«أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٤٣

الحديث رقم ٤٧٤٣ من كتاب «سورة الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب هذان خصمان اختصموا في ربهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٤٣ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي: حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ، يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ».

رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، وَقَالَ عُثْمَانُ: عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: قَوْلَهُ.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٧٤٣

٤٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَلْتَبِسَانِ، لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا النِّسْبَةُ، الثَّانِي أَبُو هَذَا فِيهِ أَدَاةُ الْكُنْيَةِ بِخِلَافِ الْمِصْرِيِّ، الثَّالِثُ وَلَا يَظْهَرُ غَالِبًا أَنَّ بُكَيْرًا جَدُّ الْمِصْرِيِّ وَأَبَا بُكَيْرٍ وَالِدُ الْكَرْمَانِيِّ، الرَّابِعُ الْمِصْرِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ وَالْكَرْمَانِيُّ شَيْخُ شَيْخِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْصُولًا، وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَلَمْ يُجَاوِزْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمِ الصَّائِغِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَذَكَرَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ.

قَوْلَهُ: (كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَيُسْلِمُ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ فَيُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ) هُوَ بِضَمِّ نُونٍ نُتِجَتْ فَهِيَ مَنْتُوجَةٌ مِثْلُ نُفِسَتْ فَهِيَ مَنْفُوسَةٌ، زَادَ الْعُوفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّ جِسْمُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَإِنْ صَحَّ جِسْمُهُ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ فَإِنْ وَجَدُوا عَامَ خِصْبٍ وَغَيْثٍ وَوِلَادٍ وَقَوْلُهُ: قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ رَضِيَ وَاطْمَأَنَّ وَقَالَ: مَا أَصَبْتُ فِي دِينِي إِلَّا خَيْرًا وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَالَ: لَنِعْمَ الدِّينُ هَذَا وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ قَالُوا: إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ تَلِدْ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ وَإِنْ وَجَدُوا عَامَ جَدْبٍ وَقَحْطٍ وَوِلَادِ سُوءٍ قَالُوا مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ وَفِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ الْمَدِينَةِ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَإِنْ سَقِمَ جِسْمُهُ وَحُبِسَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ وَأَصَابَتْهُ الْحَاجَةُ قَالَ: وَاللَّهِ لَيْسَ الدِّينُ هَذَا، مَا زِلْتُ أَتَعَرَّفُ النُّقْصَانَ فِي جِسْمِي وَحَالِي وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَعَارِيبَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ انْتَقَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بِذَرَارِيِّهِمْ وَامْتَنُّوا بِذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمَ فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ، فَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ: لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي خَيْرًا.

٣ - بَاب ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾

٤٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فيها قَسَمًا: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ. وَقَالَ عُثْمَانُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ .. قَوْلَهُ

٤٧٤٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَيْسٌ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ هُمْ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ

عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.

قوله: بَابُ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الْخَصْمَانِ تَثْنِيَةُ خَصْمٍ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَاصَمَةُ.

قَوْلُهُ: (يُقْسِمُ قَسَمًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُقْسِمُ فِيهَا وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مُسْتَوْفًى، وَنَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سُفْيَانُ) أَيِ الثَّوْرِيُّ (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) أَيْ شَيْخُ هُشَيْمٍ فِيهِ، وَهُوَ الرُّمَّانِيُّ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ مَوْصُولَةً فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَلِسُفْيَانَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُجِيبٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ) أَيِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (عَنْ جَرِيرٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) أَيِ ابْنِ الْمُعْتَمِرِ (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْلُهُ) أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَيْسٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادٍ الرَّاوِي الْمَذْكُورُ (وَفِيهِمْ نَزَلَتْ)، وَهَذَا لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ عَلَى قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ فِي الصَّحَابِيِّ، بَلْ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ تَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ قَيْسٍ، عَنْ عَلِيٍّ هَذَا الْقَدرَ الْمَذْكُورَ هُنَا فَقَطْ، وَرِوَايَةُ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ تَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَا سَبَقَ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ مَا فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرِ الرَّازِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ كَهْمَسَ بْنَ الْحَسَنِ رَوَاهُ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مُدْرَجَةٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ مُعْتَمِرٍ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ مُسْعَدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كَرِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عِنْدَ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَنْ عَلِيٍّ مَعًا بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا.

ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي إِرْسَالِهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَوَصْلَهُ، فَوَصَلَهُ عَنْهُ أَبُو هَاشِمٍ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَهُشَيْمٌ عَنْهُ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فَوَقَفَهُ عَلَى قَيْسٍ، وَأَمَّا مَنْصُورٌ فَوَقَفَهُ عَلَى أَبِي مِجْلَزٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْوَاصِلِ إِذَا كَانَ حَافِظًا، وَسُلَيْمَانُ، وَأَبُو هَاشِمٍ مُتَقَارِبَانِ فِي الْحِفْظِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ مَعَهُ زِيَادَةٌ، وَالثَّوْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْ مَنْصُورٍ فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَلَى أَنَّ الطَّبَرِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ مَوْصُولًا، فَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَرْتَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا أُعِيدُ مِثْلَ هَذَا لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: هُمُ الْكُفَّارُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ هُوَ اخْتِصَامُ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي الْبَعْثِ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي تَعْمِيمِ الْآيَةِ قَالَ: وَلَا يُخَالِفُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ لِأَنَّ الَّذِينَ تَبَارَزُوا بِبَدْرٍ كَانُوا فَرِيقَيْنِ مُؤْمِنِينَ وَكُفَّارَ، إِلَّا أَنَّ الْآيَةَ إِذَا نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِي نَظِيرِ ذَلِكَ السَّبَبِ.

٢٣ - سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَةُ. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

خَائِفِينَ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بَعِيدٌ بَعِيدٌ. ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الْمَلَائِكَةَ. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لَعَادِلُونَ. ﴿كَالِحُونَ﴾ عَابِسُونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالَةُ. وَالْجِنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ. وَالْغُثَاءُ: الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنْ الْمَاءِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ. ﴿سَامِرًا﴾ مِنْ السَّمَرِ، وَالْجَمعُ السُّمَّارُ، وَالسَّامِرُ هَا هُنَا فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ. ﴿تُسْحَرُونَ﴾ تَعْمَوْنَ مِنْ السِّحْرِ.

قَوْلُهُ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) هُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَثَلَهُ.

قَوْلُهُ ﴿سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) ثَبَتَتْ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خَائِفِينَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَ يَعْمَلُونَ خَائِفِينَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَ خَائِفَةٌ. وَلِلطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدُ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَثَلَهُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أَهْوَ الرَّجُلَ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُ اللَّهَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بِعِيدٍ بَعِيدٍ) وَصَلَهُ الطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَثَلَهُ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ تَبَاعُدُ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَقَالَ الْفِرَاءُ: إِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي لَمَّا تُوعِدُونَ لِأَنَّ هَيْهَاتَ أَدَاةً لَيْسَتْ بِمَأْخُوذَةٍ مِنْ فِعْلٍ بِمَنْزِلَةِ قَرِيبٍ وَبِعِيدٍ كَمَا تَقُولُ: هَلُمَّ لَكَ فَإِذَا قُلْتَ أَقْبَلُ لَمْ تَقُلْ لَكَ.

قَوْلُهُ ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الْمَلَائِكَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسْفِي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَاسْأَلْ إِلَخْ، وَهُوَ أَوْلَى، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ الْعَادِّينَ. قَالَ: الْحُسَّابُ أَيْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَسْتَأْخِرُونَ) ثَبَتَ عِنْدَ النَّسْفِي وَحَدَّهُ، وَوَصْلَهُ الطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ. قَوْلُهُ ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لَعَادِلُونَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَنَاكِبُونَ إلَخْ وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ وَفِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَثَلُهُ زَادَ: وَيُقَالُ نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ أَيْ عَدَلَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ ﴿كَالِحُونَ﴾ عَابِسُونَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مِثْلُ كُلُوحِ الرَّأْسِ النَّضِيخِ، وَكَشَّرَ عَنْ ثَغْرِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا وَتَسْتَرْخِي السُّفْلَى.

قَوْلُهُ (وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ سُلَالَةِ الْوَلَدَ، وَالنُّطْفَةُ السُّلَالَةُ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ﴾ السُّلَالَةُ الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ السُّلَالَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَهَلْ هِنْدُ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ … سُلَالَةُ أَفْرَاسٍ تَحَلَّلَهَا بَغْلُ

انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ اسْتُلَّ آدَمُ مِنْ طِينٍ وَخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ

مَاءٍ مَهِينٍ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْكَرْمَانِيُّ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ لَا يَصْحُ تَفْسِيرُ السُّلَالَةِ بِالْوَلَدِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مِنَ الْوَلَدِ بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُفَسِّرِ السُّلَالَةَ بِالْوَلَدِ، بَلِ الْوَلَدُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ السُّلَالَةُ، وَالْمَعْنَى السُّلَالَةُ وَمَا يَسْتَلُّ مِنَ الشَّيْءِ كَالْوَلَدِ وَالنُّطْفَةِ انْتَهَى. وَهُوَ جَوَابٌ مُمْكِنٌ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْبَاهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَبُو عُبَيْدَةَ تَفْسِيرَ السُّلَالَةِ بِالْوَلَدِ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَفْظَ السُّلَالَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالنُّطْفَةِ وَالشَّيْءِ الَّذِي يَسْتَلُّ مِنَ الشَّيْءِ وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فِي الْآيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا وَرَدَ فِيهَا وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَ.

قَوْلُهُ (وَالْجَنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَالْغُثَاءُ الزَّبَدُ وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَاءِ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ الْغُثَاءُ الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَلَى الْمَاءِ مِنَ الْجِيَفِ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي شَيْءٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ (غُثَاءً) قَالَ: هُوَ الشَّيْءُ الْبَالِيَ.

قَوْلُهُ (يَجْأَرُونَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ (عَلَى أَعْقَابِكُمْ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ (سَامِرًا مِنَ السَّمَرِ وَالْجَمْعِ السُّمَّارُ، وَالسَّامِرُ هَاهُنَا فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ) ثَبَتَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ.

قَوْلُهُ (تُسْحَرُونَ تَعْمَوْنَ مِنَ السِّحْرِ).

٢٤ - سُورَةُ النُّورِ

﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ. ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ وَهُوَ الضِّيَاءُ، ﴿مُذْعِنِينَ﴾ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ ﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتْ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنْ الْأُخْرَى، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ: الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أَيْ مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ، وَيُقَالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ؛ أَيْ: تَأْلِيفٌ، وَسُمِّيَ الْفُرْقَانَ؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ أَيْ لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا. وقال فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لَمْ يَدْرُوا، لِمَا بِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ﴿أُولِي الإِرْبَةِ﴾ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَرَبٌ.:. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُهِمُّهُ إِلَّا بَطْنُهُ، وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ الْأَحْمَقُ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ النُّورِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَفْظَةُ أَضْعَافٍ أَوْ بَيْنَ مَزِيدَةٌ، فَإِنَّ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ بِأَحَدِهِمَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ) قَالَ هَارُونُ أَحَدُ رُوَاتِهِ: فَذَكَرْتُهُ لِأَبِي عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّهَا لَحَسَنَةٌ وَلَكِنَّ خِلَالَهُ أَعَمُّ.

قَوْلُهُ: ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ وَهُوَ الضِّيَاءُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ مَقْصُورٌ أَيْ ضِيَاءُ، وَالسَّنَاءُ مَمْدُودٌ فِي الْحَسَبِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ يَقُولُ: ضَوْءُ بَرْقِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَعَانُ الْبَرْقِ.

قَوْلُهُ:

﴿مُذْعِنِينَ﴾ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أَيْ مُسْتَخْذِينَ، وَهُوَ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ قَالَ: سِرَاعًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْإِذْعَانُ الْإِسْرَاعُ فِي الطَّاعَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى وَشَتَاتٍ وَشَتٍّ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَشْتَاتٌ جَمْعٌ وَشت مُفْرَدٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِوَاذًا خِلَافًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَاللِّوَاذُ مَصْدَرُ لَاوَذْتُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى ثُمَالَةَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ، ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَلَمْ يَثْبُتْ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَلَهُ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مَاتَ غَازِيًا بِأَرْضِ الرُّومِ.

قَوْلُهُ: (الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ) وَصَلَهُ ابْنُ شَاهِينٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي فَوَائِدِ جَعْفَرٍ السَّرَّاجِ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ وَالْكُوَّةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَبِفَتْحِهَا وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهِيَ الطَّاقَةُ لِلضَّوْءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ فَمَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمِشْكَاةُ مَوْضِعُ الْفَتِيلَةِ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْكُوَّةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا) قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا، فَبَيَّنَّاهَا تَفْسِيرُ فَرَضْنَاهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: وَيُقَالُ فِي فَرَضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يَقُولُ بَيَّنَّاهَا، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ عِيَاضٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الْأُخْرَى. فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْمَجَازِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُصَادِرِيِّ عَنْهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، فَذِكْرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ فِي قِرَاءَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ - وَهِيَ لجَمَاعَة - وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَآخِرُهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَإِمَّا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ إِلَخْ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقِيَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: وَيُقَالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ تَأْلِيفٌ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ، أَيْ لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَهُ فِي الْمَجَازِ رِوَايَةَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُصَادِرِيِّ عَنْهُ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ

هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ يَقْرَأْ جَنِينًا

وَالسَّلَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَهُ مِنْ قَرَأَ بِمَعْنَى جَمَعَ، لَا مِنْ قَرَأَ بِمَعْنَى تَلَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ) فِيهَا كَذَا وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ فَرَضْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَرَضْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَالتَّشْدِيدُ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حَسَنٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: فَرَضْنَاهَا حَدَّدْنَا فِيهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَفَرَضْنَا مِنَ الْفَرِيضَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَمَنْ خَفَّفَهَا جَعَلَهَا مِنَ الْفَرِيضَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ﴿أُولِي الإِرْبَةِ﴾ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَرَبٌ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ أَرَبُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ النِّسَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُهِمُّهُ إِلَّا بَطْنُهُ وَلَا يَخَافُ عَلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (١) ذرٍّ (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]) أي: في دين ربِّهم، والخصمُ في الأصل مصدرٌ، فيوحَّد ويذكَّر غالبًا؛ كقوله: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ويجوز أن يُثنَّى ويُجمَع ويؤنَّث كهذه الآية، ولمَّا كان كلُّ خَصْمٍ فريقًا يَجمع طائفةً قال: اختصموا، بصيغة الجمع، كقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمعُ مراعاةٌ للمعنى، وقال في «الكشاف»: الخصمُ صفةٌ وُصِفَ بها الفوجُ أو الفريق، فكأنَّه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: ﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و ﴿اخْتَصَمُوا﴾ للمعنى، قال في «الدر»: إن عَنَى بقوله: إنَّ الخصم صفةٌ بطريق الاستعمال المجازي فمُسلَّم؛ لأنَّ المصدر يكثُر الوصف به، وإن أراد أنَّه صفةٌ حقيقةً فخطؤه ظاهرٌ؛ لتصريحهم بأنَّ «رجلٌ خصمٌ»، مثلُ «رجلٌ عدْلٌ».

٤٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ السلميُّ مولاهم البصريُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة مصغَّرًا، ابنُ بُشَيرٍ مصغَّرًا أيضًا، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ) يحيى بنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ -بضمِّ الرَّاء وتشديد الميم- الواسطيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللَّام بعدها زاي؛ لاحقِ بنِ حميدٍ السَّدوسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الموحَّدة، البصريِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندبِ بنِ جُنادَةَ (: أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قسمًا» بفتح السِّين بدل قوله: «فيها» وهو الصواب، ورواية الكُشْميهَنيِّ فيها تصحيف كما (٣) لا يخفى؛ إذِ المرادُ: القسم الذي هو

الحَلِف (أَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ) بنِ عبد المطلب (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) عليِّ بن أبي طالبٍ وعُبيدَة بنِ الحارثِ بنِ عبد المطلب، وهؤلاء الثلاثةُ الفريقُ المؤمنون (وَ) في (عُتْبَةَ) ابنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) أخيه شيبةَ والوليدِ بنِ عُتبةَ المذكور، وهمُ الفريقُ الآخر (يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ) وقعةِ (بَدْرٍ) والسِّتَّةُ كلُّهم مِن قريشٍ، ثلاثةٌ منهم مسلمون، وهم مِن بني عبدِ مَنافٍ، اثنان مِن بني هاشمٍ، والثالثُ وهو عُبيدة مِن بني عبد المطلب، وباقيهم مشركون، وهم مِن بني عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، وتفصيلُ مبارزتِهِم (١) على المشهور: أنَّ حمزةَ لعُتبةَ، وعُبيدة لشيبةَ، وعليًّا للوليد، وقيل: إنَّ عبيدةَ للوليدِ، وعليًّا لشيبةَ، والسند بذلك أصحُّ ممَّا قبلَه، إلَّا أنَّ ذلك أنسب، وقَتَلَ كلُّ واحدٍ (٢) من المسلمين من بَرَزَ له مِن الكفَّار إلَّا عُبيدة، فإنَّه اختلفَ مع مَن بارزه بضربتين، فوقعتِ الضربةُ في ركبة عبيدةَ، ومالَ حمزةُ وعليٌّ إليه فأعاناه على قتله، واستشهد عُبيدة من تلك الضربة بالصفراء عند رُجوعِهِم.

(رَوَاهُ) أي: حديث الباب هذا بإسناده ومتنه (سُفْيَانُ) الثوريُّ فيما وصله المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٣٩٦٥] [خ¦٣٩٦٦] (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) شيخِ هُشيم المذكور هنا، عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ بلفظ: «نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] في ستةٍ مِن قريشٍ عليٍّ وحمزةَ وعبيدةَ بنِ الحارث، وشيبةَ بنِ ربيعةَ وأخيه (٣) عتبةَ (٤) والوليدِ بنِ عتبةَ» (وَقَالَ عُثْمَانُ) هو ابنُ أبي شيبةَ: (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) هو ابنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) هو لاحقٌّ السَّدُوسيُّ (قَوْلَهُ) أي: من قوله (٥)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَلْتَبِسَانِ، لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا النِّسْبَةُ، الثَّانِي أَبُو هَذَا فِيهِ أَدَاةُ الْكُنْيَةِ بِخِلَافِ الْمِصْرِيِّ، الثَّالِثُ وَلَا يَظْهَرُ غَالِبًا أَنَّ بُكَيْرًا جَدُّ الْمِصْرِيِّ وَأَبَا بُكَيْرٍ وَالِدُ الْكَرْمَانِيِّ، الرَّابِعُ الْمِصْرِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ وَالْكَرْمَانِيُّ شَيْخُ شَيْخِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْصُولًا، وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَلَمْ يُجَاوِزْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمِ الصَّائِغِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَذَكَرَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ.

قَوْلَهُ: (كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَيُسْلِمُ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ فَيُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ) هُوَ بِضَمِّ نُونٍ نُتِجَتْ فَهِيَ مَنْتُوجَةٌ مِثْلُ نُفِسَتْ فَهِيَ مَنْفُوسَةٌ، زَادَ الْعُوفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّ جِسْمُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَإِنْ صَحَّ جِسْمُهُ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ فَإِنْ وَجَدُوا عَامَ خِصْبٍ وَغَيْثٍ وَوِلَادٍ وَقَوْلُهُ: قَالَ: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ رَضِيَ وَاطْمَأَنَّ وَقَالَ: مَا أَصَبْتُ فِي دِينِي إِلَّا خَيْرًا وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَالَ: لَنِعْمَ الدِّينُ هَذَا وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ قَالُوا: إِنَّ دِينَنَا هَذَا لَصَالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ تَلِدْ إِلَخْ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ وَإِنْ وَجَدُوا عَامَ جَدْبٍ وَقَحْطٍ وَوِلَادِ سُوءٍ قَالُوا مَا فِي دِينِنَا هَذَا خَيْرٌ وَفِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ الْمَدِينَةِ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَإِنْ سَقِمَ جِسْمُهُ وَحُبِسَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ وَأَصَابَتْهُ الْحَاجَةُ قَالَ: وَاللَّهِ لَيْسَ الدِّينُ هَذَا، مَا زِلْتُ أَتَعَرَّفُ النُّقْصَانَ فِي جِسْمِي وَحَالِي وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَعَارِيبَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ انْتَقَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بِذَرَارِيِّهِمْ وَامْتَنُّوا بِذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمَ فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ، فَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ: لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي خَيْرًا.

٣ - بَاب ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾

٤٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فيها قَسَمًا: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ. وَقَالَ عُثْمَانُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ .. قَوْلَهُ

٤٧٤٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَيْسٌ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ هُمْ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ

عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ.

قوله: بَابُ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الْخَصْمَانِ تَثْنِيَةُ خَصْمٍ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَاصَمَةُ.

قَوْلُهُ: (يُقْسِمُ قَسَمًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يُقْسِمُ فِيهَا وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مُسْتَوْفًى، وَنَقْتَصِرُ هُنَا عَلَى بَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سُفْيَانُ) أَيِ الثَّوْرِيُّ (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) أَيْ شَيْخُ هُشَيْمٍ فِيهِ، وَهُوَ الرُّمَّانِيُّ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ مَوْصُولَةً فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَلِسُفْيَانَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُجِيبٍ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ) أَيِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (عَنْ جَرِيرٍ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنْ مَنْصُورٍ) أَيِ ابْنِ الْمُعْتَمِرِ (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْلُهُ) أَيْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ قَيْسٌ) هُوَ ابْنُ عُبَادٍ الرَّاوِي الْمَذْكُورُ (وَفِيهِمْ نَزَلَتْ)، وَهَذَا لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ عَلَى قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ فِي الصَّحَابِيِّ، بَلْ رِوَايَةُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ تَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ قَيْسٍ، عَنْ عَلِيٍّ هَذَا الْقَدرَ الْمَذْكُورَ هُنَا فَقَطْ، وَرِوَايَةُ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ تَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَا سَبَقَ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عَلِيٍّ قَالَ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي مُبَارَزَتِنَا يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ مَا فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرِ الرَّازِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ كَهْمَسَ بْنَ الْحَسَنِ رَوَاهُ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَأَشَارَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى أَنَّ رِوَايَتَهُمْ مُدْرَجَةٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ مُعْتَمِرٍ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ مُسْعَدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كَرِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عِنْدَ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَنْ عَلِيٍّ مَعًا بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا.

ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ فِي إِرْسَالِهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَوَصْلَهُ، فَوَصَلَهُ عَنْهُ أَبُو هَاشِمٍ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَهُشَيْمٌ عَنْهُ، وَأَمَّا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ فَوَقَفَهُ عَلَى قَيْسٍ، وَأَمَّا مَنْصُورٌ فَوَقَفَهُ عَلَى أَبِي مِجْلَزٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْوَاصِلِ إِذَا كَانَ حَافِظًا، وَسُلَيْمَانُ، وَأَبُو هَاشِمٍ مُتَقَارِبَانِ فِي الْحِفْظِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ مَعَهُ زِيَادَةٌ، وَالثَّوْرِيُّ أَحْفَظُ مِنْ مَنْصُورٍ فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَلَى أَنَّ الطَّبَرِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ مَوْصُولًا، فَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَرْتَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا أُعِيدُ مِثْلَ هَذَا لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: هُمُ الْكُفَّارُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ هُوَ اخْتِصَامُ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي الْبَعْثِ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي تَعْمِيمِ الْآيَةِ قَالَ: وَلَا يُخَالِفُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ لِأَنَّ الَّذِينَ تَبَارَزُوا بِبَدْرٍ كَانُوا فَرِيقَيْنِ مُؤْمِنِينَ وَكُفَّارَ، إِلَّا أَنَّ الْآيَةَ إِذَا نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِي نَظِيرِ ذَلِكَ السَّبَبِ.

٢٣ - سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَةُ. ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

خَائِفِينَ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بَعِيدٌ بَعِيدٌ. ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الْمَلَائِكَةَ. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لَعَادِلُونَ. ﴿كَالِحُونَ﴾ عَابِسُونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالَةُ. وَالْجِنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ. وَالْغُثَاءُ: الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَنْ الْمَاءِ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ. ﴿سَامِرًا﴾ مِنْ السَّمَرِ، وَالْجَمعُ السُّمَّارُ، وَالسَّامِرُ هَا هُنَا فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ. ﴿تُسْحَرُونَ﴾ تَعْمَوْنَ مِنْ السِّحْرِ.

قَوْلُهُ (سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) هُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَثَلَهُ.

قَوْلُهُ ﴿سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ) ثَبَتَتْ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خَائِفِينَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَ يَعْمَلُونَ خَائِفِينَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَ خَائِفَةٌ. وَلِلطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدُ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَثَلَهُ. وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أَهْوَ الرَّجُلَ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُ اللَّهَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُ اللَّهَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ بِعِيدٍ بَعِيدٍ) وَصَلَهُ الطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَثَلَهُ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ تَبَاعُدُ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَقَالَ الْفِرَاءُ: إِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي لَمَّا تُوعِدُونَ لِأَنَّ هَيْهَاتَ أَدَاةً لَيْسَتْ بِمَأْخُوذَةٍ مِنْ فِعْلٍ بِمَنْزِلَةِ قَرِيبٍ وَبِعِيدٍ كَمَا تَقُولُ: هَلُمَّ لَكَ فَإِذَا قُلْتَ أَقْبَلُ لَمْ تَقُلْ لَكَ.

قَوْلُهُ ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الْمَلَائِكَةُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فَأُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسْفِي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَاسْأَلْ إِلَخْ، وَهُوَ أَوْلَى، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ الْعَادِّينَ. قَالَ: الْحُسَّابُ أَيْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ ﴿تَنْكِصُونَ﴾ تَسْتَأْخِرُونَ) ثَبَتَ عِنْدَ النَّسْفِي وَحَدَّهُ، وَوَصْلَهُ الطَّبَرَيْ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ. قَوْلُهُ ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لَعَادِلُونَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَنَاكِبُونَ إلَخْ وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ وَفِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَثَلُهُ زَادَ: وَيُقَالُ نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ أَيْ عَدَلَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ ﴿كَالِحُونَ﴾ عَابِسُونَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مِثْلُ كُلُوحِ الرَّأْسِ النَّضِيخِ، وَكَشَّرَ عَنْ ثَغْرِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا وَتَسْتَرْخِي السُّفْلَى.

قَوْلُهُ (وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ سُلَالَةِ الْوَلَدَ، وَالنُّطْفَةُ السُّلَالَةُ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ﴾ السُّلَالَةُ الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ السُّلَالَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَهَلْ هِنْدُ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ … سُلَالَةُ أَفْرَاسٍ تَحَلَّلَهَا بَغْلُ

انْتَهَى. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ اسْتُلَّ آدَمُ مِنْ طِينٍ وَخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ

مَاءٍ مَهِينٍ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْكَرْمَانِيُّ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فَقَالَ لَا يَصْحُ تَفْسِيرُ السُّلَالَةِ بِالْوَلَدِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مِنَ الْوَلَدِ بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ. ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُفَسِّرِ السُّلَالَةَ بِالْوَلَدِ، بَلِ الْوَلَدُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ السُّلَالَةُ، وَالْمَعْنَى السُّلَالَةُ وَمَا يَسْتَلُّ مِنَ الشَّيْءِ كَالْوَلَدِ وَالنُّطْفَةِ انْتَهَى. وَهُوَ جَوَابٌ مُمْكِنٌ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْبَاهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَبُو عُبَيْدَةَ تَفْسِيرَ السُّلَالَةِ بِالْوَلَدِ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَفْظَ السُّلَالَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالنُّطْفَةِ وَالشَّيْءِ الَّذِي يَسْتَلُّ مِنَ الشَّيْءِ وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فِي الْآيَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا وَرَدَ فِيهَا وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَ.

قَوْلُهُ (وَالْجَنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.

قَوْلُهُ (وَالْغُثَاءُ الزَّبَدُ وَمَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَاءِ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ الْغُثَاءُ الزَّبَدُ، وَمَا ارْتَفَعَ عَلَى الْمَاءِ مِنَ الْجِيَفِ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي شَيْءٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ (غُثَاءً) قَالَ: هُوَ الشَّيْءُ الْبَالِيَ.

قَوْلُهُ (يَجْأَرُونَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبَقَرَةُ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ (عَلَى أَعْقَابِكُمْ رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ (سَامِرًا مِنَ السَّمَرِ وَالْجَمْعِ السُّمَّارُ، وَالسَّامِرُ هَاهُنَا فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ) ثَبَتَ هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ.

قَوْلُهُ (تُسْحَرُونَ تَعْمَوْنَ مِنَ السِّحْرِ).

٢٤ - سُورَةُ النُّورِ

﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ. ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ وَهُوَ الضِّيَاءُ، ﴿مُذْعِنِينَ﴾ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ ﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتْ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنْ الْأُخْرَى، فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ: الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَأَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أَيْ مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ وَانْتَهِ عَمَّا نَهَاكَ، وَيُقَالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ؛ أَيْ: تَأْلِيفٌ، وَسُمِّيَ الْفُرْقَانَ؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ أَيْ لَمْ تَجْمَعْ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا. وقال فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ لَمْ يَدْرُوا، لِمَا بِهِمْ مِنْ الصِّغَرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ﴿أُولِي الإِرْبَةِ﴾ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَرَبٌ.:. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُهِمُّهُ إِلَّا بَطْنُهُ، وَلَا يَخَافُ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ الْأَحْمَقُ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ النُّورِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ﴿مِنْ خِلالِهِ﴾ مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ، هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَفْظَةُ أَضْعَافٍ أَوْ بَيْنَ مَزِيدَةٌ، فَإِنَّ الْمَعْنَى ظَاهِرٌ بِأَحَدِهِمَا، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ (يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ) قَالَ هَارُونُ أَحَدُ رُوَاتِهِ: فَذَكَرْتُهُ لِأَبِي عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّهَا لَحَسَنَةٌ وَلَكِنَّ خِلَالَهُ أَعَمُّ.

قَوْلُهُ: ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ وَهُوَ الضِّيَاءُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ مَقْصُورٌ أَيْ ضِيَاءُ، وَالسَّنَاءُ مَمْدُودٌ فِي الْحَسَبِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ يَقُولُ: ضَوْءُ بَرْقِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: لَمَعَانُ الْبَرْقِ.

قَوْلُهُ:

﴿مُذْعِنِينَ﴾ يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي مُذْعِنٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أَيْ مُسْتَخْذِينَ، وَهُوَ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ قَالَ: سِرَاعًا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْإِذْعَانُ الْإِسْرَاعُ فِي الطَّاعَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَشْتَاتًا﴾ وَشَتَّى وَشَتَاتٍ وَشَتٍّ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَشْتَاتٌ جَمْعٌ وَشت مُفْرَدٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِوَاذًا خِلَافًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَاللِّوَاذُ مَصْدَرُ لَاوَذْتُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى ثُمَالَةَ قَبِيلَةٍ مِنَ الْأَزْدِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ، ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ تَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَلَمْ يَثْبُتْ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَلَهُ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مَاتَ غَازِيًا بِأَرْضِ الرُّومِ.

قَوْلُهُ: (الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ) وَصَلَهُ ابْنُ شَاهِينٍ مِنْ طَرِيقِهِ، وَوَقَعَ لَنَا بِعُلُوٍّ فِي فَوَائِدِ جَعْفَرٍ السَّرَّاجِ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: الْمِشْكَاةُ الْكُوَّةُ وَالْكُوَّةُ بِضَمِّ الْكَافِ وَبِفَتْحِهَا وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهِيَ الطَّاقَةُ لِلضَّوْءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ فَمَضَى الْكَلَامُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمِشْكَاةُ مَوْضِعُ الْفَتِيلَةِ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْكُوَّةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا) قَالَ عِيَاضٌ: كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ بَيَّنَّاهَا، فَبَيَّنَّاهَا تَفْسِيرُ فَرَضْنَاهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: وَيُقَالُ فِي فَرَضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يَقُولُ بَيَّنَّاهَا، وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ عِيَاضٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ لِأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الْأُخْرَى. فَلَمَّا قُرِنَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ سُمِّيَ قُرْآنًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْمَجَازِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُصَادِرِيِّ عَنْهُ: سُمِّيَ الْقُرْآنُ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، فَذِكْرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَجَوَّزَ الْكَرْمَانِيُّ فِي قِرَاءَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ - وَهِيَ لجَمَاعَة - وَجْهَيْنِ: إِمَّا بِفَتْحِ الْجِيمِ وَآخِرُهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ، وَإِمَّا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ تَأْلِيفَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ إِلَخْ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقِيَامَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: وَيُقَالُ لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ أَيْ تَأْلِيفٌ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ، أَيْ لَمْ تَجْمَعْ وَلَدًا فِي بَطْنِهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَهُ فِي الْمَجَازِ رِوَايَةَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُصَادِرِيِّ عَنْهُ، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ

هِجَانُ اللَّوْنِ لَمْ يَقْرَأْ جَنِينًا

وَالسَّلَا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَهُ مِنْ قَرَأَ بِمَعْنَى جَمَعَ، لَا مِنْ قَرَأَ بِمَعْنَى تَلَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ فَرَّضْنَاهَا أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ) فِيهَا كَذَا وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَنْ قَرَأَ فَرَضْنَاهَا يَقُولُ فَرَضْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَرَضْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَالتَّشْدِيدُ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حَسَنٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: فَرَضْنَاهَا حَدَّدْنَا فِيهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَفَرَضْنَا مِنَ الْفَرِيضَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَمَنْ خَفَّفَهَا جَعَلَهَا مِنَ الْفَرِيضَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ﴿أُولِي الإِرْبَةِ﴾ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَرَبٌ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ أَرَبُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةِ النِّسَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يُهِمُّهُ إِلَّا بَطْنُهُ وَلَا يَخَافُ عَلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين، وسقط لغير أبي (١) ذرٍّ (قَوْلُهُ) تعالى: (﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]) أي: في دين ربِّهم، والخصمُ في الأصل مصدرٌ، فيوحَّد ويذكَّر غالبًا؛ كقوله: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ويجوز أن يُثنَّى ويُجمَع ويؤنَّث كهذه الآية، ولمَّا كان كلُّ خَصْمٍ فريقًا يَجمع طائفةً قال: اختصموا، بصيغة الجمع، كقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فالجمعُ مراعاةٌ للمعنى، وقال في «الكشاف»: الخصمُ صفةٌ وُصِفَ بها الفوجُ أو الفريق، فكأنَّه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، وقوله: ﴿هَذَانِ﴾ للفظ، و ﴿اخْتَصَمُوا﴾ للمعنى، قال في «الدر»: إن عَنَى بقوله: إنَّ الخصم صفةٌ بطريق الاستعمال المجازي فمُسلَّم؛ لأنَّ المصدر يكثُر الوصف به، وإن أراد أنَّه صفةٌ حقيقةً فخطؤه ظاهرٌ؛ لتصريحهم بأنَّ «رجلٌ خصمٌ»، مثلُ «رجلٌ عدْلٌ».

٤٧٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ السلميُّ مولاهم البصريُّ قال (٢): (حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بضمِّ الهاء وفتح الشِّين المعجمة مصغَّرًا، ابنُ بُشَيرٍ مصغَّرًا أيضًا، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو هَاشِمٍ) يحيى بنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ -بضمِّ الرَّاء وتشديد الميم- الواسطيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللَّام بعدها زاي؛ لاحقِ بنِ حميدٍ السَّدوسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الموحَّدة، البصريِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندبِ بنِ جُنادَةَ (: أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قسمًا» بفتح السِّين بدل قوله: «فيها» وهو الصواب، ورواية الكُشْميهَنيِّ فيها تصحيف كما (٣) لا يخفى؛ إذِ المرادُ: القسم الذي هو

الحَلِف (أَإِنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ) بنِ عبد المطلب (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) عليِّ بن أبي طالبٍ وعُبيدَة بنِ الحارثِ بنِ عبد المطلب، وهؤلاء الثلاثةُ الفريقُ المؤمنون (وَ) في (عُتْبَةَ) ابنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ (وَ) في (صَاحِبَيْهِ) أخيه شيبةَ والوليدِ بنِ عُتبةَ المذكور، وهمُ الفريقُ الآخر (يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ) وقعةِ (بَدْرٍ) والسِّتَّةُ كلُّهم مِن قريشٍ، ثلاثةٌ منهم مسلمون، وهم مِن بني عبدِ مَنافٍ، اثنان مِن بني هاشمٍ، والثالثُ وهو عُبيدة مِن بني عبد المطلب، وباقيهم مشركون، وهم مِن بني عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، وتفصيلُ مبارزتِهِم (١) على المشهور: أنَّ حمزةَ لعُتبةَ، وعُبيدة لشيبةَ، وعليًّا للوليد، وقيل: إنَّ عبيدةَ للوليدِ، وعليًّا لشيبةَ، والسند بذلك أصحُّ ممَّا قبلَه، إلَّا أنَّ ذلك أنسب، وقَتَلَ كلُّ واحدٍ (٢) من المسلمين من بَرَزَ له مِن الكفَّار إلَّا عُبيدة، فإنَّه اختلفَ مع مَن بارزه بضربتين، فوقعتِ الضربةُ في ركبة عبيدةَ، ومالَ حمزةُ وعليٌّ إليه فأعاناه على قتله، واستشهد عُبيدة من تلك الضربة بالصفراء عند رُجوعِهِم.

(رَوَاهُ) أي: حديث الباب هذا بإسناده ومتنه (سُفْيَانُ) الثوريُّ فيما وصله المؤلِّف في «المغازي» [خ¦٣٩٦٥] [خ¦٣٩٦٦] (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) شيخِ هُشيم المذكور هنا، عن أبي مِجْلَز عن قيس بن عُبَاد عن أبي ذرٍّ بلفظ: «نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] في ستةٍ مِن قريشٍ عليٍّ وحمزةَ وعبيدةَ بنِ الحارث، وشيبةَ بنِ ربيعةَ وأخيه (٣) عتبةَ (٤) والوليدِ بنِ عتبةَ» (وَقَالَ عُثْمَانُ) هو ابنُ أبي شيبةَ: (عَنْ جَرِيرٍ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ أَبِي هَاشِمٍ) هو ابنُ دينارٍ الرُّمَّانيُّ (عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ) هو لاحقٌّ السَّدُوسيُّ (قَوْلَهُ) أي: من قوله (٥)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل