الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٥٥
الحديث رقم ٤٧٥٥ من كتاب «سورة النور» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
قَالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ».
﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
٤٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ) أَيْ عَلَى عَائِشَةَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَتَخَالَفَا فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَافَقَ رُجُوعُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجِيءَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (وَدِدْتُ إِلَخْ) هُوَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْوَرَعِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ أَنَّهَا قَالَتْ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْكَلَامَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَلَفْظُهُ: فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنْكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ هُنَا خُصُوصَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ صَرِيحًا، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِقَامَةِ عُذْرِهَا وَبَرَاءَتِهَا ﵂، وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ الْآيَةَ، وَسَأَذْكُرُ تَسْمِيَتَهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنِ الْقَاسِمِ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ نَحْوَهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ خَلَفٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ يَعْنِي قَوْلَهُ: أَنْتِ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَنَزَلَ عُذْرُكِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَلَفْظُهُ: عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اشْتَكَتْ. فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهَا وَأَتَاهَا يَعُودُهَا فَقَالَتِ: الْآنَ يَدْخُلُ عَلَيَّ فَيُزَكِّيَنِي فَأَذِنَتْ لَهُ، فَقَالَ: أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ، وَتُقْدِمِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُزَكِّيَنِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَائِشَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِإِسْنَادِ الْبَابِ بِلَفْظِ: أَنَّ عَائِشَةَ اشْتَكَتْ فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَهَّابِ مُخْتَصَرَةٌ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: نَحْوَهُ وَمَعْنَاهُ بَعْضُ الْحَدِيثِ لَا جَمِيعُ تَفَاصِيلِهِ.
ثُمَّ رَاجَعْتُ مُسْتَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَظَهَرَ لِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ لَا الْبُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ حَدِيثَ ابْنِ عَوْنٍ، وَأَنَّهُ كَانَ سَمِعَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ، فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهِ يَخْتَصِرُهُ، وَكَانَ يَتَحَقَّقُ قَوْلَهَا: نِسْيًا مَنْسِيًّا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ، فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُثَنَّى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَتَوَاضُعِ عَائِشَةَ وَفَضْلِهَا وَتَشْدِيدِهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَمَشُورَةِ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ إِذَا رَآهُ عَدْلَ إِلَى مَا الْأَوْلَى خِلَافُهُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى رِعَايَةِ جَانِبِ الْأَكَابِرِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ لِمُعَارِضٍ دُونَ ذَلِكَ فِي الْمَصْلَحَةِ.
٩ - بَاب: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآية
٤٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا؟ قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يُحَرِّمُ اللهُ عليكم، وقال مجاهد: يَنْهَاكُمُ الله (﴿أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾) كراهةَ أن تعودوا؛ مفعولٌ مِن أجله، أو في أن تعودوا على حذف «في» (﴿أَبَدًا﴾) ما دُمتُم أحياء مكلَّفين (الآيةَ [النور: ١٧]) وسقط قوله: «الآيةَ» لغير أبي ذرٍّ.
٤٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ) ولأبي ذر عن الكُشْميهَنيّ: «قال» (١): (جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الخزرجيُّ، شاعر رسول الله ﷺ (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا) فيه التفاتٌ مِنَ الخطاب إلى الغَيبة، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لعائشة: (أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا) وهو ممَّن تولَّى كِبْرَ الإفك؟ (قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (تَعْنِي: ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ) حسَّانُ: (حَصَانٌ رَزَانٌ) بفتح الحاء المهملة والزاي من الثاني وقبلها راء مهملة مخفَّفة (٢)، أي: عفيفة كاملة العقل (مَا تُزَنُّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الزاي وتشديد النون، أي: ما تُتَّهَمُ (بِرِيبَةٍ) براء مهملة فتحتيَّة ساكنة فموحَّدة (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) بفتح الغين المعجمة وسكون الرَّاء وفتح المثلَّثة: جائعة (مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) العفيفات، أي: لا تغتابُهُنَّ؛ إذ لو كانت تغتاب لكانت آكلة، وهو استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وهذا البيت من جملة قصيدةٍ لحسَّانَ (قَالَتْ) عائشةُ: (لَكِنْ أَنْتَ) أي: لست كذلك (٣)، إشارة (٤) إلى أنَّه اغتابها حين وقعت قِصَّة الإفك.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ) أَيْ عَلَى عَائِشَةَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَتَخَالَفَا فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَافَقَ رُجُوعُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجِيءَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (وَدِدْتُ إِلَخْ) هُوَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْوَرَعِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ذَكْوَانَ أَنَّهَا قَالَتْ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْكَلَامَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَلَفْظُهُ: فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنْكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ هُنَا خُصُوصَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ صَرِيحًا، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِقَامَةِ عُذْرِهَا وَبَرَاءَتِهَا ﵂، وَسَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ الْآيَةَ، وَسَأَذْكُرُ تَسْمِيَتَهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنِ الْقَاسِمِ) هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ نَحْوَهُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ خَلَفٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ يَعْنِي قَوْلَهُ: أَنْتِ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَنَزَلَ عُذْرُكِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ، وَلَفْظُهُ: عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اشْتَكَتْ. فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهَا وَأَتَاهَا يَعُودُهَا فَقَالَتِ: الْآنَ يَدْخُلُ عَلَيَّ فَيُزَكِّيَنِي فَأَذِنَتْ لَهُ، فَقَالَ: أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ، وَتُقْدِمِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُزَكِّيَنِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ عَائِشَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بِإِسْنَادِ الْبَابِ بِلَفْظِ: أَنَّ عَائِشَةَ اشْتَكَتْ فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، تُقْدِمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَهَّابِ مُخْتَصَرَةٌ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: نَحْوَهُ وَمَعْنَاهُ بَعْضُ الْحَدِيثِ لَا جَمِيعُ تَفَاصِيلِهِ.
ثُمَّ رَاجَعْتُ مُسْتَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَظَهَرَ لِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ لَا الْبُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَحْفَظُ حَدِيثَ ابْنِ عَوْنٍ، وَأَنَّهُ كَانَ سَمِعَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ، فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهِ يَخْتَصِرُهُ، وَكَانَ يَتَحَقَّقُ قَوْلَهَا: نِسْيًا مَنْسِيًّا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَايِخِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ، فَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُثَنَّى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَتَوَاضُعِ عَائِشَةَ وَفَضْلِهَا وَتَشْدِيدِهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَمَشُورَةِ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ إِذَا رَآهُ عَدْلَ إِلَى مَا الْأَوْلَى خِلَافُهُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى رِعَايَةِ جَانِبِ الْأَكَابِرِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَأَنْ لَا يَتْرُكَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ ذَلِكَ لِمُعَارِضٍ دُونَ ذَلِكَ فِي الْمَصْلَحَةِ.
٩ - بَاب: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآية
٤٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا؟ قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يُحَرِّمُ اللهُ عليكم، وقال مجاهد: يَنْهَاكُمُ الله (﴿أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾) كراهةَ أن تعودوا؛ مفعولٌ مِن أجله، أو في أن تعودوا على حذف «في» (﴿أَبَدًا﴾) ما دُمتُم أحياء مكلَّفين (الآيةَ [النور: ١٧]) وسقط قوله: «الآيةَ» لغير أبي ذرٍّ.
٤٧٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفِريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ) ولأبي ذر عن الكُشْميهَنيّ: «قال» (١): (جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريُّ الخزرجيُّ، شاعر رسول الله ﷺ (يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا) فيه التفاتٌ مِنَ الخطاب إلى الغَيبة، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لعائشة: (أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا) وهو ممَّن تولَّى كِبْرَ الإفك؟ (قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (تَعْنِي: ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ) حسَّانُ: (حَصَانٌ رَزَانٌ) بفتح الحاء المهملة والزاي من الثاني وقبلها راء مهملة مخفَّفة (٢)، أي: عفيفة كاملة العقل (مَا تُزَنُّ) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الزاي وتشديد النون، أي: ما تُتَّهَمُ (بِرِيبَةٍ) براء مهملة فتحتيَّة ساكنة فموحَّدة (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) بفتح الغين المعجمة وسكون الرَّاء وفتح المثلَّثة: جائعة (مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) العفيفات، أي: لا تغتابُهُنَّ؛ إذ لو كانت تغتاب لكانت آكلة، وهو استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وهذا البيت من جملة قصيدةٍ لحسَّانَ (قَالَتْ) عائشةُ: (لَكِنْ أَنْتَ) أي: لست كذلك (٣)، إشارة (٤) إلى أنَّه اغتابها حين وقعت قِصَّة الإفك.