الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6610
الحديث رقم 6610 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:
حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكانوا يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أيها الناس اربعوا على أنفسكم" -يعني: هونوا عليها، ولا تشقوا على أنفسكم في رفع الصوت؟- "فإنكم لا تدعو أصم ولا غائباً"، إنما تدعون سميعاً مجيباً قريباً"، وهو الله عز وجل لا يحتاج أن تجهدوا أنفسكم في رفع الصوت عند التسبيح والتحميد والتكبير؛ لأن الله تعالى يسمع ويبصر وهو قريب جل وعلا، مع أنه فوق السماوات لكنه محيط بكل شيء جل وعلا .
قوله: "تدعون سميعاً بصيراً قريباً"، وهذه صيغ مبالغة لله؛ لأن له تعالى تمام الكمال من هذه الصفات، فلا يفوت سمعه أي حركة وإن خفيت، فيسمع دبيب النملة على الصفاة الصماء في ظلمة الليل، وأخفى من ذلك، كما أنه تعالى لا يحجب بصره شيء من الحوائل، فهو يسمع نغماتكم وأصوات أنفاسكم وجميع ما تتلفظون به من كلمات، ويبصر حركاتكم، وهو معكم قريب من داعيه، وهو أيضاً مع جميع خلقه باطلاعه وإحاطته، وهم في قبضته، ومع ذلك هو على عرشه عال فوق جميع مخلوقاته، ولا يخفى عليه خافية في جميع مخلوقاته مهما كانت.
والسمع والبصر والقرب صفات ثابتة لله عز وجل على الوجه اللائق به، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تأويل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ إِلْقَاءِ الْعَبْدِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلْقَاءُ النَّذْرِ الْعَبْدَ وَفِي الْأولى النَّذْرُ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْفَاعِلُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ النَّذْرُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى وَفْقِ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِيَانِ فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ شَرْحِهِمَا، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يُلْقِيهِ النَّذْرُ، بِنُونٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ مُطَابَقَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ: إِلْقَاءُ الْقَدَرِ الْعَبْدَ إِلَى النَّذْرِ بِتَقْدِيمِ الْقَدَرِ بِالْقَافِ عَلَى النَّذْرِ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، بِالْقَافِ كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِرِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهَا لِلْخَبَرِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهَا صَحِيحًا. انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ مَرْدُودٌ، بَلِ الْمَعْنَى بَيِّنٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ نِسْبَةَ الْإِلْقَاءِ إِلَى النَّذْرِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّسْبَةَ مَجَازِيَّةٌ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ سَبَبًا إِلَى الْإِلْقَاءِ، فَنَسَبَ الْإِلْقَاءَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَقْلُوبَةٌ؛ إِذِ الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِي إِلَى النَّذْرِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ؛ إِذِ الَّذِي يُلْقِي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَدَرُ وَهُوَ الْمُوصِلُ، وَبِالظَّاهِرِ هُوَ النَّذْرُ، قَالَ: وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ إِلَى النَّذْرِ، لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا مَا نَظَرَ إِلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ يُتَرْجِمُ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ ذَلِكَ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ؛ لِيَبْعَثَ ذَلِكَ النَّاظِرَ فِي كِتَابِهِ عَلَى تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَلِيَقْدَحَ الْفِكْرَ فِي التَّطْبِيقِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي فَاقَ بِهَا غَيْرَهُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ كَمَا تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ - أَيِ النَّذْرُ - لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُعْطِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَقَوْلُهُ هُنَا: مَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ يَأْتِي فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ الْخَارِفِيُّ، بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَلَهُمْ كُوفِيٌّ شَيْخٌ آخَرُ فِي طَبَقَتِهِ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ الزَّوْفِيُّ، بِزَايٍ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ - مِصْرِيٌّ، وَيُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُرَّةَ، وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ.
٧ - بَاب لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلَا نَعْلُو شَرَفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الدَّعَوَاتِ بَابٌ قَوْلُ لَا حَوْلَ بِالْإِضَافَةِ، وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَاسْتَغْنَى بِهِ لِظُهُورِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ; لِأَنَّ مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا تَحْوِيلَ لِلْعَبْدِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بإثباتها على الأصلِ، وهو مِن (١) «أتى» بمعنى جاءَ يتعدَّى لواحدٍ بخلاف آتي (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (يُلْقِيهِ) من الإلقاء (القَدَرُ) أي: إلى النَّذر.
ولا مطابقةَ بين هذا وبين التَّرجمة كما لا يخفَى، فالظَّاهر -كما قاله في «الكواكب» - أنَّ التَّرجمة مقلوبةٌ؛ إذ القدرُ هو الَّذي يُلقي بالحقيقةِ إلى النَّذر، كما في الحديث، فكان الأولى أن يقول: يُلقيه القدرُ -بالقاف- إلى النَّذر -بالنون- ليُطابق الحديث. وأجاب بأنَّهما صادقان؛ إذ الَّذي يُلقي بالحقيقة هو القدرُ وهو المُوصِل، وبالظَّاهر هو النَّذر. نعم في رواية الكُشمِيهنيِّ في متن الحديث ممَّا ذكره في «الفتح»: «يلقيه النَّذر» بالنون والذال المعجمة، وبها تحصل المطابقةُ، ونسبة الإلقاءِ إلى النَّذر مجازيَّة، وسوَّغ ذلك كونه سببًا إلى الإلقاءِ، فنُسب الإلقاءُ إليه (وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ) بلفظ المتكلِّم من المضارع (بِهِ مِنَ البَخِيلِ) الباء في «بهِ» باء الآلةِ، قاله ابنُ فرحون في «إعراب العمدة». والحديثُ من أفرادهِ.
(٧) (بابُ) بغيرِ تنوينٍ في الفرعِ كأصلهِ، للإضافة إلى قولهِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). وقال في «الفتح»: بالتَّنوين.
٦٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ، نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قالَ: (أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيس الأشعريِّ ﵁، أنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) هي غزوةُ
خيبر، كما سبق في «المغازي» [خ¦٤٢٠٥] (فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء، موضعًا عاليًا (وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ. قَالَ) أبو موسى: (فَدَنَا) أي: قَرُب (مِنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة، ارفقوا بأنفسِكم واخفضُوا أصواتَكم (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) قال الكِرْمانيُّ -وتبعه العينيُّ-: ورُوِي (١) «أصمًّا»، ولعلَّه باعتبارِ التَّناسب، وأطلق على التَّكبير دعاء؛ لأنَّه بمعنى النِّداء (٢)؛ إذ الذَّاكر يريدُ إسماع من ذكرَه والشَّهادة له (إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا) بالتَّخفيف (أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً) من باب إطلاقِ الكلمة على الكلامِ (هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ) أي: من ذخائرِ الجنَّة، وقال النَّوويُّ: أي: إنَّ قولها (٣) يُحَصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر لصاحبهِ في الجنَّة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي: لا تحوُّل (٤) للعبدِ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّة له على طاعةِ الله إلَّا بتوفيق الله، فهي -كما قال النَّوويُّ (٥) - كلمةُ استسلامٍ وتفويضٍ يشيرُ إلى أنَّ العبدَ لا يملكُ لنفسهِ شيئًا، وأنَّه لا قدرةَ له على دفعِ ضررٍ، ولا قوَّة له على جلبِ خيرٍ إلَّا بقدرةِ (٦) الله تعالى وإرادتهِ.
والحديث أخرجه في آخر «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤].
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه قوله ﷺ: (المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول (عَاصِمٌ) في قولهِ تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٧) [هود: ٤٣] أي: (مَانِعٌ) كذا فسَّره عكرمةُ فيما أخرجهُ الطَّبريُّ من طريقِ الحكم بن أبان، عنه.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: ((سَدًا)) بألف بعد الدال المنوَّنة من (١) غيرِ تشديدٍ في الفرعِ كأصلهِ، وقال في «الفتح»: بالتَّشديد والألف، أي: (عَنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي حاتم من طريقِ ورقاء عن ابنِ أبي نَجيحٍ عنه في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، ووصلهُ عبدُ بن حُميد من طريق شبل عن ابنِ (٢) أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولهِ تعالى: ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، وقد يتردَّدون، ورأيتُه في بعض النُّسخ: «سُدى» بتحتيَّةٍ بعد الدَّال مخففًا، وعليها شرح الكِرْمانيُّ. قال في «الفتح»: فزعم الكِرْمانيُّ أنَّه وقع هنا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا مُتردِّدًا في الضَّلالة، ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا اللَّفظ الَّذي أوردتُه، ولم أرَ في شيءٍ من التَّفاسير الَّتي تساق بالأسانيد لمجاهد (٣) في قولهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا، ولم أرَ في قولهِ: «في الضَّلالة» في شيءٍ من المنقولِ بالسَّند عن مجاهدٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا الكلام ينقضُ آخره أوَّله؛ لأنَّه قال أوَّلًا: ورأيته في بعض نسخ البخاريِّ: «سدى» بتخفيف الدَّال، ثمَّ قال: ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا الَّذي أوردتُه. ومع هذا فإنَّه لم يطَّلع على جميع النُّسخ؛ إذ لم يطَّلع (٤) إلَّا على النُّسخ الَّتي في مدينتهِ، وأمَّا النُّسخ الَّتي في كرمان وبلخ وخراسان فلا. وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الَّذي نفى رؤيتَه قولُ الكِرْمانيِّ قولُه (٥): وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا متردِّدًا في الضَّلالة، وأمَّا الَّذي ذكر أنَّه رآه في بعض النُّسخ فهو مجرَّد لفظ ﴿سُدًى﴾ بالتَّخفيف وبالتَّحتية آخره، فأين التَّناقض؟
(﴿دَسَّاهَا﴾) من قولهِ تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهدٌ فيما رواه الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عنه: (أَغْوَاهَا) قال:
وأنْتَ الَّذِي دسَّسْتَ عَمْرًا فأَصْبَحتْ … حَلائلُهُ منْهُ أَرَامِلُ ضُيَّعا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الله عَنْهُمَا، قَالَ: نَهاى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ النذْرِ وَقَالَ: (لَا يَرُدُّ شَيْئاً وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النّذر يلقِي العَبْد إِلَى الْقدر وَلَا يرد شَيْئا، وَالْقدر هُوَ الَّذِي يعْمل عمله.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَعبد الله بن مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْهَمدَانِي يروي عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النذور عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي النذور أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن النّذر لَا يرد شَيْئا قيل: النّذر الْتِزَام قربَة فَلم يكن مَنْهِيّا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقرْبَة غير منهية لَكِن التزامها مَنْهِيّ، إِذْ رُبمَا لَا يقدر على الْوَفَاء، وَقيل: الصَّدَقَة ترد الْبلَاء وَهَذَا الْتِزَام الصَّدَقَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من رد الصَّدَقَة التزامها، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا بَاب غَرِيب من الْعلم وَهُوَ: أَن يُ نهى عَن الشَّيْء أَن يفعل، حَتَّى إِذا فعل وَقع وَاجِبا، وَفِي لفظ: إِنَّمَا يسْتَخْرج، دَلِيل على وجوب الْوَفَاء وَفِي (التَّوْضِيح) : النّذر ابْتِدَاء جَائِز، والمنهي عَنهُ الْمُعَلق، كَأَنَّهُ يَقُول: لَا أفعل خيرا يَا رب حَتَّى تفعل بِي خيرا، فَإِذا دخل فِيهِ فَعَلَيهِ الْوَفَاء.
٩٠٦٦ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعَمرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يأْتِي ابنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قدْ قَدَّرْتُهُ، ولَكِنْ يلْقِيهِ القَدَرُ، وقَدْ قدَّرْتُهُ لهُ اسْتَخْرِج بِهِ مِنَ البَخِيلِ) .
قيل: لَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة. والمطابق أَن يَقُول: إِلْقَاء الْقدر العَبْد إِلَى النّذر، لِأَن لفظ الحَدِيث يلقيه الْقدر.
قلت: فِي رِوَايَة الْكشميهني: يلقيه النّذر، وَمن عَادَة البُخَارِيّ أَنه يترجم بِمَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث وَإِن لم يسق ذَلِك اللَّفْظ بِعَيْنِه، وَقد غفل عَمَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني من الْمُطَابقَة فَلذَلِك ادّعى عدم الْمُطَابقَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مَقْلُوبَة إِذْ الْقدر يلقِي العَبْد إِلَى النّذر لقَوْله: (يلقيه الْقدر) .
قلت: هما صادقان، إِذْ بِالْحَقِيقَةِ الْقدر هُوَ الْموصل وبالظاهر هُوَ النّذر، لَكِن كَانَ الأولى فِي التَّرْجَمَة الْعَكْس ليُوَافق الحَدِيث إلاّ أَن يُقَال إنَّهُمَا متلازمان. انْتهى.
قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي أَيْضا على رِوَايَة الْكشميهني لما تكلّف فِيمَا تعسف.
وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الشختياني الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام بن مُنَبّه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (لَا يَأْتِي ابْن آدم) فَاعل: لَا يَأْتِي، النّذر، وَابْن آدم مَفْعُوله. وَهُوَ قريب من معنى قَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: إِنَّه لَا يرد شَيْئا قد وَقع. قَوْله: (لَا يَأْتِي) بِالْيَاءِ فِي الْأُصُول، وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن: لَا يأتِ، بِدُونِ الْيَاء كَأَنَّهُ كتبه على الْوَصْل مثل قَوْله: {سَنَدع الزَّبَانِيَة} (العلق: ٨١) بِغَيْر وَاو. قَوْله: (لم يكن قدرته) صفة لقَوْله: بِشَيْء قَالَ الْكرْمَانِي: وَقدرته بِصِيغَة الْمُتَكَلّم، ويروى: قدر بِهِ، بِلَفْظ الْمَجْهُول الْغَائِب وَالْجَار وَالْمَجْرُور. قَوْله: (وَلَكِن يلقيه الْقدر) من الْإِلْقَاء، وَيُقَال: معنى، لم يكن قدرته، أما مَا قدرت عَلَيْهِ الشدَّة فيحملها عَنهُ وَالنّذر لَا يحل عَنهُ الشدَّة بنذره، وَيكون ذَلِك النّذر استخرجه من الْبَخِيل للشدة الَّتِي عرضت لَهُ. قَوْله: (وَلَكِن يلقيه الْقدر) من الْإِلْقَاء، وَقيل: بِالْفَاءِ وَالْقَاف. قَوْله: (استخرج) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع.
٧ - (بابُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاّ بِاللَّه)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَمعنى: لَا حول لَا تَحْويل للْعَبد فِي مَعْصِيّة الله إلاّ بعصمة الله، وَلَا قُوَّة لَهُ على طَاعَة الله إِلَّا بِتَوْفِيق الله. وَقيل: معنى لَا حول لَا حِيلَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ كلمة استسلام وتفويض، وَأَن العَبْد لَا يملك من أمره شَيْئا لَيْسَ لَهُ حِيلَة فِي دفع شَرّ وَلَا قُوَّة فِي جلب خير إلَاّ بِإِرَادَة الله عز وَجل.
٠١٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ أبي عثْمانَ النَّهْدِيِّ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: كُنّا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزاةٍ، فَجَعَلْنا لَا نَصْعَدُ شَرَقاً وَلَا نَعْلُو شَرَقاً وَلَا نَهْبِطُ فِي وادٍ إلاّ رَفَعْنا أصْوَاتَنا بالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنا مِنّا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (يَا أيُّها النّاس أرْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُم لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غائِباً، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً) ثُمَّ قَالَ: (يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ! ألَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى ... إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يكره من رفع الصَّوْت فِي التَّكْبِير، أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
قَوْله: (فِي غزَاة) هِيَ غَزْوَة خَيْبَر، والشرف الْموضع العالي. قَوْله: (أربعوا) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أرفقوا بِأَنْفُسِكُمْ واخفضوا أَصْوَاتكُم، يُقَال: ربع الرجل إِذا توقف وانحبس. قَوْله: (أَصمّ) ويروى: أصماً. قَوْله: (يَا عبد الله بن قيس) هُوَ اسْم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (هِيَ من كنوز الْجنَّة) يَعْنِي: أَن لَهُ ثَوابًا مدخراً نفيساً كالكنز فَإِنَّهُ من نفائس مدخراتكم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَعْنى أَن قَوْلهَا يحصل ثَوابًا نفيساً مدخراً لصَاحبه فِي الْجنَّة.
٨ - (بابٌ المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمَعْصُوم من عصمَة الله بِأَن حماه عَن الْوُقُوع فِي الْهَلَاك، يُقَال: عصمه الله من الْمَكْرُوه وَقَاه وَحفظه، وَالْفرق بَين عصمَة الْمُؤمنِينَ وعصمة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، أَن عصمَة الْأَنْبِيَاء بطرِيق الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم بطرِيق الْجَوَاز.
عاصِمٌ: مانِعٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: {لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله} (هود: ٣٤) أَي لَا مَانع.
قَالَ مُجاهِدٌ: سُداً عنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير سدًى فِي قَوْله عز وَجل: {أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى} (الْقِيَامَة: ٦٣) بقوله: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَة، وَقَالَ بَعضهم: سداً بتَشْديد الدَّال بعْدهَا ألف، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سداً} (يس: ٩) قَالَ: عَن الْحق، ثمَّ قَالَ: ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ: سدى، بتَخْفِيف الدَّال مَقْصُور، وَعَلِيهِ شرح الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته. انْتهى.
قلت: هَذَا كَلَام ينْقض آخِره أَوله، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا، ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ سدًى بتَخْفِيف الدَّال، ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته، وَمَعَ هَذَا هُوَ لم يطلع على جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إلَاّ بالتعسف فِي النّسخ الَّتِي فِي مدينته، وَأما النّسخ الَّتِي فِي بِلَاد كرمان وبلخ وخراسان فَمن أَيْن يتَصَوَّر لَهُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِمَا؟
دَسَّاها أغْوَاها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) بقوله: أغواها. وَأخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن حبيب بن ثَابت عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَوْله: دساها، قَالَ أَحدهمَا: أغواها، وَقَالَ الآخر: أضلها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُنَاسبَة الْآيَتَيْنِ بالترجمة بَيَان أنّ من لم يعصمه الله كَانَ سدًى ومغوًى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ إِلْقَاءِ الْعَبْدِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلْقَاءُ النَّذْرِ الْعَبْدَ وَفِي الْأولى النَّذْرُ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ الْفَاعِلُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ الْمَفْعُولُ، وَالْإِلْقَاءُ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ النَّذْرُ، وَسَيَأْتِي فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى وَفْقِ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِيَانِ فِي بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَعَ شَرْحِهِمَا، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي التَّرْجَمَةِ، لَكِنَّ لَفْظَهُ: وَلَكِنْ يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يُلْقِيهِ النَّذْرُ، بِنُونٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الْمَرْوِيَّيْنِ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ مُطَابَقَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ: إِلْقَاءُ الْقَدَرِ الْعَبْدَ إِلَى النَّذْرِ بِتَقْدِيمِ الْقَدَرِ بِالْقَافِ عَلَى النَّذْرِ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، بِالْقَافِ كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِرِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَتِهَا لِلْخَبَرِ لَيْسَ الْمَعْنَى فِيهَا صَحِيحًا. انْتَهَى. وَمَا نَفَاهُ مَرْدُودٌ، بَلِ الْمَعْنَى بَيِّنٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ نِسْبَةَ الْإِلْقَاءِ إِلَى النَّذْرِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّسْبَةَ مَجَازِيَّةٌ، وَسَوَّغَ ذَلِكَ كَوْنُهُ سَبَبًا إِلَى الْإِلْقَاءِ، فَنَسَبَ الْإِلْقَاءَ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْجَمَةَ مَقْلُوبَةٌ؛ إِذِ الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِي إِلَى النَّذْرِ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا صَادِقَانِ؛ إِذِ الَّذِي يُلْقِي فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَدَرُ وَهُوَ الْمُوصِلُ، وَبِالظَّاهِرِ هُوَ النَّذْرُ، قَالَ: وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يُلْقِيهِ الْقَدَرُ إِلَى النَّذْرِ، لِيُطَابِقَ الْحَدِيثَ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ، وَكَأَنَّهُ أَيْضًا مَا نَظَرَ إِلَى رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَأَيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ، أَنَّهُ يُتَرْجِمُ بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْ ذَلِكَ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ؛ لِيَبْعَثَ ذَلِكَ النَّاظِرَ فِي كِتَابِهِ عَلَى تَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَلِيَقْدَحَ الْفِكْرَ فِي التَّطْبِيقِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي فَاقَ بِهَا غَيْرَهُ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ كَمَا تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ بِلَفْظِ: أَنَّهُ - أَيِ النَّذْرُ - لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَهُوَ يُعْطِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَقَوْلُهُ هُنَا: مَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ يَأْتِي فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ الْخَارِفِيُّ، بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَلَهُمْ كُوفِيٌّ شَيْخٌ آخَرُ فِي طَبَقَتِهِ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ الزَّوْفِيُّ، بِزَايٍ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ فَاءٍ - مِصْرِيٌّ، وَيُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُرَّةَ، وَهُوَ بِهَا أَشْهَرُ.
٧ - بَاب لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
٦٦١٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلَا نَعْلُو شَرَفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
قَوْلُهُ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) تَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ الدَّعَوَاتِ بَابٌ قَوْلُ لَا حَوْلَ بِالْإِضَافَةِ، وَاقْتَصَرَ هُنَا عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَاسْتَغْنَى بِهِ لِظُهُورِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ; لِأَنَّ مَعْنَى لَا حَوْلَ: لَا تَحْوِيلَ لِلْعَبْدِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بإثباتها على الأصلِ، وهو مِن (١) «أتى» بمعنى جاءَ يتعدَّى لواحدٍ بخلاف آتي (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (يُلْقِيهِ) من الإلقاء (القَدَرُ) أي: إلى النَّذر.
ولا مطابقةَ بين هذا وبين التَّرجمة كما لا يخفَى، فالظَّاهر -كما قاله في «الكواكب» - أنَّ التَّرجمة مقلوبةٌ؛ إذ القدرُ هو الَّذي يُلقي بالحقيقةِ إلى النَّذر، كما في الحديث، فكان الأولى أن يقول: يُلقيه القدرُ -بالقاف- إلى النَّذر -بالنون- ليُطابق الحديث. وأجاب بأنَّهما صادقان؛ إذ الَّذي يُلقي بالحقيقة هو القدرُ وهو المُوصِل، وبالظَّاهر هو النَّذر. نعم في رواية الكُشمِيهنيِّ في متن الحديث ممَّا ذكره في «الفتح»: «يلقيه النَّذر» بالنون والذال المعجمة، وبها تحصل المطابقةُ، ونسبة الإلقاءِ إلى النَّذر مجازيَّة، وسوَّغ ذلك كونه سببًا إلى الإلقاءِ، فنُسب الإلقاءُ إليه (وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ) بلفظ المتكلِّم من المضارع (بِهِ مِنَ البَخِيلِ) الباء في «بهِ» باء الآلةِ، قاله ابنُ فرحون في «إعراب العمدة». والحديثُ من أفرادهِ.
(٧) (بابُ) بغيرِ تنوينٍ في الفرعِ كأصلهِ، للإضافة إلى قولهِ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). وقال في «الفتح»: بالتَّنوين.
٦٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ) الكسائيُّ، نزيل بغداد ثمَّ مكَّة قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قالَ: (أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالحاء المهملة والذال المعجمة (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مَُِلٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبدِ الله بن قيس الأشعريِّ ﵁، أنَّه (٢) (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ) هي غزوةُ
خيبر، كما سبق في «المغازي» [خ¦٤٢٠٥] (فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا) بفتح الشين المعجمة والراء والفاء، موضعًا عاليًا (وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ. قَالَ) أبو موسى: (فَدَنَا) أي: قَرُب (مِنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) بهمزة وصل وفتح الموحدة وضم العين المهملة، ارفقوا بأنفسِكم واخفضُوا أصواتَكم (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) قال الكِرْمانيُّ -وتبعه العينيُّ-: ورُوِي (١) «أصمًّا»، ولعلَّه باعتبارِ التَّناسب، وأطلق على التَّكبير دعاء؛ لأنَّه بمعنى النِّداء (٢)؛ إذ الذَّاكر يريدُ إسماع من ذكرَه والشَّهادة له (إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، ثُمَّ قَالَ) ﷺ لأبي موسى: (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا) بالتَّخفيف (أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً) من باب إطلاقِ الكلمة على الكلامِ (هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ) أي: من ذخائرِ الجنَّة، وقال النَّوويُّ: أي: إنَّ قولها (٣) يُحَصِّل ثوابًا نفيسًا يُدَّخر لصاحبهِ في الجنَّة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) أي: لا تحوُّل (٤) للعبدِ عن معصيةِ الله إلَّا بعصمةِ الله، ولا قوَّة له على طاعةِ الله إلَّا بتوفيق الله، فهي -كما قال النَّوويُّ (٥) - كلمةُ استسلامٍ وتفويضٍ يشيرُ إلى أنَّ العبدَ لا يملكُ لنفسهِ شيئًا، وأنَّه لا قدرةَ له على دفعِ ضررٍ، ولا قوَّة له على جلبِ خيرٍ إلَّا بقدرةِ (٦) الله تعالى وإرادتهِ.
والحديث أخرجه في آخر «كتاب الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤].
(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكر فيه قوله ﷺ: (المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللهُ) بإسقاطِ ضمير المفعول (عَاصِمٌ) في قولهِ تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٧) [هود: ٤٣] أي: (مَانِعٌ) كذا فسَّره عكرمةُ فيما أخرجهُ الطَّبريُّ من طريقِ الحكم بن أبان، عنه.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر: ((سَدًا)) بألف بعد الدال المنوَّنة من (١) غيرِ تشديدٍ في الفرعِ كأصلهِ، وقال في «الفتح»: بالتَّشديد والألف، أي: (عَنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ) وهذا وصلهُ ابنُ أبي حاتم من طريقِ ورقاء عن ابنِ أبي نَجيحٍ عنه في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، ووصلهُ عبدُ بن حُميد من طريق شبل عن ابنِ (٢) أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولهِ تعالى: ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقِّ، وقد يتردَّدون، ورأيتُه في بعض النُّسخ: «سُدى» بتحتيَّةٍ بعد الدَّال مخففًا، وعليها شرح الكِرْمانيُّ. قال في «الفتح»: فزعم الكِرْمانيُّ أنَّه وقع هنا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا مُتردِّدًا في الضَّلالة، ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا اللَّفظ الَّذي أوردتُه، ولم أرَ في شيءٍ من التَّفاسير الَّتي تساق بالأسانيد لمجاهد (٣) في قولهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] كلامًا، ولم أرَ في قولهِ: «في الضَّلالة» في شيءٍ من المنقولِ بالسَّند عن مجاهدٍ. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال: هذا الكلام ينقضُ آخره أوَّله؛ لأنَّه قال أوَّلًا: ورأيته في بعض نسخ البخاريِّ: «سدى» بتخفيف الدَّال، ثمَّ قال: ولم أرَ في شيءٍ من نسخ البخاريِّ إلَّا الَّذي أوردتُه. ومع هذا فإنَّه لم يطَّلع على جميع النُّسخ؛ إذ لم يطَّلع (٤) إلَّا على النُّسخ الَّتي في مدينتهِ، وأمَّا النُّسخ الَّتي في كرمان وبلخ وخراسان فلا. وأجاب في «انتقاض الاعتراض» بأنَّ الَّذي نفى رؤيتَه قولُ الكِرْمانيِّ قولُه (٥): وقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] أي: مهملًا متردِّدًا في الضَّلالة، وأمَّا الَّذي ذكر أنَّه رآه في بعض النُّسخ فهو مجرَّد لفظ ﴿سُدًى﴾ بالتَّخفيف وبالتَّحتية آخره، فأين التَّناقض؟
(﴿دَسَّاهَا﴾) من قولهِ تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] قال مجاهدٌ فيما رواه الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابنِ أبي نَجيح، عنه: (أَغْوَاهَا) قال:
وأنْتَ الَّذِي دسَّسْتَ عَمْرًا فأَصْبَحتْ … حَلائلُهُ منْهُ أَرَامِلُ ضُيَّعا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الله عَنْهُمَا، قَالَ: نَهاى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ النذْرِ وَقَالَ: (لَا يَرُدُّ شَيْئاً وإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن النّذر يلقِي العَبْد إِلَى الْقدر وَلَا يرد شَيْئا، وَالْقدر هُوَ الَّذِي يعْمل عمله.
وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَعبد الله بن مرّة بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء الْهَمدَانِي يروي عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النذور عَن خَلاد بن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي النذور أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن مَنْصُور. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد.
قَوْله: (إِنَّه) أَي: إِن النّذر لَا يرد شَيْئا قيل: النّذر الْتِزَام قربَة فَلم يكن مَنْهِيّا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقرْبَة غير منهية لَكِن التزامها مَنْهِيّ، إِذْ رُبمَا لَا يقدر على الْوَفَاء، وَقيل: الصَّدَقَة ترد الْبلَاء وَهَذَا الْتِزَام الصَّدَقَة. وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم من رد الصَّدَقَة التزامها، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا بَاب غَرِيب من الْعلم وَهُوَ: أَن يُ نهى عَن الشَّيْء أَن يفعل، حَتَّى إِذا فعل وَقع وَاجِبا، وَفِي لفظ: إِنَّمَا يسْتَخْرج، دَلِيل على وجوب الْوَفَاء وَفِي (التَّوْضِيح) : النّذر ابْتِدَاء جَائِز، والمنهي عَنهُ الْمُعَلق، كَأَنَّهُ يَقُول: لَا أفعل خيرا يَا رب حَتَّى تفعل بِي خيرا، فَإِذا دخل فِيهِ فَعَلَيهِ الْوَفَاء.
٩٠٦٦ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا مَعَمرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يأْتِي ابنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قدْ قَدَّرْتُهُ، ولَكِنْ يلْقِيهِ القَدَرُ، وقَدْ قدَّرْتُهُ لهُ اسْتَخْرِج بِهِ مِنَ البَخِيلِ) .
قيل: لَا يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة. والمطابق أَن يَقُول: إِلْقَاء الْقدر العَبْد إِلَى النّذر، لِأَن لفظ الحَدِيث يلقيه الْقدر.
قلت: فِي رِوَايَة الْكشميهني: يلقيه النّذر، وَمن عَادَة البُخَارِيّ أَنه يترجم بِمَا ورد فِي بعض طرق الحَدِيث وَإِن لم يسق ذَلِك اللَّفْظ بِعَيْنِه، وَقد غفل عَمَّا فِي رِوَايَة الْكشميهني من الْمُطَابقَة فَلذَلِك ادّعى عدم الْمُطَابقَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: التَّرْجَمَة مَقْلُوبَة إِذْ الْقدر يلقِي العَبْد إِلَى النّذر لقَوْله: (يلقيه الْقدر) .
قلت: هما صادقان، إِذْ بِالْحَقِيقَةِ الْقدر هُوَ الْموصل وبالظاهر هُوَ النّذر، لَكِن كَانَ الأولى فِي التَّرْجَمَة الْعَكْس ليُوَافق الحَدِيث إلاّ أَن يُقَال إنَّهُمَا متلازمان. انْتهى.
قلت: لَو وقف الْكرْمَانِي أَيْضا على رِوَايَة الْكشميهني لما تكلّف فِيمَا تعسف.
وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الشختياني الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر هُوَ ابْن رَاشد، وَهَمَّام بن مُنَبّه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة.
والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (لَا يَأْتِي ابْن آدم) فَاعل: لَا يَأْتِي، النّذر، وَابْن آدم مَفْعُوله. وَهُوَ قريب من معنى قَوْله فِي الحَدِيث السَّابِق: إِنَّه لَا يرد شَيْئا قد وَقع. قَوْله: (لَا يَأْتِي) بِالْيَاءِ فِي الْأُصُول، وَفِي رِوَايَة أبي الْحسن: لَا يأتِ، بِدُونِ الْيَاء كَأَنَّهُ كتبه على الْوَصْل مثل قَوْله: {سَنَدع الزَّبَانِيَة} (العلق: ٨١) بِغَيْر وَاو. قَوْله: (لم يكن قدرته) صفة لقَوْله: بِشَيْء قَالَ الْكرْمَانِي: وَقدرته بِصِيغَة الْمُتَكَلّم، ويروى: قدر بِهِ، بِلَفْظ الْمَجْهُول الْغَائِب وَالْجَار وَالْمَجْرُور. قَوْله: (وَلَكِن يلقيه الْقدر) من الْإِلْقَاء، وَيُقَال: معنى، لم يكن قدرته، أما مَا قدرت عَلَيْهِ الشدَّة فيحملها عَنهُ وَالنّذر لَا يحل عَنهُ الشدَّة بنذره، وَيكون ذَلِك النّذر استخرجه من الْبَخِيل للشدة الَّتِي عرضت لَهُ. قَوْله: (وَلَكِن يلقيه الْقدر) من الْإِلْقَاء، وَقيل: بِالْفَاءِ وَالْقَاف. قَوْله: (استخرج) بِلَفْظ الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع.
٧ - (بابُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاّ بِاللَّه)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَمعنى: لَا حول لَا تَحْويل للْعَبد فِي مَعْصِيّة الله إلاّ بعصمة الله، وَلَا قُوَّة لَهُ على طَاعَة الله إِلَّا بِتَوْفِيق الله. وَقيل: معنى لَا حول لَا حِيلَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هِيَ كلمة استسلام وتفويض، وَأَن العَبْد لَا يملك من أمره شَيْئا لَيْسَ لَهُ حِيلَة فِي دفع شَرّ وَلَا قُوَّة فِي جلب خير إلَاّ بِإِرَادَة الله عز وَجل.
٠١٦٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبُو الحَسَنِ أخبرنَا عَبْدُ الله أخبرنَا خالِدٌ الحَذَّاءُ عنْ أبي عثْمانَ النَّهْدِيِّ عنْ أبي مُوسَى قَالَ: كُنّا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزاةٍ، فَجَعَلْنا لَا نَصْعَدُ شَرَقاً وَلَا نَعْلُو شَرَقاً وَلَا نَهْبِطُ فِي وادٍ إلاّ رَفَعْنا أصْوَاتَنا بالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنا مِنّا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: (يَا أيُّها النّاس أرْبَعُوا عَلَى أنْفُسِكُمْ، فإنَّكُم لَا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلَا غائِباً، إنَّما تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً) ثُمَّ قَالَ: (يَا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ! ألَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً هِيَ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَاّ بِاللَّه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك. وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.
وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الدَّعْوَات فِي: بَاب الدُّعَاء إِذا علا عقبَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى ... إِلَى آخِره، وَمضى أَيْضا فِي الْجِهَاد فِي: بَاب مَا يكره من رفع الصَّوْت فِي التَّكْبِير، أخرجه عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن عَاصِم عَن أبي عُثْمَان عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
قَوْله: (فِي غزَاة) هِيَ غَزْوَة خَيْبَر، والشرف الْموضع العالي. قَوْله: (أربعوا) بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: أرفقوا بِأَنْفُسِكُمْ واخفضوا أَصْوَاتكُم، يُقَال: ربع الرجل إِذا توقف وانحبس. قَوْله: (أَصمّ) ويروى: أصماً. قَوْله: (يَا عبد الله بن قيس) هُوَ اسْم أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَوْله: (هِيَ من كنوز الْجنَّة) يَعْنِي: أَن لَهُ ثَوابًا مدخراً نفيساً كالكنز فَإِنَّهُ من نفائس مدخراتكم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمَعْنى أَن قَوْلهَا يحصل ثَوابًا نفيساً مدخراً لصَاحبه فِي الْجنَّة.
٨ - (بابٌ المَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْمَعْصُوم من عصمَة الله بِأَن حماه عَن الْوُقُوع فِي الْهَلَاك، يُقَال: عصمه الله من الْمَكْرُوه وَقَاه وَحفظه، وَالْفرق بَين عصمَة الْمُؤمنِينَ وعصمة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، أَن عصمَة الْأَنْبِيَاء بطرِيق الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم بطرِيق الْجَوَاز.
عاصِمٌ: مانِعٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: {لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله} (هود: ٣٤) أَي لَا مَانع.
قَالَ مُجاهِدٌ: سُداً عنِ الحَقِّ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير سدًى فِي قَوْله عز وَجل: {أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى} (الْقِيَامَة: ٦٣) بقوله: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَة، وَقَالَ بَعضهم: سداً بتَشْديد الدَّال بعْدهَا ألف، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا من بَين أَيْديهم سداً} (يس: ٩) قَالَ: عَن الْحق، ثمَّ قَالَ: ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ: سدى، بتَخْفِيف الدَّال مَقْصُور، وَعَلِيهِ شرح الْكرْمَانِي ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته. انْتهى.
قلت: هَذَا كَلَام ينْقض آخِره أَوله، لِأَنَّهُ قَالَ أَولا، ورأيته فِي بعض نسخ البُخَارِيّ سدًى بتَخْفِيف الدَّال، ثمَّ قَالَ: وَلم أر فِي شَيْء من نسخ البُخَارِيّ إلَاّ الَّذِي أوردته، وَمَعَ هَذَا هُوَ لم يطلع على جَمِيع نسخ البُخَارِيّ، وَهَذَا لَا يتَصَوَّر إلَاّ بالتعسف فِي النّسخ الَّتِي فِي مدينته، وَأما النّسخ الَّتِي فِي بِلَاد كرمان وبلخ وخراسان فَمن أَيْن يتَصَوَّر لَهُ الِاطِّلَاع عَلَيْهِمَا؟
دَسَّاها أغْوَاها
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَقد خَابَ من دساها} (الشَّمْس: ٠١) بقوله: أغواها. وَأخرج الطَّبَرِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن حبيب بن ثَابت عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَوْله: دساها، قَالَ أَحدهمَا: أغواها، وَقَالَ الآخر: أضلها. وَقَالَ الْكرْمَانِي: مُنَاسبَة الْآيَتَيْنِ بالترجمة بَيَان أنّ من لم يعصمه الله كَانَ سدًى ومغوًى.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56