الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٦٢
الحديث رقم ٧١٦٢ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الشهادة على الخط المختوم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ وَقَالَ الْحَسَنُ أَخَذَ اللهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ثُمَّ قَرَأَ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ وَقَرَأَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ اسْتُودِعُوا ﴿مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَقَرَأَ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ أَنْ يَكُونَ فَهِمًا حَلِيمًا عَفِيفًا صَلِيبًا عَالِمًا سَؤُولًا عَنِ الْعِلْمِ.
بَابُ رِزْقِ الْحُكَّامِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا.
وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ
٧١٦٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧١٦٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ، وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْمَحْكُومِ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ كَافٍ أَيِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَمُرَادُهُ هَلْ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ أَيْ بِأَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ، وَقَيَّدَ بِالْمَخْتُومِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ التَّزْوِيرِ عَلَى الْخَطِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِ) يُرِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ عَلَى التَّعْمِيمِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، بَلْ لَا يُمْنَعُ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ، وَلَا يُعْمَلُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّزْوِيرُ فَيَكُونُ جَائِزًا بِشُرُوطٍ.
قَوْلُهُ: (وَكِتَابُ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي) يُشِيرُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ وَلَمْ يُجِزْهَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَكِتَابِ الْحَاكِمِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَنْ قَالَهُ وَالْبَحْثُ مَعَهُ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حُجَّةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَاضِحَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُجِزِ الْكِتَابَ بِالْقَتْلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَالًا بَعْدَ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَالْعَمْدُ أَيْضًا رُبَّمَا آلَ إِلَى الْمَالِ فَاقْتَضَى النَّظَرُ التَّسْوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الْحُدُودِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْجَارُودِ بِجِيمٍ خَفِيفَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ مَضْمُومَةٌ وَهُوَ ابْنُ الْمُعَلَّى، وَيُقَالُ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ، وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ بِشْرًا وَالْجَارُودُ لَقَبُهُ، وَكَانَ الْجَارُودُ الْمَذْكُورُ قَدْ أَسْلَمَ وَصَحِبَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَكَانَ بِهَا، وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَامِلِ عُمَرَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ، قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ فَقَدِمَ الْجَارُودُ سَيِّدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ قُدَامَةَ شَرِبَ فَسَكِرَ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى قُدَامَةَ فِي ذَلِكَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا فِي قُدُومِ قُدَامَةَ وَشَهَادَةِ الْجَارُودِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ، وَفِي احْتِجَاجِ قُدَامَةَ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَفِي رَدِّ عُمَرَ عَلَيْهِ وَجَلْدِهِ الْحَدَّ وَسَنَدُهَا صَحِيحٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْحُدُودِ، وَنُزُولِ الْجَارُودِ الْبَصْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ عِشْرِينَ.
قَوْلُهُ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ زُرَيْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كِتَابًا أَجَازَ فِيهِ شَهَادَةَ رَجُلٍ عَلَى سِنٍّ كُسِرَتْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عُرِفَ الْكِتَابُ وَالْخَاتَمُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِي) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ قَالَ: كَانَ عَامِرٌ يَعْنِي الشَّعْبِيَّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ يَجِيئُهُ مِنَ الْقَاضِي وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا يَشْهَدُ وَلَوْ عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ حَتَّى يَذْكُرَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ إِذَا كَانَ مِنَ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي وَالثَّانِي فِي حَقِّ الشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ (وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ) قُلْتُ: لَمْ يَقَعْ لِي هَذَا الْأَثَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَى الْآنَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالضَّالِّ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَلَامٍ ثَقِيلَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَلَّ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ؛ قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مُعَمِّرًا
أَدْرَكَ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ، وَقَدْ وَصَلَ أَثَرَهُ هَذَا وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (شَهِدْتُ) أَيْ حَضَرْتُ (عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ) هُوَ اللَّيْثِيُّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لَمَّا وَلِيَ إِمَارَتَهَا مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَأَرَّخَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ سَنَةَ مِائَةٍ فَوَهِمَ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا قَبْلَ الْحَسَنِ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالصَّوَابُ بَعْدَ الْحَسَنِ، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ هُوَ الَّذِي وَلَّاهُ، وَمَاتَ عَلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمِائَةِ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَيُقَالُ بَلْ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَعَزَلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَوَلَّى ثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ (وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ الْمُزَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالذَّكَاءِ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَّاهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَامِلُ عُمَرَ عَلَيْهَا بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْكَرَابِيسِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَيْسِيُّ قَالَ: قَالُوا لِإِيَاسٍ لَمَّا امْتَنَعَ مِنَ الْوِلَايَةِ: يَا أَبَا وَاثِلَةَ اخْتَرْ لَنَا، قَالَ: لَا أَتَقَلَّدُ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: لَوْ وَجَدْتَ رَجُلًا تَرْضَاهُ أَكُنْتَ تُشِيرُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ وَتَرْضَى لَهُ أَنْ يَلِيَ إِذَا كَانَ رِضًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: فَإِنَّكَ خِيَارٌ، رِضًا، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى وَلِيَ. قُلْتُ: ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فَرَكِبَ إِيَاسٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَبَادَرَ عَدِيٌّ فَوَلَّى الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ الْقَضَاءَ، فَكَتَبَ عُمَرُ يُنْكِرُ عَلَى عَدِيٍّ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ إِيَاسٌ وَيُوَفِّقُ صُنْعَهُ فِي تَوْلِيَةِ الْحَسَنِ الْقَضَاءَ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَمَاتَ إِيَاسٌ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَسَنَ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ، وَكَانَ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ مُدَّةً لَطِيفَةً وَلَّاهُ عَدِيٌّ أَمِيرُهَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَمَاتَ الْحَسَنُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ) هُوَ الرَّاوِي الْمَشْهُورُ، وَكَانَ تَابِعِيًّا ثِقَةً، نَابَ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ أَيْضًا فِي أَوَائِلِ خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَّاهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ، وَعَزَلَهُ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَلَّى بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ، وَمَاتَ ثُمَامَةُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) أَيِ ابْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ صَدِيقَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لَمَّا وَلِيَ إِمْرَتَهَا مِنْ قِبَلِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الشُّرُطَةَ، فَكَانَ أَمِيرًا قَاضِيًا، وَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا إِلَى أَنْ قَتَلَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ لَمَّا وَلِيَ الْإِمْرَةَ بَعْدَ خَالِدٍ، وَعَذَّبَ خَالِدًا وَعُمَّالَهُ وَمِنْهُمْ بِلَالٌ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ مَاتَ فِي حَبْسِ يُوسُفَ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا فِي أَحْكَامِهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ أنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَخْتَصِمَانِ إِلَيَّ فَأَجِدُ أَحَدَهُمَا أَخَفَّ عَلَى قَلْبِي فَأَقْضِي لَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ.
قَوْلُهُ (وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ وَلِيَ قَضَاءَ مَرْوَ بَعْدَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، إِلَى أَنْ مَاتَ وَهُوَ عَلَى قَضَائِهَا سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَذَلِكَ فِي وِلَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ عَلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ أَخُو خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْخَصِيبِ هَذَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَامِرَ بْنَ عَبْدَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ بِسُكُونِهَا؛ ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا عَبِيدَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ، وَجَمِيعُ مَنْ فِي الْبُخَارِيِّ بِالسُّكُونِ إِلَّا بَجَالَةَ بْنَ عَبَدَةَ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ بِالتَّحْرِيكِ، وَعَامِرٌ هُوَ الْبَجَلِيُّ أَبُو إِيَاسٍ الْكُوفِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ التَّابِعِينَ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى عَنْهُ الْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَكَانَ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ مَرَّةً وَعَمَّرَ.
قَوْلُهُ (وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ) أَيِ النَّاجِيُّ
بِالنُّونِ وَالْجِيمِ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ بَصْرِيٌّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا وَلِيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَلَّاهُ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَلَمَّا عُزِلَ وَوَلِيَ مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَزَلَهُ وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ بْنَ عَمْرٍو، ثُمَّ اسْتَعْفَى فَأَعْفَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَعَادَ عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَكَانَ عَبَّادٌ يُرْمَى بِالْقَدَرِ وَيُدَلِّسُ فَضَعَّفُوهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ تَغَيَّرَ، وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ: (يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ إِلَخْ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ أَطْلُبُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ، إِمَّا بِالْقَدْحِ فِي الْبَيِّنَةِ بِمَا يُقْبَلُ فَتَبْطُلُ الشَّهَادَةُ، وَإِمَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَشْهُودِ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَاضِي الْكُوفَةِ وَإِمَامُهَا، وَلِيَهَا فِي زَمَنِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ صَدُوقٌ، اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ مِنْ قِبَلِ سُوءِ حِفْظِهِ. وَقَالَ السَّاجِيُّ: كَانَ يُمْدَحُ فِي قَضَائِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: فِقْهُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثِهِ. وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ أَنْ يُعَلِّمَ لَهُ فِي التَّهْذِيبِ عَلَامَةَ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا أَغْفَلَ أَنْ يُتَرْجِمَ لِسَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ أَعْلَمُ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُنَا مِمَّنْ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ شَيْئًا مَوْصُولًا.
قَوْلُهُ: (وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ الْعَنْبَرِيُّ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: كَانَ فَقِيهًا، وَلَّاهُ الْمَنْصُورُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَبَقِيَ عَلَى قَضَائِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، وَحَفِيدُهُ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلِيَ قَضَاءَ الرُّصَافَةِ بِبَغْدَادَ وَالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ مُحْرِزٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ هُوَ كُوفِيٌّ، مَا رَأَيْتُ لَهُ رَاوِيًا غَيْرَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْأَثَرِ، وَلَمْ يَزِدِ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْأَثَرُ.
قَوْلُهُ (جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ) أَيِ ابْنِ مَالِكٍ التَّابِعِيِّ الْمَشْهُورِ، وَكَانَ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ فِي وِلَايَةِ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ الثَّقَفِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَدِيثُهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: مَاتَ بَعْدَ أَخِيهِ النَّضْرِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ النَّضْرِ قَبْلَ وَفَاةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَسْعُودِيَّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: ثِقَةٌ وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ لَا يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا وَهُوَ تَابِعِيٌّ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: لَمْ يَلْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ (فَأَجَازَهُ) بِجِيمٍ وَزَايٍ أَيْ أَمْضَاهُ وَعَمِلَ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ: يُشْتَرَطُ فِي قَوْلِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنْ يَشْهَدَ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي شَاهِدَانِ عَدْلَانِ، وَلَا تَكْفِي مَعْرِفَةُ خَطِّ الْقَاضِي وَخَتْمِهِ، وَحَكَى عَنِ الْحَسَنِ، وَسَوَّارٍ، وَالْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ قَبِلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. قُلْتُ: وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَوَّارٍ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ الْبَيِّنَةَ، وَيَنْضَمُّ إِلَى مَنْ ذَكَرَهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرَهُمُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ هُوَ الْجَرْمِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْهَدَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيِ الشَّاهِدُ.
قَوْلُهُ (عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا) أَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ
عَنْهُ قَالَ: لَا تَشْهَدْ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى تُقْرَأَ عَلَيْكَ، وَلَا تَشْهَدْ عَلَى مَنْ لَا تَعْرِفُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي قِلَابَةَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: اشْهَدُوا عَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: لَا حَتَّى يُعْلَمَ مَا فِيهَا زَادَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا. وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ وَافَقَ الدَّاوُدِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هَذَا الْقَوْلَ فَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْرِفَ مَا فِيهَا. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهَا إِذَا كَانَ فِيهَا جَوْرٌ لَمْ يَمْنَعِ التَّحَمُّلَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهِ إِذَا أَوْجَبَ حُكْمُ الشَّرْعِ رَدَّهُ، وَمَا عَدَاهُ يَعْمَلُ بِهِ فَلَيْسَ خَشْيَةُ الْجَوْرِ فِيهَا مَانِعًا مِنَ التَّحَمُّلِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ الْجَهْلُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: وَوَجْهُ الْجَوْرِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَرْغَبُ فِي إِخْفَاءِ أَمْرِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَمُوتَ فَيَحْتَاطُ بِالْإِشْهَادِ، وَيَكُونُ حَالُهُ مُسْتَمِرًّا عَلَى الْإِخْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِلَخْ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي قِصَّةِ حُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ وَقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدِّيَاتِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ وَيَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظِ فِي بَابِ كِتَابَةِ الْحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ بَعْدَ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ بَابًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنَ السِّتْرِ) أَيْ مِنْ وَرَائِهِ.
قَوْلُهُ (إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَرَاهَا حَالَةَ الْإِشْهَادِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَهَا بِأَيِّ طَرِيقٍ فُرِضَ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ أُشِيرُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ) كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ الطَّوِيلِ الْمُذْكُورِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْقَائِلِ بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (فَاتَّخَذَ خَاتَمًا إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ اللِّبَاسِ، وَجُمْلَةُ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بِآثَارِهَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، وَكِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا فِي الْكِتَابِ.
وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ جَوَازُ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ لِلشَّاهِدِ إِذَا رَأَى خَطَّهُ إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا فَلَا يَشْهَدْ، فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ انْتَقَشَ خَاتَمًا وَمَنْ شَاءَ كَتَبَ كِتَابًا، وَقَدْ فُعِلَ مِثْلُهُ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ فِي قِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وَأَجَازَ مَالِكٌ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ، وَنَقَلَ ابْنُ شَعْبَانَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا آخُذُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: خَالَفَ مَالِكًا جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَعَدُّوا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ شُذُوذًا، لِأَنَّ الْخَطَّ قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَلَيْسَتْ شَهَادَةً عَلَى قَوْلٍ مِنْهُ وَلَا مُعَايَنَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ خَطَأٌ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ قَذَفَ: لَا يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِهِ إِلَّا أنْ أَشْهَدَهُ. قَالَ: فَالْخَطُّ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا وَأَضْعَفُ، قَالَ: وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِشْهَادُ الْمَوْتَى، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُقْضَى فِي دَهْرِنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا ضُرُوبًا مِنَ الْفُجُورِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقَضِيَةٌ عَلَى نَحْوِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ. وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى يُجِيزُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى خَاتَمِ الْقَاضِي، ثُمَّ رَأَى مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ جَمَاعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ تُوَافِقُ الْجُمْهُورَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لَهُ: أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ قَوْمٌ لَا نَظَرَ لَهُمْ، فَإِنَّ الْكُتَّابَ يُشَبِّهُونَ الْخَطَّ بِالْخَطِّ حَتَّى يُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمِهِمْ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فَكَيْفَ بِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَهُمْ أَكْثَرُ مُسَارَعَةً إِلَى الشَّرِّ مِمَّنْ مَضَى وَأَدَقُّ نَظَرًا فِيهِ
وَأَكْثَرُ هُجُومًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفُوا فِي كُتُبِ الْقُضَاةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْجَوَازِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْحُدُودَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ قَوِيٌّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَتْلِ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ الْقُضَاةِ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ إِجَازَةِ ذَلِكَ حُجَّتُهُمْ فِيهِ ظَاهِرَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى الْمُلُوكِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ أَحَدًا عَلَى كِتَابِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَوَّارٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنَ اشْتِرَاطِ الشُّهُودِ لِمَا دَخَلَ النَّاسُ مِنَ الْفَسَادِ فَاحْتِيطَ لِلدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ إِجَازَةُ الْخَوَاتِيمِ حَتَّى أَنَّ الْقَاضِيَ لَيَكْتُبُ لِلرَّجُلِ الْكِتَابَ، فَمَا يَزِيدُ عَلَى خَتْمِهِ فَيُعْمَلُ بِهِ، حَتَّى اتُّهِمُوا فَصَارَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّالِثُ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي شَاهِدَيْنِ عَلَى مَا كَتَبَهُ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَرَّفَهُمَا بِمَا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ قَالَ: وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كِتَابُهُ فَالْغَرَضُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إِلَيْهِ، وَقَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ أُمُورِ النَّاسِ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَهُ كُلُّ أَحَدٍ كَالْوَصِيَّةِ إِذَا ذَكَرَ الْمُوصِي مَا فَرَّطَ فِيهِ مَثَلًا. قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَخْتُومَةِ وَعَلَى الْكِتَابِ الْمَطْوِيِّ، وَيَقُولَانِ لِلْحَاكِمِ: نَشْهَدُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ كُتُبُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى عُمَّالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَهَا عَلَى مَنْ حَمَلَهَا، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الْكِتَابَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا فَالْحُجَّةُ بِمَا فِيهِ قَائِمَةٌ لِكَوْنِهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ الْخَاتَمَ لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الْكِتَابَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَخْتُومًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي حُجَّةٌ مَخْتُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ كَأَنْ يَرَى الْقَاضِي خَطَّهُ بِالْحُكْمِ فَيَطْلُبُ مِنْهُ الْمَحْكُومُ لَهُ الْعَمَلَ بِهِ، فَالْأَكْثَرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْوَاقِعَةَ كَمَا فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِي حِرْزِ الْحَاكِمِ أَوِ الشَّاهِدِ مُنْذُ حُكِمَ فِيهِ أَوْ تَحَمَّلَ إِلَى أَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْحُكْمُ أَوِ الشَّهَادَةُ جَازَ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ سَاغَ لَهُ الْحُكْمُ وَالشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ، وَالْأَوْسَطُ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَجَّحَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّارِحُ لِمَقْصُودِ الْبَابِ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْخَطِّ بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الرُّومِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مَضْمُونَ الْكِتَابِ دُعَاؤُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ قَدِ اشْتَهَرَ لِثُبُوتِ الْمُعْجِزَةِ وَالْقَطْعِ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ إِنَّمَا يُفِيدُ ظَنًّا، وَالْإِسْلَامُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ إِجْمَاعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ حَصَلَ بِمَضْمُونِ الْخَطِّ مَقْرُونًا بِالتَّوَاتُرِ السَّابِقِ عَلَى الْكِتَابِ، فَكَانَ الْكِتَابُ كَالتَّذْكِرَةِ وَالتَّوْكِيدِ فِي الْإِنْذَارِ، مَعَ أَنَّ حَامِلَ الْكِتَابِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهِ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْعُمْدَةَ عَلَى أَمْرِهِ الْمَعْلُومِ مَعَ قَرَائِنِ الْحَالِ الْمُصَاحِبَةُ لِحَامِلِ الْكِتَابِ، وَمَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مَفْرُوضَةٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَبَيْنَ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي أَنَّ الْقَائِلَ بِالْأَوَّلِ أَقَلُّ مِنَ الْقَائِلِ بِالثَّانِي تَطَرُّقُ الِاحْتِمَالِ فِي الْأَوَّلِ وَنُدُورهُ فِي الثَّانِي لِبُعْدِ احْتِمَالِ التَّزْوِيرِ عَلَى الْقَاضِي، وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ تُمْكِنُ الْمُرَاجَعَةُ، وَلِذَلِكَ شَاعَ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا بَيْنَ الْقُضَاةِ وَنُوَّابِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٦ - بَاب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَلَا يَخْشَوْا النَّاسَ، وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * بِمَا سْتُحْفِظُوا﴾ اسْتُوْدِعُوا ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية، وَقَرَأَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا، فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خطة كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: أَنْ يَكُونَ فَهِمًا، حَلِيمًا، عَفِيفًا، صَلِيبًا، عَالِمًا، سَئُولًا عَنْ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ)؟ أَيْ مَتَى يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ آدَابِ الْقَضَاءِ لَهُ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ سَلَفَ خِلَافًا أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ بَانَ فَضْلُهُ وَصِدْقُهُ وَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ، قَارِئًا لِكِتَابِ اللَّهِ، عَالِمًا بِأَكْثَرِ أَحْكَامِهِ، عَالِمًا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ حَافِظًا لِأَكْثَرِهَا، وَكَذَا أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، عَالِمًا بِالْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ وَأَقْوَالِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ يَتَّبِعُ فِي النَّوَازِلِ الْكِتَابَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالسُّنَنُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَمِلَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَمَا وَجَدَهُ أَشْبَهَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ بِفَتْوَى أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ، وَيَكُونُ كَثِيرَ الْمُذَاكَرَةِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمُشَاوَرَةِ لَهُمْ مَعَ فَضْلٍ وَوَرَعٍ، وَيَكُونُ حَافِظًا لِلِسَانِهِ وَبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ، فَهِمًا بِكَلَامِ الْخُصُومِ، ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مَائِلًا عَنِ الْهَوَى ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يَجْمَعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا يَكْفِي فِي اسْتِحْبَابِ الْقَضَاءِ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، بَلْ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مَالِكٍ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا عَاقِلًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ فَعَقْلٌ وَوَرَعٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْوَرَعِ يَقِفُ وَبِالْعَقْلِ يَسْأَلُ، وَهُوَ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ وَجَدَهُ، وَإِذَا طَلَبَ الْعَقْلَ لَمْ يَجِدْهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا، وَالْأَصْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَالْقَاضِي لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ إِلَّا غَنِيًّا؛ لِأَنَّ غِنَاهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاحْتَاجَ كَانَ تَوْلِيَةُ مَنْ يَكُونُ غَنِيًّا أَوْلَى مِنْ تَوْلِيَةِ مَنْ يَكُونُ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَظِنَّةِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِتَنَاوُلِ مَا لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَانَهُ هَذَا الَّذِي صَارَ مَنْ يَطْلُبُ الْقَضَاءَ فِيهِ يُصَرِّحُ بِأَنَّ سَبَبَ طَلَبِهِ الِاحْتِيَاجُ إِلَى مَا يَقُومُ بِأَوَدِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ فِي الْقَاضِي إِلَّا عَنِ
الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَثْنَوُا الْحُدُودَ، وَأَطْلَقَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أُمُورَهُمُ امْرَأَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِي يَحْتَاجُ إِلَى كَمَالِ الرَّأْيِ، وَرَأْيُ الْمَرْأَةِ نَاقِصٌ وَلَا سِيَّمَا فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ (أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ) وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ - إِلَى - ﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قُلْتُ: فَأَرَادَ مِنْ آيَةِ (يَا دَاوُدُ) قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَأَرَادَ مِنْ آيَةِ الْمَائِدَةِ: بَقِيَّةَ مَا ذُكِرَ، وَأَطْلَقَ عَلَى هَذِهِ الْمَنَاهِي أَمْرًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، فَفِي النَّهْيِ عَنِ الْهَوَى أَمْرٌ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ خَشْيَةِ النَّاسِ أَمْرٌ بِخَشْيَةِ اللَّهِ، وَمِنْ لَازِمِ خَشْيَةِ اللَّهِ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ آيَاتِهِ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ الثَّمَنُ بِالْقِلَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِوَضِ، فَإِنَّهُ أَغْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا: اسْتُوْدِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْآيَةَ) ثَبَتَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِمَا اسْتُودِعُوا، اسْتَحْفَظْتُهُ كَذَا اسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ) أَيِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الْمَذْكُورُ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إِلَى آخِرِهَا رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظِ الْمَعْرُوفِ بِمُرَبَّعٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ وَزْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ هُوَ عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَذَكَرَهُ، وَمَعْنَى أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ عَهِدَ إِلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ) يَعْنِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَقَوْلُهُ لَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَرَوَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا يَعْنِي لِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَتَانِ الْمَاضِيَتَانِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ كَافِرٌ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَشْمَلُ الْعَامِدَ وَالْمُخْطِئَ، فَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قِصَّةِ الْحَرْثِ أَنَّ الْوَعِيدَ خَاصٌّ بِالْعَامِدِ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ؛ أَيْ بِسَبَبِ عِلْمِهِ أَيْ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ وَجْهَ الْحُكْمِ وَالْحُكْمَ بِهِ، وَعَذَرَ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَرُوِّينَا بَعْضَهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَفِي الْمُجَالَسَةِ لِأَبِي بَكْرٍ الدِّينَوَرِيِّ وَفِي أَمَالِي الصُّولِيِّ جَمِيعًا يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ الْحَسَنِ عَلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ اسْتُقْضِيَ قَالَ: فَبَكَى إِيَاسٌ وَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ - يَعْنِي الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ الْمَذْكُورَ - يَقُولُونَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ مَالَ مَعَ الْهَوَى فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ فِيمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ سُلَيْمَانَ مَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا وَقَرَأَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿شَاهِدِينَ﴾ قَالَ: فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ لِصَوَابِهِ وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُدَ لِخَطَئِهِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى الْحُكَّامِ عَهْدًا بِأَنْ لَا يَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا وَلَا يَتَّبِعُوا فِيهِ الْهَوَى وَلَا يَخْشَوْا فِيهِ أَحَدًا، ثُمَّ تَلَا: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِيَاسٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَلَكِنْ عِنْدَهُمُ الثَّالِثُ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ وَلَا يَنْتَظِرَ نُزُولَ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ دَاوُدَ ﵇ عَلَى مَا وَرَدَ اجْتَهَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَضَى فِيهَا بِالْوَحْيِ مَا خَصَّ اللَّهُ سُلَيْمَانَ بِفَهْمِهَا دُونَهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ مَنْ أَجَازَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِهِ؟ فَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ
ذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يُقَرَّ عَلَى الْخَطَأِ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ الِاجْتِهَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَاوُدَ اجْتَهَدَ وَلَا أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا ظَاهِرُهَا أَنَّ الْوَاقِعَةَ اتَّفَقَتْ فَعُرِضَتْ عَلَى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فَقَضَى فِيهَا سُلَيْمَانُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ فَهَّمَهُ حُكْمَهَا، وَلَمْ يَقْضِ فِيهَا دَاوُدُ بِشَيْءٍ، وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ النَّقْلِ فِي صُورَةِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. وَقَدْ تَضَمَّنَ أَثَرُ الْحَسَنِ الْمَذْكُورُ أَنَّهُمَا جَمِيعًا حَكَمَا.
وَقَدْ تَعَقَّبَ ابْنُ الْمُنِيرِ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُدَ بِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لَحِقَ دَاوُدَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فَجَمَعَهُمَا فِي الْحُكْمِ وَالْعِلْمِ، وَمَيَّزَ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ، وَهُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ زَادَ عَلَى الْعَامِّ بِفَصْلِ الْخُصُومَةِ. قَالَ: وَالْأَصَحُّ فِي الْوَاقِعَةِ أَنَّ دَاوُدَ أَصَابَ الْحُكْمَ وَسُلَيْمَانَ أَرْشَدَ إِلَى الصُّلْحِ، وَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أَنْ يَكُونَ عَامًّا أَوْ فِي وَاقِعَةِ الْحَرْثِ فَقَطْ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ أَثْنَى عَلَى دَاوُدَ فِيهَا بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ عُذْرِ الْمُجْتَهِدِ إِذَا أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَيْسَ حُكْمًا وَلَا عِلْمًا وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ غَيْرُ مُصِيبٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْوَاقِعَةِ فَلَا يَكُونُ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ بِخُصُوصِهَا عَنْ دَاوُدَ بِإِصَابَةٍ وَلَا خَطَأٍ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَفْهِيمِ سُلَيْمَانَ وَمَفْهُومُهُ لَقَبٌ وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ ضَعِيفٌ، فَلَا يُقَالُ: فَهِمَهَا سُلَيْمَانُ دُونَ دَاوُدَ، وَإِنَّمَا خُصَّ سُلَيْمَانُ بِالتَّفْهِيمِ لِصِغَرِ سِنِّهِ فَيُسْتَغْرَبُ مَا يَأْتِي بِهِ.
قُلْتُ: وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا نُقِلَ فِي الْقِصَّةِ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ كَانَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ حَمِدَ سُلَيْمَانَ أَيْ لِمُوَافَقَتِهِ الطَّرِيقَ الْأَرْجَحَ وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُدَ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّاجِحِ، وَقَدْ وَقَعَ لِعُمَرَ ﵁ قَرِيبٌ مِمَّا وَقَعَ لِسُلَيْمَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا لَهُ نَمَاءٌ وَدُيُونًا، فَأَرَادَ أَصْحَابُ الدُّيُونِ بَيْعَ الْمَالِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ لَهُمْ، فَاسْتَرْضَاهُمْ عُمَرُ بِأَنْ يُؤَخِّرُوا التَّقَاضِيَ حَتَّى يَقْبِضُوا دُيُونَهُمْ مِنَ النَّمَاءِ، وَيَتَوَفَّرَ لِأَيْتَامِ الْمُتَوَفَّى أَصْلُ الْمَالِ، فَاسْتُحْسِنَ ذَلِكَ مِنْ نَظَرِهِ.
وَلَوْ أَنَّ الْخُصُومَ امْتَنَعُوا لَمَا مَنَعَهُمْ مِنَ الْبَيْعِ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُمْكِنُ تَنْزِيلُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْحَرْثِ وَالْغَنَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ شَرْحُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخَذَ الذِّئْبُ ابْنَ إِحْدَاهُمَا وَاخْتِلَافُ حُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي ذَلِكَ، وَتَوْجِيهُ حُكْمِ دَاوُدَ بِمَا يَقْرُبُ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَوَقَعَتْ لَهُمَا قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشُّهُودِ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي اتُّهِمَتْ بِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهَا، فَشَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ دَاوُدُ بِرَجْمِهَا، فَعَمَدَ سُلَيْمَانُ وَهُوَ غُلَامٌ فَصَوَّرَ مِثْلَ قِصَّتِهَا بَيْنَ الْغِلْمَانِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الشُّهُودِ وَامْتَحَنَهُمْ فَتَخَالَفُوا فَدَرَأَ عَنْهَا، وَوَقَعَتْ لَهُمَا رَابِعَةٌ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صُبَّ فِي دُبُرِهَا مَاءُ الْبَيْضِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا زَنَتْ فَأَمَرَ دَاوُدُ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يُشْوَى ذَلِكَ الْمَاءُ فَإِنِ اجْتَمَعَ فَهُوَ بَيْضٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَنِيٌّ، فَشُوِيَ فَاجْتَمَعَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا نَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ أَيْ رَعَتْ لَيْلًا، فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لَهُمْ، فَمَرُّوا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَا، وَلَكِنْ أَقْضِي بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْغَنَمَ فَيَكُونَ لَهُمْ لَبَنُهَا وَصُوفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا وَيَقُومُ هَؤُلَاءِ عَلَى حَرْثِهِمْ، حَتَّى إِذَا عَادَ كَمَا كَانَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ غَنَمَهُمْ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيِّنٌ فَقَالَ: فِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: قَضَى دَاوُدُ أَنْ يَأْخُذُوا الْغَنَمَ، فَفَهَّمَهَا اللَّهُ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: خُذُوا الْغَنَمَ فَلَكُمْ مَا خَرَجَ مِنْ رَسَلِهَا وَأَوْلَادِهَا وَصُوفِهَا إِلَى الْحَوْلِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَعْطَاهُمْ دَاوُدُ رِقَابَ الْغَنَمِ بِالْحَرْثِ، فَحَكَمَ سُلَيْمَانُ بِجِزَّةِ الْغَنَمِ وَأَلْبَانِهَا لِأَهْلِ الْحَرْثِ وَعَلَيْهِمْ رِعَايَتُهَا، وَيَحْرُثُ لَهُمْ أَهْلُ الْغَنَمِ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ أُكِلَ، ثُمَّ يُدْفَعُ لِأَهْلِهِ وَيَأْخُذُونَ غَنَمَهُمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ
زَيْدٍ، عَنْ خَلِيفَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهَا: قَالَ سُلَيْمَانُ: إِنَّ الْحَرْثَ لَا يَخْفَى عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كُلَّ عَامٍ، فَلَهُ مِنْ صَاحِبِ الْغَنَمِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ أَوْلَادِهَا وَصُوفِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَ حَرْثِهِ، فَقَالَ دَاوُدُ: قَدْ أَصَبْتَ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ نَحْوَ الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: عَلِمَ سُلَيْمَانُ أَنَّ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتِ الْغَنَمُ مِثْلُ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِمْ مِنْ لَبَنِهَا وَصُوفِهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: وَرَدَ فِي قِصَّةِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ الَّتِي أَفْسَدَتْ فِي حَائِطٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَإنَّ الَّذِي أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَمَانُهُ عَلَى أَهْلِهَا أَيْ ضَمَانُ قِيمَتِهِ، هَذَا خِلَافُ شَرْعِ سُلَيْمَانَ قَالَ: فَلَوْ تَرَاضَيَا بِالدَّفْعِ عَنْ قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَعْرِفَا الْقِيمَةَ قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَإِلَّا فَالْجَوَابُ مَا نَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَوَّلًا، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الشَّرْعَيْنِ مُخَالَفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُزَاحِمٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ (ابْنُ زُفَرَ) بِزَايٍ وَفَاءٍ وَزْنُ عُمَرَ، هُوَ الْكُوفِيُّ، وَيُقَالُ مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَيِ الْخَلِيفَةُ الْمَشْهُورُ الْعَادِلُ.
قَوْلُهُ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خُطَّةً بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلَهُ عَنْهُ خَصْلَةً بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ وَهُمَا بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (وَصْمَةٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ عَيْبًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) تَفْسِيرٌ لِحَالِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَهِمًا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْهَاءِ أَيْضًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَقِيهًا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ خَصْلَةَ الْفِقْهِ دَاخِلَةٌ فِي خَصْلَةِ الْعِلْمِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (حَلِيمًا) أَيْ يُغْضِي عَلَى مَنْ يُؤْذِيهِ وَلَا يُبَادِرُ إِلَى الِانْتِقَامِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَلِيبًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالثَّانِي فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَفِيفًا) أَيْ يَعِفُّ عَنِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَفِيفًا كَانَ ضَرَرُهُ أَشَدَّ مِنْ ضَرَرِ الْجَاهِلِ. قَوْلُهُ (صَلِيبًا) بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مِنَ الصَّلَابَةِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا يَقِفُ عِنْدَ الْحَقِّ وَلَا يَمِيلُ مَعَ الْهَوَى، وَيَسْتَخْلِصُ حَقَّ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَلَا يُحَابِيهِ.
قَوْلُهُ (عَالِمًا سَئُولًا عَنِ الْعِلْمِ) هِيَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْ يَكُونُ مَعَ مَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنَ الْعِلْمِ مُذَاكِرًا لَهُ غَيْرُهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِمَّا عِنْدَهُ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عَفَّانَ كِلَاهُمَا قَالَ حَدَّثَنَا مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ وَفْدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَسَأَلَنَا عَنْ بِلَادِنَا وَقَاضِينَا وَأَمْرِهِ، وَقَالَ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ هُوَ أَحْمَدُ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الرَّأْيِ، لَا يُبَالِي بِمَلَامَةِ النَّاسِ وَجَاءَ فِي اسْتِحْبَابِ الِاسْتِشَارَةِ آثَارٌ جِيَادٌ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْوَثِيقَةِ مِنَ الْقَضَاءِ فَلْيَأْخُذْ بِقَضَاءِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَشِيرُ.
١٧ - بَاب رِزْقِ الْحَاكِمِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا. وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عمَالَتِهِ، وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
اعتمادًا على صوتها؛ لأنَّ (١) الأصواتَ تتشابه، فإن عرفها بعينها أو باسمٍ ونسبٍ وأمسكها حتَّى شهد عليها؛ جاز التَّحمُّل عليها متنقِّبةً، وأدَّى بما علم من ذلك، فيشهد في العلم بعينها عند حضورها، وفي العلم بالاسم والنَّسب عند غيبتها، لا بتعريف عدلٍ أو عدلين أنَّها فلانةُ بنت فلانٍ، أي: فلا يجوز التَّحمُّل عليها بذلك، وهذا ما عليه الأكثر، والعمل بخلافه؛ وهو التحمُّل عليها بذلك، وقال المالكيَّة: لا يشهَد على متنقِّبةٍ حتَّى يكشف وجهها؛ ليعيِّنها عند الأداء، ويميِّزها عن غيرها، وإن أخبره عنها رجلٌ يثق به أو امرأةٌ؛ جاز له أن يشهد، وكذا لفيف النِّساء إذا شهدن عنده أنَّها فلانةُ إذا وقع عنده العلم بشهادتهنَّ، وجوَّز مالكٌ شهادة الأعمى في الأقوال؛ كأن يُقرَّ بشيءٍ؛ لأنَّ الصَّحابة روَوا عن أمَّهات المؤمنين من وراء الحجاب، وميَّزوهنَّ بأصواتهنَّ، وقال الشَّافعيَّة: ولا تقبل شهادة أعمى بقولٍ؛ كعقدٍ وفسخٍ وإقرارٍ؛ لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحكي الإنسان صوت غيره؛ فيشتبه (٢) به، إلَّا أن يقرَّ شخصٌ في أذنه بنحو طلاقٍ أو عتقٍ أو مالٍ لرجلٍ معروف الاسم والنَّسب، فيمسكه حتَّى يشهد عليه عند قاضٍ، أو يكون عماه بعد تحمُّله، والمشهود له والمشهود عليه معروفي الاسم والنَّسب فقيل (٣): لحصول العلم بأنَّه المشهود عليه.
٧١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى) أهل (الرُّومِ) في سنة ستٍّ (قَالُوا: إِنَّهُمْ) أي: قال الصَّحابة له ﷺ: إنَّ الرُّوم (لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) ولم أعرف القائل بعينه (فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَِمًا) بفتح التَّاء وكسرها (مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ
إِلَى وَبِيصِهِ) بفتح الواو وكسر الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة صادٌ مهملةٌ: إلى لمعانه وبريقه (١) (وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ويُستَفاد منه: أنَّ الكتاب إذا لم يكن مختومًا؛ فالحجَّة بما (٢) فيه قائمةٌ؛ لكونه ﷺ أراد أن يكتب إليهم، وإنَّما اتَّخذ الخاتم؛ لقولهم: إنَّهم لا يقبلون الكتاب إلَّا إذا كان مختومًا، فدلَّ على أنَّ كتاب القاضي حجَّةٌ، مختومًا كان أو غير مختومٍ (٣)، وفي الباب: العمل بالشَّهادة على الخطِّ، وقد أجازها مالكٌ، وخالفه ابن وهبٍ فيه، وقال الطَّحاويُّ: خالف مالكًا جميعُ الفقهاء في ذلك؛ لأنَّ الخطَّ قد يشبه الخطَّ، وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يُقضى (٤) في دهرنا بالشَّهادة على الخطِّ؛ لأنَّ النَّاس قد أحدثوا ضُروبًا من الفجور، وقد قال مالكٌ: تحدث للنَّاس أقضيةٌ على نحو ما أحدثوا من الفجور، وقد كان النَّاس فيما مضى يُجيزون الشَّهادة على خاتم القاضي، ثمَّ رأى مالكٌ أنَّ ذلك لا يجوز.
(١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضَاءَ؟) أي: متى يستحقُّ أن يكون قاضيًا؟ وقال في «الكواكب»: أي: متى يكون أهلًا للقضاء؟ انتهى. وقد اشترط الشَّافعيَّة كونه أهلًا للشَّهادات (١) بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا عَدْلًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، كافيًا لأمر القضاء، فلا يُولَّاه كافرٌ وصبيٌّ ومجنونٌ ومن به رِقٌّ وأنثى وخُنثى وفاسقٌ، ومن لم يسمع وأعمى، وأخرس وإن فُهِمت إشارته، ومغفَّلٌ ومختلُّ النَّظر بكِبَرٍ أو مرضٍ؛ لنقصهم، وأن يكون مجتهدًا؛ وهو العارف بأحكام القرآن والسُّنَّة وبالقياس وأنواعها؛ فمن أنواع القرآن والسُّنة: العامُّ والخاصُّ، والمُجمَلُ والمبيَّنُ، والمطلق والمقيَّد، والنَّصُّ والظَّاهر، والنَّاسخ والمنسوخ، ومن أنواع السُّنَّة: المتواترُ، والآحادُ، والمتَّصل وغيره، ومن أنواع القياس: الأَوْلى، والمساوي، والأدوَن؛ كقياس الضَّرب للوالدين على التَّأفيف لهما، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التَّحريم فيهما، وقياس التُّفَّاح على البُرِّ في الرِّبا بجامع الطُّعم، وحال الرُّواة قوَّةً وضعفًا، فيُقدَّم عند التَّعارض الخاصُّ على العامِّ، والمقيَّد على المُطلَق، والنَّصُّ على الظَّاهر، والمُحكَم على المتشابِه، والنَّاسخ والمتَّصل والقويُّ على مقابلها، ولسان العرب لغةً ونحوًا وصرفًا، وأقوال العلماء إجماعًا واختلافًا، فلا يخالفهم في اجتهادهم (٢)، فإن فُقِد الشَّرط المذكور بأن لم يوجَد رجلٌ متَّصفٌ به، فولَّى سلطانٌ ذو شوكةٍ مسلمًا غير أهلٍ؛ كفاسقٍ ومقلِّدٍ وصبيٍّ وامرأةٍ؛ نفذ قضاؤه للضَّرورة؛ لئلَّا تتعطَّل مصالح النَّاس، و «القضاء» -بالمدِّ- مصدرُ قضى يقضي؛ لأنَّ لام الفعل ياءٌ؛ إذ أصله (٣): قَضَيَ؛ بفتح الياء، فُقلِبت ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ومصدره «فَعَلَ» بالتَّحريك؛ كطَلَب طَلَبًا، فتحرَّكتِ الياء فيه أيضًا، وانفتح ما قبلها، فقُلِبت ألفًا، فاجتمع ألفان، فأُبدِلت الثَّانية همزةً، فصار قضاءً؛ ممدودًا، وجمع «القضاء»: أقضية؛ كغطاءٍ وأغطيةٍ؛ وهو في الأصل إحكام الشَّيء وإمضاؤه والفراغ منه، ويكون أيضًا بمعنى: الأمر؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبمعنى: العلم؛ تقول: قضيت لك بكذا: أعلمتُك به، والإتمام؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] والفعل: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] والإرادة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [غافر: ٦٨]
والموت؛ قال تعالى: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] والكتابة؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] أي: مكتوبًا في اللَّوح المحفوظ، والفصل؛ قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ [يونس: ٥٤] والخلق؛ قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (١)﴾ [فصلت: ١٢].
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (أَخَذَ اللهُ عَلَى الحُكَّامِ) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الكاف: جمع: حاكمٍ (أَلَّا يَتَّبِعُوا الهَوَى) أي: هوى النَّفس في قضائهم (وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ) كخشية سلطانٍ ظالمٍ أو خيفة أذيَّة أحدٍ (وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي) ولأبي ذرٍّ: «بآياته» (ثَمَنًا قَلِيلًا) وهو الرَّشوة وابتغاء الجاه ورضا النَّاس (ثُمَّ قَرَأَ) الحسن: (﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾) تُدَبِّر أمر النَّاس (﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾) ما تهوى النَّفس (﴿فَيُضِلَّكَ﴾) الهوى (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) أي: عن الدَّلائل الدَّالَّة على توحيد الله (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن الإيمان بالله (﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا﴾) بسبب نسيانهم (﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]) المرتَّب عليه تركُهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب؛ لآمنوا في الدُّنيا، قال ابن كثيرٍ: هذه وصيَّةٌ من الله ﷿ لِوُلاة الأمور أن يحكموا بين النَّاس بالحقِّ المنزَّل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلُّوا عن سبيله، وقد توعَّد سبحانه من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد (٢) الأكيد، والعذاب الشديد (وَقَرَأَ) الحسن أيضًا: (﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى﴾) يهدي إلى الحقِّ (﴿وَنُورٌ﴾) يكشف ما استُبِهمَ (٣) من الأحكام (﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾) انقادوا لحكم الله، وهو صفةٌ أُجريت للنَّبيِّين على سبيل المدح (﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾): تابوا من الكفر (﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾): الزُّهَّاد والعلماء، معطوفان على ﴿النَّبِيُّونَ﴾ (﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾) أي: (اسْتُودِعُوا ﴿مِن كِتَابِ اللّهِ﴾) ﴿مِن﴾ للتَّبيين، والضَّمير في ﴿اسْتُحْفِظُواْ﴾ للأنبياء والرَّبَّانيِّين والأحبار، والاستحفاظ من الله، أي: كلَّفهم الله حفظه (﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾): رُقبَاء؛ لئلَّا يُبدَّل (﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾) نهيٌ للحكَّام أن يخشَوا غير الله في حكوماتهم، ويداهنوا فيها؛ خشية ظالمٍ أو كبيرٍ (﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي﴾) ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتُها (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾) مستهينًا به (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤])
قال ابن عبَّاسٍ: من لم يحكم جاحدًا؛ فهو كافرٌ، وإن لم يكن جاحدًا (١)؛ فهو فاسقٌ ظالمٌ (﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾) أي: (استُودِعُوا ﴿مِن كِتَابِ اللّهِ﴾) وهذا ثابتٌ في رواية المُستملي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ … » إلى آخره، (وَقَرَأَ) الحسن أيضًا: (﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾) أي: واذكرهما (﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾): في (٢) الزرع أو الكَرْم (﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾) أي: رَعَتْه ليلًا بلا راعٍ بأنِ انفلتت، فأكلته وأفسدته (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾) أرادهما والمتحاكمينِ إليهما، أو استعمل ضمير الجمع لاثنين (﴿شَاهِدِينَ﴾) أي: بعلمنا ومرأًى منَّا، وكان داود ﵇ قد حكم بالغنم لأهل الحرث، وكانت قيمة الغنم على قدر النُّقصان في الحرث، فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشرة سنةً: غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين، فعزم عليه ليحكُمَنَّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى ربِّ الغنم حتَّى يصلح الحرث ويعود كهيئته (٣) يوم أفُسِد (٤)، ثمَّ يترادَّان، فقال: القضاء ما قضيتَ، وأمضى الحكم بذلك (﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾) أي: الحكومة (﴿سُلَيْمَانَ وَكُلًّا﴾) منهما (﴿آتَيْنَا حُكْمًا﴾) نبوَّةً (﴿وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]) معرفةً بموجب الحكم، قال الحسن: (فَحَمِدَ) اللهُ تعالى (سُلَيْمَانَ) لموافقته الأرجح (وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ اللَّام، من اللَّوم؛ لموافقته الرَّاجح، وقال العينيُّ: وفي نسخةٍ: «ولم يَذُمَّ» بالذَّال المعجمة، من الذَّمِّ، وتُعُقِّب بأنَّ قول الحسن هذا لا يليق بمقام داود؛ فقد جمعهما الله تعالى في الحكم والعلم، وميَّز سليمان بالفهم؛ وهو علمٌ خاصٌّ زاد على العامِّ، والأصحُّ أنَّ داود أصاب الحكم، وسليمان أُرشِد إلى الصُّلح، قال الحسن: (وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ) النَّبيَّين (لَرَأَيْتُ) بفتح الرَّاء والهمزة، جواب «لو»، واللَّام فيه للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لَرُئِّيْتُ» بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة مشدَّدةً بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ مبنيًّا للمفعول، وسقط لأبي ذرٍّ «أمرِ (٥)» (أَنَّ القُضَاةَ) أي: قضاة زمنه (هَلَكُوا) لما تضمَّنه
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الشَّامل للعامد والمخطِئ (فَإِنَّهُ) تعالى (أَثْنَى عَلَى هَذَا) سليمان (بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا) داود (بِاجْتِهَادِهِ) وفيه جواز الاجتهاد للأنبياء، وهل (١) إذا قلنا بجواز الاجتهاد لهم؛ هل (٢) يجوز عليهم الخطأ فيه؟ واتَّفق الفريقان على (٣) أنَّه لو أخطأ في اجتهاده؛ لم يُقَرَّ على الخطأ (٤).
(وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، وزُفَر -بضمِّ الزَّاي وفتح الفاء- الكوفيُّ: (قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) بن مروان الأمويُّ، أمير المؤمنين المعدود من الخلفاء الرَّاشدين: (خَمْسٌ) من الخصال (إِذَا أَخْطَأَ القَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خُطَّةً» بخاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ وطاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ مشدَّدةٍ (كَانَتْ) ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيهَنيِّ: «خَصْلةً كان» (فِيهِ وَصْمَةٌ) بفتح الواو وسكون الصَّاد المهملة، بوزن: تَمْرة، أي: عيبٌ (أَنْ يَكُونَ فَهِمًا) بكسر الهاء، وللمُستملي: «فَقِهًا»، والأُولى أَولى (حَلِيمًا) يُغضي (٥) على ما يؤذيه (٦)، ولا يُبادِر بانتقامه (عَفِيفًا) يكفُّ عن الحرام (٧) (صَلِيبًا) بفتح المهملة وكسر اللَّام مخفَّفةً وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ، بوزن: عَظيمٍ، من الصَّلابة، أي: قويًّا شديدًا وقَّافًا عند الحقِّ، لا يميل إلى الهوى، ويستخلص الحقَّ من المبطِل ولا يُحابيه، ولا ينافي هذا قوله: «حليمًا»؛ لأنَّ ذاك في حقِّ نفسه، وهذا في حقِّ غيره (عَالِمًا) بالحكم الشَّرعيِّ، ويدخل فيه قوله: «فقِهًا» (٨)، ففهمًا أَولى من «فقِهًا» كما مرَّ (سَؤولًا) على وزن «فَعُول» أي: كثير السُّؤال (عَنِ العِلْمِ) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ في «سننه»، وابن سعدٍ في «طبقاته»، وقوله: «سَؤولًا» من تتمَّة الخامس؛ لأنَّ كمال العلم لا يحصل إلَّا بالسُّؤال؛ لأنَّه قد يظهر له ما هو أقوى ممَّا عنده.
(١٧) (باب رِزْقِ الحُكَّامِ) جمع حاكمٍ، من إضافة المصدر إلى المفعول (١) (وَ) رزق (العَامِلِينِ عَلَيْهَا) على الحكومات، أو العاملين على الصَّدقات، وصُوِّب بقرينة ذكر الرِّزق والعاملين، والرِّزق: ما يرتِّبُه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، وقال في «المُغرِب»: الفرق بين الرِّزق والعطاء: أنَّ الرِّزق ما يخرج للجنديِّ من بيت المال في السَّنة مرَّةً أو مرَّتين، والعطاء (٢): ما يخرج له كلَّ شهرٍ (٣) (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة آخره حاءٌ مهملةٌ، ابن الحارث بن قيسٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ (القَاضِي) بالكوفة عن عمر بن الخطَّاب، وهو من المُخَضْرَمِين، بل قيل: إنَّ له صحبةً، روى ابن السَّكن أنَّه قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنَّ لي أهل بيتٍ ذوي عددٍ باليمن، قال: «جِئ بهم»، قال: فجاء بهم والنَّبيُّ ﷺ قد قُبِض، وعنه أنَّه قال: وُلِّيتُ القضاء لعمر وعثمان وعليٍّ فمَن بعدهم إلى أن استعفيت من الحجَّاج، وكان له يوم استُعفيَ مئةٌ وعشرون سنةً، وعاش بعد ذلك سنةً، وقال ابن معين: كان في زمن النَّبيِّ ﷺ ولم يسمع منه (يَأْخُذُ عَلَى القَضَاءِ أَجْرًا) بفتح الهمزة وسكون الجيم، وهذا وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ، وإلى جواز أخذ القاضي الأجرةَ على الحكم ذهب الجمهور من أهل العلم من الصَّحابة وغيرهم؛ لأنَّه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، وكرهه طائفةٌ كراهة تنزيهٍ؛ منهم مسروقٌ، ورخَّص فيه الشَّافعيُّ وأكثر أهل العلم، وقال صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: وإذا كان القاضي فقيرًا؛ فالأفضل بل (٤) الواجب أخذ كفايته، وإن كان غنيًّا؛ فالأفضل الامتناع عن أخذ الرِّزق من بيت المال؛ رفقًا ببيت المال (٥)، وقيل: الأخذ هو الأصحُّ؛ صيانةً للقضاء عن الهوان، ونظرًا لمن يأتي بعده من المحتاجين، ويأخذ بقدر الكفاية له ولعياله، وعن الإمام أحمد: لا يعجبني، وإن كان؛ فبقدر عمله؛ مثل وليِّ
اليتيم (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (يَأْكُلُ الوَصِيُّ) من مال (١) اليتيم (بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم: أجرة عمله بالمعروف بقدر حاجته، وصله ابن أبي شيبة عنها في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قالت: أُنزِل ذلك في مال والِ (٢) اليتيم يقوم عليه بما يُصلِحه، إن كان محتاجًا؛ يأكل منه (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ لمَّا استُخلِف بعد أن قال -كما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة-: قد علم قومي أنَّ حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وقد شُغِلت بأمر المسلمين، وأسنده البخاريُّ في «البيوع» [خ¦٢٠٧٠] وبقيَّته: فيأكل آل أبي بكرٍ من هذا المال (و) كذا أكل (٣) (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ هو وأهله لمَّا وُلِّيها، وقال -فيما رواه ابن أبي شيبة (٤) وابن سعدٍ-: إنِّي أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة قيِّم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف، وسنده صحيحٌ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧١٦٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ، وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْمَحْكُومِ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ كَافٍ أَيِ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَسَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَمُرَادُهُ هَلْ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ أَيْ بِأَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ، وَقَيَّدَ بِالْمَخْتُومِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ التَّزْوِيرِ عَلَى الْخَطِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِ) يُرِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ عَلَى التَّعْمِيمِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا، بَلْ لَا يُمْنَعُ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ، وَلَا يُعْمَلُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ التَّزْوِيرُ فَيَكُونُ جَائِزًا بِشُرُوطٍ.
قَوْلُهُ: (وَكِتَابُ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي) يُشِيرُ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ وَلَمْ يُجِزْهَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَكِتَابِ الْحَاكِمِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَنْ قَالَهُ وَالْبَحْثُ مَعَهُ فِيهِ. قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حُجَّةُ الْبُخَارِيِّ عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَاضِحَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُجِزِ الْكِتَابَ بِالْقَتْلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَالًا بَعْدَ الثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَالْعَمْدُ أَيْضًا رُبَّمَا آلَ إِلَى الْمَالِ فَاقْتَضَى النَّظَرُ التَّسْوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الْحُدُودِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْجَارُودِ بِجِيمٍ خَفِيفَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ رَاءٌ مَضْمُومَةٌ وَهُوَ ابْنُ الْمُعَلَّى، وَيُقَالُ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ، وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ بِشْرًا وَالْجَارُودُ لَقَبُهُ، وَكَانَ الْجَارُودُ الْمَذْكُورُ قَدْ أَسْلَمَ وَصَحِبَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَكَانَ بِهَا، وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ عَامِلِ عُمَرَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ، قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ فَقَدِمَ الْجَارُودُ سَيِّدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ قُدَامَةَ شَرِبَ فَسَكِرَ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى قُدَامَةَ فِي ذَلِكَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا فِي قُدُومِ قُدَامَةَ وَشَهَادَةِ الْجَارُودِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ، وَفِي احْتِجَاجِ قُدَامَةَ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ، وَفِي رَدِّ عُمَرَ عَلَيْهِ وَجَلْدِهِ الْحَدَّ وَسَنَدُهَا صَحِيحٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْحُدُودِ، وَنُزُولِ الْجَارُودِ الْبَصْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ عِشْرِينَ.
قَوْلُهُ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ زُرَيْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كِتَابًا أَجَازَ فِيهِ شَهَادَةَ رَجُلٍ عَلَى سِنٍّ كُسِرَتْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عُرِفَ الْكِتَابُ وَالْخَاتَمُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ (وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِي) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ أَبِي عَزَّةَ قَالَ: كَانَ عَامِرٌ يَعْنِي الشَّعْبِيَّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ يَجِيئُهُ مِنَ الْقَاضِي وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا يَشْهَدُ وَلَوْ عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ حَتَّى يَذْكُرَ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ إِذَا كَانَ مِنَ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي وَالثَّانِي فِي حَقِّ الشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ (وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ) قُلْتُ: لَمْ يَقَعْ لِي هَذَا الْأَثَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَى الْآنَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالضَّالِّ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَلَامٍ ثَقِيلَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَلَّ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ؛ قَالَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مُعَمِّرًا
أَدْرَكَ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ، وَقَدْ وَصَلَ أَثَرَهُ هَذَا وَكِيعٌ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (شَهِدْتُ) أَيْ حَضَرْتُ (عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ) هُوَ اللَّيْثِيُّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لَمَّا وَلِيَ إِمَارَتَهَا مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، ذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ، وَقَالَ: إِنَّهُ مَاتَ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَأَرَّخَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ سَنَةَ مِائَةٍ فَوَهِمَ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا قَبْلَ الْحَسَنِ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالصَّوَابُ بَعْدَ الْحَسَنِ، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ هُوَ الَّذِي وَلَّاهُ، وَمَاتَ عَلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمِائَةِ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَيُقَالُ بَلْ عَاشَ إِلَى خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَعَزَلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَوَلَّى ثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ (وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ هُوَ الْمُزَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالذَّكَاءِ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَّاهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَامِلُ عُمَرَ عَلَيْهَا بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْكَرَابِيسِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَيْسِيُّ قَالَ: قَالُوا لِإِيَاسٍ لَمَّا امْتَنَعَ مِنَ الْوِلَايَةِ: يَا أَبَا وَاثِلَةَ اخْتَرْ لَنَا، قَالَ: لَا أَتَقَلَّدُ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: لَوْ وَجَدْتَ رَجُلًا تَرْضَاهُ أَكُنْتَ تُشِيرُ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ وَتَرْضَى لَهُ أَنْ يَلِيَ إِذَا كَانَ رِضًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: فَإِنَّكَ خِيَارٌ، رِضًا، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى وَلِيَ. قُلْتُ: ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فَرَكِبَ إِيَاسٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَبَادَرَ عَدِيٌّ فَوَلَّى الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ الْقَضَاءَ، فَكَتَبَ عُمَرُ يُنْكِرُ عَلَى عَدِيٍّ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ إِيَاسٌ وَيُوَفِّقُ صُنْعَهُ فِي تَوْلِيَةِ الْحَسَنِ الْقَضَاءَ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَمَاتَ إِيَاسٌ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَسَنَ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ، وَكَانَ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ مُدَّةً لَطِيفَةً وَلَّاهُ عَدِيٌّ أَمِيرُهَا لِمَا ذَكَرْنَا، وَمَاتَ الْحَسَنُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ) هُوَ الرَّاوِي الْمَشْهُورُ، وَكَانَ تَابِعِيًّا ثِقَةً، نَابَ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ أَيْضًا فِي أَوَائِلِ خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَّاهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ، وَعَزَلَهُ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَلَّى بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ، وَمَاتَ ثُمَامَةُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) أَيِ ابْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَكَانَ صَدِيقَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لَمَّا وَلِيَ إِمْرَتَهَا مِنْ قِبَلِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الشُّرُطَةَ، فَكَانَ أَمِيرًا قَاضِيًا، وَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا إِلَى أَنْ قَتَلَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ لَمَّا وَلِيَ الْإِمْرَةَ بَعْدَ خَالِدٍ، وَعَذَّبَ خَالِدًا وَعُمَّالَهُ وَمِنْهُمْ بِلَالٌ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ مَاتَ فِي حَبْسِ يُوسُفَ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا فِي أَحْكَامِهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ أنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَخْتَصِمَانِ إِلَيَّ فَأَجِدُ أَحَدَهُمَا أَخَفَّ عَلَى قَلْبِي فَأَقْضِي لَهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ.
قَوْلُهُ (وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ وَلِيَ قَضَاءَ مَرْوَ بَعْدَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، إِلَى أَنْ مَاتَ وَهُوَ عَلَى قَضَائِهَا سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَذَلِكَ فِي وِلَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ عَلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ أَخُو خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْخَصِيبِ هَذَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَامِرَ بْنَ عَبْدَةَ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقِيلَ بِسُكُونِهَا؛ ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا عَبِيدَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ، وَجَمِيعُ مَنْ فِي الْبُخَارِيِّ بِالسُّكُونِ إِلَّا بَجَالَةَ بْنَ عَبَدَةَ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ بِالتَّحْرِيكِ، وَعَامِرٌ هُوَ الْبَجَلِيُّ أَبُو إِيَاسٍ الْكُوفِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ التَّابِعِينَ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى عَنْهُ الْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَكَانَ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ مَرَّةً وَعَمَّرَ.
قَوْلُهُ (وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ) أَيِ النَّاجِيُّ
بِالنُّونِ وَالْجِيمِ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ بَصْرِيٌّ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا وَلِيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَلَّاهُ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَلَمَّا عُزِلَ وَوَلِيَ مُسْلِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَزَلَهُ وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ بْنَ عَمْرٍو، ثُمَّ اسْتَعْفَى فَأَعْفَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَعَادَ عَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَكَانَ عَبَّادٌ يُرْمَى بِالْقَدَرِ وَيُدَلِّسُ فَضَعَّفُوهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ تَغَيَّرَ، وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَعَلَّقَ لَهُ الْبُخَارِيُّ شَيْئًا، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ: (يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ إِلَخْ) يَعْنِي قَوْلَهُ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ أَطْلُبُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ، إِمَّا بِالْقَدْحِ فِي الْبَيِّنَةِ بِمَا يُقْبَلُ فَتَبْطُلُ الشَّهَادَةُ، وَإِمَّا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْمَشْهُودِ بِهِ.
قَوْلُهُ (وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَاضِي الْكُوفَةِ وَإِمَامُهَا، وَلِيَهَا فِي زَمَنِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ صَدُوقٌ، اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ مِنْ قِبَلِ سُوءِ حِفْظِهِ. وَقَالَ السَّاجِيُّ: كَانَ يُمْدَحُ فِي قَضَائِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: فِقْهُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَدِيثِهِ. وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَغْفَلَ الْمِزِّيُّ أَنْ يُعَلِّمَ لَهُ فِي التَّهْذِيبِ عَلَامَةَ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ، كَمَا أَغْفَلَ أَنْ يُتَرْجِمَ لِسَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ أَصْلًا مَعَ أَنَّهُ أَعْلَمُ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُنَا مِمَّنْ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ شَيْئًا مَوْصُولًا.
قَوْلُهُ: (وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ الْعَنْبَرِيُّ نِسْبَةً إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: كَانَ فَقِيهًا، وَلَّاهُ الْمَنْصُورُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَبَقِيَ عَلَى قَضَائِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، وَحَفِيدُهُ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلِيَ قَضَاءَ الرُّصَافَةِ بِبَغْدَادَ وَالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَحَدِيثُهُ فِي السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ مُحْرِزٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ هُوَ كُوفِيٌّ، مَا رَأَيْتُ لَهُ رَاوِيًا غَيْرَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْأَثَرِ، وَلَمْ يَزِدِ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْأَثَرُ.
قَوْلُهُ (جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ) أَيِ ابْنِ مَالِكٍ التَّابِعِيِّ الْمَشْهُورِ، وَكَانَ وَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ فِي وِلَايَةِ الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ الثَّقَفِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَدِيثُهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: مَاتَ بَعْدَ أَخِيهِ النَّضْرِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاةُ النَّضْرِ قَبْلَ وَفَاةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمَسْعُودِيَّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: ثِقَةٌ وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ لَا يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا وَهُوَ تَابِعِيٌّ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: لَمْ يَلْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.
قَوْلُهُ (فَأَجَازَهُ) بِجِيمٍ وَزَايٍ أَيْ أَمْضَاهُ وَعَمِلَ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ: يُشْتَرَطُ فِي قَوْلِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنْ يَشْهَدَ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي شَاهِدَانِ عَدْلَانِ، وَلَا تَكْفِي مَعْرِفَةُ خَطِّ الْقَاضِي وَخَتْمِهِ، وَحَكَى عَنِ الْحَسَنِ، وَسَوَّارٍ، وَالْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ قَبِلَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. قُلْتُ: وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَوَّارٍ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ الْبَيِّنَةَ، وَيَنْضَمُّ إِلَى مَنْ ذَكَرَهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرَهُمُ الْبُخَارِيُّ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ مِنَ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَرِهَ الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ هُوَ الْجَرْمِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْهَدَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيِ الشَّاهِدُ.
قَوْلُهُ (عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا) أَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ
عَنْهُ قَالَ: لَا تَشْهَدْ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى تُقْرَأَ عَلَيْكَ، وَلَا تَشْهَدْ عَلَى مَنْ لَا تَعْرِفُ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ. وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي قِلَابَةَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: اشْهَدُوا عَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: لَا حَتَّى يُعْلَمَ مَا فِيهَا زَادَ يَعْقُوبُ وَقَالَ: لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا. وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ وَافَقَ الدَّاوُدِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ هَذَا الْقَوْلَ فَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْرِفَ مَا فِيهَا. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهَا إِذَا كَانَ فِيهَا جَوْرٌ لَمْ يَمْنَعِ التَّحَمُّلَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهِ إِذَا أَوْجَبَ حُكْمُ الشَّرْعِ رَدَّهُ، وَمَا عَدَاهُ يَعْمَلُ بِهِ فَلَيْسَ خَشْيَةُ الْجَوْرِ فِيهَا مَانِعًا مِنَ التَّحَمُّلِ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ الْجَهْلُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: وَوَجْهُ الْجَوْرِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَرْغَبُ فِي إِخْفَاءِ أَمْرِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَمُوتَ فَيَحْتَاطُ بِالْإِشْهَادِ، وَيَكُونُ حَالُهُ مُسْتَمِرًّا عَلَى الْإِخْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِلَخْ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي قِصَّةِ حُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ وَقَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الدِّيَاتِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ وَيَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظِ فِي بَابِ كِتَابَةِ الْحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ بَعْدَ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ بَابًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنَ السِّتْرِ) أَيْ مِنْ وَرَائِهِ.
قَوْلُهُ (إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَرَاهَا حَالَةَ الْإِشْهَادِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَهَا بِأَيِّ طَرِيقٍ فُرِضَ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ أُشِيرُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ) كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ الطَّوِيلِ الْمُذْكُورِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الْقَائِلِ بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (فَاتَّخَذَ خَاتَمًا إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ اللِّبَاسِ، وَجُمْلَةُ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ بِآثَارِهَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، وَكِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا فِي الْكِتَابِ.
وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ جَوَازُ جَمِيعِ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ لِلشَّاهِدِ إِذَا رَأَى خَطَّهُ إِلَّا إِذَا تَذَكَّرَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا فَلَا يَشْهَدْ، فَإِنَّهُ مَنْ شَاءَ انْتَقَشَ خَاتَمًا وَمَنْ شَاءَ كَتَبَ كِتَابًا، وَقَدْ فُعِلَ مِثْلُهُ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ فِي قِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي سَبَبِ قَتْلِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وَأَجَازَ مَالِكٌ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ، وَنَقَلَ ابْنُ شَعْبَانَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا آخُذُ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: خَالَفَ مَالِكًا جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَعَدُّوا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ شُذُوذًا، لِأَنَّ الْخَطَّ قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَلَيْسَتْ شَهَادَةً عَلَى قَوْلٍ مِنْهُ وَلَا مُعَايَنَةً.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ: الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ خَطَأٌ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَالَ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ قَذَفَ: لَا يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِهِ إِلَّا أنْ أَشْهَدَهُ. قَالَ: فَالْخَطُّ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا وَأَضْعَفُ، قَالَ: وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِشْهَادُ الْمَوْتَى، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُقْضَى فِي دَهْرِنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا ضُرُوبًا مِنَ الْفُجُورِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقَضِيَةٌ عَلَى نَحْوِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ. وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى يُجِيزُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى خَاتَمِ الْقَاضِي، ثُمَّ رَأَى مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ جَمَاعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ تُوَافِقُ الْجُمْهُورَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لَهُ: أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ قَوْمٌ لَا نَظَرَ لَهُمْ، فَإِنَّ الْكُتَّابَ يُشَبِّهُونَ الْخَطَّ بِالْخَطِّ حَتَّى يُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَى أَعْلَمِهِمْ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فَكَيْفَ بِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَهُمْ أَكْثَرُ مُسَارَعَةً إِلَى الشَّرِّ مِمَّنْ مَضَى وَأَدَقُّ نَظَرًا فِيهِ
وَأَكْثَرُ هُجُومًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفُوا فِي كُتُبِ الْقُضَاةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْجَوَازِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْحُدُودَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ قَوِيٌّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَتْلِ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ عَنِ الْقُضَاةِ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ إِجَازَةِ ذَلِكَ حُجَّتُهُمْ فِيهِ ظَاهِرَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى الْمُلُوكِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ أَحَدًا عَلَى كِتَابِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ سَوَّارٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنَ اشْتِرَاطِ الشُّهُودِ لِمَا دَخَلَ النَّاسُ مِنَ الْفَسَادِ فَاحْتِيطَ لِلدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ إِجَازَةُ الْخَوَاتِيمِ حَتَّى أَنَّ الْقَاضِيَ لَيَكْتُبُ لِلرَّجُلِ الْكِتَابَ، فَمَا يَزِيدُ عَلَى خَتْمِهِ فَيُعْمَلُ بِهِ، حَتَّى اتُّهِمُوا فَصَارَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّالِثُ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفُوا إِذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي شَاهِدَيْنِ عَلَى مَا كَتَبَهُ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَرَّفَهُمَا بِمَا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ قَالَ: وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كِتَابُهُ فَالْغَرَضُ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا كِتَابُ الْقَاضِي إِلَيْهِ، وَقَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ أُمُورِ النَّاسِ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَهُ كُلُّ أَحَدٍ كَالْوَصِيَّةِ إِذَا ذَكَرَ الْمُوصِي مَا فَرَّطَ فِيهِ مَثَلًا. قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَخْتُومَةِ وَعَلَى الْكِتَابِ الْمَطْوِيِّ، وَيَقُولَانِ لِلْحَاكِمِ: نَشْهَدُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ كُتُبُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى عُمَّالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرَأَهَا عَلَى مَنْ حَمَلَهَا، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الْكِتَابَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا فَالْحُجَّةُ بِمَا فِيهِ قَائِمَةٌ لِكَوْنِهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ الْخَاتَمَ لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الْكِتَابَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَخْتُومًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي حُجَّةٌ مَخْتُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ بِالْخَطِّ الْمُجَرَّدِ كَأَنْ يَرَى الْقَاضِي خَطَّهُ بِالْحُكْمِ فَيَطْلُبُ مِنْهُ الْمَحْكُومُ لَهُ الْعَمَلَ بِهِ، فَالْأَكْثَرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْوَاقِعَةَ كَمَا فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِي حِرْزِ الْحَاكِمِ أَوِ الشَّاهِدِ مُنْذُ حُكِمَ فِيهِ أَوْ تَحَمَّلَ إِلَى أَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْحُكْمُ أَوِ الشَّهَادَةُ جَازَ وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ سَاغَ لَهُ الْحُكْمُ وَالشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ، وَالْأَوْسَطُ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَجَّحَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّارِحُ لِمَقْصُودِ الْبَابِ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَدَلَّ عَلَى الْخَطِّ بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الرُّومِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مَضْمُونَ الْكِتَابِ دُعَاؤُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ قَدِ اشْتَهَرَ لِثُبُوتِ الْمُعْجِزَةِ وَالْقَطْعِ بِصِدْقِهِ فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ إِنَّمَا يُفِيدُ ظَنًّا، وَالْإِسْلَامُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ إِجْمَاعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ حَصَلَ بِمَضْمُونِ الْخَطِّ مَقْرُونًا بِالتَّوَاتُرِ السَّابِقِ عَلَى الْكِتَابِ، فَكَانَ الْكِتَابُ كَالتَّذْكِرَةِ وَالتَّوْكِيدِ فِي الْإِنْذَارِ، مَعَ أَنَّ حَامِلَ الْكِتَابِ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهِ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ الْعُمْدَةَ عَلَى أَمْرِهِ الْمَعْلُومِ مَعَ قَرَائِنِ الْحَالِ الْمُصَاحِبَةُ لِحَامِلِ الْكِتَابِ، وَمَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مَفْرُوضَةٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْخَطِّ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ وَبَيْنَ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي أَنَّ الْقَائِلَ بِالْأَوَّلِ أَقَلُّ مِنَ الْقَائِلِ بِالثَّانِي تَطَرُّقُ الِاحْتِمَالِ فِي الْأَوَّلِ وَنُدُورهُ فِي الثَّانِي لِبُعْدِ احْتِمَالِ التَّزْوِيرِ عَلَى الْقَاضِي، وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ تُمْكِنُ الْمُرَاجَعَةُ، وَلِذَلِكَ شَاعَ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا بَيْنَ الْقُضَاةِ وَنُوَّابِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٦ - بَاب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَلَا يَخْشَوْا النَّاسَ، وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * بِمَا سْتُحْفِظُوا﴾ اسْتُوْدِعُوا ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية، وَقَرَأَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا، فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ: قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خطة كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ: أَنْ يَكُونَ فَهِمًا، حَلِيمًا، عَفِيفًا، صَلِيبًا، عَالِمًا، سَئُولًا عَنْ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ)؟ أَيْ مَتَى يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ آدَابِ الْقَضَاءِ لَهُ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ سَلَفَ خِلَافًا أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ بَانَ فَضْلُهُ وَصِدْقُهُ وَعِلْمُهُ وَوَرَعُهُ، قَارِئًا لِكِتَابِ اللَّهِ، عَالِمًا بِأَكْثَرِ أَحْكَامِهِ، عَالِمًا بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ حَافِظًا لِأَكْثَرِهَا، وَكَذَا أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، عَالِمًا بِالْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ وَأَقْوَالِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ يَتَّبِعُ فِي النَّوَازِلِ الْكِتَابَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالسُّنَنُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَمِلَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَمَا وَجَدَهُ أَشْبَهَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ بِفَتْوَى أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ، وَيَكُونُ كَثِيرَ الْمُذَاكَرَةِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمُشَاوَرَةِ لَهُمْ مَعَ فَضْلٍ وَوَرَعٍ، وَيَكُونُ حَافِظًا لِلِسَانِهِ وَبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ، فَهِمًا بِكَلَامِ الْخُصُومِ، ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مَائِلًا عَنِ الْهَوَى ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ يَجْمَعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: لَا يَكْفِي فِي اسْتِحْبَابِ الْقَضَاءِ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، بَلْ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مَالِكٍ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا عَاقِلًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ فَعَقْلٌ وَوَرَعٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْوَرَعِ يَقِفُ وَبِالْعَقْلِ يَسْأَلُ، وَهُوَ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ وَجَدَهُ، وَإِذَا طَلَبَ الْعَقْلَ لَمْ يَجِدْهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا، وَالْأَصْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَةَ. قَالَ: وَالْقَاضِي لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ إِلَّا غَنِيًّا؛ لِأَنَّ غِنَاهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَاحْتَاجَ كَانَ تَوْلِيَةُ مَنْ يَكُونُ غَنِيًّا أَوْلَى مِنْ تَوْلِيَةِ مَنْ يَكُونُ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَظِنَّةِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِتَنَاوُلِ مَا لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَانَهُ هَذَا الَّذِي صَارَ مَنْ يَطْلُبُ الْقَضَاءَ فِيهِ يُصَرِّحُ بِأَنَّ سَبَبَ طَلَبِهِ الِاحْتِيَاجُ إِلَى مَا يَقُومُ بِأَوَدِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ فِي الْقَاضِي إِلَّا عَنِ
الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَثْنَوُا الْحُدُودَ، وَأَطْلَقَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أُمُورَهُمُ امْرَأَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِي يَحْتَاجُ إِلَى كَمَالِ الرَّأْيِ، وَرَأْيُ الْمَرْأَةِ نَاقِصٌ وَلَا سِيَّمَا فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ) هُوَ الْبَصْرِيُّ.
قَوْلُهُ (أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ) وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ - إِلَى - ﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قُلْتُ: فَأَرَادَ مِنْ آيَةِ (يَا دَاوُدُ) قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وَأَرَادَ مِنْ آيَةِ الْمَائِدَةِ: بَقِيَّةَ مَا ذُكِرَ، وَأَطْلَقَ عَلَى هَذِهِ الْمَنَاهِي أَمْرًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، فَفِي النَّهْيِ عَنِ الْهَوَى أَمْرٌ بِالْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ خَشْيَةِ النَّاسِ أَمْرٌ بِخَشْيَةِ اللَّهِ، وَمِنْ لَازِمِ خَشْيَةِ اللَّهِ الْحُكْمُ بِالْحَقِّ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ آيَاتِهِ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وُصِفَ الثَّمَنُ بِالْقِلَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِوَضِ، فَإِنَّهُ أَغْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا: اسْتُوْدِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْآيَةَ) ثَبَتَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَيْ بِمَا اسْتُودِعُوا، اسْتَحْفَظْتُهُ كَذَا اسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَرَأَ) أَيِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الْمَذْكُورُ ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إِلَى آخِرِهَا رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَافِظِ الْمَعْرُوفِ بِمُرَبَّعٍ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَةٍ وَزْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ هُوَ عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَذَكَرَهُ، وَمَعْنَى أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ عَهِدَ إِلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ) يَعْنِي دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَقَوْلُهُ لَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَرَوَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا يَعْنِي لِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَتَانِ الْمَاضِيَتَانِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ كَافِرٌ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَشْمَلُ الْعَامِدَ وَالْمُخْطِئَ، فَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فِي قِصَّةِ الْحَرْثِ أَنَّ الْوَعِيدَ خَاصٌّ بِالْعَامِدِ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ؛ أَيْ بِسَبَبِ عِلْمِهِ أَيْ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ وَجْهَ الْحُكْمِ وَالْحُكْمَ بِهِ، وَعَذَرَ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ. وَرُوِّينَا بَعْضَهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَفِي الْمُجَالَسَةِ لِأَبِي بَكْرٍ الدِّينَوَرِيِّ وَفِي أَمَالِي الصُّولِيِّ جَمِيعًا يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ الْحَسَنِ عَلَى إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ اسْتُقْضِيَ قَالَ: فَبَكَى إِيَاسٌ وَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ - يَعْنِي الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ الْمَذْكُورَ - يَقُولُونَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ مَالَ مَعَ الْهَوَى فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ فِيمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ سُلَيْمَانَ مَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ هَذَا وَقَرَأَ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿شَاهِدِينَ﴾ قَالَ: فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ لِصَوَابِهِ وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُدَ لِخَطَئِهِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى الْحُكَّامِ عَهْدًا بِأَنْ لَا يَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا وَلَا يَتَّبِعُوا فِيهِ الْهَوَى وَلَا يَخْشَوْا فِيهِ أَحَدًا، ثُمَّ تَلَا: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِيَاسٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَلَكِنْ عِنْدَهُمُ الثَّالِثُ قَضَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ وَلَا يَنْتَظِرَ نُزُولَ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ دَاوُدَ ﵇ عَلَى مَا وَرَدَ اجْتَهَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَضَى فِيهَا بِالْوَحْيِ مَا خَصَّ اللَّهُ سُلَيْمَانَ بِفَهْمِهَا دُونَهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ مَنْ أَجَازَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ هَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادِهِ؟ فَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَ
ذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يُقَرَّ عَلَى الْخَطَأِ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ الِاجْتِهَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَاوُدَ اجْتَهَدَ وَلَا أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا ظَاهِرُهَا أَنَّ الْوَاقِعَةَ اتَّفَقَتْ فَعُرِضَتْ عَلَى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فَقَضَى فِيهَا سُلَيْمَانُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ فَهَّمَهُ حُكْمَهَا، وَلَمْ يَقْضِ فِيهَا دَاوُدُ بِشَيْءٍ، وَيُرَدُّ عَلَى مَنْ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ النَّقْلِ فِي صُورَةِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ. وَقَدْ تَضَمَّنَ أَثَرُ الْحَسَنِ الْمَذْكُورُ أَنَّهُمَا جَمِيعًا حَكَمَا.
وَقَدْ تَعَقَّبَ ابْنُ الْمُنِيرِ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُدَ بِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لَحِقَ دَاوُدَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فَجَمَعَهُمَا فِي الْحُكْمِ وَالْعِلْمِ، وَمَيَّزَ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ، وَهُوَ عِلْمٌ خَاصٌّ زَادَ عَلَى الْعَامِّ بِفَصْلِ الْخُصُومَةِ. قَالَ: وَالْأَصَحُّ فِي الْوَاقِعَةِ أَنَّ دَاوُدَ أَصَابَ الْحُكْمَ وَسُلَيْمَانَ أَرْشَدَ إِلَى الصُّلْحِ، وَلَا يَخْلُو قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ أَنْ يَكُونَ عَامًّا أَوْ فِي وَاقِعَةِ الْحَرْثِ فَقَطْ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ أَثْنَى عَلَى دَاوُدَ فِيهَا بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ عُذْرِ الْمُجْتَهِدِ إِذَا أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَيْسَ حُكْمًا وَلَا عِلْمًا وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ غَيْرُ مُصِيبٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْوَاقِعَةِ فَلَا يَكُونُ تَعَالَى أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ بِخُصُوصِهَا عَنْ دَاوُدَ بِإِصَابَةٍ وَلَا خَطَأٍ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَفْهِيمِ سُلَيْمَانَ وَمَفْهُومُهُ لَقَبٌ وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ ضَعِيفٌ، فَلَا يُقَالُ: فَهِمَهَا سُلَيْمَانُ دُونَ دَاوُدَ، وَإِنَّمَا خُصَّ سُلَيْمَانُ بِالتَّفْهِيمِ لِصِغَرِ سِنِّهِ فَيُسْتَغْرَبُ مَا يَأْتِي بِهِ.
قُلْتُ: وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا نُقِلَ فِي الْقِصَّةِ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ كَانَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ لَا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ حَمِدَ سُلَيْمَانَ أَيْ لِمُوَافَقَتِهِ الطَّرِيقَ الْأَرْجَحَ وَلَمْ يَذُمَّ دَاوُدَ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الرَّاجِحِ، وَقَدْ وَقَعَ لِعُمَرَ ﵁ قَرِيبٌ مِمَّا وَقَعَ لِسُلَيْمَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا لَهُ نَمَاءٌ وَدُيُونًا، فَأَرَادَ أَصْحَابُ الدُّيُونِ بَيْعَ الْمَالِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ لَهُمْ، فَاسْتَرْضَاهُمْ عُمَرُ بِأَنْ يُؤَخِّرُوا التَّقَاضِيَ حَتَّى يَقْبِضُوا دُيُونَهُمْ مِنَ النَّمَاءِ، وَيَتَوَفَّرَ لِأَيْتَامِ الْمُتَوَفَّى أَصْلُ الْمَالِ، فَاسْتُحْسِنَ ذَلِكَ مِنْ نَظَرِهِ.
وَلَوْ أَنَّ الْخُصُومَ امْتَنَعُوا لَمَا مَنَعَهُمْ مِنَ الْبَيْعِ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُمْكِنُ تَنْزِيلُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْحَرْثِ وَالْغَنَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ شَرْحُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخَذَ الذِّئْبُ ابْنَ إِحْدَاهُمَا وَاخْتِلَافُ حُكْمِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ فِي ذَلِكَ، وَتَوْجِيهُ حُكْمِ دَاوُدَ بِمَا يَقْرُبُ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَوَقَعَتْ لَهُمَا قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشُّهُودِ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي اتُّهِمَتْ بِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى نَفْسِهَا، فَشَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ دَاوُدُ بِرَجْمِهَا، فَعَمَدَ سُلَيْمَانُ وَهُوَ غُلَامٌ فَصَوَّرَ مِثْلَ قِصَّتِهَا بَيْنَ الْغِلْمَانِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الشُّهُودِ وَامْتَحَنَهُمْ فَتَخَالَفُوا فَدَرَأَ عَنْهَا، وَوَقَعَتْ لَهُمَا رَابِعَةٌ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صُبَّ فِي دُبُرِهَا مَاءُ الْبَيْضِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّهَا زَنَتْ فَأَمَرَ دَاوُدُ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يُشْوَى ذَلِكَ الْمَاءُ فَإِنِ اجْتَمَعَ فَهُوَ بَيْضٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَنِيٌّ، فَشُوِيَ فَاجْتَمَعَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا نَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ أَيْ رَعَتْ لَيْلًا، فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لَهُمْ، فَمَرُّوا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَا، وَلَكِنْ أَقْضِي بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْغَنَمَ فَيَكُونَ لَهُمْ لَبَنُهَا وَصُوفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا وَيَقُومُ هَؤُلَاءِ عَلَى حَرْثِهِمْ، حَتَّى إِذَا عَادَ كَمَا كَانَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ غَنَمَهُمْ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيِّنٌ فَقَالَ: فِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: قَضَى دَاوُدُ أَنْ يَأْخُذُوا الْغَنَمَ، فَفَهَّمَهَا اللَّهُ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: خُذُوا الْغَنَمَ فَلَكُمْ مَا خَرَجَ مِنْ رَسَلِهَا وَأَوْلَادِهَا وَصُوفِهَا إِلَى الْحَوْلِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَعْطَاهُمْ دَاوُدُ رِقَابَ الْغَنَمِ بِالْحَرْثِ، فَحَكَمَ سُلَيْمَانُ بِجِزَّةِ الْغَنَمِ وَأَلْبَانِهَا لِأَهْلِ الْحَرْثِ وَعَلَيْهِمْ رِعَايَتُهَا، وَيَحْرُثُ لَهُمْ أَهْلُ الْغَنَمِ حَتَّى يَكُونَ كَهَيْئَةِ يَوْمَ أُكِلَ، ثُمَّ يُدْفَعُ لِأَهْلِهِ وَيَأْخُذُونَ غَنَمَهُمْ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ
زَيْدٍ، عَنْ خَلِيفَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ قَالَ فِيهَا: قَالَ سُلَيْمَانُ: إِنَّ الْحَرْثَ لَا يَخْفَى عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ كُلَّ عَامٍ، فَلَهُ مِنْ صَاحِبِ الْغَنَمِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ أَوْلَادِهَا وَصُوفِهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَ حَرْثِهِ، فَقَالَ دَاوُدُ: قَدْ أَصَبْتَ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ نَحْوَ الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ: عَلِمَ سُلَيْمَانُ أَنَّ قِيمَةَ مَا أَفْسَدَتِ الْغَنَمُ مِثْلُ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِمْ مِنْ لَبَنِهَا وَصُوفِهَا.
وَقَالَ أَيْضًا: وَرَدَ فِي قِصَّةِ نَاقَةِ الْبَرَاءِ الَّتِي أَفْسَدَتْ فِي حَائِطٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَإنَّ الَّذِي أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَمَانُهُ عَلَى أَهْلِهَا أَيْ ضَمَانُ قِيمَتِهِ، هَذَا خِلَافُ شَرْعِ سُلَيْمَانَ قَالَ: فَلَوْ تَرَاضَيَا بِالدَّفْعِ عَنْ قِيمَةِ مَا أَفْسَدَتْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَعْرِفَا الْقِيمَةَ قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْعَوْفِيِّ إِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَإِلَّا فَالْجَوَابُ مَا نَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَوَّلًا، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الشَّرْعَيْنِ مُخَالَفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُزَاحِمٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ (ابْنُ زُفَرَ) بِزَايٍ وَفَاءٍ وَزْنُ عُمَرَ، هُوَ الْكُوفِيُّ، وَيُقَالُ مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) أَيِ الْخَلِيفَةُ الْمَشْهُورُ الْعَادِلُ.
قَوْلُهُ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خُطَّةً بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلَهُ عَنْهُ خَصْلَةً بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ وَهُمَا بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (وَصْمَةٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ عَيْبًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) تَفْسِيرٌ لِحَالِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (فَهِمًا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْهَاءِ أَيْضًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَقِيهًا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ خَصْلَةَ الْفِقْهِ دَاخِلَةٌ فِي خَصْلَةِ الْعِلْمِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (حَلِيمًا) أَيْ يُغْضِي عَلَى مَنْ يُؤْذِيهِ وَلَا يُبَادِرُ إِلَى الِانْتِقَامِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَلِيبًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالثَّانِي فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَفِيفًا) أَيْ يَعِفُّ عَنِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عَالِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَفِيفًا كَانَ ضَرَرُهُ أَشَدَّ مِنْ ضَرَرِ الْجَاهِلِ. قَوْلُهُ (صَلِيبًا) بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مِنَ الصَّلَابَةِ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، أَيْ قَوِيًّا شَدِيدًا يَقِفُ عِنْدَ الْحَقِّ وَلَا يَمِيلُ مَعَ الْهَوَى، وَيَسْتَخْلِصُ حَقَّ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَلَا يُحَابِيهِ.
قَوْلُهُ (عَالِمًا سَئُولًا عَنِ الْعِلْمِ) هِيَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْ يَكُونُ مَعَ مَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنَ الْعِلْمِ مُذَاكِرًا لَهُ غَيْرُهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِمَّا عِنْدَهُ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عَفَّانَ كِلَاهُمَا قَالَ حَدَّثَنَا مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ وَفْدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَسَأَلَنَا عَنْ بِلَادِنَا وَقَاضِينَا وَأَمْرِهِ، وَقَالَ: خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ هُوَ أَحْمَدُ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: عَفِيفٌ، حَلِيمٌ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الرَّأْيِ، لَا يُبَالِي بِمَلَامَةِ النَّاسِ وَجَاءَ فِي اسْتِحْبَابِ الِاسْتِشَارَةِ آثَارٌ جِيَادٌ. وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْوَثِيقَةِ مِنَ الْقَضَاءِ فَلْيَأْخُذْ بِقَضَاءِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَشِيرُ.
١٧ - بَاب رِزْقِ الْحَاكِمِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا. وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عمَالَتِهِ، وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
اعتمادًا على صوتها؛ لأنَّ (١) الأصواتَ تتشابه، فإن عرفها بعينها أو باسمٍ ونسبٍ وأمسكها حتَّى شهد عليها؛ جاز التَّحمُّل عليها متنقِّبةً، وأدَّى بما علم من ذلك، فيشهد في العلم بعينها عند حضورها، وفي العلم بالاسم والنَّسب عند غيبتها، لا بتعريف عدلٍ أو عدلين أنَّها فلانةُ بنت فلانٍ، أي: فلا يجوز التَّحمُّل عليها بذلك، وهذا ما عليه الأكثر، والعمل بخلافه؛ وهو التحمُّل عليها بذلك، وقال المالكيَّة: لا يشهَد على متنقِّبةٍ حتَّى يكشف وجهها؛ ليعيِّنها عند الأداء، ويميِّزها عن غيرها، وإن أخبره عنها رجلٌ يثق به أو امرأةٌ؛ جاز له أن يشهد، وكذا لفيف النِّساء إذا شهدن عنده أنَّها فلانةُ إذا وقع عنده العلم بشهادتهنَّ، وجوَّز مالكٌ شهادة الأعمى في الأقوال؛ كأن يُقرَّ بشيءٍ؛ لأنَّ الصَّحابة روَوا عن أمَّهات المؤمنين من وراء الحجاب، وميَّزوهنَّ بأصواتهنَّ، وقال الشَّافعيَّة: ولا تقبل شهادة أعمى بقولٍ؛ كعقدٍ وفسخٍ وإقرارٍ؛ لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحكي الإنسان صوت غيره؛ فيشتبه (٢) به، إلَّا أن يقرَّ شخصٌ في أذنه بنحو طلاقٍ أو عتقٍ أو مالٍ لرجلٍ معروف الاسم والنَّسب، فيمسكه حتَّى يشهد عليه عند قاضٍ، أو يكون عماه بعد تحمُّله، والمشهود له والمشهود عليه معروفي الاسم والنَّسب فقيل (٣): لحصول العلم بأنَّه المشهود عليه.
٧١٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، بُندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (قَالَ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى) أهل (الرُّومِ) في سنة ستٍّ (قَالُوا: إِنَّهُمْ) أي: قال الصَّحابة له ﷺ: إنَّ الرُّوم (لَا يَقْرَؤُوْنَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا) ولم أعرف القائل بعينه (فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَِمًا) بفتح التَّاء وكسرها (مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ
إِلَى وَبِيصِهِ) بفتح الواو وكسر الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة صادٌ مهملةٌ: إلى لمعانه وبريقه (١) (وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) ويُستَفاد منه: أنَّ الكتاب إذا لم يكن مختومًا؛ فالحجَّة بما (٢) فيه قائمةٌ؛ لكونه ﷺ أراد أن يكتب إليهم، وإنَّما اتَّخذ الخاتم؛ لقولهم: إنَّهم لا يقبلون الكتاب إلَّا إذا كان مختومًا، فدلَّ على أنَّ كتاب القاضي حجَّةٌ، مختومًا كان أو غير مختومٍ (٣)، وفي الباب: العمل بالشَّهادة على الخطِّ، وقد أجازها مالكٌ، وخالفه ابن وهبٍ فيه، وقال الطَّحاويُّ: خالف مالكًا جميعُ الفقهاء في ذلك؛ لأنَّ الخطَّ قد يشبه الخطَّ، وقال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم: لا يُقضى (٤) في دهرنا بالشَّهادة على الخطِّ؛ لأنَّ النَّاس قد أحدثوا ضُروبًا من الفجور، وقد قال مالكٌ: تحدث للنَّاس أقضيةٌ على نحو ما أحدثوا من الفجور، وقد كان النَّاس فيما مضى يُجيزون الشَّهادة على خاتم القاضي، ثمَّ رأى مالكٌ أنَّ ذلك لا يجوز.
(١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر فيه: (مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ القَضَاءَ؟) أي: متى يستحقُّ أن يكون قاضيًا؟ وقال في «الكواكب»: أي: متى يكون أهلًا للقضاء؟ انتهى. وقد اشترط الشَّافعيَّة كونه أهلًا للشَّهادات (١) بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا عَدْلًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، كافيًا لأمر القضاء، فلا يُولَّاه كافرٌ وصبيٌّ ومجنونٌ ومن به رِقٌّ وأنثى وخُنثى وفاسقٌ، ومن لم يسمع وأعمى، وأخرس وإن فُهِمت إشارته، ومغفَّلٌ ومختلُّ النَّظر بكِبَرٍ أو مرضٍ؛ لنقصهم، وأن يكون مجتهدًا؛ وهو العارف بأحكام القرآن والسُّنَّة وبالقياس وأنواعها؛ فمن أنواع القرآن والسُّنة: العامُّ والخاصُّ، والمُجمَلُ والمبيَّنُ، والمطلق والمقيَّد، والنَّصُّ والظَّاهر، والنَّاسخ والمنسوخ، ومن أنواع السُّنَّة: المتواترُ، والآحادُ، والمتَّصل وغيره، ومن أنواع القياس: الأَوْلى، والمساوي، والأدوَن؛ كقياس الضَّرب للوالدين على التَّأفيف لهما، وقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التَّحريم فيهما، وقياس التُّفَّاح على البُرِّ في الرِّبا بجامع الطُّعم، وحال الرُّواة قوَّةً وضعفًا، فيُقدَّم عند التَّعارض الخاصُّ على العامِّ، والمقيَّد على المُطلَق، والنَّصُّ على الظَّاهر، والمُحكَم على المتشابِه، والنَّاسخ والمتَّصل والقويُّ على مقابلها، ولسان العرب لغةً ونحوًا وصرفًا، وأقوال العلماء إجماعًا واختلافًا، فلا يخالفهم في اجتهادهم (٢)، فإن فُقِد الشَّرط المذكور بأن لم يوجَد رجلٌ متَّصفٌ به، فولَّى سلطانٌ ذو شوكةٍ مسلمًا غير أهلٍ؛ كفاسقٍ ومقلِّدٍ وصبيٍّ وامرأةٍ؛ نفذ قضاؤه للضَّرورة؛ لئلَّا تتعطَّل مصالح النَّاس، و «القضاء» -بالمدِّ- مصدرُ قضى يقضي؛ لأنَّ لام الفعل ياءٌ؛ إذ أصله (٣): قَضَيَ؛ بفتح الياء، فُقلِبت ألفًا؛ لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، ومصدره «فَعَلَ» بالتَّحريك؛ كطَلَب طَلَبًا، فتحرَّكتِ الياء فيه أيضًا، وانفتح ما قبلها، فقُلِبت ألفًا، فاجتمع ألفان، فأُبدِلت الثَّانية همزةً، فصار قضاءً؛ ممدودًا، وجمع «القضاء»: أقضية؛ كغطاءٍ وأغطيةٍ؛ وهو في الأصل إحكام الشَّيء وإمضاؤه والفراغ منه، ويكون أيضًا بمعنى: الأمر؛ قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وبمعنى: العلم؛ تقول: قضيت لك بكذا: أعلمتُك به، والإتمام؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] والفعل: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] والإرادة؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [غافر: ٦٨]
والموت؛ قال تعالى: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] والكتابة؛ قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] أي: مكتوبًا في اللَّوح المحفوظ، والفصل؛ قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾ [يونس: ٥٤] والخلق؛ قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (١)﴾ [فصلت: ١٢].
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (أَخَذَ اللهُ عَلَى الحُكَّامِ) بضمِّ الحاء المهملة وتشديد الكاف: جمع: حاكمٍ (أَلَّا يَتَّبِعُوا الهَوَى) أي: هوى النَّفس في قضائهم (وَلَا يَخْشَوُا النَّاسَ) كخشية سلطانٍ ظالمٍ أو خيفة أذيَّة أحدٍ (وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي) ولأبي ذرٍّ: «بآياته» (ثَمَنًا قَلِيلًا) وهو الرَّشوة وابتغاء الجاه ورضا النَّاس (ثُمَّ قَرَأَ) الحسن: (﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾) تُدَبِّر أمر النَّاس (﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾) ما تهوى النَّفس (﴿فَيُضِلَّكَ﴾) الهوى (﴿عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) أي: عن الدَّلائل الدَّالَّة على توحيد الله (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾) عن الإيمان بالله (﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا﴾) بسبب نسيانهم (﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]) المرتَّب عليه تركُهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب؛ لآمنوا في الدُّنيا، قال ابن كثيرٍ: هذه وصيَّةٌ من الله ﷿ لِوُلاة الأمور أن يحكموا بين النَّاس بالحقِّ المنزَّل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلُّوا عن سبيله، وقد توعَّد سبحانه من ضلَّ عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد (٢) الأكيد، والعذاب الشديد (وَقَرَأَ) الحسن أيضًا: (﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى﴾) يهدي إلى الحقِّ (﴿وَنُورٌ﴾) يكشف ما استُبِهمَ (٣) من الأحكام (﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾) انقادوا لحكم الله، وهو صفةٌ أُجريت للنَّبيِّين على سبيل المدح (﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾): تابوا من الكفر (﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾): الزُّهَّاد والعلماء، معطوفان على ﴿النَّبِيُّونَ﴾ (﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾) أي: (اسْتُودِعُوا ﴿مِن كِتَابِ اللّهِ﴾) ﴿مِن﴾ للتَّبيين، والضَّمير في ﴿اسْتُحْفِظُواْ﴾ للأنبياء والرَّبَّانيِّين والأحبار، والاستحفاظ من الله، أي: كلَّفهم الله حفظه (﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾): رُقبَاء؛ لئلَّا يُبدَّل (﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾) نهيٌ للحكَّام أن يخشَوا غير الله في حكوماتهم، ويداهنوا فيها؛ خشية ظالمٍ أو كبيرٍ (﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي﴾) ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتُها (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾) مستهينًا به (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤])
قال ابن عبَّاسٍ: من لم يحكم جاحدًا؛ فهو كافرٌ، وإن لم يكن جاحدًا (١)؛ فهو فاسقٌ ظالمٌ (﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾) أي: (استُودِعُوا ﴿مِن كِتَابِ اللّهِ﴾) وهذا ثابتٌ في رواية المُستملي، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ … » إلى آخره، (وَقَرَأَ) الحسن أيضًا: (﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾) أي: واذكرهما (﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾): في (٢) الزرع أو الكَرْم (﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾) أي: رَعَتْه ليلًا بلا راعٍ بأنِ انفلتت، فأكلته وأفسدته (﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾) أرادهما والمتحاكمينِ إليهما، أو استعمل ضمير الجمع لاثنين (﴿شَاهِدِينَ﴾) أي: بعلمنا ومرأًى منَّا، وكان داود ﵇ قد حكم بالغنم لأهل الحرث، وكانت قيمة الغنم على قدر النُّقصان في الحرث، فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشرة سنةً: غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين، فعزم عليه ليحكُمَنَّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى ربِّ الغنم حتَّى يصلح الحرث ويعود كهيئته (٣) يوم أفُسِد (٤)، ثمَّ يترادَّان، فقال: القضاء ما قضيتَ، وأمضى الحكم بذلك (﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾) أي: الحكومة (﴿سُلَيْمَانَ وَكُلًّا﴾) منهما (﴿آتَيْنَا حُكْمًا﴾) نبوَّةً (﴿وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]) معرفةً بموجب الحكم، قال الحسن: (فَحَمِدَ) اللهُ تعالى (سُلَيْمَانَ) لموافقته الأرجح (وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ) بفتح التَّحتيَّة وضمِّ اللَّام، من اللَّوم؛ لموافقته الرَّاجح، وقال العينيُّ: وفي نسخةٍ: «ولم يَذُمَّ» بالذَّال المعجمة، من الذَّمِّ، وتُعُقِّب بأنَّ قول الحسن هذا لا يليق بمقام داود؛ فقد جمعهما الله تعالى في الحكم والعلم، وميَّز سليمان بالفهم؛ وهو علمٌ خاصٌّ زاد على العامِّ، والأصحُّ أنَّ داود أصاب الحكم، وسليمان أُرشِد إلى الصُّلح، قال الحسن: (وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ) النَّبيَّين (لَرَأَيْتُ) بفتح الرَّاء والهمزة، جواب «لو»، واللَّام فيه للتَّأكيد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لَرُئِّيْتُ» بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة مشدَّدةً بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ مبنيًّا للمفعول، وسقط لأبي ذرٍّ «أمرِ (٥)» (أَنَّ القُضَاةَ) أي: قضاة زمنه (هَلَكُوا) لما تضمَّنه
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الشَّامل للعامد والمخطِئ (فَإِنَّهُ) تعالى (أَثْنَى عَلَى هَذَا) سليمان (بِعِلْمِهِ، وَعَذَرَ هَذَا) داود (بِاجْتِهَادِهِ) وفيه جواز الاجتهاد للأنبياء، وهل (١) إذا قلنا بجواز الاجتهاد لهم؛ هل (٢) يجوز عليهم الخطأ فيه؟ واتَّفق الفريقان على (٣) أنَّه لو أخطأ في اجتهاده؛ لم يُقَرَّ على الخطأ (٤).
(وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المخفَّفة وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، وزُفَر -بضمِّ الزَّاي وفتح الفاء- الكوفيُّ: (قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) بن مروان الأمويُّ، أمير المؤمنين المعدود من الخلفاء الرَّاشدين: (خَمْسٌ) من الخصال (إِذَا أَخْطَأَ القَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خُطَّةً» بخاءٍ معجمةٍ مضمومةٍ وطاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ مشدَّدةٍ (كَانَتْ) ولأبي ذرٍّ أيضًا عن الكُشْمِيهَنيِّ: «خَصْلةً كان» (فِيهِ وَصْمَةٌ) بفتح الواو وسكون الصَّاد المهملة، بوزن: تَمْرة، أي: عيبٌ (أَنْ يَكُونَ فَهِمًا) بكسر الهاء، وللمُستملي: «فَقِهًا»، والأُولى أَولى (حَلِيمًا) يُغضي (٥) على ما يؤذيه (٦)، ولا يُبادِر بانتقامه (عَفِيفًا) يكفُّ عن الحرام (٧) (صَلِيبًا) بفتح المهملة وكسر اللَّام مخفَّفةً وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة موحَّدةٌ، بوزن: عَظيمٍ، من الصَّلابة، أي: قويًّا شديدًا وقَّافًا عند الحقِّ، لا يميل إلى الهوى، ويستخلص الحقَّ من المبطِل ولا يُحابيه، ولا ينافي هذا قوله: «حليمًا»؛ لأنَّ ذاك في حقِّ نفسه، وهذا في حقِّ غيره (عَالِمًا) بالحكم الشَّرعيِّ، ويدخل فيه قوله: «فقِهًا» (٨)، ففهمًا أَولى من «فقِهًا» كما مرَّ (سَؤولًا) على وزن «فَعُول» أي: كثير السُّؤال (عَنِ العِلْمِ) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ في «سننه»، وابن سعدٍ في «طبقاته»، وقوله: «سَؤولًا» من تتمَّة الخامس؛ لأنَّ كمال العلم لا يحصل إلَّا بالسُّؤال؛ لأنَّه قد يظهر له ما هو أقوى ممَّا عنده.
(١٧) (باب رِزْقِ الحُكَّامِ) جمع حاكمٍ، من إضافة المصدر إلى المفعول (١) (وَ) رزق (العَامِلِينِ عَلَيْهَا) على الحكومات، أو العاملين على الصَّدقات، وصُوِّب بقرينة ذكر الرِّزق والعاملين، والرِّزق: ما يرتِّبُه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين، وقال في «المُغرِب»: الفرق بين الرِّزق والعطاء: أنَّ الرِّزق ما يخرج للجنديِّ من بيت المال في السَّنة مرَّةً أو مرَّتين، والعطاء (٢): ما يخرج له كلَّ شهرٍ (٣) (وَكَانَ شُرَيْحٌ) بضمِّ الشِّين المعجمة آخره حاءٌ مهملةٌ، ابن الحارث بن قيسٍ النَّخعيُّ الكوفيُّ (القَاضِي) بالكوفة عن عمر بن الخطَّاب، وهو من المُخَضْرَمِين، بل قيل: إنَّ له صحبةً، روى ابن السَّكن أنَّه قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنَّ لي أهل بيتٍ ذوي عددٍ باليمن، قال: «جِئ بهم»، قال: فجاء بهم والنَّبيُّ ﷺ قد قُبِض، وعنه أنَّه قال: وُلِّيتُ القضاء لعمر وعثمان وعليٍّ فمَن بعدهم إلى أن استعفيت من الحجَّاج، وكان له يوم استُعفيَ مئةٌ وعشرون سنةً، وعاش بعد ذلك سنةً، وقال ابن معين: كان في زمن النَّبيِّ ﷺ ولم يسمع منه (يَأْخُذُ عَلَى القَضَاءِ أَجْرًا) بفتح الهمزة وسكون الجيم، وهذا وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ، وإلى جواز أخذ القاضي الأجرةَ على الحكم ذهب الجمهور من أهل العلم من الصَّحابة وغيرهم؛ لأنَّه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، وكرهه طائفةٌ كراهة تنزيهٍ؛ منهم مسروقٌ، ورخَّص فيه الشَّافعيُّ وأكثر أهل العلم، وقال صاحب «الهداية» من الحنفيَّة: وإذا كان القاضي فقيرًا؛ فالأفضل بل (٤) الواجب أخذ كفايته، وإن كان غنيًّا؛ فالأفضل الامتناع عن أخذ الرِّزق من بيت المال؛ رفقًا ببيت المال (٥)، وقيل: الأخذ هو الأصحُّ؛ صيانةً للقضاء عن الهوان، ونظرًا لمن يأتي بعده من المحتاجين، ويأخذ بقدر الكفاية له ولعياله، وعن الإمام أحمد: لا يعجبني، وإن كان؛ فبقدر عمله؛ مثل وليِّ
اليتيم (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (يَأْكُلُ الوَصِيُّ) من مال (١) اليتيم (بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم: أجرة عمله بالمعروف بقدر حاجته، وصله ابن أبي شيبة عنها في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قالت: أُنزِل ذلك في مال والِ (٢) اليتيم يقوم عليه بما يُصلِحه، إن كان محتاجًا؛ يأكل منه (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵁ لمَّا استُخلِف بعد أن قال -كما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة-: قد علم قومي أنَّ حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وقد شُغِلت بأمر المسلمين، وأسنده البخاريُّ في «البيوع» [خ¦٢٠٧٠] وبقيَّته: فيأكل آل أبي بكرٍ من هذا المال (و) كذا أكل (٣) (عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ هو وأهله لمَّا وُلِّيها، وقال -فيما رواه ابن أبي شيبة (٤) وابن سعدٍ-: إنِّي أنزلتُ نفسي من مال الله منزلة قيِّم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف، وسنده صحيحٌ.