الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٨٧
الحديث رقم ٤٩٨٧ من كتاب «كتاب فضائل القرآن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب جمع القرآن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٨٤⦘
أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ، اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ».
٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ:
قدم حُذيفة بن اليَمان رضي الله عنهما على عثمان رضي الله عنه ، وكان عثمان يجهز أهل الشام وأهل العراق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وكان حذيفة قد سمع اختلاف الناس في قراءة القرآن فبعضهم يقرأ بقراءة أُبي وبعضهم يقرأ بقراءة ابن مسعود حتى كاد أن يحصل بينهم فتنة وتنازع، فأفزع حذيفة هذا الأمر، فأتى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس قبل أنْ يختلفوا في القرآن كما اختلفت اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل إلى أن حرَّفوا وزادوا ونقصوا. وكان القرآن حينئذ مجموعًا في الصحف ولم يكن في مصحف، فأرسل عثمان إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وطلب إليها أن تبعث إليه بالصحف المكتوب فيها القرآن؛ كي ينسخها في المصاحف ثم يردها إليها، -وهذه الصحيفة التي أخذها من عند حفصة هي التي أمر أبو بكر وعمر بجمع القرآن فيها-، وحينئذ جمع عثمان القرآن في المصحف، والفرق بينه وبين الصحف أن الصحف هي الأوراق المحررة التي جُمع فيها القرآن في عهد أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، وكانت سورًا مفرقة كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نُسخت ورُتِّب بعصها إثر بعض صارت مصحفا، ولم يكن مصحفا إلا في عهد عثمان، فأرسلت حفصةُ إلى عثمان بالصحف، فأمر زيدَ بن ثابت، وعبدَ الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم فنسخوا الصحف في المصاحف، وزيد بن ثابت أنصاري والباقون قُرَشيون، وقال عثمان للقُرَشيين الثلاثة: «إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قُريش، فإنما نزل القرآن بلسانهم» ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحُف في المصاحف، رد عثمانُ الصُّحُفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ ناحية بمصحف مما نَسَخُوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحِيفة أو مُصحف، أنْ يُحرق.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ.
قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. لَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄. فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁.
٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
٤٩٨٨ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ جَمْعِ الْقُرْآنِ) الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ هُنَا جَمْعٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ جَمْعُ مُتَفَرِّقِهِ فِي صُحُفٍ، ثُمَّ جَمْعُ تِلْكَ الصُّحُفِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتَّبِ السُّوَرِ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ بَابُ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَاكَ تَأْلِيفُ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ تَرْتِيبُ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، مَدَنِيٌّ يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ، لَكِنْ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَقْدَمِ مِنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الَّذِي مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ كَرَّرَهُ فِي التَّفْسِيرِ وَالْأَحْكَامِ وَالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهَا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ قِصَّةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقِصَّةَ حُذَيْفَةَ مَعَ عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقِصَّةَ فَقْدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ
بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَ قِصَّةَ آيَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، وَأَغْرَبَ عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ وَسَاقَ الْقِصَصَ الثَّلَاثَ بِطُولِهَا: قِصَّةَ زَيْدٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ؛ ثُمَّ قِصَّةَ حُذَيْفَةَ مَعَ عُثْمَانَ أَيْضًا، ثُمَّ قِصَّةَ فَقْدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَبَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَأَنَّهُ أَدْرَجَ بَعْضَ الْأَسَانِيدِ عَلَى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَرَوَيْنَا فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ الدَّيْرِعَاقُولِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (مَقْتَلُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) أَيْ عَقِبَ قَتْلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْيَمَامَةِ هُنَا مَنْ قُتِلَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْوَقْعَةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهَا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِارْتِدَادِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَحَارَبُوهُ أَشَدَّ مُحَارَبَةٍ، إِلَى أَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ وَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ فِي غُضُونِ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ قِيلَ سَبْعُمِائَةٍ، وَقِيلَ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (قَدِ اسْتَحَرَّ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ ثَقِيلَةٌ، أَيِ اشْتَدَّ وَكَثُرَ، وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْحَرِّ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ غَالِبًا يُضَافُ إِلَى الْحَرِّ، كَمَا أَنَّ الْمَحْبُوبَ يُضَافُ إِلَى الْبَرْدِ يَقُولُونَ: أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ وَأَقَرَّ عَيْنَهُ. وَوَقَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ أَرَادَ عُمَرُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَةِ قَتْلُ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَلَفْظُهُ فَلَمَّا قُتِلَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَذْهَبَ الْقُرْآنُ، فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَسَيَأْتِي أَنَّ سَالِمًا أَحَدُ مَنْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِ الْقُرْآنِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ) أَيْ فِي الْمَوَاطِنِ أَيِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْقِتَالُ مَعَ الْكُفَّارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَوَاطِنِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ لَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ زَحْفًا آخَرَ إِلَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ إِلَّا أَنْ يَجْمَعُوهُ. وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ الْبَاقُونَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ كَانَ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مَجْمُوعَهُمْ جَمَعَهُ لَا أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ جَمَعَهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعُمَرَ) هُوَ خِطَابُ أَبِي بَكْرٍ، لِعُمَرَ، حَكَاهُ ثَانِيًا لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَلَامُ مَنْ يُؤْثِرُ الِاتِّبَاعَ وَيَنْفِرُ مِنَ الِابْتِدَاعِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ تَصْرِيحُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ إِنَّمَا لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ لِمَا كَانَ يَتَرَقَّبُهُ مِنْ وُرُودِ نَاسِخٍ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ أَوْ تِلَاوَتِهِ، فَلَمَّا انْقَضَى نُزُولُهُ بِوَفَاتِهِ ﷺ أَلْهَمَ اللَّهُ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ذَلِكَ وَفَاءً لِوَعْدِ الصَّادِقِ بِضَمَانِ حِفْظِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا، فَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمَشُورَةِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَعْظَمُ النَّاسِ فِي الْمَصَاحِفِ أَجْرًا أَبُو بَكْرٍ، رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ الْحَدِيثَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كِتَابَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ كُتِبَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ غَيْرُ مَجْمُوعٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا مُرَتَّبُ السُّوَرِ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ
طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آلَيْتُ أَنْ لَا آخُذَ عَلَى رِدَائِي إِلَّا لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ فَجَمَعَهُ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِانْقِطَاعِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَمُرَادُهُ بِجَمْعِهِ حِفْظُهُ فِي صَدْرِهِ، قَالَ: وَالَّذِي وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ حَتَّى جَمَعْتُهُ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيهِ.
قُلْتُ: وَمَا تَقَوَمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَصَحُّ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا بَيَانُ السَّبَبِ فِي إِشَارَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقِيلَ: كَانَتْ مَعَ فُلَانٍ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، وَأَمَرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَهُ فِي الْمُصْحَفِ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهُ أَيْ أَشَارَ بِجَمْعِهِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فَنَسَبَ الْجَمْعَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ.
وَقَدْ تُسَوَّلُ لِبَعْضِ الرَّوَافِضِ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ السَّائِغِ النَّاشِئِ عَنِ النُّصْحِ مِنْهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ وَنَهَى أَنْ يُكْتَبَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَلَمْ يَأْمُرْ أَبُو بَكْرٍ إِلَّا بِكِتَابَةِ مَا كَانَ مَكْتُوبًا، وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ عَنْ كِتَابَةِ الْآيَةِ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ بَرَاءَةٌ حَتَّى وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْضِرُهَا هُوَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ.
وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُنْصِفُ مَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي فَضَائِلِهِ وَيُنَوِّهُ بِعَظِيمِ مَنْقَبَتِهِ، لِثُبُوتِ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا فَمَا جَمَعَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ بَعْدَهُ إِلَّا وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَا اخْتَارَ مَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى ابْنِ الدِّغِنَّةِ جِوَارَهُ وَيَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي فَضَائِلِهِ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مَجْمُوعٌ فِي الصُّحُفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ الْآيَةَ، وَكَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا فِي الصُّحُفِ، لَكِنْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً فَجَمَعَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدَهُ مَحْفُوظَةً إِلَى أَنْ أَمَرَ عُثْمَانُ بِالنَّسْخِ مِنْهَا، فَنَسَخَ مِنْهَا عِدَّةَ مَصَاحِفَ، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ زَيْدٌ) أَيِ ابْنُ ثَابِتٍ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ قَالَ لِي (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ) ذَكَرَ لَهُ أَرْبَعَ صِفَاتٍ مُقْتَضِيَةٍ خُصُوصِيَّتَهُ بِذَلِكَ: كَوْنُهُ شَابًّا فَيَكُونُ أَنْشَطَ لِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ عَاقِلًا فَيَكُونُ أَوْعَى لَهُ، وَكَوْنُهُ لَا يُتَّهَمُ فَتَرْكَنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مُمَارَسَةً لَهُ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ لَهُ قَدْ تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ لَكِنْ مُفَرَّقَةً. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ زَيْدًا بِأَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ الْبَحْثِ فِيهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا إِذَا عَزَمْتَ عَلَى هَذَا فَأَرْسِلْ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَادْعُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ شَابًّا حَدَثًا نَقِيًّا يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ حَتَّى يَجْمَعَهُ مَعَنَا. قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فَأَرْسَلَا إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُمَا، فَقَالَا لِي: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَجْمَعَ الْقُرْآنَ فِي شَيْءٍ، فَاجْمَعْهُ مَعَنَا. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا دَعَانِي إِلَى أَمْرٍ، وَأَنْتَ كَاتِبُ الْوَحْيِ، فَإِنْ تَكُ مَعَهُ اتَّبَعْتُكُمَا، وَإِنْ تُوَافِقْنِي لَا أَفْعَلُ فَاقْتَضَى قَوْلُ عُمَرَ - فَنَفَرْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ، كَلِّمْهُ وَمَا عَلَيْكُمَا لَوْ فَعَلْتُمَا، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَقُلْنَا: لَا شَيْءَ وَاللَّهِ، مَا عَلَيْنَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا نَفَرَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلًا، ثُمَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثَانِيًا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجِدَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ، فَكَرِهَا أَنْ يُحِلَّا أَنْفُسَهُمَا مَحَلَّ مَنْ يَزِيدُ احْتِيَاطُهُ لِلدِّينِ عَلَى احْتِيَاطِ الرَّسُولِ فَلَمَّا نَبَّهَهُمَا عُمَرُ عَلَى فَائِدَةِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ خَشْيَةَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْحَالُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا لَمْ يُجْمَعِ
الْقُرْآنُ فَيَصِيرُ إِلَى حَالَةِ الْخَفَاءِ بَعْدَ الشُّهْرَةِ، رَجَعَا إِلَيْهِ.
قَالَ: وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ - وَكَذَا تَرْكُهُ - لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبٍ وَلَا تَحْرِيمٍ انْتَهَى.
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى احْتِيَاطِ الرَّسُولِ، بَلْ هُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي مَهَّدَهَا الرَّسُولُ ﷺ.
قَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: كَانَ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ قَالَ: فَكُلُّ أَمْرٍ يَرْجِعُ لِإِحْصَائِهِ وَحِفْظِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. قَالَ: وَقَدْ فَهِمَ عُمَرُ أَنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ جَمْعَهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمَنْعِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا رَأَى وَجْهَ الْإِصَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْقُولِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ مَا يُنَافِيهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ جَمْعِهِ مِنْ ضَيَاعِ بَعْضِهِ، ثُمَّ تَابَعَهُمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ) كَأَنَّهُ جَمَعَ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَأَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْآمِرُ وَحْدَهُ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَوْ كَلَّفَنِي بِالْإِفْرَادِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ذَلِكَ لِمَا خَشِيَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي إِحْصَاءِ مَا أُمِرَ بِجَمْعِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾
قَوْلُهُ: (فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ) أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْعُسُبِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ جَمْعُ عَسِيبٍ وَهُوَ جَرِيدُ النَّخْلِ، كَانُوا يَكْشِطُونَ الْخُوصَ وَيَكْتُبُونَ فِي الطَّرَفِ الْعَرِيضِ. وَقِيلَ: الْعَسِيبُ طَرَفُ الْجَرِيدَةِ الْعَرِيضِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ عَلَيْهِ الْخُوصُ، وَالَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْخُوصُ هُوَ السَّعَفُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْقَصَبِ وَالْعُسُبِ وَالْكَرَانِيفَ وَجَرَائِدَ النَّخْلِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ مِنَ الرِّقَاعِ جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ جِلْدٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ كَاغِدٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ غَزِيَّةَ وَقِطَعِ الْأَدِيمِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَالصُّحُفِ.
قَوْلُهُ: (وَاللِّخَافِ) بِكَسْرِ اللَّامِ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ وَآخِرُهُ فَاءٌ جَمْعُ لَخْفَةٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَاللُّخُفِ بِضَمَّتَيْنِ وَفِي آخِرِهِ فَاءٌ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: هِيَ الْحِجَارَةُ الرِّقَاقُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَفَائِحُ الْحِجَارَةِ الرِّقَاقِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فِيهَا عِرَضٌ وَدِقَّةٌ.
وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ أَحَدِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْخَزَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ، ثُمَّ فَاءٍ وَهِيَ الْآنِيَةُ الَّتِي تُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ الْمَشْوِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَالْأَكْتَافِ جَمْعُ كَتِفٍ وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي لِلْبَعِيرِ أَوِ الشَّاةِ، كَانُوا إِذَا جَفَّ كَتَبُوا فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ وَكِسَرِ الْأَكْتَافِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ وَالْأَضْلَاعِ وَعِنْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَالْأَقْتَابِ بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ قَتَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْخَشَبُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: قَامَ عُمَرُ فَقَالَ: مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ.
وَكَانُوا يَكْتُبُونَ ذَلِكَ فِي الصُّحُفِ وَالْأَلْوَاحِ وَالْعُسُبِ قَالَ: وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا كَانَ لَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ وِجْدَانِهِ مَكْتُوبًا حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ سَمَاعًا؛ مَعَ كَوْنِ زَيْدٍ كَانَ يَحْفَظُهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الِاحْتِيَاطِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ، وَلِزَيْدٍ: اقْعُدَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَاكْتُبَاهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّاهِدَيْنِ الْحِفْظُ
وَالْكِتَابُ، أَوِ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكْتُوبَ كُتِبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ. وَكَانَ غَرَضُهُمْ أَنْ لَا يُكْتَبَ إِلَّا مِنْ عَيْنِ مَا كُتِبَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) أَيْ حَيْثُ لَا أَجِدُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا. أَوِ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ أَكْتُبُهُ مِنَ الْمَكْتُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْمَحْفُوظِ فِي الصَّدْرِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ فَقَالَ فِيهِ: خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ أَصَحُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ آخِرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ غَيْرُ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ، فَالْأَوَّلُ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَمِنْ قَائِلٍ مَعَ خُزَيْمَةَ وَمِنْ قَائِلٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَمِنْ شَاكٍّ فِيهِ يَقُولُ خُزَيْمَةُ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ وَالْأَرْجَحُ أَنَّ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ آخِرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ أَبُو خُزَيْمَةَ بِالْكُنْيَةِ، وَالَّذِي وُجِدَ مَعَهُ الْآيَةُ مِنَ الْأَحْزَابِ خُزَيْمَةُ. وَأَبُو خُزَيْمَةَ قِيلَ: هُوَ ابْنُ أَوْسِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَصْرَمَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَمَّا خُزَيْمَةُ فَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، مِنْ آخِرِ سُورَةِ بَرَاءَةَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَعَيْتُهُمَا، فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُهُمَا. ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ، فَانْظُرُوا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَأَلْحِقُوهَا فِي آخِرِهَا فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَدْتُهَا مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ غَيْرِهِ أَيْ أَوَّلَ مَا كَتَبْتُ، ثُمَّ جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّ أَبَا خُزَيْمَةَ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ لَا ابْنُ أَوْسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لَوْ كَانَتْ ثَلَاثُ آيَاتٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَلِّفُونَ آيَاتِ السُّوَرِ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ. نَعَمْ تَرْتِيبُ السُّوَرِ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ كَانَ يَقَعُ بَعْضُهُ مِنْهُمْ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ) أَيْ مَكْتُوبَةً، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِالْحِفْظِ دُونَ الْكِتَابَةِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وِجْدَانِهِ إِيَّاهَا حِينَئِذٍ أَنْ لَا تَكُونَ تَوَاتَرَتْ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَتَلَقَّهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ زَيْدٌ يَطْلُبُ التَّثَبُّتَ عَمَّنْ تَلَقَّاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَعَلَّهُمْ لَمَّا وَجَدَهَا زَيْدٌ عِنْدَ أَبِي خُزَيْمَةَ تَذَكَّرُوهَا كَمَا تَذَكَّرَهَا زَيْدٌ. وَفَائِدَةُ التَّتَبُّعِ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِظْهَارِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَمَا كُتِبَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مِمَّا يَخْفَى مَعْنَاهُ. وَيُوهِمُ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي فِي إِثْبَاتِ الْآيَةِ بِخَبَرِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو خُزَيْمَةَ، وَعُمَرُ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهَا أَبُو خُزَيْمَةَ، بَلْ شَارَكَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَثْبُتُ الْقُرْآنُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَيِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلِ الْمُرَادُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ خِلَافُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، فَلَوْ بَلَغَتْ رُوَاةُ الْخَبَرِ عَدَدًا كَثِيرًا وَفَقَدَ شَيْئًا مِنْ شُرُوطِ الْمُتَوَاتِرِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ نَفْيُ وُجُودِهَا مَكْتُوبَةً، لَا نَفْيَ كَوْنِهَا مَحْفُوظَةً. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ فَجَاءَ خُزَيْمَةُ
بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَرَكْتُمْ آيَتَيْنِ فَلَمْ تَكْتُبُوهُمَا. قَالُوا: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: تَلَقَّيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَأَنَا أَشْهَدُ، فَكَيْفَ تَرَى أَنْ تَجْعَلَهُمَا؟ قَالَ: أَخْتِمُ بِهِمَا آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بَرَاءَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَفْقَهُونَ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنْهَا، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَتَيْنِ بَعْدَهُنَّ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) أَيِ الَّتِي جَمَعَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ) فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرْآنَ فِي قَرَاطِيسَ، وَكَانَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ فَأَبَى حَتَّى اسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِعُمَرَ فَفَعَلَ وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِالْيَمَامَةِ فَزِعَ أَبُو بَكْرٍ، وَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْقُرَّاءِ طَائِفَةٌ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ مَعَهُمْ وَعِنْدَهُمْ، حَتَّى جُمِعَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْوَرَقِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي الصُّحُفِ وَهَذَا كُلُّهُ أَصَحُّ مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَأَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ فَكَتَبْتُ فِي قِطَعِ الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ كَتَبْتُ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَتْ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُجْمَعَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جُمِعَ فِي الصُّحُفِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَرَادِفَةُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) أَيْ: بَعْدَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، إِلَى أَنْ شَرَعَ عُثْمَانُ فِي كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ حَفْصَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَصِيَّةَ عُمَرَ، فَاسْتَمَرَّ مَا كَانَ عِنْدَهُ عِنْدَهَا حَتَّى طَلَبَهُ مِنْهَا مَنْ لَهُ طَلَبُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ هُوَ الَّذِي قَبْلَهُ بِعَيْنِهِ، أَعَادَهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِابْنِ شِهَابٍ فِي قِصَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ وَجَمْعِهِ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الْآيَةِ الَّتِي مِنَ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي آخِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الثَّانِيَةِ هُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُفَرَّقًا، فَأَخْرَجَ الْقِصَّةَ الْأُولَى فِي تَفْسِيرِ التَّوْبَةِ. وَأَخْرَجَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ.
وَأَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ بِتَمَامِهِ. وَأَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ الثَّالِثَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْخَطِيبُ: رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْقِصَصَ الثَّلَاثَ، ثُمَّ سَاقَهَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَسَاقًا وَاحِدًا مُفَصِّلًا لِلْأَسَانِيدِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ: وَرَوَى الْقِصَصَ الثَّلَاثَ شُعَيْبٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَى قِصَّةَ آخِرِ التَّوْبَةِ مُفْرَدًا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ.
قُلْتُ: وَرِوَايَتُهُ تَأْتِي عَقِبَ هَذَا بِاخْتِصَارٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ مُطَوَّلَةً، وَفَاتَهُ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَهَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ قَبْلُ قَالَ: وَرَوَى قِصَّةَ آيَةِ الْأَحْزَابِ مَعْمَرٌ، وَهِشَامُ بْنُ الْغَازِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ثُمَّ سَاقَهَا عَنْهُمْ.
قُلْتُ: وَفَاتَهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ لَهَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهِيَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْمُرَادُ أَنَّ أَرْمِينِيَّةَ فُتِحَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عُثْمَانُ أَمَرَ أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ أَمِيرُ أَهْلِ
الشَّامِ عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ غَزَا مَعَهُمْ، وَكَانَ هُوَ عَلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ الْعِرَاقِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَرْجِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: الْفَرْجُ: الثَّغْرُ. وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يَغْزُو مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ قِبَلَ أَرْمِينِيَّةَ فِي غَزْوِهِمْ ذَلِكَ الْفَرْجَ مَعَ مَنِ اجْتَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ اجْتَمَعَ لِغَزْوِ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَأَرْمِينِيَّةَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَبِكَسْرِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْجَوَالِيقِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ ضَمَّهَا فَقَدْ غَلِطَ، وَبِسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ نُونٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ خَفِيفَةٌ وَقَدْ تُثَقَّلُ قَالَهُ يَاقُوتُ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا أَرْمَنِيٌّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ضَبَطَهَا الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرَ، وَحَكَى ضَمَّ الْهَمْزَةِ وَغَلِطَ. وَإِنَّمَا الْمَضْمُومُ هَمْزَتُهَا أُرْمِيَّةُ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا أُرْمُوِيٌّ وَهِيَ بَلْدَةٌ أُخْرَى مِنْ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، وَأَمَّا أَرْمِينِيَّةُ فَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ نَوَاحِي خِلَاطٍ. وَمَدَّ الْأَصِيلِيُّ، وَالْمُهَلَّبُ أَوَّلَهُ (١) وَزَادَ الْمُهَلَّبُ الدَّالَ وَكَسْرَ الرَّاءِ وَتَقْدِيمَ الْمُوَحَّدَةِ، تَشْتَمِلُ عَلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هِيَ مِنْ جِهَةِ بِلَادِ الرُّومِ يُضْرَبُ بِحُسْنِهَا وَطِيبِ هَوَائِهَا وَكَثْرَةِ مَائِهَا وَشَجَرِهَا الْمَثَلُ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مِنْ بِنَاءِ أَرْمِينَ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَأَذْرَبِيجَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقِيلَ: بِسُكُونِ الذَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ جِيمٌ خَفِيفَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ، وَحَكَى ابْنُ مَكِّيٍّ كَسْرَ أَوَّلِهِ، وَضَبَطَهَا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ بِسُكُونِ الذَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَلَدٌ كَبِيرٌ مِنْ نَوَاحِي جِبَالِ الْعِرَاقِ غَرْبِيِّ (٢) وَهِيَ الْآنَ تِبْرِيزُ وَقَصَبَاتُهَا، وَهِيَ تَلِي أَرْمِينِيَّةَ مِنْ جِهَةِ غَرْبِيِّهَا، وَاتَّفَقَ غَزْوُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ الْأَشْهَرُ فِي ضَبْطِهَا، وَقَدْ تُمَدُّ الْهَمْزَةُ، وَقَدْ تُكْسَرُ وَقَدْ تُحْذَفُ وَقَدْ تُفْتَحُ الْمُوَحَّدَةُ، وَقَدْ يُزَادُ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَعَ مَدِّ الْأُولَى حَكَاهُ الْهَجَرِيُّ وَأَنْكَرَهُ الْجَوَالِيقِيُّ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهُمْ نَسَبُوا إِلَيْهَا آذَرِيٌّ بِالْمَدِّ اقْتِصَارًا عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالُوا فِي النِّسْبَةِ إِلَى بَعْلَبَكٍّ بَعْلِيٌّ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الثَّانِيَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: خَطَبَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا قُبِضَ نَبِيُّكُمْ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْقِرَاءَةِ الْحَدِيثُ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ، وَكَانَ قَتْلُ عُمَرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَيْ كَامِلَةً فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ مُنْذُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ فِي هَذِهِ وَجَبْرِهِ فِي الْأُولَى فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَوَائِلِ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ أَرْمِينِيَّةَ فُتِحَتْ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ عُثْمَانَ. وَغَفَلَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا.
قَوْلُهُ: (فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ) فِي
رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فَيَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ، حَتَّى سَمِعَ حُذَيْفَةُ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ مَا ذَعَرَهُ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكِ النَّاسَ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْتُ فَرْجَ أَرْمِينِيَّةَ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِنِّي لَفِي الْمَسْجِدِ زَمَنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا حُذَيْفَةُ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَغَضِبَ ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ مَنْ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا، وَاللَّهِ لَأَرْكَبَنَّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّ اثْنَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَرَأَ هَذَا ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَقَرَأَ هَذَا (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ) فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: يَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، وَاللَّهِ لَئِنْ قَدِمْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَآمُرَنَّهُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِرَاءَةً وَاحِدَةً وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: بَلَغَنِي عَنْكَ كَذَا، قَالَ: نَعَمْ كَرِهْتُ أَنْ يُقَالَ: قِرَاءَةُ فُلَانٍ وَقِرَاءَةُ فُلَانٍ فَيَخْتَلِفُونَ كَمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ لِحُذَيْفَةَ يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى الِاخْتِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ اشْتَدَّ خَوْفُهُ فَرَكِبَ إِلَى عُثْمَانَ، وَصَادَفَ أَنَّ عُثْمَانَ أَيْضًا كَانَ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ جَعَلَ الْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ، وَالْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ، فَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَتَلَقَّوْنَ فَيَخْتَلِفُونَ، حَتَّى ارْتَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ حَتَّى كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَخَطَبَ فَقَالَ: أَنْتُمْ عِنْدِي تَخْتَلِفُونَ، فَمَنْ نَأَى عَنِّي مِنَ الْأَمْصَارِ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. فَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا جَاءَهُ حُذَيْفَةُ، وَأَعْلَمَهُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ مَا ظَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُثْمَانُ: تَمْتَرُونَ فِي الْقُرْآنِ، تَقُولُونَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: وَاللَّهِ مَا تُقِيمُ قِرَاءَتَكَ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ كَفَرْتَ بِمَا تَقُولُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ فَتَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: أَنَّ نَاسًا بِالْعِرَاقِ يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْآيَةِ، فَإِذَا قَرَأَهَا قَالَ: إِلَّا أَنِّي أُكَفَّرُ بِهَذِهِ، فَفَشَا ذَلِكَ فِي النَّاسِ، فَكُلِّمَ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ فَاسْتَخْرَجَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهَا فَنَسَخَ مِنْهَا مَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّحُفِ وَالْمُصْحَفِ أَنَّ الصُّحُفَ الْأَوْرَاقُ الْمُجَرَّدَةُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ سُوَرٌ مُفَرَّقَةٌ كُلُّ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٌ بِآيَاتِهَا عَلَى حِدَةٍ لَكِنْ لَمْ يُرَتَّبْ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ، فَلَمَّا نُسِخَتْ وَرُتِّبَ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ صَارَتْ مُصْحَفًا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ، وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، قُلْنَا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ. قُلْنَا: فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ) وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمَعَ عُثْمَانُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى الرُّقْعَةِ الَّتِي فِي بَيْتِ عُمَرَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ أَفْلَحَ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ قَالَ: فَكَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ أَخَّرُوهُ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَظُنُّهُ لِيَكْتُبُوهُ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ أَكْتَبُ النَّاسِ؟ قَالُوا: كَاتِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْرَبُ - وَفِي رِوَايَةٍ أَفْصَحُ - قَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، قَالَ عُثْمَانُ: فَلْيُمْلِ سَعِيدٌ وَلْيَكْتُبْ زَيْدٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عَرَبِيَّةَ الْقُرْآنِ أُقِيمَتْ عَلَى لِسَانِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْبَهُهُمْ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقُتِلَ أَبُوهُ الْعَاصِي يَوْمَ بَدْرٍ مُشْرِكًا، وَمَاتَ جَدُّهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ قَبْلَ بَدْرٍ مُشْرِكًا.
قُلْتُ: وَقَدْ أَدْرَكَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ هَذَا مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَ سِنِينَ، قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَعَدُّوهُ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَجْوَادِ قُرَيْشٍ وَحُلَمَائِهَا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: لِكُلِ قَوْمٍ كَرِيمٌ، وَكَرِيمُنَا سَعِيدٌ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَدَلَ سَعِيدٍ قَالَ الْخَطِيبُ: وَوَهِمَ عُمَارَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَانَ قُتِلَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَالَّذِي أَقَامَهُ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أَخِي أَبَانَ الْمَذْكُورِ اهـ. وَوَقَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَقِيَّةِ مَنْ كَتَبَ أَوْ أَمْلَى عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مُفَرَّقًا جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ جَدُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ كَثِيرُ بْنُ أَفْلَحَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَصْلِ حَدِيثِ الْبَابِ، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ عَرَفْنَا تَسْمِيَتَهُمْ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا يُمْلِيَنَّ فِي مَصَاحِفِنَا إِلَّا غِلْمَانُ قُرَيْشٍ وَثَقِيفٍ وَلَيْسَ فِي الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ ثَقِيفٍ، بَلْ كُلُّهُمْ إِمَّا قُرَشِيٌّ أَوْ أَنْصَارِيٌّ، وَكَأَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ كَانَ لِزَيْدٍ، وَسَعِيدٍ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيهِمَا فِي رِوَايَةِ مُصْعَبٍ، ثُمَّ احْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُسَاعِدُ فِي الْكِتَابَةِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إِلَى عَدَدِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي تُرْسَلُ إِلَى الْآفَاقِ فَأَضَافُوا إِلَى زَيْدٍ مَنْ ذُكِرَ، ثُمَّ اسْتَظْهَرُوا بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الْإِمْلَاءِ. وَقَدْ شَقَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ صَرْفُهُ عَنْ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ حَتَّى قَالَ: مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ وَيَتَوَلَّاهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ؟! يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ خُمَيْرِ بْنِ مَالِكٍ بِالْخَاءِ مُصَغَّرٌ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعِينَ سُورَةً وَإِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَصَبِيٌّ مِنَ الصِّبْيَانِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً. وَمِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْهُ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَإِنَّ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ذُؤَابَتَيْنِ.
وَالْعُذْرُ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْمَدِينَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بِالْكُوفَةِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ وَيَحْضُرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَرَادَ نَسْخَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ جُمِعَتْ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَأَنْ يَجْعَلَهَا مُصْحَفًا وَاحِدًا، وَكَانَ الَّذِي نَسَخَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ كَانَ كَاتِبَ الْوَحْيِ، فَكَانَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوَّلِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ) يَعْنِي سَعِيدًا، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّ سَعِيدًا أُمَوِيٌّ وَعَبْدَ اللَّهِ أَسَدِيٌّ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ وَكُلُّهَا مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ، فَقَالَ الْقُرَشِيُّونَ: التَّابُوتُ وَقَالَ زَيْدٌ: التَّابُوهُ، فَرُفِعَ اخْتِلَافُهُمْ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: اكْتُبُوهُ التَّابُوتَ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَدْرَجَهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَإِنَّمَا رَوَاهَا ابْنُ شِهَابٍ مُرْسَلَةً.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ) زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ يُرْسِلُ إِلَى حَفْصَةَ - يَعْنِي حِينَ كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ - يَسْأَلُهَا الصُّحُفَ الَّتِي كُتِبَ مِنْهَا الْقُرْآنُ فَتَأْبَى أَنْ تُعْطِيَهُ، قَالَ سَالِمٌ: فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ وَرَجَعْنَا مِنْ دَفْنِهَا أَرْسَلَ مَرْوَانُ بِالْعَزِيمَةِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَيُرْسِلَنَّ إِلَيْهِ تِلْكَ الصُّحُفَ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَأَمَرَ بِهَا مَرْوَانُ فَشُقِّقَتْ وَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِأَنِّي خَشِيتُ إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَرْتَابَ فِي شَأْنِ هَذِهِ الصُّحُفِ مُرْتَابٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَمُزِّقَتْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ مَرْوَانَ مَزَّقَ الصُّحُفَ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ فَلَمَّا كَانَ مَرْوَانُ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ أَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ يَسْأَلُهَا الصُّحُفَ، فَمَنَعَتْهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ: فَشَقَّقَهَا وَحَرَّقَهَا وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ، لَكِنْ أَدْرَجَهَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَقَالَ فِيهِ: فَغَسَلَهَا غَسْلًا وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ أَوْ خَارِجَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآنَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ فَطَلَبَهَا فَأَبَتْ حَتَّى عَاهَدَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا، فَنَسَخَ مِنْهَا ثُمَّ رَدَّهَا، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَرْسَلَ مَرْوَانُ فَأَخَذَهَا فَحَرَّقَهَا وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ صَنَعَ بِالصُّحُفِ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ تَشْقِيقٍ، ثُمَّ غَسْلٍ، ثُمَّ تَحْرِيقٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَيَكُونُ مَزَّقَهَا ثُمَّ غَسَلَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ بِمُصْحَفٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا عُثْمَانُ إِلَى الْآفَاقِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا خَمْسَةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: أَرْسَلَ عُثْمَانُ أَرْبَعَةَ مَصَاحِفَ، وَبَعَثَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ بِمُصْحَفٍ، فَوَقَعَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ مُرَادٍ، فَبَقِيَ حَتَّى كَتَبْتُ مُصْحَفِي عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ يَقُولُ: كَتَبْتُ سَبْعَةَ مَصَاحِفَ إِلَى مَكَّةَ وَإِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْبَحْرَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَةِ وَإِلَى الْكُوفَةِ، وَحَبَسَ بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. وَأُخْرِجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مُصْحَفُنَا وَمُصْحَفُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَضْبَطُ مِنْ مُصْحَفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ عُثْمَانَ بَعَثَ إِلَى الْكُوفَةِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ بِمُصْحَفٍ قَبْلَ أَنْ يُعْرَضَ، وَبَقِيَ مُصْحَفُنَا وَمُصْحَفُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ حَتَّى عُرِضَا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ أَنْ يُخْرَقَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلِلْمَرْوَزِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ بِالْوَجْهَيْنِ، وَالْمُعْجَمَةُ أَثْبَتُ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنْ تُمْحَى أَوْ تُحْرَقَ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ
عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحَرِّقُوا كُلَّ مُصْحَفٍ يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ، قَالَ: فَذَلِكَ زَمَانُ حُرِّقَتِ الْمَصَاحِفُ بِالْعِرَاقِ بِالنَّارِ وَفِي رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَا تَقُولُوا لِعُثْمَانَ فِي إِحْرَاقِ الْمَصَاحِفِ إِلَّا خَيْرًا وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فَأَمَرَ بِجَمْعِ الْمَصَاحِفِ فَأَحْرَقَهَا، ثُمَّ بَثَّ فِي الْأَجْنَادِ الَّتِي كَتَبَ وَمِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُتَوَافِرِينَ حِينَ حَرَّقَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ - أَوْ قَالَ: - لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ مِنَ الْمُصْحَفِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا وَمَحَوْتُ مَا عِنْدِي، فَامْحُوَا مَا عِنْدَكُمْ وَالْمَحْوُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْغَسْلِ أَوِ التَّحْرِيقِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيقِ فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ، وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِحَسْبِ مَا رَأَى مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُمْ غَسَلُوهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ أَحْرَقُوهَا مُبَالَغَةً فِي إِذْهَابِهَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ تَحْرِيقِ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ بِالنَّارِ وَأَنَّ ذَلِكَ إِكْرَامٌ لَهَا وَصَوْنٌ عَنْ وَطْئِهَا بِالْأَقْدَامِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَرِّقُ الرَّسَائِلَ الَّتِي فِيهَا الْبَسْمَلَةُ إِذَا اجْتَمَعَتْ، وَكَذَا فَعَلَ عُرْوَةُ، وَكَرِهَهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرِّوَايَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَصَحُّ. وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْآنَ فَالْغَسْلُ أَوْلَى لِمَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ.
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ أَيْ بِمَا سِوَى الْمُصْحَفِ الَّذِي اسْتَكْتَبَهُ وَالْمَصَاحِفِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْهُ وَسِوَى الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ وَرَدَّهَا إِلَيْهَا، وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَ مَرْوَانُ الْأَمْرَ بَعْدَهَا وَأَعْدَمَهَا أَيْضًا خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ لِأَحَدٍ مِنْهَا تَوَهُّمُ أَنَّ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِتَحْرِيقِ عُثْمَانَ الصُّحُفَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كَلَامِ اللَّهِ قَدِيمًا أَنْ تَكُونَ الْأَسْطُرُ الْمَكْتُوبَةُ فِي الْوَرَقِ قَدِيمَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ عَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ لَمْ يَسْتَجِزِ الصَّحَابَةُ إِحْرَاقَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ إِلَخْ) هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً مُفْرَدَةً فِي الْجِهَادِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا أَنَّهُ فَقَدَ آيَةَ الْأَحْزَابِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَ نَسَخَهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى وَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ فَقْدَهُ إِيَّاهَا إِنَّمَا كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ مَا فِي الصَّحِيحِ وَأَنَّ الَّذِي فَقَدَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ بَرَاءَةٌ وَأَمَّا الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ فَفَقَدَهَا لَمَّا كَتَبَ الْمُصْحَفَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُجَمِّعٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ جَمْعِ عُثْمَانَ أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ حَمَلَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقُرْآنِ حِينَ قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ، فَأَدَّى ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ، فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَسَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَتْ لُغَةُ قُرَيْشٍ أَرْجَحُ اللُّغَاتِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ وَاحِدٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ حَدِيثَ جَمْعِ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ مِنْ سِيَاقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ طَرَفًا مِنْهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث سبقَ في «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٩].
٤٩٨٧ - ٤٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيلَ المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعدٍ العوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلمٍ: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ) واسم اليمان: حُسيل -بمهملتين- مصغَّرًا، وقيل: حِسْل -بكسر ثم سكون- العبسيَّ بالموحدة، حليف الأنصار (قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ) المدينة في خلافته (وَكَانَ) عثمان (يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ) أي: يجهِّزُ أهل الشَّام (فِي فَتْحِ أَإِرْمِينِيَةَ) بكسر الهمزة وتفتح وسكون الراء وكسر الميم والنون بينهما تحتية ساكنة وبعد النون تحتية أخرى مخففة، وقد تثقَّل، مدينةٌ عظيمةٌ بين بلاد الرُّوم وخِلاط، قريبة من أَرْزن
الرُّوم (١). قال ابن السَّمعانيِّ: يضربُ بحسنِها وطيبِ هوائها، وكثرة مياهِها وشجرهَا المَثَل (وَأَذْرَبِيجَانَ) وأمر أهل الشَّام أن يجتمعوا (مَعَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في» (أَهْلِ العِرَاقِ) في غزوِهما وفتحِهما. وأَذْرَبِيْجَان: بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الجيم وبعد الألف نون. وقرأتُ في «معجم ياقوت»: وفتح قوم الذال وسكنوا الراء، ومد آخرون الهمزة مع ذلك، وروي عن المهلَّب -ولا أعرف المهلَّب هذا-: آذريبجان بمد الهمزة وسكون الذال، فيلتقي ساكنان وكسر الراء، ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة وجيم وألف ونون، وهو اسم اجتمعتْ فيه خمس موانع من الصَّرف: العجمة والتَّعريف والتَّأنيث والتَّركيب ولحاق الألف والنون، وهو إقليمٌ واسعٌ، ومن مشهورِ مدنهِ تبريز، وهو صَقْعٌ جليلٌ، ومملكةٌ عظيمةٌ، وخيراتٌ واسعةٌ، وفواكِهُ جمَّةٌ، لا يحتاج السَّالك فيها إلى حملِ إناءٍ للماء؛ لأنَّ المياه جاريةٌ تحت أقدامهِ أين توجَّه، وأهلها صِباحُ الوجوهِ حمرها، ولهم لغةٌ يقال لها: الأذريَّة، لا يفهمها غيرهم، وفي أهلها لينٌ وحسنُ معاملةٍ، إلَّا أنَّ البخلَ يغلبُ على طباعهم، وهي بلادُ فتنٍ وحروبٍ، ما خلتْ قط فتنة منها (٢)؛ فلذلك أكثرُ مُدنها خراب، وافتتحتْ أولًا في أيَّام عمر بن الخطَّاب، كان أنفذَ المغيرة بن شعبةَ الثَّقفيَّ واليًا على الكوفةِ ومعه كتابٌ إلى حذيفةَ بن اليمان بولايةِ أَذْربيجان، فوردَ عليه الكتابُ بنهاوند، فسارَ منها إلى أَذْربيجان (٣) في جيش كثيف (٤)، فقاتل المسلمون قتالًا شديدًا، ثمَّ إنَّ المرزبان صالحَ حذيفةَ على ثمان مئة ألف درهمٍ على أنْ لا يقتل منهم أحدًا ولا يسبيهِ ولا يهدمَ
بيت نارٍ، ثمَّ عزلَ عمرُ حذيفةَ وولَّى عتبةَ بن فرقدٍ على أَذْربيجان، ولما استعملَ عثمانُ بن عفان الوليدَ بن عقبةَ على الكوفةِ عزلَ عتبةَ بن فرقدٍ عن أَذْربيجان، فنقضوا، فغزاهم الوليدُ بن عتبة سنة خمس وعشرين، وكان حذيفةُ من جملةِ من غزا معه.
(فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ) المحمَّديَّة (قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ) أي: القرآن (اخْتِلَافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) في التَّوراة والإنجيلِ، وفي رواية عمارة بن غزيَّة: أنَّ حذيفة قال: يا أميرَ المؤمنين، أدرك النَّاس، قال: وما ذاك؟ قال: غزوتُ فَرْج أرمينية، فإذا أهل الشَّام يقرؤون بقراءةِ أبيِّ بن كعبٍ، ويأتون بما لم يسمعْ أهلُ العراقِ، وإذا أهلُ العراقِ يقرؤون بقراءةِ ابن مسعودٍ، فيأتون بما لم يسمعْ أهل الشَّام، فيكفِّر بعضُهم بعضًا.
وروى ابنُ أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سويدِ بن غَفَلة قال: قال عليٌّ: لا تقولوا في عثمان إلَّا خيرًا، فوالله ما فعلَ الَّذي فعلَ في المصاحفِ إلَّا عن ملأ منَّا، قال: ما تقولون في هذه القراءةِ؟ فقد بلغني أنَّ بعضهم يقول: قراءتي خيرٌ من قراءتكَ، وهذا يكادُ أن (١) يكون كفرًا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أنْ تجمعَ النَّاس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقةٌ ولا اختلافٌ. قلنا: نِعْم ما رأيتَ.
(فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ) ﵂ (أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ) التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها (نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ) الأمويَّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) وفي كتاب «المصاحف» لابن أبي داود من طريق محمَّد بنِ سيرين اثني عشر رجلًا
من قريش والأنصار، منهم: أبي بن كعب. وفي رواية مصعب بن سعد: فقال عثمان: مَن أَكْتَب النَّاس؟ قالوا: كاتبُ رسولِ الله ﷺ زيدُ بن ثابت. قال: فأيُّ النَّاس أعرب؟ وفي رواية: أفصحُ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال عثمان: فليُمْلِ سعيدٌ ولْيَكتب زيد. ووقع عند ابنِ أبي داود تسميةُ جماعةٍ ممَّن كتبَ أو أملَى، منهم: مالك بن أبي عامر، جدُّ مالك بن أنس، وكثيرُ بن أفلح، وأبيُّ بن كعب، وأنسُ بن مالك، وعبدُ الله بن عباس (فَنَسَخُوهَا) أي: الصُّحف (فِي المَصَاحِفِ، وَ) ذلك بعد أن (قَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ): سعيد، وعبد الله، وعبد الرحمن؛ لأنَّ الأوَّل أموي، والثَّاني أسدي، والثَّالث مخزوميٌّ، وكلُّها من بطون قريشٍ: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ) أي: من عربيتهِ (١) (فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ) معظمه (بِلِسَانِهِمْ) أي: بلغتهم (فَفَعَلُوا) ذلك كما أمرهم (حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ) فكانت عندَها حتى توفِّيت، فأخذَها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبلِ معاويةَ، فأمرَ بها فشُقِّقَت، وقال: إنَّما فعلتُ هذا لأنِّي خشيتُ إن طالَ بالنَّاس زمان أن يرتابَ فيها مرتابٌ. رواه ابن أبي داود (٢) وغيره.
(وَأَرْسَلَ) (٣) عثمان (إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا) وكانت خمسة على المشهور، فأرسل أربعةً وأمسك واحدًا. وقال الدَّاني في «المقنع»: أكثرُ العلماء أنَّها أربعةٌ، أرسل واحدًا للكوفةِ، وآخر للبصرةِ، وآخر للشَّام، وتركَ واحدًا عنده، وقال أبو حاتم فيما رواهُ عنه ابنُ أبي داود: كتبَ سبعةَ مصاحف: إلى مكَّة والشَّام واليمنِ والبحرين والبصرةِ والكوفةِ، وحبسَ بالمدينة واحدًا (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ) أي: سوى المصحفِ الَّذي استكتبه والَّتي نقلت منه، وسوى الصُّحف التي كانت عند حفصة (مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يحَرَّق» بفتح المهملة وتشديد الراء، مبالغة في إذهابها وسدًّا لمادة الاختلاف.
وقال في «شرح السنة» في هذا الحديث البيانُ الواضح أنَّ الصَّحابة ﵃ جمعوا بين الدَّفتين القرآنَ المنزل، من غيرِ أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتِّفاق منهم، من غير أن يقدِّموا شيئًا أو يؤخِّروه، بل كتبوهُ في المصاحفِ على التَّرتيب المكتوبِ في اللَّوح المحفوظِ، بتوقيفِ جبريل ﵇ على ذلك، وإعلامهِ عند نزولِ كلِّ آيةٍ بموضعها وأين تكتب.
وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: كان قراءةُ أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصارَ واحدة، وهي الَّتي قرأها ﷺ على جبريلَ مرَّتين في العامِ الَّذي قبضَ فيه، وكان زيد شهد العرضةَ الأخيرة، وكان يُقرئ النَّاس بها حتَّى مات، ولذلك اعتمدهُ الصِّدِّيق في جمعه وولَّاه عثمان كتبة المصاحف.
قال السَّفاقِسيُّ: فكان جَمْعُ أبي بكر خوف ذهابِ شيءٍ من القرآنِ بذهابِ حملتهِ؛ إذ (١) لم يكن مجموعًا في موضعٍ واحدٍ، وجَمْعُ عثمان لمَّا كثرَ الاختلافُ في وجوهِ قراءتهِ حين قرؤوا بلغاتهم، حتَّى أدَّى ذلك إلى تخطئةِ بعضِهم بعضًا، فنسخ تلك الصُّحف في مصحفٍ واحدٍ مقتصرًا من اللُّغات على لغةِ قريشٍ؛ إذ هي أرجحُها.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ -بالإسناد السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «فأَخْبرني» بالفاء والإفراد أيضًا (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أنَّه (سَمِعَ) أباه (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ) بفتح القاف (آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ) أي: في زمن عثمان لا في زمنِ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الَّذي فقدهُ في خلافةِ أبي بكر الآيتان من آخرِ (٢) سورة براءة (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالتَمَسْنَاهَا) أي: طلبناها (فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ) بالمثلَّثة، ابنِ الفاكهِ بنِ ثعلبةَ ذي الشَّهادتين، وهو غيرُ أبي خزيمة بالكنيةِ الَّذي وجدَ معه آخر سورة التوبة (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الصُّحُفِ) بضم الصاد من غير ميم في الفرع، والَّذي في «اليونينية» بالميم (٣).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وأزيل عَنهُ.
٣ - (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة جمع الْقُرْآن، وَالْمرَاد بِهِ جمع مَخْصُوص وَهُوَ جمع المتفرق مِنْهُ فِي صحف ثمَّ تجمع تِلْكَ الصُّحُف فِي مصحف وَاحِد مُرَتّب السُّور والآيات.
٦٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدٍ بنِ السَّبَّاقِ: أنَّ زَيْدَ بن ثابِتٍ، رضيَ الله عنهُ قَالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ فَإِذا عُمَرُ بنُ الخَطّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أبُو بَكْرٍ، رَضِي الله عَنهُ: إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تأمُرَ بِجَمْعِ القُرْآن. قلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ عُمَرُ: هاذا وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ ورَأيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأى عُمَر.
قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رجُلٌ شَاب عاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَتَبَّعِ القَرْآنَ فاجْمَعْهُ. فَوَالله لوْ كَلَّفُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَليَّ مِمَّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلمْ يزَل أبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُني حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخافِ وصُدُرِ الرِّجالِ حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْها معَ أحَدٍ غَيْرِهِ { (٩) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} (التَّوْبَة: ٨٢١) حتَّى خاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنتِ عُمَرَ رضِي الله عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد بن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمدنِي التَّابِعِيّ، يكنى أَبَا سعيد وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. لَكِن كَرَّرَه فِي الْأَبْوَاب.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي آخر سُورَة بَرَاءَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن السباق أَن زيد بن ثَابت إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِي بعض شَيْء.
فَقَوله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) أَي: بعد قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَقتل من الْقُرَّاء يَوْمئِذٍ سَبْعمِائة وَقيل أَكثر. قَوْله: (قد استحر) بسين مُهْملَة ومثناة من فَوق مَفْتُوحَة وحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي: اشْتَدَّ وَكثر وَهُوَ على وزن استفعل من الْحر خلاف الْبرد قَوْله: (بالمواطن) ، أَي: فِي المواطن أَي الْأَمَاكِن الَّتِي يَقع فِيهَا الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: يحْتَمل أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا لم يجمع الْقُرْآن فِي الصُّحُف لما كَانَ يترقب من وُرُود نَاسخ لبَعض أَحْكَامه أَو تِلَاوَته، فَلَمَّا انْقَضى نُزُوله بوفاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألهم الله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ذَلِك وَفَاء لوعده الصَّادِق بِضَمَان حفظه على هَذِه الْأمة المحمدية، فَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك على يَد الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمشورة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف بِإِسْنَاد حسن عَن عبد خير قَالَ: سَمِعت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أعظم النَّاس فِي الْمَصَاحِف أجرا أَبُو بكر رَحْمَة الله على أبي بكر، هُوَ أول من جمع كتاب الله. فَإِن قلت: أخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق ابْن سِيرِين، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آلَيْت أَن لَا آخذ على رِدَائي إلَاّ لصَلَاة جُمُعَة حَتَّى أجمع الْقُرْآن، فَجَمعه قلت: إِسْنَاده ضَعِيف لانقطاعه، وَلَئِن سلمنَا كَونه
مَحْفُوظًا فمراده بجمعه حفظه فِي صَدره قَوْله: (وَالله خير) ، يَعْنِي: خير فِي زمانهم. قَوْله: (فتتبع الْقُرْآن) صِيغَة أَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فاجمعه) قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن أجمعه) حَال أَي: حَال كوني أجمعه، وَقت التتبع. قَوْله: (من العسب) بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا بَاء مُوَحدَة جمع عسب وَهُوَ جريد النّخل كَانُوا يكشطون الخوص ويكتبون فِي الطّرف العريض، وَقيل: العسب طرف الجريد العريض الَّذِي لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَالَّذِي ينْبت عَلَيْهِ الخوص هُوَ السعف، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: الْقصب والعسب والكرانيف وجرائد النّخل. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي التَّفْسِير من الرّقاع، الأكتاف والعسب وصدور الرِّجَال، والرقاع جمع رقْعَة، وَقد يكون من جلد أَو ورق أَو كاغد، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة: وَقطع الْأَدِيم. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُود من طَرِيق أبي دَاوُود الذيالسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد: والصحف وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُد والأضلاع، وَعِنْده أَيْضا: والاقتاب جمع قتب الْبَعِير. قَوْله: (واللخاف) ، بِكَسْر اللَّام وبالخاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء وَهُوَ جمع لخفة، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحجر الْأَبْيَض الرَّقِيق، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللخاف صَفَائِح الْحِجَارَة الرقَاق. قَوْله: (مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة من قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة أصح، وَالَّذِي وجد مَعَه آخر سُورَة التَّوْبَة أَبُو خُزَيْمَة بالكنية، وَالَّذِي وجد مَعَه الْآيَة من الْأَحْزَاب خُزَيْمَة، وَاسم أبي خُزَيْمَة لَا يعرف وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَهُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم. قَوْله: (فَكَانَت) أَي: الصُّحُف الَّتِي جمعهَا زيد بن ثَابت عِنْد أبي بكر إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته) ، أَي: ثمَّ كَانَت عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُدَّة حَيَاته. قَوْله: (ثمَّ عِنْد حَفْصَة) ، أَي: ثمَّ بعد عمر كَانَت عِنْد حَفْصَة بنت عمر فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا كَانَت عِنْد حَفْصَة لِأَن عمر أوصى بذلك فاستمرت عِنْدهَا إِلَى أَن طلبَهَا من لَهُ الطّلب.
٧٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى احدّثنا إبْرَاهيم حَدثنَا ابنُ شِهاب: أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ حدَّثَهُ أنَّ حذَيْفَةَ ابنَ اليَمانِ قَدِمَ علَى عُثْمانَ، وكانَ يُغازي أهْلع الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وأذْرَبِيجانَ مَعَ أهْلِ العِرَاقِ، فأفْزعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ أدْرِكَ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنصارَى، فأرْسَلَ عثْمانُ إِلَى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إليْنا بالصُّحُفِ نَنْسَخُها فِي المصاحِفِ ثُمَّ نَزُدها إليْكِ، فأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمانَ فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وعَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ الْعاصِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوها فِي المَصاحِفِ. وَقَالَ عُثْمانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثلاثَةِ: إِذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابتٍ فِي شَيْء مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّما نَزَلَ بلِسَانِهمْ. ففَعَلُوا، حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، فأرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا وأمَرَ بمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ أنْ يخْرَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد، وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى ابْن شهَاب هُوَ الَّذِي قبله بِعَيْنِه، أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا حديثان لِابْنِ شهَاب فِي قصتين مختلفتين، وَإِن اتفقَا فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَجمعه، وَله قصَّة أُخْرَى عَن خَارِجَة بن زيد فِي آخر هَذَا الحَدِيث، على مَا يَأْتِي الْآن.
قَوْله: (وَكَانَ يغازي) ، أَي: يغزى، أَي: كَانَ عُثْمَان يُجهز أهل الشَّام وَأهل الْعرَاق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وأرمينية بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ نون مَكْسُورَة، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ بِفَتْح الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ بلد مَعْرُوف يضم كورا كَثِيرَة سميت بذلك لكَون الأرمن فِيهَا، وَهِي أمة كالروم، وَقيل: سميت بأرمون بن ليطى بن يومن بن يافث بن نوح، عَلَيْهِ السَّلَام: وَقَالَ
الرشاطي: افتتحت فِي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على يَد سلمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وَأَهْلهَا بَنو أرمي بن أرم بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، وأذربيجان بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الْجِيم وَالْألف وَالنُّون، وَقَالَ ابْن قرقول: فتح عبد الله بن سُلَيْمَان الْيَاء، وَعَن الْمُهلب بِالْمدِّ وَكسر الرَّاء بعْدهَا يَاء سَاكِنة بعْدهَا بَاء مَفْتُوحَة، وَقَالَ أَبُو الْفرج: ألفها مَقْصُورَة وذالها سَاكِنة كَذَلِك قِرَاءَته على أبي مَنْصُور، ويغلط من يمده. وَفِي المبتدىء: من يقدم الْيَاء أُخْت الْوَاو على الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جهل، وَفِي النَّوَادِر لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقوله بقصر الْهمزَة، وَكَذَا ذكره صَاحب تثقيف اللِّسَان وَلَكِن كسر الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق البحتري: من الفصيح أذربيجان، وَقَالَ الجواليقي: الْهمزَة فِي أَولهَا أَصْلِيَّة لِأَن أذر مضموم إِلَيْهِ الآخر، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: اجْتمعت فِيهَا أَربع مَوَانِع من الصّرْف: العجمة والتعريف، والتأنيث والتركيب، وَهِي بَلْدَة بالجبال من بِلَاد الْعرَاق يَلِي كور أرمينية من جِهَة الغرب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَشْهر عِنْد الْعَجم أذربايجان، بالمدو الْألف بَين الْمُوَحدَة والتحتانية، هُوَ بَلْدَة تبريز وقصباتها. قَوْله: (مَعَ أهل الْعرَاق) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي أهل الْعرَاق. قَوْله: (فأفزع) من الإفزاع، و (حُذَيْفَة) بِالنّصب. مَفْعُوله، (وَاخْتِلَافهمْ) بِالرَّفْع فَاعله، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه: فيتناز عون فِي الْقُرْآن حَتَّى سمع حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ مَا ذعره، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فتذاكروا الْقُرْآن وَاخْتلفُوا فِيهِ حَتَّى كَاد يكون بَينهم فتْنَة، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة أَن حُذَيْفَة قدم من غَزْوَة فَلم يدْخل بَيته حَتَّى أَتَى عُثْمَان فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك النَّاس! قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: غزوت فرج أرمينية فَإِذا أهل الشَّام يقرأون بِقِرَاءَة أبي بن كَعْب فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الْعرَاق، وَإِذا أهل الْعرَاق يقرأون بِقِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الشَّام فيكفر بَعضهم بَعْضًا انْتهى. وَكَانَ هَذَا سَببا لجمع عُثْمَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَالْفرق بَينه وَبَين الصُّحُف أَن الصُّحُف هِيَ الأوراق المحررة الَّتِي جمع فِيهَا الْقُرْآن فِي عهد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت سورا مفرقة كل سُورَة مرتبَة بآياتها على حِدة، لَكِن لم يرتب بَعْضهَا إِثْر بعض، فَلَمَّا نسخت ورتب بعصها إِثْر بعض صَارَت مُصحفا، وَلم يكن مُصحفا إلَاّ فِي عهد عُثْمَان، على مَا ذكر فِي الحَدِيث من طلب عُثْمَان الصُّحُف من حَفْصَة وَأمره للصحابة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث بِكِتَابَة مصاحف وإرساله إِلَى كل نَاحيَة بمصحف، قَوْله: (فَأمر زيد بن ثَابت) هُوَ الْأنْصَارِيّ، والبقية قرشيون. قَوْله: (فنسخوها) أَي: الصُّحُف أَي: مَا فِي الصُّحُف الَّتِي أرسلتها حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (للرهط القرشيين) وهم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَسَعِيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَرْث المخرومي. قَوْله: (فَإِنَّمَا نزل بلسانهم) أَي: فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش أَي: مُعظم الْقُرْآن، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَأرْسل إِلَى كل أفق) أَي: نَاحيَة، وَيجمع على: آفَاق، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: فَأرْسل إِلَى كل جند من أجناد الْمُسلمين بمصحف. وَاخْتلف فِي عدد الْمَصَاحِف الَّتِي أرسل بهَا عُثْمَان إِلَى الْآفَاق فَالْمَشْهُور أَنَّهَا خَمْسَة، وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَصَاحِف من طَرِيق حَمْزَة الزيات، قَالَ: أرسل عُثْمَان أَرْبَعَة مصاحف وَبعث مِنْهَا إِلَى الْكُوفَة بمصحف فَوَقع عِنْد رجل من مُرَاد فَبَقيَ حَتَّى كتبت مصحفي مِنْهُ، وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: وَسمعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول: كتبت سَبْعَة مصاحف: إِلَى مَكَّة وَإِلَى الشَّام وَإِلَى الْيَمين وَإِلَى الْبَحْرين وَإِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى الْكُوفَة وَحبس بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. قَوْله: (أَن يخرق) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة رِوَايَة الأكثين وبالمهملة رِوَايَة الْمروزِي وبالوجهين رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وبالمعجمة أثبت، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن يُمحى أَو يحرق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إحراق الْقُرْآن؟ قلت: المحروق هُوَ الْقُرْآن الْمَنْسُوخ أَو الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ من التَّفْسِير أَو بلغَة غير قُرَيْش أَو الْقرَاءَات الشاذة، وَفَائِدَته أَن لَا يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قلت: هَذِه الْأَجْوِبَة جَوَاب من لم يطلع على كَلَام الْقَوْم وَلم يتَأَمَّل مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي آخر الحَدِيث وَقَالَ عِيَاض: غسلوها بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها، وَعند أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: وَأمرهمْ أَن يحرقوا كل مصحف يُخَالف الْمُصحف الَّذِي أرسل بِهِ، قَالَ: فَذَلِك زمَان أحرقت الْمَصَاحِف بالعراق بالنَّار، وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا تَقولُوا لعُثْمَان فِي إحراق الْمَصَاحِف إلَاّ خيرا وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فَأمر بِجمع الْمَصَاحِف فأحرقها ثمَّ بَث فِي الأجناد الَّتِي كتبت، وَمن طَرِيق مُصعب بن سعد قَالَ: أدْركْت النَّاس متوافرين حِين أحرق عُثْمَان الْمَصَاحِف، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِك أَو قَالَ: لم يُنكر ذَلِك مِنْهُم أحد.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ.
قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. لَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄. فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵁.
٤٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ.
٤٩٨٨ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ جَمْعِ الْقُرْآنِ) الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ هُنَا جَمْعٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ جَمْعُ مُتَفَرِّقِهِ فِي صُحُفٍ، ثُمَّ جَمْعُ تِلْكَ الصُّحُفِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتَّبِ السُّوَرِ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ بَابُ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَاكَ تَأْلِيفُ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ تَرْتِيبُ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، مَدَنِيٌّ يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ، لَكِنْ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَقْدَمِ مِنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الَّذِي مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ كَرَّرَهُ فِي التَّفْسِيرِ وَالْأَحْكَامِ وَالتَّوْحِيدِ وَغَيْرِهَا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ قِصَّةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقِصَّةَ حُذَيْفَةَ مَعَ عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَقِصَّةَ فَقْدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ
بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَ قِصَّةَ آيَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، وَأَغْرَبَ عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ وَسَاقَ الْقِصَصَ الثَّلَاثَ بِطُولِهَا: قِصَّةَ زَيْدٍ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ؛ ثُمَّ قِصَّةَ حُذَيْفَةَ مَعَ عُثْمَانَ أَيْضًا، ثُمَّ قِصَّةَ فَقْدِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْآيَةَ مِنْ سُورَةِ الْأَحْزَابِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَبَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَأَنَّهُ أَدْرَجَ بَعْضَ الْأَسَانِيدِ عَلَى بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَرَوَيْنَا فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ الدَّيْرِعَاقُولِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (مَقْتَلُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) أَيْ عَقِبَ قَتْلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْيَمَامَةِ هُنَا مَنْ قُتِلَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْوَقْعَةِ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهَا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بِارْتِدَادِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَحَارَبُوهُ أَشَدَّ مُحَارَبَةٍ، إِلَى أَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ وَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ فِي غُضُونِ ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ قِيلَ سَبْعُمِائَةٍ، وَقِيلَ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (قَدِ اسْتَحَرَّ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ ثَقِيلَةٌ، أَيِ اشْتَدَّ وَكَثُرَ، وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْحَرِّ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ غَالِبًا يُضَافُ إِلَى الْحَرِّ، كَمَا أَنَّ الْمَحْبُوبَ يُضَافُ إِلَى الْبَرْدِ يَقُولُونَ: أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ وَأَقَرَّ عَيْنَهُ. وَوَقَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ أَرَادَ عُمَرُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الْمَذْكُورَةِ قَتْلُ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَلَفْظُهُ فَلَمَّا قُتِلَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَشِيَ عُمَرُ أَنْ يَذْهَبَ الْقُرْآنُ، فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَسَيَأْتِي أَنَّ سَالِمًا أَحَدُ مَنْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِ الْقُرْآنِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ) أَيْ فِي الْمَوَاطِنِ أَيِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْقِتَالُ مَعَ الْكُفَّارِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَوَاطِنِ وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَأَنَا أَخْشَى أَنْ لَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ زَحْفًا آخَرَ إِلَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ) فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ إِلَّا أَنْ يَجْمَعُوهُ. وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ الْبَاقُونَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ كَانَ قَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مَجْمُوعَهُمْ جَمَعَهُ لَا أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ جَمَعَهُ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعُمَرَ) هُوَ خِطَابُ أَبِي بَكْرٍ، لِعُمَرَ، حَكَاهُ ثَانِيًا لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَلَامُ مَنْ يُؤْثِرُ الِاتِّبَاعَ وَيَنْفِرُ مِنَ الِابْتِدَاعِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ تَصْرِيحُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ إِنَّمَا لَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ لِمَا كَانَ يَتَرَقَّبُهُ مِنْ وُرُودِ نَاسِخٍ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ أَوْ تِلَاوَتِهِ، فَلَمَّا انْقَضَى نُزُولُهُ بِوَفَاتِهِ ﷺ أَلْهَمَ اللَّهُ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ذَلِكَ وَفَاءً لِوَعْدِ الصَّادِقِ بِضَمَانِ حِفْظِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا، فَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمَشُورَةِ عُمَرَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَعْظَمُ النَّاسِ فِي الْمَصَاحِفِ أَجْرًا أَبُو بَكْرٍ، رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ الْحَدِيثَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كِتَابَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ كُتِبَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ غَيْرُ مَجْمُوعٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا مُرَتَّبُ السُّوَرِ.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ
طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آلَيْتُ أَنْ لَا آخُذَ عَلَى رِدَائِي إِلَّا لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ فَجَمَعَهُ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِانْقِطَاعِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَمُرَادُهُ بِجَمْعِهِ حِفْظُهُ فِي صَدْرِهِ، قَالَ: وَالَّذِي وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ حَتَّى جَمَعْتُهُ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ وَهْمٌ مِنْ رَاوِيهِ.
قُلْتُ: وَمَا تَقَوَمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَصَحُّ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا بَيَانُ السَّبَبِ فِي إِشَارَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقِيلَ: كَانَتْ مَعَ فُلَانٍ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، وَأَمَرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَهُ فِي الْمُصْحَفِ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهُ أَيْ أَشَارَ بِجَمْعِهِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ فَنَسَبَ الْجَمْعَ إِلَيْهِ لِذَلِكَ.
وَقَدْ تُسَوَّلُ لِبَعْضِ الرَّوَافِضِ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: كَيْفَ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ السَّائِغِ النَّاشِئِ عَنِ النُّصْحِ مِنْهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ وَنَهَى أَنْ يُكْتَبَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَلَمْ يَأْمُرْ أَبُو بَكْرٍ إِلَّا بِكِتَابَةِ مَا كَانَ مَكْتُوبًا، وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ عَنْ كِتَابَةِ الْآيَةِ مِنْ آخِرِ سُورَةٍ بَرَاءَةٌ حَتَّى وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْضِرُهَا هُوَ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ.
وَإِذَا تَأَمَّلَ الْمُنْصِفُ مَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ جَزَمَ بِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي فَضَائِلِهِ وَيُنَوِّهُ بِعَظِيمِ مَنْقَبَتِهِ، لِثُبُوتِ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا فَمَا جَمَعَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ بَعْدَهُ إِلَّا وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَا اخْتَارَ مَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى ابْنِ الدِّغِنَّةِ جِوَارَهُ وَيَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةً فِي فَضَائِلِهِ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مَجْمُوعٌ فِي الصُّحُفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ الْآيَةَ، وَكَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا فِي الصُّحُفِ، لَكِنْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً فَجَمَعَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدَهُ مَحْفُوظَةً إِلَى أَنْ أَمَرَ عُثْمَانُ بِالنَّسْخِ مِنْهَا، فَنَسَخَ مِنْهَا عِدَّةَ مَصَاحِفَ، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ زَيْدٌ) أَيِ ابْنُ ثَابِتٍ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ قَالَ لِي (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ) ذَكَرَ لَهُ أَرْبَعَ صِفَاتٍ مُقْتَضِيَةٍ خُصُوصِيَّتَهُ بِذَلِكَ: كَوْنُهُ شَابًّا فَيَكُونُ أَنْشَطَ لِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ، وَكَوْنُهُ عَاقِلًا فَيَكُونُ أَوْعَى لَهُ، وَكَوْنُهُ لَا يُتَّهَمُ فَتَرْكَنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ، وَكَوْنُهُ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مُمَارَسَةً لَهُ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ لَهُ قَدْ تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ لَكِنْ مُفَرَّقَةً. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ زَيْدًا بِأَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِائْتِمَانِهِ وَرَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، كَذَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ الْبَحْثِ فِيهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا إِذَا عَزَمْتَ عَلَى هَذَا فَأَرْسِلْ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَادْعُهُ، فَإِنَّهُ كَانَ شَابًّا حَدَثًا نَقِيًّا يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ حَتَّى يَجْمَعَهُ مَعَنَا. قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: فَأَرْسَلَا إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُمَا، فَقَالَا لِي: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَجْمَعَ الْقُرْآنَ فِي شَيْءٍ، فَاجْمَعْهُ مَعَنَا. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا دَعَانِي إِلَى أَمْرٍ، وَأَنْتَ كَاتِبُ الْوَحْيِ، فَإِنْ تَكُ مَعَهُ اتَّبَعْتُكُمَا، وَإِنْ تُوَافِقْنِي لَا أَفْعَلُ فَاقْتَضَى قَوْلُ عُمَرَ - فَنَفَرْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ، كَلِّمْهُ وَمَا عَلَيْكُمَا لَوْ فَعَلْتُمَا، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَقُلْنَا: لَا شَيْءَ وَاللَّهِ، مَا عَلَيْنَا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا نَفَرَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلًا، ثُمَّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثَانِيًا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجِدَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ، فَكَرِهَا أَنْ يُحِلَّا أَنْفُسَهُمَا مَحَلَّ مَنْ يَزِيدُ احْتِيَاطُهُ لِلدِّينِ عَلَى احْتِيَاطِ الرَّسُولِ فَلَمَّا نَبَّهَهُمَا عُمَرُ عَلَى فَائِدَةِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ خَشْيَةَ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْحَالُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا لَمْ يُجْمَعِ
الْقُرْآنُ فَيَصِيرُ إِلَى حَالَةِ الْخَفَاءِ بَعْدَ الشُّهْرَةِ، رَجَعَا إِلَيْهِ.
قَالَ: وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ - وَكَذَا تَرْكُهُ - لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبٍ وَلَا تَحْرِيمٍ انْتَهَى.
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى احْتِيَاطِ الرَّسُولِ، بَلْ هُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي مَهَّدَهَا الرَّسُولُ ﷺ.
قَالَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: كَانَ الَّذِي فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﷺ: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ قَالَ: فَكُلُّ أَمْرٍ يَرْجِعُ لِإِحْصَائِهِ وَحِفْظِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. قَالَ: وَقَدْ فَهِمَ عُمَرُ أَنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ جَمْعَهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمَنْعِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا رَأَى وَجْهَ الْإِصَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْقُولِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ مَا يُنَافِيهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ جَمْعِهِ مِنْ ضَيَاعِ بَعْضِهِ، ثُمَّ تَابَعَهُمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ) كَأَنَّهُ جَمَعَ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَأَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ الْآمِرُ وَحْدَهُ بِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَوْ كَلَّفَنِي بِالْإِفْرَادِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ذَلِكَ لِمَا خَشِيَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي إِحْصَاءِ مَا أُمِرَ بِجَمْعِهِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾
قَوْلُهُ: (فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ) أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي.
قَوْلُهُ: (مِنَ الْعُسُبِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ جَمْعُ عَسِيبٍ وَهُوَ جَرِيدُ النَّخْلِ، كَانُوا يَكْشِطُونَ الْخُوصَ وَيَكْتُبُونَ فِي الطَّرَفِ الْعَرِيضِ. وَقِيلَ: الْعَسِيبُ طَرَفُ الْجَرِيدَةِ الْعَرِيضِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ عَلَيْهِ الْخُوصُ، وَالَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْخُوصُ هُوَ السَّعَفُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْقَصَبِ وَالْعُسُبِ وَالْكَرَانِيفَ وَجَرَائِدَ النَّخْلِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ مِنَ الرِّقَاعِ جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ جِلْدٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ كَاغِدٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ غَزِيَّةَ وَقِطَعِ الْأَدِيمِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَالصُّحُفِ.
قَوْلُهُ: (وَاللِّخَافِ) بِكَسْرِ اللَّامِ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ وَآخِرُهُ فَاءٌ جَمْعُ لَخْفَةٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَاللُّخُفِ بِضَمَّتَيْنِ وَفِي آخِرِهِ فَاءٌ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: هِيَ الْحِجَارَةُ الرِّقَاقُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَفَائِحُ الْحِجَارَةِ الرِّقَاقِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فِيهَا عِرَضٌ وَدِقَّةٌ.
وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ أَحَدِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْخَزَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ، ثُمَّ فَاءٍ وَهِيَ الْآنِيَةُ الَّتِي تُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ الْمَشْوِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ وَالْأَكْتَافِ جَمْعُ كَتِفٍ وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي لِلْبَعِيرِ أَوِ الشَّاةِ، كَانُوا إِذَا جَفَّ كَتَبُوا فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ وَكِسَرِ الْأَكْتَافِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ وَالْأَضْلَاعِ وَعِنْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَالْأَقْتَابِ بِقَافٍ وَمُثَنَّاةٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ قَتَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْخَشَبُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: قَامَ عُمَرُ فَقَالَ: مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ.
وَكَانُوا يَكْتُبُونَ ذَلِكَ فِي الصُّحُفِ وَالْأَلْوَاحِ وَالْعُسُبِ قَالَ: وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا كَانَ لَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ وِجْدَانِهِ مَكْتُوبًا حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ سَمَاعًا؛ مَعَ كَوْنِ زَيْدٍ كَانَ يَحْفَظُهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الِاحْتِيَاطِ.
وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ، وَلِزَيْدٍ: اقْعُدَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَمَنْ جَاءَكُمَا بِشَاهِدَيْنِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَاكْتُبَاهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ مَعَ انْقِطَاعِهِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّاهِدَيْنِ الْحِفْظُ
وَالْكِتَابُ، أَوِ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكْتُوبَ كُتِبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ. وَكَانَ غَرَضُهُمْ أَنْ لَا يُكْتَبَ إِلَّا مِنْ عَيْنِ مَا كُتِبَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْحِفْظِ.
قَوْلُهُ: (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) أَيْ حَيْثُ لَا أَجِدُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا. أَوِ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ أَكْتُبُهُ مِنَ الْمَكْتُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْمَحْفُوظِ فِي الصَّدْرِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ فَقَالَ فِيهِ: خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ أَصَحُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ آخِرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ غَيْرُ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ، فَالْأَوَّلُ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَمِنْ قَائِلٍ مَعَ خُزَيْمَةَ وَمِنْ قَائِلٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَمِنْ شَاكٍّ فِيهِ يَقُولُ خُزَيْمَةُ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ وَالْأَرْجَحُ أَنَّ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ آخِرُ سُورَةِ التَّوْبَةِ أَبُو خُزَيْمَةَ بِالْكُنْيَةِ، وَالَّذِي وُجِدَ مَعَهُ الْآيَةُ مِنَ الْأَحْزَابِ خُزَيْمَةُ. وَأَبُو خُزَيْمَةَ قِيلَ: هُوَ ابْنُ أَوْسِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَصْرَمَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَمَّا خُزَيْمَةُ فَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، مِنْ آخِرِ سُورَةِ بَرَاءَةَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَعَيْتُهُمَا، فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُهُمَا. ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ، فَانْظُرُوا سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ فَأَلْحِقُوهَا فِي آخِرِهَا فَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَدْتُهَا مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ غَيْرِهِ أَيْ أَوَّلَ مَا كَتَبْتُ، ثُمَّ جَاءَ الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّ أَبَا خُزَيْمَةَ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ لَا ابْنُ أَوْسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ لَوْ كَانَتْ ثَلَاثُ آيَاتٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَلِّفُونَ آيَاتِ السُّوَرِ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ. نَعَمْ تَرْتِيبُ السُّوَرِ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ كَانَ يَقَعُ بَعْضُهُ مِنْهُمْ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ) أَيْ مَكْتُوبَةً، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِالْحِفْظِ دُونَ الْكِتَابَةِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وِجْدَانِهِ إِيَّاهَا حِينَئِذٍ أَنْ لَا تَكُونَ تَوَاتَرَتْ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَتَلَقَّهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ زَيْدٌ يَطْلُبُ التَّثَبُّتَ عَمَّنْ تَلَقَّاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَعَلَّهُمْ لَمَّا وَجَدَهَا زَيْدٌ عِنْدَ أَبِي خُزَيْمَةَ تَذَكَّرُوهَا كَمَا تَذَكَّرَهَا زَيْدٌ. وَفَائِدَةُ التَّتَبُّعِ الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِظْهَارِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَمَا كُتِبَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مِمَّا يَخْفَى مَعْنَاهُ. وَيُوهِمُ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي فِي إِثْبَاتِ الْآيَةِ بِخَبَرِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو خُزَيْمَةَ، وَعُمَرُ. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهَا أَبُو خُزَيْمَةَ، بَلْ شَارَكَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ اهـ. وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَثْبُتُ الْقُرْآنُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَيِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلِ الْمُرَادُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ خِلَافُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، فَلَوْ بَلَغَتْ رُوَاةُ الْخَبَرِ عَدَدًا كَثِيرًا وَفَقَدَ شَيْئًا مِنْ شُرُوطِ الْمُتَوَاتِرِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ نَفْيُ وُجُودِهَا مَكْتُوبَةً، لَا نَفْيَ كَوْنِهَا مَحْفُوظَةً. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ فَجَاءَ خُزَيْمَةُ
بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَرَكْتُمْ آيَتَيْنِ فَلَمْ تَكْتُبُوهُمَا. قَالُوا: وَمَا هُمَا؟ قَالَ: تَلَقَّيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَأَنَا أَشْهَدُ، فَكَيْفَ تَرَى أَنْ تَجْعَلَهُمَا؟ قَالَ: أَخْتِمُ بِهِمَا آخِرَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بَرَاءَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: لَا يَفْقَهُونَ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنْهَا، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَتَيْنِ بَعْدَهُنَّ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) أَيِ الَّتِي جَمَعَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ) فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرْآنَ فِي قَرَاطِيسَ، وَكَانَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ فَأَبَى حَتَّى اسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِعُمَرَ فَفَعَلَ وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِالْيَمَامَةِ فَزِعَ أَبُو بَكْرٍ، وَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْقُرَّاءِ طَائِفَةٌ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ مَعَهُمْ وَعِنْدَهُمْ، حَتَّى جُمِعَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْوَرَقِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي الصُّحُفِ وَهَذَا كُلُّهُ أَصَحُّ مِمَّا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَأَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ فَكَتَبْتُ فِي قِطَعِ الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ كَتَبْتُ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَتْ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُجْمَعَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جُمِعَ فِي الصُّحُفِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَرَادِفَةُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) أَيْ: بَعْدَ عُمَرَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، إِلَى أَنْ شَرَعَ عُثْمَانُ فِي كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ حَفْصَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَصِيَّةَ عُمَرَ، فَاسْتَمَرَّ مَا كَانَ عِنْدَهُ عِنْدَهَا حَتَّى طَلَبَهُ مِنْهَا مَنْ لَهُ طَلَبُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ هُوَ الَّذِي قَبْلَهُ بِعَيْنِهِ، أَعَادَهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِابْنِ شِهَابٍ فِي قِصَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَإِنِ اتَّفَقَتَا فِي كِتَابَةِ الْقُرْآنِ وَجَمْعِهِ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ الْآيَةِ الَّتِي مِنَ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي آخِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الثَّانِيَةِ هُنَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُفَرَّقًا، فَأَخْرَجَ الْقِصَّةَ الْأُولَى فِي تَفْسِيرِ التَّوْبَةِ. وَأَخْرَجَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ هَذَا بِبَابٍ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ.
وَأَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ بِتَمَامِهِ. وَأَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ الثَّالِثَةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْخَطِيبُ: رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الْقِصَصَ الثَّلَاثَ، ثُمَّ سَاقَهَا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَسَاقًا وَاحِدًا مُفَصِّلًا لِلْأَسَانِيدِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ: وَرَوَى الْقِصَصَ الثَّلَاثَ شُعَيْبٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَى قِصَّةَ آخِرِ التَّوْبَةِ مُفْرَدًا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ.
قُلْتُ: وَرِوَايَتُهُ تَأْتِي عَقِبَ هَذَا بِاخْتِصَارٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ مُطَوَّلَةً، وَفَاتَهُ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَهَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ قَبْلُ قَالَ: وَرَوَى قِصَّةَ آيَةِ الْأَحْزَابِ مَعْمَرٌ، وَهِشَامُ بْنُ الْغَازِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ثُمَّ سَاقَهَا عَنْهُمْ.
قُلْتُ: وَفَاتَهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ لَهَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهِيَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْمُرَادُ أَنَّ أَرْمِينِيَّةَ فُتِحَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عُثْمَانُ أَمَرَ أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ أَمِيرُ أَهْلِ
الشَّامِ عَلَى ذَلِكَ الْعَسْكَرِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ غَزَا مَعَهُمْ، وَكَانَ هُوَ عَلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ الْعِرَاقِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَرْجِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ: الْفَرْجُ: الثَّغْرُ. وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يَغْزُو مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ قِبَلَ أَرْمِينِيَّةَ فِي غَزْوِهِمْ ذَلِكَ الْفَرْجَ مَعَ مَنِ اجْتَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ اجْتَمَعَ لِغَزْوِ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَأَرْمِينِيَّةَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَبِكَسْرِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْجَوَالِيقِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ثُمَّ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَنْ ضَمَّهَا فَقَدْ غَلِطَ، وَبِسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ نُونٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ خَفِيفَةٌ وَقَدْ تُثَقَّلُ قَالَهُ يَاقُوتُ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا أَرْمَنِيٌّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ضَبَطَهَا الْجَوْهَرِيُّ. وَقَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: بِالتَّخْفِيفِ لَا غَيْرَ، وَحَكَى ضَمَّ الْهَمْزَةِ وَغَلِطَ. وَإِنَّمَا الْمَضْمُومُ هَمْزَتُهَا أُرْمِيَّةُ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا أُرْمُوِيٌّ وَهِيَ بَلْدَةٌ أُخْرَى مِنْ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ، وَأَمَّا أَرْمِينِيَّةُ فَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ نَوَاحِي خِلَاطٍ. وَمَدَّ الْأَصِيلِيُّ، وَالْمُهَلَّبُ أَوَّلَهُ (١) وَزَادَ الْمُهَلَّبُ الدَّالَ وَكَسْرَ الرَّاءِ وَتَقْدِيمَ الْمُوَحَّدَةِ، تَشْتَمِلُ عَلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هِيَ مِنْ جِهَةِ بِلَادِ الرُّومِ يُضْرَبُ بِحُسْنِهَا وَطِيبِ هَوَائِهَا وَكَثْرَةِ مَائِهَا وَشَجَرِهَا الْمَثَلُ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا مِنْ بِنَاءِ أَرْمِينَ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ، وَأَذْرَبِيجَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقِيلَ: بِسُكُونِ الذَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ جِيمٌ خَفِيفَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ، وَحَكَى ابْنُ مَكِّيٍّ كَسْرَ أَوَّلِهِ، وَضَبَطَهَا صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ بِسُكُونِ الذَّالِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَلَدٌ كَبِيرٌ مِنْ نَوَاحِي جِبَالِ الْعِرَاقِ غَرْبِيِّ (٢) وَهِيَ الْآنَ تِبْرِيزُ وَقَصَبَاتُهَا، وَهِيَ تَلِي أَرْمِينِيَّةَ مِنْ جِهَةِ غَرْبِيِّهَا، وَاتَّفَقَ غَزْوُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالَّذِي ذَكَرْتُهُ الْأَشْهَرُ فِي ضَبْطِهَا، وَقَدْ تُمَدُّ الْهَمْزَةُ، وَقَدْ تُكْسَرُ وَقَدْ تُحْذَفُ وَقَدْ تُفْتَحُ الْمُوَحَّدَةُ، وَقَدْ يُزَادُ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَعَ مَدِّ الْأُولَى حَكَاهُ الْهَجَرِيُّ وَأَنْكَرَهُ الْجَوَالِيقِيُّ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهُمْ نَسَبُوا إِلَيْهَا آذَرِيٌّ بِالْمَدِّ اقْتِصَارًا عَلَى الرُّكْنِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالُوا فِي النِّسْبَةِ إِلَى بَعْلَبَكٍّ بَعْلِيٌّ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الثَّانِيَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: خَطَبَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا قُبِضَ نَبِيُّكُمْ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الْقِرَاءَةِ الْحَدِيثُ فِي جَمْعِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ، وَكَانَ قَتْلُ عُمَرَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَيْ كَامِلَةً فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ مُنْذُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ فِي هَذِهِ وَجَبْرِهِ فِي الْأُولَى فَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَأَوَائِلِ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ أَرْمِينِيَّةَ فُتِحَتْ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ عُثْمَانَ. وَغَفَلَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ فَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ مُسْتَنَدًا.
قَوْلُهُ: (فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ) فِي
رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فَيَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ، حَتَّى سَمِعَ حُذَيْفَةُ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ مَا ذَعَرَهُ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكِ النَّاسَ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: غَزَوْتُ فَرْجَ أَرْمِينِيَّةَ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الشَّامِ، فَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إِنِّي لَفِي الْمَسْجِدِ زَمَنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا حُذَيْفَةُ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ قِرَاءَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمِعَ آخَرَ يَقُولُ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَغَضِبَ ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ مَنْ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا، وَاللَّهِ لَأَرْكَبَنَّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّ اثْنَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَرَأَ هَذَا ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَقَرَأَ هَذَا (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلْبَيْتِ) فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: يَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَيَقُولُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، وَاللَّهِ لَئِنْ قَدِمْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَآمُرَنَّهُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِرَاءَةً وَاحِدَةً وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: بَلَغَنِي عَنْكَ كَذَا، قَالَ: نَعَمْ كَرِهْتُ أَنْ يُقَالَ: قِرَاءَةُ فُلَانٍ وَقِرَاءَةُ فُلَانٍ فَيَخْتَلِفُونَ كَمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ.
وَهَذِهِ الْقِصَّةُ لِحُذَيْفَةَ يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى الِاخْتِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ اشْتَدَّ خَوْفُهُ فَرَكِبَ إِلَى عُثْمَانَ، وَصَادَفَ أَنَّ عُثْمَانَ أَيْضًا كَانَ وَقَعَ لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ جَعَلَ الْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ، وَالْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ، فَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَتَلَقَّوْنَ فَيَخْتَلِفُونَ، حَتَّى ارْتَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ حَتَّى كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَخَطَبَ فَقَالَ: أَنْتُمْ عِنْدِي تَخْتَلِفُونَ، فَمَنْ نَأَى عَنِّي مِنَ الْأَمْصَارِ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. فَكَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا جَاءَهُ حُذَيْفَةُ، وَأَعْلَمَهُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ مَا ظَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُثْمَانُ: تَمْتَرُونَ فِي الْقُرْآنِ، تَقُولُونَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: وَاللَّهِ مَا تُقِيمُ قِرَاءَتَكَ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ كَفَرْتَ بِمَا تَقُولُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ فَتَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: أَنَّ نَاسًا بِالْعِرَاقِ يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْآيَةِ، فَإِذَا قَرَأَهَا قَالَ: إِلَّا أَنِّي أُكَفَّرُ بِهَذِهِ، فَفَشَا ذَلِكَ فِي النَّاسِ، فَكُلِّمَ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ فَاسْتَخْرَجَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهَا فَنَسَخَ مِنْهَا مَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّحُفِ وَالْمُصْحَفِ أَنَّ الصُّحُفَ الْأَوْرَاقُ الْمُجَرَّدَةُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ سُوَرٌ مُفَرَّقَةٌ كُلُّ سُورَةٍ مُرَتَّبَةٌ بِآيَاتِهَا عَلَى حِدَةٍ لَكِنْ لَمْ يُرَتَّبْ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ، فَلَمَّا نُسِخَتْ وَرُتِّبَ بَعْضُهَا إِثْرَ بَعْضٍ صَارَتْ مُصْحَفًا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ، وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، قُلْنَا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ. قُلْنَا: فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ) وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَمَعَ عُثْمَانُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى الرُّقْعَةِ الَّتِي فِي بَيْتِ عُمَرَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ أَفْلَحَ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ قَالَ: فَكَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ أَخَّرُوهُ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَظُنُّهُ لِيَكْتُبُوهُ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُثْمَانُ: مَنْ أَكْتَبُ النَّاسِ؟ قَالُوا: كَاتِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْرَبُ - وَفِي رِوَايَةٍ أَفْصَحُ - قَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، قَالَ عُثْمَانُ: فَلْيُمْلِ سَعِيدٌ وَلْيَكْتُبْ زَيْدٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ عَرَبِيَّةَ الْقُرْآنِ أُقِيمَتْ عَلَى لِسَانِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْبَهُهُمْ لَهْجَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقُتِلَ أَبُوهُ الْعَاصِي يَوْمَ بَدْرٍ مُشْرِكًا، وَمَاتَ جَدُّهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ قَبْلَ بَدْرٍ مُشْرِكًا.
قُلْتُ: وَقَدْ أَدْرَكَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ هَذَا مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعَ سِنِينَ، قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَعَدُّوهُ لِذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ وَمُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَجْوَادِ قُرَيْشٍ وَحُلَمَائِهَا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: لِكُلِ قَوْمٍ كَرِيمٌ، وَكَرِيمُنَا سَعِيدٌ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَدَلَ سَعِيدٍ قَالَ الْخَطِيبُ: وَوَهِمَ عُمَارَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَانَ قُتِلَ بِالشَّامِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَالَّذِي أَقَامَهُ عُثْمَانُ فِي ذَلِكَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أَخِي أَبَانَ الْمَذْكُورِ اهـ. وَوَقَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَقِيَّةِ مَنْ كَتَبَ أَوْ أَمْلَى عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مُفَرَّقًا جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ جَدُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ كَثِيرُ بْنُ أَفْلَحَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي أَصْلِ حَدِيثِ الْبَابِ، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ عَرَفْنَا تَسْمِيَتَهُمْ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا يُمْلِيَنَّ فِي مَصَاحِفِنَا إِلَّا غِلْمَانُ قُرَيْشٍ وَثَقِيفٍ وَلَيْسَ فِي الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ ثَقِيفٍ، بَلْ كُلُّهُمْ إِمَّا قُرَشِيٌّ أَوْ أَنْصَارِيٌّ، وَكَأَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَمْرِ كَانَ لِزَيْدٍ، وَسَعِيدٍ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِيهِمَا فِي رِوَايَةِ مُصْعَبٍ، ثُمَّ احْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُسَاعِدُ فِي الْكِتَابَةِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إِلَى عَدَدِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي تُرْسَلُ إِلَى الْآفَاقِ فَأَضَافُوا إِلَى زَيْدٍ مَنْ ذُكِرَ، ثُمَّ اسْتَظْهَرُوا بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الْإِمْلَاءِ. وَقَدْ شَقَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ صَرْفُهُ عَنْ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ حَتَّى قَالَ: مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ وَيَتَوَلَّاهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ؟! يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ خُمَيْرِ بْنِ مَالِكٍ بِالْخَاءِ مُصَغَّرٌ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعِينَ سُورَةً وَإِنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَصَبِيٌّ مِنَ الصِّبْيَانِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً. وَمِنْ طَرِيقِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْهُ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَإِنَّ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ذُؤَابَتَيْنِ.
وَالْعُذْرُ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْمَدِينَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بِالْكُوفَةِ، وَلَمْ يُؤَخِّرْ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ وَيَحْضُرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَرَادَ نَسْخَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ جُمِعَتْ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَأَنْ يَجْعَلَهَا مُصْحَفًا وَاحِدًا، وَكَانَ الَّذِي نَسَخَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ كَانَ كَاتِبَ الْوَحْيِ، فَكَانَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوَّلِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ
أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ) يَعْنِي سَعِيدًا، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّ سَعِيدًا أُمَوِيٌّ وَعَبْدَ اللَّهِ أَسَدِيٌّ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ وَكُلُّهَا مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ.
قَوْلُهُ: (فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي عَرَبِيَّةٍ مِنْ عَرَبِيَّةِ الْقُرْآنِ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ، فَقَالَ الْقُرَشِيُّونَ: التَّابُوتُ وَقَالَ زَيْدٌ: التَّابُوهُ، فَرُفِعَ اخْتِلَافُهُمْ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: اكْتُبُوهُ التَّابُوتَ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَدْرَجَهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَإِنَّمَا رَوَاهَا ابْنُ شِهَابٍ مُرْسَلَةً.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ) زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ يُرْسِلُ إِلَى حَفْصَةَ - يَعْنِي حِينَ كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ - يَسْأَلُهَا الصُّحُفَ الَّتِي كُتِبَ مِنْهَا الْقُرْآنُ فَتَأْبَى أَنْ تُعْطِيَهُ، قَالَ سَالِمٌ: فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ وَرَجَعْنَا مِنْ دَفْنِهَا أَرْسَلَ مَرْوَانُ بِالْعَزِيمَةِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَيُرْسِلَنَّ إِلَيْهِ تِلْكَ الصُّحُفَ، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَأَمَرَ بِهَا مَرْوَانُ فَشُقِّقَتْ وَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِأَنِّي خَشِيتُ إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَرْتَابَ فِي شَأْنِ هَذِهِ الصُّحُفِ مُرْتَابٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَمُزِّقَتْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ مَرْوَانَ مَزَّقَ الصُّحُفَ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ فَلَمَّا كَانَ مَرْوَانُ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ أَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ يَسْأَلُهَا الصُّحُفَ، فَمَنَعَتْهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ: فَشَقَّقَهَا وَحَرَّقَهَا وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَيْضًا بِاخْتِصَارٍ، لَكِنْ أَدْرَجَهَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَقَالَ فِيهِ: فَغَسَلَهَا غَسْلًا وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ أَوْ خَارِجَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآنَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ فَطَلَبَهَا فَأَبَتْ حَتَّى عَاهَدَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا، فَنَسَخَ مِنْهَا ثُمَّ رَدَّهَا، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَرْسَلَ مَرْوَانُ فَأَخَذَهَا فَحَرَّقَهَا وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ صَنَعَ بِالصُّحُفِ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ تَشْقِيقٍ، ثُمَّ غَسْلٍ، ثُمَّ تَحْرِيقٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَيَكُونُ مَزَّقَهَا ثُمَّ غَسَلَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ بِمُصْحَفٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِدَّةِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا عُثْمَانُ إِلَى الْآفَاقِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا خَمْسَةٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: أَرْسَلَ عُثْمَانُ أَرْبَعَةَ مَصَاحِفَ، وَبَعَثَ مِنْهَا إِلَى الْكُوفَةِ بِمُصْحَفٍ، فَوَقَعَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ مُرَادٍ، فَبَقِيَ حَتَّى كَتَبْتُ مُصْحَفِي عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ يَقُولُ: كَتَبْتُ سَبْعَةَ مَصَاحِفَ إِلَى مَكَّةَ وَإِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الْبَحْرَيْنِ وَإِلَى الْبَصْرَةِ وَإِلَى الْكُوفَةِ، وَحَبَسَ بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. وَأُخْرِجَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مُصْحَفُنَا وَمُصْحَفُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَضْبَطُ مِنْ مُصْحَفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ عُثْمَانَ بَعَثَ إِلَى الْكُوفَةِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ بِمُصْحَفٍ قَبْلَ أَنْ يُعْرَضَ، وَبَقِيَ مُصْحَفُنَا وَمُصْحَفُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ حَتَّى عُرِضَا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ أَنْ يُخْرَقَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلِلْمَرْوَزِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ بِالْوَجْهَيْنِ، وَالْمُعْجَمَةُ أَثْبَتُ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنْ تُمْحَى أَوْ تُحْرَقَ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ
عِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحَرِّقُوا كُلَّ مُصْحَفٍ يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ، قَالَ: فَذَلِكَ زَمَانُ حُرِّقَتِ الْمَصَاحِفُ بِالْعِرَاقِ بِالنَّارِ وَفِي رِوَايَةِ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَا تَقُولُوا لِعُثْمَانَ فِي إِحْرَاقِ الْمَصَاحِفِ إِلَّا خَيْرًا وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ فَأَمَرَ بِجَمْعِ الْمَصَاحِفِ فَأَحْرَقَهَا، ثُمَّ بَثَّ فِي الْأَجْنَادِ الَّتِي كَتَبَ وَمِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُتَوَافِرِينَ حِينَ حَرَّقَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ - أَوْ قَالَ: - لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ مِنَ الْمُصْحَفِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا وَمَحَوْتُ مَا عِنْدِي، فَامْحُوَا مَا عِنْدَكُمْ وَالْمَحْوُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْغَسْلِ أَوِ التَّحْرِيقِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيقِ فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ، وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِحَسْبِ مَا رَأَى مَنْ كَانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّهُمْ غَسَلُوهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ أَحْرَقُوهَا مُبَالَغَةً فِي إِذْهَابِهَا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ تَحْرِيقِ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا اسْمُ اللَّهِ بِالنَّارِ وَأَنَّ ذَلِكَ إِكْرَامٌ لَهَا وَصَوْنٌ عَنْ وَطْئِهَا بِالْأَقْدَامِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَرِّقُ الرَّسَائِلَ الَّتِي فِيهَا الْبَسْمَلَةُ إِذَا اجْتَمَعَتْ، وَكَذَا فَعَلَ عُرْوَةُ، وَكَرِهَهُ إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرِّوَايَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَصَحُّ. وَهَذَا الْحُكْمُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْآنَ فَالْغَسْلُ أَوْلَى لِمَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى إِزَالَتِهِ.
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ أَيْ بِمَا سِوَى الْمُصْحَفِ الَّذِي اسْتَكْتَبَهُ وَالْمَصَاحِفِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْهُ وَسِوَى الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ وَرَدَّهَا إِلَيْهَا، وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَ مَرْوَانُ الْأَمْرَ بَعْدَهَا وَأَعْدَمَهَا أَيْضًا خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ لِأَحَدٍ مِنْهَا تَوَهُّمُ أَنَّ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الْمُصْحَفَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ بِتَحْرِيقِ عُثْمَانَ الصُّحُفَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كَلَامِ اللَّهِ قَدِيمًا أَنْ تَكُونَ الْأَسْطُرُ الْمَكْتُوبَةُ فِي الْوَرَقِ قَدِيمَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ هِيَ عَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ لَمْ يَسْتَجِزِ الصَّحَابَةُ إِحْرَاقَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ إِلَخْ) هَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاضِحًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً مُفْرَدَةً فِي الْجِهَادِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا أَنَّهُ فَقَدَ آيَةَ الْأَحْزَابِ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَ نَسَخَهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى وَجَدَهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ فَقْدَهُ إِيَّاهَا إِنَّمَا كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَالصَّحِيحُ مَا فِي الصَّحِيحِ وَأَنَّ الَّذِي فَقَدَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ بَرَاءَةٌ وَأَمَّا الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ فَفَقَدَهَا لَمَّا كَتَبَ الْمُصْحَفَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُجَمِّعٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ جَمْعِ عُثْمَانَ أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِذَهَابِ حَمَلَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُ فِي صَحَائِفَ مُرَتِّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقُرْآنِ حِينَ قَرَءُوهُ بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ، فَأَدَّى ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ، فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفِ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَسَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَانَتْ لُغَةُ قُرَيْشٍ أَرْجَحُ اللُّغَاتِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ وَاحِدٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ حَدِيثَ جَمْعِ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ مِنْ سِيَاقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ طَرَفًا مِنْهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث سبقَ في «تفسير براءة» [خ¦٤٦٧٩].
٤٩٨٧ - ٤٩٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بنُ إسماعيلَ المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بنُ سعدٍ العوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلمٍ: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ) واسم اليمان: حُسيل -بمهملتين- مصغَّرًا، وقيل: حِسْل -بكسر ثم سكون- العبسيَّ بالموحدة، حليف الأنصار (قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ) المدينة في خلافته (وَكَانَ) عثمان (يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ) أي: يجهِّزُ أهل الشَّام (فِي فَتْحِ أَإِرْمِينِيَةَ) بكسر الهمزة وتفتح وسكون الراء وكسر الميم والنون بينهما تحتية ساكنة وبعد النون تحتية أخرى مخففة، وقد تثقَّل، مدينةٌ عظيمةٌ بين بلاد الرُّوم وخِلاط، قريبة من أَرْزن
الرُّوم (١). قال ابن السَّمعانيِّ: يضربُ بحسنِها وطيبِ هوائها، وكثرة مياهِها وشجرهَا المَثَل (وَأَذْرَبِيجَانَ) وأمر أهل الشَّام أن يجتمعوا (مَعَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «في» (أَهْلِ العِرَاقِ) في غزوِهما وفتحِهما. وأَذْرَبِيْجَان: بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الجيم وبعد الألف نون. وقرأتُ في «معجم ياقوت»: وفتح قوم الذال وسكنوا الراء، ومد آخرون الهمزة مع ذلك، وروي عن المهلَّب -ولا أعرف المهلَّب هذا-: آذريبجان بمد الهمزة وسكون الذال، فيلتقي ساكنان وكسر الراء، ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة وجيم وألف ونون، وهو اسم اجتمعتْ فيه خمس موانع من الصَّرف: العجمة والتَّعريف والتَّأنيث والتَّركيب ولحاق الألف والنون، وهو إقليمٌ واسعٌ، ومن مشهورِ مدنهِ تبريز، وهو صَقْعٌ جليلٌ، ومملكةٌ عظيمةٌ، وخيراتٌ واسعةٌ، وفواكِهُ جمَّةٌ، لا يحتاج السَّالك فيها إلى حملِ إناءٍ للماء؛ لأنَّ المياه جاريةٌ تحت أقدامهِ أين توجَّه، وأهلها صِباحُ الوجوهِ حمرها، ولهم لغةٌ يقال لها: الأذريَّة، لا يفهمها غيرهم، وفي أهلها لينٌ وحسنُ معاملةٍ، إلَّا أنَّ البخلَ يغلبُ على طباعهم، وهي بلادُ فتنٍ وحروبٍ، ما خلتْ قط فتنة منها (٢)؛ فلذلك أكثرُ مُدنها خراب، وافتتحتْ أولًا في أيَّام عمر بن الخطَّاب، كان أنفذَ المغيرة بن شعبةَ الثَّقفيَّ واليًا على الكوفةِ ومعه كتابٌ إلى حذيفةَ بن اليمان بولايةِ أَذْربيجان، فوردَ عليه الكتابُ بنهاوند، فسارَ منها إلى أَذْربيجان (٣) في جيش كثيف (٤)، فقاتل المسلمون قتالًا شديدًا، ثمَّ إنَّ المرزبان صالحَ حذيفةَ على ثمان مئة ألف درهمٍ على أنْ لا يقتل منهم أحدًا ولا يسبيهِ ولا يهدمَ
بيت نارٍ، ثمَّ عزلَ عمرُ حذيفةَ وولَّى عتبةَ بن فرقدٍ على أَذْربيجان، ولما استعملَ عثمانُ بن عفان الوليدَ بن عقبةَ على الكوفةِ عزلَ عتبةَ بن فرقدٍ عن أَذْربيجان، فنقضوا، فغزاهم الوليدُ بن عتبة سنة خمس وعشرين، وكان حذيفةُ من جملةِ من غزا معه.
(فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ) المحمَّديَّة (قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ) أي: القرآن (اخْتِلَافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى) في التَّوراة والإنجيلِ، وفي رواية عمارة بن غزيَّة: أنَّ حذيفة قال: يا أميرَ المؤمنين، أدرك النَّاس، قال: وما ذاك؟ قال: غزوتُ فَرْج أرمينية، فإذا أهل الشَّام يقرؤون بقراءةِ أبيِّ بن كعبٍ، ويأتون بما لم يسمعْ أهلُ العراقِ، وإذا أهلُ العراقِ يقرؤون بقراءةِ ابن مسعودٍ، فيأتون بما لم يسمعْ أهل الشَّام، فيكفِّر بعضُهم بعضًا.
وروى ابنُ أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سويدِ بن غَفَلة قال: قال عليٌّ: لا تقولوا في عثمان إلَّا خيرًا، فوالله ما فعلَ الَّذي فعلَ في المصاحفِ إلَّا عن ملأ منَّا، قال: ما تقولون في هذه القراءةِ؟ فقد بلغني أنَّ بعضهم يقول: قراءتي خيرٌ من قراءتكَ، وهذا يكادُ أن (١) يكون كفرًا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أنْ تجمعَ النَّاس على مصحفٍ واحدٍ، فلا تكون فرقةٌ ولا اختلافٌ. قلنا: نِعْم ما رأيتَ.
(فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ) ﵂ (أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ) التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها (نَنْسَخُهَا فِي المَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ) الأمويَّ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) وفي كتاب «المصاحف» لابن أبي داود من طريق محمَّد بنِ سيرين اثني عشر رجلًا
من قريش والأنصار، منهم: أبي بن كعب. وفي رواية مصعب بن سعد: فقال عثمان: مَن أَكْتَب النَّاس؟ قالوا: كاتبُ رسولِ الله ﷺ زيدُ بن ثابت. قال: فأيُّ النَّاس أعرب؟ وفي رواية: أفصحُ؟ قالوا: سعيدُ بن العاص. قال عثمان: فليُمْلِ سعيدٌ ولْيَكتب زيد. ووقع عند ابنِ أبي داود تسميةُ جماعةٍ ممَّن كتبَ أو أملَى، منهم: مالك بن أبي عامر، جدُّ مالك بن أنس، وكثيرُ بن أفلح، وأبيُّ بن كعب، وأنسُ بن مالك، وعبدُ الله بن عباس (فَنَسَخُوهَا) أي: الصُّحف (فِي المَصَاحِفِ، وَ) ذلك بعد أن (قَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ): سعيد، وعبد الله، وعبد الرحمن؛ لأنَّ الأوَّل أموي، والثَّاني أسدي، والثَّالث مخزوميٌّ، وكلُّها من بطون قريشٍ: (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ) أي: من عربيتهِ (١) (فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ) معظمه (بِلِسَانِهِمْ) أي: بلغتهم (فَفَعَلُوا) ذلك كما أمرهم (حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ) فكانت عندَها حتى توفِّيت، فأخذَها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبلِ معاويةَ، فأمرَ بها فشُقِّقَت، وقال: إنَّما فعلتُ هذا لأنِّي خشيتُ إن طالَ بالنَّاس زمان أن يرتابَ فيها مرتابٌ. رواه ابن أبي داود (٢) وغيره.
(وَأَرْسَلَ) (٣) عثمان (إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا) وكانت خمسة على المشهور، فأرسل أربعةً وأمسك واحدًا. وقال الدَّاني في «المقنع»: أكثرُ العلماء أنَّها أربعةٌ، أرسل واحدًا للكوفةِ، وآخر للبصرةِ، وآخر للشَّام، وتركَ واحدًا عنده، وقال أبو حاتم فيما رواهُ عنه ابنُ أبي داود: كتبَ سبعةَ مصاحف: إلى مكَّة والشَّام واليمنِ والبحرين والبصرةِ والكوفةِ، وحبسَ بالمدينة واحدًا (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ) أي: سوى المصحفِ الَّذي استكتبه والَّتي نقلت منه، وسوى الصُّحف التي كانت عند حفصة (مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يحَرَّق» بفتح المهملة وتشديد الراء، مبالغة في إذهابها وسدًّا لمادة الاختلاف.
وقال في «شرح السنة» في هذا الحديث البيانُ الواضح أنَّ الصَّحابة ﵃ جمعوا بين الدَّفتين القرآنَ المنزل، من غيرِ أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتِّفاق منهم، من غير أن يقدِّموا شيئًا أو يؤخِّروه، بل كتبوهُ في المصاحفِ على التَّرتيب المكتوبِ في اللَّوح المحفوظِ، بتوقيفِ جبريل ﵇ على ذلك، وإعلامهِ عند نزولِ كلِّ آيةٍ بموضعها وأين تكتب.
وقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: كان قراءةُ أبي بكر وعمرَ وعثمانَ وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصارَ واحدة، وهي الَّتي قرأها ﷺ على جبريلَ مرَّتين في العامِ الَّذي قبضَ فيه، وكان زيد شهد العرضةَ الأخيرة، وكان يُقرئ النَّاس بها حتَّى مات، ولذلك اعتمدهُ الصِّدِّيق في جمعه وولَّاه عثمان كتبة المصاحف.
قال السَّفاقِسيُّ: فكان جَمْعُ أبي بكر خوف ذهابِ شيءٍ من القرآنِ بذهابِ حملتهِ؛ إذ (١) لم يكن مجموعًا في موضعٍ واحدٍ، وجَمْعُ عثمان لمَّا كثرَ الاختلافُ في وجوهِ قراءتهِ حين قرؤوا بلغاتهم، حتَّى أدَّى ذلك إلى تخطئةِ بعضِهم بعضًا، فنسخ تلك الصُّحف في مصحفٍ واحدٍ مقتصرًا من اللُّغات على لغةِ قريشٍ؛ إذ هي أرجحُها.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ -بالإسناد السَّابق-: (وَأَخْبَرَنِي) بالواو والإفراد، ولأبي ذرٍّ: «فأَخْبرني» بالفاء والإفراد أيضًا (خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) أنَّه (سَمِعَ) أباه (زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ) بفتح القاف (آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ) أي: في زمن عثمان لا في زمنِ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الَّذي فقدهُ في خلافةِ أبي بكر الآيتان من آخرِ (٢) سورة براءة (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالتَمَسْنَاهَا) أي: طلبناها (فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ) بالمثلَّثة، ابنِ الفاكهِ بنِ ثعلبةَ ذي الشَّهادتين، وهو غيرُ أبي خزيمة بالكنيةِ الَّذي وجدَ معه آخر سورة التوبة (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الصُّحُفِ) بضم الصاد من غير ميم في الفرع، والَّذي في «اليونينية» بالميم (٣).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وأزيل عَنهُ.
٣ - (بابُ جَمْعِ القُرْآنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَيْفيَّة جمع الْقُرْآن، وَالْمرَاد بِهِ جمع مَخْصُوص وَهُوَ جمع المتفرق مِنْهُ فِي صحف ثمَّ تجمع تِلْكَ الصُّحُف فِي مصحف وَاحِد مُرَتّب السُّور والآيات.
٦٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْماعِيلَ عنْ إبْرَاهِيمَ بنِ سَعْدٍ حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدٍ بنِ السَّبَّاقِ: أنَّ زَيْدَ بن ثابِتٍ، رضيَ الله عنهُ قَالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ فَإِذا عُمَرُ بنُ الخَطّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أبُو بَكْرٍ، رَضِي الله عَنهُ: إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تأمُرَ بِجَمْعِ القُرْآن. قلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ عُمَرُ: هاذا وَالله خَيْرٌ، فَلَمْ يَزلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِذَلِكَ ورَأيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأى عُمَر.
قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رجُلٌ شَاب عاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَتَبَّعِ القَرْآنَ فاجْمَعْهُ. فَوَالله لوْ كَلَّفُوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَليَّ مِمَّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئا لَمْ يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: هُوَ وَالله خَيْرٌ، فَلمْ يزَل أبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُني حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخافِ وصُدُرِ الرِّجالِ حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْها معَ أحَدٍ غَيْرِهِ { (٩) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم} (التَّوْبَة: ٨٢١) حتَّى خاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنتِ عُمَرَ رضِي الله عَنْهُمَا..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعبيد بن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمدنِي التَّابِعِيّ، يكنى أَبَا سعيد وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. لَكِن كَرَّرَه فِي الْأَبْوَاب.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير فِي آخر سُورَة بَرَاءَة فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي ابْن السباق أَن زيد بن ثَابت إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم فِي بعض شَيْء.
فَقَوله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) أَي: بعد قتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب، وَقتل من الْقُرَّاء يَوْمئِذٍ سَبْعمِائة وَقيل أَكثر. قَوْله: (قد استحر) بسين مُهْملَة ومثناة من فَوق مَفْتُوحَة وحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي: اشْتَدَّ وَكثر وَهُوَ على وزن استفعل من الْحر خلاف الْبرد قَوْله: (بالمواطن) ، أَي: فِي المواطن أَي الْأَمَاكِن الَّتِي يَقع فِيهَا الْقِتَال مَعَ الْكفَّار. قَوْله: (لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ الْخطابِيّ وَغَيره: يحْتَمل أَن يكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا لم يجمع الْقُرْآن فِي الصُّحُف لما كَانَ يترقب من وُرُود نَاسخ لبَعض أَحْكَامه أَو تِلَاوَته، فَلَمَّا انْقَضى نُزُوله بوفاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألهم الله الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ذَلِك وَفَاء لوعده الصَّادِق بِضَمَان حفظه على هَذِه الْأمة المحمدية، فَكَانَ ابْتِدَاء ذَلِك على يَد الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بمشورة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف بِإِسْنَاد حسن عَن عبد خير قَالَ: سَمِعت عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَقُول: أعظم النَّاس فِي الْمَصَاحِف أجرا أَبُو بكر رَحْمَة الله على أبي بكر، هُوَ أول من جمع كتاب الله. فَإِن قلت: أخرج ابْن أبي دَاوُد فِي الْمَصَاحِف من طَرِيق ابْن سِيرِين، قَالَ: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آلَيْت أَن لَا آخذ على رِدَائي إلَاّ لصَلَاة جُمُعَة حَتَّى أجمع الْقُرْآن، فَجَمعه قلت: إِسْنَاده ضَعِيف لانقطاعه، وَلَئِن سلمنَا كَونه
مَحْفُوظًا فمراده بجمعه حفظه فِي صَدره قَوْله: (وَالله خير) ، يَعْنِي: خير فِي زمانهم. قَوْله: (فتتبع الْقُرْآن) صِيغَة أَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فاجمعه) قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن أجمعه) حَال أَي: حَال كوني أجمعه، وَقت التتبع. قَوْله: (من العسب) بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعدهمَا بَاء مُوَحدَة جمع عسب وَهُوَ جريد النّخل كَانُوا يكشطون الخوص ويكتبون فِي الطّرف العريض، وَقيل: العسب طرف الجريد العريض الَّذِي لم ينْبت عَلَيْهِ الخوص، وَالَّذِي ينْبت عَلَيْهِ الخوص هُوَ السعف، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: الْقصب والعسب والكرانيف وجرائد النّخل. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي التَّفْسِير من الرّقاع، الأكتاف والعسب وصدور الرِّجَال، والرقاع جمع رقْعَة، وَقد يكون من جلد أَو ورق أَو كاغد، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة: وَقطع الْأَدِيم. وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُود من طَرِيق أبي دَاوُود الذيالسي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد: والصحف وَفِي رِوَايَة ابْن أبي دَاوُد والأضلاع، وَعِنْده أَيْضا: والاقتاب جمع قتب الْبَعِير. قَوْله: (واللخاف) ، بِكَسْر اللَّام وبالخاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف فَاء وَهُوَ جمع لخفة، بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْحجر الْأَبْيَض الرَّقِيق، وَقَالَ الْخطابِيّ: اللخاف صَفَائِح الْحِجَارَة الرقَاق. قَوْله: (مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت، أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ، وَرِوَايَة من قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة أصح، وَالَّذِي وجد مَعَه آخر سُورَة التَّوْبَة أَبُو خُزَيْمَة بالكنية، وَالَّذِي وجد مَعَه الْآيَة من الْأَحْزَاب خُزَيْمَة، وَاسم أبي خُزَيْمَة لَا يعرف وَهُوَ مَشْهُور بكنيته وَهُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم. قَوْله: (فَكَانَت) أَي: الصُّحُف الَّتِي جمعهَا زيد بن ثَابت عِنْد أبي بكر إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته) ، أَي: ثمَّ كَانَت عِنْد عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُدَّة حَيَاته. قَوْله: (ثمَّ عِنْد حَفْصَة) ، أَي: ثمَّ بعد عمر كَانَت عِنْد حَفْصَة بنت عمر فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَإِنَّمَا كَانَت عِنْد حَفْصَة لِأَن عمر أوصى بذلك فاستمرت عِنْدهَا إِلَى أَن طلبَهَا من لَهُ الطّلب.
٧٨٩٤ - حدَّثنا مُوسى احدّثنا إبْرَاهيم حَدثنَا ابنُ شِهاب: أنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ حدَّثَهُ أنَّ حذَيْفَةَ ابنَ اليَمانِ قَدِمَ علَى عُثْمانَ، وكانَ يُغازي أهْلع الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وأذْرَبِيجانَ مَعَ أهْلِ العِرَاقِ، فأفْزعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَة، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ: يَا أميرَ المُؤْمِنينَ أدْرِكَ هذِه الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ والنصارَى، فأرْسَلَ عثْمانُ إِلَى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي إليْنا بالصُّحُفِ نَنْسَخُها فِي المصاحِفِ ثُمَّ نَزُدها إليْكِ، فأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إِلَى عُثْمانَ فأمَرَ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ وعَبْدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ وسَعِيدَ بنَ الْعاصِ وعبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوها فِي المَصاحِفِ. وَقَالَ عُثْمانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثلاثَةِ: إِذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بنُ ثابتٍ فِي شَيْء مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فإِنَّما نَزَلَ بلِسَانِهمْ. ففَعَلُوا، حتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، فأرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا وأمَرَ بمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ أنْ يخْرَقَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة ومُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد، وَهَذَا الْإِسْنَاد إِلَى ابْن شهَاب هُوَ الَّذِي قبله بِعَيْنِه، أَعَادَهُ إِشَارَة إِلَى أَنَّهُمَا حديثان لِابْنِ شهَاب فِي قصتين مختلفتين، وَإِن اتفقَا فِي كِتَابَة الْقُرْآن وَجمعه، وَله قصَّة أُخْرَى عَن خَارِجَة بن زيد فِي آخر هَذَا الحَدِيث، على مَا يَأْتِي الْآن.
قَوْله: (وَكَانَ يغازي) ، أَي: يغزى، أَي: كَانَ عُثْمَان يُجهز أهل الشَّام وَأهل الْعرَاق لغزو أرمينية وأذربيجان وفتحهما، وأرمينية بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ نون مَكْسُورَة، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ بِفَتْح الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ بلد مَعْرُوف يضم كورا كَثِيرَة سميت بذلك لكَون الأرمن فِيهَا، وَهِي أمة كالروم، وَقيل: سميت بأرمون بن ليطى بن يومن بن يافث بن نوح، عَلَيْهِ السَّلَام: وَقَالَ
الرشاطي: افتتحت فِي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على يَد سلمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ، قَالَ: وَأَهْلهَا بَنو أرمي بن أرم بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام، وأذربيجان بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وبالراء الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة ثمَّ الْجِيم وَالْألف وَالنُّون، وَقَالَ ابْن قرقول: فتح عبد الله بن سُلَيْمَان الْيَاء، وَعَن الْمُهلب بِالْمدِّ وَكسر الرَّاء بعْدهَا يَاء سَاكِنة بعْدهَا بَاء مَفْتُوحَة، وَقَالَ أَبُو الْفرج: ألفها مَقْصُورَة وذالها سَاكِنة كَذَلِك قِرَاءَته على أبي مَنْصُور، ويغلط من يمده. وَفِي المبتدىء: من يقدم الْيَاء أُخْت الْوَاو على الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جهل، وَفِي النَّوَادِر لِابْنِ الْأَعرَابِي: الْعَرَب تَقوله بقصر الْهمزَة، وَكَذَا ذكره صَاحب تثقيف اللِّسَان وَلَكِن كسر الْهمزَة، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق البحتري: من الفصيح أذربيجان، وَقَالَ الجواليقي: الْهمزَة فِي أَولهَا أَصْلِيَّة لِأَن أذر مضموم إِلَيْهِ الآخر، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: اجْتمعت فِيهَا أَربع مَوَانِع من الصّرْف: العجمة والتعريف، والتأنيث والتركيب، وَهِي بَلْدَة بالجبال من بِلَاد الْعرَاق يَلِي كور أرمينية من جِهَة الغرب، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْأَشْهر عِنْد الْعَجم أذربايجان، بالمدو الْألف بَين الْمُوَحدَة والتحتانية، هُوَ بَلْدَة تبريز وقصباتها. قَوْله: (مَعَ أهل الْعرَاق) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فِي أهل الْعرَاق. قَوْله: (فأفزع) من الإفزاع، و (حُذَيْفَة) بِالنّصب. مَفْعُوله، (وَاخْتِلَافهمْ) بِالرَّفْع فَاعله، وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن أَبِيه: فيتناز عون فِي الْقُرْآن حَتَّى سمع حُذَيْفَة من اخْتلَافهمْ مَا ذعره، وَفِي رِوَايَة يُونُس: فتذاكروا الْقُرْآن وَاخْتلفُوا فِيهِ حَتَّى كَاد يكون بَينهم فتْنَة، وَفِي رِوَايَة عمَارَة بن غزيَّة أَن حُذَيْفَة قدم من غَزْوَة فَلم يدْخل بَيته حَتَّى أَتَى عُثْمَان فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك النَّاس! قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَ: غزوت فرج أرمينية فَإِذا أهل الشَّام يقرأون بِقِرَاءَة أبي بن كَعْب فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الْعرَاق، وَإِذا أهل الْعرَاق يقرأون بِقِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فَيَأْتُونَ بِمَا لم يسمع أهل الشَّام فيكفر بَعضهم بَعْضًا انْتهى. وَكَانَ هَذَا سَببا لجمع عُثْمَان الْقُرْآن فِي الْمُصحف، وَالْفرق بَينه وَبَين الصُّحُف أَن الصُّحُف هِيَ الأوراق المحررة الَّتِي جمع فِيهَا الْقُرْآن فِي عهد أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَت سورا مفرقة كل سُورَة مرتبَة بآياتها على حِدة، لَكِن لم يرتب بَعْضهَا إِثْر بعض، فَلَمَّا نسخت ورتب بعصها إِثْر بعض صَارَت مُصحفا، وَلم يكن مُصحفا إلَاّ فِي عهد عُثْمَان، على مَا ذكر فِي الحَدِيث من طلب عُثْمَان الصُّحُف من حَفْصَة وَأمره للصحابة الْمَذْكُورين فِي الحَدِيث بِكِتَابَة مصاحف وإرساله إِلَى كل نَاحيَة بمصحف، قَوْله: (فَأمر زيد بن ثَابت) هُوَ الْأنْصَارِيّ، والبقية قرشيون. قَوْله: (فنسخوها) أَي: الصُّحُف أَي: مَا فِي الصُّحُف الَّتِي أرسلتها حَفْصَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. قَوْله: (للرهط القرشيين) وهم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَسَعِيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَرْث المخرومي. قَوْله: (فَإِنَّمَا نزل بلسانهم) أَي: فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بِلِسَان قُرَيْش أَي: مُعظم الْقُرْآن، كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (وَأرْسل إِلَى كل أفق) أَي: نَاحيَة، وَيجمع على: آفَاق، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب: فَأرْسل إِلَى كل جند من أجناد الْمُسلمين بمصحف. وَاخْتلف فِي عدد الْمَصَاحِف الَّتِي أرسل بهَا عُثْمَان إِلَى الْآفَاق فَالْمَشْهُور أَنَّهَا خَمْسَة، وَأخرج ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَصَاحِف من طَرِيق حَمْزَة الزيات، قَالَ: أرسل عُثْمَان أَرْبَعَة مصاحف وَبعث مِنْهَا إِلَى الْكُوفَة بمصحف فَوَقع عِنْد رجل من مُرَاد فَبَقيَ حَتَّى كتبت مصحفي مِنْهُ، وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد: وَسمعت أَبَا حَاتِم السجسْتانِي يَقُول: كتبت سَبْعَة مصاحف: إِلَى مَكَّة وَإِلَى الشَّام وَإِلَى الْيَمين وَإِلَى الْبَحْرين وَإِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى الْكُوفَة وَحبس بِالْمَدِينَةِ وَاحِدًا. قَوْله: (أَن يخرق) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة رِوَايَة الأكثين وبالمهملة رِوَايَة الْمروزِي وبالوجهين رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وبالمعجمة أثبت، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَن يُمحى أَو يحرق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ إحراق الْقُرْآن؟ قلت: المحروق هُوَ الْقُرْآن الْمَنْسُوخ أَو الْمُخْتَلط بِغَيْرِهِ من التَّفْسِير أَو بلغَة غير قُرَيْش أَو الْقرَاءَات الشاذة، وَفَائِدَته أَن لَا يَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ، قلت: هَذِه الْأَجْوِبَة جَوَاب من لم يطلع على كَلَام الْقَوْم وَلم يتَأَمَّل مَا يدل عَلَيْهِ قَوْله فِي آخر الحَدِيث وَقَالَ عِيَاض: غسلوها بِالْمَاءِ ثمَّ أحرقوها مُبَالغَة فِي إذهابها، وَعند أبي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: وَأمرهمْ أَن يحرقوا كل مصحف يُخَالف الْمُصحف الَّذِي أرسل بِهِ، قَالَ: فَذَلِك زمَان أحرقت الْمَصَاحِف بالعراق بالنَّار، وَفِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا تَقولُوا لعُثْمَان فِي إحراق الْمَصَاحِف إلَاّ خيرا وَفِي رِوَايَة بكير بن الْأَشَج: فَأمر بِجمع الْمَصَاحِف فأحرقها ثمَّ بَث فِي الأجناد الَّتِي كتبت، وَمن طَرِيق مُصعب بن سعد قَالَ: أدْركْت النَّاس متوافرين حِين أحرق عُثْمَان الْمَصَاحِف، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِك أَو قَالَ: لم يُنكر ذَلِك مِنْهُم أحد.