«أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٥٢

الحديث رقم ٢٠٥٢ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب تفسير المشبهات.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٥٢ في صحيح البخاري

«أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ، وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٢٠٥٢

٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٥٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَأَوْرَدَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ صَرَّحَ تَارَةً بِالتَّحْدِيثِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ وَثَانِيًا بِالتَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ أَبِي فَرْوَةَ مِنَ الشَّعْبِيِّ وَبِسَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنَ النُّعْمَانِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبِسَمَاعِ النُّعْمَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَمَّا لَفْظُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ: حَلَالٌ بَيِّنٌ وَحَرَامٌ بَيِّنٌ وَمُشْتَبِهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ، وَفِي آخِرِهِ: وَلِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَحِمَى اللَّهِ فِي الْأَرْضِ مَعَاصِيهِ، وَأَمَّا لَفْظُ ابْنِ عَوْنٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ - وَأَحْيَانًا يَقُولُ مُشْتَبِهَةٌ - وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا: إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ، وَأَنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَهُ، وَأَنَّهُ مَنْ يُخَالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكْ أَنْ يَجْسُرَ.

وَأَبُو فَرْوَةَ الْمَذْكُورُ هُوَ الْأَكْبَرُ وَاسْمُهُ عُرْوَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، وَلَهُمْ أَبُو فَرْوَةَ الْأَصْغَرُ الْجُهَنِيُّ الْكُوفِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْإِيمَانِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ نَفَى سَمَاعَهُ مِنَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ. . . إِلَخْ) فِيهِ تَقْسِيمُ الْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يُنَصَّ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يُنَصَّ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ لَا يُنَصَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَالْأَوَّلُ الْحَلَالُ الْبَيِّنُ، وَالثَّانِي الْحَرَامُ الْبَيِّنُ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ أَيْ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ وَيَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَالثَّالِثُ مُشْتَبِهٌ لِخَفَائِهِ فَلَا يُدْرَى هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ تَبِعَتِهَا وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَقَدْ أُجِرَ عَلَى تَرْكِهَا بِهَذَا الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَظْرًا وَإِبَاحَةً، وَالْأَوَّلَانِ قَدْ يُرَدَّانِ جَمِيعًا فَإِنْ عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ حَيِّزِ الْقَسَمِ الثَّالِثِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الشُّبْهَةُ بَعْدَ هَذَا الْبَابِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مُشْتَبِهَةٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَوَارَدَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ الْمُخَرِّجِينَ لَهُ عَلَى إِيرَادِهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ تَقَعُ فِيهَا كَثِيرًا، وَلَهُ تَعَلُّقٌ أَيْضًا بِالنِّكَاحِ وَبِالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قَالَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَنْعَ إِطْلَاقِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ عَلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ، لَكِنَّ قَوْلَهُ : لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُشْعِرُ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُهَا. وَقَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ اسْتَبَانَ أَيْ: ظَهَرَ تَحْرِيمُهُ. وَقَوْلُهُ: أَوْشَكَ أَيْ: قَرُبَ؛ لِأَنَّ مُتَعَاطِيَ الشُّبُهَاتِ قَدْ يُصَادِفُ الْحَرَامَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أَوْ يَقَعْ فِيهِ لِاعْتِيَادِهِ التَّسَاهُلَ.

٣ - بَاب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ.

وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ

٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حديثه هذا الحُميديُّ في «مسنده» عن ابن عيينة، فصرَّح فيه بتحديث أبي فروة له، وبسماع أبي فروة من الشَّعبيِّ، وبسماع الشَّعبيِّ من النُّعمان على المنبر، وبسماع النُّعمان من رسول الله .

(٣) (باب تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ) بفتح الشِّين (١) المعجمة وتشديد الموحَّدة المفتوحة، ولابن عساكر: «المشْتَبِهات (٢)» بسكون المعجمة ثم مثنَّاة فوقيَّة مفتوحة وكسر الموحَّدة، وفي بعض النُّسخ: «الشُّبُهات» بضمِّ الشِّين والموحَّدة (وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) بكسر السِّين، البصريُّ، أحد العبَّاد في زمن التَّابعين، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع: (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ، دَعْ مَا يَُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَُرِيبُكَ) بفتح الياء فيهما، من رابه يَريبُه، ويجوز الضَّمُّ من أرابه يُريبه، وهو الشَّكُّ والتَّردُّد، والمعنى هنا: إذا شككت في شيءٍ فدعْهُ، وقد روى التِّرمذيُّ من حديث عطيَّة السَّعديِّ مرفوعًا: «لا يَبْلُغُ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يَدَعَ ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأسٌ»، وهذا التَّعليق قد وصله أحمد وأبو نعيم في «الحلية»، ولفظه: اجتمع يونس بن عُبيد وحسَّان بن أبي سنان، فقال يونس: ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من الورع، فقال حسَّان: ما عالجت شيئًا أهون عليَّ (٣) منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركتُ ما يريبني إلى ما لا يريبني، فاسترحت. وقد ورد قوله: «دع ما يَُريبك إلى ما لا يَُريبك» مرفوعًا، أخرجه أحمد والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث الحسن بن عليٍّ.

٢٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا

عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين، القرشيُّ المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) زهيرٍ التَّيميُّ (١) الأحول، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه: عُبَيد الله مصغَّرًا (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) أبي (٢) سِرْوَعة (: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) لم تُسَمَّ (جَاءَتْ) في حديث «باب الرِّحلة في المسألة النَّازلة» [خ¦٨٨]: أنَّ عقبة بن الحارث تزوَّج ابنةً لأبي إهاب بن عزيزٍ، فأتت امرأةٌ (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا) أي: عقبة والتي تزوَّج بها، واسمها: غنية (فَذَكَرَ) عقبة ذلك (لِلنَّبِيِّ) (فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ) وفي نسخة بالفرع: «فتبسَّم» (النَّبِيُّ ، قَالَ: (٣) كَيْفَ) تباشرها (وَقَدْ قِيلَ): إنَّك أخوها من الرَّضاعة (٤)؟ وعند التِّرمذيِّ قال: تزوَّجتُ امرأةً، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إنِّي أرضعتكما، فأتيت النَّبيَّ فقلت: تزوَّجت فلانةَ بنت فلانٍ، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إنِّي أرضعتكما، وهي كاذبةٌ، قال: فأعرض عنِّي، فأتيتُه من قِبَلِ وجهه، فقلت: إنَّها كاذبة، قال: «وكيف بها وقد زعمت أنَّها أرضعتكما؟ دعْها عنك» أي: احتياطًا؛ لأنَّه لمَّا أخبره أعرض عنه، فلو كان حرامًا لأجابه بالتَّحريم (وَقَدْ كَانَتْ) وللمُستملي: «وكانت» (٥) (تَحْتَهُ) أي: تحت عقبة (ابْنَةُ) ولابن عساكر: «بنت» (أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ) بكسر الهمزة، واسمها: غنية، كما مرَّ.

وهذا الحديث قد سبق في العلم [خ¦٨٨].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَأَوْرَدَهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ صَرَّحَ تَارَةً بِالتَّحْدِيثِ لِابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ وَثَانِيًا بِالتَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ أَبِي فَرْوَةَ مِنَ الشَّعْبِيِّ وَبِسَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنَ النُّعْمَانِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبِسَمَاعِ النُّعْمَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَمَّا لَفْظُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ: حَلَالٌ بَيِّنٌ وَحَرَامٌ بَيِّنٌ وَمُشْتَبِهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ، وَفِي آخِرِهِ: وَلِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَحِمَى اللَّهِ فِي الْأَرْضِ مَعَاصِيهِ، وَأَمَّا لَفْظُ ابْنِ عَوْنٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ: إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ - وَأَحْيَانًا يَقُولُ مُشْتَبِهَةٌ - وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا: إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَا حَرَّمَ، وَأَنَّهُ مَنْ يَرْعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَهُ، وَأَنَّهُ مَنْ يُخَالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكْ أَنْ يَجْسُرَ.

وَأَبُو فَرْوَةَ الْمَذْكُورُ هُوَ الْأَكْبَرُ وَاسْمُهُ عُرْوَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، وَلَهُمْ أَبُو فَرْوَةَ الْأَصْغَرُ الْجُهَنِيُّ الْكُوفِيُّ وَاسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْإِيمَانِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ نَفَى سَمَاعَهُ مِنَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ. . . إِلَخْ) فِيهِ تَقْسِيمُ الْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يُنَصَّ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يُنَصَّ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ لَا يُنَصَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَالْأَوَّلُ الْحَلَالُ الْبَيِّنُ، وَالثَّانِي الْحَرَامُ الْبَيِّنُ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ أَيْ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ وَيَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَالثَّالِثُ مُشْتَبِهٌ لِخَفَائِهِ فَلَا يُدْرَى هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ تَبِعَتِهَا وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَقَدْ أُجِرَ عَلَى تَرْكِهَا بِهَذَا الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَظْرًا وَإِبَاحَةً، وَالْأَوَّلَانِ قَدْ يُرَدَّانِ جَمِيعًا فَإِنْ عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ حَيِّزِ الْقَسَمِ الثَّالِثِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الشُّبْهَةُ بَعْدَ هَذَا الْبَابِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مُشْتَبِهَةٌ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَوَارَدَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ الْمُخَرِّجِينَ لَهُ عَلَى إِيرَادِهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْمُعَامَلَاتِ تَقَعُ فِيهَا كَثِيرًا، وَلَهُ تَعَلُّقٌ أَيْضًا بِالنِّكَاحِ وَبِالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ قَالَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَنْعَ إِطْلَاقِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ عَلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ، لَكِنَّ قَوْلَهُ : لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُشْعِرُ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُهَا. وَقَوْلُهُ: فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ اسْتَبَانَ أَيْ: ظَهَرَ تَحْرِيمُهُ. وَقَوْلُهُ: أَوْشَكَ أَيْ: قَرُبَ؛ لِأَنَّ مُتَعَاطِيَ الشُّبُهَاتِ قَدْ يُصَادِفُ الْحَرَامَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أَوْ يَقَعْ فِيهِ لِاعْتِيَادِهِ التَّسَاهُلَ.

٣ - بَاب تَفْسِيرِ الْمُشَبَّهَاتِ.

وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ

٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حديثه هذا الحُميديُّ في «مسنده» عن ابن عيينة، فصرَّح فيه بتحديث أبي فروة له، وبسماع أبي فروة من الشَّعبيِّ، وبسماع الشَّعبيِّ من النُّعمان على المنبر، وبسماع النُّعمان من رسول الله .

(٣) (باب تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ) بفتح الشِّين (١) المعجمة وتشديد الموحَّدة المفتوحة، ولابن عساكر: «المشْتَبِهات (٢)» بسكون المعجمة ثم مثنَّاة فوقيَّة مفتوحة وكسر الموحَّدة، وفي بعض النُّسخ: «الشُّبُهات» بضمِّ الشِّين والموحَّدة (وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ) بكسر السِّين، البصريُّ، أحد العبَّاد في زمن التَّابعين، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع: (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ، دَعْ مَا يَُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَُرِيبُكَ) بفتح الياء فيهما، من رابه يَريبُه، ويجوز الضَّمُّ من أرابه يُريبه، وهو الشَّكُّ والتَّردُّد، والمعنى هنا: إذا شككت في شيءٍ فدعْهُ، وقد روى التِّرمذيُّ من حديث عطيَّة السَّعديِّ مرفوعًا: «لا يَبْلُغُ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يَدَعَ ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأسٌ»، وهذا التَّعليق قد وصله أحمد وأبو نعيم في «الحلية»، ولفظه: اجتمع يونس بن عُبيد وحسَّان بن أبي سنان، فقال يونس: ما عالجت شيئًا أشدَّ عليَّ من الورع، فقال حسَّان: ما عالجت شيئًا أهون عليَّ (٣) منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركتُ ما يريبني إلى ما لا يريبني، فاسترحت. وقد ورد قوله: «دع ما يَُريبك إلى ما لا يَُريبك» مرفوعًا، أخرجه أحمد والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث الحسن بن عليٍّ.

٢٠٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا

عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح السِّين، القرشيُّ المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) زهيرٍ التَّيميُّ (١) الأحول، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه: عُبَيد الله مصغَّرًا (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ) أبي (٢) سِرْوَعة (: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ) لم تُسَمَّ (جَاءَتْ) في حديث «باب الرِّحلة في المسألة النَّازلة» [خ¦٨٨]: أنَّ عقبة بن الحارث تزوَّج ابنةً لأبي إهاب بن عزيزٍ، فأتت امرأةٌ (فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا) أي: عقبة والتي تزوَّج بها، واسمها: غنية (فَذَكَرَ) عقبة ذلك (لِلنَّبِيِّ) (فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ) وفي نسخة بالفرع: «فتبسَّم» (النَّبِيُّ ، قَالَ: (٣) كَيْفَ) تباشرها (وَقَدْ قِيلَ): إنَّك أخوها من الرَّضاعة (٤)؟ وعند التِّرمذيِّ قال: تزوَّجتُ امرأةً، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إنِّي أرضعتكما، فأتيت النَّبيَّ فقلت: تزوَّجت فلانةَ بنت فلانٍ، فجاءتنا امرأةٌ سوداء فقالت: إنِّي أرضعتكما، وهي كاذبةٌ، قال: فأعرض عنِّي، فأتيتُه من قِبَلِ وجهه، فقلت: إنَّها كاذبة، قال: «وكيف بها وقد زعمت أنَّها أرضعتكما؟ دعْها عنك» أي: احتياطًا؛ لأنَّه لمَّا أخبره أعرض عنه، فلو كان حرامًا لأجابه بالتَّحريم (وَقَدْ كَانَتْ) وللمُستملي: «وكانت» (٥) (تَحْتَهُ) أي: تحت عقبة (ابْنَةُ) ولابن عساكر: «بنت» (أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ) بكسر الهمزة، واسمها: غنية، كما مرَّ.

وهذا الحديث قد سبق في العلم [خ¦٨٨].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله