الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٣٤
الحديث رقم ١٨٣٤ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا يحل القتال بمكة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ
١٨٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
⦗١٥⦘
﵄ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ما لا يُؤكَل وما لا يكون في أصله ما ذكر، فمنه ما هو مؤذٍ فيُستحَبُّ قتله للمحرم وغيره؛ كنمرٍ ونسرٍ وبقٍّ وبرغوثٍ، ولو ظهر على المحرم قملٌ لم تُكرَه تنحيته، ومنه ما ينفع ويضرُّ؛ كفهدٍ وصقرٍ وبازٍ، فلا يُستحَبُّ قتله لنفعه؛ وهو تعلُّمه الاصطياد، ولا يُكرَه لضرره؛ وهو عَدْوُه على النَّاس والبهائم، ومنه ما لا يظهر فيه نفعٌ ولا ضررٌ؛ كسرطانٍ ورخمةٍ وجعلانٍ وخنافس، فيُكرَه قتله، ويحرم قتل النَّمل السُّليمانيِّ والنَّحل والخُطَّاف والهدهد والصُّرَد، وبالمتوحِّش: الأنسيُّ؛ كنَعَمٍ ودجاجٍ أنسيِّين.
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَحِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ) أي: فيها (وَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (أَبُو شُرَيْحٍ) خويلدٌ السَّابق (﵁) ممَّا وصله قبلُ [خ¦١٨٣٢] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا يَسْفِكُ بِهَا) أي: بمكَّة (دَمًا).
١٨٣٤ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ، وهو أكبر من أخيه أبي بكر ابن أبي شيبة بثلاث سنين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا رواه
منصور بن المعتمر موصولًا، وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهدٍ عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصورٍ عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن داود بن سابور مرسلًا، ومنصور ثقةٌ حافظٌ، فالحكم لوصله (يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ) سنة ثمانٍ من الهجرة، و «يومَ»: بالنَّصب، ظرفٌ لـ «قال»، ومقول قوله: (لَا هِجْرَةَ) واجبةٌ من مكَّة إلى المدينة بعد الفتح لأنَّها صارت دار إسلامٍ، زاد في «كتاب الجهاد»: والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقيةٌ إلى يوم القيامة (١) (وَلَكِنْ) لكم (جِهَادٌ) في الكفَّار (وَنِيَّةٌ) صالحةٌ في الخير، تحصِّلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضةً لمفارقة الفريق الباطل -فلا يكثر سوادهم- ولإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، قال أبو عبد الله الأبيُّ: اختُلِف في أصول الفقه في مثل هذا التَّركيب: -يعني: قوله: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» - هل هو لنفي الحقيقة أو لنفي صفةٍ من صفاتها كالوجوب وغيره؟ فإن كان لنفي الوجوب فهو يدلُّ على وجوب الجهاد على الأعيان لأنَّ المُستدرَك هو النَّفي، والمنفيُّ وجوب الهجرة على الأعيان، فيكون المُستدرَك وجوب الجهاد على الأعيان، وعلى أنَّ المنفيَّ في هذا التَّركيب الحقيقة، فالمعنى: أنَّ الهجرة بعد الفتح ليست بهجرةٍ، وإنَّما المطلوب (٢) الجهاد الطَّلب الأعمَّ من كونه على الأعيان أو على الكفاية، قال: والمذهب أنَّ الجهاد اليوم فرض كفايةٍ إلَّا أن يعيِّن الإمام طائفةً فيكون عليها فرض عينٍ. انتهى. وقوله: «جهادٌ»: رفعُ مبتدأٍ، خبره محذوفٌ مُقدَّمًا، تقديره كما سبق: لكم جهادٌ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: قوله: «ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» عُطِف على محلِّ مدخول «لا»، والمعنى: أنَّ الهجرة من الأوطان إمَّا هجرةٌ إلى المدينة للفرار من الكفَّار ونصرة الرَّسول ﷺ، وإمَّا إلى الجهاد في سبيل الله، وإمَّا إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، فاغتنمِوهما ولا تقاعدوا عنهما.
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) بضمِّ التَّاء وكسر الفاء، «فانفِروا»: بهمزة وصلٍ مع كسر الفاء، أي: إذا دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه، وإذا علمتم ما ذكر (فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ
حَرَّمَ اللهُ) ﷿؛ بحذف الهاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حرَّمه الله» (يَوْمَ خَلَقَ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) فتحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرَّةٌ، وحكمه تعالى قديمٌ لا يتقيَّد بزمانٍ، فهو تمثيلٌ في تحريمه بأقربِ متصوَّرٍ لعموم البشر؛ إذ ليس كلُّهم يفهم معنى تحريمه في الأزل، وليس تحريمه ممَّا أحدث النَّاس، والخليل ﵇ إنَّما أظهره مبلِّغًا عن الله لمَّا رفع البيت إلى السَّماء زمن الطَّوفان، وقِيل: إنَّه كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض: إنَّ الخليل ﵇ سيحرِّم مكَّة بأمر الله (وَهُوَ حَرَامٌ) بواو العطف (بِحُرْمَةِ اللهِ) أي: بسبب حرمة الله، أو متعلَّقُ الباء محذوفٌ، أي: متلبِّسًا ونحو ذلك، وهو تأكيدٌ للتَّحريم (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي) بـ «لم» الجازمة، والهاء: ضمير الشَّأن، وفي رواية غير (٢) الكُشْمِيْهَنِيِّ كما هو مفهوم عبارة «الفتح»: «وإنَّه لا يحلُّ» والأوَّل أنسب لقوله: «قبلي» (وَلَمْ يَحِلَّ لِي) القتال فيه (إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) خصوصيَّةً، ولا دلالة فيه على أنَّه ﵊ قاتل فيه وأخذه عنوةً، فإنَّ حِلَّ الشَّيء لا يستلزم وقوعه، نعم ظاهره تحريم القتال بمكَّة، قال الماورديُّ فيما نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: من خصائص الحرم ألَّا يُحارَب أهلهُ، فإن بغوا على أهل العدل؛ فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، بل يُضيَّق عليهم حتَّى يرجعوا إلى الطَّاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل، وقال الجمهور: يُقاتَلون على بغيهم إذا لم يمكن ردُّهم عن البغي إلَّا بالقتال لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أَولى من إضاعتها، قال النَّوويُّ: وهذا الأخير هو الصَّواب، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وقال القفَّال في «شرح التَّلخيص»: لا يجوز القتال بمكَّة، حتَّى لو تحصَّن جماعةٌ من الكفَّار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلَّطه النَّوويُّ، وأمَّا القتل وإقامة الحدود فعن الشَّافعيِّ ومالكٍ: حكم الحرم كغيره، فيقام فيه الحدُّ ويُستوفى فيه القصاص، سواءٌ كانت الجناية في الحرم أو في الحلِّ ثمَّ لجأ إلى الحرم لأنَّ العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استُوفِيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحلِّ ثمَّ لجأ إلى الحرم لم تُستوفَ منه فيه، ويلجأ
إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتُصَّ منه، واحتجَّ بعضهم لإقامة حدِّ القتل فيه بقتل ابن خَطَلٍ، ولا حجَّة فيه لأنَّ ذلك كان في الوقت الذي أُحِلَّ للنَّبيِّ ﷺ.
(فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أي: بتحريمه، والفاء في: «فهو» جزاءٌ شرطٍ (١) محذوفٍ، تقديره: إذا كان الله كتب في اللَّوح المحفوظ تحريمه، ثمَّ أمر خليله بتبليغه وإنهائه؛ فأنا أيضًا أبلِّغ ذلك وأنهيه إليكم وأقول: فهو حرامٌ بحرمة الله ﷿، وقال: «فهو حرامٌ بحرمة الله» (٢) بعدما قال: «وهو حرامٌ بحرمة الله» لينيط به غير ما أناط أوَّلًا من قوله: (لَا يُعْضَدُ) لا يُقطَع (شَوْكُهُ) أي: ولا شجره بطريق الأَولى، نعم لا بأس بقطع المؤذي من الشَّوك كالعوسج قياسًا على الحيوان المؤذي (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ) بفتح القاف في الرِّواية، وسبق في الباب الذي قبل هذا [خ¦١٨٣٣]: أنَّ الصَّواب السُّكون (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أبدًا ولا يتملَّكها كما يتملَّكها في غيره من البلاد، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو رأي متأخِّري المالكيَّة فيما ذكره صاحب «تحصيل المرام» من المالكيَّة، والصَّحيح من مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد: أن لا خصوصيَّة للقطتها، والوجه: هو الأوَّل لأنَّ الكلام ورد مورد الفضائل المختصَّة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّينا بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) ولا يُقطَع نباتها الرَّطب، قال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: وحقُّ «خلاها» أن يُكتَب بالياء، وتثنيته: خَلَيان. انتهى. أي: لأنَّه من «خليت» بالياء، وأمَّا النَّبات اليابس فيُسمَّى حشيشًا، لكن حكى البطليوسيُّ عن أبي حاتمٍ: أنَّه سأل أبا عبيدة عن الحشيش، فقال: يكون في الرَّطب واليابس، وحكاه الأزهريُّ أيضًا، ويقوِّيه: أنَّ في بعض طرق حديث أبي هريرة: «ولا يُحتَشُّ حشيشُها».
(قَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب: (يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الإِذْخِرَُ) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدليَّة، وسبق ما فيه في الباب السَّابق [خ¦١٨٣٣] (فَإِنَّهُ) أي: الإذخر (لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة وبالنُّون: حَدَّادهم، أو القين: كلُّ صاحب صناعةٍ يعالجها بنفسه، ومعناه: يحتاج
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ما لا يُؤكَل وما لا يكون في أصله ما ذكر، فمنه ما هو مؤذٍ فيُستحَبُّ قتله للمحرم وغيره؛ كنمرٍ ونسرٍ وبقٍّ وبرغوثٍ، ولو ظهر على المحرم قملٌ لم تُكرَه تنحيته، ومنه ما ينفع ويضرُّ؛ كفهدٍ وصقرٍ وبازٍ، فلا يُستحَبُّ قتله لنفعه؛ وهو تعلُّمه الاصطياد، ولا يُكرَه لضرره؛ وهو عَدْوُه على النَّاس والبهائم، ومنه ما لا يظهر فيه نفعٌ ولا ضررٌ؛ كسرطانٍ ورخمةٍ وجعلانٍ وخنافس، فيُكرَه قتله، ويحرم قتل النَّمل السُّليمانيِّ والنَّحل والخُطَّاف والهدهد والصُّرَد، وبالمتوحِّش: الأنسيُّ؛ كنَعَمٍ ودجاجٍ أنسيِّين.
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَحِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ) أي: فيها (وَقَالَ) ولأبي الوقت: «قال» (أَبُو شُرَيْحٍ) خويلدٌ السَّابق (﵁) ممَّا وصله قبلُ [خ¦١٨٣٢] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا يَسْفِكُ بِهَا) أي: بمكَّة (دَمًا).
١٨٣٤ - بالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان العبسيُّ الكوفيُّ، وهو أكبر من أخيه أبي بكر ابن أبي شيبة بثلاث سنين، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا رواه
منصور بن المعتمر موصولًا، وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهدٍ عن النَّبيِّ ﷺ مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصورٍ عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن داود بن سابور مرسلًا، ومنصور ثقةٌ حافظٌ، فالحكم لوصله (يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ) سنة ثمانٍ من الهجرة، و «يومَ»: بالنَّصب، ظرفٌ لـ «قال»، ومقول قوله: (لَا هِجْرَةَ) واجبةٌ من مكَّة إلى المدينة بعد الفتح لأنَّها صارت دار إسلامٍ، زاد في «كتاب الجهاد»: والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقيةٌ إلى يوم القيامة (١) (وَلَكِنْ) لكم (جِهَادٌ) في الكفَّار (وَنِيَّةٌ) صالحةٌ في الخير، تحصِّلون بهما الفضائل التي في معنى الهجرة التي كانت مفروضةً لمفارقة الفريق الباطل -فلا يكثر سوادهم- ولإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، قال أبو عبد الله الأبيُّ: اختُلِف في أصول الفقه في مثل هذا التَّركيب: -يعني: قوله: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» - هل هو لنفي الحقيقة أو لنفي صفةٍ من صفاتها كالوجوب وغيره؟ فإن كان لنفي الوجوب فهو يدلُّ على وجوب الجهاد على الأعيان لأنَّ المُستدرَك هو النَّفي، والمنفيُّ وجوب الهجرة على الأعيان، فيكون المُستدرَك وجوب الجهاد على الأعيان، وعلى أنَّ المنفيَّ في هذا التَّركيب الحقيقة، فالمعنى: أنَّ الهجرة بعد الفتح ليست بهجرةٍ، وإنَّما المطلوب (٢) الجهاد الطَّلب الأعمَّ من كونه على الأعيان أو على الكفاية، قال: والمذهب أنَّ الجهاد اليوم فرض كفايةٍ إلَّا أن يعيِّن الإمام طائفةً فيكون عليها فرض عينٍ. انتهى. وقوله: «جهادٌ»: رفعُ مبتدأٍ، خبره محذوفٌ مُقدَّمًا، تقديره كما سبق: لكم جهادٌ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح مشكاته»: قوله: «ولكن جهادٌ ونيَّةٌ» عُطِف على محلِّ مدخول «لا»، والمعنى: أنَّ الهجرة من الأوطان إمَّا هجرةٌ إلى المدينة للفرار من الكفَّار ونصرة الرَّسول ﷺ، وإمَّا إلى الجهاد في سبيل الله، وإمَّا إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان، فاغتنمِوهما ولا تقاعدوا عنهما.
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) بضمِّ التَّاء وكسر الفاء، «فانفِروا»: بهمزة وصلٍ مع كسر الفاء، أي: إذا دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه، وإذا علمتم ما ذكر (فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ
حَرَّمَ اللهُ) ﷿؛ بحذف الهاء، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حرَّمه الله» (يَوْمَ خَلَقَ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) فتحريمه أمرٌ قديمٌ وشريعةٌ سالفةٌ مستمرَّةٌ، وحكمه تعالى قديمٌ لا يتقيَّد بزمانٍ، فهو تمثيلٌ في تحريمه بأقربِ متصوَّرٍ لعموم البشر؛ إذ ليس كلُّهم يفهم معنى تحريمه في الأزل، وليس تحريمه ممَّا أحدث النَّاس، والخليل ﵇ إنَّما أظهره مبلِّغًا عن الله لمَّا رفع البيت إلى السَّماء زمن الطَّوفان، وقِيل: إنَّه كتب في اللَّوح المحفوظ يوم خلق السَّموات والأرض: إنَّ الخليل ﵇ سيحرِّم مكَّة بأمر الله (وَهُوَ حَرَامٌ) بواو العطف (بِحُرْمَةِ اللهِ) أي: بسبب حرمة الله، أو متعلَّقُ الباء محذوفٌ، أي: متلبِّسًا ونحو ذلك، وهو تأكيدٌ للتَّحريم (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي) بـ «لم» الجازمة، والهاء: ضمير الشَّأن، وفي رواية غير (٢) الكُشْمِيْهَنِيِّ كما هو مفهوم عبارة «الفتح»: «وإنَّه لا يحلُّ» والأوَّل أنسب لقوله: «قبلي» (وَلَمْ يَحِلَّ لِي) القتال فيه (إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) خصوصيَّةً، ولا دلالة فيه على أنَّه ﵊ قاتل فيه وأخذه عنوةً، فإنَّ حِلَّ الشَّيء لا يستلزم وقوعه، نعم ظاهره تحريم القتال بمكَّة، قال الماورديُّ فيما نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: من خصائص الحرم ألَّا يُحارَب أهلهُ، فإن بغوا على أهل العدل؛ فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، بل يُضيَّق عليهم حتَّى يرجعوا إلى الطَّاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل، وقال الجمهور: يُقاتَلون على بغيهم إذا لم يمكن ردُّهم عن البغي إلَّا بالقتال لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أَولى من إضاعتها، قال النَّوويُّ: وهذا الأخير هو الصَّواب، ونصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، وقال القفَّال في «شرح التَّلخيص»: لا يجوز القتال بمكَّة، حتَّى لو تحصَّن جماعةٌ من الكفَّار فيها لم يجز لنا قتالهم، وغلَّطه النَّوويُّ، وأمَّا القتل وإقامة الحدود فعن الشَّافعيِّ ومالكٍ: حكم الحرم كغيره، فيقام فيه الحدُّ ويُستوفى فيه القصاص، سواءٌ كانت الجناية في الحرم أو في الحلِّ ثمَّ لجأ إلى الحرم لأنَّ العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمن، وقال أبو حنيفة: إن كانت الجناية في الحرم استُوفِيت العقوبة فيه، وإن كانت في الحلِّ ثمَّ لجأ إلى الحرم لم تُستوفَ منه فيه، ويلجأ
إلى الخروج منه، فإذا خرج اقتُصَّ منه، واحتجَّ بعضهم لإقامة حدِّ القتل فيه بقتل ابن خَطَلٍ، ولا حجَّة فيه لأنَّ ذلك كان في الوقت الذي أُحِلَّ للنَّبيِّ ﷺ.
(فَهُوَ) أي: البلد (حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) أي: بتحريمه، والفاء في: «فهو» جزاءٌ شرطٍ (١) محذوفٍ، تقديره: إذا كان الله كتب في اللَّوح المحفوظ تحريمه، ثمَّ أمر خليله بتبليغه وإنهائه؛ فأنا أيضًا أبلِّغ ذلك وأنهيه إليكم وأقول: فهو حرامٌ بحرمة الله ﷿، وقال: «فهو حرامٌ بحرمة الله» (٢) بعدما قال: «وهو حرامٌ بحرمة الله» لينيط به غير ما أناط أوَّلًا من قوله: (لَا يُعْضَدُ) لا يُقطَع (شَوْكُهُ) أي: ولا شجره بطريق الأَولى، نعم لا بأس بقطع المؤذي من الشَّوك كالعوسج قياسًا على الحيوان المؤذي (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) فإن نفَّره عصى، سواءٌ تلف أم لا (وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ) بفتح القاف في الرِّواية، وسبق في الباب الذي قبل هذا [خ¦١٨٣٣]: أنَّ الصَّواب السُّكون (إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا) أبدًا ولا يتملَّكها كما يتملَّكها في غيره من البلاد، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وهو رأي متأخِّري المالكيَّة فيما ذكره صاحب «تحصيل المرام» من المالكيَّة، والصَّحيح من مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد: أن لا خصوصيَّة للقطتها، والوجه: هو الأوَّل لأنَّ الكلام ورد مورد الفضائل المختصَّة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّينا بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) ولا يُقطَع نباتها الرَّطب، قال الزَّمخشريُّ في «الفائق»: وحقُّ «خلاها» أن يُكتَب بالياء، وتثنيته: خَلَيان. انتهى. أي: لأنَّه من «خليت» بالياء، وأمَّا النَّبات اليابس فيُسمَّى حشيشًا، لكن حكى البطليوسيُّ عن أبي حاتمٍ: أنَّه سأل أبا عبيدة عن الحشيش، فقال: يكون في الرَّطب واليابس، وحكاه الأزهريُّ أيضًا، ويقوِّيه: أنَّ في بعض طرق حديث أبي هريرة: «ولا يُحتَشُّ حشيشُها».
(قَالَ العَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب: (يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا الإِذْخِرَُ) بالنَّصب، ويجوز الرَّفع على البدليَّة، وسبق ما فيه في الباب السَّابق [خ¦١٨٣٣] (فَإِنَّهُ) أي: الإذخر (لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة وبالنُّون: حَدَّادهم، أو القين: كلُّ صاحب صناعةٍ يعالجها بنفسه، ومعناه: يحتاج