الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦١٣
الحديث رقم ٦٦١٣ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٢٦⦘
لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.»
بَابٌ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللهِ
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّمَمُ مُقَارَفَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ اللَّمَمِ أَوْ فِي حُكْمِ اللَّمَمِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ) أَيْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَوْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِكِتَابَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كُلُّ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْآدَمِيِّ فَهُوَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُلَامُ إِذَا وَاقَعَ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِحَجْبِ ذَلِكَ عَنْهُ وَتَمْكِينِهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ، فَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُجْبِرَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَهِيَ بِخِلَافِ الْمُلْجَأِ.
قَوْلُهُ: حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، إِطْلَاقُ الزِّنَا عَلَى اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَغَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، أَيْ: إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لِلنَّاظِرِ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: النُّطْقُ، بِضَمِّ النُّونِ بِغَيْرِ مِيمٍ فِي أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَمَنَّى.
قَوْلُهُ: وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْحُكْمُ بِمُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ، وَالتَّكْذِيبَ عَكْسُهُ، فَكَانَ الْفَرْجُ هُوَ الْمُوقِعُ أَوِ الْوَاقِعُ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْإِيقَاعَ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِهَا عَادَةً، فَيَكُونُ كِنَايَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَمَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَأَنَّهُ يُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فِي وَسَطِ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِغُفْرَانِ اللَّمَمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْجِ تَصْدِيقٌ بِهَا، فَإِذَا صَدَّقَهَا الْفَرْجُ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً. وَنَقَلَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّمَمَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: إِلَّا صَغَائِرَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ كِبَارِهَا، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا زِنًا لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِيهِ، فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مَجَازًا.
وَفِي قَوْلِهِ: وَالنَّفْسُ تَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ أَوْ يُكَذِّبُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الزِّنَا مَثَلًا وَيَشْتَهِيهِ فَلَا يُطَاوِعُهُ الْعُضْوُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ بِهِ، وَيُعْجِزُهُ الْحِيلَةُ فِيهِ وَلَا يَدْرِي لِذَلِكَ سَبَبًا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ لَمَا عَجَزَ عَنْ فِعْلِ مَا يُرِيدُهُ مَعَ وُجُودِ الطَّوَاعِيَةِ وَاسْتِحْكَامِ الشَّهْوَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُقَدِّرُهَا إِذَا شَاءَ وَيُعَطِّلُهَا إِذَا شَاءَ.
١٠ - بَاب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ مُسْتَوْفًى، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ مِنْ ذِكْرِ الْفِتْنَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ ﷾ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا وَقَدْ قَالَ مُوسَى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٠) (باب) قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾) ليلةَ المعراج (﴿إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]) أي: اختبارًا وامتحانًا، ولذا (١) ارتدَّ من استعظمَ ذلك، وبه تعلَّق من قال: كان الإسراءُ في المنامِ، ومن قال كان في اليقظةِ، فسَّر الرُّؤيا بالرُّؤية، وإنَّما سمَّاها رؤيا على قول المكذِّبين حيث قالوا: لعلَّها رؤيا رأيتَها؛ استبعادًا منهم لها (٢)، ويمكنُ أن يكون ههنا من بابِ المُشاكلة، أو هي أنَّه سيدخل (٣) مكَّة. والفتنة: الصَّدُّ بالحديبية، أو: أَراه مصارعَ القومِ بوقعة بدرٍ في منامه، فكان يقولُ حين ورد ماء بدرٍ: «والله لكأنِّي أنظرُ إلى مصارع القومِ، وهو يُومئ إلى الأرضِ، ويقول: هذا مصرعُ فلان».
٦٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه قال في تفسير قولهِ تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) أي: في طريقه (إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ) هذا من البخاريِّ، كما في «اليونينيَّة» وغيرها (٤) كمَا عندَ سعيدِ بن منصورٍ (قَالَ) ابن عبَّاس: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ).
فإن قلتَ: ليس في القرآنِ ذكرُ لعن شجرةِ الزَّقوم.
أُجيب بأنَّ المعنى والشَّجرة الملعون آكلوها وهم الكفرةُ؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] فوُصِفتْ بلعن أهلِها على المجازِ، ولأنَّ العربَ تقول لكلِّ طعامٍ مكروهٍ وضارٍّ ملعون، ولأنَّ اللَّعن هو الإبعادُ من الرَّحمة، وهي في أصل الجحيمِ، وفي أبعد مكانٍ من الرَّحمة.
ومطابقة الحديث لِمَا تُرجم له خفيَّة، لكن قال السَّفاقِسيُّ: وجه دخول هذا الحديثِ في «كتاب القدرِ» (١) الإشارة إلى أنَّ الله قدَّر على المشركين التَّكذيب لرؤيا نبيِّه الصَّادق، فكان ذلك زيادةً في طُغيانهم حيث قالوا: كيف يسيرُ إلى بيت المقدسِ في ليلةٍ واحدةٍ، ثمَّ يرجعُ فيها، وكذلك جعلَ الشَّجرة الملعونة زيادةً في طُغيانهم حيث قالوا (٢): كيف يكون في النَّار شجرة والنار تحرق الشَّجر؟ والجواب عن شبهتِهم: أنَّ الله خلقَ الشَّجرة المذكورة من جوهرٍ لا تأكلُه النَّار كخَزَنَتِها وحيَّاتِها وعقارِبها، وأحوالُ الآخرةِ لا تقاسُ بأحوال الدُّنيا.
والحديث مرَّ (٣) في «تفسير سورة الإسراء» [خ¦٤٧١٦]، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (تَحَاجَّ) بفتح الفوقية والمهملة وتشديد الجيم، وأصله: تحاججَ -بجيمين- أُدغمَتْ أولاهمَا في الأخرى (آدَمُ وَمُوسَى) عليهما الصلاة والسلام (عِنْدَ اللهِ) ﷿، والعنديَّة للاختصاص والتَّشريف لا عنديَّة مكانٍ كمَا لا يخفى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّمَمُ مُقَارَفَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ اللَّمَمِ أَوْ فِي حُكْمِ اللَّمَمِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ) أَيْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أَوْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِكِتَابَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كُلُّ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْآدَمِيِّ فَهُوَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يُلَامُ إِذَا وَاقَعَ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِحَجْبِ ذَلِكَ عَنْهُ وَتَمْكِينِهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ، فَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُجْبِرَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَهِيَ بِخِلَافِ الْمُلْجَأِ.
قَوْلُهُ: حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، إِطْلَاقُ الزِّنَا عَلَى اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَغَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، أَيْ: إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لِلنَّاظِرِ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: النُّطْقُ، بِضَمِّ النُّونِ بِغَيْرِ مِيمٍ فِي أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَمَنَّى.
قَوْلُهُ: وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْحُكْمُ بِمُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ، وَالتَّكْذِيبَ عَكْسُهُ، فَكَانَ الْفَرْجُ هُوَ الْمُوقِعُ أَوِ الْوَاقِعُ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْإِيقَاعَ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِهَا عَادَةً، فَيَكُونُ كِنَايَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَمَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَأَنَّهُ يُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فِي وَسَطِ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِغُفْرَانِ اللَّمَمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْجِ تَصْدِيقٌ بِهَا، فَإِذَا صَدَّقَهَا الْفَرْجُ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً. وَنَقَلَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّمَمَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: إِلَّا صَغَائِرَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ كِبَارِهَا، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا زِنًا لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِيهِ، فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مَجَازًا.
وَفِي قَوْلِهِ: وَالنَّفْسُ تَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ أَوْ يُكَذِّبُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الزِّنَا مَثَلًا وَيَشْتَهِيهِ فَلَا يُطَاوِعُهُ الْعُضْوُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ بِهِ، وَيُعْجِزُهُ الْحِيلَةُ فِيهِ وَلَا يَدْرِي لِذَلِكَ سَبَبًا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ لَمَا عَجَزَ عَنْ فِعْلِ مَا يُرِيدُهُ مَعَ وُجُودِ الطَّوَاعِيَةِ وَاسْتِحْكَامِ الشَّهْوَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُقَدِّرُهَا إِذَا شَاءَ وَيُعَطِّلُهَا إِذَا شَاءَ.
١٠ - بَاب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ مُسْتَوْفًى، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ مِنْ ذِكْرِ الْفِتْنَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ ﷾ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا وَقَدْ قَالَ مُوسَى ﵇: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ الِاخْتِبَارُ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٠) (باب) قوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾) ليلةَ المعراج (﴿إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]) أي: اختبارًا وامتحانًا، ولذا (١) ارتدَّ من استعظمَ ذلك، وبه تعلَّق من قال: كان الإسراءُ في المنامِ، ومن قال كان في اليقظةِ، فسَّر الرُّؤيا بالرُّؤية، وإنَّما سمَّاها رؤيا على قول المكذِّبين حيث قالوا: لعلَّها رؤيا رأيتَها؛ استبعادًا منهم لها (٢)، ويمكنُ أن يكون ههنا من بابِ المُشاكلة، أو هي أنَّه سيدخل (٣) مكَّة. والفتنة: الصَّدُّ بالحديبية، أو: أَراه مصارعَ القومِ بوقعة بدرٍ في منامه، فكان يقولُ حين ورد ماء بدرٍ: «والله لكأنِّي أنظرُ إلى مصارع القومِ، وهو يُومئ إلى الأرضِ، ويقول: هذا مصرعُ فلان».
٦٦١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بفتح العين، ابن دينار (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه قال في تفسير قولهِ تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ) بضم الهمزة وكسر الراء من الإراءة (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) أي: في طريقه (إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ) هذا من البخاريِّ، كما في «اليونينيَّة» وغيرها (٤) كمَا عندَ سعيدِ بن منصورٍ (قَالَ) ابن عبَّاس: (﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ).
فإن قلتَ: ليس في القرآنِ ذكرُ لعن شجرةِ الزَّقوم.
أُجيب بأنَّ المعنى والشَّجرة الملعون آكلوها وهم الكفرةُ؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] فوُصِفتْ بلعن أهلِها على المجازِ، ولأنَّ العربَ تقول لكلِّ طعامٍ مكروهٍ وضارٍّ ملعون، ولأنَّ اللَّعن هو الإبعادُ من الرَّحمة، وهي في أصل الجحيمِ، وفي أبعد مكانٍ من الرَّحمة.
ومطابقة الحديث لِمَا تُرجم له خفيَّة، لكن قال السَّفاقِسيُّ: وجه دخول هذا الحديثِ في «كتاب القدرِ» (١) الإشارة إلى أنَّ الله قدَّر على المشركين التَّكذيب لرؤيا نبيِّه الصَّادق، فكان ذلك زيادةً في طُغيانهم حيث قالوا: كيف يسيرُ إلى بيت المقدسِ في ليلةٍ واحدةٍ، ثمَّ يرجعُ فيها، وكذلك جعلَ الشَّجرة الملعونة زيادةً في طُغيانهم حيث قالوا (٢): كيف يكون في النَّار شجرة والنار تحرق الشَّجر؟ والجواب عن شبهتِهم: أنَّ الله خلقَ الشَّجرة المذكورة من جوهرٍ لا تأكلُه النَّار كخَزَنَتِها وحيَّاتِها وعقارِبها، وأحوالُ الآخرةِ لا تقاسُ بأحوال الدُّنيا.
والحديث مرَّ (٣) في «تفسير سورة الإسراء» [خ¦٤٧١٦]، وأخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (تَحَاجَّ) بفتح الفوقية والمهملة وتشديد الجيم، وأصله: تحاججَ -بجيمين- أُدغمَتْ أولاهمَا في الأخرى (آدَمُ وَمُوسَى) عليهما الصلاة والسلام (عِنْدَ اللهِ) ﷿، والعنديَّة للاختصاص والتَّشريف لا عنديَّة مكانٍ كمَا لا يخفى.