عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٣٤

الحديث رقم ٢٧٣٤ من كتاب «كتاب الشروط» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الشروط في القرض.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ﷺ أنه ذكر رجلا سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه…

عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ إِذَا أَجَّلَهُ فِي الْقَرْضِ جَازَ.

سند حديث: بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ.٢٧٣٤…

بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ.

٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: ﷺ أنه ذكر رجلا سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه…

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من بني اسرائيل طلب من رجل آخر من بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار، فقال له الرجل: ائتني بشهيد يشهد أنك أخذت مني ألف دينار. فقال له الرجل الذي يريد السلف: «كفى بالله شهيدًا» أي: يكفيك ويكفيني أن يكون الله شهيدًا علينا. فقال الرجل له: فائتني بضامن يضمنك. فقال: «كفى بالله كفيلاً» أي: يكفيك أن يكون الله هو الضامن. فقال له: صدقت. فأعطاه الألف دينار إلى وقت محدد. فخرج الذي استلف فركب البحر بالمال يتجر فيه، فلما جاء الموعد المحدَّد لسداد الدَّين بحث عن مركب يركبها حتى يقدم على الذي أسلفه، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فحفرها وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه وكتب إليه: من فلان إلى فلان، إني دفعت مالك إلى وكيل توكل بي. ثم سوَّى موضع الحفر وأصلحه، ثم أتى بالخشبة إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني اجتهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له في ذمتي فلم أقدر على تحصيلها، وإني أتركها عندك وديعة وأمانة. ثم رمى بها في البحر حتى دخلت فيه، ثم انصرف ولكنه ظل أيضًا يبحث عن مركب ليذهب إلى بلد الذي أسلفه بألف دينار أخرى؛ ظنا منه أن فعله الأول غير كاف، أما الرجل صاحب المال فخرج في الموعد ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله الذي أسلفه للرجل، كأن يكون أرسله مع شخص أو جاء به بنفسه، فلم يجد مركبًا، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله يجعلها حطبًا للإيقاد، وهو لا يعلم أن المال فيها، فلما قطعها بالمنشار، وجد المال الذي له والصحيفة التي كتبها الرجل إليه بذلك، ثم جاء الرجل الذي استلف فأتى بالألف دينار الأخرى، فقال للذي أسلفه: والله لقد اجتهدت في البحث عن مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال الذي أسلفه: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ فقال: أُخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئتُ فيه. قال الرجل الذي أسلفه: إن الله قد أدَّى عنك الألف دينار التي بعثت بها في الخشبة. فانصرف بالألف الدينار الأخرى التي أتيت بها راشدًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز أن يقرض الرجلُ الرجل الفقير بغير كفيل ولا شاهد؛ اكتفاًء بشهادة الله -عز وجل-، واتكالاً عليه، ولا يكون ذلك مفرطًا ولا مضيعًا.
  • جواز أن يقترض الفقير المال الكثير توكلاً على أن الله -سبحانه وتعالى- يُثَمِّره في يده، ويسهل له سداد دينه من ربحه.
  • جواز الاستسلاف، وشغل الذمة بما يتخذه الرجل بضاعة يسعى فيها.
  • من توكل على الله فإنه ينصره، فالذي نقر الخشبة وتوكل حفظ الله -تعالى- ماله، والذي أسلفه وقنع بالله كفيلا أوصل الله -تعالى- ماله إليه.
  • أن الله -تعالى- متكفل بعون من أراد أداء الأمانة، وأن الله يجازي أهل الإرفاق بالمال بحفظه عليهم مع أجر الآخرة، كما حفظه على المسلف.
  • جواز دخول الآجال في القرض.
  • جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة.
  • الكفيل والشهيد من الأسماء الحسنى.
  • فيه إثبات كرامات الأولياء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ﷺ أنه ذكر رجلا سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ وَقَدْ بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا لَمَّا نَزَلَتْ حَكَمَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِذَا جَاءَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدَّ الصَّدَاقُ إِلَى زَوْجِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَأَتَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَأَقَرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾

قَوْلُهُ: (وَالْعَقِبُ إِلَخْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا) هُوَ كَلَامُ الزُّهْرِيِّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الْمعَاقبَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي الْجَانِبِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَرَّتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ ارْتَدَّتْ وَفَرَّتْ مِنْ زَوْجِهَا عِيَاضِ بْنِ شَدَّادٍ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ وَلَمْ يَرْتَدَّ مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرُهَا، وَلَكِنَّهَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ ثَقِيفٍ حِينَ أَسْلَمُوا، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَاجَرَتْ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَنَاسِكِ: مِنْهَا أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ، وَأَنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ وَسَوْقَهِ سُنَّةٌ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ فَرْضًا كَانَ أَوْ سُنَّةً، وَأَنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ لَا مُثْلَةٌ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَأَنَّهُ نُسُكٌ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ مَحْصُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْصُورٍ، وَأَنَّ الْمُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْحَرَمِ، وَيُقَاتِلُ مَنْ صَدَّهُ عَنِ الْبَيْتِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ تَرْكُ الْمُقَاتَلَةِ إِذَا وَجَدَ إِلَى الْمُسَالَمَةِ طَرِيقًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَسْطُ أَكْثَرِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَفِيهِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْجِهَادِ: مِنْهَا جَوَازُ سَبْيِ ذَرَارِيِّ الْكُفَّارِ إِذَا انْفَرَدُوا عَنِ الْمُقَاتِلَةِ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الْقِتَالِ.

وَفِيهِ الِاسْتِتَارُ عَنْ طَلَائِعِ الْمُشْرِكِينَ، وَمُفَاجَأَتُهُمْ بِالْجَيْشِ لِطَلَبِ غِرَّتِهِمْ، وَجَوَازُ التَّنَكُّبِ عَنِ الطَّرِيقِ السَّهْلِ إِلَى الطَّرِيقِ الْوَعْرِ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الطَّلَائِعِ وَالْعُيُونِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ، وَالْأَخْذُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الْعَدُوِّ لِئَلَّا يَنَالُوا غِرَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَوَازُ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ، وَالتَّعْرِيضِ بِذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضْلُ الِاسْتِشَارَةِ لِاسْتِخْرَاجِ وَجْهِ الرَّأْيِ وَاسْتِطَابَةِ قُلُوبِ الْأَتْبَاعِ، وَجَوَازُ بَعْضِ الْمُسَامَحَةِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَاحْتِمَالِ الضَّيْمِ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَادِحًا فِي أَصْلِهِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلسَّلَامَةِ فِي الْحَالِ وَالصَّلَاحِ فِي الْمَآلِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قُوَّتِهِمْ، وَأَنَّ التَّابِعَ لَا يَلِيقُ بِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْبُوعِ بِمُجَرَّدِ مَا يَظْهَرُ فِي الْحَالِ بَلْ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ، لِأَنَّ الْمَتْبُوعَ أَعْرَفُ بِمَآلِ الْأُمُورِ غَالِبًا بِكَثْرَةِ التَّجْرِبَةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَنْ هُوَ مُؤَيَّدٌ بِالْوَحْيِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ الْكَافِرِ إِذَا قَامَتِ الْقَرِينَةُ عَلَى صِدْقِهِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الْخُزَاعِيَّ الَّذِي بَعَثَهُ النَّبِيُّ عَيْنًا لَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ كَانَ حِينَئِذٍ كَافِرًا، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ لِذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ لِيَكُونَ أَمْكَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِمْ وَالِاخْتِلَاطِ بِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ، قَالَ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ قَبُولِ قَوْلِ الطَّبِيبِ الْكَافِرِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُزَاعِيُّ الْمَذْكُورُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَشْتَهِرْ إِسْلَامُهُ حِينَئِذٍ، فَلَيْسَ مَا قَالَهُ دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

١٦ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ

٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٦) (بابُ الشُّرُوطِ فِي القَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (: إِذَا أَجَّلَهُ) إلى أجل معلوم (فِي القَرْضِ جَازَ) أي: التأجيل، أي: صحَّ القرض بشرطه، وهذا قد سبق معناه في «باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى» [خ¦٢٤٠٤] (١).

٢٧٣٤ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، فيما وصله في «باب (٢) التِّجارة في البحر» [خ¦٢٠٦٣] من رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «فقال: حدَّثني عبد الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيث» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حسنة، القرشيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ فَدَفَعَهَا) المسلِف (إِلَيْهِ) أي: إلى المستسلف (٣) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) معلومٍ، والَّذي أسلف (٤) هو النَّجاشيُّ، كما سمَّاه في «مسند الصَّحابة الَّذين نزلوا مصرَ» لمحمَّد بن الرَّبيع الجيزيِّ بإسنادٍ له فيه مجهول من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص مرفوعًا.

والحديث سبق تامًّا في «باب الكفالة في القرض» [خ¦٢٢٩١] وهذا الباب جميعُه ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، ساقطٌ لغيرهما، وقال في «الفتح»: إنَّه ساقطٌ للنَّسفيِّ، لكنْ زاد في التَّرجمة الَّتي تليه، فقال: «باب الشُّروط في القرض والمكاتب … » إلى آخره، وفي «الفرع» كأصله: علامةُ تأخير الحديث عن الأثر.

(١٧) (بابُ) حكم (المُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ) أي: حكم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

امْرَأَته مَاتَت قبل أَن يَحْنَث، وَلَو مَاتَ قبلهَا حنث وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاث، لِأَنَّهُ فار، وَلَو قَالَ لَهَا: أَنْت طَالِق إِن لم تأت الْبَصْرَة، فَمَاتَ، فَلَيْسَ لَهَا مِيرَاث، وَإِن مَاتَ قبلهَا حنث، وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاث لِأَنَّهُ فار. وَفِيه قَول سادس: حَكَاهُ أَبُو عبيد عَن بعض أهل النّظر، قَالَ: إِن أَخذ الْحَالِف فِي التأهب لما خلف عَلَيْهِ وَالسَّعْي فِيهِ حِين تكلم بِالْيَمِينِ حَتَّى يكون مُتَّصِلا بِالْبرِّ وإلَاّ فَهُوَ حانث عِنْد ترك ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن من لم يحدَّ ليمينه أَََجَلًا أَنه على يَمِينه، وَلَا يَحْنَث إِن وقف عَن الْفِعْل الَّذِي حلف بِفِعْلِهِ. وَفِيه: جَوَاز مُشَاورَة النِّسَاء ذَوَات الْفضل والرأي. وَفِيه: أَن من جَاءَ إِلَى غير بلد الإِمَام لَيْسَ على الإِمَام رده. وَفِيه: جَوَاز قيام النَّاس على رَأس الإِمَام بِالسَّيْفِ مَخَافَة الْعَدو، وَأَن الإِمَام إِذا جَفا عَلَيْهِ أحد لزم ذَلِك الْقَائِم تَغْيِيره بِمَا أمكنه. وَفِيه: فضل أبي بكر على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي جَوَابه لَهُ بِمَا أجَاب بِهِ سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوَاء. وَفِيه: جَوَاز السّفر وَحده للْحَاجة. وَفِيه: جَوَاز الحكم على الشَّيْء بِمَا عرف من عَادَته. وَفِيه: جَوَاز التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِالْمَصْلَحَةِ بِغَيْر إِذْنه الصَّرِيح إِذا كَانَ سبق مِنْهُ مَا يدل على الرِّضَا بذلك. وَفِيه: تَأْكِيد القَوْل بِالْيَمِينِ ليَكُون أدعى إِلَى الْقبُول. وَقَالَ ابْن الْقيم فِي (الْهَدْي) : وَقد حفظ عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْحلف فِي أَكثر من ثَمَانِينَ موضعا) . وَفِيه: استنصاح بعض المعاهدين وَأهل الذِّمَّة إِذا دلّت الْقَرَائِن على نصحهمْ وَشهِدت التجربة بإيثارهم أهل الْإِسْلَام على غَيرهم، وَلَو كَانُوا من أهل دينهم. وَفِيه: جَوَاز استنصاح بعض مُلُوك الْعَدو استظهاراً على غَيرهم، وَلَا يعد ذَلِك من مُوالَاة الْكفَّار وَلَا من موادة أَعدَاء الله تَعَالَى. بل من قبيل استخدامهم وتقليل شَوْكَة جمعهم وإنكار بَعضهم بِبَعْض، وَلَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز الِاسْتِعَانَة بالمشركين على الْإِطْلَاق. وَفِيه: أَن الْحَرْبِيّ إِذا أتلف مَال الْحَرْبِيّ لم يكن عَلَيْهِ ضَمَانه، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة. وَفِيه: طَهَارَة النخامة وَالشعر الْمُنْفَصِل، وَالشَّافِعِيَّة يحكمون بِنَجَاسَة الشّعْر الْمُنْفَصِل، وَمِنْهُم من بَالغ حَتَّى كَاد أَن يخرج من الْإِسْلَام، فَقَالَ: وَفِي شعر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجْهَان، نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من هَذَا الضلال. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين من الْأَشْيَاء الطاهرة. وَفِيه: جَوَاز المخادعة فِي الْحَرْب وَإِظْهَار إِرَادَة الشَّيْء وَالْمَقْصُود غَيره. وَفِيه: أَن كثيرا من الْمُشْركين كَانُوا يعظمون حرمات الْإِحْرَام وَالْحرم، وَيُنْكِرُونَ من يصد عَن ذَلِك، تمسكاً مِنْهُم ببقايا من دين إِبْرَاهِيم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: فضل المشورة، وَأَن الْفِعْل إِذا انْضَمَّ إِلَى القَوْل كَانَ أبلغ من القَوْل الْمُجَرّد، وَلَيْسَ فِيهِ أَن الْفِعْل مُطلقًا أبلغ من القَوْل. وَفِيه: أَن للْمُسلمِ الَّذِي يَجِيء من دَار الْحَرْب فِي زمن الْهُدْنَة قتل من جَاءَ فِي طلب رده إِذا شَرط لَهُم ذَلِك، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يُنكر على أبي بَصِير قَتله العامري، وَلَا أَمر فِيهِ بقود وَلَا دِيَة.

٦١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي القروض.

٤٣٧٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جعْفَرُ بنُ رَبيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاٍ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أنْ يُسْلِفَهُ ألْفَ دِينار فدَفَعَهَا إلَيْهِ إِلَى أجَلٍ مُسَمَّى..

مضى هَذَا الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي: بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَذكر هُنَا طرفا مِنْهُ لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَسقط جَمِيع ذَلِك فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَلَكِن زَاد فِي التَّرْجَمَة الَّتِي تليه: بَاب الشُّرُوط فِي الْقَرْض وَالْمكَاتب ... إِلَى آخِره.

وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما وعَطاءٌ إذَا أجَلَهُ فِي القَرْضِ جازَ

مضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْقَرْض فِي: بَاب إِذا أقْرضهُ إِلَى أجل مُسَمّى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَعَ بَيَان الْخلاف فِيهِ.

٧١ - (بابُ المَكاتب وَمَا لَا يحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ الله تعَالى)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمكَاتب، وَقد تقدم فِي كتاب الشُّرُوط: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَقَوله هُنَا: بَاب الْمكَاتب، أَعم من ذَلِك، وَقد تقدم أَيْضا فِي كتاب الْعتْق: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَمن اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله. وَحَدِيث الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة وَاحِد، وتكرار التراجم لَا يدل على زِيَادَة فَائِدَة إلَاّ فِي شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَنه فسر قَوْله: لَيْسَ فِي كتاب الله، بقوله: (الَّتِي تخَالف كتاب الله) لِأَن المُرَاد بِكِتَاب الله حكمه، وَحكمه تَارَة يكون بطرِيق النَّص وَتارَة يكون بطرِيق الإستنباط مِنْهُ، وكل مَا لم يكن من ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لما فِي كتاب الله.

وَقَالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان الثَّوْريّ فِي كتاب الْفَرَائِض لَهُ من طَرِيق مُجَاهِد عَن جَابر، وَالْمعْنَى: شُرُوط المكاتبين وساداتهم مُعْتَبرَة بَينهم.

وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أوْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كُلُّ شَرْطٍ خالَفَ كِتابَ الله فَهْوَ باطلٌ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ

هَكَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَقَالَ ابْن عمر، فَقَط. وَلم يقل: أَو عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله يُقالُ عنْ كِلَيْهِمَا عنْ عُمَرَ وابنِ عُمَرَ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن كليهمَا) أَي: عَن عمر وَعَن ابْنه عبد الله، وَقد تقدم فِيمَا مضى فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي قصَّة بَرِيرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط، قَضَاء الله أَحَق، وَشرط الله أوثق) . وَيَأْتِي الْآن أَيْضا فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْمعْنَى: كل شَرط لَيْسَ فِي حكم الله وقضائه فِي كِتَابه أَو سنة رَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ بَاطِل.

٥٣٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْألُهَا فِي كِتَابَتِهَا فقالَتْ إنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ ويَكُونُ الوَلاءُ لي فلَمَّا جاءَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَّرْتُهُ ذلِكَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْتاعِيهَا فأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى المِنْبَرِ فَقَالَ مَا بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فلَيْسَ لَهُ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ..

قد تقدم هَذَا الحَدِيث غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَآخر مَا ذكر فِي أَوَاخِر كتاب الْعتْق.

٨١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الإشْتِرَاطَ والثُّنْيا فِي الإقْرَارِ والشُّرُوطِ الَّتِي يتَعَارَفها النَّاسُ بَيْنَهُمْ وإذَا قَالَ مائَةً إلَاّ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الِاشْتِرَاط. وَقَالَ ابْن بطال: وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب مَا لَا يجوز فِي الِاشْتِرَاط والثنيا، قَالَ: وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: بَاب مَا يجوز، والْحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ بعد يدل على صِحَّته. قَوْله: (والثنيا) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مَقْصُور أَي: الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ اسْتثِْنَاء قليلٍ من كثير، أَو بِالْعَكْسِ، فَالْأول لَا خلاف فِيهِ أَنه يجوز، وَالثَّانِي مُخْتَلف فِيهِ. وَحَدِيث الْبَاب يدل على جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَهَذَا جَائِز عِنْد أهل اللُّغَة وَالْفِقْه والْحَدِيث قَالَ الدَّاودِيّ: أَجمعُوا على من اسْتثْنى فِي إِقْرَاره مَا بَقِي بعده بَقِيَّة مَا أقرّ بِهِ أَن لَهُ ثنياه، فَإِذا

قَالَ لَهُ: عَليّ ألف إلَاّ تِسْعمائَة وَتِسْعَة وتسعية، صَحَّ وَلَزِمَه وَاحِد. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إلَاّ ثِنْتَيْنِ، لقَوْله تَعَالَى: {فَلبث فيهم ألف سنة إلَاّ خمسين عَاما} (العنكبوت: ٤١) . قَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره الدَّاودِيّ أَنه إِجْمَاع لَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن هُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن قولا ثَالِثا فِي قَوْله: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إلَاّ ثِنْتَيْنِ، أَنه يلْزمه ثَلَاث، وَذكر القَاضِي فِي معونته عَن عبد الْملك وَغَيره أَنه يَقُول: لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، واحتجاج الدَّاودِيّ بِهَذِهِ الْآيَة غير بَين، وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ من اتبعك من الغاوين} (الْحجر: ٢٤) . وَقَوله: {إلَاّ عِبَادك مِنْهُم المخلصين} (الْحجر: ٥١، وص: ٣٨) . فَإِن جعلت: المخلصين، الْأَكْثَر فقد استثناهم، وَإِن جعلت: الغاوين الْأَكْثَر فقد استثناهم أَيْضا، وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج، فَإِذا جَازَ إِخْرَاج الْأَقَل جَازَ إِخْرَاج الْأَكْثَر، وَمذهب الْبَصرِيين من أهل اللُّغَة وَابْن الْمَاجشون: الْمَنْع، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ حَيْثُ أَدخل هَذَا الحَدِيث هُنَا باستثناء الْقَلِيل من الْكثير. قَوْله: (والشروط) ، أَي: وَفِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي يتعارفها النَّاس بَينهم، نَحْو: أَن يَشْتَرِي نعلا أَو شراكاً بِشَرْط أَن يحذوه البَائِع، أَو اشْترى أديماً بِشَرْط أَن يخرز لَهُ خفاً، أَو اشْترى قلنسوة بِشَرْط أَن يبطنه البَائِع، فَإِن هَذِه الشُّرُوط كلهَا جَائِزَة، لِأَنَّهُ مُتَعَارَف متعامل بَين النَّاس، وَفِيه خلاف زفر، وَكَذَا لَو اشْترى شَيْئا وَشرط أَن يرهنه بِالثّمن رهنا، وَسَماهُ أَو يُعْطِيهِ كَفِيلا وَسَماهُ وَالْكَفِيل حَاضر وَقَبله، وَكَذَلِكَ: الْحِوَالَة، جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر، وَأما الشُّرُوط الَّتِي لَا يتعارفها النَّاس فباطلة، نَحْو مَا إِذا اشْترى حِنْطَة وَشرط على البَائِع طحنها أَو حملانها إِلَى منزله، أَو اشْترى دَارا على أَن يسكنهَا شهرا، فَإِن ذَلِك كُله لَا يَصح لعدم التعارف والتعامل. قَوْله: (وَإِذا قَالَ مائَة إلَاّ وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اخْتِيَاره جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَعدم جَوَاز عَكسه، وَذكر بِهَذَا صُورَة اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، نَحْو مَا إِذا قَالَ: لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم، مثلا، إلَاّ وَاحِدَة أَو الإثنتين، فَإِنَّهُ يَصح، وَيلْزمهُ فِي قَوْله: إلَاّ وَاحِدَة، تِسْعَة وَتسْعُونَ درهما. وَفِي قَوْله إِلَّا اثْنَتَيْنِ: يلْزمه ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ درهما.

وَقَالَ ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرينَ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لَكَرِيِّهِ أدْخِلْ رِكَابَكَ فإنْ لَمْ أرْحَلْ معَكَ يَوْمَ كَذَا وكَذَا فَلَكَ مائَةُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ شُرَيْحٌ منْ شَرَطَ علَى نَفْسِهِ طائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ

ابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَشُرَيْح هُوَ القَاضِي. قَوْله: (لكريه) بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، على وزن فعيل هُوَ المكاري، قَوْله: (ادخل) من الإدخال وركابك مَنْصُوب بِهِ، والركاب، بِكَسْر الرَّاء: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا والواحدة: رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (فَلم يخرج) ، أَي: لم يرحل مَعَه، يلْزمه مائَة دِرْهَم عِنْد شُرَيْح، وَهُوَ معنى قَوْله: قَالَ شُرَيْح: من شَرط على نَفسه طَائِعا، أيَّ حَال كَونه طَائِعا مُخْتَارًا غير مكره عَلَيْهِ، فَهُوَ أَي الشَّرْط الَّذِي شَرط عَلَيْهِ أَي يلْزمه، وَفِي هَذَا خَالف النَّاس شريحاً، يَعْنِي: لَا يلْزمه شَيْء، لِأَنَّهُ عدَّة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن ابْن عون ... إِلَى آخِره.

وَقَالَ أيُّوبُ عنِ ابنِ سِيرينَ إنَّ رجُلاً باعَ طعَاماً وَقَالَ إنْ لَمْ آتِكَ الأرْبِعاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وبيْنَكَ بَيْعٌ فلَمْ يَجيءْ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أنْتَ أخْلَفْتَ فَقضَى علَيْهِ

أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (الْأَرْبَعَاء) أَي: يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَهَذَا الشَّرْط جَائِز أَيْضا عِنْد شُرَيْح لِأَنَّهُ قَالَ للْمُشْتَرِي عِنْد التحاكم إِلَيْهِ: أَنْت أخلفت الميعاد، فقضي عَلَيْهِ بِرَفْع البيع، وَهَذَا أَيْضا مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: يَصح البيع وَيبْطل الشَّرْط، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَذكره.

٦٣٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ لله تَسْعَةً وتِسْعِينَ إسْماً مائَةً إلَاّ واحِداً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي قَوْله: (والثنيا) من غير قيد بِالْإِقْرَارِ، لِأَن الثنيا فِي نَفسه أَعم من أَن يكون فِي الْإِقْرَار أَو فِي غَيره، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَالْآخر: فِي قَوْله: (مائَة إلَاّ وَاحِدَة) .

وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَقَالَ الْمُزنِيّ: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عمرَان بن بكار. قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: حَدثنِي الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً، مائَة إلَاّ وَاحِدًا، إِنَّه وتر يحب الْوتر، من حفظهَا دخل الْجنَّة) فَذكرهَا مفصلة إسماً بعد إسم. وَقَالَ فِي آخِره، قَالَ زُهَيْر: فَبَلغنَا عَن غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن أَولهَا يفْتَتح بقوله: (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير، لَا إِلَه إلَاّ الله لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يعلم فِي كثير شَيْء من الرِّوَايَات ذكر الْأَسْمَاء إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث. وَقد روى آدم بن أبي إِيَاس هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد غير هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر فِيهِ الْأَسْمَاء، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح قد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة، دون ذكر الْأَسَامِي فِيهِ، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد بن مُسلم تفرد بسياقه بِطُولِهِ وَذكر الْأَسَامِي فِيهِ وَلم يطكر غَيره وَلَيْسَ هَذَا بعلة فَإِنِّي لَا أعلم خلافًا بَين أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَلِيد بن مُسلم أوثق وأحفظ وَأعلم وَأجل من أبي الْيَمَان وَبشر بن شُعَيْب وَعلي بن عَيَّاش وأقرانهم من أَصْحَاب شُعَيْب. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً) لَيْسَ فِيهِ نفي غَيرهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ: (أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتبك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك) . . الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أللهم إِنِّي أَسأَلك بِجَمِيعِ أسمائك الْحسنى كلهَا، مَا علمنَا مِنْهَا وَمَا لم نعلم، وَأَسْأَلك بِاسْمِك الْعَظِيم الْأَعْظَم الْكَبِير الْأَكْبَر من دعَاك بِهِ أَجَبْته) . قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصبتيه أصبتيه) . وَأما وَجه التَّخْصِيص بذكرها فَلِأَنَّهَا أشهر الْأَسْمَاء وأبينها مَعَاني. قَوْله: (مائَة إِلَّا وَاحِدًا) أَي: إلَاّ إسماً وَاحِدًا. ويروى: (وَاحِدَة) أنثها ذَهَابًا إِلَى معنى التَّسْمِيَة أَو الصّفة أَو الْكَلِمَة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا التَّأْكِيد. قلت: قيل: إِن معرفَة أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته توقيفية تعلم من طَرِيق الْوَحْي وَالسّنة، وَلم يكن لنا أَن نتصرف فِيهَا بِمَا لم يهتد إِلَيْهِ مبلغ علمنَا ومنتهى عقولنا، وَقد منعنَا عَن إِطْلَاق مَا لم يرد بِهِ التَّوْقِيف فِي ذَلِك، وَإِن جوزه الْعقل وَحكم بِهِ الْقيَاس كَانَ الْخَطَأ فِي ذَلِك غير هَين، والمخطيء فِيهِ غير مَعْذُور، وَالنُّقْصَان عَنهُ كالزيادة فِيهِ غير مرضِي، وَكَانَ الِاحْتِمَال فِي رسم الْخط وَاقعا باشتباه تِسْعَة وَتِسْعين فِي زلَّة الْكَاتِب وهفوة الْقَلَم بسبعة وَتِسْعين أَو سَبْعَة وَسبعين أَو تِسْعَة وَسبعين، فينشأ الِاخْتِلَاف فِي المسموع من المسطور، فأكده بِهِ حسماً لمادة الْخلاف، وإرشاداً إِلَى الِاحْتِيَاط فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: قيل: الْفَرد أفضل من الزَّوْج، وَلذَلِك (جَاءَ: أَن الله وتر يحب الْوتر) ، ومنتهى الْإِفْرَاد من الْمَرَاتِب من غير تكْرَار تِسْعَة وَتسْعُونَ، لِأَن مائَة وَوَاحِدَة يتَكَرَّر فِيهِ الْوَاحِد، وَقيل: الْكَمَال فِي الْعدَد من الْمِائَة، لِأَن الْأَعْدَاد كلهَا ثَلَاثَة أَجنَاس: آحَاد وعشران ومآت، لِأَن الألوف ابْتِدَاء آحَاد آخر بدل عشرات الألوف وآحادها، فأسماء الله تَعَالَى مائَة، وَقد اسْتَأْثر الله مِنْهَا بِوَاحِد، وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم لم يطلع عَلَيْهِ غَيره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مائَة، لَكِن وَاحِد مِنْهَا عِنْد الله. قَوْله: (من أحصاها) ، قَالَ الْخطابِيّ: الإحصاء يحْتَمل وُجُوهًا: أظهرها: العدّ لَهَا حَتَّى يستوفيها، أَي: لَا يقْتَصر على بَعْضهَا، بل يثني على الله تَعَالَى بجميعها. وَثَانِيها: الإطاقة، أَي: من أطَاق الْقيام بِحَقِّهَا وَالْعَمَل بمقتضاها، وَهُوَ أَن يعْتَبر مَعَانِيهَا وَيلْزم نَفسه بواجبها، فَإِذا قَالَ: الرَّزَّاق ألزم ووثق بالرزق، وهلم جراً. وَثَالِثهَا: الْعقل، أَي: من عقلهَا وأحاط علما بمعانيها من قَوْلهم: فلَان ذُو حَصَاة، أَي: ذُو عقل، وَقيل: أحصاها، أَي: عرفهَا، لِأَن الْعَارِف بهَا لَا يكون إلَاّ مُؤمنا، وَالْمُؤمن يدْخل الْجنَّة لَا محَالة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَعَلَّه يكون المُرَاد بقوله: (من أحصاها) من قَرَأَ الْقُرْآن حَتَّى يختمه فيستوفي، أَي: من حفظ الْقُرْآن الْعَزِيز دخل الْجنَّة، لِأَن جَمِيع الْأَسْمَاء فِيهِ. وَقيل: من أحصاها، أَي: حفظهَا، هَكَذَا فسره البُخَارِيّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ وَقَدْ بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا لَمَّا نَزَلَتْ حَكَمَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِذَا جَاءَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدَّ الصَّدَاقُ إِلَى زَوْجِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَأَتَاهُ الْمُؤْمِنُونَ فَأَقَرُّوا بِحُكْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾

قَوْلُهُ: (وَالْعَقِبُ إِلَخْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا) هُوَ كَلَامُ الزُّهْرِيِّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الْمعَاقبَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي الْجَانِبِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَرَّتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ ارْتَدَّتْ وَفَرَّتْ مِنْ زَوْجِهَا عِيَاضِ بْنِ شَدَّادٍ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ وَلَمْ يَرْتَدَّ مِنْ قُرَيْشٍ غَيْرُهَا، وَلَكِنَّهَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ ثَقِيفٍ حِينَ أَسْلَمُوا، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَاجَرَتْ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَنَاسِكِ: مِنْهَا أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ، وَأَنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ وَسَوْقَهِ سُنَّةٌ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ فَرْضًا كَانَ أَوْ سُنَّةً، وَأَنَّ الْإِشْعَارَ سُنَّةٌ لَا مُثْلَةٌ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَأَنَّهُ نُسُكٌ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ مَحْصُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْصُورٍ، وَأَنَّ الْمُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْحَرَمِ، وَيُقَاتِلُ مَنْ صَدَّهُ عَنِ الْبَيْتِ، وَأَنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ تَرْكُ الْمُقَاتَلَةِ إِذَا وَجَدَ إِلَى الْمُسَالَمَةِ طَرِيقًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَسْطُ أَكْثَرِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَفِيهِ أَشْيَاءُ تَتَعَلَّقُ بِالْجِهَادِ: مِنْهَا جَوَازُ سَبْيِ ذَرَارِيِّ الْكُفَّارِ إِذَا انْفَرَدُوا عَنِ الْمُقَاتِلَةِ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الْقِتَالِ.

وَفِيهِ الِاسْتِتَارُ عَنْ طَلَائِعِ الْمُشْرِكِينَ، وَمُفَاجَأَتُهُمْ بِالْجَيْشِ لِطَلَبِ غِرَّتِهِمْ، وَجَوَازُ التَّنَكُّبِ عَنِ الطَّرِيقِ السَّهْلِ إِلَى الطَّرِيقِ الْوَعْرِ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الطَّلَائِعِ وَالْعُيُونِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ، وَالْأَخْذُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الْعَدُوِّ لِئَلَّا يَنَالُوا غِرَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَوَازُ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ، وَالتَّعْرِيضِ بِذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضْلُ الِاسْتِشَارَةِ لِاسْتِخْرَاجِ وَجْهِ الرَّأْيِ وَاسْتِطَابَةِ قُلُوبِ الْأَتْبَاعِ، وَجَوَازُ بَعْضِ الْمُسَامَحَةِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَاحْتِمَالِ الضَّيْمِ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَادِحًا فِي أَصْلِهِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِلسَّلَامَةِ فِي الْحَالِ وَالصَّلَاحِ فِي الْمَآلِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قُوَّتِهِمْ، وَأَنَّ التَّابِعَ لَا يَلِيقُ بِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْبُوعِ بِمُجَرَّدِ مَا يَظْهَرُ فِي الْحَالِ بَلْ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ، لِأَنَّ الْمَتْبُوعَ أَعْرَفُ بِمَآلِ الْأُمُورِ غَالِبًا بِكَثْرَةِ التَّجْرِبَةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَنْ هُوَ مُؤَيَّدٌ بِالْوَحْيِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ الْكَافِرِ إِذَا قَامَتِ الْقَرِينَةُ عَلَى صِدْقِهِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الْخُزَاعِيَّ الَّذِي بَعَثَهُ النَّبِيُّ عَيْنًا لَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ قُرَيْشٍ كَانَ حِينَئِذٍ كَافِرًا، وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ لِذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ لِيَكُونَ أَمْكَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ فِيهِمْ وَالِاخْتِلَاطِ بِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ، قَالَ: وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ قَبُولِ قَوْلِ الطَّبِيبِ الْكَافِرِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُزَاعِيُّ الْمَذْكُورُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَشْتَهِرْ إِسْلَامُهُ حِينَئِذٍ، فَلَيْسَ مَا قَالَهُ دَلِيلًا عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

١٦ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ

٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٦) (بابُ الشُّرُوطِ فِي القَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (: إِذَا أَجَّلَهُ) إلى أجل معلوم (فِي القَرْضِ جَازَ) أي: التأجيل، أي: صحَّ القرض بشرطه، وهذا قد سبق معناه في «باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى» [خ¦٢٤٠٤] (١).

٢٧٣٤ - (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، فيما وصله في «باب (٢) التِّجارة في البحر» [خ¦٢٠٦٣] من رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي: «فقال: حدَّثني عبد الله بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيث» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حسنة، القرشيُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ فَدَفَعَهَا) المسلِف (إِلَيْهِ) أي: إلى المستسلف (٣) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) معلومٍ، والَّذي أسلف (٤) هو النَّجاشيُّ، كما سمَّاه في «مسند الصَّحابة الَّذين نزلوا مصرَ» لمحمَّد بن الرَّبيع الجيزيِّ بإسنادٍ له فيه مجهول من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص مرفوعًا.

والحديث سبق تامًّا في «باب الكفالة في القرض» [خ¦٢٢٩١] وهذا الباب جميعُه ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، ساقطٌ لغيرهما، وقال في «الفتح»: إنَّه ساقطٌ للنَّسفيِّ، لكنْ زاد في التَّرجمة الَّتي تليه، فقال: «باب الشُّروط في القرض والمكاتب … » إلى آخره، وفي «الفرع» كأصله: علامةُ تأخير الحديث عن الأثر.

(١٧) (بابُ) حكم (المُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ) أي: حكم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

امْرَأَته مَاتَت قبل أَن يَحْنَث، وَلَو مَاتَ قبلهَا حنث وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاث، لِأَنَّهُ فار، وَلَو قَالَ لَهَا: أَنْت طَالِق إِن لم تأت الْبَصْرَة، فَمَاتَ، فَلَيْسَ لَهَا مِيرَاث، وَإِن مَاتَ قبلهَا حنث، وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاث لِأَنَّهُ فار. وَفِيه قَول سادس: حَكَاهُ أَبُو عبيد عَن بعض أهل النّظر، قَالَ: إِن أَخذ الْحَالِف فِي التأهب لما خلف عَلَيْهِ وَالسَّعْي فِيهِ حِين تكلم بِالْيَمِينِ حَتَّى يكون مُتَّصِلا بِالْبرِّ وإلَاّ فَهُوَ حانث عِنْد ترك ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن من لم يحدَّ ليمينه أَََجَلًا أَنه على يَمِينه، وَلَا يَحْنَث إِن وقف عَن الْفِعْل الَّذِي حلف بِفِعْلِهِ. وَفِيه: جَوَاز مُشَاورَة النِّسَاء ذَوَات الْفضل والرأي. وَفِيه: أَن من جَاءَ إِلَى غير بلد الإِمَام لَيْسَ على الإِمَام رده. وَفِيه: جَوَاز قيام النَّاس على رَأس الإِمَام بِالسَّيْفِ مَخَافَة الْعَدو، وَأَن الإِمَام إِذا جَفا عَلَيْهِ أحد لزم ذَلِك الْقَائِم تَغْيِيره بِمَا أمكنه. وَفِيه: فضل أبي بكر على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي جَوَابه لَهُ بِمَا أجَاب بِهِ سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَوَاء. وَفِيه: جَوَاز السّفر وَحده للْحَاجة. وَفِيه: جَوَاز الحكم على الشَّيْء بِمَا عرف من عَادَته. وَفِيه: جَوَاز التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر بِالْمَصْلَحَةِ بِغَيْر إِذْنه الصَّرِيح إِذا كَانَ سبق مِنْهُ مَا يدل على الرِّضَا بذلك. وَفِيه: تَأْكِيد القَوْل بِالْيَمِينِ ليَكُون أدعى إِلَى الْقبُول. وَقَالَ ابْن الْقيم فِي (الْهَدْي) : وَقد حفظ عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْحلف فِي أَكثر من ثَمَانِينَ موضعا) . وَفِيه: استنصاح بعض المعاهدين وَأهل الذِّمَّة إِذا دلّت الْقَرَائِن على نصحهمْ وَشهِدت التجربة بإيثارهم أهل الْإِسْلَام على غَيرهم، وَلَو كَانُوا من أهل دينهم. وَفِيه: جَوَاز استنصاح بعض مُلُوك الْعَدو استظهاراً على غَيرهم، وَلَا يعد ذَلِك من مُوالَاة الْكفَّار وَلَا من موادة أَعدَاء الله تَعَالَى. بل من قبيل استخدامهم وتقليل شَوْكَة جمعهم وإنكار بَعضهم بِبَعْض، وَلَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز الِاسْتِعَانَة بالمشركين على الْإِطْلَاق. وَفِيه: أَن الْحَرْبِيّ إِذا أتلف مَال الْحَرْبِيّ لم يكن عَلَيْهِ ضَمَانه، وَهُوَ وَجه للشَّافِعِيَّة. وَفِيه: طَهَارَة النخامة وَالشعر الْمُنْفَصِل، وَالشَّافِعِيَّة يحكمون بِنَجَاسَة الشّعْر الْمُنْفَصِل، وَمِنْهُم من بَالغ حَتَّى كَاد أَن يخرج من الْإِسْلَام، فَقَالَ: وَفِي شعر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجْهَان، نَعُوذ بِاللَّه تَعَالَى من هَذَا الضلال. وَفِيه: التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين من الْأَشْيَاء الطاهرة. وَفِيه: جَوَاز المخادعة فِي الْحَرْب وَإِظْهَار إِرَادَة الشَّيْء وَالْمَقْصُود غَيره. وَفِيه: أَن كثيرا من الْمُشْركين كَانُوا يعظمون حرمات الْإِحْرَام وَالْحرم، وَيُنْكِرُونَ من يصد عَن ذَلِك، تمسكاً مِنْهُم ببقايا من دين إِبْرَاهِيم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: فضل المشورة، وَأَن الْفِعْل إِذا انْضَمَّ إِلَى القَوْل كَانَ أبلغ من القَوْل الْمُجَرّد، وَلَيْسَ فِيهِ أَن الْفِعْل مُطلقًا أبلغ من القَوْل. وَفِيه: أَن للْمُسلمِ الَّذِي يَجِيء من دَار الْحَرْب فِي زمن الْهُدْنَة قتل من جَاءَ فِي طلب رده إِذا شَرط لَهُم ذَلِك، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يُنكر على أبي بَصِير قَتله العامري، وَلَا أَمر فِيهِ بقود وَلَا دِيَة.

٦١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الْقَرْضِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي القروض.

٤٣٧٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني جعْفَرُ بنُ رَبيعَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ هُرْمُزَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاٍ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أنْ يُسْلِفَهُ ألْفَ دِينار فدَفَعَهَا إلَيْهِ إِلَى أجَلٍ مُسَمَّى..

مضى هَذَا الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي: بَاب الْكفَالَة فِي الْقَرْض، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَذكر هُنَا طرفا مِنْهُ لأجل التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة، وَسقط جَمِيع ذَلِك فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَلَكِن زَاد فِي التَّرْجَمَة الَّتِي تليه: بَاب الشُّرُوط فِي الْقَرْض وَالْمكَاتب ... إِلَى آخِره.

وَقَالَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما وعَطاءٌ إذَا أجَلَهُ فِي القَرْضِ جازَ

مضى هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْقَرْض فِي: بَاب إِذا أقْرضهُ إِلَى أجل مُسَمّى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مَعَ بَيَان الْخلاف فِيهِ.

٧١ - (بابُ المَكاتب وَمَا لَا يحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُخَالِفُ كِتَابَ الله تعَالى)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمكَاتب، وَقد تقدم فِي كتاب الشُّرُوط: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَقَوله هُنَا: بَاب الْمكَاتب، أَعم من ذَلِك، وَقد تقدم أَيْضا فِي كتاب الْعتْق: بَاب مَا يجوز من شُرُوط الْمكَاتب، وَمن اشْترط شرطا لَيْسَ فِي كتاب الله. وَحَدِيث الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة وَاحِد، وتكرار التراجم لَا يدل على زِيَادَة فَائِدَة إلَاّ فِي شَيْء وَاحِد، وَهُوَ أَنه فسر قَوْله: لَيْسَ فِي كتاب الله، بقوله: (الَّتِي تخَالف كتاب الله) لِأَن المُرَاد بِكِتَاب الله حكمه، وَحكمه تَارَة يكون بطرِيق النَّص وَتارَة يكون بطرِيق الإستنباط مِنْهُ، وكل مَا لم يكن من ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لما فِي كتاب الله.

وَقَالَ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فِي المُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله سُفْيَان الثَّوْريّ فِي كتاب الْفَرَائِض لَهُ من طَرِيق مُجَاهِد عَن جَابر، وَالْمعْنَى: شُرُوط المكاتبين وساداتهم مُعْتَبرَة بَينهم.

وَقَالَ ابنُ عُمَرَ أوْ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما كُلُّ شَرْطٍ خالَفَ كِتابَ الله فَهْوَ باطلٌ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ

هَكَذَا وَقع لأكْثر الروَاة، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وَقَالَ ابْن عمر، فَقَط. وَلم يقل: أَو عمر، وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة.

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله يُقالُ عنْ كِلَيْهِمَا عنْ عُمَرَ وابنِ عُمَرَ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (عَن كليهمَا) أَي: عَن عمر وَعَن ابْنه عبد الله، وَقد تقدم فِيمَا مضى فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فِي قصَّة بَرِيرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل وَإِن كَانَ مائَة شَرط، قَضَاء الله أَحَق، وَشرط الله أوثق) . وَيَأْتِي الْآن أَيْضا فِي حَدِيث الْبَاب، وَالْمعْنَى: كل شَرط لَيْسَ فِي حكم الله وقضائه فِي كِتَابه أَو سنة رَسُوله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ بَاطِل.

٥٣٧٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ يَحْيى عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْألُهَا فِي كِتَابَتِهَا فقالَتْ إنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ ويَكُونُ الوَلاءُ لي فلَمَّا جاءَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكَّرْتُهُ ذلِكَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ابْتاعِيهَا فأعْتِقِيهَا فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ثُمَّ قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى المِنْبَرِ فَقَالَ مَا بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فلَيْسَ لَهُ وإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ..

قد تقدم هَذَا الحَدِيث غير مرّة، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَآخر مَا ذكر فِي أَوَاخِر كتاب الْعتْق.

٨١ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الإشْتِرَاطَ والثُّنْيا فِي الإقْرَارِ والشُّرُوطِ الَّتِي يتَعَارَفها النَّاسُ بَيْنَهُمْ وإذَا قَالَ مائَةً إلَاّ واحِدَةً أوْ ثِنْتَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز من الِاشْتِرَاط. وَقَالَ ابْن بطال: وَقع فِي بعض النّسخ: بَاب مَا لَا يجوز فِي الِاشْتِرَاط والثنيا، قَالَ: وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب: بَاب مَا يجوز، والْحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ بعد يدل على صِحَّته. قَوْله: (والثنيا) ، بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف مَقْصُور أَي: الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِقْرَار سَوَاء كَانَ اسْتثِْنَاء قليلٍ من كثير، أَو بِالْعَكْسِ، فَالْأول لَا خلاف فِيهِ أَنه يجوز، وَالثَّانِي مُخْتَلف فِيهِ. وَحَدِيث الْبَاب يدل على جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَهَذَا جَائِز عِنْد أهل اللُّغَة وَالْفِقْه والْحَدِيث قَالَ الدَّاودِيّ: أَجمعُوا على من اسْتثْنى فِي إِقْرَاره مَا بَقِي بعده بَقِيَّة مَا أقرّ بِهِ أَن لَهُ ثنياه، فَإِذا

قَالَ لَهُ: عَليّ ألف إلَاّ تِسْعمائَة وَتِسْعَة وتسعية، صَحَّ وَلَزِمَه وَاحِد. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: أَنْت طَالِق ثَلَاثَة إلَاّ ثِنْتَيْنِ، لقَوْله تَعَالَى: {فَلبث فيهم ألف سنة إلَاّ خمسين عَاما} (العنكبوت: ٤١) . قَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره الدَّاودِيّ أَنه إِجْمَاع لَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن هُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن قولا ثَالِثا فِي قَوْله: أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إلَاّ ثِنْتَيْنِ، أَنه يلْزمه ثَلَاث، وَذكر القَاضِي فِي معونته عَن عبد الْملك وَغَيره أَنه يَقُول: لَا يَصح اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، واحتجاج الدَّاودِيّ بِهَذِهِ الْآيَة غير بَين، وَإِنَّمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ من اتبعك من الغاوين} (الْحجر: ٢٤) . وَقَوله: {إلَاّ عِبَادك مِنْهُم المخلصين} (الْحجر: ٥١، وص: ٣٨) . فَإِن جعلت: المخلصين، الْأَكْثَر فقد استثناهم، وَإِن جعلت: الغاوين الْأَكْثَر فقد استثناهم أَيْضا، وَلِأَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج، فَإِذا جَازَ إِخْرَاج الْأَقَل جَازَ إِخْرَاج الْأَكْثَر، وَمذهب الْبَصرِيين من أهل اللُّغَة وَابْن الْمَاجشون: الْمَنْع، وَإِلَيْهِ ذهب البُخَارِيّ حَيْثُ أَدخل هَذَا الحَدِيث هُنَا باستثناء الْقَلِيل من الْكثير. قَوْله: (والشروط) ، أَي: وَفِي بَيَان الشُّرُوط الَّتِي يتعارفها النَّاس بَينهم، نَحْو: أَن يَشْتَرِي نعلا أَو شراكاً بِشَرْط أَن يحذوه البَائِع، أَو اشْترى أديماً بِشَرْط أَن يخرز لَهُ خفاً، أَو اشْترى قلنسوة بِشَرْط أَن يبطنه البَائِع، فَإِن هَذِه الشُّرُوط كلهَا جَائِزَة، لِأَنَّهُ مُتَعَارَف متعامل بَين النَّاس، وَفِيه خلاف زفر، وَكَذَا لَو اشْترى شَيْئا وَشرط أَن يرهنه بِالثّمن رهنا، وَسَماهُ أَو يُعْطِيهِ كَفِيلا وَسَماهُ وَالْكَفِيل حَاضر وَقَبله، وَكَذَلِكَ: الْحِوَالَة، جَازَ اسْتِحْسَانًا خلافًا لزفَر، وَأما الشُّرُوط الَّتِي لَا يتعارفها النَّاس فباطلة، نَحْو مَا إِذا اشْترى حِنْطَة وَشرط على البَائِع طحنها أَو حملانها إِلَى منزله، أَو اشْترى دَارا على أَن يسكنهَا شهرا، فَإِن ذَلِك كُله لَا يَصح لعدم التعارف والتعامل. قَوْله: (وَإِذا قَالَ مائَة إلَاّ وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ) ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اخْتِيَاره جَوَاز اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، وَعدم جَوَاز عَكسه، وَذكر بِهَذَا صُورَة اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير، نَحْو مَا إِذا قَالَ: لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم، مثلا، إلَاّ وَاحِدَة أَو الإثنتين، فَإِنَّهُ يَصح، وَيلْزمهُ فِي قَوْله: إلَاّ وَاحِدَة، تِسْعَة وَتسْعُونَ درهما. وَفِي قَوْله إِلَّا اثْنَتَيْنِ: يلْزمه ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ درهما.

وَقَالَ ابنُ عَوْنٍ عنِ ابنِ سِيرينَ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لَكَرِيِّهِ أدْخِلْ رِكَابَكَ فإنْ لَمْ أرْحَلْ معَكَ يَوْمَ كَذَا وكَذَا فَلَكَ مائَةُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ شُرَيْحٌ منْ شَرَطَ علَى نَفْسِهِ طائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ

ابْن عون هُوَ: عبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، وَشُرَيْح هُوَ القَاضِي. قَوْله: (لكريه) بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، على وزن فعيل هُوَ المكاري، قَوْله: (ادخل) من الإدخال وركابك مَنْصُوب بِهِ، والركاب، بِكَسْر الرَّاء: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا والواحدة: رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا. قَوْله: (فَلم يخرج) ، أَي: لم يرحل مَعَه، يلْزمه مائَة دِرْهَم عِنْد شُرَيْح، وَهُوَ معنى قَوْله: قَالَ شُرَيْح: من شَرط على نَفسه طَائِعا، أيَّ حَال كَونه طَائِعا مُخْتَارًا غير مكره عَلَيْهِ، فَهُوَ أَي الشَّرْط الَّذِي شَرط عَلَيْهِ أَي يلْزمه، وَفِي هَذَا خَالف النَّاس شريحاً، يَعْنِي: لَا يلْزمه شَيْء، لِأَنَّهُ عدَّة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم عَن ابْن عون ... إِلَى آخِره.

وَقَالَ أيُّوبُ عنِ ابنِ سِيرينَ إنَّ رجُلاً باعَ طعَاماً وَقَالَ إنْ لَمْ آتِكَ الأرْبِعاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وبيْنَكَ بَيْعٌ فلَمْ يَجيءْ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أنْتَ أخْلَفْتَ فَقضَى علَيْهِ

أَيُّوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ. قَوْله: (الْأَرْبَعَاء) أَي: يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَهَذَا الشَّرْط جَائِز أَيْضا عِنْد شُرَيْح لِأَنَّهُ قَالَ للْمُشْتَرِي عِنْد التحاكم إِلَيْهِ: أَنْت أخلفت الميعاد، فقضي عَلَيْهِ بِرَفْع البيع، وَهَذَا أَيْضا مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: يَصح البيع وَيبْطل الشَّرْط، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَذكره.

٦٣٧٢ - حدَّثنا أبُو اليَمانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ حدَّثنا أبُو الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ لله تَسْعَةً وتِسْعِينَ إسْماً مائَةً إلَاّ واحِداً مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي موضِعين. أَحدهمَا: فِي قَوْله: (والثنيا) من غير قيد بِالْإِقْرَارِ، لِأَن الثنيا فِي نَفسه أَعم من أَن يكون فِي الْإِقْرَار أَو فِي غَيره، كَمَا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. وَالْآخر: فِي قَوْله: (مائَة إلَاّ وَاحِدَة) .

وَرِجَاله قد تكَرر ذكرهم، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن أبي الْيَمَان أَيْضا وَقَالَ الْمُزنِيّ: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عمرَان بن بكار. قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة: حَدثنِي الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً، مائَة إلَاّ وَاحِدًا، إِنَّه وتر يحب الْوتر، من حفظهَا دخل الْجنَّة) فَذكرهَا مفصلة إسماً بعد إسم. وَقَالَ فِي آخِره، قَالَ زُهَيْر: فَبَلغنَا عَن غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن أَولهَا يفْتَتح بقوله: (لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير، لَا إِلَه إلَاّ الله لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يعلم فِي كثير شَيْء من الرِّوَايَات ذكر الْأَسْمَاء إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث. وَقد روى آدم بن أبي إِيَاس هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد غير هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَذكر فِيهِ الْأَسْمَاء، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) : وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح قد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة، دون ذكر الْأَسَامِي فِيهِ، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد بن مُسلم تفرد بسياقه بِطُولِهِ وَذكر الْأَسَامِي فِيهِ وَلم يطكر غَيره وَلَيْسَ هَذَا بعلة فَإِنِّي لَا أعلم خلافًا بَين أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَلِيد بن مُسلم أوثق وأحفظ وَأعلم وَأجل من أبي الْيَمَان وَبشر بن شُعَيْب وَعلي بن عَيَّاش وأقرانهم من أَصْحَاب شُعَيْب. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي (صَحِيحه) .

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين إسماً) لَيْسَ فِيهِ نفي غَيرهَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ حَدِيث ابْن مَسْعُود يرفعهُ: (أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو أنزلته فِي كتبك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو استأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك) . . الحَدِيث، وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أللهم إِنِّي أَسأَلك بِجَمِيعِ أسمائك الْحسنى كلهَا، مَا علمنَا مِنْهَا وَمَا لم نعلم، وَأَسْأَلك بِاسْمِك الْعَظِيم الْأَعْظَم الْكَبِير الْأَكْبَر من دعَاك بِهِ أَجَبْته) . قَالَت: فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصبتيه أصبتيه) . وَأما وَجه التَّخْصِيص بذكرها فَلِأَنَّهَا أشهر الْأَسْمَاء وأبينها مَعَاني. قَوْله: (مائَة إِلَّا وَاحِدًا) أَي: إلَاّ إسماً وَاحِدًا. ويروى: (وَاحِدَة) أنثها ذَهَابًا إِلَى معنى التَّسْمِيَة أَو الصّفة أَو الْكَلِمَة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة هَذَا التَّأْكِيد. قلت: قيل: إِن معرفَة أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته توقيفية تعلم من طَرِيق الْوَحْي وَالسّنة، وَلم يكن لنا أَن نتصرف فِيهَا بِمَا لم يهتد إِلَيْهِ مبلغ علمنَا ومنتهى عقولنا، وَقد منعنَا عَن إِطْلَاق مَا لم يرد بِهِ التَّوْقِيف فِي ذَلِك، وَإِن جوزه الْعقل وَحكم بِهِ الْقيَاس كَانَ الْخَطَأ فِي ذَلِك غير هَين، والمخطيء فِيهِ غير مَعْذُور، وَالنُّقْصَان عَنهُ كالزيادة فِيهِ غير مرضِي، وَكَانَ الِاحْتِمَال فِي رسم الْخط وَاقعا باشتباه تِسْعَة وَتِسْعين فِي زلَّة الْكَاتِب وهفوة الْقَلَم بسبعة وَتِسْعين أَو سَبْعَة وَسبعين أَو تِسْعَة وَسبعين، فينشأ الِاخْتِلَاف فِي المسموع من المسطور، فأكده بِهِ حسماً لمادة الْخلاف، وإرشاداً إِلَى الِاحْتِيَاط فِي هَذَا الْبَاب. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قلت: قيل: الْفَرد أفضل من الزَّوْج، وَلذَلِك (جَاءَ: أَن الله وتر يحب الْوتر) ، ومنتهى الْإِفْرَاد من الْمَرَاتِب من غير تكْرَار تِسْعَة وَتسْعُونَ، لِأَن مائَة وَوَاحِدَة يتَكَرَّر فِيهِ الْوَاحِد، وَقيل: الْكَمَال فِي الْعدَد من الْمِائَة، لِأَن الْأَعْدَاد كلهَا ثَلَاثَة أَجنَاس: آحَاد وعشران ومآت، لِأَن الألوف ابْتِدَاء آحَاد آخر بدل عشرات الألوف وآحادها، فأسماء الله تَعَالَى مائَة، وَقد اسْتَأْثر الله مِنْهَا بِوَاحِد، وَهُوَ الِاسْم الْأَعْظَم لم يطلع عَلَيْهِ غَيره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مائَة، لَكِن وَاحِد مِنْهَا عِنْد الله. قَوْله: (من أحصاها) ، قَالَ الْخطابِيّ: الإحصاء يحْتَمل وُجُوهًا: أظهرها: العدّ لَهَا حَتَّى يستوفيها، أَي: لَا يقْتَصر على بَعْضهَا، بل يثني على الله تَعَالَى بجميعها. وَثَانِيها: الإطاقة، أَي: من أطَاق الْقيام بِحَقِّهَا وَالْعَمَل بمقتضاها، وَهُوَ أَن يعْتَبر مَعَانِيهَا وَيلْزم نَفسه بواجبها، فَإِذا قَالَ: الرَّزَّاق ألزم ووثق بالرزق، وهلم جراً. وَثَالِثهَا: الْعقل، أَي: من عقلهَا وأحاط علما بمعانيها من قَوْلهم: فلَان ذُو حَصَاة، أَي: ذُو عقل، وَقيل: أحصاها، أَي: عرفهَا، لِأَن الْعَارِف بهَا لَا يكون إلَاّ مُؤمنا، وَالْمُؤمن يدْخل الْجنَّة لَا محَالة. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَعَلَّه يكون المُرَاد بقوله: (من أحصاها) من قَرَأَ الْقُرْآن حَتَّى يختمه فيستوفي، أَي: من حفظ الْقُرْآن الْعَزِيز دخل الْجنَّة، لِأَن جَمِيع الْأَسْمَاء فِيهِ. وَقيل: من أحصاها، أَي: حفظهَا، هَكَذَا فسره البُخَارِيّ

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.3 / 29.5
الإضاءة 59%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله