«سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٦١

الحديث رقم ٣٦١ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا كان الثوب ضيقا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٦١ في صحيح البخاري

«سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟. فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ. قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ».

إسناد حديث البخاري رقم ٣٦١

٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالنَّهْيَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ جَعَلَهُ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ وَيَأْثَمُ جَعَلَهُ وَاجِبًا مُسْتَقْبِلًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ. كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ عَنِ النَّوَوِيِّ مِنْ حِكَايَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ، وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْحِ الْمَعَانِي وَنَقَلَ الْمَنْعَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ.

وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ لِأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَيَجِبُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فلا يَجِبُ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَاتِقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مناسبةُ تَعْقِيبِهِ بِبَابٍ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا.

٦ - بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا

٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ غَزْوَةُ بُوَاطٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَغَازِيهِ .

قَوْلُهُ: (لِبَعْضِ أَمْرِي) أَيْ حَاجَتِي، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَهُ هُوَ وَجَبَّارَ بْنَ صَخْرٍ لِتَهْيِئَةِ الْمَاءِ فِي الْمَنْزِلِ.

قَوْلُهُ: (مَا السُّرَى) أَيْ مَا سَبَبُ سُرَاكَ أَيْ سَيْرِكَ فِي اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ) كَأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ أَنْ يُدِيرَ الثَّوْبَ عَلَى بَدَنِهِ كُلِّهِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّمَّاءِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّوْبَ كَانَ ضَيِّقًا وَأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَتَوَاقَصَ - أَيِ انْحَنَى - عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ لَمْ يَصِرْ سَاتِرًا فَانْحَنَى لِيَسْتَتِرَ، فَأَعْلَمَهُ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالِائْتِزَارِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاقُصِ الْمُغَايِرِ لِلِاعْتِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ ثَوْبٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الْمُشْتَمِلُ بِهِ ثَوْبًا، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ضَيِّقًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

طَرَفَيْهِ) حمل الجمهورُ الأمرَ هنا على الاستحباب، وأتى بلفظ: «أشهد» تأكيدًا لحفظه، وتحقيقًا لاستحضاره.

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا) كيف يفعل المصلِّي؟

٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظَّاء المعجمة، الحمصيُّ الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في الثَّاني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بالثَّاء المثلَّثة، الأنصاريِّ قاضي المدينة (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) في غزوة بُوَاطٍ كما في «مسلمٍ» (١) (فَجِئْتُ لَيْلَةً) إلى رسول الله (لِبَعْضِ أَمْرِي) أي: لأجلِ بعضِ حوائجي

(فَوَجَدْتُهُ) (يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًّا إلى جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من الصَّلاة (قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) بضمِّ السِّين والقصر، أي: ما سببُ سيرِكَ في اللَّيل؟ وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في اللَّيل أمرٌ أكيدٌ (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) : (مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!) هو استفهامٌ إنكاريٌّ، وقد وقع في «مسلمٍ» التَّصريحُ بسببِ الإنكارِ، وهو أنَّ الثَّوبَ كان ضيِّقًا، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتواقصَ، أي: انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثَّوبِ لم يصر ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه بأنَّ محلَّ ذلك ما إذا كان الثَّوبُ واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيِّقًا فإنَّه يجزئه أن يتَّزرَ به لأنَّ القصدَ الأصليَّ ستر العورة، وهو يحصل بالاتِّزار، ولا يحتاج إلى التَّواقصِ المغايرِ للاعتدالِ المأمورِ به، أو الَّذي أنكره هو اشتمال الصَّمَّاء وهو أن يجلِّل نفسه بثوبٍ ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إِلَّا من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته، قال جابر: (قُلْتُ: كَانَ) الَّذي اشتملت به (ثَوْبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذَرٍّ (١): «ثَوْبٌ» (٢) بالرَّفع، قال ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ والزَّركشيُّ على أنَّ «كان» تامَّةٌ، فلا تحتاج إلى خبرٍ، واعترضه البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنًى لإخباره بوجود ثوبٍ في الجملة؟! فينبغي أن يقدِّر ما يناسب المقام، زاد في فرع «اليونينيَّة»: «يَعْنِي: ضَاقَ» وهو ساقطٌ للأربعة (٣) (قَالَ) : (فَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (وَاسِعًا فَالتَحِفْ) أي: ارتدِ (بِهِ) أي: بأن يأتزرَ بأحدِ طرفيه ويرتديَ بالطَّرفِ الآخرِ منه (وَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التَّاء، وهو يردُّ على التَّصريفيِّين حيث جعلوه خطأً.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ، عَنْ شَيْبَانَ، وَقَدْ حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالنَّهْيَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى التَّنْزِيهِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَرَكَهُ جَعَلَهُ مِنَ الشَّرَائِطِ، وَعَنْهُ تَصِحُّ وَيَأْثَمُ جَعَلَهُ وَاجِبًا مُسْتَقْبِلًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: ظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهِ. كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَمَّا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ عَنِ النَّوَوِيِّ مِنْ حِكَايَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَمَ الْجَوَازِ، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ، وَعَقَدَ الطَّحَاوِيُّ لَهُ بَابًا فِي شَرْحِ الْمَعَانِي وَنَقَلَ الْمَنْعَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ طَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَجَمَعَ الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مُشْتَمِلًا فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ.

وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وُجُوبَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّرَفَ الَّذِي هُوَ لَابِسُهُ مِنَ الثَّوْبِ غَيْرُ مُتَّسِعٍ لِأَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيَفْضُلُ مِنْهُ مَا كَانَ لِعَاتِقِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَيَجِبُ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فلا يَجِبُ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى الْعَاتِقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مناسبةُ تَعْقِيبِهِ بِبَابٍ إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا.

٦ - بَاب إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا

٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ، يَعْنِي ضَاقَ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) عَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ جَابِرٍ غَزْوَةُ بُوَاطٍ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَغَازِيهِ .

قَوْلُهُ: (لِبَعْضِ أَمْرِي) أَيْ حَاجَتِي، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ أَرْسَلَهُ هُوَ وَجَبَّارَ بْنَ صَخْرٍ لِتَهْيِئَةِ الْمَاءِ فِي الْمَنْزِلِ.

قَوْلُهُ: (مَا السُّرَى) أَيْ مَا سَبَبُ سُرَاكَ أَيْ سَيْرِكَ فِي اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ: (مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ) كَأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الِاشْتِمَالُ الَّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ أَنْ يُدِيرَ الثَّوْبَ عَلَى بَدَنِهِ كُلِّهِ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ. قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الصَّمَّاءِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ، لَكِنْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الْإِنْكَارَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الثَّوْبَ كَانَ ضَيِّقًا وَأَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَتَوَاقَصَ - أَيِ انْحَنَى - عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الثَّوْبِ لَمْ يَصِرْ سَاتِرًا فَانْحَنَى لِيَسْتَتِرَ، فَأَعْلَمَهُ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالِائْتِزَارِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاقُصِ الْمُغَايِرِ لِلِاعْتِدَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ ثَوْبٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ أَيْ كَانَ الْمُشْتَمِلُ بِهِ ثَوْبًا، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ضَيِّقًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

طَرَفَيْهِ) حمل الجمهورُ الأمرَ هنا على الاستحباب، وأتى بلفظ: «أشهد» تأكيدًا لحفظه، وتحقيقًا لاستحضاره.

(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا) كيف يفعل المصلِّي؟

٣٦١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ، بضمِّ الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظَّاء المعجمة، الحمصيُّ الحافظ الفقيه، المتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام آخره حاءٌ مهملةٌ في الأوَّل، وضمِّ السِّين وفتح اللَّام في الثَّاني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ) بالثَّاء المثلَّثة، الأنصاريِّ قاضي المدينة (قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) في غزوة بُوَاطٍ كما في «مسلمٍ» (١) (فَجِئْتُ لَيْلَةً) إلى رسول الله (لِبَعْضِ أَمْرِي) أي: لأجلِ بعضِ حوائجي

(فَوَجَدْتُهُ) (يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ) منتهيًا (إِلَى جَانِبِهِ) أو منضمًّا إلى جانبه (فَلَمَّا انْصَرَفَ) من الصَّلاة (قَالَ: مَا السُّرَى يَا جَابِرُ؟) بضمِّ السِّين والقصر، أي: ما سببُ سيرِكَ في اللَّيل؟ وإنَّما سأله لعلمه بأنَّ الحامل له على المجيء في اللَّيل أمرٌ أكيدٌ (فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ) : (مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟!) هو استفهامٌ إنكاريٌّ، وقد وقع في «مسلمٍ» التَّصريحُ بسببِ الإنكارِ، وهو أنَّ الثَّوبَ كان ضيِّقًا، وأنَّه خالفَ بين طرفيه وتواقصَ، أي: انحنى عليه كأنَّه عند المخالفة بين طرفي الثَّوبِ لم يصر ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه بأنَّ محلَّ ذلك ما إذا كان الثَّوبُ واسعًا، فأمَّا إذا كان ضيِّقًا فإنَّه يجزئه أن يتَّزرَ به لأنَّ القصدَ الأصليَّ ستر العورة، وهو يحصل بالاتِّزار، ولا يحتاج إلى التَّواقصِ المغايرِ للاعتدالِ المأمورِ به، أو الَّذي أنكره هو اشتمال الصَّمَّاء وهو أن يجلِّل نفسه بثوبٍ ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إِلَّا من أسفله خوفًا من أن تبدو عورته، قال جابر: (قُلْتُ: كَانَ) الَّذي اشتملت به (ثَوْبًا) واحدًا، ولكريمة وأبي ذَرٍّ (١): «ثَوْبٌ» (٢) بالرَّفع، قال ابن حجرٍ والبرماويُّ والعينيُّ والزَّركشيُّ على أنَّ «كان» تامَّةٌ، فلا تحتاج إلى خبرٍ، واعترضه البدرُ الدَّمامينيُّ فقال: الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيُّ معنًى لإخباره بوجود ثوبٍ في الجملة؟! فينبغي أن يقدِّر ما يناسب المقام، زاد في فرع «اليونينيَّة»: «يَعْنِي: ضَاقَ» وهو ساقطٌ للأربعة (٣) (قَالَ) : (فَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (وَاسِعًا فَالتَحِفْ) أي: ارتدِ (بِهِ) أي: بأن يأتزرَ بأحدِ طرفيه ويرتديَ بالطَّرفِ الآخرِ منه (وَإِنْ كَانَ) الثَّوبُ (ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في التَّاء، وهو يردُّ على التَّصريفيِّين حيث جعلوه خطأً.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله