الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٧٦
الحديث رقم ٧١٧٦ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العرفاء للناس.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧١٧٦ - ٧١٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ:
هزم النبي صلىالله عليه وسلم قبيلة هوازن في غزوة حنين بعد فتح مكة، ثم جاء جماعة من هوازن بعد أن أسلموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يُرجِع إليهم أموالَهم ونساءهم وأطفالهم الذين أُخذوا في القتال، فرد عليهم صلى الله عليه وسلم بأن قال: أحب الحديث لدي هو الحديث الصادق، وخيّرهم بين أن يُرجع إليهم الأموال المغنومة أو النساء والأطفال، وهم السبي، وكان فقد انتظرهم النبي صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلةً بعد المعركة، فلم يقسم الغنائم ليحضروا، فأبطأوا، وعندما رجع من الطائف إلى الجِعرانة قسم الغنائم بها قبل مجيئهم، فلما رأى وفد هوازن أنه عليه الصلاة والسلام لن يعيد لهم إلا واحدًا من الطلبين: المال أو السبي، اختاروا أن يعيد لهم السبي، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن وفد هوازن جاءوا لنا تائبين، ورأيت أن أعيد لهم سبيهم، فمن أحب دفع السبي إلى هوازن مجانًا من غير عوض عن طيب نفسٍ فليفعل، ومن أحب أن يكون على نصيبه من السبي حتى نعوضه له من أول مال للفيء يعطينا الله له فليفعل، فقال الناس: قد طابت أنفسنا بأن نعطيهم سبيهم لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: إنا لا ندري من الذين أذنوا منكم بأخذ السبي ومن لم يأذن، فارجعوا حتى يخبرنا بذلك عرفاؤكم ونقباؤكم الذين يَعْرِفون أمور أقوامهم، وأراد عليه الصلاة والسلام بذلك التقصي والتأكد من أمرهم استطابة لنفوسهم، فلما رجع الناس وكلمهم نقباؤهم في ذلك فطابت نفوسهم به، فأخبر النقباء النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس قد طابت نفوسهم وأذنوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد السبي إليهم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابُ اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِي) أَيْ تَوْلِيَتِهِمُ الْقَضَاءَ (وَاسْتِعْمَالِهِمْ) أَيْ عَلَى إِمْرَةِ الْبِلَادِ حَرْبًا أَوْ خَرَاجًا أَوْ صَلَاةً.
قَوْلُهُ: (كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ فِي الرَّضَاعِ.
قَوْلُهُ: (يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ) أَيِ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَيْدٌ أَيِ ابْنُ حَارِثَةَ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَيِ الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ وَهُوَ مَوْلَى عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعَصَبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَأَفَادَ سَبَبُ تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ فِي بَابِ إِمَامَةِ الْمَوْلَى وَالْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْكَالِ عَدِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا هَاجَرَ صُحْبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَكَرْتُ جَوَابَ الْبَيْهَقِيِّ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ اسْتَمَرَّ يَؤُمُّهُمْ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَنَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ قَبْلَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ بِهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا جَاءَ إِلَى قُبَاءَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، ثُمَّ قَدِمَ بِلَالٌ، وَسَعْدٌ، وَعَمَّارٌ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سَمَّى مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَأَنَّ الْبَقِيَّةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ قَدِمَ مُهَاجِرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ أَبُو بَكْرٍ وَلَا أَبُو سَلَمَةَ فِي الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ ذَكَرَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتَمُّ بِسَالِمٍ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ سَالِمٌ.
وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمِ سَالِمٍ وَهُوَ مَوْلًى عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْأَحْرَارِ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ رِضًا فِي أَمْرِ الدِّينِ فَهُوَ رِضًا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، فَيَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْإِمْرَةَ عَلَى الْحَرْبِ وَعَلَى جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَأَمَّا الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى فَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قُرَشِيًّا، وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: ابْنُ أَبْزَى يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: اسْتَعْمَلْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ.
٢٦ - بَاب الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ
٧١٧٦، ٧١٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ فيكم مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.
قَوْلُهُ (بَابُ الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ جَمْعُ عَرِيفٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ: مِنْ عَرَفْتُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ عَلَى الْقَوْمِ أَعْرُفُ بِالضَّمِّ، فَأَنَا عَارِفٌ وَعَرِيفٌ، أَيْ وُلِّيتُ أَمْرَ سِيَاسَتِهِمْ وَحِفْظَ أُمُورِهِمْ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَتَعَرَّفُ أُمُورَهُمْ حَتَّى يُعَرِّفَ بِهَا مَنْ فَوْقَهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ. وَقِيلَ الْعَرِيفُ دُونَ الْمَنْكِبِ وَهُوَ دُونَ الْأَمِيرِ.
قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ لِيَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ أَذِنَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ حَتَّى أَذِنَ لَهُ بِالْأَفْرَادِ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْقِطْعَةُ مُقْتَطَعَةٌ مِنْ قِصَّةِ السَّبْيِ الَّذِي غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي وَقْعَةِ حُنَيْنٍ وَنُسِبُوا إِلَى هَوَازِنَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رَأْسَ تِلْكَ الْوَقْعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ وَتَفْصِيلُ الْأَمْرِ فِيهِ فِي وَقْعَةِ حُنَيْنٍ، وَأَخْرَجَهَا هُنَاكَ مُطَوَّلَةً مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَفِيهِ: وَإِنِّي رَأَي تُ أَنِّي أَرُدُّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ. وَفِيهِ: فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبَنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَدْرِي إِلَخْ.
قَوْلُهُ (مَنْ أَذِنَ فِيكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْكُمْ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نِسْبَةَ الْإِذْنِ وَغَيْرِهِ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةً: وَلَكِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، فَالْأَغْلَبُ الْأَكْثَرُ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَرُدُّوا السَّبْيَ لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَبَعْضُهُمْ رَدَّهُ بِشَرْطِ التَّعْوِيضِ، وَمَعْنَى طَيَّبُوا وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ حَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى تَرْكِ السَّبَايَا حَتَّى طَابَتْ بِذَلِكَ، يُقَالُ: طَيَّبْتُ نَفْسِي بِكَذَا إِذَا حَمَلْتُهَا عَلَى السَّمَاحِ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ فَطَابَتْ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ طَيَّبْتُ بِنَفْسِ فُلَانٍ إِذَا كَلَّمْتُهُ بِكَلَامٍ يُوَافِقُهُ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ طَابَ الشَّيْءُ إِذَا صَارَ حَلَالًا، وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ أَيْ يَجْعَلَهُ حَلَالًا، وَقَوْلُهُمْ طَيَّبْنَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعُرَفَاءِ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ إِقَامَةِ الْعُرَفَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُبَاشِرَ جَمِيعَ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجَ إِلَى إِقَامَةِ مَنْ يُعَاوِنُهُ لِيَكْفِيَهُ مَا يُقِيمُهُ فِيهِ، قَالَ: وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْجَمِيعِ يَقَعُ التَّوَكُّلُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ فَرُبَّمَا وَقَعَ التَّفْرِيطُ، فَإِذَا أَقَامَ عَلَى كُلِّ قَوْمٍ عَرِيفًا لَمْ يَسَعْ كُلَّ أَحَدٍ إِلَّا الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ، فَإِنَّ الْعُرَفَاءَ مَا أَشْهَدُوا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ شَاهِدَيْنِ بِالرِّضَا، وَإِنَّمَا أَقَرَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ وَهُمْ نُوَّابٌ لِلْإِمَامِ، فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَرْفَعُ حُكْمَهُ إِلَى حَاكِمٍ آخَرَ مُشَافَهَةً فَيُنْفِذُهُ إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيَّ كَانَ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ حَتَّى جَمَعَ الْعُرَفَاءَ وَاجْتَمَعَ الْأُمَنَاءُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي ذَمِّ الْعُرَفَاءِ لَا يَمْنَحُ إِقَامَةَ الْعُرَفَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ - إِنْ ثَبَتَ - عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعُرَفَاءِ الِاسْتِطَالَةُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَتَرْكُ الْإِنْصَافِ الْمُفْضِي إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ رَفَعَهُ: الْعَرَافَةُ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عَرِيفٍ، وَالْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ وَلِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَالْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ. ظَاهِرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الضَّمِيرِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعَرَافَةَ عَلَى خَطَرٍ، وَمَنْ بَاشَرَهَا غَيْرُ آمِنٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ الْمُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا لِئَلَّا يَتَوَرَّطَ فِيمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى النَّارِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ، حَيْثُ تَوَعَّدَ الْأُمَرَاءَ بِمَا تَوَعَّدَ بِهِ الْعُرَفَاءَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧١٧٦ - ٧١٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عقبة بن أبي (١) عيَّاش (عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ) كلاهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ) أي: حين أذن المسلمون له ﷺ ومن معه أو من أقامه (فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ) وكانوا جاؤوه مسلمين، وسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لأصحابه: «إنِّي قد (٢) رأيت أن أردَّ إليهم (٣) سَبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطَيِّب بذلك فليفعل، ومن أحبَّ منكم (٤) أن يكون على حظِّه حتَّى نعطيه إيَّاه من أوَّل ما يفيء الله علينا فليفعل»، فقال الناس: قد طيَّبنا (٥) ذلك (فَقَالَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ (٦)) في ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيكم» (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: العرفاء (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) له ﷺ أن يعتق السَّبي، و «طيَّبوا» بتشديد التَّحتيَّة، أي: حملوا أنفسهم على ترك السَّبايا حتَّى طابت بذلك، وفيه -كما قال ابن بطَّالٍ- مشروعيَّة إقامة العرفاء؛ لأنَّ الإمام لا يُمكِنه أن يُباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه؛ ليكفيه ما يقيمه فيه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابُ اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِي) أَيْ تَوْلِيَتِهِمُ الْقَضَاءَ (وَاسْتِعْمَالِهِمْ) أَيْ عَلَى إِمْرَةِ الْبِلَادِ حَرْبًا أَوْ خَرَاجًا أَوْ صَلَاةً.
قَوْلُهُ: (كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ فِي الرَّضَاعِ.
قَوْلُهُ: (يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ) أَيِ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَيْدٌ أَيِ ابْنُ حَارِثَةَ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَيِ الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ وَهُوَ مَوْلَى عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعَصَبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، فَأَفَادَ سَبَبُ تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ فِي بَابِ إِمَامَةِ الْمَوْلَى وَالْجَوَابُ عَنِ اسْتِشْكَالِ عَدِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا هَاجَرَ صُحْبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَكَرْتُ جَوَابَ الْبَيْهَقِيِّ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ اسْتَمَرَّ يَؤُمُّهُمْ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَنَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ قَبْلَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ بِهَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا جَاءَ إِلَى قُبَاءَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، ثُمَّ قَدِمَ بِلَالٌ، وَسَعْدٌ، وَعَمَّارٌ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سَمَّى مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَأَنَّ الْبَقِيَّةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ قَدِمَ مُهَاجِرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُ أَبُو بَكْرٍ وَلَا أَبُو سَلَمَةَ فِي الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ ذَكَرَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتَمُّ بِسَالِمٍ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ سَالِمٌ.
وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمِ سَالِمٍ وَهُوَ مَوْلًى عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْأَحْرَارِ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ رِضًا فِي أَمْرِ الدِّينِ فَهُوَ رِضًا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، فَيَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْإِمْرَةَ عَلَى الْحَرْبِ وَعَلَى جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، وَأَمَّا الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى فَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قُرَشِيًّا، وَقَدْ مَضَى الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: ابْنُ أَبْزَى يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: اسْتَعْمَلْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى! قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ.
٢٦ - بَاب الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ
٧١٧٦، ٧١٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ فيكم مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ. فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.
قَوْلُهُ (بَابُ الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ جَمْعُ عَرِيفٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ: مِنْ عَرَفْتُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ عَلَى الْقَوْمِ أَعْرُفُ بِالضَّمِّ، فَأَنَا عَارِفٌ وَعَرِيفٌ، أَيْ وُلِّيتُ أَمْرَ سِيَاسَتِهِمْ وَحِفْظَ أُمُورِهِمْ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَتَعَرَّفُ أُمُورَهُمْ حَتَّى يُعَرِّفَ بِهَا مَنْ فَوْقَهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ. وَقِيلَ الْعَرِيفُ دُونَ الْمَنْكِبِ وَهُوَ دُونَ الْأَمِيرِ.
قَوْلُهُ: (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ لِيَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (حِينَ أَذِنَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ حَتَّى أَذِنَ لَهُ بِالْأَفْرَادِ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْقِطْعَةُ مُقْتَطَعَةٌ مِنْ قِصَّةِ السَّبْيِ الَّذِي غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي وَقْعَةِ حُنَيْنٍ وَنُسِبُوا إِلَى هَوَازِنَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رَأْسَ تِلْكَ الْوَقْعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ وَتَفْصِيلُ الْأَمْرِ فِيهِ فِي وَقْعَةِ حُنَيْنٍ، وَأَخْرَجَهَا هُنَاكَ مُطَوَّلَةً مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَفِيهِ: وَإِنِّي رَأَي تُ أَنِّي أَرُدُّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ. وَفِيهِ: فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبَنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَدْرِي إِلَخْ.
قَوْلُهُ (مَنْ أَذِنَ فِيكُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْكُمْ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.
قَوْلُهُ (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا) تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نِسْبَةَ الْإِذْنِ وَغَيْرِهِ إِلَيْهِمْ حَقِيقَةً: وَلَكِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، فَالْأَغْلَبُ الْأَكْثَرُ طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَرُدُّوا السَّبْيَ لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَبَعْضُهُمْ رَدَّهُ بِشَرْطِ التَّعْوِيضِ، وَمَعْنَى طَيَّبُوا وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ حَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى تَرْكِ السَّبَايَا حَتَّى طَابَتْ بِذَلِكَ، يُقَالُ: طَيَّبْتُ نَفْسِي بِكَذَا إِذَا حَمَلْتُهَا عَلَى السَّمَاحِ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ فَطَابَتْ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ طَيَّبْتُ بِنَفْسِ فُلَانٍ إِذَا كَلَّمْتُهُ بِكَلَامٍ يُوَافِقُهُ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ طَابَ الشَّيْءُ إِذَا صَارَ حَلَالًا، وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ أَيْ يَجْعَلَهُ حَلَالًا، وَقَوْلُهُمْ طَيَّبْنَا فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعُرَفَاءِ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ إِقَامَةِ الْعُرَفَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُبَاشِرَ جَمِيعَ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجَ إِلَى إِقَامَةِ مَنْ يُعَاوِنُهُ لِيَكْفِيَهُ مَا يُقِيمُهُ فِيهِ، قَالَ: وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْجَمِيعِ يَقَعُ التَّوَكُّلُ فِيهِ مِنْ بَعْضِهِمْ فَرُبَّمَا وَقَعَ التَّفْرِيطُ، فَإِذَا أَقَامَ عَلَى كُلِّ قَوْمٍ عَرِيفًا لَمْ يَسَعْ كُلَّ أَحَدٍ إِلَّا الْقِيَامُ بِمَا أُمِرَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ بِغَيْرِ إِشْهَادٍ، فَإِنَّ الْعُرَفَاءَ مَا أَشْهَدُوا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ شَاهِدَيْنِ بِالرِّضَا، وَإِنَّمَا أَقَرَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ وَهُمْ نُوَّابٌ لِلْإِمَامِ، فَاعْتَبِرْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَرْفَعُ حُكْمَهُ إِلَى حَاكِمٍ آخَرَ مُشَافَهَةً فَيُنْفِذُهُ إِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيَّ كَانَ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ حَتَّى جَمَعَ الْعُرَفَاءَ وَاجْتَمَعَ الْأُمَنَاءُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي ذَمِّ الْعُرَفَاءِ لَا يَمْنَحُ إِقَامَةَ الْعُرَفَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ - إِنْ ثَبَتَ - عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعُرَفَاءِ الِاسْتِطَالَةُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَتَرْكُ الْإِنْصَافِ الْمُفْضِي إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ رَفَعَهُ: الْعَرَافَةُ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عَرِيفٍ، وَالْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ وَلِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَيْلٌ لِلْأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَالْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ. ظَاهِرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الضَّمِيرِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعَرَافَةَ عَلَى خَطَرٍ، وَمَنْ بَاشَرَهَا غَيْرُ آمِنٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ الْمُفْضِي إِلَى الْعَذَابِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا لِئَلَّا يَتَوَرَّطَ فِيمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى النَّارِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ، حَيْثُ تَوَعَّدَ الْأُمَرَاءَ بِمَا تَوَعَّدَ بِهِ الْعُرَفَاءَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧١٧٦ - ٧١٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضمِّ الهمزة وفتح الواو قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عقبة بن أبي (١) عيَّاش (عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ) كلاهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ أَذِنَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ) أي: حين أذن المسلمون له ﷺ ومن معه أو من أقامه (فِي عِتْقِ سَبْيِ هَوَازِنَ) وكانوا جاؤوه مسلمين، وسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لأصحابه: «إنِّي قد (٢) رأيت أن أردَّ إليهم (٣) سَبيهم، فمن أحبَّ منكم أن يُطَيِّب بذلك فليفعل، ومن أحبَّ منكم (٤) أن يكون على حظِّه حتَّى نعطيه إيَّاه من أوَّل ما يفيء الله علينا فليفعل»، فقال الناس: قد طيَّبنا (٥) ذلك (فَقَالَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ (٦)) في ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيكم» (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: العرفاء (فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) له ﷺ أن يعتق السَّبي، و «طيَّبوا» بتشديد التَّحتيَّة، أي: حملوا أنفسهم على ترك السَّبايا حتَّى طابت بذلك، وفيه -كما قال ابن بطَّالٍ- مشروعيَّة إقامة العرفاء؛ لأنَّ الإمام لا يُمكِنه أن يُباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه؛ ليكفيه ما يقيمه فيه.