الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦١٠
الحديث رقم ٦٦١٠ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ، عَاصِمٌ: مَانِعٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: (سُدًا) عَنِ الْحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ ﴿دَسَّاهَا﴾ أَغْوَاهَا
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ إِلْقَاءِ الْعَبْدِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلْقَاءُ النَّذْرِ الْعَبْدَ وَفِي الْأولى النَّذْرُ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْفَاعِلُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ النَّذْرُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى وَفْقِ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِيَانِ فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ شَرْحِهِمَا، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يُلْقِيهِ النَّذْرُ، بِنُونٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ مُطَابَقَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ: إِلْقَاءُ الْقَدَرِ الْعَبْدَ إِلَى النَّذْرِ بِتَقْدِيمِ الْقَدَرِ بِالْقَافِ عَلَى النَّذْرِ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، بِالْقَافِ كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِرِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهَا لِلْخَبَرِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهَا صَحِيحًا. انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ مَرْدُودٌ، بَلِ الْمَعْنَى بَيِّنٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ نِسْبَةَ الْإِلْقَاءِ إِلَى النَّذْرِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّسْبَةَ مَجَازِيَّةٌ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ سَبَبًا إِلَى الْإِلْقَاءِ، فَنَسَبَ الْإِلْقَاءَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَقْلُوبَةٌ؛ إِذِ الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِي إِلَى النَّذْرِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ؛ إِذِ الَّذِي يُلْقِي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَدَرُ وَهُوَ الْمُوصِلُ، وَبِالظَّاهِرِ هُوَ النَّذْرُ، قَالَ: وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ إِلَى النَّذْرِ، لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا مَا نَظَرَ إِلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ يُتَرْجِمُ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ ذَلِكَ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ؛ لِيَبْعَثَ ذَلِكَ النَّاظِرَ فِي كِتَابِهِ عَلَى تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَلِيَقْدَحَ الْفِكْرَ فِي التَّطْبِيقِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي فَاقَ بِهَا غَيْرَهُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ كَمَا تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ - أَيِ النَّذْرُ - لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُعْطِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَقَوْلُهُ هُنَا: مَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ يَأْتِي فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ الْخَارِفِيُّ، بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَلَهُمْ كُوفِيٌّ شَيْخٌ آخَرُ فِي طَبَقَتِهِ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ الزَّوْفِيُّ، بِزَايٍ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ - مِصْرِيٌّ، وَيُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُرَّةَ، وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ.
٧ - بَاب لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلَا نَعْلُو شَرَفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الدَّعَوَاتِ بَابٌ قَوْلُ لَا حَوْلَ بِالْإِضَافَةِ، وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَاسْتَغْنَى بِهِ لِظُهُورِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ; لِأَنَّ مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا تَحْوِيلَ لِلْعَبْدِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بإثباتها على الأصلِ، وهو مِن (١) «أتى» بمعنى جاءَ يتعدَّى لواحدٍ بخلاف آتي (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (يُلْقِيهِ) من الإلقاء (القَدَرُ) أي: إلى النَّذر.
ولا مطابقةَ بين هذا وبين التَّرجمة كما لا يخفَى، فالظَّاهر -كما قاله في «الكواكب» - أنَّ التَّرجمة مقلوبةٌ؛ إذ القدرُ هو الَّذي يُلقي بالحقيقةِ إلى النَّذر، كما في الحديث، فكان الأولى أن يقول: يُلقيه القدرُ -بالقاف- إلى النَّذر -بالنون- ليُطابق الحديث. وأجاب بأنَّهما صادقان؛ إذ الَّذي يُلقي بالحقيقة هو القدرُ وهو المُوصِل، وبالظَّاهر هو النَّذر. نعم في رواية الكُشمِيهنيِّ في متن الحديث ممَّا ذكره في «الفتح»: «يلقيه النَّذر» بالنون والذال المعجمة، وبها تحصل المطابقةُ، ونسبة الإلقاءِ إلى النَّذر مجازيَّة، وسوَّغ ذلك كونه سببًا إلى الإلقاءِ، فنُسب الإلقاءُ إليه (وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ) بلفظ المتكلِّم من المضارع (بِهِ مِنَ البَخِيلِ) الباء في «بهِ» باء الآلةِ، قاله ابنُ فرحون في «إعراب العمدة». والحديثُ من أفرادهِ.
(٧) (بابُ) بغيرِ تنوينٍ في الفرعِ كأصلهِ، للإضافة إلى قولهِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). وقال في «الفتح»: بالتَّنوين.
٦٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ، نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قالَ: (أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيس الأشعريِّ ﵁، أنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) هي غزوةُ
خيبر، كما سبق في «المغازي» [خ¦٤٢٠٥] (فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء، موضعًا عاليًا (وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ. قَالَ) أبو موسى: (فَدَنَا) أي: قَرُب (مِنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة، ارفقوا بأنفسِكم واخفضُوا أصواتَكم (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) قال الكِرْمانيُّ -وتبعه العينيُّ-: ورُوِي (١) «أصمًّا»، ولعلَّه باعتبارِ التَّناسب، وأطلق على التَّكبير دعاء؛ لأنَّه بمعنى النِّداء (٢)؛ إذ الذَّاكر يريدُ إسماع من ذكرَه والشَّهادة له (إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا) بالتَّخفيف (أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً) من باب إطلاقِ الكلمة على الكلامِ (هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ) أي: من ذخائرِ الجنَّة، وقال النَّوويُّ: أي: إنَّ قولها (٣) يُحَصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر لصاحبهِ في الجنَّة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي: لا تحوُّل (٤) للعبدِ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّة له على طاعةِ الله إلَّا بتوفيق الله، فهي -كما قال النَّوويُّ (٥) - كلمةُ استسلامٍ وتفويضٍ يشيرُ إلى أنَّ العبدَ لا يملكُ لنفسهِ شيئًا، وأنَّه لا قدرةَ له على دفعِ ضررٍ، ولا قوَّة له على جلبِ خيرٍ إلَّا بقدرةِ (٦) الله تعالى وإرادتهِ.
والحديث أخرجه في آخر «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤].
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه قوله ﷺ: (المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول (عَاصِمٌ) في قولهِ تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٧) [هود: ٤٣] أي: (مَانِعٌ) كذا فسَّره عكرمةُ فيما أخرجهُ الطَّبريُّ من طريقِ الحكم بن أبان، عنه.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: ((سَدًا)) بألف بعد الدال المنوَّنة من (١) غيرِ تشديدٍ في الفرعِ كأصلهِ، وقال في «الفتح»: بالتَّشديد والألف، أي: (عَنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي حاتم من طريقِ ورقاء عن ابنِ أبي نَجيحٍ عنه في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، ووصلهُ عبدُ بن حُميد من طريق شبل عن ابنِ (٢) أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولهِ تعالى: ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، وقد يتردَّدون، ورأيتُه في بعض النُّسخ: «سُدى» بتحتيَّةٍ بعد الدَّال مخففًا، وعليها شرح الكِرْمانيُّ. قال في «الفتح»: فزعم الكِرْمانيُّ أنَّه وقع هنا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا مُتردِّدًا في الضَّلالة، ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا اللَّفظ الَّذي أوردتُه، ولم أرَ في شيءٍ من التَّفاسير الَّتي تساق بالأسانيد لمجاهد (٣) في قولهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا، ولم أرَ في قولهِ: «في الضَّلالة» في شيءٍ من المنقولِ بالسَّند عن مجاهدٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا الكلام ينقضُ آخره أوَّله؛ لأنَّه قال أوَّلًا: ورأيته في بعض نسخ البخاريِّ: «سدى» بتخفيف الدَّال، ثمَّ قال: ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا الَّذي أوردتُه. ومع هذا فإنَّه لم يطَّلع على جميع النُّسخ؛ إذ لم يطَّلع (٤) إلَّا على النُّسخ الَّتي في مدينتهِ، وأمَّا النُّسخ الَّتي في كرمان وبلخ وخراسان فلا. وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الَّذي نفى رؤيتَه قولُ الكِرْمانيِّ قولُه (٥): وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا متردِّدًا في الضَّلالة، وأمَّا الَّذي ذكر أنَّه رآه في بعض النُّسخ فهو مجرَّد لفظ ﴿سُدًى﴾ بالتَّخفيف وبالتَّحتية آخره، فأين التَّناقض؟
(﴿دَسَّاهَا﴾) من قولهِ تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهدٌ فيما رواه الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عنه: (أَغْوَاهَا) قال:
وأنْتَ الَّذِي دسَّسْتَ عَمْرًا فأَصْبَحتْ … حَلائلُهُ منْهُ أَرَامِلُ ضُيَّعا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ إِلْقَاءِ الْعَبْدِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلْقَاءُ النَّذْرِ الْعَبْدَ وَفِي الْأولى النَّذْرُ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْفَاعِلُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ النَّذْرُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى وَفْقِ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِيَانِ فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ شَرْحِهِمَا، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يُلْقِيهِ النَّذْرُ، بِنُونٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ مُطَابَقَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ: إِلْقَاءُ الْقَدَرِ الْعَبْدَ إِلَى النَّذْرِ بِتَقْدِيمِ الْقَدَرِ بِالْقَافِ عَلَى النَّذْرِ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، بِالْقَافِ كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِرِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهَا لِلْخَبَرِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهَا صَحِيحًا. انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ مَرْدُودٌ، بَلِ الْمَعْنَى بَيِّنٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ نِسْبَةَ الْإِلْقَاءِ إِلَى النَّذْرِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّسْبَةَ مَجَازِيَّةٌ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ سَبَبًا إِلَى الْإِلْقَاءِ، فَنَسَبَ الْإِلْقَاءَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَقْلُوبَةٌ؛ إِذِ الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِي إِلَى النَّذْرِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ؛ إِذِ الَّذِي يُلْقِي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَدَرُ وَهُوَ الْمُوصِلُ، وَبِالظَّاهِرِ هُوَ النَّذْرُ، قَالَ: وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ إِلَى النَّذْرِ، لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا مَا نَظَرَ إِلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ يُتَرْجِمُ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ ذَلِكَ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ؛ لِيَبْعَثَ ذَلِكَ النَّاظِرَ فِي كِتَابِهِ عَلَى تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَلِيَقْدَحَ الْفِكْرَ فِي التَّطْبِيقِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي فَاقَ بِهَا غَيْرَهُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ كَمَا تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ - أَيِ النَّذْرُ - لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُعْطِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَقَوْلُهُ هُنَا: مَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ يَأْتِي فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ الْخَارِفِيُّ، بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَلَهُمْ كُوفِيٌّ شَيْخٌ آخَرُ فِي طَبَقَتِهِ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ الزَّوْفِيُّ، بِزَايٍ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ - مِصْرِيٌّ، وَيُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُرَّةَ، وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ.
٧ - بَاب لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلَا نَعْلُو شَرَفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الدَّعَوَاتِ بَابٌ قَوْلُ لَا حَوْلَ بِالْإِضَافَةِ، وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَاسْتَغْنَى بِهِ لِظُهُورِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ; لِأَنَّ مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا تَحْوِيلَ لِلْعَبْدِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بإثباتها على الأصلِ، وهو مِن (١) «أتى» بمعنى جاءَ يتعدَّى لواحدٍ بخلاف آتي (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (يُلْقِيهِ) من الإلقاء (القَدَرُ) أي: إلى النَّذر.
ولا مطابقةَ بين هذا وبين التَّرجمة كما لا يخفَى، فالظَّاهر -كما قاله في «الكواكب» - أنَّ التَّرجمة مقلوبةٌ؛ إذ القدرُ هو الَّذي يُلقي بالحقيقةِ إلى النَّذر، كما في الحديث، فكان الأولى أن يقول: يُلقيه القدرُ -بالقاف- إلى النَّذر -بالنون- ليُطابق الحديث. وأجاب بأنَّهما صادقان؛ إذ الَّذي يُلقي بالحقيقة هو القدرُ وهو المُوصِل، وبالظَّاهر هو النَّذر. نعم في رواية الكُشمِيهنيِّ في متن الحديث ممَّا ذكره في «الفتح»: «يلقيه النَّذر» بالنون والذال المعجمة، وبها تحصل المطابقةُ، ونسبة الإلقاءِ إلى النَّذر مجازيَّة، وسوَّغ ذلك كونه سببًا إلى الإلقاءِ، فنُسب الإلقاءُ إليه (وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ) بلفظ المتكلِّم من المضارع (بِهِ مِنَ البَخِيلِ) الباء في «بهِ» باء الآلةِ، قاله ابنُ فرحون في «إعراب العمدة». والحديثُ من أفرادهِ.
(٧) (بابُ) بغيرِ تنوينٍ في الفرعِ كأصلهِ، للإضافة إلى قولهِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). وقال في «الفتح»: بالتَّنوين.
٦٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ، نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قالَ: (أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيس الأشعريِّ ﵁، أنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) هي غزوةُ
خيبر، كما سبق في «المغازي» [خ¦٤٢٠٥] (فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء، موضعًا عاليًا (وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ. قَالَ) أبو موسى: (فَدَنَا) أي: قَرُب (مِنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة، ارفقوا بأنفسِكم واخفضُوا أصواتَكم (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) قال الكِرْمانيُّ -وتبعه العينيُّ-: ورُوِي (١) «أصمًّا»، ولعلَّه باعتبارِ التَّناسب، وأطلق على التَّكبير دعاء؛ لأنَّه بمعنى النِّداء (٢)؛ إذ الذَّاكر يريدُ إسماع من ذكرَه والشَّهادة له (إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا) بالتَّخفيف (أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً) من باب إطلاقِ الكلمة على الكلامِ (هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ) أي: من ذخائرِ الجنَّة، وقال النَّوويُّ: أي: إنَّ قولها (٣) يُحَصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر لصاحبهِ في الجنَّة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي: لا تحوُّل (٤) للعبدِ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّة له على طاعةِ الله إلَّا بتوفيق الله، فهي -كما قال النَّوويُّ (٥) - كلمةُ استسلامٍ وتفويضٍ يشيرُ إلى أنَّ العبدَ لا يملكُ لنفسهِ شيئًا، وأنَّه لا قدرةَ له على دفعِ ضررٍ، ولا قوَّة له على جلبِ خيرٍ إلَّا بقدرةِ (٦) الله تعالى وإرادتهِ.
والحديث أخرجه في آخر «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤].
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه قوله ﷺ: (المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول (عَاصِمٌ) في قولهِ تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٧) [هود: ٤٣] أي: (مَانِعٌ) كذا فسَّره عكرمةُ فيما أخرجهُ الطَّبريُّ من طريقِ الحكم بن أبان، عنه.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: ((سَدًا)) بألف بعد الدال المنوَّنة من (١) غيرِ تشديدٍ في الفرعِ كأصلهِ، وقال في «الفتح»: بالتَّشديد والألف، أي: (عَنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي حاتم من طريقِ ورقاء عن ابنِ أبي نَجيحٍ عنه في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، ووصلهُ عبدُ بن حُميد من طريق شبل عن ابنِ (٢) أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولهِ تعالى: ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، وقد يتردَّدون، ورأيتُه في بعض النُّسخ: «سُدى» بتحتيَّةٍ بعد الدَّال مخففًا، وعليها شرح الكِرْمانيُّ. قال في «الفتح»: فزعم الكِرْمانيُّ أنَّه وقع هنا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا مُتردِّدًا في الضَّلالة، ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا اللَّفظ الَّذي أوردتُه، ولم أرَ في شيءٍ من التَّفاسير الَّتي تساق بالأسانيد لمجاهد (٣) في قولهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا، ولم أرَ في قولهِ: «في الضَّلالة» في شيءٍ من المنقولِ بالسَّند عن مجاهدٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا الكلام ينقضُ آخره أوَّله؛ لأنَّه قال أوَّلًا: ورأيته في بعض نسخ البخاريِّ: «سدى» بتخفيف الدَّال، ثمَّ قال: ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا الَّذي أوردتُه. ومع هذا فإنَّه لم يطَّلع على جميع النُّسخ؛ إذ لم يطَّلع (٤) إلَّا على النُّسخ الَّتي في مدينتهِ، وأمَّا النُّسخ الَّتي في كرمان وبلخ وخراسان فلا. وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الَّذي نفى رؤيتَه قولُ الكِرْمانيِّ قولُه (٥): وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا متردِّدًا في الضَّلالة، وأمَّا الَّذي ذكر أنَّه رآه في بعض النُّسخ فهو مجرَّد لفظ ﴿سُدًى﴾ بالتَّخفيف وبالتَّحتية آخره، فأين التَّناقض؟
(﴿دَسَّاهَا﴾) من قولهِ تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهدٌ فيما رواه الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عنه: (أَغْوَاهَا) قال:
وأنْتَ الَّذِي دسَّسْتَ عَمْرًا فأَصْبَحتْ … حَلائلُهُ منْهُ أَرَامِلُ ضُيَّعا