الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٣٦
الحديث رقم ٢٠٣٦ من كتاب «أبواب الاعتكاف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الاعتكاف وخرج النبي ﷺ صبيحة عشرين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٥٠⦘
أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ.»
بَابُ اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ
٢٠٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، قُلْتُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَقَوْلِهِ: يَا بَنِي آدَمَ وَقَوْلِهِ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَفْظِ: الْمُذَكَّرِ إِلَّا أَنَّ الْعُرْفَ عَمَّمَهُ فَأَدْخَلَ فِيهِ النِّسَاءَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: سُوءًا أَوْ قَالَ شَيئًا وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ: شَرًّا بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ بَدَلَ سُوءًا، وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: إِنِّي خِفْتُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْكُمَا شَيْئًا وَالْمُحَصَّلُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْسُبْهُمَا إِلَى أَنَّهُمَا يَظُنَّانِ بِهِ سُوءًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ إِيمَانِهِمَا، وَلَكِنْ خَشِيَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَعْصُومَيْنِ، فَقَدْ يُفْضِي بِهِمَا ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ وَتَعْلِيمًا لِمَنْ بَعْدَهُمَا إِذَا وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمَا الْكُفْرَ إِنْ ظَنَّا بِهِ التُّهْمَةَ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا نَصِيحَةً لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي نُفُوسِهِمَا شَيْئًا يَهْلِكَانِ بِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ بَيِّنٌ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَسْلَفْتُهَا، وَغَفَلَ الْبَزَّارُ فَطَعَنَ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ هَذَا، وَاسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَوْلُهُ: يَبْلُغُ أَوْ يَجْرِي قِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ كَثْرَةِ إِغْوَائِهِ، وَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ كَالدَّمِ، فَاشْتَرَكَا فِي شِدَّةِ الِاتِّصَالِ وَعَدَمِ الْمُفَارَقَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ اشْتِغَالِ الْمُعْتَكِفِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنْ تَشْيِيعِ زَائِرِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ وَالْحَدِيثِ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِبَاحَةُ خَلْوَةِ الْمُعْتَكِفِ بِالزَّوْجَةِ، وَزِيَارَةُ الْمَرْأَةِ لِلْمُعْتَكِفِ، وَبَيَانُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى مَا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْإِثْمَ. وَفِيهِ التَّحَرُّزُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِسُوءِ الظَّنِّ وَالِاحْتِفَاظُ مِنْ كَيَدِ الشَّيْطَانِ وَالِاعْتِذَارُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ مَخْلَصٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى إِبْطَالِ الِانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَجْهَ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ خَافِيًا نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ يَتَظَاهَرُ بِمَظَاهِرِ السُّوءِ وَيَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ يُجَرِّبُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ عَظُمَ الْبَلَاءُ بِهَذَا الصِّنْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ إِضَافَةُ بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِنَّ، وَفِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ لَيْلًا، وَفِيهِ قَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، قَدْ وَقَعَتْ فِي الْحَدِيثِ لِتَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَتَهْوِيلِهِ وَلِلْحَيَاءِ مِنْ ذِكْرِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ فِي جَوَازِ تَمَادِي الْمُعْتَكِفِ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَانِ اعْتِكَافِهِ لِحَاجَتِهِ وَأَقَامَ زَمَنًا يَسِيرًا زَائِدًا عَنِ الْحَاجَةِ مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ أَكْثَرَ الْيَوْمِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَنْزِلَ صَفِيَّةَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ فَاصِلٌ زَائِدٌ، وَقَدْ حَدَّ بَعْضُهُمُ الْيَسِيرَ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
٩ - بَاب الِاعْتِكَافِ وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ
٢٠٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ قَالَ نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ. قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٠٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النَّون المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أبا الحسن، البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنَائيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ (١) قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ) الأقوى فيه أن يُقال: «الوسُط» بضمَّ السِّين، و «الوسَط» بفتحها، وأمَّا الأوسط فكأنَّه تسميةٌ لمجموع تلك اللَّيالي والأيَّام، وإنَّما رجح الأوَّل لأنَّ العشر اسمٌ الليالي (٢) كما مرَّ (قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) من الشَّهر (قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أُرِيتُ) بتقديم الهمزة المضمومة على الرَّاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «رَأَيت» بتقديم الرَّاء وفتح الهمزة (لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا) بضمِّ النُّون وتشديد المهملة المكسورة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «نَسِيتها» بفتح النُّون وتخفيف المهملة، فالأولى: أنَّه نسيها بواسطةٍ، وفي رواية همَّامٍ عن يحيى في «باب السُّجود في الماء والطِّين» [خ¦٨١٣] من «صفة الصَّلاة»: أنَّ جبريل هو المخبر له بذلك (فَالتَمِسُوهَا) اطلبوها (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان (فِي وِتْرٍ) من غير تعيين (فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَسْجُد) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنِّي أسجد» (فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ) بالواو (كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ) إلى مُعتكَفه ويعتكف (فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بالقاف
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَقَوْلِهِ: يَا بَنِي آدَمَ وَقَوْلِهِ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَفْظِ: الْمُذَكَّرِ إِلَّا أَنَّ الْعُرْفَ عَمَّمَهُ فَأَدْخَلَ فِيهِ النِّسَاءَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) كَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: سُوءًا أَوْ قَالَ شَيئًا وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ: شَرًّا بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ بَدَلَ سُوءًا، وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: إِنِّي خِفْتُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْكُمَا شَيْئًا وَالْمُحَصَّلُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْسُبْهُمَا إِلَى أَنَّهُمَا يَظُنَّانِ بِهِ سُوءًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ إِيمَانِهِمَا، وَلَكِنْ خَشِيَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُوَسْوِسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَعْصُومَيْنِ، فَقَدْ يُفْضِي بِهِمَا ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ وَتَعْلِيمًا لِمَنْ بَعْدَهُمَا إِذَا وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا قَالَ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهِمَا الْكُفْرَ إِنْ ظَنَّا بِهِ التُّهْمَةَ فَبَادَرَ إِلَى إِعْلَامِهِمَا نَصِيحَةً لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطَانُ فِي نُفُوسِهِمَا شَيْئًا يَهْلِكَانِ بِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ بَيِّنٌ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي أَسْلَفْتُهَا، وَغَفَلَ الْبَزَّارُ فَطَعَنَ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ هَذَا، وَاسْتَبْعَدَ وُقُوعَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَقَوْلُهُ: يَبْلُغُ أَوْ يَجْرِي قِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ كَثْرَةِ إِغْوَائِهِ، وَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ كَالدَّمِ، فَاشْتَرَكَا فِي شِدَّةِ الِاتِّصَالِ وَعَدَمِ الْمُفَارَقَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ اشْتِغَالِ الْمُعْتَكِفِ بِالْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ مِنْ تَشْيِيعِ زَائِرِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ وَالْحَدِيثِ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِبَاحَةُ خَلْوَةِ الْمُعْتَكِفِ بِالزَّوْجَةِ، وَزِيَارَةُ الْمَرْأَةِ لِلْمُعْتَكِفِ، وَبَيَانُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى مَا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْإِثْمَ. وَفِيهِ التَّحَرُّزُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِسُوءِ الظَّنِّ وَالِاحْتِفَاظُ مِنْ كَيَدِ الشَّيْطَانِ وَالِاعْتِذَارُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ مَخْلَصٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى إِبْطَالِ الِانْتِفَاعِ بِعِلْمِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَجْهَ الْحُكْمِ إِذَا كَانَ خَافِيًا نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ يَتَظَاهَرُ بِمَظَاهِرِ السُّوءِ وَيَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ يُجَرِّبُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ عَظُمَ الْبَلَاءُ بِهَذَا الصِّنْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ إِضَافَةُ بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِنَّ، وَفِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ لَيْلًا، وَفِيهِ قَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، قَدْ وَقَعَتْ فِي الْحَدِيثِ لِتَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَتَهْوِيلِهِ وَلِلْحَيَاءِ مِنْ ذِكْرِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ فِي جَوَازِ تَمَادِي الْمُعْتَكِفِ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَكَانِ اعْتِكَافِهِ لِحَاجَتِهِ وَأَقَامَ زَمَنًا يَسِيرًا زَائِدًا عَنِ الْحَاجَةِ مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ أَكْثَرَ الْيَوْمِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَنْزِلَ صَفِيَّةَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ فَاصِلٌ زَائِدٌ، وَقَدْ حَدَّ بَعْضُهُمُ الْيَسِيرَ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
٩ - بَاب الِاعْتِكَافِ وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ
٢٠٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؟ قَالَ نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ. قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٠٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وكسر النَّون المروزيُّ، أنَّه (سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) أبا الحسن، البصريَّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهُنَائيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمُثلَّثة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ (١) قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ) الأقوى فيه أن يُقال: «الوسُط» بضمَّ السِّين، و «الوسَط» بفتحها، وأمَّا الأوسط فكأنَّه تسميةٌ لمجموع تلك اللَّيالي والأيَّام، وإنَّما رجح الأوَّل لأنَّ العشر اسمٌ الليالي (٢) كما مرَّ (قَالَ: فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ) من الشَّهر (قَالَ: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ) ﵊: (إِنِّي أُرِيتُ) بتقديم الهمزة المضمومة على الرَّاء، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «رَأَيت» بتقديم الرَّاء وفتح الهمزة (لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا) بضمِّ النُّون وتشديد المهملة المكسورة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «نَسِيتها» بفتح النُّون وتخفيف المهملة، فالأولى: أنَّه نسيها بواسطةٍ، وفي رواية همَّامٍ عن يحيى في «باب السُّجود في الماء والطِّين» [خ¦٨١٣] من «صفة الصَّلاة»: أنَّ جبريل هو المخبر له بذلك (فَالتَمِسُوهَا) اطلبوها (فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) من رمضان (فِي وِتْرٍ) من غير تعيين (فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَسْجُد) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أنِّي أسجد» (فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ) بالواو (كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَرْجِعْ) إلى مُعتكَفه ويعتكف (فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بالقاف