«بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣

الحديث رقم ٢٣ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣ في صحيح البخاري

«بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ

⦗١٤⦘

عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الدِّينَ».

بَابٌ: الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٣

٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَقَلَّ مِنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مَثَلٌ لِيَكُونَ عِيَارًا فِي الْمَعْرِفَةِ لَا فِي الْوَزْنِ ; لِأَنَّ مَا يُشْكِلُ فِي الْمَعْقُولُ يُرَدُّ إِلَى الْمَحْسُوسِ لِيُفْهَمَ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْوَزْنُ لِلصُّحُفِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَيَقَعُ وَزْنُهَا عَلَى قَدْرِ أُجُورِ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ تُجَسَّدَ الْأَعْرَاضُ فَتُوزَنُ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِالشَّرْعِ لَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِحَبَّةِ الْخَرْدَلِ هُنَا مَا زَادَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ، لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَمِلَ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً. وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذَا يَقَعُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

قَوْلُهُ: (فِي نَهَرِ الْحَيَاءِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْمَدِّ، وَلِكَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا بِالْقَصْرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَا بِهِ تَحْصُلُ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَا بِالْقَصْرِ هُوَ الْمَطَرُ، وَبِهِ تَحْصُلُ حَيَاةُ النَّبَاتُ، فَهُوَ أَلْيَقُ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ مِنَ الْحَيَاءِ الْمَمْدُودِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَجَلِ.

قَوْلُهُ: (الْحِبَّةُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ: الْحِبَّةُ جَمْعُ بُزورِ النَّبَاتِ وَاحِدَتُهَا حَبَّةٌ بِالْفَتْحِ، وَأَمَّا الْحِبُّ فَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، وَاحِدَتُهَا حَبَّةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي الْجَمْعِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهَى: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بُزورُ الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وُهَيْبٌ) أَيِ: ابْنُ خَالِدٍ (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) أَيِ: ابْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ الْمَذْكُورُ.

قَوْلُهُ: (الْحَيَاةِ) بِالْخَفْضِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ وُهَيْبًا وَافَقَ مَالِكًا فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِسَنَدِهِ، وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ وَلَمْ يَشُكَّ كَمَا شَكَّ مَالِكٌ.

(فَائِدَةٌ): أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فَأَبْهَمَ الشَّاكَّ، وَقَدْ يُفَسَّرُ هُنَا (١).

قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) هُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيْضًا، أَيْ: وَقَالَ وُهَيْبٌ فِي رِوَايَتِهِ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ، فَخَالَفَ مَالِكًا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ. وَقَدْ سَاقَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ وُهَيْبٍ هَذَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْبٍ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِ مَالِكٍ ; لَكِنَّهُ قَالَ: مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، فَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِهَذَا، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ وُهَيْبٍ، فَقَالَ: مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ كَمَا عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُرَادُهُ لَا لَفْظُ مُوسَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ هَذَا، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَوَجْهُ مُطَابَقَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ بِإِيرَادِهِ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ ضَرَرِ الْمَعَاصِي مَعَ الْإِيمَانِ، وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ مُوجِبَةٌ لِلْخُلُودِ.

٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ.

[الحديث ٢٣ - أطرافه في: ٧٠٠٩، ٧٠٠٨، ٣٦٩١]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ أَبُو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ وَأَبُوهُ بِالتَّصْغِيرِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنِ كَيْسَانَ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) هُوَ ابْنُ حُنَيْفٍ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبُو أُمَامَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِشَرَفِ الرُّؤْيَةِ، وَمِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن محمَّد بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ، مولى عثمان بن عفَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة التَّابعيُّ الجليل المدنيُّ (١)، المُتوفَّى ببغداد سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ صَالِحٍ) أبي محمَّد بن كيسان الغفاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى بعد أن بلغ من العمر مئة وستِّين سنةً، وابتدأ بالتَّعلُّم وهو ابن تسعين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) بضمِّ الهمزة، أسعد، المُختلَف في صحبته، ولم يصحَّ له سماعٌ، المذكور في الصَّحابة لشرف الرُّؤية (بْنِ سَهْلٍ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت زيادة: «ابن حُنيفٍ» بضمِّ المُهمَلَة، المُتوفَّى سنة مئةٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ) حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ) مِنَ الرُّؤيا الحُلْميَّة على الأظهر، أو: مِنَ الرُّؤية البصريَّة، فتنصب (٢) مفعولًا واحدًا وهو «النَّاس»، وحينئذٍ فيكون قوله: (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) جملة حاليَّة، أو عَلَميَّة؛ مِنَ الرَّأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: «النَّاس يعرضون عليَّ» أي: يظهرون لي (وَعَلَيْهِمْ

قُمُصٌ) -بضمِّ الأَوَّلَين- جمع قميصٍ، والواو للحال (مِنْهَا) أي: من القُمُص (مَا) أي: الذي (يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضمِّ المُثلَّثة وكسر المُهملَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع ثديٍ، يُذكَّر ويُؤنَّث، للمرأة والرَّجل، والحديث يَرِدُ على مَن خصَّه بها، وهو هنا نُصِبَ مفعولَ «يبلغ»، والجارُّ والمجرور خبر المبتدأ الذي هو «الموصول»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «الثَّدْي» بفتح المُثلَّثة وإسكان الدَّال (وَمِنْهَا) أي: من القُمُص (مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: لم يصل إلى الثَّدي لقِصَره (وَعُرِضَ عَلَيَّ) بضمِّ العين وكسر الرَّاء مَبنيًّا للمفعول (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) لطوله (قَالُوا) أي: الصَّحابة، ولابن عساكر في نسخةٍ «قال» أي: عمر بن الخطَّاب أو غيره، أو السَّائل أبو بكرٍ الصِّدِّيق، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «التَّعبير» [خ¦٧٠٠٩] (فَمَا أَوَّلْتَ) فما عبَّرتَ (ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) : أوَّلتُ (الدِّينَ) -بالنَّصب- معمول «أوَّلتُ»، ولا يلزم منه أفضليَّة الفاروق على الصِّدِّيق؛ إذِ القسمة غير حاصرةٍ؛ إذ يجوز رابعٌ، وعلى تقدير الحصر فلم يخصَّ الفاروق بالثَّالث ولم يقصره عليه، ولئن سلَّمنا التَّخصيص به فهو مُعارَضٌ بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التَّواتر المعنويِّ، الدَّالةِ على أفضليَّة الصِّدِّيق، فلا تُعارِضها الآحاد، ولئن سلَّمنا التَّساويَ بين الدَّليلين، لكن إجماع أهل السُّنَّة والجماعة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَقَلَّ مِنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مَثَلٌ لِيَكُونَ عِيَارًا فِي الْمَعْرِفَةِ لَا فِي الْوَزْنِ ; لِأَنَّ مَا يُشْكِلُ فِي الْمَعْقُولُ يُرَدُّ إِلَى الْمَحْسُوسِ لِيُفْهَمَ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْوَزْنُ لِلصُّحُفِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَيَقَعُ وَزْنُهَا عَلَى قَدْرِ أُجُورِ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ أَنْ تُجَسَّدَ الْأَعْرَاضُ فَتُوزَنُ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ بِالشَّرْعِ لَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِحَبَّةِ الْخَرْدَلِ هُنَا مَا زَادَ مِنَ الْأَعْمَالِ عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ، لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَمِلَ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً. وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذَا يَقَعُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

قَوْلُهُ: (فِي نَهَرِ الْحَيَاءِ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْمَدِّ، وَلِكَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا بِالْقَصْرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ مَا بِهِ تَحْصُلُ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَا بِالْقَصْرِ هُوَ الْمَطَرُ، وَبِهِ تَحْصُلُ حَيَاةُ النَّبَاتُ، فَهُوَ أَلْيَقُ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ مِنَ الْحَيَاءِ الْمَمْدُودِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَجَلِ.

قَوْلُهُ: (الْحِبَّةُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ: الْحِبَّةُ جَمْعُ بُزورِ النَّبَاتِ وَاحِدَتُهَا حَبَّةٌ بِالْفَتْحِ، وَأَمَّا الْحِبُّ فَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، وَاحِدَتُهَا حَبَّةٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي الْجَمْعِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهَى: الْحِبَّةُ بِالْكَسْرِ بُزورُ الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَيْسَ بِقُوتٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وُهَيْبٌ) أَيِ: ابْنُ خَالِدٍ (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) أَيِ: ابْنُ يَحْيَى الْمَازِنِيُّ الْمَذْكُورُ.

قَوْلُهُ: (الْحَيَاةِ) بِالْخَفْضِ عَلَى الْحِكَايَةِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ وُهَيْبًا وَافَقَ مَالِكًا فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بِسَنَدِهِ، وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ وَلَمْ يَشُكَّ كَمَا شَكَّ مَالِكٌ.

(فَائِدَةٌ): أَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فَأَبْهَمَ الشَّاكَّ، وَقَدْ يُفَسَّرُ هُنَا (١).

قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) هُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ أَيْضًا، أَيْ: وَقَالَ وُهَيْبٌ فِي رِوَايَتِهِ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ، فَخَالَفَ مَالِكًا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ. وَقَدْ سَاقَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَ وُهَيْبٍ هَذَا فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ وُهَيْبٍ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِنْ سِيَاقِ مَالِكٍ ; لَكِنَّهُ قَالَ: مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ، فَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِهَذَا، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ وُهَيْبٍ، فَقَالَ: مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ كَمَا عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُرَادُهُ لَا لَفْظُ مُوسَى. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ هَذَا، لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ، وَوَجْهُ مُطَابَقَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ بِإِيرَادِهِ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ ضَرَرِ الْمَعَاصِي مَعَ الْإِيمَانِ، وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ مُوجِبَةٌ لِلْخُلُودِ.

٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ.

[الحديث ٢٣ - أطرافه في: ٧٠٠٩، ٧٠٠٨، ٣٦٩١]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ أَبُو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ وَأَبُوهُ بِالتَّصْغِيرِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحٍ) هُوَ ابْنِ كَيْسَانَ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ) هُوَ ابْنُ حُنَيْفٍ كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبُو أُمَامَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِشَرَفِ الرُّؤْيَةِ، وَمِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ يَكُونُ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ أَوْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، ابن محمَّد بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ المدنيُّ، مولى عثمان بن عفَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم ابن عبد الرَّحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة التَّابعيُّ الجليل المدنيُّ (١)، المُتوفَّى ببغداد سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ صَالِحٍ) أبي محمَّد بن كيسان الغفاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى بعد أن بلغ من العمر مئة وستِّين سنةً، وابتدأ بالتَّعلُّم وهو ابن تسعين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) بضمِّ الهمزة، أسعد، المُختلَف في صحبته، ولم يصحَّ له سماعٌ، المذكور في الصَّحابة لشرف الرُّؤية (بْنِ سَهْلٍ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت زيادة: «ابن حُنيفٍ» بضمِّ المُهمَلَة، المُتوفَّى سنة مئةٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الخُدْرِيَّ) حال كونه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : بَيْنَا) بغير ميمٍ (أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ) مِنَ الرُّؤيا الحُلْميَّة على الأظهر، أو: مِنَ الرُّؤية البصريَّة، فتنصب (٢) مفعولًا واحدًا وهو «النَّاس»، وحينئذٍ فيكون قوله: (يُعْرَضُونَ عَلَيَّ) جملة حاليَّة، أو عَلَميَّة؛ مِنَ الرَّأي، وحينئذٍ فتطلب مفعولين؛ وهما: «النَّاس يعرضون عليَّ» أي: يظهرون لي (وَعَلَيْهِمْ

قُمُصٌ) -بضمِّ الأَوَّلَين- جمع قميصٍ، والواو للحال (مِنْهَا) أي: من القُمُص (مَا) أي: الذي (يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بضمِّ المُثلَّثة وكسر المُهملَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، جمع ثديٍ، يُذكَّر ويُؤنَّث، للمرأة والرَّجل، والحديث يَرِدُ على مَن خصَّه بها، وهو هنا نُصِبَ مفعولَ «يبلغ»، والجارُّ والمجرور خبر المبتدأ الذي هو «الموصول»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «الثَّدْي» بفتح المُثلَّثة وإسكان الدَّال (وَمِنْهَا) أي: من القُمُص (مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: لم يصل إلى الثَّدي لقِصَره (وَعُرِضَ عَلَيَّ) بضمِّ العين وكسر الرَّاء مَبنيًّا للمفعول (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) لطوله (قَالُوا) أي: الصَّحابة، ولابن عساكر في نسخةٍ «قال» أي: عمر بن الخطَّاب أو غيره، أو السَّائل أبو بكرٍ الصِّدِّيق، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في «التَّعبير» [خ¦٧٠٠٩] (فَمَا أَوَّلْتَ) فما عبَّرتَ (ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) : أوَّلتُ (الدِّينَ) -بالنَّصب- معمول «أوَّلتُ»، ولا يلزم منه أفضليَّة الفاروق على الصِّدِّيق؛ إذِ القسمة غير حاصرةٍ؛ إذ يجوز رابعٌ، وعلى تقدير الحصر فلم يخصَّ الفاروق بالثَّالث ولم يقصره عليه، ولئن سلَّمنا التَّخصيص به فهو مُعارَضٌ بالأحاديث الكثيرة البالغة درجة التَّواتر المعنويِّ، الدَّالةِ على أفضليَّة الصِّدِّيق، فلا تُعارِضها الآحاد، ولئن سلَّمنا التَّساويَ بين الدَّليلين، لكن إجماع أهل السُّنَّة والجماعة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده