: وَعَنْ وُهَيْبٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ بِالطَّرِيقَيْنِ مَعًا، وَكَأَنَّ هِشَامًا حَدَّثَ بِهِ وُهَيْبًا تَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمٍ، وَتَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُمَا مَجْمُوعًا فَفَرَّقَهُ وُهَيْبٌ أَوِ الرَّاوِي عَنْهُ. وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ، الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ يَاسِينَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ هِلَالٍ - حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ حَكِيمٍ.

رَابِعُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي ذِكْرِ الْيَدِ الْعُلْيَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِيُفَسِّرَ بِهِ مَا أُجْمِلَ فِي حَدِيثِ حَكِيمٍ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَدِيثَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى شَيْئَيْنِ: حَدِيثِ الْيَدِ الْعُلْيَا وَحَدِيثِ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، ذَكَرَ مَعَهُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشَّيْءِ الْأَوَّلِ تَكْثِيرًا لِطُرُقِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ: الْيَدِ الْعُلْيَا لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِ الْيَدِ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِالشَّرْعِ كَالْمِدْيَانِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ مَتْنَ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ طَرِيقَ مَالِكٍ، فَرُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ أَيْ: فِي سِيَاقِهِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ

نَظَرٌ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَعَ تَفْسِيرُ الْيَدِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَهُوَ نَصٌّ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَدْفَعُ تَعَسُّفَ مَنْ تَعَسَّفَ فِي تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ. انْتَهَى. لَكِنِ ادَّعَى أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّأِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْعَسْكَرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِيهِ انْقِطَاعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَلَا أَحْسَبُ الْيَدَ السُّفْلَى إِلَّا السَّائِلَةَ، وَلَا الْعُلْيَا إِلَّا الْمُعْطِيَةَ. فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ) كَذَا لِلْبُخَارِيِّ بِالْوَاوِ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا أَيْ: مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَحُضُّ الْغَنِيَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْفَقِيرَ عَلَى التَّعَفُّفِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ يَحُضُّهُ عَلَى التَّعَفُّفِ وَيَذُمُّ الْمَسْأَلَةَ.

قَوْلُهُ: (فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ الْأَكْثَرُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: الْمُنْفِقَةُ، وَقَالَ وَاحِدٌ عَنْهُ: الْمُتَعَفِّفَةُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ. انْتَهَى. فَأَمَّا الَّذِي قَالَ عَنْ حَمَّادٍ: الْمُتَعَفِّفَةُ بِالْعَيْنِ وَفَاءَيْنِ، فَهُوَ مُسَدَّدٌ، كَذَلِكَ رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي مُسْنَدِهِ رِوَايَةَ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ كَمَا رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لِيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا مَوْصُولَةً. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادٍ بِلَفْظِ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: الْمُتَعَفِّفَةُ فَقَدْ صَحَّفَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَقَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْهُ الْمُنْفِقَةُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ قَالَ فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى فَقَالَ: الْمُنْفِقَةُ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رِوَايَةُ مَالِكٍ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا النَّبِيُّ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا. انْتَهَى. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ مِثْلُهُ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مَرْفُوعًا: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ يَدِ الْمُعْطِي، وَيَدُ الْمُعْطِي فَوْقَ يَدِ الْمُعْطَى، وَيَدُ الْمُعْطَى أَسْفَلُ الْأَيْدِي. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ الْجُذَامِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى. وَلِأَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ: الْيَدُ الْمُعْطِيَةُ هِيَ الْعُلْيَا، وَالسَّائِلَةُ هِيَ السُّفْلَى. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ الْمُعْطِيَةُ، وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: الْيَدُ السُّفْلَى الْآخِذَةُ سَوَاءٌ كَانَ بِسُؤَالٍ أَمْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَهَذَا أَبَاهُ قَوْمٌ، وَاسْتَنَدُوا إِلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ يَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ السُّفْلَى يَدُ السَّائِلِ، وَأَمَّا يَدُ الْآخِذِ فَلَا، لِأَنَّ يَدَ اللَّهِ هِيَ الْمُعْطِيَةُ، وَيَدَ اللَّهِ هِيَ الْآخِذَةُ، وَكِلْتَاهُمَا عُلْيَا وَكِلْتَاهُمَا يَمِينٌ. انْتَهَى.

وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْبَحْثَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ، وَأَمَّا يَدُ اللَّهِ تَعَالَى فَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَالِكَ كُلِّ شَيْءٍ نُسِبَتْ يَدُهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ، وَبِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ لِلصَّدَقَةِ وَرِضَاهُ بِهَا نُسِبَتْ يَدُهُ إِلَى الْأَخْذِ، وَيَدُهُ الْعُلْيَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا يَدُ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: يَدُ الْمُعْطِي، وَقَدْ تَضَافَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا عُلْيَا. ثَانِيهَا يَدُ السَّائِلِ، وَقَدْ تَضَافَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا سُفْلَى سَوَاءٌ أَخَذَتْ أَمْ لَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكَيْفِيَّةِ الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ غَالِبًا، وَلِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُمَا. ثَالِثُهَا يَدُ

الْمُتَعَفِّفِ عَنِ الْأَخْذِ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ تُمَدَّ الْيَدُ يَدُ الْمُعْطِي مَثَلًا، وَهَذِهِ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا عُلْيَا عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا. رَابِعُهَا يَدُ الْآخِذِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَهَذِهِ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهَا سُفْلَى، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَلَا يَطَّرِدُ فَقَدْ تَكُونُ عُلْيَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ كَوْنَهَا عُلْيَا. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْيَدُ الْمُتَصَدِّقَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّائِلَةِ لَا الْآخِذَةُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ الَّتِي أُبِيحَ لَهَا اسْتِعْمَالُ فِعْلٍ بِاسْتِعْمَالِهِ، دُونَ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ إِتْيَانُ شَيْءٍ فَأَتَى بِهِ أَوْ تَقَرَّبَ إِلَى رَبِّهِ مُتَنَفِّلًا، فَرُبَّمَا كَانَ الْآخِذُ لِمَا أُبِيحُ لَهُ أَفْضَلَ وَأَوْرَعَ مِنَ الَّذِي يُعْطِي. انْتَهَى. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُعْطِيَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَةُ وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ.

وَأَطْلَقَ آخَرُونَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ الْيَدَ الْآخِذَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُعْطِيَةِ مُطْلَقًا، وَقَدْ حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ ذَلِكَ عَنْ قَوْمٍ ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَرَى هَؤُلَاءِ إِلَّا قَوْمًا اسْتَطَابُوا السُّؤَالَ فَهُمْ يَحْتَجُّونَ لِلدَّنَاءَةِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَكَانَ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ هُوَ الَّذِي كَانَ رَقِيقًا فَأُعْتِقَ، وَالْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي أَعْتَقَهُ. انْتَهَى. وَقَرَأْتُ فِي مَطْلَعِ الْفَوَائِدِ لِلْعَلَّامَةِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ نُبَاتَةَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مَعْنًى آخَرَ، فَقَالَ: الْيَدُ هُنَا هِيَ النِّعْمَةُ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَطِيَّةَ الْجَزِيلَةَ خَيْرٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ الْقَلِيلَةِ. قَالَ: وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الْمَكَارِمِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: مَا أَبْقَتْ غِنًى. أَيْ: مَا حَصَلَ بِهِ لِلسَّائِلِ غِنًى عَنْ سُؤَالِهِ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَلْفٍ، فَلَوْ أَعْطَاهَا لِمِائَةِ إِنْسَانٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمُ الْغِنَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْطَاهَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الْيَدِ عَلَى الْجَارِحَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَمِرُّ إِذْ فِيمَنْ يَأْخُذُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ يُعْطِي. قُلْتُ: التَّفَاضُلُ هُنَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْطِي أَفْضَلَ مِنَ الْآخِذِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْيَدُ الْعُلْيَا؟ قَالَ: الَّتِي تُعْطِي وَلَا تَأْخُذُ. فَقَوْلُهُ: وَلَا تَأْخُذُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْآخِذَةَ لَيْسَتْ بِعُلْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَعَسَّفَةِ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْمُرَادِ، فَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بِالْحَدِيثِ، وَمُحَصَّلُ مَا فِي الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ أَعْلَى الْأَيْدِي الْمُنْفِقَةُ، ثُمَّ الْمُتَعَفِّفَةُ عَنِ الْأخِذِ، ثُمَّ الْآخِذَةُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ. وَأَسْفَلُ الْأَيْدِي السَّائِلَةُ وَالْمَانِعَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْكَلَامِ لِلْخَطِيبِ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ مِنْ مَوْعِظَةٍ وَعِلْمٍ وَقُرْبَةٍ. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الطَّاعَةِ. وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْغِنَى مَعَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ عَلَى الْفَقْرِ، لِأَنَّ الْعَطَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْغِنَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ. فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَفِيهِ كَرَاهَةُ السُّؤَالِ وَالتَّنْفِيرُ عَنْهُ، وَمَحِلُّهُ إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مِنْ خَوْفِ هَلَاكٍ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ مَرْفُوعًا: مَا الْمُعْطِي مِنْ سَعَةٍ بِأَفْضَلَ مِنَ الْآخِذِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ حَكِيمٍ مُطَوَّلًا فِي بَابِ الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهِ بَيَانُ سَبَبِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٩ - بَاب الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى، لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ الْآيَةَ

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ الْآيَةَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّ بِهِ. الْحَدِيثَ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المغيرة السَّابق بتمامه موصولًا في أواخر «صفة الصَّلاة» [خ¦١٤٧٧] (عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) استدلَّ به المؤلِّف على ردِّ صدقة المديان، وإذا نُهِي الإنسان عن إضاعة مال نفسه فإضاعة مال غيره أَوْلى بالنَّهي، ولا يُقال: إنَّ الصَّدقة ليست إضاعةً؛ لأنَّها إذا (١) عُورِضت بحقِّ الدَّين لم يبقَ فيها ثوابٌ، فبطل كونها صدقةً، وبقيت إضاعةً محضةً (فَلَيْسَ لَهُ) للمديون (أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبٌ) هو أحد الثَّلاثة الذين تخلَّفوا (٢) عن غزوة تبوك، ولأبي ذرٍّ: «كعب بن مالكٍ» (: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ مِنْ) تمام (تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً) منتهيةً (إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي) بفاءٍ قبل الهمزة، ولأبي الوقت: «إنِّي» (أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) وإنَّما منعه عن (٣) صرف كلِّ ماله، ولم يمنع الصِّدِّيق؛ لقوَّة يقين الصِّدِّيق وتوكُّله وشدَّة صبره؛ بخلاف كعبٍ.

١٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ (٤) المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (٥) (قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ) ولأبي ذرٍّ: «على» (ظَهْرِ غِنًى) قال في «النِّهاية»: أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنًى، وقِيلَ: أراد ما فضل عن العيال، والظَّهر قد يُزاد به في مثل هذا إشباعًا (٦) للكلام وتمكينًا، كأنَّ صدقتَه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مُسلم من حَدِيث يزِيد بن عبيد، قَالَ: سَمِعت عُمَيْرًا مولى أبي اللَّحْم قَالَ: أَمرنِي مولَايَ أَن أقدد لَحْمًا، فجَاء مِسْكين فأطعمته مِنْهُ، فَعلم مولَايَ بذلك فضربني، فَأتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ ضَربته؟ قَالَ: يُعْطي طَعَامي من غير أَن آمره. فَقَالَ: الْأجر بَيْنكُمَا. قلت: مَعْنَاهُ: بَيْنكُمَا قِسْمَانِ، وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر، وَأَشَارَ القَاضِي عِيَاض إِلَى أَنه يحْتَمل أَيْضا أَن يكون سَوَاء، لِأَن الْأجر فضل من الله تَعَالَى، وَلَا يدْرك بِقِيَاس وَلَا هُوَ بِحَسب الْأَعْمَال، وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار الأول. قَوْله: (لَا ينقص بَعضهم أجر بعض شَيْئا) شَيْئا: مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (لَا ينقص) ، وَقَوله: أجر، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: من أجر بعض، أَو هُوَ مفعول أول لقَوْله: لَا ينقص، لِأَنَّهُ ضد يزِيد وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، قَالَ تَعَالَى: {فَزَادَهُم الله مَرضا} (الْبَقَرَة: ٠١) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ بَعضهم: هَذَا على مَذْهَب النَّاس بالحجاز، وبغيرها من الْبلدَانِ: إِن رب الْبَيْت قد يَأْذَن لأَهله وَعِيَاله وللخادم فِي الْإِنْفَاق بِمَا يكون فِي الْبَيْت من طَعَام أَو أدام، وَيُطلق أَمرهم فِيهِ إِذا حَضَره السَّائِل وَنزل الضَّيْف، وحضهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على لُزُوم هَذِه الْعَادة وَوَعدهمْ الثَّوَاب عَلَيْهِ، وَقيل: هَذَا فِي الْيَسِير الَّذِي لَا يُؤثر نقصانه وَلَا يظْهر، وَقيل: هَذَا إِذا علم مِنْهُ أَنه لَا يكره الْعَطاء فيعطي مَا لم يجحف، وَهَذَا معنى قَوْله: غير مفْسدَة، وَفرق بَعضهم بَين الزَّوْجَة وَالْخَادِم: بِأَن الزَّوْجَة لَهَا حق فِي مَال الزَّوْج وَلها النّظر فِي بَيتهَا، فَجَاز لَهَا أَن تَتَصَدَّق بِمَا لَا يكون إسرافا، لَكِن بِمِقْدَار الْعَادة، وَمَا يعلم أَنه لَا يؤلم زَوجهَا. فَأَما الْخَادِم فَلَيْسَ لَهُ تصرف فِي مَتَاع مَوْلَاهُ وَلَا حكم، فَيشْتَرط الْإِذْن فِي عَطِيَّة الْخَادِم دون الزَّوْجَة. فَإِن قلت: أَحَادِيث هَذَا الْبَاب جَاءَت مُخْتَلفَة. فَمِنْهَا: مَا يدل على منع الْمَرْأَة أَن تنْفق من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَهُوَ حَدِيث أبي أُمَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا هناد حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنَا شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ (عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع: لَا تنْفق امْرَأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذن زَوجهَا. قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَاك أفضل أَمْوَالنَا) . وَقَالَ: حَدِيث حسن وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا يدل على الْإِبَاحَة بِحُصُول الْأجر لَهَا فِي ذَلِك، وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور. وَمِنْهَا: مَا قيد فِيهِ التَّرْغِيب فِي الْإِنْفَاق بِكَوْنِهِ بِطيب نفس مِنْهُ، وبكونها غير مفْسدَة، وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة أَيْضا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَسْرُوق عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أَعْطَتْ الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا بِطيب نفس غير مفْسدَة. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُقَيّد بِكَوْنِهَا غير مفْسدَة، وَإِن كَانَ من غير أمره، وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تصم الْمَرْأَة وبعلها شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأذن فِي بَيته وَهُوَ شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَمَا أنفقت من كَسبه من غير أمره فَإِن نصف أجره لَهُ) . وَمِنْهَا: مَا قيد الحكم فِيهِ بِكَوْنِهِ رطبا، وَهُوَ حَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زِيَاد بن جُبَير (عَن سعد، قَالَ: لما بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النِّسَاء قَامَت امْرَأَة جليلة كَأَنَّهَا من نسَاء مُضر فَقَالَت: يَا نَبِي الله أنأكل من عمل آبَائِنَا وأبنائنا؟) قَالَ أَبُو دَاوُد: وَأرى فِيهِ (وَأَزْوَاجنَا فَمَا يحل لنا من أَمْوَالهم؟ قَالَ: الرطب تأكليه وتهديه) ، قَالَ أَبُو دَاوُد: الرطب الْخبز والبقل وَالرّطب. قلت: الرطب الأول، بِفَتْح الرَّاء وَالثَّانِي بضَمهَا، وَهُوَ رطب التَّمْر، وَكَذَلِكَ الْعِنَب وَسَائِر الْفَوَاكِه الرّطبَة دون الْيَابِسَة. قلت: كَيْفيَّة الْجمع بَينهمَا أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف عادات الْبِلَاد وباختلاف حَال الزَّوْج من مسامحته. وَرضَاهُ بذلك أَو كَرَاهَته لذَلِك، وباختلاف الْحَال فِي الشَّيْء الْمُنفق بَين أَن يكون شَيْئا يَسِيرا يتَسَامَح بِهِ، وَبَين أَن يكون لَهُ خطر فِي نفس الزَّوْج يبخل بِمثلِهِ، وَبَين أَن يكون ذَلِك رطبا يخْشَى فَسَاده إِن تَأَخّر، وَبَين أَن يكون يدّخر وَلَا يخْشَى عَلَيْهِ الْفساد.

٨١ - (بابٌ لَا صَدَقَةَ إلَاّ عنْ ظَهْرِ غِنَى)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: (لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى) ، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي الْوَصَايَا تَعْلِيقا، وَلَفظ حَدِيث الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى) . قَالَ الْخطابِيّ: الظّهْر قد يُزَاد فِي مثل

هَذَا إشباعا للْكَلَام وَالنَّفْي فِيهِ للكمال لَا للْحَقِيقَة، وَالْمعْنَى: لَا صَدَقَة كَامِلَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَالظّهْر مُضَاف إِلَى غنى وَهُوَ بِكَسْر الْغَيْن مَقْصُورا ضد الْفقر، قَالَ ابْن قرقول، وَمِنْه خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى، أَي: مَا أبقت غنى. قيل: مَعْنَاهُ الصَّدَقَة بِالْفَضْلِ عَن قوت عِيَاله وَحَاجته، وَقَالَ الْخطابِيّ: أفضل الصَّدَقَة مَا أخرجه الْإِنْسَان من مَال بعد أَن يستبقي مِنْهُ قدر الْكِفَايَة لأَهله وَعِيَاله، وَلذَلِك يَقُول: وابدأ بِمن تعول. وَقَالَ محيي السّنة: أَي: غنى مستظهر بِهِ على النوائب الَّتِي تنوبه.

وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ أوْ أهْلُهُ مُحْتَاجٌ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فالدَّيْنُ أحَقُّ أنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ والعِتْقِ والهِبَةِ وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُتْلِفَ أمْوَالَ النَّاسِ

هَذَا كُله من التَّرْجَمَة وَقع تَفْسِيرا لقَوْله: (لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى) ، وَالْمعْنَى أَن شَرط التَّصَدُّق أَن لَا يكون مُحْتَاجا وَلَا أَهله مُحْتَاجا وَلَا يكون عَلَيْهِ دين فَإِذا كَانَ عَلَيْهِ دين فَالْوَاجِب أَن يقْضِي دينه، وَقَضَاء الدّين أَحَق من الصَّدَقَة وَالْعِتْق وَالْهِبَة لِأَن الِابْتِدَاء بالفرائض قبل النَّوَافِل، وَلَيْسَ لأحد إِتْلَاف نَفسه وَإِتْلَاف أَهله وإحياء غَيره، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إحْيَاء غَيره بعد إحْيَاء نَفسه وَأَهله إِذْ هما أوجب عَلَيْهِ من حق سَائِر النَّاس. قَوْله: (وَهُوَ مُحْتَاج) جملَة إسمية وَقعت حَالا، والجملتان بعْدهَا أَيْضا حَال. قَوْله: (فالدين أَحَق) جَزَاء الشَّرْط، وَفِيه مَحْذُوف أَي: فَهُوَ أَحَق وَأَهله أَحَق وَالدّين أَحَق. قَوْله: (وَهُوَ رد) أَي: غير مَقْبُول، لِأَن قَضَاء الدّين وَاجِب وَالصَّدَََقَة تطوع وَمن أَخذ دينا وَتصدق بِهِ وَلَا يجد مَا يقْضِي بِهِ الدّين فقد دخل تَحت وَعِيد من أَخذ أَمْوَال النَّاس، وَمُقْتَضى قَوْله: (وَهُوَ رد عَلَيْهِ) أَن يكون الدّين الْمُسْتَغْرق مَانِعا من صِحَة التَّبَرُّع، لَكِن هَذَا لَيْسَ على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يكون مَانِعا إِذا حجر عَلَيْهِ الْحَاكِم، وَأما قبل الْحجر فَلَا يمْنَع، كَمَا تقرر ذَلِك فِي مَوْضِعه فِي الْفِقْه، فعلى هَذَا إِمَّا يحمل إِطْلَاق البُخَارِيّ عَلَيْهِ أَو يكون مذْهبه أَن الدّين الْمُسْتَغْرق يمْنَع مُطلقًا، وَلَكِن هَذَا خلاف مَا قَالَه الْعلمَاء، حَتَّى إِن ابْن قدامَة وَغَيره نقلوا الْإِجْمَاع على أَن الْمَنْع إِنَّمَا يكون بعد الْحجر.

وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ أخَذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُريدُ إتْلَافَهَا أتْلَفَهُ الله

هَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة، قد ذكر فِيهَا خَمْسَة أَحَادِيث معلقَة هَذَا أَولهَا وَهَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَصله البُخَارِيّ فِي الاستقراض فِي: بَاب من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أَو إتلافها: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي حَدثنَا سُلَيْمَان عَن بِلَال (عَن ثَوْر بن زيد عَن أبي الْغَيْث عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أدّى الله عَنهُ، وَمن أَخذهَا يُرِيد إتلافها أتْلفه الله) .

إلَاّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ ولَوْ كانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِعْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ

قَوْله: (إلَاّ أَن يكون) من كَلَام البُخَارِيّ، وَهُوَ اسْتثِْنَاء من التَّرْجَمَة أَو من لفظ: من تصدق وَهُوَ مُحْتَاج، أَي: فَهُوَ أَحَق إلَاّ أَن يكون مَعْرُوفا بِالصبرِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَهُ أَن يُؤثر غَيره على نَفسه وَيتَصَدَّق بِهِ، وَإِن كَانَ غير غَنِي أَو مُحْتَاجا إِلَيْهِ. قَوْله: (خصَاصَة) أَي: فقر وخلل. قَوْله: (كَفعل أبي بكر حِين تصدق بِمَالِه) أَي: بِجَمِيعِ مَاله، لِأَنَّهُ كَانَ صَابِرًا، وَقد يُقَال: تخلي أبي بكر عَن مَاله كَانَ عَن ظهر غنى، لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيا بِقُوَّة توكله، وَتصدق أبي بكر بِجَمِيعِ مَاله مَشْهُور فِي السّير، وَورد فِي حَدِيث مَرْفُوع أخرجه أَبُو دَاوُد وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق زيد بن أسلم: سَمِعت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: (أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نتصدق فَوَافَقَ ذَلِك مَالا عِنْدِي، فَقلت: الْيَوْم أسبق أَبَا بكر إِن سبقته يَوْمًا، فَجئْت بِنصْف مَالِي وأتى أَبُو بكر بِكُل مَا عِنْده، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا بكر مَا أبقيت لأهْلك؟ قَالَ: أبقيت لَهُم الله وَرَسُوله) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيره، قَالَ الْجُمْهُور: من تصدق بِمَالِه كُله فِي صِحَة بدنه وعقله حَيْثُ لَا دين عَلَيْهِ وَكَانَ صبورا على الْإِضَافَة، وَلَا عِيَال لَهُ، أَو لَهُ عِيَال يصبرون أَيْضا. فَهُوَ جَائِز، فَإِن فقد شَيْئا من هَذِه الشُّرُوط كره. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود، وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَيْثُ رد على غيلَان الثَّقَفِيّ قسْمَة مَاله، وَقَالَ آخَرُونَ: يجوز من الثُّلُث، وَيرد عَلَيْهِ الثُّلُثَانِ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول، وَعَن مَكْحُول أَيْضا

يرد مَا زَاد على النّصْف.

وكَذالِكَ آثَرَ الأنْصَارُ المُهَاجِرِينَ

هَذَا ثَالِث الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة، وَهُوَ أَيْضا مَشْهُور فِي السّير، وَفِيه أَحَادِيث مَرْفُوعَة. مِنْهَا: حَدِيث أنس: قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم شَيْء فقاسمهم الْأَنْصَار. وَأخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي حَدِيث طَوِيل من كتاب الْهِبَة فِي: بَاب فضل المنيحة. وَذكر ابْن إِسْحَاق وَغَيره أَن الْمُهَاجِرين لما نزلُوا على الْأَنْصَار آثروهم حَتَّى قَالَ بَعضهم لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف: انْزِلْ لَك عَن إِحْدَى امْرَأَتي.

ونَهاى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ إضَاعَةِ المَالِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُضَيِّعَ أمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ

هَذَا رَابِع الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة، وَهُوَ طرف من حَدِيث الْمُغيرَة، وَقد مضى بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِر صفة الصَّلَاة.

وَقَالَ كَعْبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ

هَذَا خَامِس الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة فَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي تَوْبَة كَعْب بن مَالك، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير التَّوْبَة، وَكَعب هَذَا شهد الْعقبَة الثَّانِيَة وَهُوَ أحد شعراء النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأحد الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك، مَاتَ سنة خمسين. قَوْله: (من تَوْبَتِي) أَي: من تَمام تَوْبَتِي. قَوْله: (إِلَى الله) أَي: صَدَقَة منتهية إِلَى الله، وَإِنَّمَا منع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَعْبًا عَن صرف كل مَاله وَلم يمْنَع أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الصَّبْر قوي التَّوَكُّل، وَكَعب لم يكن مثله.

٦٢٤١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ عنْ ظَهْرِ غِنىً وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى مُتَوَجّه. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب قَوْله: (وابدأ بِمن تعول) أَي: بِمن يجب عَلَيْك نَفَقَته، وعال الرجل أَهله: إِذا مانهم أَي: قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْقُوت وَالْكِسْوَة وَغَيرهمَا.

٣١ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا وهيب قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن حَكِيم بن حزَام رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة عَن ظهر غنى وَمن يستعفف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يُغْنِيه الله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَخير الصَّدَقَة عَن ظهر غنى ". وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة ووهيب مصغر وهب بن خَالِد وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بن حزَام بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي الْأَسدي الْمَكِّيّ ولد فِي بَاطِن الْكَعْبَة عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ وَفِي الْإِسْلَام أَيْضا سِتِّينَ وَأعْتق مائَة رَقَبَة وَحمل على مائَة بعير فِي الْجَاهِلِيَّة وَحج فِي الْإِسْلَام وَمَعَهُ مائَة بَدَنَة ووقف بِعَرَفَة بِمِائَة رَقَبَة فِي أَعْنَاقهم أطواق الْفضة منقوش فِيهَا عُتَقَاء الله عَن حَكِيم بن حزَام وَأهْدى ألف شَاة وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ أَو أَربع وَخمسين (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى " وَقد فسر الْعليا والسفلى فِي حَدِيث ابْن عمر على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن الْيَد الْعليا هِيَ المنفقة والسفلى هِيَ السائلة وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث مَالك بن أنس عَن

نَافِع عَن عبد الله بن عمر وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ أقوالا. الأول أَن الْعليا يَد الْمُعْطِي للصدقة. وَالثَّانِي هِيَ يَد الْآخِذ. وَالثَّالِث هِيَ الْيَد المتعففة. وَالرَّابِع أَن الْعليا يَد الله ويليها يَد الْمُعْطِي وَيَد السَّائِل هِيَ السُّفْلى وَقَالَ عِيَاض قيل الْعليا الآخذة. والسفلى الْمَانِعَة وَقيل الْيَد هُنَا النِّعْمَة فَكَانَ الْمَعْنى أَن الْعَطِيَّة الجزيلة خير من الْعَطِيَّة القليلة وَهَذَا حث على المكارم بأوجز لفظ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَطِيَّة السَّعْدِيّ وَفِيه " إِن الْيَد المعطية هِيَ الْعليا وَإِن السائلة هِيَ السُّفْلى " وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِلَفْظ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول " الْيَد المعطية خير من الْيَد السُّفْلى " وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عدي الجذامي وَفِي حَدِيثه " يَا أَيهَا النَّاس تعلمُوا فَإِنَّمَا الْأَيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الْوُسْطَى وَيَد الْمُعْطى السُّفْلى فتعففوا وَلَو بحزم الْحَطب أَلا هَل بلغت ". وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي رمثة بِلَفْظ يدل الْمُعْطِي الْعليا وروى عَليّ بن عَاصِم عَن إِبْرَاهِيم الهجري عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْأَيْدِي ثَلَاثَة يَد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل أَسْفَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ الْبَيْهَقِيّ تَابع عليا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن الهجري على رَفعه وَرَوَاهُ جَعْفَر بن عون عَن الهجري فَوَقفهُ وَقَالَ الْحَاكِم حَدِيث مَحْفُوظ مَشْهُور وخرجه وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين رَحمَه الله تَعَالَى الصَّوَاب أَن الْعليا هِيَ المعطية كَمَا تشهد بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَقَالَ الْخطابِيّ وَقد يتَوَهَّم كثير من النَّاس أَن معنى الْعليا هُوَ أَن يَد الْمُعْطِي المستعلية فَوق يَد الْآخِذ يجعلونه من علو الشَّيْء إِلَى فَوق قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ من عَلَاء الْمجد وَالْكَرم يرِيه بِهِ الترفع عَن المساءلة وَالتَّعَفُّف عَنْهَا وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لَا يمْتَنع أَن يحمل على مَا أنكرهُ الْخطابِيّ لِأَنَّهُ إِذا حملت الْعليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وَقد صحت لَفْظَة المنفقة فَكَانَ المُرَاد أَن هَذِه الْيَد الَّتِي علت وَقت الْعَطاء على يَد السَّائِل هِيَ الْعَالِيَة فِي بَاب الْفضل قَوْله " وابدأ بِمن تعول " قد مر تَفْسِيره عَن قريب وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق طَارق الْمحَاربي وَلَفظه " قدمنَا الْمَدِينَة فَإِذا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَائِم على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس وَهُوَ يَقُول يَد الْمُعْطِي الْعليا وابدأ بِمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك " وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " تصدقوا فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله عِنْدِي دينا فَقَالَ تصدق بِهِ على نَفسك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على زَوجتك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على ولدك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على خادمك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ أَنْت أبْصر " وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه هَكَذَا وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَصَححهُ بِتَقْدِيم الْوَلَد على الزَّوْجَة قَالَ الْخطابِيّ إِذا تَأَمَّلت هَذَا التَّرْتِيب علمت أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم الأولى فَالْأولى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَهُوَ يَأْمُرهُ أَن يبْدَأ بِنَفسِهِ ثمَّ بولده لِأَن الْوَلَد كبعضه فَإِذا ضيعه هلك وَلم يجد من يَنُوب عَنهُ فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِ ثمَّ ثلث بِالزَّوْجَةِ وأخرجها عَن دَرَجَة الْوَلَد لِأَنَّهُ إِذا لم يجد مَا ينْفق عَلَيْهَا فرق بَينهمَا وَكَانَ لَهَا مَا يمونها من زوج أَو ذِي محرم تجب نَفَقَتهَا عَلَيْهِ ثمَّ ذكر الْخَادِم لِأَنَّهُ يُبَاع عَلَيْهِ إِذا عجز عَن نَفَقَته انْتهى كَلَام الْخطابِيّ وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين وَقد اقْتضى اخْتِيَاره تَقْدِيم الْوَلَد وَهُوَ احْتِمَال للْإِمَام وَوجه فِي الْوَلَد الطِّفْل وَالَّذِي أطبق عَلَيْهِ الْأَصْحَاب كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة تَقْدِيم الزَّوْجَة لِأَن نَفَقَتهَا آكِد لِأَنَّهَا لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلَا بالإعسار وَلِأَنَّهَا وَجَبت عوضا وَاعْترض الإِمَام بِأَن نَفَقَتهَا إِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت كالديون وَنَفَقَة الْقَرِيب فِي مَال الْمُفلس مُقَدّمَة على الدُّيُون وَخرج لذَلِك احْتِمَالا فِي تَقْدِيم الْقَرِيب وأيده بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ تَقْدِيم الْوَلَد وَإِذ قد اخْتلفت الرِّوَايَتَانِ وَكِلَاهُمَا من رِوَايَة ابْن عجلَان عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة فيصار إِلَى التَّرْجِيح وَقد اخْتلف على حَمَّاد بن زيد فَقدم السُّفْيانَانِ وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وروح بن الْقَاسِم عَن حَمَّاد ذكر الْوَلَد على الزَّوْجَة وَهِي رِوَايَة الشَّافِعِي فِي الْمسند وَأبي دَاوُد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ وَقدم اللَّيْث وَيحيى الْقطَّان عَن حَمَّاد الزَّوْجَة على الْوَلَد وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَعند ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ ذكر الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة تَقْدِيم الْوَلَد على الزَّوْجَة كَمَا قَالَه الْخطابِيّ وخرجه الإِمَام احْتِمَالا (قلت) كَيفَ طَابَ للنووي تَقْدِيم الزَّوْجَة على الْوَلَد وَالْولد بضعَة من الْأَب وَالزَّوْجَة أَجْنَبِيَّة ثمَّ يُعلل مَا قَالَه بقوله لِأَن نَفَقَتهَا آكِد لِأَنَّهَا لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلَا بالإعسار وَهَذَا أَيْضا عَجِيب مِنْهُ لِأَن نَفَقَتهَا صلَة فِي نفس الْأَمر وَهِي على شرف السُّقُوط وَنَفَقَة الْوَلَد حتم لَا تسْقط بِشَيْء قَوْله " وَمن يستعفف " من الاستعفاف

وَهُوَ طلب الْعِفَّة وَهِي الْكَفّ عَن الْحَرَام وَالسُّؤَال من النَّاس وَقيل الاستعفاف الصَّبْر والنزاهة عَن الشَّيْء قَوْله " يعفه الله " بِضَم الْيَاء من الإعفاف وَمَعْنَاهُ يصيره عفيفا قَوْله " وَمن يسْتَغْن يغنه الله " شَرط وَجَزَاء وعلامة الْجَزْم حذف الْيَاء أَي من يطْلب الْغنى من الله يُعْطه

(وَعَن وهيب قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ بِهَذَا) هَذَا مَعْطُوف على إِسْنَاد حَدِيث حَكِيم كَأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي هُرَيْرَة بِهَذَا أَي بِحَدِيث حَكِيم بن حزَام وَزعم أَبُو مَسْعُود وَخلف وَأَبُو نعيم أَن البُخَارِيّ روى حَدِيث وهيب الْمَذْكُور آخرا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَنهُ (قلت) هَذَا يدل على أَنه حمله عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَنهُ بالطريقين مَعًا فَكَانَ هشاما حدث بِهِ وهيبا تَارَة عَن أَبِيه عَن حَكِيم وَتارَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَو حدث بِهِ عَنْهُمَا مجموعا ففرقه وهيب أَو الرَّاوِي عَنهُ وَقد وصل الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ أَخْبرنِي ابْن ياسين حَدثنَا مُحَمَّد بن سُفْيَان حَدثنَا حبَان هُوَ ابْن هِلَال حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ مثل حَدِيث حَكِيم بن حزَام وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بَيَان بن بشر عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول " وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب يستغرب من حَدِيث بَيَان عَن قيس -

٩٢٤١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالِكٍ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ وذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ والمَسْألَةَ اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى فالْيَدُ العُلْيَا هِيَ المنْفِقَةُ والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَذكر الصَّدَقَة) لِأَن مَعْنَاهُ: ذكر أَحْكَام الصَّدَقَة، وَمن جملَة أَحْكَامهَا: لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غِنىً. وَقد تعسف بَعضهم فِي ذكر الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة بِمَا يستبعده من لَهُ نوع إِلْمَام من هَذَا الْفَنّ.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: أَيُّوب ابْن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن مسلمة. السَّادِس: مَالك بن أنس. السَّابِع: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا النُّعْمَان وَحَمَّاد وَأَيوب بصريون وَنَافِع وَمَالك مدنيان وَعبد الله بن مسلمة مدنِي سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: طَرِيقَانِ: طَرِيق أبي النُّعْمَان، وَطَرِيق عبد الله بن مسلمة، وَفِي بعض طرقه: المتعففة، بدل: المنفقة. قَالَ: اخْتلف على أَيُّوب عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ عبد الْوَارِث: الْيَد الْعليا المتعففة، وَقَالَ أَكْثَرهم، عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب: الْيَد الْعليا المنفقة. وَقَالَ وَاحِد: المتعففة، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: قلت: بل قَالَه عَن حَمَّاد اثْنَان: أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الزهْرَانِي كَمَا روينَاهُ فِي (كتاب الزَّكَاة) ليوسف بن يَعْقُوب القَاضِي، وَالْآخر: مُسَدّد كَمَا رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن نَافِع مُوسَى بن عقبَة فَاخْتلف عَلَيْهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ: المتعففة، وَقَالَ حَفْص بن ميسرَة عَنهُ: المنفقة، رويناهما كَذَلِك فِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) وَرجح الْخطابِيّ فِي (المعالم) رِوَايَة المتعففة، فَقَالَ: إِنَّهَا أشبه وَأَصَح فِي الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن ابْن عمر قَالَ فِيهِ وَهُوَ يذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف، فعطف الْكَلَام على سنَنه الَّذِي خرج عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يطابقه فِي مَعْنَاهُ أولى، وَرجح ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) رِوَايَة المنفقة، فَقَالَ: إِنَّهَا أولى وأشبه بِالصَّوَابِ من قَول من قَالَ: المتعففة، وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن عَارِم عَن حَمَّاد بن زيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه الصَّحِيح، قَالَ: وَيحْتَمل صِحَة الرِّوَايَتَيْنِ فالمنفقة أَعلَى من السائلة، والمتعففة أولى من السائلة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَقِيقَةً. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ عَائِشَةَ: إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا. الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: نَبَّهَ بِالتَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُفَسَّرٌ بِهَا، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَازِنِ وَالْخَادِمِ وَالْمَرْأَةِ أَمِينٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا بِإِذْنِ الْمَالِكِ نَصًّا أَوْ عُرْفًا إِجْمَالًا أَوْ تَفْصِيلًا. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.

١٨ - بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى

وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ ، قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ

١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.

[الحديث ١٤٢٦ - أطرافه في: ١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦]

١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"

١٤٢٨ - وَعَنْ وُهَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ بِهَذَا

١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ"

قَوْلُهُ: (بَابٌ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى) أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ النَّفْيَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ لِلْكَمَالِ لَا لِلْحَقِيقَةِ، فَالْمَعْنَى لَا صَدَقَةَ كَامِلَةً إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ: إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى لَفْظِ التَّرْجَمَةِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، قَالَ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى. الْحَدِيثَ.

وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَعْلِيقًا فِي الْوَصَايَا، وَسَاقَهُ مُغَلْطَايْ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ، وَلَيْسَ هُوَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَاقَهُ مِنْهُ، فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ وَلَا بِمَنْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ) كَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ شَرْطَ الْمُتَصَدِّقِ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَاجًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَيَلْتَحِقُ بِالتَّصَدُّقِ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ ذَا الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّبَرُّعُ، لَكِنَّ مَحِلَّ هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْفَلَسِ، وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ، فَيُحْمَلُ إِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ. فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَلَامُ ابْنِ التِّينِ يُوهِمُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ فَلَا يُغْتَرَّ بِهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ بِهِ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخْتَصُّ بِالْمُحْتَاجِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُحْتَاجِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ أَوْ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ. وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَنْصَارِ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِدْيَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَيَتْرُكَ قَضَاءَ الدَّيْنِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْتَاجِ. وَحَكَى ابْنُ رَشِيدٍ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي الْمِدْيَانِ فِيمَا إِذَا عَامَلَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَالِ فَلَوْ آثَرَ بِقُوتِهِ وَكَانَ صَبُورًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ إِيثَارُهُ سَبَبًا فِي أَنْ يَرْجِعَ لِاحْتِيَاجِهِ فَيَأْكُلَ فَيُتْلِفَ أَمْوَالَهُمْ فَيُمْنَعَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدِ اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ، وَفِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ مَوْصُولَةٍ. فَأَمَّا الْمُعَلَّقَةُ فَأَوَّلَهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ. ثَانِيهَا قَوْلُهُ: كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ.

هَذَا مَشْهُورٌ فِي السِّيَرِ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، وَهِشَامٌ صَدُوقٌ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: قَالَ الْجُمْهُورُ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فِي صِحَّةِ بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْإِضَاقَةِ، وَلَا عِيَالَ لَهُ أَوْ لَهُ عِيَالٌ يَصْبِرُونَ أَيْضًا فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُرِهَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَرْدُودٌ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ حَيْثُ رَدَّ عَلَى غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ قِسْمَةَ مَالِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ الْمُدَبَّرِ الْآتِي ذِكْرُهُ، فَإِنَّهُ بَاعَهُ وَأَرْسَلَ ثَمَنَهُ إِلَى الَّذِي دَبَّرَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ مُحْتَاجًا. وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ مِنَ الثُّلْثِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ الثُّلْثَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَكْحُولٍ. وَعَنْ مَكْحُولٍ أَيْضًا يُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ عِنْدنَا الْأَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازِ، وَالْمُخْتَارُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْبَابِ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ الثُّلْثِ جَمْعًا بَيْنَ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَدِيثِ كَعْبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ هُوَ مَشْهُورٌ أَيْضًا فِي السِّيَرِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ: مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ: قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ. وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الْهِبَةِ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي آثَرَ ضَيْفَهُ بِعَشَائِهِ وَعَشَاءِ أَهْلِهِ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ. رَابِعُهَا قَوْلُهُ: وَنَهَى النَّبِيُّ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ. هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. خَامِسُهَا قَوْلُهُ: وَقَالَ كَعْبٌ. يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ إِلَخْ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ.

وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَيْرُ

الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. فَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَفْظُ الظَّهْرِ يَرِدُ فِي مِثْلِ هَذَا إِشْبَاعًا لِلْكَلَامِ، وَالْمَعْنَى أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِنْهُ قَدْرَ الْكِفَايَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ: وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْمُرَادُ غِنًى يَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: رَكِبَ مَتْنَ السَّلَامَةِ. وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ: غِنًى لِلتَّعْظِيمِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَغْنَيْتَ بِهِ مَنْ أَعْطَيْتَهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَقِيلَ: عَنْ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالظَّهْرُ زَائِدٌ، أَيْ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ سَبَبُهَا غِنًى فِي الْمُتَصَدِّقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ، وَيَكُونُ هُوَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَاقَةِ وَالْفَقْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يُرَدُّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَطَّابِيِّ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ الْمُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: أفَضْلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ.

وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا وَقَعَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَالِ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمُتَصَدِّقُ مُحْتَاجًا بَعْدَ صَدَقَتِهِ إِلَى أَحَدٍ، فَمَعْنَى الْغِنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُصُولُ مَا تُدْفَعُ بِهِ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ الْمُشَوِّشِ الَّذِي لَا صَبْرَ عَلَيْهِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ فَلَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ نَفْسِهِ أَوِ الْإِضْرَارِ بِهَا أَوْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ، فَمُرَاعَاةُ حَقِّهِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ صَحَّ الْإِيثَارُ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ هِيَ الْأَفْضَلُ لِأَجْلِ مَا يَتَحَمَّلُ مِنْ مَضَضِ الْفَقْرِ وَشِدَّةِ مَشَقَّتِهِ، فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي النَّفَقَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. الْحَدِيثَ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَهِشَامٌ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ أَبْوَابٍ.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بِهَذَا أَيْ: بِحَدِيثِ حَكِيمٍ، أَوْرَدَهُ مَعْطُوفًا عَلَى إِسْنَادِ حَدِيثِ حَكِيمٍ بِلَفْظِ: وَعَنْ وُهَيْبٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ بِالطَّرِيقَيْنِ مَعًا، وَكَأَنَّ هِشَامًا حَدَّثَ بِهِ وُهَيْبًا تَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمٍ، وَتَارَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُمَا مَجْمُوعًا فَفَرَّقَهُ وُهَيْبٌ أَوِ الرَّاوِي عَنْهُ. وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ، الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ يَاسِينَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ - هُوَ ابْنُ هِلَالٍ - حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ حَكِيمٍ.

رَابِعُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي ذِكْرِ الْيَدِ الْعُلْيَا، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِيُفَسِّرَ بِهِ مَا أُجْمِلَ فِي حَدِيثِ حَكِيمٍ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَدِيثَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى شَيْئَيْنِ: حَدِيثِ الْيَدِ الْعُلْيَا وَحَدِيثِ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، ذَكَرَ مَعَهُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشَّيْءِ الْأَوَّلِ تَكْثِيرًا لِطُرُقِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ: الْيَدِ الْعُلْيَا لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِ الْيَدِ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ بِالشَّرْعِ كَالْمِدْيَانِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، فَعُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ مَتْنَ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَعَطَفَ عَلَيْهِ طَرِيقَ مَالِكٍ، فَرُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ أَيْ: فِي سِيَاقِهِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ

نَظَرٌ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَعَ تَفْسِيرُ الْيَدِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، وَهُوَ نَصٌّ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَدْفَعُ تَعَسُّفَ مَنْ تَعَسَّفَ فِي تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ. انْتَهَى. لَكِنِ ادَّعَى أَبُو الْعَبَّاسِ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّأِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْمَذْكُورَ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدًا لِذَلِكَ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْعَسْكَرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِيهِ انْقِطَاعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَلَا أَحْسَبُ الْيَدَ السُّفْلَى إِلَّا السَّائِلَةَ، وَلَا الْعُلْيَا إِلَّا الْمُعْطِيَةَ. فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ.

قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ) كَذَا لِلْبُخَارِيِّ بِالْوَاوِ قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ: وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا أَيْ: مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَحُضُّ الْغَنِيَّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْفَقِيرَ عَلَى التَّعَفُّفِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ يَحُضُّهُ عَلَى التَّعَفُّفِ وَيَذُمُّ الْمَسْأَلَةَ.

قَوْلُهُ: (فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ الْأَكْثَرُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: الْمُنْفِقَةُ، وَقَالَ وَاحِدٌ عَنْهُ: الْمُتَعَفِّفَةُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ. انْتَهَى. فَأَمَّا الَّذِي قَالَ عَنْ حَمَّادٍ: الْمُتَعَفِّفَةُ بِالْعَيْنِ وَفَاءَيْنِ، فَهُوَ مُسَدَّدٌ، كَذَلِكَ رُوِّينَاهُ عَنْهُ فِي مُسْنَدِهِ رِوَايَةَ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ كَمَا رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لِيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا مَوْصُولَةً. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادٍ بِلَفْظِ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا يَدُ الْمُعْطِي. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: الْمُتَعَفِّفَةُ فَقَدْ صَحَّفَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَقَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْهُ الْمُنْفِقَةُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ قَالَ فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى فَقَالَ: الْمُنْفِقَةُ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رِوَايَةُ مَالِكٍ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا النَّبِيُّ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا. انْتَهَى. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ مِثْلُهُ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مَرْفُوعًا: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ يَدِ الْمُعْطِي، وَيَدُ الْمُعْطِي فَوْقَ يَدِ الْمُعْطَى، وَيَدُ الْمُعْطَى أَسْفَلُ الْأَيْدِي. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ الْجُذَامِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ: فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا، وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى. وَلِأَحْمَدَ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ: الْيَدُ الْمُعْطِيَةُ هِيَ الْعُلْيَا، وَالسَّائِلَةُ هِيَ السُّفْلَى. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ الْمُعْطِيَةُ، وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: الْيَدُ السُّفْلَى الْآخِذَةُ سَوَاءٌ كَانَ بِسُؤَالٍ أَمْ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَهَذَا أَبَاهُ قَوْمٌ، وَاسْتَنَدُوا إِلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ يَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ السُّفْلَى يَدُ السَّائِلِ، وَأَمَّا يَدُ الْآخِذِ فَلَا، لِأَنَّ يَدَ اللَّهِ هِيَ الْمُعْطِيَةُ، وَيَدَ اللَّهِ هِيَ الْآخِذَةُ، وَكِلْتَاهُمَا عُلْيَا وَكِلْتَاهُمَا يَمِينٌ. انْتَهَى.

وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْبَحْثَ إِنَّمَا هُوَ فِي أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ، وَأَمَّا يَدُ اللَّهِ تَعَالَى فَبِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَالِكَ كُلِّ شَيْءٍ نُسِبَتْ يَدُهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ، وَبِاعْتِبَارِ قَبُولِهِ لِلصَّدَقَةِ وَرِضَاهُ بِهَا نُسِبَتْ يَدُهُ إِلَى الْأَخْذِ، وَيَدُهُ الْعُلْيَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا يَدُ الْآدَمِيِّ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: يَدُ الْمُعْطِي، وَقَدْ تَضَافَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا عُلْيَا. ثَانِيهَا يَدُ السَّائِلِ، وَقَدْ تَضَافَرَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهَا سُفْلَى سَوَاءٌ أَخَذَتْ أَمْ لَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكَيْفِيَّةِ الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ غَالِبًا، وَلِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُمَا. ثَالِثُهَا يَدُ

الْمُتَعَفِّفِ عَنِ الْأَخْذِ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ تُمَدَّ الْيَدُ يَدُ الْمُعْطِي مَثَلًا، وَهَذِهِ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا عُلْيَا عُلُوًّا مَعْنَوِيًّا. رَابِعُهَا يَدُ الْآخِذِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَهَذِهِ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّهَا سُفْلَى، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَلَا يَطَّرِدُ فَقَدْ تَكُونُ عُلْيَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ كَوْنَهَا عُلْيَا. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْيَدُ الْمُتَصَدِّقَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّائِلَةِ لَا الْآخِذَةُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ الَّتِي أُبِيحَ لَهَا اسْتِعْمَالُ فِعْلٍ بِاسْتِعْمَالِهِ، دُونَ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ إِتْيَانُ شَيْءٍ فَأَتَى بِهِ أَوْ تَقَرَّبَ إِلَى رَبِّهِ مُتَنَفِّلًا، فَرُبَّمَا كَانَ الْآخِذُ لِمَا أُبِيحُ لَهُ أَفْضَلَ وَأَوْرَعَ مِنَ الَّذِي يُعْطِي. انْتَهَى. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُعْطِيَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَةُ وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ.

وَأَطْلَقَ آخَرُونَ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ الْيَدَ الْآخِذَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمُعْطِيَةِ مُطْلَقًا، وَقَدْ حَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ ذَلِكَ عَنْ قَوْمٍ ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَرَى هَؤُلَاءِ إِلَّا قَوْمًا اسْتَطَابُوا السُّؤَالَ فَهُمْ يَحْتَجُّونَ لِلدَّنَاءَةِ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لَكَانَ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ هُوَ الَّذِي كَانَ رَقِيقًا فَأُعْتِقَ، وَالْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي أَعْتَقَهُ. انْتَهَى. وَقَرَأْتُ فِي مَطْلَعِ الْفَوَائِدِ لِلْعَلَّامَةِ جَمَالِ الدِّينِ بْنِ نُبَاتَةَ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مَعْنًى آخَرَ، فَقَالَ: الْيَدُ هُنَا هِيَ النِّعْمَةُ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَطِيَّةَ الْجَزِيلَةَ خَيْرٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ الْقَلِيلَةِ. قَالَ: وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الْمَكَارِمِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ: مَا أَبْقَتْ غِنًى. أَيْ: مَا حَصَلَ بِهِ لِلسَّائِلِ غِنًى عَنْ سُؤَالِهِ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَلْفٍ، فَلَوْ أَعْطَاهَا لِمِائَةِ إِنْسَانٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمُ الْغِنَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْطَاهَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الْيَدِ عَلَى الْجَارِحَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَمِرُّ إِذْ فِيمَنْ يَأْخُذُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ يُعْطِي. قُلْتُ: التَّفَاضُلُ هُنَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِعْطَاءِ وَالْأَخْذِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْطِي أَفْضَلَ مِنَ الْآخِذِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْيَدُ الْعُلْيَا؟ قَالَ: الَّتِي تُعْطِي وَلَا تَأْخُذُ. فَقَوْلُهُ: وَلَا تَأْخُذُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْآخِذَةَ لَيْسَتْ بِعُلْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَعَسَّفَةِ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْمُرَادِ، فَأَوْلَى مَا فُسِّرَ الْحَدِيثُ بِالْحَدِيثِ، وَمُحَصَّلُ مَا فِي الْآثَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ أَعْلَى الْأَيْدِي الْمُنْفِقَةُ، ثُمَّ الْمُتَعَفِّفَةُ عَنِ الْأخِذِ، ثُمَّ الْآخِذَةُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ. وَأَسْفَلُ الْأَيْدِي السَّائِلَةُ وَالْمَانِعَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْكَلَامِ لِلْخَطِيبِ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ مِنْ مَوْعِظَةٍ وَعِلْمٍ وَقُرْبَةٍ. وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الطَّاعَةِ. وَفِيهِ تَفْضِيلُ الْغِنَى مَعَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ عَلَى الْفَقْرِ، لِأَنَّ الْعَطَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْغِنَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ. فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَفِيهِ كَرَاهَةُ السُّؤَالِ وَالتَّنْفِيرُ عَنْهُ، وَمَحِلُّهُ إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مِنْ خَوْفِ هَلَاكٍ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ مَرْفُوعًا: مَا الْمُعْطِي مِنْ سَعَةٍ بِأَفْضَلَ مِنَ الْآخِذِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا. وَسَيَأْتِي حَدِيثُ حَكِيمٍ مُطَوَّلًا فِي بَابِ الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهِ بَيَانُ سَبَبِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٩ - بَاب الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى، لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ الْآيَةَ

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ الْآيَةَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّ بِهِ. الْحَدِيثَ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المغيرة السَّابق بتمامه موصولًا في أواخر «صفة الصَّلاة» [خ¦١٤٧٧] (عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) استدلَّ به المؤلِّف على ردِّ صدقة المديان، وإذا نُهِي الإنسان عن إضاعة مال نفسه فإضاعة مال غيره أَوْلى بالنَّهي، ولا يُقال: إنَّ الصَّدقة ليست إضاعةً؛ لأنَّها إذا (١) عُورِضت بحقِّ الدَّين لم يبقَ فيها ثوابٌ، فبطل كونها صدقةً، وبقيت إضاعةً محضةً (فَلَيْسَ لَهُ) للمديون (أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ كَعْبٌ) هو أحد الثَّلاثة الذين تخلَّفوا (٢) عن غزوة تبوك، ولأبي ذرٍّ: «كعب بن مالكٍ» (: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ مِنْ) تمام (تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً) منتهيةً (إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي) بفاءٍ قبل الهمزة، ولأبي الوقت: «إنِّي» (أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) وإنَّما منعه عن (٣) صرف كلِّ ماله، ولم يمنع الصِّدِّيق؛ لقوَّة يقين الصِّدِّيق وتوكُّله وشدَّة صبره؛ بخلاف كعبٍ.

١٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) ابن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ (٤) المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (٥) (قَالَ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ) ولأبي ذرٍّ: «على» (ظَهْرِ غِنًى) قال في «النِّهاية»: أي: ما كان عفوًا قد فضل عن غنًى، وقِيلَ: أراد ما فضل عن العيال، والظَّهر قد يُزاد به في مثل هذا إشباعًا (٦) للكلام وتمكينًا، كأنَّ صدقتَه

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مُسلم من حَدِيث يزِيد بن عبيد، قَالَ: سَمِعت عُمَيْرًا مولى أبي اللَّحْم قَالَ: أَمرنِي مولَايَ أَن أقدد لَحْمًا، فجَاء مِسْكين فأطعمته مِنْهُ، فَعلم مولَايَ بذلك فضربني، فَأتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ ضَربته؟ قَالَ: يُعْطي طَعَامي من غير أَن آمره. فَقَالَ: الْأجر بَيْنكُمَا. قلت: مَعْنَاهُ: بَيْنكُمَا قِسْمَانِ، وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر، وَأَشَارَ القَاضِي عِيَاض إِلَى أَنه يحْتَمل أَيْضا أَن يكون سَوَاء، لِأَن الْأجر فضل من الله تَعَالَى، وَلَا يدْرك بِقِيَاس وَلَا هُوَ بِحَسب الْأَعْمَال، وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار الأول. قَوْله: (لَا ينقص بَعضهم أجر بعض شَيْئا) شَيْئا: مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (لَا ينقص) ، وَقَوله: أجر، مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: من أجر بعض، أَو هُوَ مفعول أول لقَوْله: لَا ينقص، لِأَنَّهُ ضد يزِيد وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، قَالَ تَعَالَى: {فَزَادَهُم الله مَرضا} (الْبَقَرَة: ٠١) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: اخْتلف النَّاس فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ بَعضهم: هَذَا على مَذْهَب النَّاس بالحجاز، وبغيرها من الْبلدَانِ: إِن رب الْبَيْت قد يَأْذَن لأَهله وَعِيَاله وللخادم فِي الْإِنْفَاق بِمَا يكون فِي الْبَيْت من طَعَام أَو أدام، وَيُطلق أَمرهم فِيهِ إِذا حَضَره السَّائِل وَنزل الضَّيْف، وحضهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على لُزُوم هَذِه الْعَادة وَوَعدهمْ الثَّوَاب عَلَيْهِ، وَقيل: هَذَا فِي الْيَسِير الَّذِي لَا يُؤثر نقصانه وَلَا يظْهر، وَقيل: هَذَا إِذا علم مِنْهُ أَنه لَا يكره الْعَطاء فيعطي مَا لم يجحف، وَهَذَا معنى قَوْله: غير مفْسدَة، وَفرق بَعضهم بَين الزَّوْجَة وَالْخَادِم: بِأَن الزَّوْجَة لَهَا حق فِي مَال الزَّوْج وَلها النّظر فِي بَيتهَا، فَجَاز لَهَا أَن تَتَصَدَّق بِمَا لَا يكون إسرافا، لَكِن بِمِقْدَار الْعَادة، وَمَا يعلم أَنه لَا يؤلم زَوجهَا. فَأَما الْخَادِم فَلَيْسَ لَهُ تصرف فِي مَتَاع مَوْلَاهُ وَلَا حكم، فَيشْتَرط الْإِذْن فِي عَطِيَّة الْخَادِم دون الزَّوْجَة. فَإِن قلت: أَحَادِيث هَذَا الْبَاب جَاءَت مُخْتَلفَة. فَمِنْهَا: مَا يدل على منع الْمَرْأَة أَن تنْفق من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَهُوَ حَدِيث أبي أُمَامَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا هناد حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش حَدثنَا شُرَحْبِيل بن مُسلم الْخَولَانِيّ (عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع: لَا تنْفق امْرَأَة شَيْئا من بَيت زَوجهَا إلَاّ بِإِذن زَوجهَا. قيل: يَا رَسُول الله وَلَا الطَّعَام؟ قَالَ: ذَاك أفضل أَمْوَالنَا) . وَقَالَ: حَدِيث حسن وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا يدل على الْإِبَاحَة بِحُصُول الْأجر لَهَا فِي ذَلِك، وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور. وَمِنْهَا: مَا قيد فِيهِ التَّرْغِيب فِي الْإِنْفَاق بِكَوْنِهِ بِطيب نفس مِنْهُ، وبكونها غير مفْسدَة، وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة أَيْضا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مَسْرُوق عَنْهَا، قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أَعْطَتْ الْمَرْأَة من بَيت زَوجهَا بِطيب نفس غير مفْسدَة. .) الحَدِيث. وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُقَيّد بِكَوْنِهَا غير مفْسدَة، وَإِن كَانَ من غير أمره، وَهُوَ حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تصم الْمَرْأَة وبعلها شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأذن فِي بَيته وَهُوَ شَاهد إلَاّ بِإِذْنِهِ، وَمَا أنفقت من كَسبه من غير أمره فَإِن نصف أجره لَهُ) . وَمِنْهَا: مَا قيد الحكم فِيهِ بِكَوْنِهِ رطبا، وَهُوَ حَدِيث سعد ابْن أبي وَقاص، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة زِيَاد بن جُبَير (عَن سعد، قَالَ: لما بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النِّسَاء قَامَت امْرَأَة جليلة كَأَنَّهَا من نسَاء مُضر فَقَالَت: يَا نَبِي الله أنأكل من عمل آبَائِنَا وأبنائنا؟) قَالَ أَبُو دَاوُد: وَأرى فِيهِ (وَأَزْوَاجنَا فَمَا يحل لنا من أَمْوَالهم؟ قَالَ: الرطب تأكليه وتهديه) ، قَالَ أَبُو دَاوُد: الرطب الْخبز والبقل وَالرّطب. قلت: الرطب الأول، بِفَتْح الرَّاء وَالثَّانِي بضَمهَا، وَهُوَ رطب التَّمْر، وَكَذَلِكَ الْعِنَب وَسَائِر الْفَوَاكِه الرّطبَة دون الْيَابِسَة. قلت: كَيْفيَّة الْجمع بَينهمَا أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف عادات الْبِلَاد وباختلاف حَال الزَّوْج من مسامحته. وَرضَاهُ بذلك أَو كَرَاهَته لذَلِك، وباختلاف الْحَال فِي الشَّيْء الْمُنفق بَين أَن يكون شَيْئا يَسِيرا يتَسَامَح بِهِ، وَبَين أَن يكون لَهُ خطر فِي نفس الزَّوْج يبخل بِمثلِهِ، وَبَين أَن يكون ذَلِك رطبا يخْشَى فَسَاده إِن تَأَخّر، وَبَين أَن يكون يدّخر وَلَا يخْشَى عَلَيْهِ الْفساد.

٨١ - (بابٌ لَا صَدَقَةَ إلَاّ عنْ ظَهْرِ غِنَى)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَهَذِه التَّرْجَمَة لفظ حَدِيث أخرجه أَحْمد عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: (لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غنى) ، وَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي الْوَصَايَا تَعْلِيقا، وَلَفظ حَدِيث الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى) . قَالَ الْخطابِيّ: الظّهْر قد يُزَاد فِي مثل

هَذَا إشباعا للْكَلَام وَالنَّفْي فِيهِ للكمال لَا للْحَقِيقَة، وَالْمعْنَى: لَا صَدَقَة كَامِلَة إلَاّ عَن ظهر غنى، وَالظّهْر مُضَاف إِلَى غنى وَهُوَ بِكَسْر الْغَيْن مَقْصُورا ضد الْفقر، قَالَ ابْن قرقول، وَمِنْه خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى، أَي: مَا أبقت غنى. قيل: مَعْنَاهُ الصَّدَقَة بِالْفَضْلِ عَن قوت عِيَاله وَحَاجته، وَقَالَ الْخطابِيّ: أفضل الصَّدَقَة مَا أخرجه الْإِنْسَان من مَال بعد أَن يستبقي مِنْهُ قدر الْكِفَايَة لأَهله وَعِيَاله، وَلذَلِك يَقُول: وابدأ بِمن تعول. وَقَالَ محيي السّنة: أَي: غنى مستظهر بِهِ على النوائب الَّتِي تنوبه.

وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ أوْ أهْلُهُ مُحْتَاجٌ أوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فالدَّيْنُ أحَقُّ أنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ والعِتْقِ والهِبَةِ وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُتْلِفَ أمْوَالَ النَّاسِ

هَذَا كُله من التَّرْجَمَة وَقع تَفْسِيرا لقَوْله: (لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظهر غنى) ، وَالْمعْنَى أَن شَرط التَّصَدُّق أَن لَا يكون مُحْتَاجا وَلَا أَهله مُحْتَاجا وَلَا يكون عَلَيْهِ دين فَإِذا كَانَ عَلَيْهِ دين فَالْوَاجِب أَن يقْضِي دينه، وَقَضَاء الدّين أَحَق من الصَّدَقَة وَالْعِتْق وَالْهِبَة لِأَن الِابْتِدَاء بالفرائض قبل النَّوَافِل، وَلَيْسَ لأحد إِتْلَاف نَفسه وَإِتْلَاف أَهله وإحياء غَيره، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إحْيَاء غَيره بعد إحْيَاء نَفسه وَأَهله إِذْ هما أوجب عَلَيْهِ من حق سَائِر النَّاس. قَوْله: (وَهُوَ مُحْتَاج) جملَة إسمية وَقعت حَالا، والجملتان بعْدهَا أَيْضا حَال. قَوْله: (فالدين أَحَق) جَزَاء الشَّرْط، وَفِيه مَحْذُوف أَي: فَهُوَ أَحَق وَأَهله أَحَق وَالدّين أَحَق. قَوْله: (وَهُوَ رد) أَي: غير مَقْبُول، لِأَن قَضَاء الدّين وَاجِب وَالصَّدَََقَة تطوع وَمن أَخذ دينا وَتصدق بِهِ وَلَا يجد مَا يقْضِي بِهِ الدّين فقد دخل تَحت وَعِيد من أَخذ أَمْوَال النَّاس، وَمُقْتَضى قَوْله: (وَهُوَ رد عَلَيْهِ) أَن يكون الدّين الْمُسْتَغْرق مَانِعا من صِحَة التَّبَرُّع، لَكِن هَذَا لَيْسَ على الْإِطْلَاق وَإِنَّمَا يكون مَانِعا إِذا حجر عَلَيْهِ الْحَاكِم، وَأما قبل الْحجر فَلَا يمْنَع، كَمَا تقرر ذَلِك فِي مَوْضِعه فِي الْفِقْه، فعلى هَذَا إِمَّا يحمل إِطْلَاق البُخَارِيّ عَلَيْهِ أَو يكون مذْهبه أَن الدّين الْمُسْتَغْرق يمْنَع مُطلقًا، وَلَكِن هَذَا خلاف مَا قَالَه الْعلمَاء، حَتَّى إِن ابْن قدامَة وَغَيره نقلوا الْإِجْمَاع على أَن الْمَنْع إِنَّمَا يكون بعد الْحجر.

وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ أخَذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُريدُ إتْلَافَهَا أتْلَفَهُ الله

هَذَا أَيْضا من التَّرْجَمَة، قد ذكر فِيهَا خَمْسَة أَحَادِيث معلقَة هَذَا أَولهَا وَهَذَا طرف من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَصله البُخَارِيّ فِي الاستقراض فِي: بَاب من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أَو إتلافها: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن عبد الله الأويسي حَدثنَا سُلَيْمَان عَن بِلَال (عَن ثَوْر بن زيد عَن أبي الْغَيْث عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد أداءها أدّى الله عَنهُ، وَمن أَخذهَا يُرِيد إتلافها أتْلفه الله) .

إلَاّ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ ولَوْ كانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِعْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ

قَوْله: (إلَاّ أَن يكون) من كَلَام البُخَارِيّ، وَهُوَ اسْتثِْنَاء من التَّرْجَمَة أَو من لفظ: من تصدق وَهُوَ مُحْتَاج، أَي: فَهُوَ أَحَق إلَاّ أَن يكون مَعْرُوفا بِالصبرِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَهُ أَن يُؤثر غَيره على نَفسه وَيتَصَدَّق بِهِ، وَإِن كَانَ غير غَنِي أَو مُحْتَاجا إِلَيْهِ. قَوْله: (خصَاصَة) أَي: فقر وخلل. قَوْله: (كَفعل أبي بكر حِين تصدق بِمَالِه) أَي: بِجَمِيعِ مَاله، لِأَنَّهُ كَانَ صَابِرًا، وَقد يُقَال: تخلي أبي بكر عَن مَاله كَانَ عَن ظهر غنى، لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيا بِقُوَّة توكله، وَتصدق أبي بكر بِجَمِيعِ مَاله مَشْهُور فِي السّير، وَورد فِي حَدِيث مَرْفُوع أخرجه أَبُو دَاوُد وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من طَرِيق زيد بن أسلم: سَمِعت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: (أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نتصدق فَوَافَقَ ذَلِك مَالا عِنْدِي، فَقلت: الْيَوْم أسبق أَبَا بكر إِن سبقته يَوْمًا، فَجئْت بِنصْف مَالِي وأتى أَبُو بكر بِكُل مَا عِنْده، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أَبَا بكر مَا أبقيت لأهْلك؟ قَالَ: أبقيت لَهُم الله وَرَسُوله) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيره، قَالَ الْجُمْهُور: من تصدق بِمَالِه كُله فِي صِحَة بدنه وعقله حَيْثُ لَا دين عَلَيْهِ وَكَانَ صبورا على الْإِضَافَة، وَلَا عِيَال لَهُ، أَو لَهُ عِيَال يصبرون أَيْضا. فَهُوَ جَائِز، فَإِن فقد شَيْئا من هَذِه الشُّرُوط كره. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَرْدُود، وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَيْثُ رد على غيلَان الثَّقَفِيّ قسْمَة مَاله، وَقَالَ آخَرُونَ: يجوز من الثُّلُث، وَيرد عَلَيْهِ الثُّلُثَانِ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَمَكْحُول، وَعَن مَكْحُول أَيْضا

يرد مَا زَاد على النّصْف.

وكَذالِكَ آثَرَ الأنْصَارُ المُهَاجِرِينَ

هَذَا ثَالِث الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة، وَهُوَ أَيْضا مَشْهُور فِي السّير، وَفِيه أَحَادِيث مَرْفُوعَة. مِنْهَا: حَدِيث أنس: قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِم شَيْء فقاسمهم الْأَنْصَار. وَأخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا فِي حَدِيث طَوِيل من كتاب الْهِبَة فِي: بَاب فضل المنيحة. وَذكر ابْن إِسْحَاق وَغَيره أَن الْمُهَاجِرين لما نزلُوا على الْأَنْصَار آثروهم حَتَّى قَالَ بَعضهم لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف: انْزِلْ لَك عَن إِحْدَى امْرَأَتي.

ونَهاى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ إضَاعَةِ المَالِ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُضَيِّعَ أمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ

هَذَا رَابِع الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة، وَهُوَ طرف من حَدِيث الْمُغيرَة، وَقد مضى بِتَمَامِهِ فِي أَوَاخِر صفة الصَّلَاة.

وَقَالَ كَعْبٌ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ

هَذَا خَامِس الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة فَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي تَوْبَة كَعْب بن مَالك، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِير التَّوْبَة، وَكَعب هَذَا شهد الْعقبَة الثَّانِيَة وَهُوَ أحد شعراء النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأحد الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَة تَبُوك، مَاتَ سنة خمسين. قَوْله: (من تَوْبَتِي) أَي: من تَمام تَوْبَتِي. قَوْله: (إِلَى الله) أَي: صَدَقَة منتهية إِلَى الله، وَإِنَّمَا منع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَعْبًا عَن صرف كل مَاله وَلم يمْنَع أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيد الصَّبْر قوي التَّوَكُّل، وَكَعب لم يكن مثله.

٦٢٤١ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخْبَرَنَا عَبْدُ الله عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كانَ عنْ ظَهْرِ غِنىً وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى مُتَوَجّه. وَرِجَاله ذكرُوا غير مرّة، وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن سَواد عَن ابْن وهب قَوْله: (وابدأ بِمن تعول) أَي: بِمن يجب عَلَيْك نَفَقَته، وعال الرجل أَهله: إِذا مانهم أَي: قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْقُوت وَالْكِسْوَة وَغَيرهمَا.

٣١ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا وهيب قَالَ حَدثنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن حَكِيم بن حزَام رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة عَن ظهر غنى وَمن يستعفف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يُغْنِيه الله) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَخير الصَّدَقَة عَن ظهر غنى ". وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة ووهيب مصغر وهب بن خَالِد وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة بن الزبير وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بن حزَام بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الزَّاي الْأَسدي الْمَكِّيّ ولد فِي بَاطِن الْكَعْبَة عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّة سِتِّينَ وَفِي الْإِسْلَام أَيْضا سِتِّينَ وَأعْتق مائَة رَقَبَة وَحمل على مائَة بعير فِي الْجَاهِلِيَّة وَحج فِي الْإِسْلَام وَمَعَهُ مائَة بَدَنَة ووقف بِعَرَفَة بِمِائَة رَقَبَة فِي أَعْنَاقهم أطواق الْفضة منقوش فِيهَا عُتَقَاء الله عَن حَكِيم بن حزَام وَأهْدى ألف شَاة وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ أَو أَربع وَخمسين (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى " وَقد فسر الْعليا والسفلى فِي حَدِيث ابْن عمر على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن الْيَد الْعليا هِيَ المنفقة والسفلى هِيَ السائلة وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث مَالك بن أنس عَن

نَافِع عَن عبد الله بن عمر وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ أقوالا. الأول أَن الْعليا يَد الْمُعْطِي للصدقة. وَالثَّانِي هِيَ يَد الْآخِذ. وَالثَّالِث هِيَ الْيَد المتعففة. وَالرَّابِع أَن الْعليا يَد الله ويليها يَد الْمُعْطِي وَيَد السَّائِل هِيَ السُّفْلى وَقَالَ عِيَاض قيل الْعليا الآخذة. والسفلى الْمَانِعَة وَقيل الْيَد هُنَا النِّعْمَة فَكَانَ الْمَعْنى أَن الْعَطِيَّة الجزيلة خير من الْعَطِيَّة القليلة وَهَذَا حث على المكارم بأوجز لفظ وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عَطِيَّة السَّعْدِيّ وَفِيه " إِن الْيَد المعطية هِيَ الْعليا وَإِن السائلة هِيَ السُّفْلى " وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار بِلَفْظ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول " الْيَد المعطية خير من الْيَد السُّفْلى " وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عدي الجذامي وَفِي حَدِيثه " يَا أَيهَا النَّاس تعلمُوا فَإِنَّمَا الْأَيْدِي ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الْوُسْطَى وَيَد الْمُعْطى السُّفْلى فتعففوا وَلَو بحزم الْحَطب أَلا هَل بلغت ". وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي رمثة بِلَفْظ يدل الْمُعْطِي الْعليا وروى عَليّ بن عَاصِم عَن إِبْرَاهِيم الهجري عَن أبي الْأَحْوَص عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الْأَيْدِي ثَلَاثَة يَد الله الْعليا وَيَد الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِل أَسْفَل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ الْبَيْهَقِيّ تَابع عليا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن الهجري على رَفعه وَرَوَاهُ جَعْفَر بن عون عَن الهجري فَوَقفهُ وَقَالَ الْحَاكِم حَدِيث مَحْفُوظ مَشْهُور وخرجه وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين رَحمَه الله تَعَالَى الصَّوَاب أَن الْعليا هِيَ المعطية كَمَا تشهد بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَقَالَ الْخطابِيّ وَقد يتَوَهَّم كثير من النَّاس أَن معنى الْعليا هُوَ أَن يَد الْمُعْطِي المستعلية فَوق يَد الْآخِذ يجعلونه من علو الشَّيْء إِلَى فَوق قَالَ وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ من عَلَاء الْمجد وَالْكَرم يرِيه بِهِ الترفع عَن المساءلة وَالتَّعَفُّف عَنْهَا وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لَا يمْتَنع أَن يحمل على مَا أنكرهُ الْخطابِيّ لِأَنَّهُ إِذا حملت الْعليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وَقد صحت لَفْظَة المنفقة فَكَانَ المُرَاد أَن هَذِه الْيَد الَّتِي علت وَقت الْعَطاء على يَد السَّائِل هِيَ الْعَالِيَة فِي بَاب الْفضل قَوْله " وابدأ بِمن تعول " قد مر تَفْسِيره عَن قريب وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق طَارق الْمحَاربي وَلَفظه " قدمنَا الْمَدِينَة فَإِذا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَائِم على الْمِنْبَر يخْطب النَّاس وَهُوَ يَقُول يَد الْمُعْطِي الْعليا وابدأ بِمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثمَّ أدناك أدناك " وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عجلَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " تصدقوا فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله عِنْدِي دينا فَقَالَ تصدق بِهِ على نَفسك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على زَوجتك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على ولدك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ تصدق بِهِ على خادمك قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ أَنْت أبْصر " وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه هَكَذَا وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم وَصَححهُ بِتَقْدِيم الْوَلَد على الزَّوْجَة قَالَ الْخطابِيّ إِذا تَأَمَّلت هَذَا التَّرْتِيب علمت أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم الأولى فَالْأولى وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَهُوَ يَأْمُرهُ أَن يبْدَأ بِنَفسِهِ ثمَّ بولده لِأَن الْوَلَد كبعضه فَإِذا ضيعه هلك وَلم يجد من يَنُوب عَنهُ فِي الْإِنْفَاق عَلَيْهِ ثمَّ ثلث بِالزَّوْجَةِ وأخرجها عَن دَرَجَة الْوَلَد لِأَنَّهُ إِذا لم يجد مَا ينْفق عَلَيْهَا فرق بَينهمَا وَكَانَ لَهَا مَا يمونها من زوج أَو ذِي محرم تجب نَفَقَتهَا عَلَيْهِ ثمَّ ذكر الْخَادِم لِأَنَّهُ يُبَاع عَلَيْهِ إِذا عجز عَن نَفَقَته انْتهى كَلَام الْخطابِيّ وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين وَقد اقْتضى اخْتِيَاره تَقْدِيم الْوَلَد وَهُوَ احْتِمَال للْإِمَام وَوجه فِي الْوَلَد الطِّفْل وَالَّذِي أطبق عَلَيْهِ الْأَصْحَاب كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة تَقْدِيم الزَّوْجَة لِأَن نَفَقَتهَا آكِد لِأَنَّهَا لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلَا بالإعسار وَلِأَنَّهَا وَجَبت عوضا وَاعْترض الإِمَام بِأَن نَفَقَتهَا إِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت كالديون وَنَفَقَة الْقَرِيب فِي مَال الْمُفلس مُقَدّمَة على الدُّيُون وَخرج لذَلِك احْتِمَالا فِي تَقْدِيم الْقَرِيب وأيده بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ تَقْدِيم الْوَلَد وَإِذ قد اخْتلفت الرِّوَايَتَانِ وَكِلَاهُمَا من رِوَايَة ابْن عجلَان عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة فيصار إِلَى التَّرْجِيح وَقد اخْتلف على حَمَّاد بن زيد فَقدم السُّفْيانَانِ وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وروح بن الْقَاسِم عَن حَمَّاد ذكر الْوَلَد على الزَّوْجَة وَهِي رِوَايَة الشَّافِعِي فِي الْمسند وَأبي دَاوُد وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ وَقدم اللَّيْث وَيحيى الْقطَّان عَن حَمَّاد الزَّوْجَة على الْوَلَد وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَعند ابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ ذكر الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيح رِوَايَة تَقْدِيم الْوَلَد على الزَّوْجَة كَمَا قَالَه الْخطابِيّ وخرجه الإِمَام احْتِمَالا (قلت) كَيفَ طَابَ للنووي تَقْدِيم الزَّوْجَة على الْوَلَد وَالْولد بضعَة من الْأَب وَالزَّوْجَة أَجْنَبِيَّة ثمَّ يُعلل مَا قَالَه بقوله لِأَن نَفَقَتهَا آكِد لِأَنَّهَا لَا تسْقط بِمُضِيِّ الزَّمَان وَلَا بالإعسار وَهَذَا أَيْضا عَجِيب مِنْهُ لِأَن نَفَقَتهَا صلَة فِي نفس الْأَمر وَهِي على شرف السُّقُوط وَنَفَقَة الْوَلَد حتم لَا تسْقط بِشَيْء قَوْله " وَمن يستعفف " من الاستعفاف

وَهُوَ طلب الْعِفَّة وَهِي الْكَفّ عَن الْحَرَام وَالسُّؤَال من النَّاس وَقيل الاستعفاف الصَّبْر والنزاهة عَن الشَّيْء قَوْله " يعفه الله " بِضَم الْيَاء من الإعفاف وَمَعْنَاهُ يصيره عفيفا قَوْله " وَمن يسْتَغْن يغنه الله " شَرط وَجَزَاء وعلامة الْجَزْم حذف الْيَاء أَي من يطْلب الْغنى من الله يُعْطه

(وَعَن وهيب قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ بِهَذَا) هَذَا مَعْطُوف على إِسْنَاد حَدِيث حَكِيم كَأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وهيب حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أبي هُرَيْرَة بِهَذَا أَي بِحَدِيث حَكِيم بن حزَام وَزعم أَبُو مَسْعُود وَخلف وَأَبُو نعيم أَن البُخَارِيّ روى حَدِيث وهيب الْمَذْكُور آخرا عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَنهُ (قلت) هَذَا يدل على أَنه حمله عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَنهُ بالطريقين مَعًا فَكَانَ هشاما حدث بِهِ وهيبا تَارَة عَن أَبِيه عَن حَكِيم وَتارَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَو حدث بِهِ عَنْهُمَا مجموعا ففرقه وهيب أَو الرَّاوِي عَنهُ وَقد وصل الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ أَخْبرنِي ابْن ياسين حَدثنَا مُحَمَّد بن سُفْيَان حَدثنَا حبَان هُوَ ابْن هِلَال حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ مثل حَدِيث حَكِيم بن حزَام وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بَيَان بن بشر عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى وابدأ بِمن تعول " وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب يستغرب من حَدِيث بَيَان عَن قيس -

٩٢٤١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ ابنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وحدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَة عنْ مالِكٍ عنْ نَافِعٍ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ وَهْوَ علَى المِنْبَرِ وذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ والمَسْألَةَ اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى فالْيَدُ العُلْيَا هِيَ المنْفِقَةُ والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَذكر الصَّدَقَة) لِأَن مَعْنَاهُ: ذكر أَحْكَام الصَّدَقَة، وَمن جملَة أَحْكَامهَا: لَا صَدَقَة إلَاّ عَن ظهر غِنىً. وَقد تعسف بَعضهم فِي ذكر الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة بِمَا يستبعده من لَهُ نوع إِلْمَام من هَذَا الْفَنّ.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد. الثَّالِث: أَيُّوب ابْن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: نَافِع مولى ابْن عمر. الْخَامِس: عبد الله بن مسلمة. السَّادِس: مَالك بن أنس. السَّابِع: عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي سِتَّة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا النُّعْمَان وَحَمَّاد وَأَيوب بصريون وَنَافِع وَمَالك مدنيان وَعبد الله بن مسلمة مدنِي سكن الْبَصْرَة. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: طَرِيقَانِ: طَرِيق أبي النُّعْمَان، وَطَرِيق عبد الله بن مسلمة، وَفِي بعض طرقه: المتعففة، بدل: المنفقة. قَالَ: اخْتلف على أَيُّوب عَن نَافِع فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ عبد الْوَارِث: الْيَد الْعليا المتعففة، وَقَالَ أَكْثَرهم، عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب: الْيَد الْعليا المنفقة. وَقَالَ وَاحِد: المتعففة، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: قلت: بل قَالَه عَن حَمَّاد اثْنَان: أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن دَاوُد الزهْرَانِي كَمَا روينَاهُ فِي (كتاب الزَّكَاة) ليوسف بن يَعْقُوب القَاضِي، وَالْآخر: مُسَدّد كَمَا رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن نَافِع مُوسَى بن عقبَة فَاخْتلف عَلَيْهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَنهُ: المتعففة، وَقَالَ حَفْص بن ميسرَة عَنهُ: المنفقة، رويناهما كَذَلِك فِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ) وَرجح الْخطابِيّ فِي (المعالم) رِوَايَة المتعففة، فَقَالَ: إِنَّهَا أشبه وَأَصَح فِي الْمَعْنى، وَذَلِكَ أَن ابْن عمر قَالَ فِيهِ وَهُوَ يذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف، فعطف الْكَلَام على سنَنه الَّذِي خرج عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يطابقه فِي مَعْنَاهُ أولى، وَرجح ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) رِوَايَة المنفقة، فَقَالَ: إِنَّهَا أولى وأشبه بِالصَّوَابِ من قَول من قَالَ: المتعففة، وَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) عَن عَارِم عَن حَمَّاد بن زيد. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : إِنَّه الصَّحِيح، قَالَ: وَيحْتَمل صِحَة الرِّوَايَتَيْنِ فالمنفقة أَعلَى من السائلة، والمتعففة أولى من السائلة.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.8 / 29.5
الإضاءة 74%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله