«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٠٢

الحديث رقم ١٩٠٢ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أجود ما كان النبي ﷺ يكون في رمضان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٠٢ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْقُرْآنَ: فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.»

بَابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٠٢

١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ وَاسْتَنْكَرَهُ، وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ، فَقَدْ تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ كَمَا تَرَى، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَهُوَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي عَشْرٌ مِنْ فَوَائِدِهِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ النَّجَاحِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي فِي فَوَائِدِهِ كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا. وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ الْكَلَامَ عَلَى طُرُقِهِ فِي كِتَابِ الْخِصَالِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ وَهَذَا مُحَصَّلُهُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ ذَنْبِهِ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، إِلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَفِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَكَلِمَةُ مِنْ إِمَّا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: غُفِرَ أَيْ: غُفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، أَوْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَفْعُولٌ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَيَكُونُ مَرْفُوعَ الْمَحَلِّ.

٧ - بَاب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ

١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْيبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَدْءِ الْوَحْيِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ بِالْخَيْرِ وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ الْمَيْتَةِ، أَيْ: فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ .

٨ - بَاب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ

١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.

[الحديث ١٩٠٣ - طرفه في: ٦٠٥٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) أَيْ: يَتْرُكْ (قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: فِي الصَّوْمِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: حَذَفَ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ لَطَالَتِ التَّرْجَمَةُ، أَوْ لَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَوَقَعَ فِي عُهْدَتِهِ فَكَانَ الْإِيجَازُ مَا صَنَعَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعْيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ: رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْهُ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ السَّرَّاجِ عَنْهُ فَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ

أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْقَاطِهِ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْقَاطٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِثْبَاتِهِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَيُونُسَ بْنَ يَحْيَى رَوَيَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِالْإِسْقَاطِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِيهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ كَانَ تَارَةً لَا يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ يَقُولُهَا، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالْجَهْلَ وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَالْجَهْلَ فِي الصَّوْمِ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي بِهِ يُعُودُ عَلَى الْجَهْلِ، وَالْأَوَّلُ جَعَلَهُ يَعُودُ عَلَى قَوْلِ الزُّورِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَلَمَّا رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ: مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الزُّورِ: الْكَذِبُ، وَالْجَهْلِ: السَّفَهُ، وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ: بِمُقْتَضَاهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ: يَذْبَحُهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا، وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْمِ بَائِعِ الْخَمْرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ فَوَضَعَ، الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَبُ لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ: لَا حَاجَةَ لِي بِكَذَا. فَالْمُرَادُ رَدُّ الصَّوْمِ الْمُتَلَبِّسِ بِالزُّورِ وَقَبُولُ السَّالِمِ مِنْهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّ مَعْنَاهُ: لَنْ يُصِيبَ رِضَاهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْقَبُولُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لَا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ ثَوَابَ الصِّيَامِ لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْمِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْسَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَاتِ وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ نَظَرَ الْقَبُولِ، فَقَوْلُهُ: لَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، فَنَفَى السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبِّبَ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَنْقُصُ الصَّوْمَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ. وَأَجَابَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي مَضَى فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ دَلَالَةً قَوِيَّةً لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الرَّفَثَ وَالصَّخَبَ وَقَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ مِمَّا عُلِمَ النَّهْيُ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ إِذَا حَصَلَتْ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهَا فِيهِ مَشْرُوطَةً فِيهِ مَعْنًى يَفْهَمُهُ، فَلَمَّا ذُكِرَتْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَبَّهَتْنَا عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: زِيَادَةُ قُبْحِهَا فِي الصَّوْمِ عَلَى غَيْرِهَا، وَالثَّانِي: الْبَحْثُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّوْمِ عَنْهَا، وَأَنَّ سَلَامَتَهُ مِنْهَا صِفَةُ كَمَالٍ فِيهِ، وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّوْمِ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْمُلُ بِالسَّلَامَةِ عَنْهَا. قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهَا نَقَصَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّكَالِيفَ قَدْ تَرِدُ بِأَشْيَاءَ وَيُنَبَّهُ بِهَا عَلَى أُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ الْعَدَمَ الْمَحْضَ كَمَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَعَلَّ الْقَصْدَ بِهِ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ خَفَّفَ اللَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في «باب أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا» وإن شئت جعلت: «في رمضان» هو الخبر؛ كقولهم: ضربي في الدَّار لأنَّ المعنى: الكون الذي هو أجود الأكوان حاصلٌ في هذا الوقت، فلا يتعيَّن أن يكون من «باب أخطب ما يكون الأمير (١) قائمًا». انتهى.

١٩٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ عين الأول (٢) مُصغَّرًا، والثَّالث مع سكون الفوقيَّة، ابن مسعودٍ الهذليِّ المدنيِّ (٣) (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ) أسخاهم (بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) لأنَّه شهرٌ يتضاعف فيه ثواب الصَّدقة، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) ، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم (وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ ليلةٍ» (فِي رَمَضَانَ) منذ أُنزِل (٤) عليه، أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي تُوفِّي بعده رسول الله (٥) (٦) (حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ القُرْآنَ) بعضَه أو معظمَه (فَإِذَا لَقِيَهُ) (جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) يحتمل أن يكون (٧) زيادة

الجود بمُجرَّد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إيَّاه القرآن، وهو يحثُّ (١) على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له خُلقًا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثَّ عليه، ويمتنع ممَّا زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشَّهر لقرب عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، ولا شكَّ أنَّ المخالطة تؤثِّر وتورث أخلاقًا من المُخالط، لكنَّ إضافةَ آثار (٢) ذلك إلى القرآن -كما قال ابن المُنيِّر- آكدُ من إضافتها إلى جبريل ، بل جبريل إنَّما تميَّز بنزوله بالوحي عليه، فالإضافة إلى الحقِّ أَولى من الإضافة إلى الخلق، لا سيَّما والنَّبيُّ على المذهب الحقِّ أفضل من جبريل، فما جالس الأفضل إلَّا المفضول، فلا يُقاس على مجالسة الآحاد للعلماء (٣).

وفي هذا الحديث: تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثمَّ معارضة ما نزل منه فيه، وأنَّ ليله أفضل من نهاره، وأنَّ المقصود من التِلاوة الحضور والفهم لأنَّ اللَّيل مظنَّة ذلك لما في النَّهار من الشَّواغل والعوارض، وأنَّ فضل الزَّمان إنَّما يحصل بزيادة العبادة، وأنَّ مداومة (٤) التِّلاوة توجب زيادة الخير، واستحباب تكثير العبادة في أواخر العمر (٥).

وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الوحي» [خ¦٦].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ وَاسْتَنْكَرَهُ، وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ، فَقَدْ تَابَعَهُ قُتَيْبَةُ كَمَا تَرَى، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَهُوَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي عَشْرٌ مِنْ فَوَائِدِهِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ النَّجَاحِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي فِي فَوَائِدِهِ كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِهَا. وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهَيْنِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ الْكَلَامَ عَلَى طُرُقِهِ فِي كِتَابِ الْخِصَالِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ وَهَذَا مُحَصَّلُهُ. وَقَوْلُهُ: مِنْ ذَنْبِهِ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، إِلَّا أَنَّهُ مَخْصُوصٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ، وَفِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَكَلِمَةُ مِنْ إِمَّا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: غُفِرَ أَيْ: غُفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، أَوْ هِيَ مَبْنِيَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَفْعُولٌ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَيَكُونُ مَرْفُوعَ الْمَحَلِّ.

٧ - بَاب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ

١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْيبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَدْءِ الْوَحْيِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ بِالْخَيْرِ وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ الْمَيْتَةِ، أَيْ: فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ .

٨ - بَاب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ

١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.

[الحديث ١٩٠٣ - طرفه في: ٦٠٥٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ لَمْ يَدَعْ) أَيْ: يَتْرُكْ (قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) زَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: فِي الصَّوْمِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: حَذَفَ الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ لَطَالَتِ التَّرْجَمَةُ، أَوْ لَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَوَقَعَ فِي عُهْدَتِهِ فَكَانَ الْإِيجَازُ مَا صَنَعَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعْيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ: رَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْهُ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ، وَرَوَاهُ ابْنُ السَّرَّاجِ عَنْهُ فَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ

أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْقَاطِهِ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْقَاطٍ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِثْبَاتِهِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَيُونُسَ بْنَ يَحْيَى رَوَيَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِالْإِسْقَاطِ أَيْضًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ فَقَالَ فِيهِ: عَنْ أَبِيهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ كَانَ تَارَةً لَا يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ يَقُولُهَا، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالْجَهْلَ وَكَذَا لِأَحْمَدَ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَالْجَهْلَ فِي الصَّوْمِ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي بِهِ يُعُودُ عَلَى الْجَهْلِ، وَالْأَوَّلُ جَعَلَهُ يَعُودُ عَلَى قَوْلِ الزُّورِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَلَمَّا رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ: مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الزُّورِ: الْكَذِبُ، وَالْجَهْلِ: السَّفَهُ، وَالْعَمَلِ بِهِ أَيْ: بِمُقْتَضَاهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ: يَذْبَحُهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا، وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْمِ بَائِعِ الْخَمْرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ إِرَادَةٌ فِي صِيَامِهِ فَوَضَعَ، الْحَاجَةَ مَوْضِعَ الْإِرَادَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، كَمَا يَقُولُ الْمُغْضَبُ لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا طَلَبَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ: لَا حَاجَةَ لِي بِكَذَا. فَالْمُرَادُ رَدُّ الصَّوْمِ الْمُتَلَبِّسِ بِالزُّورِ وَقَبُولُ السَّالِمِ مِنْهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّ مَعْنَاهُ: لَنْ يُصِيبَ رِضَاهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الْقَبُولُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لَا يُثَابُ عَلَى صِيَامِهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ ثَوَابَ الصِّيَامِ لَا يَقُومُ فِي الْمُوَازَنَةِ بِإِثْمِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الصَّوْمِ نَفْسَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، بَلْ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ كَسْرِ الشَّهَوَاتِ وَتَطْوِيعِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ لِلنَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ نَظَرَ الْقَبُولِ، فَقَوْلُهُ: لَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ، فَنَفَى السَّبَبَ وَأَرَادَ الْمُسَبِّبَ، وَاللَّهَ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تَنْقُصُ الصَّوْمَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ. وَأَجَابَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ بِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالَّذِي مَضَى فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ دَلَالَةً قَوِيَّةً لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الرَّفَثَ وَالصَّخَبَ وَقَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ مِمَّا عُلِمَ النَّهْيُ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالصَّوْمُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ إِذَا حَصَلَتْ فِيهِ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهَا فِيهِ مَشْرُوطَةً فِيهِ مَعْنًى يَفْهَمُهُ، فَلَمَّا ذُكِرَتْ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ نَبَّهَتْنَا عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: زِيَادَةُ قُبْحِهَا فِي الصَّوْمِ عَلَى غَيْرِهَا، وَالثَّانِي: الْبَحْثُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّوْمِ عَنْهَا، وَأَنَّ سَلَامَتَهُ مِنْهَا صِفَةُ كَمَالٍ فِيهِ، وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنْ يُقَبَّحَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّوْمِ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ يَكْمُلُ بِالسَّلَامَةِ عَنْهَا. قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ عَنْهَا نَقَصَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّكَالِيفَ قَدْ تَرِدُ بِأَشْيَاءَ وَيُنَبَّهُ بِهَا عَلَى أُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ الْعَدَمَ الْمَحْضَ كَمَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَعَلَّ الْقَصْدَ بِهِ فِي الْأَصْلِ الْإِمْسَاكُ عَنْ جَمِيعِ الْمُخَالَفَاتِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ خَفَّفَ اللَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

في «باب أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا» وإن شئت جعلت: «في رمضان» هو الخبر؛ كقولهم: ضربي في الدَّار لأنَّ المعنى: الكون الذي هو أجود الأكوان حاصلٌ في هذا الوقت، فلا يتعيَّن أن يكون من «باب أخطب ما يكون الأمير (١) قائمًا». انتهى.

١٩٠٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ عين الأول (٢) مُصغَّرًا، والثَّالث مع سكون الفوقيَّة، ابن مسعودٍ الهذليِّ المدنيِّ (٣) (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ) أسخاهم (بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) لأنَّه شهرٌ يتضاعف فيه ثواب الصَّدقة، و «ما»: مصدريَّةٌ، أي: أجود أكوانه يكون في رمضان (حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) ، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم (وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ ليلةٍ» (فِي رَمَضَانَ) منذ أُنزِل (٤) عليه، أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي تُوفِّي بعده رسول الله (٥) (٦) (حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ القُرْآنَ) بعضَه أو معظمَه (فَإِذَا لَقِيَهُ) (جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) يحتمل أن يكون (٧) زيادة

الجود بمُجرَّد لقاء جبريل ومجالسته، ويحتمل أن يكون بمدارسته إيَّاه القرآن، وهو يحثُّ (١) على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له خُلقًا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثَّ عليه، ويمتنع ممَّا زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشَّهر لقرب عهده بمخالطة جبريل وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، ولا شكَّ أنَّ المخالطة تؤثِّر وتورث أخلاقًا من المُخالط، لكنَّ إضافةَ آثار (٢) ذلك إلى القرآن -كما قال ابن المُنيِّر- آكدُ من إضافتها إلى جبريل ، بل جبريل إنَّما تميَّز بنزوله بالوحي عليه، فالإضافة إلى الحقِّ أَولى من الإضافة إلى الخلق، لا سيَّما والنَّبيُّ على المذهب الحقِّ أفضل من جبريل، فما جالس الأفضل إلَّا المفضول، فلا يُقاس على مجالسة الآحاد للعلماء (٣).

وفي هذا الحديث: تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن ثمَّ معارضة ما نزل منه فيه، وأنَّ ليله أفضل من نهاره، وأنَّ المقصود من التِلاوة الحضور والفهم لأنَّ اللَّيل مظنَّة ذلك لما في النَّهار من الشَّواغل والعوارض، وأنَّ فضل الزَّمان إنَّما يحصل بزيادة العبادة، وأنَّ مداومة (٤) التِّلاوة توجب زيادة الخير، واستحباب تكثير العبادة في أواخر العمر (٥).

وهذا الحديث قد سبق في «كتاب الوحي» [خ¦٦].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله