الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٠٢
الحديث رقم ١٥٠٢ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﷽
بَابُ فَرْضِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَرَأَى أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرِيضَةً
١٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:
روى أنس بن مالك رضي الله عنه مشهدًا من مشاهد النبوة، فقال: ذهبتُ أولَ النهارِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبدِ الله بن أبي طلحة، أولَ ما وُلِد، وقبل أن يدخل جوفَه شيءٌ، وهو أخو أنسٍ لأمه، أم سُليم رضي الله عنها، ليحنكه؛ تبركًا به وبريقه، والتحنيك هو أن يمضغ التمرة ويُليّنها ويجعلها في فم الصبي، ويدلك بها في حنكه، حتى تتحلل في فمه، ويبتلعه بيُسرٍ، فأتيتُه في إبل الصدقة، فوجدت في يده حديدةً، يكوي بها ويُعلِّمُ إبلَ الصدقة؛ لتتميز عن الإبل الأخرى، وليَرُدَّها من وجدها ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلًا، لئلا يعود في صدقته، ولحِكَمٍ أخرى، فلا يدخل ذلك في النهي عن تعذيب الحيوان؛ لأنها لا تضره كثيرًا؛ لقوة أجساد الإبل، ولأن الوسم يكون في ظاهر الجلد، ولا يسم في الوجه أيضًا؛ لورود النهي عن ذلك.
ويظهر هنا التوسط في الإسلام والامتياز بعدم تغليب جانب على جانب، حيث جاء بحفظ حقوق الناس، بالإذن لهم في تمييز أموالهم، وبالرفق بالحيوان بالنهي عن الوسم في الوجه، وأن لا يكون الوسم في الحيوان الذي لا يتحمل كالغنم، بل يكون التمييز فيها بغير الوسم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
محميَّةً؛ لأنَّهم فعلوا ذلك بالرَّاعي، ولأبي ذرٍّ: «وسمَّر» بتشديد الميم، والأوَّل أشهر وأوجه، كما نبَّه عليه المنذريُّ (وَتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المهملتين: أرضٌ ذات حجارةٍ سُودٍ (يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ) بفتح الياء والعين المهملة.
(تَابَعَهُ) أي: تابع قتادة (أَبُو قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميُّ، فيما (١) وصله المؤلِّف في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] (وَحُمَيْدٌ) الطَّويل فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة (وَثَابِتٌ) البنانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٦] (عَنْ أَنَسٍ) ﵁.
(٦٩) (بابُ وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ) بالكيِّ ونحوه (بِيَدِهِ).
١٥٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي- القرشيُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ، قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) عبدُ الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) اسمه: زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ، ابن أخي أنس بن مالكٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَدَوْتُ) أي: رُحت أوَّل النَّهار (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) هو أخو أنسٍ لأمِّه، وهو صحابيٌّ، وقال النَّوويُّ: تابعيٌّ، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو سهوٌ (لِيُحَنِّكَهُ) تبرُّكًا به وبِرِيقه ويده ودعائه، وهو أن يمضغ التَّمرة، ويجعلها في فم الصَّبيِّ، ويحكَّ بها في حنكه بسبَّابته حتَّى تتحلَّل في حنكه (فَوَافَيْتُهُ) أي: أتيته في مربد الغنم (فِي يَدِهِ المِيسَمُ) بكسر الميم وفتح السِّين المهملة: حديدةٌ
يُكوَى بها (يَسِمُ) يعلِّم (إِبِلَ الصَّدَقَةِ) لتتميَّز (١) عن الأموال (٢) المملوكة، وليردَّها من أخذها، ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدَّق بها مثلًا؛ لئلَّا يعود في صدقته، فهو مخصوصٌ من عموم النَّهي عن تعذيب الحيوان، وقد نقل ابن الصَّبَّاغ من الشَّافعيَّة إجماع الصَّحابة على أنَّه يُستحَبُّ أن يكتب في ماشية الزَّكاة زكاةً أو صدقةً، وسيأتي في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٤٦] إن شاء الله تعالى عن أنسٍ: أنَّه رآه يَسِمُ غنمًا في آذانها، ولا يَسِمُ في الوجه للنَّهي عنه.
وفي هذا (٣) الحديث التَّحديثُ بالإفراد والجمع والقول، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس».
((٢٤ م)) (بسم الله الرحمن الرحيم. باب فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْرِ) أي: من رمضان، فأُضِيفت الصَّدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر منه، أو مأخوذةٌ من الفطرة التي هي الخِلْقة المرادة بقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وهذا قاله ابن قتيبة، والمعنى أنَّها وجبت على الخِلْقة تزكيةً للنَّفس، أي: تطهيرًا لها (١) وتنميةً لعملها، ويُقال للمخرَج في زكاة الفطر: فُطرة -بضمِّ الفاء- كما في «الكفاية»، وهو غريبٌ، والذي في «شرح المُهذَّب» وغيره: كسر الفاء لا غير، قال: وهي مُولَّدةٌ لا عربيَّةٌ ولا مُعرَّبةٌ، بل اصطلاحيَّةٌ للفقهاء. انتهى. فتكون حقيقةً شرعيَّةً على المختار كالصَّلاة، قال ابن العربيِّ: هو اسمها على لسان صاحب الشَّرع، ويُقال لها: صدقة الفطر وزكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصَّوم وصدقة الرُّؤوس وزكاة الأبدان، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر»، وكان فرضها في السَّنة الثَّانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين.
(وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ، بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، فيما وصله عنه، وعن الأوَّل ابن أبي شيبة من طريق عاصمٍ الأحول، وعبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ (صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً) وهو مذهب الشَّافعيَّة والجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك؛ لكنَّه مُعارَضٌ بأنَّ الحنفيَّة يقولون بالوجوب دون
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أبي قلَابَة (عَن أنس قَالَ: قدم أنَاس من عكل أَو عرينة) الحَدِيث، وَهَهُنَا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (اجتووا) بِالْجِيم من بَاب الافتعال، يُقَال: اجتويت الْبَلَد إِذا كرهت الْمقَام فِيهِ. قَوْله: (الذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْإِبِل. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (يعضون) ، بِفَتْح الْعين من بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي المغابر. وَقيل: هُوَ من بَاب نصر ينصر، ولغة الْقُرْآن مثل الأول: {وَيَوْم بعض الظَّالِم على يَدَيْهِ} (الْفرْقَان: الْآيَة: ٧٢) .
تابَعَهُ أبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وثَابِتٌ عنْ أنَسٍ
أَي: تَابع أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي، وَحميد الطَّوِيل، وثابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْبنانِيّ قَتَادَة فِي رواياتهم عَن أنس. أما مُتَابعَة أبي قلَابَة فقد مرت فِي كتاب الطَّهَارَة، وَأما مُتَابعَة حميد فوصلها مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَأما مُتَابعَة ثَابت فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الطِّبّ.
٩٦ - (بابُ وَسْمِ الإمَامُ إبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر وسم الإِمَام، وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم، والوسم بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: التَّأْثِير بعلامة نَحْو: كَيَّة وَقطع الْأذن، وَأَصله من السمة وَهِي الْعَلامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: كَيفَ يكون الوسم من السمة وَكِلَاهُمَا مصدر؟ يُقَال: وسم يسم وسما وسمة. أَصله وسمة. فَلَمَّا حذفت الْوَاو مِنْهُ اتبَاعا لفعله، لِأَن أصل يسم يوسم حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة فحذفت فِي سمة أَيْضا وعوضت عَنْهَا التَّاء، كَمَا فعل هَكَذَا فِي بَاب: وعد يعد عدَّة؟ قَوْله: (وَقطع الْأذن) فِيهِ نظر، لِأَن قطع الْأذن من الْمثلَة وَلَا يُسمى وسما، يُقَال: وسمه، إِذا أثر فِيهِ بكي.
٢٠٥١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا أبُو عَمْرٍ والأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ غَدَوْتُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَة لِيُحنكِّهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: من الْإِنْذَار ضد الإبشار، وكنيته أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي، بالزاي: الْقرشِي الْأَسدي. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، أَبُو الْعَبَّاس الْأمَوِي الْقرشِي مَوْلَاهُم. مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو. الرَّابِع: إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، يكنى أَبَا يحيى. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه ذكر مَنْسُوبا إِلَى جده، وَاسم أَبِيه: عبد الله بن الْمُنْذر، وَأَنه وَإِسْحَاق مدنيان وَأَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ دمشقيان. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ونسبته وَهُوَ الْأَوْزَاعِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه وَهُوَ إِسْحَاق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَفِي بعض النّسخ: عَن هُرْمُز بن مَعْرُوف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غَدَوْت) من الغدو، وَهُوَ الرواح من أول النَّهَار. قَوْله: (ليحنكه) ، من التحنيك، وَهُوَ أَن يمضغ التمرة ويجعلها فِي فَم الصَّبِي وَيحك بهَا فِي حنكه بسبابته حَتَّى يتَحَلَّل فِي حنكه، والحنك أَعلَى دَاخل الْفَم. قَوْله: (فوافيته) ، من الموافاة: وَهُوَ الْإِتْيَان. يُقَال: وافيته إِذا أَتَيْته. قَوْله: (الميسم) بِكَسْر الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ المكوى، وَهُوَ الْآلَة الَّتِي يكوى بهَا وَقيل بالشين الْمُعْجَمَة والمهملة، وَقيل بَينهمَا فرق، فبالمهملة يكون الكي فِي الْوَجْه، وبالمعجمة فِي سَائِر الْجَسَد.
وَفِي (الْجَامِع) : الميسم: الحديدة الَّتِي يوسم بهَا، وَالْجمع: مواسم، وأصل ميسم: موسم، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَهَذِه قَاعِدَة مطردَة، وَلم يبين فِي هَذِه الرِّوَايَة الْموضع الَّذِي كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسم فِيهِ إبل الصَّدَقَة، وبيَّن ذَلِك فِي رِوَايَة أُخْرَى فَإِذا هُوَ فِي مربد الْغنم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة الكي فِي الْحَيَوَان. وَقَالَ قوم من الشَّافِعِيَّة: الكي مُسْتَحبّ فِي نعم الزَّكَاة والجزية وَجَائِز فِي غَيرهَا، وَالْمُسْتَحب أَن يسم الْغنم فِي آذانها وَالْإِبِل وَالْبَقر فِي أصُول أفخاذها، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَابْن مَاجَه: يسم الْغنم فِي آذانها، ووسم الْآدَمِيّ حرَام، وَغير الْآدَمِيّ فِي الْوَجْه مَنْهِيّ عَنهُ، وَفَائِدَته تَمْيِيز الْحَيَوَان بعضه من بعض، وليرده من أَخذه وَمن التقطه يعرّفه، وَإِذا تصدق بِهِ لَا يعود إِلَيْهِ، وَيسْتَحب أَن يكْتب فِي مَاشِيَة الزَّكَاة: زَكَاة أَو صَدَقَة، وَنقل ابْن الصّباغ وَغَيره إِجْمَاع الصَّحَابَة على ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي حَدِيث الْبَاب حجَّة على من كره الوسم من الْحَنَفِيَّة بالميسم لدُخُوله فِي عُمُوم النَّهْي عَن الْمثلَة، وَقد ثَبت ذَلِك من فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَدلَّ على أَنه مَخْصُوص من الْعُمُوم الْمَذْكُور للْحَاجة، كالختان فِي الْآدَمِيّ. قلت: ذكر أَصْحَابنَا فِي كتبهمْ: لَا بَأْس بكي الْبَهَائِم للعلامة، لِأَن فِيهِ مَنْفَعَة، وَكَذَا لَا بَأْس بكي الصّبيان إِذا كَانَ لداء أَصَابَهُم، لِأَن ذَاك مداواة. وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره فِي هَذَا الحَدِيث: إِن للْإِمَام أَن يتَّخذ مبسما وَلَيْسَ للنَّاس أَن يتخذوا نَظِيره. وَهُوَ كالخاتم. وَفِيه: اعتناء الإِمَام بأموال الصَّدَقَة وتوليها بِنَفسِهِ. وَفِيه: جَوَاز إيلام الْحَيَوَان للْحَاجة. وَفِيه: قصد أهل الْفضل وَالصَّلَاح لتحنيك الْمَوْلُود لأجل الْبركَة. وَفِيه: مُبَاشرَة أَعمال المهنة وَترك الاستطابة فِيهَا للرغبة فِي زِيَادَة الْأجر وَنفي الْكبر.
بِسْمِ الله الرحمان الرَّحِيم
(أبْوَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب صَدَقَة الْفطر، وَفِي بعض النّسخ: صَدَقَة الْفطر، بِدُونِ قَوْله: أَبْوَاب، وَالتَّقْدِير فِيهِ أَيْضا: أَبْوَاب صَدَقَة الْفطر، أَو: بَاب صَدَقَة الْفطر، وَإِضَافَة الصَّدَقَة إِلَى الْفطر من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى شَرطه، كحجة الْإِسْلَام. وَقيل: أضيفت الصَّدَقَة إِلَى الْفطر لكَونهَا تجب بِالْفطرِ من رَمَضَان، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: المُرَاد بِصَدقَة الْفطر صَدَقَة النُّفُوس، مَأْخُوذ من الْفطْرَة الَّتِي هِيَ أصل الْخلقَة، وَالْأول أظهر، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض طرق الحَدِيث: (زَكَاة الْفطر من رَمَضَان) ثمَّ أعلم أَن هَذَا الْبَاب يحْتَاج إِلَى خَمْسَة عشرَة معرفَة.
الأولى: معرفَة صَدَقَة الْفطر لُغَة وَشرعا. فَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ لَفْظَة مولدة لَا عَرَبِيَّة وَلَا معربة بل هِيَ اصطلاحية للفقهاء. كَأَنَّهَا من الْفطْرَة الَّتِي هِيَ النُّفُوس والخلقة. أَي: زَكَاة الْخلقَة، ذكرهَا صَاحب (الْحَاوِي) وَالْمُنْذِرِي. قلت: وَلَو قيل: لَفْظَة إسلامية كَانَ ولى لِأَنَّهَا مَا عرفت إلَاّ فِي الْإِسْلَام، وَيُؤَيّد هَذَا مَا ذكره ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اسْمهَا على لِسَان صَاحب الشَّرْع، وَيُقَال لَهَا: صَدَقَة الْفطر وَزَكَاة الْفطر وَزَكَاة رَمَضَان وَزَكَاة الصَّوْم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، صَدَقَة الصَّوْم، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (صَدَقَة رَمَضَان) ، وَتسَمى أَيْضا صَدَقَة الرؤوس وَزَكَاة الْأَبدَان سَمَّاهَا الإِمَام مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، أما شرعا فَإِنَّهَا اسْم لما يعْطى من المَال بطرِيق الصِّلَة ترحما مُقَدرا، بِخِلَاف الْهِبَة فَإِنَّهَا تُعْطى صلَة تكرما لَا ترحما، ذكره فِي (الْمُحِيط) . الثَّانِيَة: معرفَة وُجُوبهَا، فبأحاديث الْبَاب على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: معرفَة سَبَب وُجُوبهَا، فَهُوَ رَأس يمونه مؤونة تَامَّة ويلي عَلَيْهِ ولَايَة تَامَّة لما فِي الحَدِيث: (عَمَّن تمونون) . الرَّابِعَة: معرفَة شَرط وُجُوبهَا، فالإسلام وَالْحريَّة والغنى على مَا يَأْتِي بِالْخِلَافِ فِيهِ. الْخَامِسَة: معرفَة ركنها، فالتمليك. السَّادِس: معرفَة شَرط جَوَازهَا بِكَوْن الْمصرف إِلَيْهِ فَقِيرا. السَّابِعَة: معرفَة من تجب عَلَيْهِ، فَتجب على الْأَب عَن أَوْلَاده الصغار الْفُقَرَاء، وعَلى السَّيِّد عَن عَبده ومدبره ومدبرته وَأم وَلَده. الثَّامِنَة: معرفَة الَّذِي تجب من أَجله، فأولاده الصغار ومماليكه للْخدمَة دون مكَاتبه وَزَوجته. التَّاسِعَة: معرفَة مِقْدَار الْوَاجِب فِيهَا، فَنصف صَاع من بر أَو صَاع من شعير أَو تمر، على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الْعَاشِرَة: معرفَة الْكَيْل الَّذِي تجب بِهِ، فَهُوَ الصَّاع، وَسَنذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ. الْحَادِيَة عشرَة: معرفَة وَقت وُجُوبهَا، فوقته طُلُوع الْفجْر الثَّانِي من يَوْم الْفطر، وَفِيه
الْخلاف على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّانِيَة عشر: معرفَة كَيْفيَّة وُجُوبهَا، فَتجب وجوبا موسعا على الْأَصَح. الثَّالِثَة عشر: معرفَة وَقت اسْتِحْبَاب أَدَائِهَا، فقد اتّفقت الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي اسْتِحْبَاب أَدَائِهَا بعد فجر يَوْم الْفطر، قبل الذّهاب إِلَى صَلَاة الْعِيد. الرَّابِعَة عشر: معرفَة جَوَاز تَقْدِيمهَا على يَوْم الْفطر، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: يجوز تَقْدِيمهَا لسنة وسنتين، وَعَن خلف ابْن أَيُّوب: يجوز لشهر، وَقيل: بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ. الْخَامِسَة عشر: معرفَة وَقت أَدَائِهَا، فَيوم الْفطر من أَوله إِلَى آخِره وَبعده، يجب الْقَضَاء عِنْد بعض أَصْحَابنَا، وَالأَصَح أَن يكون أَدَاء.
٠٧ - (بابُ فَرْض صَدَقَةِ الْفِطْرِ)
أَي: هَذَا بَاب بَيَان فرض صَدَقَة الْفطر، وَفِي بعض النّسخ: هَذَا الْمِقْدَار مَوْجُود وَمَا قبله غير مَوْجُود إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.
ورَأى أبُو العَالِيَةِ وعَطَاءٌ وابنُ سيرِينَ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً
أَبُو الْعَالِيَة من الْعُلُوّ على وزن: فاعلة اسْمه رفيع بن مهْرَان الريَاحي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: وَرَأى، ويروى: وَرُوِيَ عَن أبي الْعَالِيَة، فتعليق أبي الْعَالِيَة وَابْن سِيرِين رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن وَكِيع عَن عَاصِم عَن أبي الْعَالِيَة وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا: صَدَقَة الْفطر فَرِيضَة، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي صَدَقَة الْفطر: هَل هِيَ فرض أَو وَاجِبَة أَو سنة أَو فعل خير مَنْدُوب إِلَيْهِ، فَقَالَت طَائِفَة: هِيَ فرض وهم الثَّلَاثَة المذكورون هُنَا: الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَقَالَ أَصْحَابنَا: هِيَ وَاجِبَة، وَقَالَت طَائِفَة: هِيَ سنة، وَهُوَ قَول مَالك فِي رِوَايَة ذكرهَا صَاحب الذَّخِيرَة، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ فعل خير قد كَانَت وَاجِبَة ثمَّ نسخت، وَاسْتَدَلُّوا على هَذَا بِحَدِيث قيس بن سعد بن عبَادَة: (قَالَ: أمرنَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَدقَة الْفطر قبل أَن تنزل الزَّكَاة، فَلَمَّا نزلت لم يَأْمُرنَا وَلم ينهنا وَنحن نفعله) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة أبي عمار الْهَمدَانِي عَن قيس، وَاسم أبي عمار عريب بن حميد، كُوفِي ثِقَة. قَالَه أَحْمد وَابْن معِين، وَبِحَدِيث قيس بن سعد أَيْضا من وَجه آخر أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث الْقَاسِم بن مخيمرة عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل (عَن قيس بن سعد بن عبَادَة، قَالَ: كُنَّا نَصُوم عَاشُورَاء ونؤدي صَدَقَة الْفطر، فَلَمَّا نزلت رَمَضَان وَنزلت الزَّكَاة لم نؤمر بِهِ وَلم ننه عَنهُ، وَنحن نفعله) . وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن هَذَا لَا يدل على سُقُوط فرضيتها، لِأَن نزُول فرض لَا يُوجب سُقُوط آخر، وَقد أجمع أهل الْعلم على وجوب زَكَاة الْفطر، وَإِن اخْتلفُوا فِي تَسْمِيَتهَا فرضا فَلَا يجوز تَركهَا، وَقد نقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على فَرضِيَّة صَدَقَة الْفطر. قلت: فِيهِ نظر لما ذكرنَا من الِاخْتِلَاف فِيهَا.
٣٠٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُحَمَّدِ بنِ السَّكَنِ قَالَ حدَّثنا محَمَّدُ بنُ جَهْضَمٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عُمَرَ بنِ نَافِعٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَكاةَ الفِطْرِ صَاعا مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .
ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن مُحَمَّد بن السكن، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف وَفِي آخِره نون: ابْن حبيب أَبُو عبيد الله الْبَزَّار، بالزاي ثمَّ بالراء: الْقرشِي. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَهْضَم، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن عبد الله أَبُو جَعْفَر الثَّقَفِيّ. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن كثير أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عمر بن نَافِع، مولى عبد الله بن عمر. الْخَامِس: أَبوهُ نَافِع. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه مُحَمَّد بن جَهْضَم بصريان وَمُحَمّد هَذَا يمامي ثمَّ خراساني، ثمَّ سكن الْبَصْرَة فعد من أَهلهَا، وَعمر وَأَبوهُ مدنيان، وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: أَن عمر لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي النَّهْي عَن الْفَزع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم أَبِيه وَاسم جده.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن يحيى بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: قَالَ: فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَة الْفطر على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْحر والمملوك صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير. قَالَ: فَعدل النَّاس إِلَى نصف صَاع من بر) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ أَيْضا: حَدثنَا إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ حَدثنَا معن عَن مَالك عَن نَافِع (عَن عبد الله ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض زَكَاة الْفطر من رَمَضَان صَاعا من تمر أَو صاعآ من شعير على كل حر أَو عبد، ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين) وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فرض رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ أَبُو عمر: قَوْله: (فرض) ، يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا وَهُوَ الْأَظْهر: فرض بِمَعْنى أوجب، وَالْآخر: فرض بِمَعْنى قدر. كَمَا تَقول: فرض القَاضِي نَفَقَة الْيَتِيم أَي: قدرهَا، وَالَّذِي أذهب إِلَيْهِ أَن لَا يزَال قَوْله: (فرض) عَن معنى الْإِيجَاب إلَاّ بِدَلِيل الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ مَعْدُوم، فَإِن القَوْل بِأَنَّهَا غير وَاجِبَة شذوذ أَو فِي معنى الشذوذ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: بِأَنَّهَا وَاجِبَة على حَقِيقَتهَا الاصطلاحية، وَهِي أَن تكون بَين الْفَرْض وَالسّنة. وَقَالَ الشَّافِعِي: فرض بِنَاء على أَصله أَنه لَا فرق بَين الْوَاجِب وَالْفَرِيضَة. وَقَالَ تَاج الشَّرِيعَة من أَصْحَابنَا: هِيَ وَاجِبَة حَتَّى لَا يكفر جاحدها، وَهُوَ الْفرق بَين الْفَرِيضَة وَالْوَاجِب. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: أصل معنى الْفَرْض فِي اللُّغَة التَّقْدِير، وَلَكِن نقل فِي عرف الشَّرْع إِلَى الْوُجُوب، فالحمل عَلَيْهِ أولى، يَعْنِي: من الْحمل على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ، وَقد ذكرنَا أَن بَعضهم ذَهَبُوا إِلَى أَنه سنة لأَنهم قَالُوا: معنى فرض فِي الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت قدر، وَحَمَلُوهُ على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَفْهُوم من لفظ: فرض، بِحَسب عرف الشَّرْع: الْوُجُوب، وَلَا يجوز للراوي أَن يعبر بِالْفَرْضِ عَن الْمَنْدُوب مَعَ علمه بِالْفرقِ بَينهمَا. قلت: يرد عَلَيْهِم أَنهم لم يفرقُوا بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب مَعَ علمهمْ بِالْفرقِ بَينهمَا بِحَسب اللُّغَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: أَن صَدَقَة الْفطر من التَّمْر وَالشعِير صَاع، وَمذهب دَاوُد وَمن تبعه أَنه: لَا يجوز إلَاّ من التَّمْر وَالشعِير، وَلَا يجزىء عِنْده قَمح وَلَا دقيقه وَلَا دَقِيق شعير وَلَا سويق وَلَا خبز وَلَا زبيب وَلَا غير ذَلِك، وَاحْتج فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ: لِأَنَّهُ ذكر فِيهِ ابْن عمر التَّمْر وَالشعِير وَلم يذكر غَيرهمَا. وَقَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على أَن الشّعير وَالتَّمْر لَا يجزىء من أَحدهمَا إلَاّ صَاع كَامِل أَرْبَعَة أَمْدَاد.
الثَّانِي: قَوْله: (على العَبْد) تعلق بِهِ دَاوُد فِي وُجُوبهَا على العَبْد وَأَن السَّيِّد يجب عَلَيْهِ أَن يُمكنهُ من كسبها كَمَا يُمكنهُ من صَلَاة الْفَرْض، وَمذهب الْجَمَاعَة وُجُوبهَا على السَّيِّد حَتَّى لَو كَانَ للتِّجَارَة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر. وَقَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري والحنفيون: إِذا كَانَ للتِّجَارَة لَا تلْزمهُ فطرته، وَأما الْمكَاتب فالجمهور أَنَّهَا لَا تجب عَلَيْهِ، وَعَن مَالك قَولَانِ: يُخرجهَا عَن نَفسه، وَقيل: سَيّده، وَلَا تجب على السَّيِّد عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان وَعَطَاء وَأَبُو ثَوْر: يُؤَدِّي عَنهُ سَيّده، وَاسْتدلَّ لمن قَالَ: لَا تجب على السَّيِّد بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُؤَدِّي زَكَاة الْفطر عَن كل مَمْلُوك لَهُ فِي أرضه وَأَرْض غَيره، وَعَن كل إِنْسَان يعوله من صَغِير وكبير، وَعَن رَقِيق امْرَأَته وَكَانَ لَهُ مكَاتب بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ لَا يُؤَدِّي عَنهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ عَن مُوسَى: كَانَ لِابْنِ عمر مكاتبان فَلَا يُعْطي عَنْهُمَا الزَّكَاة يَوْم الْفطر، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن نَافِع.
الثَّالِث: قَوْله: (وَالْأُنْثَى) ظَاهره وُجُوبهَا على الْمَرْأَة، سَوَاء كَانَ لَهَا زوج أَو لَا، وَأما الْمَرْأَة الْمُزَوجَة فَلَا تجب فطرتها على زَوجهَا عِنْد أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُنْذر وَمَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي (الصَّحِيح) وَإِسْحَاق: تلْزم على الزَّوْج، مستدلين بقول ابْن عمر: (أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَدقَة الْفطر عَن الصَّغِير وَالْكَبِير مِمَّن تمونون) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده غير قوي.
الرَّابِع: قَوْله: (وَالصَّغِير) ، جُمْهُور
الْعلمَاء على وُجُوبهَا على الصَّغِير وَإِن كَانَ يَتِيما، قَالَ ابْن بزيزة: وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَزفر: لَا يجب على الْيَتِيم زَكَاة الْفطر كَانَ لَهُ مَال أَو لم يكن، فَإِن أخرجهَا عَنهُ وَصِيّه ضمن، قَالَ: وأصل مَذْهَب مَالك وجوب الزَّكَاة على الْيَتِيم مُطلقًا، وَذكر صَاحب (الْهِدَايَة) : يخرج عَن أَوْلَاده الصغار فَإِن كَانَ لَهُم مَال أدّى من مَالهم عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا لمُحَمد، وَقَالَ ابْن بزيزة: قَالَ الْحسن: هِيَ على الْأَب فَإِن أَعْطَاهَا من مَال الابْن ضمن. قَالَ: وَهل يجب إخْرَاجهَا عَن الْجَنِين أم لَا؟ فالجمهور أَنَّهَا غير وَاجِبَة عَلَيْهِ. قَالَ: وَمن شواذ الْأَقْوَال أَنَّهَا تخرج عَن الْجَنِين، روينَا ذَلِك عَن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسليمَان بن يسَار. وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة قَالَ: كَانُوا يُعْطون حَتَّى عَن الْحمل. قَالَ ابْن بزيزة: قَالَ قوم من سلف الْعلمَاء: إِذا أكمل الْجَنِين فِي بطن أمه مائَة وَعشْرين يَوْمًا قبل انصداع الْفجْر من لَيْلَة الْفطر وَجب إِخْرَاج زَكَاة الْفطر عَنهُ كَأَنَّهُ اعْتمد على حَدِيث ابْن مَسْعُود: (إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ صباحا) الحَدِيث.
الْخَامِس: قَوْله: (من الْمُسلمين) : تكلم الْعلمَاء فِيهِ، قَالَ الشَّيْخ فِي (الإِمَام) : وَقد اشتهرت هَذِه اللَّفْظَة من رِوَايَة مَالك حَتَّى قيل: إِنَّه تفرد بهَا. قَالَ أَبُو قلَابَة: عبد الْملك بن مُحَمَّد لَيْسَ أحد يَقُول فِيهِ من الْمُسلمين غير مَالك، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد تَخْرِيجه لَهُ: زَاد مَالك (من الْمُسلمين) ، وَقد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَلم يَقُولُوا فِيهِ: من الْمُسلمين، وتبعهما على ذَلِك القَوْل جمَاعَة. قَالَ الشَّيْخ: وَلَيْسَ بِصَحِيح، فقد تَابع مَالِكًا هَذِه اللَّفْظَة من الثِّقَات سَبْعَة، وهم: عمر بن نَافِع رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان رَوَاهُ مُسلم عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَكَاة الْفطر من رَمَضَان على كل نفس من الْمُسلمين. .) الحَدِيث، والمعلى بن أَسد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر قَالَ: أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير عَن كل مُسلم) الحَدِيث، وَعبد الله بن عمر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من بر على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين، وَصَححهُ) ، وَكثير بن فرقد رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض زَكَاة الْفطر) لحَدِيث وَفِيه: (من الْمُسلمين) وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (مُشكل الْآثَار) وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) ، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ عَن ابْن عمر نَحوه سَوَاء، وَيُونُس بن يزِيد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (مشكله) عَنهُ أَن نَافِعًا أخبرهُ قَالَ: (قَالَ عبد الله بن عمر: فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على النَّاس زَكَاة الْفطر من رَمَضَان صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل إِنْسَان ذكر أَو أُنْثَى حرا أَو عبدا من الْمُسلمين) ، وَبِهَذَا احْتج مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر على أَنه لَا تجب صَدَقَة الْفطر على أحد من عَبده الْكَافِر، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي صَدَقَة الْفطر من عَبده الْكَافِر.
وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَدّوا صَدَقَة الْفطر عَن كل صَغِير وكبير وَذكر أَو أُنْثَى يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ، حر أَو مَمْلُوك، نصف صَاع من بر أَو صَاعا من تمر أَو شعير) . فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسند هَذَا الحَدِيث غير سَلام الطَّوِيل وَهُوَ مَتْرُوك، وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: وَقَالَ زِيَادَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ فِيهِ مَوْضُوعَة انْفَرد بهَا سَلام الطَّوِيل وَكَأَنَّهُ تعمدها وَاغْلُظْ فِيهِ القَوْل عَن النَّسَائِيّ وَابْن حبَان جازف ابْن الْجَوْزِيّ فِي مقَالَته من غير دَلِيل، وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ فِي (مشكله) مَا يُؤَيّد هَذَا: عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن لَهِيعَة عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ يخرج صَدَقَة الْفطر عَن كل إِنْسَان يعول من صَغِير وكبير حر أَو عبد وَلَو كَانَ نَصْرَانِيّا مدّين من قَمح أَو صَاعا من تمر) . وَحَدِيث ابْن لَهِيعَة يصلح للمتابعة، سِيمَا رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَنهُ وَلم يتْركهُ أحد، وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يخرج صَدَقَة الْفطر عَن كل حر وَعبد صَغِير وكبير ذكر أَو أُنْثَى كَافِرًا أَو مُسلم) الحَدِيث. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَعُثْمَان هَذَا هُوَ الْوَقَّاصِ، وَهُوَ مَتْرُوك. وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن ابْن عَبَّاس (قَالَ: يخرج الرجل زَكَاة الْفطر عَن كل مَمْلُوك لَهُ وَإِن كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن عمر بن
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
محميَّةً؛ لأنَّهم فعلوا ذلك بالرَّاعي، ولأبي ذرٍّ: «وسمَّر» بتشديد الميم، والأوَّل أشهر وأوجه، كما نبَّه عليه المنذريُّ (وَتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المهملتين: أرضٌ ذات حجارةٍ سُودٍ (يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ) بفتح الياء والعين المهملة.
(تَابَعَهُ) أي: تابع قتادة (أَبُو قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيدٍ الجرميُّ، فيما (١) وصله المؤلِّف في «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٣] (وَحُمَيْدٌ) الطَّويل فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة (وَثَابِتٌ) البنانيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٦٨٦] (عَنْ أَنَسٍ) ﵁.
(٦٩) (بابُ وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ) بالكيِّ ونحوه (بِيَدِهِ).
١٥٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي- القرشيُّ الأسديُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ، قال (٢): (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) عبدُ الرَّحمن (الأَوْزَاعِيُّ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) اسمه: زيد بن سهلٍ الأنصاريُّ، ابن أخي أنس بن مالكٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: غَدَوْتُ) أي: رُحت أوَّل النَّهار (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) هو أخو أنسٍ لأمِّه، وهو صحابيٌّ، وقال النَّوويُّ: تابعيٌّ، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو سهوٌ (لِيُحَنِّكَهُ) تبرُّكًا به وبِرِيقه ويده ودعائه، وهو أن يمضغ التَّمرة، ويجعلها في فم الصَّبيِّ، ويحكَّ بها في حنكه بسبَّابته حتَّى تتحلَّل في حنكه (فَوَافَيْتُهُ) أي: أتيته في مربد الغنم (فِي يَدِهِ المِيسَمُ) بكسر الميم وفتح السِّين المهملة: حديدةٌ
يُكوَى بها (يَسِمُ) يعلِّم (إِبِلَ الصَّدَقَةِ) لتتميَّز (١) عن الأموال (٢) المملوكة، وليردَّها من أخذها، ومن التقطها، وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدَّق بها مثلًا؛ لئلَّا يعود في صدقته، فهو مخصوصٌ من عموم النَّهي عن تعذيب الحيوان، وقد نقل ابن الصَّبَّاغ من الشَّافعيَّة إجماع الصَّحابة على أنَّه يُستحَبُّ أن يكتب في ماشية الزَّكاة زكاةً أو صدقةً، وسيأتي في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٤٦] إن شاء الله تعالى عن أنسٍ: أنَّه رآه يَسِمُ غنمًا في آذانها، ولا يَسِمُ في الوجه للنَّهي عنه.
وفي هذا (٣) الحديث التَّحديثُ بالإفراد والجمع والقول، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس».
((٢٤ م)) (بسم الله الرحمن الرحيم. باب فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْرِ) أي: من رمضان، فأُضِيفت الصَّدقة للفطر؛ لكونها تجب بالفطر منه، أو مأخوذةٌ من الفطرة التي هي الخِلْقة المرادة بقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وهذا قاله ابن قتيبة، والمعنى أنَّها وجبت على الخِلْقة تزكيةً للنَّفس، أي: تطهيرًا لها (١) وتنميةً لعملها، ويُقال للمخرَج في زكاة الفطر: فُطرة -بضمِّ الفاء- كما في «الكفاية»، وهو غريبٌ، والذي في «شرح المُهذَّب» وغيره: كسر الفاء لا غير، قال: وهي مُولَّدةٌ لا عربيَّةٌ ولا مُعرَّبةٌ، بل اصطلاحيَّةٌ للفقهاء. انتهى. فتكون حقيقةً شرعيَّةً على المختار كالصَّلاة، قال ابن العربيِّ: هو اسمها على لسان صاحب الشَّرع، ويُقال لها: صدقة الفطر وزكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصَّوم وصدقة الرُّؤوس وزكاة الأبدان، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر»، وكان فرضها في السَّنة الثَّانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين.
(وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ، بالمُثنَّاة التَّحتيَّة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّد، فيما وصله عنه، وعن الأوَّل ابن أبي شيبة من طريق عاصمٍ الأحول، وعبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ (صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً) وهو مذهب الشَّافعيَّة والجمهور، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك؛ لكنَّه مُعارَضٌ بأنَّ الحنفيَّة يقولون بالوجوب دون
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أبي قلَابَة (عَن أنس قَالَ: قدم أنَاس من عكل أَو عرينة) الحَدِيث، وَهَهُنَا أخرجه عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان إِلَى آخِره، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.
قَوْله: (اجتووا) بِالْجِيم من بَاب الافتعال، يُقَال: اجتويت الْبَلَد إِذا كرهت الْمقَام فِيهِ. قَوْله: (الذود) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْإِبِل. قَوْله: (بِالْحرَّةِ) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (يعضون) ، بِفَتْح الْعين من بَاب فعل يفعل بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي، وَفتحهَا فِي المغابر. وَقيل: هُوَ من بَاب نصر ينصر، ولغة الْقُرْآن مثل الأول: {وَيَوْم بعض الظَّالِم على يَدَيْهِ} (الْفرْقَان: الْآيَة: ٧٢) .
تابَعَهُ أبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وثَابِتٌ عنْ أنَسٍ
أَي: تَابع أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي، وَحميد الطَّوِيل، وثابت، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْبنانِيّ قَتَادَة فِي رواياتهم عَن أنس. أما مُتَابعَة أبي قلَابَة فقد مرت فِي كتاب الطَّهَارَة، وَأما مُتَابعَة حميد فوصلها مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَأما مُتَابعَة ثَابت فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الطِّبّ.
٩٦ - (بابُ وَسْمِ الإمَامُ إبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر وسم الإِمَام، وَهُوَ الإِمَام الْأَعْظَم، والوسم بِفَتْح الْوَاو وَهُوَ: التَّأْثِير بعلامة نَحْو: كَيَّة وَقطع الْأذن، وَأَصله من السمة وَهِي الْعَلامَة، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: كَيفَ يكون الوسم من السمة وَكِلَاهُمَا مصدر؟ يُقَال: وسم يسم وسما وسمة. أَصله وسمة. فَلَمَّا حذفت الْوَاو مِنْهُ اتبَاعا لفعله، لِأَن أصل يسم يوسم حذفت الْوَاو لوقوعها بَين الْيَاء والكسرة فحذفت فِي سمة أَيْضا وعوضت عَنْهَا التَّاء، كَمَا فعل هَكَذَا فِي بَاب: وعد يعد عدَّة؟ قَوْله: (وَقطع الْأذن) فِيهِ نظر، لِأَن قطع الْأذن من الْمثلَة وَلَا يُسمى وسما، يُقَال: وسمه، إِذا أثر فِيهِ بكي.
٢٠٥١ - حدَّثنا إبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حدَّثنا أبُو عَمْرٍ والأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني إسْحَاقُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ قَالَ حدَّثني أنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ غَدَوْتُ إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَة لِيُحنكِّهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم: خَمْسَة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر، بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة: من الْإِنْذَار ضد الإبشار، وكنيته أَبُو إِسْحَاق الْحزَامِي، بالزاي: الْقرشِي الْأَسدي. الثَّانِي: الْوَلِيد بن مُسلم، أَبُو الْعَبَّاس الْأمَوِي الْقرشِي مَوْلَاهُم. مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة. الثَّالِث: أَبُو عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ، واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو. الرَّابِع: إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة، واسْمه: زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْن أخي أنس بن مَالك، يكنى أَبَا يحيى. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَأَنه ذكر مَنْسُوبا إِلَى جده، وَاسم أَبِيه: عبد الله بن الْمُنْذر، وَأَنه وَإِسْحَاق مدنيان وَأَن الْوَلِيد وَالْأَوْزَاعِيّ دمشقيان. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بكنيته ونسبته وَهُوَ الْأَوْزَاعِيّ. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن عَمه وَهُوَ إِسْحَاق.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي اللبَاس عَن هَارُون بن مَعْرُوف وَفِي بعض النّسخ: عَن هُرْمُز بن مَعْرُوف.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (غَدَوْت) من الغدو، وَهُوَ الرواح من أول النَّهَار. قَوْله: (ليحنكه) ، من التحنيك، وَهُوَ أَن يمضغ التمرة ويجعلها فِي فَم الصَّبِي وَيحك بهَا فِي حنكه بسبابته حَتَّى يتَحَلَّل فِي حنكه، والحنك أَعلَى دَاخل الْفَم. قَوْله: (فوافيته) ، من الموافاة: وَهُوَ الْإِتْيَان. يُقَال: وافيته إِذا أَتَيْته. قَوْله: (الميسم) بِكَسْر الْمِيم وَفتح السِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ المكوى، وَهُوَ الْآلَة الَّتِي يكوى بهَا وَقيل بالشين الْمُعْجَمَة والمهملة، وَقيل بَينهمَا فرق، فبالمهملة يكون الكي فِي الْوَجْه، وبالمعجمة فِي سَائِر الْجَسَد.
وَفِي (الْجَامِع) : الميسم: الحديدة الَّتِي يوسم بهَا، وَالْجمع: مواسم، وأصل ميسم: موسم، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، وَهَذِه قَاعِدَة مطردَة، وَلم يبين فِي هَذِه الرِّوَايَة الْموضع الَّذِي كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسم فِيهِ إبل الصَّدَقَة، وبيَّن ذَلِك فِي رِوَايَة أُخْرَى فَإِذا هُوَ فِي مربد الْغنم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: إِبَاحَة الكي فِي الْحَيَوَان. وَقَالَ قوم من الشَّافِعِيَّة: الكي مُسْتَحبّ فِي نعم الزَّكَاة والجزية وَجَائِز فِي غَيرهَا، وَالْمُسْتَحب أَن يسم الْغنم فِي آذانها وَالْإِبِل وَالْبَقر فِي أصُول أفخاذها، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَابْن مَاجَه: يسم الْغنم فِي آذانها، ووسم الْآدَمِيّ حرَام، وَغير الْآدَمِيّ فِي الْوَجْه مَنْهِيّ عَنهُ، وَفَائِدَته تَمْيِيز الْحَيَوَان بعضه من بعض، وليرده من أَخذه وَمن التقطه يعرّفه، وَإِذا تصدق بِهِ لَا يعود إِلَيْهِ، وَيسْتَحب أَن يكْتب فِي مَاشِيَة الزَّكَاة: زَكَاة أَو صَدَقَة، وَنقل ابْن الصّباغ وَغَيره إِجْمَاع الصَّحَابَة على ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: وَفِي حَدِيث الْبَاب حجَّة على من كره الوسم من الْحَنَفِيَّة بالميسم لدُخُوله فِي عُمُوم النَّهْي عَن الْمثلَة، وَقد ثَبت ذَلِك من فعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَدلَّ على أَنه مَخْصُوص من الْعُمُوم الْمَذْكُور للْحَاجة، كالختان فِي الْآدَمِيّ. قلت: ذكر أَصْحَابنَا فِي كتبهمْ: لَا بَأْس بكي الْبَهَائِم للعلامة، لِأَن فِيهِ مَنْفَعَة، وَكَذَا لَا بَأْس بكي الصّبيان إِذا كَانَ لداء أَصَابَهُم، لِأَن ذَاك مداواة. وَقَالَ الْمُهلب وَغَيره فِي هَذَا الحَدِيث: إِن للْإِمَام أَن يتَّخذ مبسما وَلَيْسَ للنَّاس أَن يتخذوا نَظِيره. وَهُوَ كالخاتم. وَفِيه: اعتناء الإِمَام بأموال الصَّدَقَة وتوليها بِنَفسِهِ. وَفِيه: جَوَاز إيلام الْحَيَوَان للْحَاجة. وَفِيه: قصد أهل الْفضل وَالصَّلَاح لتحنيك الْمَوْلُود لأجل الْبركَة. وَفِيه: مُبَاشرَة أَعمال المهنة وَترك الاستطابة فِيهَا للرغبة فِي زِيَادَة الْأجر وَنفي الْكبر.
بِسْمِ الله الرحمان الرَّحِيم
(أبْوَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ)
أَي: هَذِه أَبْوَاب صَدَقَة الْفطر، وَفِي بعض النّسخ: صَدَقَة الْفطر، بِدُونِ قَوْله: أَبْوَاب، وَالتَّقْدِير فِيهِ أَيْضا: أَبْوَاب صَدَقَة الْفطر، أَو: بَاب صَدَقَة الْفطر، وَإِضَافَة الصَّدَقَة إِلَى الْفطر من إِضَافَة الشَّيْء إِلَى شَرطه، كحجة الْإِسْلَام. وَقيل: أضيفت الصَّدَقَة إِلَى الْفطر لكَونهَا تجب بِالْفطرِ من رَمَضَان، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: المُرَاد بِصَدقَة الْفطر صَدَقَة النُّفُوس، مَأْخُوذ من الْفطْرَة الَّتِي هِيَ أصل الْخلقَة، وَالْأول أظهر، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض طرق الحَدِيث: (زَكَاة الْفطر من رَمَضَان) ثمَّ أعلم أَن هَذَا الْبَاب يحْتَاج إِلَى خَمْسَة عشرَة معرفَة.
الأولى: معرفَة صَدَقَة الْفطر لُغَة وَشرعا. فَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ لَفْظَة مولدة لَا عَرَبِيَّة وَلَا معربة بل هِيَ اصطلاحية للفقهاء. كَأَنَّهَا من الْفطْرَة الَّتِي هِيَ النُّفُوس والخلقة. أَي: زَكَاة الْخلقَة، ذكرهَا صَاحب (الْحَاوِي) وَالْمُنْذِرِي. قلت: وَلَو قيل: لَفْظَة إسلامية كَانَ ولى لِأَنَّهَا مَا عرفت إلَاّ فِي الْإِسْلَام، وَيُؤَيّد هَذَا مَا ذكره ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اسْمهَا على لِسَان صَاحب الشَّرْع، وَيُقَال لَهَا: صَدَقَة الْفطر وَزَكَاة الْفطر وَزَكَاة رَمَضَان وَزَكَاة الصَّوْم، وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، صَدَقَة الصَّوْم، وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (صَدَقَة رَمَضَان) ، وَتسَمى أَيْضا صَدَقَة الرؤوس وَزَكَاة الْأَبدَان سَمَّاهَا الإِمَام مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى، أما شرعا فَإِنَّهَا اسْم لما يعْطى من المَال بطرِيق الصِّلَة ترحما مُقَدرا، بِخِلَاف الْهِبَة فَإِنَّهَا تُعْطى صلَة تكرما لَا ترحما، ذكره فِي (الْمُحِيط) . الثَّانِيَة: معرفَة وُجُوبهَا، فبأحاديث الْبَاب على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: معرفَة سَبَب وُجُوبهَا، فَهُوَ رَأس يمونه مؤونة تَامَّة ويلي عَلَيْهِ ولَايَة تَامَّة لما فِي الحَدِيث: (عَمَّن تمونون) . الرَّابِعَة: معرفَة شَرط وُجُوبهَا، فالإسلام وَالْحريَّة والغنى على مَا يَأْتِي بِالْخِلَافِ فِيهِ. الْخَامِسَة: معرفَة ركنها، فالتمليك. السَّادِس: معرفَة شَرط جَوَازهَا بِكَوْن الْمصرف إِلَيْهِ فَقِيرا. السَّابِعَة: معرفَة من تجب عَلَيْهِ، فَتجب على الْأَب عَن أَوْلَاده الصغار الْفُقَرَاء، وعَلى السَّيِّد عَن عَبده ومدبره ومدبرته وَأم وَلَده. الثَّامِنَة: معرفَة الَّذِي تجب من أَجله، فأولاده الصغار ومماليكه للْخدمَة دون مكَاتبه وَزَوجته. التَّاسِعَة: معرفَة مِقْدَار الْوَاجِب فِيهَا، فَنصف صَاع من بر أَو صَاع من شعير أَو تمر، على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الْعَاشِرَة: معرفَة الْكَيْل الَّذِي تجب بِهِ، فَهُوَ الصَّاع، وَسَنذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ. الْحَادِيَة عشرَة: معرفَة وَقت وُجُوبهَا، فوقته طُلُوع الْفجْر الثَّانِي من يَوْم الْفطر، وَفِيه
الْخلاف على مَا يَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّانِيَة عشر: معرفَة كَيْفيَّة وُجُوبهَا، فَتجب وجوبا موسعا على الْأَصَح. الثَّالِثَة عشر: معرفَة وَقت اسْتِحْبَاب أَدَائِهَا، فقد اتّفقت الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فِي اسْتِحْبَاب أَدَائِهَا بعد فجر يَوْم الْفطر، قبل الذّهاب إِلَى صَلَاة الْعِيد. الرَّابِعَة عشر: معرفَة جَوَاز تَقْدِيمهَا على يَوْم الْفطر، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: يجوز تَقْدِيمهَا لسنة وسنتين، وَعَن خلف ابْن أَيُّوب: يجوز لشهر، وَقيل: بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ. الْخَامِسَة عشر: معرفَة وَقت أَدَائِهَا، فَيوم الْفطر من أَوله إِلَى آخِره وَبعده، يجب الْقَضَاء عِنْد بعض أَصْحَابنَا، وَالأَصَح أَن يكون أَدَاء.
٠٧ - (بابُ فَرْض صَدَقَةِ الْفِطْرِ)
أَي: هَذَا بَاب بَيَان فرض صَدَقَة الْفطر، وَفِي بعض النّسخ: هَذَا الْمِقْدَار مَوْجُود وَمَا قبله غير مَوْجُود إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.
ورَأى أبُو العَالِيَةِ وعَطَاءٌ وابنُ سيرِينَ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً
أَبُو الْعَالِيَة من الْعُلُوّ على وزن: فاعلة اسْمه رفيع بن مهْرَان الريَاحي، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: وَرَأى، ويروى: وَرُوِيَ عَن أبي الْعَالِيَة، فتعليق أبي الْعَالِيَة وَابْن سِيرِين رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن وَكِيع عَن عَاصِم عَن أبي الْعَالِيَة وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا: صَدَقَة الْفطر فَرِيضَة، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج عَن عَطاء.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي صَدَقَة الْفطر: هَل هِيَ فرض أَو وَاجِبَة أَو سنة أَو فعل خير مَنْدُوب إِلَيْهِ، فَقَالَت طَائِفَة: هِيَ فرض وهم الثَّلَاثَة المذكورون هُنَا: الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد، وَقَالَ أَصْحَابنَا: هِيَ وَاجِبَة، وَقَالَت طَائِفَة: هِيَ سنة، وَهُوَ قَول مَالك فِي رِوَايَة ذكرهَا صَاحب الذَّخِيرَة، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ فعل خير قد كَانَت وَاجِبَة ثمَّ نسخت، وَاسْتَدَلُّوا على هَذَا بِحَدِيث قيس بن سعد بن عبَادَة: (قَالَ: أمرنَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَدقَة الْفطر قبل أَن تنزل الزَّكَاة، فَلَمَّا نزلت لم يَأْمُرنَا وَلم ينهنا وَنحن نفعله) . رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة أبي عمار الْهَمدَانِي عَن قيس، وَاسم أبي عمار عريب بن حميد، كُوفِي ثِقَة. قَالَه أَحْمد وَابْن معِين، وَبِحَدِيث قيس بن سعد أَيْضا من وَجه آخر أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث الْقَاسِم بن مخيمرة عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل (عَن قيس بن سعد بن عبَادَة، قَالَ: كُنَّا نَصُوم عَاشُورَاء ونؤدي صَدَقَة الْفطر، فَلَمَّا نزلت رَمَضَان وَنزلت الزَّكَاة لم نؤمر بِهِ وَلم ننه عَنهُ، وَنحن نفعله) . وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن هَذَا لَا يدل على سُقُوط فرضيتها، لِأَن نزُول فرض لَا يُوجب سُقُوط آخر، وَقد أجمع أهل الْعلم على وجوب زَكَاة الْفطر، وَإِن اخْتلفُوا فِي تَسْمِيَتهَا فرضا فَلَا يجوز تَركهَا، وَقد نقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على فَرضِيَّة صَدَقَة الْفطر. قلت: فِيهِ نظر لما ذكرنَا من الِاخْتِلَاف فِيهَا.
٣٠٥١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ مُحَمَّدِ بنِ السَّكَنِ قَالَ حدَّثنا محَمَّدُ بنُ جَهْضَمٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ عُمَرَ بنِ نَافِعٍ عنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَكاةَ الفِطْرِ صَاعا مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ وَأمَرَ بِهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) .
ذكر رِجَاله: وهم: سِتَّة: الأول: يحيى بن مُحَمَّد بن السكن، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف وَفِي آخِره نون: ابْن حبيب أَبُو عبيد الله الْبَزَّار، بالزاي ثمَّ بالراء: الْقرشِي. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَهْضَم، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْهَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن عبد الله أَبُو جَعْفَر الثَّقَفِيّ. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن كثير أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عمر بن نَافِع، مولى عبد الله بن عمر. الْخَامِس: أَبوهُ نَافِع. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَأَنه مُحَمَّد بن جَهْضَم بصريان وَمُحَمّد هَذَا يمامي ثمَّ خراساني، ثمَّ سكن الْبَصْرَة فعد من أَهلهَا، وَعمر وَأَبوهُ مدنيان، وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: أَن عمر لَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي النَّهْي عَن الْفَزع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور باسم أَبِيه وَاسم جده.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن يحيى بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: قَالَ: فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَة الْفطر على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْحر والمملوك صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير. قَالَ: فَعدل النَّاس إِلَى نصف صَاع من بر) ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ أَيْضا: حَدثنَا إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ حَدثنَا معن عَن مَالك عَن نَافِع (عَن عبد الله ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض زَكَاة الْفطر من رَمَضَان صَاعا من تمر أَو صاعآ من شعير على كل حر أَو عبد، ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين) وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فرض رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) قَالَ أَبُو عمر: قَوْله: (فرض) ، يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا وَهُوَ الْأَظْهر: فرض بِمَعْنى أوجب، وَالْآخر: فرض بِمَعْنى قدر. كَمَا تَقول: فرض القَاضِي نَفَقَة الْيَتِيم أَي: قدرهَا، وَالَّذِي أذهب إِلَيْهِ أَن لَا يزَال قَوْله: (فرض) عَن معنى الْإِيجَاب إلَاّ بِدَلِيل الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ مَعْدُوم، فَإِن القَوْل بِأَنَّهَا غير وَاجِبَة شذوذ أَو فِي معنى الشذوذ. وَقَالَ أَصْحَابنَا: بِأَنَّهَا وَاجِبَة على حَقِيقَتهَا الاصطلاحية، وَهِي أَن تكون بَين الْفَرْض وَالسّنة. وَقَالَ الشَّافِعِي: فرض بِنَاء على أَصله أَنه لَا فرق بَين الْوَاجِب وَالْفَرِيضَة. وَقَالَ تَاج الشَّرِيعَة من أَصْحَابنَا: هِيَ وَاجِبَة حَتَّى لَا يكفر جاحدها، وَهُوَ الْفرق بَين الْفَرِيضَة وَالْوَاجِب. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: أصل معنى الْفَرْض فِي اللُّغَة التَّقْدِير، وَلَكِن نقل فِي عرف الشَّرْع إِلَى الْوُجُوب، فالحمل عَلَيْهِ أولى، يَعْنِي: من الْحمل على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ، وَقد ذكرنَا أَن بَعضهم ذَهَبُوا إِلَى أَنه سنة لأَنهم قَالُوا: معنى فرض فِي الْأَحَادِيث الَّتِي وَردت قدر، وَحَمَلُوهُ على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمَفْهُوم من لفظ: فرض، بِحَسب عرف الشَّرْع: الْوُجُوب، وَلَا يجوز للراوي أَن يعبر بِالْفَرْضِ عَن الْمَنْدُوب مَعَ علمه بِالْفرقِ بَينهمَا. قلت: يرد عَلَيْهِم أَنهم لم يفرقُوا بَين الْفَرْض وَالْوَاجِب مَعَ علمهمْ بِالْفرقِ بَينهمَا بِحَسب اللُّغَة.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: وَهُوَ على وُجُوه:
الأول: أَن صَدَقَة الْفطر من التَّمْر وَالشعِير صَاع، وَمذهب دَاوُد وَمن تبعه أَنه: لَا يجوز إلَاّ من التَّمْر وَالشعِير، وَلَا يجزىء عِنْده قَمح وَلَا دقيقه وَلَا دَقِيق شعير وَلَا سويق وَلَا خبز وَلَا زبيب وَلَا غير ذَلِك، وَاحْتج فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث، قَالَ: لِأَنَّهُ ذكر فِيهِ ابْن عمر التَّمْر وَالشعِير وَلم يذكر غَيرهمَا. وَقَالَ أَبُو عمر: أجمع الْعلمَاء على أَن الشّعير وَالتَّمْر لَا يجزىء من أَحدهمَا إلَاّ صَاع كَامِل أَرْبَعَة أَمْدَاد.
الثَّانِي: قَوْله: (على العَبْد) تعلق بِهِ دَاوُد فِي وُجُوبهَا على العَبْد وَأَن السَّيِّد يجب عَلَيْهِ أَن يُمكنهُ من كسبها كَمَا يُمكنهُ من صَلَاة الْفَرْض، وَمذهب الْجَمَاعَة وُجُوبهَا على السَّيِّد حَتَّى لَو كَانَ للتِّجَارَة، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَابْن الْمُنْذر. وَقَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري والحنفيون: إِذا كَانَ للتِّجَارَة لَا تلْزمهُ فطرته، وَأما الْمكَاتب فالجمهور أَنَّهَا لَا تجب عَلَيْهِ، وَعَن مَالك قَولَانِ: يُخرجهَا عَن نَفسه، وَقيل: سَيّده، وَلَا تجب على السَّيِّد عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان وَعَطَاء وَأَبُو ثَوْر: يُؤَدِّي عَنهُ سَيّده، وَاسْتدلَّ لمن قَالَ: لَا تجب على السَّيِّد بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُؤَدِّي زَكَاة الْفطر عَن كل مَمْلُوك لَهُ فِي أرضه وَأَرْض غَيره، وَعَن كل إِنْسَان يعوله من صَغِير وكبير، وَعَن رَقِيق امْرَأَته وَكَانَ لَهُ مكَاتب بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ لَا يُؤَدِّي عَنهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي رِوَايَة الثَّوْريّ عَن مُوسَى: كَانَ لِابْنِ عمر مكاتبان فَلَا يُعْطي عَنْهُمَا الزَّكَاة يَوْم الْفطر، وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن حَفْص عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن نَافِع.
الثَّالِث: قَوْله: (وَالْأُنْثَى) ظَاهره وُجُوبهَا على الْمَرْأَة، سَوَاء كَانَ لَهَا زوج أَو لَا، وَأما الْمَرْأَة الْمُزَوجَة فَلَا تجب فطرتها على زَوجهَا عِنْد أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُنْذر وَمَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي (الصَّحِيح) وَإِسْحَاق: تلْزم على الزَّوْج، مستدلين بقول ابْن عمر: (أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَدقَة الْفطر عَن الصَّغِير وَالْكَبِير مِمَّن تمونون) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده غير قوي.
الرَّابِع: قَوْله: (وَالصَّغِير) ، جُمْهُور
الْعلمَاء على وُجُوبهَا على الصَّغِير وَإِن كَانَ يَتِيما، قَالَ ابْن بزيزة: وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن وَزفر: لَا يجب على الْيَتِيم زَكَاة الْفطر كَانَ لَهُ مَال أَو لم يكن، فَإِن أخرجهَا عَنهُ وَصِيّه ضمن، قَالَ: وأصل مَذْهَب مَالك وجوب الزَّكَاة على الْيَتِيم مُطلقًا، وَذكر صَاحب (الْهِدَايَة) : يخرج عَن أَوْلَاده الصغار فَإِن كَانَ لَهُم مَال أدّى من مَالهم عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا لمُحَمد، وَقَالَ ابْن بزيزة: قَالَ الْحسن: هِيَ على الْأَب فَإِن أَعْطَاهَا من مَال الابْن ضمن. قَالَ: وَهل يجب إخْرَاجهَا عَن الْجَنِين أم لَا؟ فالجمهور أَنَّهَا غير وَاجِبَة عَلَيْهِ. قَالَ: وَمن شواذ الْأَقْوَال أَنَّهَا تخرج عَن الْجَنِين، روينَا ذَلِك عَن عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَسليمَان بن يسَار. وَفِي (المُصَنّف) : حَدثنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة قَالَ: كَانُوا يُعْطون حَتَّى عَن الْحمل. قَالَ ابْن بزيزة: قَالَ قوم من سلف الْعلمَاء: إِذا أكمل الْجَنِين فِي بطن أمه مائَة وَعشْرين يَوْمًا قبل انصداع الْفجْر من لَيْلَة الْفطر وَجب إِخْرَاج زَكَاة الْفطر عَنهُ كَأَنَّهُ اعْتمد على حَدِيث ابْن مَسْعُود: (إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ صباحا) الحَدِيث.
الْخَامِس: قَوْله: (من الْمُسلمين) : تكلم الْعلمَاء فِيهِ، قَالَ الشَّيْخ فِي (الإِمَام) : وَقد اشتهرت هَذِه اللَّفْظَة من رِوَايَة مَالك حَتَّى قيل: إِنَّه تفرد بهَا. قَالَ أَبُو قلَابَة: عبد الْملك بن مُحَمَّد لَيْسَ أحد يَقُول فِيهِ من الْمُسلمين غير مَالك، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد تَخْرِيجه لَهُ: زَاد مَالك (من الْمُسلمين) ، وَقد رَوَاهُ غير وَاحِد عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَلم يَقُولُوا فِيهِ: من الْمُسلمين، وتبعهما على ذَلِك القَوْل جمَاعَة. قَالَ الشَّيْخ: وَلَيْسَ بِصَحِيح، فقد تَابع مَالِكًا هَذِه اللَّفْظَة من الثِّقَات سَبْعَة، وهم: عمر بن نَافِع رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب، وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان رَوَاهُ مُسلم عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَكَاة الْفطر من رَمَضَان على كل نفس من الْمُسلمين. .) الحَدِيث، والمعلى بن أَسد رَوَاهُ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر قَالَ: أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير عَن كل مُسلم) الحَدِيث، وَعبد الله بن عمر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من بر على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين، وَصَححهُ) ، وَكثير بن فرقد رَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا عَنهُ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض زَكَاة الْفطر) لحَدِيث وَفِيه: (من الْمُسلمين) وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (مُشكل الْآثَار) وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) ، وَعبيد الله بن عمر الْعمريّ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ عَن ابْن عمر نَحوه سَوَاء، وَيُونُس بن يزِيد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي (مشكله) عَنهُ أَن نَافِعًا أخبرهُ قَالَ: (قَالَ عبد الله بن عمر: فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على النَّاس زَكَاة الْفطر من رَمَضَان صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل إِنْسَان ذكر أَو أُنْثَى حرا أَو عبدا من الْمُسلمين) ، وَبِهَذَا احْتج مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأَبُو ثَوْر على أَنه لَا تجب صَدَقَة الْفطر على أحد من عَبده الْكَافِر، وَهُوَ قَول سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي صَدَقَة الْفطر من عَبده الْكَافِر.
وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد وَسَعِيد بن جُبَير وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالنَّخَعِيّ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَدّوا صَدَقَة الْفطر عَن كل صَغِير وكبير وَذكر أَو أُنْثَى يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ، حر أَو مَمْلُوك، نصف صَاع من بر أَو صَاعا من تمر أَو شعير) . فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسند هَذَا الحَدِيث غير سَلام الطَّوِيل وَهُوَ مَتْرُوك، وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: وَقَالَ زِيَادَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ فِيهِ مَوْضُوعَة انْفَرد بهَا سَلام الطَّوِيل وَكَأَنَّهُ تعمدها وَاغْلُظْ فِيهِ القَوْل عَن النَّسَائِيّ وَابْن حبَان جازف ابْن الْجَوْزِيّ فِي مقَالَته من غير دَلِيل، وَقد أخرج الطَّحَاوِيّ فِي (مشكله) مَا يُؤَيّد هَذَا: عَن ابْن الْمُبَارك عَن ابْن لَهِيعَة عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر عَن الْأَعْرَج (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: كَانَ يخرج صَدَقَة الْفطر عَن كل إِنْسَان يعول من صَغِير وكبير حر أَو عبد وَلَو كَانَ نَصْرَانِيّا مدّين من قَمح أَو صَاعا من تمر) . وَحَدِيث ابْن لَهِيعَة يصلح للمتابعة، سِيمَا رِوَايَة ابْن الْمُبَارك عَنهُ وَلم يتْركهُ أحد، وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ: عَن عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن نَافِع (عَن ابْن عمر: أَنه كَانَ يخرج صَدَقَة الْفطر عَن كل حر وَعبد صَغِير وكبير ذكر أَو أُنْثَى كَافِرًا أَو مُسلم) الحَدِيث. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَعُثْمَان هَذَا هُوَ الْوَقَّاصِ، وَهُوَ مَتْرُوك. وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن ابْن عَبَّاس (قَالَ: يخرج الرجل زَكَاة الْفطر عَن كل مَمْلُوك لَهُ وَإِن كَانَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن عمر بن