«لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠

الحديث رقم ٣٠ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٠ في صحيح البخاري

«لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ : يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».

بَابٌ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ

إسناد حديث البخاري رقم ٣٠

٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى مَأْلُوفِ الْمُصَنِّفِ، وَيُعَضِّدُهُ إِيرَادُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَالْعَشِيرُ الزَّوْجُ، قِيلَ لَهُ عَشِيرٌ بِمَعْنَى مُعَاشِرٍ مِثْلُ أَكِيلٍ بِمَعْنَى مُؤَاكِلٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي ب ابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ تَامًّا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ ثَمَّ.

وَنُنَبِّهُ هُنَا عَلَى فَائِدَتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ تَقْطِيعِ الْحَدِيثِ، إِذَا كَانَ مَا يَفْصِلُهُ مِنْهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ تَعَلُّقًا يُفْضِي إِلَى فَسَادِ الْمَعْنَى، فَصَنِيعُهُ كَذَلِكَ يُوهِمُ مَنْ لَا يَحْفَظُ الْحَدِيثَ أَنَّ الْمُخْتَصَرَ غَيْرُ التَّامِّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُخْتَصَرِ مِنْ أَثْنَاءِ التَّامِّ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هُنَا قَوْلُهُ أُرِيتُ النَّارَ إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ، وَأَوَّلُ التَّامِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ قِصَّةَ صَلَاةِ الْخُسُوفِ ثُمَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ وَفِيهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ هُنَا، فَمَنْ أَرَادَ عَدَّ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْكِتَابُ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَدِيثَانِ أَوْ أَكْثَرُ لِاخْتِلَافِ الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَنْ حَكَى أَنَّ عِدَّتَهُ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ أَوْ نَحْوُهَا كَابْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ وَمَنْ بَعْدَهُمَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ عِدَّتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ أَلْفَا حَدِيثٍ وَخَمْسُمِائَةِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي الْمُقَدِّمَةِ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَقَرَّرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يُعِيدُ الْحَدِيثَ إِلَّا لِفَائِدَةٍ، لَكِنْ تَارَةً تَكُونُ فِي الْمَتْنِ، وَتَارَةً فِي الْإِسْنَادِ، وَتَارَةً فِيهِمَا. وَحَيْثُ تَكُونُ فِي الْمَتْنِ خَاصَّةً لَا يُعِيدُهُ بِصُورَتِهِ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَإِنْ كَثُرَتْ طُرُقُهُ أَوْرَدَ لِكُلِّ بَابٍ طَرِيقًا، وَإِنْ قَلَّتِ اخْتَصَرَ الْمَتْنَ أَوِ الْإِسْنَادَ.

وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ - وَهُوَ الْقَعْنَبِيُّ - مُخْتَصَرًا مُقْتَصَرًا عَلَى مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْكُفْرَ يُطْلَقُ عَلَى بَعْضِ الْمَعَاصِي، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَابِ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ نَارٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُغَايِرِ اقْتَصَرَ عَلَى مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ فَقَطْ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ تَامًّا، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ فِي ذِكْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ عَنْ شَيْخٍ غَيْرِ الْقَعْنَبِيِّ مُقْتَصَرًا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عَنْ شَيْخٍ غَيْرِهِمَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُحْمَلُ جَمِيعُ تَصَرُّفِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِي كِتَابِهِ حَدِيثٌ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ فَصَاعِدًا إِلَّا نَادِرًا وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ حَيْثُ ذَكَرَهُ تَامًّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٢ - بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ

[الحديث ٣٠ - طرفاه في: ٦٠٥٠، ٢٥٤٥]

بَاب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فَسَمَّاهُمْ الْمُؤْمِنِينَ

٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ الْأَحْنَفِ

ابْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. "

[الحديث ٣١ - طرفاه في: ٧٠٨٣، ٦٨٧٥]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَقَوْلُهُ الْمَعَاصِي مُبْتَدَأٌ، وَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ خَبَرُهُ، وَالْجَاهِلِيَّةُ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يُطْلَقُ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَيْ: فِي حَالِ جَاهِلِيَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُكَفَّرُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا بِالشِّرْكِ) أَيْ: إِنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ فَهِيَ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالشِّرْكُ أَكْبَرُ الْمَعَاصِي وَلِهَذَا اسْتَثْنَاهُ. وَمُحَصَّلُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْكُفْرُ مَجَازًا عَلَى إِرَادَةِ كُفْرِ النِّعْمَةِ لَا كُفْرِ الْجَحْدِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَنَصُّ الْقُرْآنِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَصَيَّرَ مَا دُونَ الشِّرْكِ تَحْتَ إِمْكَانِ الْمَغْفِرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالشِّرْكِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكُفْرُ ; لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ مَثَلًا كَانَ كَافِرًا وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَالْمَغْفِرَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ.

وَقَدْ يَرِدُ الشِّرْكُ وَيُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنَ الْكُفْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ كَالْخَوَارِجِ، وَيَقُولُ: إِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَالْآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مَنْ مَاتَ عَلَى كُلِّ ذَنْبٍ سِوَى الشِّرْكِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي اسْتِدْلَالِهِ بِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ عَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّعْيِيرَ لَيْسَ كَبِيرَةً، وَهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ بِالصَّغَائِرِ. قُلْتُ: اسْتِدْلَالُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآيَةِ ظَاهِرٌ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّمَا ذُكِرَتْ لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ بَقِيَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ سِوَى الشِّرْكِ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الصَّغَائِرِ أَمِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. وَاسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا يَكْفُرُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْقَى عَلَيْهِ اسْمَ الْمُؤْمِنَ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَسَمَّاهُمَا مُسْلِمَيْنِ مَعَ التَّوَعُّدِ بِالنَّارِ، وَالْمُرَادُ هُنَا إِذَا كَانَتِ الْمُقَاتَلَةُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ.

وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ لِأَبِي ذَرٍّ: فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، أَيْ: خَصْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، مَعَ أَنَّ مَنْزِلَةَ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْإِيمَانِ فِي الذُّرْوَةِ الْعَالِيَةِ، وَإِنَّمَا وَبَّخَهُ بِذَلِكَ - عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ - تَحْذِيرًا لَهُ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعُذْرِ، لَكِنْ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِهِ يُسْتَعْظَمُ أَكْثَرَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، وَقَدْ وَضَحَ بِهَذَا وَجْهُ دُخُولِ الْحَدِيثَيْنِ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ، وَهَذَا عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ، لَكِنْ سَقَطَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ فَأَفْرَدَ فِيهَا حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ بِتَرْجَمَةِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكُلٌّ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمْعًا وَتَفْرِيقًا حَسَنٌ. وَالطَّائِفَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ حُضُورِ أَرْبَعَةٍ فِي رَجْمِ الزَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَالْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْجَلْدِ وَلَا اشْتِرَاطَ فِيهِ وَالِاشْتِرَاطُ فِي الرَّجْمِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ثَلَاثَةٍ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فَذَاكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ

الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ وَاصِلٍ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، وَلِلْأَصِيلِيِّ هُوَ الْأَحْدَبُ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِتْقِ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْمَعْرُورِ) وَفِي الْعِتْقِ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ سَاكِنُ الْعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بِالرَّبَذَةِ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ: مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ عَنْهُ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ، فَإِذَا حُلَّةٌ عَلَيْهِ مِنْهَا ثَوْبٌ وَعَلَى عَبْدِهِ مِنْهَا ثَوْبٌ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْحُلَّةَ ثَوْبَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي الْأَدَبِ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتُ هَذَا فَلَبِسْتُهُ كَانَتْ حُلَّةً وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً وَلِأَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ أَخَذْتَ الَّذِي عَلَى غُلَامِكِ فَجَعَلْتَهُ مَعَ الَّذِي عَلَيْكَ لَكَانَتْ حُلَّةً فَهَذَا مُوَافِقً لِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَصِيرَانِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حُلَّةً، وَلَوْ كَانَ كَمَا فِي الْأَصْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ لَكَانَ إِذَا جَمَعَهُمَا يَصِيرُ عَلَيْهِ حُلَّتَانِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ بُرْدٌ جَيِّدٌ تَحْتَهُ ثَوْبٌ خَلِقٌ مِنْ جِنْسِهِ وَعَلَى غُلَامِهِ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَخَذْتَ الْبُرْدَ الْجَيِّدَ فَأَضَفْتَهُ إِلَى الْبُرْدِ الْجَيِّدِ الَّذِي عَلَيْكَ وَأَعْطَيْتَ الْغُلَامَ الْبُرْدَ الْخَلِقَ بَدَلَهُ لَكَانَتْ حُلَّةً جَيِّدَةً، فَتَلْتَئِمُ بِذَلِكَ الرِّوَايَتَانِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ لَكَانَتْ حُلَّةً أَيْ: كَامِلَةَ الْجَوْدَةِ، فَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْحُلَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ يَحُلُّهُمَا مِنْ طَيِّهِمَا، فَأَفَادَ أَصْلَ تَسْمِيَةِ الْحُلَّةِ. وَغُلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ لَمْ يُسَمَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا مُرَاوِحٍ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْكُنَى أَنَّ اسْمَهُ سَعْدٌ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ) أَيْ: عَنِ السَّبَبِ فِي إِلْبَاسِهِ غُلَامَهُ نَظِيرَ لُبْسِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَأْلُوفِ، فَأَجَابَهُ بِحِكَايَةِ الْقِصَّةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (سَابَبْتُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ شَاتَمْتُ وَفِي الْأَدَبِ لِلْمُؤَلِّفِ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ إِخْوَانِي وَقِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَى ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ مُنْقَطِعًا. وَمَعْنَى سَابَبْتُ وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِبَابٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مِنَ السَّبِّ بِالتَّشْدِيدِ وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبَّةِ وَهِيَ حَلْقَةُ الدُّبُرِ، سَمَّى الْفَاحِشَ مِنَ الْقَوْلِ بِالْفَاحِشِ مِنَ الْجَسَدِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ قَطْعُ الْمَسْبُوبِ، وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ السَّابِّ إِبْدَاءَ عَوْرَةِ الْمَسْبُوبِ.

قَوْلُهُ: (فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) أَيْ: نَسَبْتُهُ إِلَى الْعَارِ، زَادَ فِي الْأَدَبِ: وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ. قُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، وَالْأَعْجَمِيُّ مَنْ لَا يُفْصِحُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إنَّك في تعييره بأمِّه على خُلُقٍ من أخلاق الجاهليَّة، ولستَ جاهلًا محضًا (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «﷿»، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقال الله»: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾) أي: يُكْفَر به ولو بتكذيب نبيِّه؛ لأنَّ من جحد نبوَّة الرَّسول مثلًا فهو كافرٌ ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخرَ، والمغفرة منتفيةٌ (١) عنه بلا خلافٍ (﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]) فصيَّر ما دون الشِّرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التَّوحيد غير مُخلَّد في النَّار وإن ارتكب من الكبائر غير الشِّرك ما عساه أن يرتكب.

٣٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُوحَّدة الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حَيَّان -بالمُهمَلَة المفتوحة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة- ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت: «عن واصلٍ الأحدب» وللأَصيليِّ: «هو الأحدب» (عَنِ المَعْرُورِ) بعينٍ مُهملَةٍ وراءين مُهمَلَتين بينهما واوٌ، وفي رواية ابن عساكر زيادة: «ابن سويد» (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقال»: (لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) بالذَّال المُعجَمَة المفتوحة وتشديد الرَّاء، جُندَُبُ، بضمِّ الجيم والدَّال المُهملَة، وقد تُفتَح، ابن جُنادة -بضمِّ الجيم- الغفاريُّ السَّابق في الإسلام، الزَّاهد

القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين، حال كونه (١) (بالرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والذَّال المُعجَمَة، منزلٌ للحاجِّ العراقيِّ على ثلاث مراحل من المدينة، وله في «البخاريِّ» أربعةَ عَشَرَ حديثًا (وَعَلَيْهِ) أي: لقيته حال كونه عليه (حُلَّةٌ) بضمِّ المُهمَلَة؛ ولا تكون إلَّا من ثوبين، سُمِّيا بذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ على الآخر (وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) أي: وحال كون غلامه عليه حُلَّةٌ، ففيه ثلاثة أحوالٍ، قال في «فتح الباري»: ولم يُسمَّ غلام أبي ذَرٍّ، ويحتمل أن يكون أبا مراوحٍ (٢) مولى أبي ذَرٍّ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن تساويهما في لبس الحُلَّة، وسبب السُّؤال: أنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ ثياب الغلام دون ثياب سيِّده (فَقَالَ) أبو ذَرٍّ : (إِنِّي سَابَبْتُ) بمُوحَّدتَين، أي: شاتمتُ (رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) بالعين المُهملَة، أي: نسبته إلى العار، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد (٣)»: وكانت أمُّه أعجميَّةً فَنِلْتُ منها [خ¦٦٠٥٠] (٤)، وفي روايةٍ: «فقلت له: يا بْن السَّوداء» (فَقَالَ لِيَ (٥) النَّبِيُّ : يَا أَبَا ذَرٍّ؛ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟!) بالاستفهام على وجه الإنكار التَّوبيخيِّ (إِنَّكَ امْرُؤٌ) بالرَّفع خبر «إنَّ»، وعين كلمته تابعةٌ للامها في أحوالها الثَّلاث (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، ولعلَّ هذا كان من أبي ذَرٍّ قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهليَّة باقيةً عنده؛ ولذا قال له : «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ» وإلَّا فأبو ذَرٍّ من الإيمان بمنزلةٍ عاليةٍ، وإنَّما وبَّخه بذلك -

على عظيم منزلته- تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك، وعند الوليد بن مسلمٍ منقطعًا -كما ذكره في «الفتح» - أنَّ الرَّجل المذكور هو بلال المؤذِّن، وروى البرماويُّ: أنَّه لما شكاه بلالٌ إلى رسول الله قال له: «شتمتَ بلالًا وعيَّرتَه بسواد أُمِّه؟» قال: نعم (١)، قال: «حسبتُ أنَّه بقي فيك شيءٌ من كِبْر الجاهليَّة»، فألقى أبو ذَرٍّ خدَّه على التُّراب، ثمَّ قال: لا أرفع خدِّي حتَّى يَطَأَ بلالٌ خدّي بقدمه. زاد ابن الملقِّن: فَوَطِئَ خدَّه. انتهى.، ثمَّ قال رسول الله : (إِخْوَانُكُمْ) أي: في الإسلام، أو من جهة أولاد آدمَ، فهو على سبيل المجاز (خَوَلُكُمْ) بفتح أوَّله المُعجَم والواوِ، أي: خدمكم أو عبيدكم الذين يتخوَّلون الأمور، أي: يصلحونها، وقدَّم الخبرَ على المبتدأ في قوله: «إخوانُكم خَوَلُكم» للاهتمام بشأن الأخوَّة، ويجوز أن يكونا خبرين حُذِفَ من كلٍّ مبتدؤُه، أي: هم إخوانُكم هم خَوَلُكم، وأعربه الزَّركشيُّ بالنَّصب، أي: احفظوا، قال: وقال أبو البقاء: إنَّه أجود، لكنْ رواه البخاريُّ في «كتاب حسن الخلق» [خ¦٦٠٥٠]: «هم إخوانكم» وهو يرجِّح تقدير الرَّفع، هم (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) مجازٌ عن القدرة أو المُلْك، أي: وأنتم مالكون إيَّاهم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ) أي: من الذي يأكله ومن الذي يلبسه، والمُثنَّاة التَّحتيَّة في «فليُطعمه» و «ليُلبسه» مضمومةٌ، وفي «يَلبس» مفتوحةٌ، والفاء في «فمن»

عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: وأنتم مالكون … ؛ إلى آخر ما مرَّ، ويجوز أن تكون سببيَّة؛ كما في: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] و «مِن»: للتَّبعيض، فإذا أطعم عبده ممَّا يقتاته كان قد أطعمه ممَّا يأكله، ولا يلزمه أن يطعمه من كلِّ مأكوله على العموم؛ من الأدم وطيِّبات العيش، لكنْ يُستَحبُّ له ذلك (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا) أي: الذي (يَغْلِبُهُمْ) أي: تعجز قدرتهم عنه، والنَّهيُ فيه (١) للَّتحريم (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ) ما يغلبهم (فَأَعِينُوهُمْ) ويلحق بالعبد: الأجير والخادم والضَّيف والدَّابَّة.

وفي الحديث: النَّهيُ عن سبِّ العبيد ومَنْ في معناهم، وتعييرِهم بآبائهم، والحثُّ على الإحسان إليهم والرِّفق بهم، وأنَّ التَّفاضل الحقيقيَّ بين المسلمين إنَّما هو في التَّقوى (٢)، فلا يفيد الشَّريف النَّسيب نسبه إذا لم يكن من أهل التَّقوى، ويفيد الوضيع النَّسب بالتَّقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وجواز إطلاق «الأخ» على الرَّقيق، والمُحافَظة على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكَر، وفي رجاله بصريٌّ وواسطيٌّ وكوفيَّان، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» [خ¦٢٥٤٥] و «الأدب» [خ¦٦٠٥٠]، ومسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ باختلاف ألفاظٍ بينهم.

(٢٢ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾) أي: تقاتلوا، والجمع باعتبار المعنى، فإنَّ كلَّ طائفةٍ جمعٌ (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) بالنُّصح والدُّعاء إلى حكم الله تعالى، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «﴿اقْتَتَلُوا﴾ … الآية» (فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ) ولابن عساكرَ «مؤمنين» مع تقاتلهم، كذا في رواية الأَصيليِّ وغيره، فَصْلُ هذه الآية والحديث التَّالي لها ببابٍ كما ترى، وأمَّا رواية أبي ذَرٍّ عن مشايخه فأدخل ذلك في الباب السَّابق بعد قوله ﷿: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المُستملي.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى مَأْلُوفِ الْمُصَنِّفِ، وَيُعَضِّدُهُ إِيرَادُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَالْعَشِيرُ الزَّوْجُ، قِيلَ لَهُ عَشِيرٌ بِمَعْنَى مُعَاشِرٍ مِثْلُ أَكِيلٍ بِمَعْنَى مُؤَاكِلٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي ب ابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ تَامًّا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ ثَمَّ.

وَنُنَبِّهُ هُنَا عَلَى فَائِدَتَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَذْهَبُ إِلَى جَوَازِ تَقْطِيعِ الْحَدِيثِ، إِذَا كَانَ مَا يَفْصِلُهُ مِنْهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ تَعَلُّقًا يُفْضِي إِلَى فَسَادِ الْمَعْنَى، فَصَنِيعُهُ كَذَلِكَ يُوهِمُ مَنْ لَا يَحْفَظُ الْحَدِيثَ أَنَّ الْمُخْتَصَرَ غَيْرُ التَّامِّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْمُخْتَصَرِ مِنْ أَثْنَاءِ التَّامِّ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هُنَا قَوْلُهُ أُرِيتُ النَّارَ إِلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ مِنْهُ، وَأَوَّلُ التَّامِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ قِصَّةَ صَلَاةِ الْخُسُوفِ ثُمَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ وَفِيهَا الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ هُنَا، فَمَنْ أَرَادَ عَدَّ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْكِتَابُ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حَدِيثَانِ أَوْ أَكْثَرُ لِاخْتِلَافِ الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ مَنْ حَكَى أَنَّ عِدَّتَهُ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ أَوْ نَحْوُهَا كَابْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ وَمَنْ بَعْدَهُمَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ عِدَّتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ أَلْفَا حَدِيثٍ وَخَمْسُمِائَةِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي الْمُقَدِّمَةِ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَقَرَّرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يُعِيدُ الْحَدِيثَ إِلَّا لِفَائِدَةٍ، لَكِنْ تَارَةً تَكُونُ فِي الْمَتْنِ، وَتَارَةً فِي الْإِسْنَادِ، وَتَارَةً فِيهِمَا. وَحَيْثُ تَكُونُ فِي الْمَتْنِ خَاصَّةً لَا يُعِيدُهُ بِصُورَتِهِ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَإِنْ كَثُرَتْ طُرُقُهُ أَوْرَدَ لِكُلِّ بَابٍ طَرِيقًا، وَإِنْ قَلَّتِ اخْتَصَرَ الْمَتْنَ أَوِ الْإِسْنَادَ.

وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ هُنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ - وَهُوَ الْقَعْنَبِيُّ - مُخْتَصَرًا مُقْتَصَرًا عَلَى مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْكُفْرَ يُطْلَقُ عَلَى بَعْضِ الْمَعَاصِي، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَابِ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ نَارٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُغَايِرِ اقْتَصَرَ عَلَى مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ فَقَطْ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ تَامًّا، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ فِي ذِكْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ عَنْ شَيْخٍ غَيْرِ الْقَعْنَبِيِّ مُقْتَصَرًا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ عَنْ شَيْخٍ غَيْرِهِمَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُحْمَلُ جَمِيعُ تَصَرُّفِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِي كِتَابِهِ حَدِيثٌ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعَيْنِ فَصَاعِدًا إِلَّا نَادِرًا وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ حَيْثُ ذَكَرَهُ تَامًّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٢ - بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ، عَنْ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ

[الحديث ٣٠ - طرفاه في: ٦٠٥٠، ٢٥٤٥]

بَاب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فَسَمَّاهُمْ الْمُؤْمِنِينَ

٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ الْأَحْنَفِ

ابْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. "

[الحديث ٣١ - طرفاه في: ٧٠٨٣، ٦٨٧٥]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَقَوْلُهُ الْمَعَاصِي مُبْتَدَأٌ، وَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ خَبَرُهُ، وَالْجَاهِلِيَّةُ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يُطْلَقُ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَيْ: فِي حَالِ جَاهِلِيَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُكَفَّرُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا بِالشِّرْكِ) أَيْ: إِنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ فَهِيَ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالشِّرْكُ أَكْبَرُ الْمَعَاصِي وَلِهَذَا اسْتَثْنَاهُ. وَمُحَصَّلُ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْكُفْرُ مَجَازًا عَلَى إِرَادَةِ كُفْرِ النِّعْمَةِ لَا كُفْرِ الْجَحْدِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَنَصُّ الْقُرْآنِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَصَيَّرَ مَا دُونَ الشِّرْكِ تَحْتَ إِمْكَانِ الْمَغْفِرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالشِّرْكِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكُفْرُ ; لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ مَثَلًا كَانَ كَافِرًا وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَالْمَغْفِرَةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ.

وَقَدْ يَرِدُ الشِّرْكُ وَيُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنَ الْكُفْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ كَالْخَوَارِجِ، وَيَقُولُ: إِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَالْآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مَنْ مَاتَ عَلَى كُلِّ ذَنْبٍ سِوَى الشِّرْكِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي اسْتِدْلَالِهِ بِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ عَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّعْيِيرَ لَيْسَ كَبِيرَةً، وَهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ بِالصَّغَائِرِ. قُلْتُ: اسْتِدْلَالُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآيَةِ ظَاهِرٌ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّمَا ذُكِرَتْ لِيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ بَقِيَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ سِوَى الشِّرْكِ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الصَّغَائِرِ أَمِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ. وَاسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا يَكْفُرُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْقَى عَلَيْهِ اسْمَ الْمُؤْمِنَ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَسَمَّاهُمَا مُسْلِمَيْنِ مَعَ التَّوَعُّدِ بِالنَّارِ، وَالْمُرَادُ هُنَا إِذَا كَانَتِ الْمُقَاتَلَةُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ.

وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ لِأَبِي ذَرٍّ: فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، أَيْ: خَصْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، مَعَ أَنَّ مَنْزِلَةَ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْإِيمَانِ فِي الذُّرْوَةِ الْعَالِيَةِ، وَإِنَّمَا وَبَّخَهُ بِذَلِكَ - عَلَى عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ - تَحْذِيرًا لَهُ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعُذْرِ، لَكِنْ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِهِ يُسْتَعْظَمُ أَكْثَرَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، وَقَدْ وَضَحَ بِهَذَا وَجْهُ دُخُولِ الْحَدِيثَيْنِ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ، وَهَذَا عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ، لَكِنْ سَقَطَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ فَأَفْرَدَ فِيهَا حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ بِتَرْجَمَةِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكُلٌّ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ جَمْعًا وَتَفْرِيقًا حَسَنٌ. وَالطَّائِفَةُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ حُضُورِ أَرْبَعَةٍ فِي رَجْمِ الزَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَالْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْجَلْدِ وَلَا اشْتِرَاطَ فِيهِ وَالِاشْتِرَاطُ فِي الرَّجْمِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ثَلَاثَةٍ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ فَذَاكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ

الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ وَاصِلٍ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، وَلِلْأَصِيلِيِّ هُوَ الْأَحْدَبُ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْعِتْقِ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْمَعْرُورِ) وَفِي الْعِتْقِ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَاتٍ سَاكِنُ الْعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (بِالرَّبَذَةِ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ: مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ.

قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ شُعْبَةَ عَنْهُ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ، فَإِذَا حُلَّةٌ عَلَيْهِ مِنْهَا ثَوْبٌ وَعَلَى عَبْدِهِ مِنْهَا ثَوْبٌ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْحُلَّةَ ثَوْبَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي الْأَدَبِ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتُ هَذَا فَلَبِسْتُهُ كَانَتْ حُلَّةً وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً وَلِأَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ أَخَذْتَ الَّذِي عَلَى غُلَامِكِ فَجَعَلْتَهُ مَعَ الَّذِي عَلَيْكَ لَكَانَتْ حُلَّةً فَهَذَا مُوَافِقً لِقَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَصِيرَانِ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حُلَّةً، وَلَوْ كَانَ كَمَا فِي الْأَصْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُلَّةٌ لَكَانَ إِذَا جَمَعَهُمَا يَصِيرُ عَلَيْهِ حُلَّتَانِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ بُرْدٌ جَيِّدٌ تَحْتَهُ ثَوْبٌ خَلِقٌ مِنْ جِنْسِهِ وَعَلَى غُلَامِهِ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَخَذْتَ الْبُرْدَ الْجَيِّدَ فَأَضَفْتَهُ إِلَى الْبُرْدِ الْجَيِّدِ الَّذِي عَلَيْكَ وَأَعْطَيْتَ الْغُلَامَ الْبُرْدَ الْخَلِقَ بَدَلَهُ لَكَانَتْ حُلَّةً جَيِّدَةً، فَتَلْتَئِمُ بِذَلِكَ الرِّوَايَتَانِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ لَكَانَتْ حُلَّةً أَيْ: كَامِلَةَ الْجَوْدَةِ، فَالتَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْحُلَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ يَحُلُّهُمَا مِنْ طَيِّهِمَا، فَأَفَادَ أَصْلَ تَسْمِيَةِ الْحُلَّةِ. وَغُلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ لَمْ يُسَمَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا مُرَاوِحٍ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْكُنَى أَنَّ اسْمَهُ سَعْدٌ.

قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ) أَيْ: عَنِ السَّبَبِ فِي إِلْبَاسِهِ غُلَامَهُ نَظِيرَ لُبْسِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَأْلُوفِ، فَأَجَابَهُ بِحِكَايَةِ الْقِصَّةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (سَابَبْتُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ شَاتَمْتُ وَفِي الْأَدَبِ لِلْمُؤَلِّفِ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ إِخْوَانِي وَقِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَى ذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ مُنْقَطِعًا. وَمَعْنَى سَابَبْتُ وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سِبَابٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مِنَ السَّبِّ بِالتَّشْدِيدِ وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّبَّةِ وَهِيَ حَلْقَةُ الدُّبُرِ، سَمَّى الْفَاحِشَ مِنَ الْقَوْلِ بِالْفَاحِشِ مِنَ الْجَسَدِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ قَطْعُ الْمَسْبُوبِ، وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ السَّابِّ إِبْدَاءَ عَوْرَةِ الْمَسْبُوبِ.

قَوْلُهُ: (فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) أَيْ: نَسَبْتُهُ إِلَى الْعَارِ، زَادَ فِي الْأَدَبِ: وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ. قُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، وَالْأَعْجَمِيُّ مَنْ لَا يُفْصِحُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ سَوَاءٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إنَّك في تعييره بأمِّه على خُلُقٍ من أخلاق الجاهليَّة، ولستَ جاهلًا محضًا (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «﷿»، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقال الله»: (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾) أي: يُكْفَر به ولو بتكذيب نبيِّه؛ لأنَّ من جحد نبوَّة الرَّسول مثلًا فهو كافرٌ ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخرَ، والمغفرة منتفيةٌ (١) عنه بلا خلافٍ (﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]) فصيَّر ما دون الشِّرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التَّوحيد غير مُخلَّد في النَّار وإن ارتكب من الكبائر غير الشِّرك ما عساه أن يرتكب.

٣٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بالمُوحَّدة الأزديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاصِلٍ) هو ابن حَيَّان -بالمُهمَلَة المفتوحة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة- ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت: «عن واصلٍ الأحدب» وللأَصيليِّ: «هو الأحدب» (عَنِ المَعْرُورِ) بعينٍ مُهملَةٍ وراءين مُهمَلَتين بينهما واوٌ، وفي رواية ابن عساكر زيادة: «ابن سويد» (قَالَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «وقال»: (لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) بالذَّال المُعجَمَة المفتوحة وتشديد الرَّاء، جُندَُبُ، بضمِّ الجيم والدَّال المُهملَة، وقد تُفتَح، ابن جُنادة -بضمِّ الجيم- الغفاريُّ السَّابق في الإسلام، الزَّاهد

القائل بحرمة ما زاد من المال على الحاجة، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين، حال كونه (١) (بالرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والمُوحَّدة والذَّال المُعجَمَة، منزلٌ للحاجِّ العراقيِّ على ثلاث مراحل من المدينة، وله في «البخاريِّ» أربعةَ عَشَرَ حديثًا (وَعَلَيْهِ) أي: لقيته حال كونه عليه (حُلَّةٌ) بضمِّ المُهمَلَة؛ ولا تكون إلَّا من ثوبين، سُمِّيا بذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ على الآخر (وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) أي: وحال كون غلامه عليه حُلَّةٌ، ففيه ثلاثة أحوالٍ، قال في «فتح الباري»: ولم يُسمَّ غلام أبي ذَرٍّ، ويحتمل أن يكون أبا مراوحٍ (٢) مولى أبي ذَرٍّ (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن تساويهما في لبس الحُلَّة، وسبب السُّؤال: أنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ ثياب الغلام دون ثياب سيِّده (فَقَالَ) أبو ذَرٍّ : (إِنِّي سَابَبْتُ) بمُوحَّدتَين، أي: شاتمتُ (رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ) بالعين المُهملَة، أي: نسبته إلى العار، وعند المؤلِّف في «الأدب المُفرَد (٣)»: وكانت أمُّه أعجميَّةً فَنِلْتُ منها [خ¦٦٠٥٠] (٤)، وفي روايةٍ: «فقلت له: يا بْن السَّوداء» (فَقَالَ لِيَ (٥) النَّبِيُّ : يَا أَبَا ذَرٍّ؛ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟!) بالاستفهام على وجه الإنكار التَّوبيخيِّ (إِنَّكَ امْرُؤٌ) بالرَّفع خبر «إنَّ»، وعين كلمته تابعةٌ للامها في أحوالها الثَّلاث (فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، ولعلَّ هذا كان من أبي ذَرٍّ قبل أن يعرف تحريم ذلك، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهليَّة باقيةً عنده؛ ولذا قال له : «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ» وإلَّا فأبو ذَرٍّ من الإيمان بمنزلةٍ عاليةٍ، وإنَّما وبَّخه بذلك -

على عظيم منزلته- تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك، وعند الوليد بن مسلمٍ منقطعًا -كما ذكره في «الفتح» - أنَّ الرَّجل المذكور هو بلال المؤذِّن، وروى البرماويُّ: أنَّه لما شكاه بلالٌ إلى رسول الله قال له: «شتمتَ بلالًا وعيَّرتَه بسواد أُمِّه؟» قال: نعم (١)، قال: «حسبتُ أنَّه بقي فيك شيءٌ من كِبْر الجاهليَّة»، فألقى أبو ذَرٍّ خدَّه على التُّراب، ثمَّ قال: لا أرفع خدِّي حتَّى يَطَأَ بلالٌ خدّي بقدمه. زاد ابن الملقِّن: فَوَطِئَ خدَّه. انتهى.، ثمَّ قال رسول الله : (إِخْوَانُكُمْ) أي: في الإسلام، أو من جهة أولاد آدمَ، فهو على سبيل المجاز (خَوَلُكُمْ) بفتح أوَّله المُعجَم والواوِ، أي: خدمكم أو عبيدكم الذين يتخوَّلون الأمور، أي: يصلحونها، وقدَّم الخبرَ على المبتدأ في قوله: «إخوانُكم خَوَلُكم» للاهتمام بشأن الأخوَّة، ويجوز أن يكونا خبرين حُذِفَ من كلٍّ مبتدؤُه، أي: هم إخوانُكم هم خَوَلُكم، وأعربه الزَّركشيُّ بالنَّصب، أي: احفظوا، قال: وقال أبو البقاء: إنَّه أجود، لكنْ رواه البخاريُّ في «كتاب حسن الخلق» [خ¦٦٠٥٠]: «هم إخوانكم» وهو يرجِّح تقدير الرَّفع، هم (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) مجازٌ عن القدرة أو المُلْك، أي: وأنتم مالكون إيَّاهم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ) أي: من الذي يأكله ومن الذي يلبسه، والمُثنَّاة التَّحتيَّة في «فليُطعمه» و «ليُلبسه» مضمومةٌ، وفي «يَلبس» مفتوحةٌ، والفاء في «فمن»

عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: وأنتم مالكون … ؛ إلى آخر ما مرَّ، ويجوز أن تكون سببيَّة؛ كما في: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] و «مِن»: للتَّبعيض، فإذا أطعم عبده ممَّا يقتاته كان قد أطعمه ممَّا يأكله، ولا يلزمه أن يطعمه من كلِّ مأكوله على العموم؛ من الأدم وطيِّبات العيش، لكنْ يُستَحبُّ له ذلك (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا) أي: الذي (يَغْلِبُهُمْ) أي: تعجز قدرتهم عنه، والنَّهيُ فيه (١) للَّتحريم (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ) ما يغلبهم (فَأَعِينُوهُمْ) ويلحق بالعبد: الأجير والخادم والضَّيف والدَّابَّة.

وفي الحديث: النَّهيُ عن سبِّ العبيد ومَنْ في معناهم، وتعييرِهم بآبائهم، والحثُّ على الإحسان إليهم والرِّفق بهم، وأنَّ التَّفاضل الحقيقيَّ بين المسلمين إنَّما هو في التَّقوى (٢)، فلا يفيد الشَّريف النَّسيب نسبه إذا لم يكن من أهل التَّقوى، ويفيد الوضيع النَّسب بالتَّقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وجواز إطلاق «الأخ» على الرَّقيق، والمُحافَظة على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكَر، وفي رجاله بصريٌّ وواسطيٌّ وكوفيَّان، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «العتق» [خ¦٢٥٤٥] و «الأدب» [خ¦٦٠٥٠]، ومسلمٌ في «الأيمان والنُّذور»، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ باختلاف ألفاظٍ بينهم.

(٢٢ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾) أي: تقاتلوا، والجمع باعتبار المعنى، فإنَّ كلَّ طائفةٍ جمعٌ (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) بالنُّصح والدُّعاء إلى حكم الله تعالى، وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «﴿اقْتَتَلُوا﴾ … الآية» (فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ) ولابن عساكرَ «مؤمنين» مع تقاتلهم، كذا في رواية الأَصيليِّ وغيره، فَصْلُ هذه الآية والحديث التَّالي لها ببابٍ كما ترى، وأمَّا رواية أبي ذَرٍّ عن مشايخه فأدخل ذلك في الباب السَّابق بعد قوله ﷿: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المُستملي.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله