الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7378
الحديث رقم 7378 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ وَ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
⦗١١٦⦘
وَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قَالَ يَحْيَى الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
قوله: «ليس أحدٌ، أو: ليس شيءٌ أصبرَ» أي: الله تعالى أشد صبرًا من أي أحد، ومن أسمائه الحسنى «الصبور»، ومعناه: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة، وهو قريب من معنى الحليم، والحليم أبلغ في السلامة من العقوبة.
قوله: «على أذى سمعه من الله» لفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره، وضعف أثره من الشر والمكروه، وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه، كما قال تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللهَ شَيْئاً}، وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) فبين أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه.
قوله: «إنَّهم لَيَدْعُون له ولدًا» أي: أن ابن آدم يؤذي الله تعالى ويسبه، بإضافة ما يتعالى ويتقدس عنه، مثل نسبة الولد إليه تعالى والند والشريك في العبادة، التي يجب أن تكون خالصة له وحده.
وقوله: «وإنَّه ليُعافِيهم ويرزُقُهم» أي: أنه تعالى يقابل إساءتهم بالإحسان، فهم يسيئون إليه تعالى بالعيب والسب، ودعوى ما يتعالى عنه ويتقدس، وتكذيب رسله ومخالفة أمره، وفعل ما نهاهم عن فعله، وهو يحسن إليهم بصحة أبدانهم، وشفائهم من أسقامهم، وحفظهم بالليل والنهار مما يعرض لهم، ويرزقهم بتسخير ما في السماوات والأرض لهم، وهذا غاية الصبر والحلم والإحسان، والله أعلم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَقَالُوا: كَانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنَا بِدُعَاءِ إِلَهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ، فَنَزَلَتْ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ نَحْوَهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ: هُوَ إِمَّا ابْنُ سَلَّامٍ، وَإِمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ابْنُ سَلَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِهِ، كَمَا صَنَعَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ح عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْمُثَنَّى لَقَالَ: حَدَّثَنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ؛ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْحَفْصَوِيِّ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ إِلَخْ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالْكِرْمَانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِمْ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ خِلَافَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ كَذَلِكَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ) الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: وَيَرْزُقُهُمْ وَقَوْلُهُ: يَدْعُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ وَجَاءَ تَشْدِيدُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْبَابُ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى: صِفَةُ ذَاتٍ، وَصِفَةُ فِعْلٍ، فَالرِّزْقُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا، وَاللَّهُ ﷾ كَانَ وَلَا مَرْزُوقٌ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الرَّزَّاقُ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ.
وَالْقُوَّةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ ﷾ ذَا قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ، وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَتُهُ مَوْجُودَةً قَائِمَةً بِهِ مُوجِبَةً لَهُ حُكْمَ الْقَادِرِينَ.
وَالْمَتِينُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الثَّابِتُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْقَوِيُّ التَّامُّ الْقُدْرَةِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَجْزٌ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَالْقَادِرُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ الشَّامِلَةُ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَالْمُقْتَدِرُ هُوَ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ذُو الْقُوَّةِ: الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ وَالْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ، فَجَرَى عَلَى طَرِيقتهِمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَةَ نَفْسِيَّةٌ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَقْدُورٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَوْنُ الْقُدْرَةِ قَدِيمَةً
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن جبير» (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حَبيِّبٍ، بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (السُّلَمِيِّ) الكوفيِّ المقرئ، ولأبيه (١) صحبةٌ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) ولأبي ذرٍّ بالرَّفع «أفعل» تفضيل من الصَّبر، وهو حبس النَّفس على المكروه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، فالمرادُ لازمُه، وهو ترك المعاجلة بالعقوبة (عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ) بتشديد الدَّال (لَهُ) أي: ينسبون إليه (الوَلَدَ) واستُشكِل بأنَّ الله تعالى مُنزَّهٌ عن الأذى، وأجيب بأنَّ المراد أذًى يلحق أنبياءه؛ إذ في إثبات الولد إيذاءٌ للنَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه تكذيبٌ له وإنكارٌ لمقالته (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) من العِلَل والبليَّات والمكروهات (وَيَرْزُقُهُمْ) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها، مقابلةً للسَّيِّئات بالحسنات، والرَّزَّاق خالق الأرزاق والأسباب التي يُتمتَّع بها، والرِّزق هو المنتَفَعُ به، وكل ما يُنتَفَع به فهو رِزقُه، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، والرِّزق نوعان: محسوسٌ ومعقولٌ؛ ولذا قال بعض المحقِّقين: الرَّزَّاق مَن رَزَق الأشباحَ فوائدَ (٢) لطفه، والأرواحَ عوائدَ كشفه، وقال القرطبيُّ: الرِّزق في ألسنة المحدِّثين السَّماع، يقال: رزقٌ، يعنون به: سماع الحديث، قال: وهو صحيحٌ. انتهى. وحظُّ العارف منه أن يتحقَّق (٣) معناه؛ ليتيقَّن (٤) أنَّه لا يستحقُّه إلَّا الله، فلا ينتظر الرِّزق ولا يتوقَّعه إلَّا منه، فَيكِل أمره إليه ولا يتوكَّل فيه إلَّا عليه، ويجعل يده خزانة ربِّه، ولسانه وَصْلةً بين الله وبين النَّاس في وصول الأرزاق الرُّوحانية والجسمانية إليهم؛ بالإرشاد والتَّعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك؛ لينال حظًّا من هذه الصِّفة، قال القشيريُّ أبو القاسم: من عرف أنَّ الله هو الرَّزَّاق أفرده بالقصد إليه (٥)، وتقرَّب إليه بدوام التَّوكل عليه، أرسل الشِّبليُّ إلى غنيٍّ أنِ ابعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه: سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشِّبليُّ: الدُّنيا حقيرةٌ وأنت حقيرٌ،
وإنَّما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي، فسَمَت همَّته العليَّة ألَّا يطلب من الله تعالى الأشياء الخسيسة، ومناسبة الآية للحديث اشتماله على صفتَي الرِّزق والقوَّة الدَّالة على القدرة، أمَّا الرِّزق فمن قوله: «ويرزقهم» وأمَّا القوَّة فمن قوله: «أصبر» فإنَّ فيه إشارةً إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبع البشر، فإنَّه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلَّا مِن جِهة تكليفه ذلك شرعًا، قاله ابن المُنيِّر.
وسبق الحديث في «الأدب» في «باب الصبر على الأذى» [خ¦٦٠٩٩].
(٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم الغيب (﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾) فلا يُطْلِع (﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾) من خلقه ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] أي: إلَّا رسولًا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلِعه على غيبه ما شاء و ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَنِ ارْتَضَى﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات (١)؛ لأنَّ الذين تُضَاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب. انتهى. وأُجيب: بأنَّ قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ لفظٌ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحدًا إلَّا الرُّسل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾؟ [الأنبياء: ١٠٩] وتُعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل أيضًا لم يُظهَروا على ذلك، وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول: بالمَلَكِ، والإظهار: بما يكون من غير واسطةٍ، وكرامات الأولياء على المغيَّبات (٢) إنَّما
تكون تلقِّيًا عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء، وقال الطِّيبيُّ: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضَّعف والخفاء، فإنَّ إطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ فضُمِّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى يُطْلِع، أي: فلا يُظهِر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلَّا من ارتضى من رسولٍ فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطلِع النَّبيَّ على الغيب، يوحي إليه أو يرسل إليه الملك، وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء.
(وَ) بابُ قول الله تعالى: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: وقت قيامها (وَ) قوله تعالى: (﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم، وقوله تعالى: (و ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]) هو في موضع الحال، أي: إلَّا معلومةٌ له (١)، وقوله تعالى: (﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]) أي: علم قيامها يردُّ إليه، أي: يجب على المسؤول (٢) أن يقول: الله أعلم بذلك.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ زِيادٍ) الفرَّاء المشهور في «كتاب معاني القرآن» له: (الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وقال غيره: الظَّاهر: الجليُّ وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه، والباطن: المحتجب كُنْه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل: الظَّاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقال الشَّيخ أبو حامد (٣): اعلم أنَّه إنَّما خفي مع ظهوره؛ لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر بما يفيض عليك من العطاء والنَّعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء، وقيل: الظَّاهر لقومٍ فلذلك وحَّدوه، والباطن عن قومٍ فلذلك جحدوه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فَفاضَتْ عَيْناهُ، فَقَالَ لهُ سَعْدٌ: يَا رسُولَ الله مَا هاذَا؟ قَالَ: هذِهِ رَحْمَةٌ جعَلَها الله فِي قُلُوبِ عِبادِهِ، وإنّما يَرْحَمُ الله مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب قَول النَّبِي، يعذب الْمَيِّت بِبَعْض بكاء أَهله.
قَوْله: تَدعُوهُ إِلَى ابْنهَا قد تقدم فِي كتاب المرضى أَنَّهَا قَالَت: إِن ابْنَتي، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث لم يضبطه الرَّاوِي فَمرَّة قَالَ: صبية، وَمرَّة قَالَ: صَبيا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنَّهُمَا قضيتان. قلت: احْتِمَال بعيد. قَوْله: تقَعْقع أَي: تضطرب وتتحرك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي صَارَت فِي صَدره كَأَنَّهَا فوَاق. قَوْله: شن بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون وَهِي الْقرْبَة الْخلقَة. قَوْله: مَا هَذَا؟ فِيهِ اسْتِعْمَال الْإِشَارَة وَهُوَ اسْتِعْمَال الْعَرَب، ويروى: مَا هَذِه؟ قَوْله: الرُّحَمَاء مَنْصُوب بقوله: يرحم الله وَهُوَ جمع رَحِيم، كالكرماء جمع كريم.
٣
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}
)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} هَذِه هِيَ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، وَبهَا رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي والنسفي وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: أَنا الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين وَعَلِيهِ جرى ابْن بطال، وَقَالَ: إِن الَّذِي وَقع عِنْد أبي ذَر وَغَيره لظنهم أَنه خلاف الْقِرَاءَة، قَالَ: وَقد ثَبت ذَلِك قِرَاءَة عَن ابْن مَسْعُود، وَذكر أَن النَّبِي أقرأه كَذَلِك أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَالْحَاكِم صَححهُ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَقْرَأَنِي رَسُول الله فَذكره. وَقَالَ بَعضهم: تبع الْكرْمَانِي ابْن بطال فِيمَا قَالَه. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي هَكَذَا، وَإِنَّمَا لَفظه: بَاب قَول الله عز وَجل: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} وَفِي بَعْضهَا: إِنِّي أَنا الرَّزَّاق، وَقَالَ بَعضهم، هُوَ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
٧٣٧٨ - حدّثنا عبْدَانُ، عنْ أبي حَمْزَةَ، عنِ الأعْمَشِ، عنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ، عنْ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحَدٌ أصْبَرُ عَلى أَذَى سَمِعَهُ مِنَ الله، يَدَّعُونَ لهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعافِيهِمْ ويَرْزُقُهُمْ.
انْظُر الحَدِيث ٦٠٩٩
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب بن ربيعَة السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: أَصْبِر أفعل تَفْضِيل، قيل: الصَّبْر حبس النَّفس على الْمَكْرُوه، وَالله تَعَالَى منزه عَنهُ، وَأجِيب: بِأَن المُرَاد لَازمه وَهُوَ ترك المعاجلة بالعقوبة. قَوْله: على أَذَى قيل: إِنَّه منزه عَن الْأَذَى، وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بِهِ أَذَى يلْحق أنبياءه إِذْ فِي إِثْبَات الْوَلَد إِيذَاء للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لِأَنَّهُ تَكْذِيب لَهُ وإنكار لمقالته. قَوْله: يدعونَ لَهُ الْوَلَد أَي: ينسبون إِلَيْهِ وينسبونه لَهُ، ثمَّ يدْفع عَنْهُم المكروهات من الْعِلَل والبليات. قَوْله: ويرزقهم اخْتلفُوا فِي الرزق، فالجمهور على أَنه مَا ينْتَفع بِهِ العَبْد غذَاء أَو غَيره حَلَالا أَو حَرَامًا، وَقيل: هُوَ الْغذَاء، وَقيل: هُوَ الْحَلَال، قيل: الْقُدْرَة قديمَة وَإِضَافَة الرزق حَادِثَة. وَأجِيب: بِأَن التَّعَلُّق حَادث واستحالة الْحُدُوث إِنَّمَا هِيَ فِي الصِّفَات الذاتية لَا فِي الفعليات والإضافيات. قَوْله: من الله صلَة: لأصبر، وَوَقع الفاصلة بَينهمَا لِأَنَّهَا لَيست أَجْنَبِيَّة.
(بابُ قولِ الله تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الَاْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} {لَّاكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَاّ فِى كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى قَالُو اْءَاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {عَالم الْغَيْب} الخ ذكر هُنَا خمس قطع من خمس آيَات: الأولى: قَوْله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} يَعْنِي الله عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا، إلَاّ من ارتضى من رَسُول اخْتَارَهُ فِيمَا يَقُوله، وَالرَّسُول إِمَّا جَمِيع الرُّسُل أَو جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، لِأَنَّهُ الْمبلغ لَهُم وَاخْتلف فِي المُرَاد بِالْغَيْبِ فَقيل: هُوَ على عُمُومه، وَقيل: مَا يتَعَلَّق بِالْوَحْي خَاصَّة، وَقيل: مَا يتَعَلَّق بِعلم السَّاعَة، وَهُوَ ضَعِيف، لِأَن علم السَّاعَة مِمَّا استاثر الله بِعِلْمِهِ، إلَاّ أَن ذهب قَائِل ذَلِك بِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَفِي الْآيَة رد على المنجمين وعَلى كل من يَدعِي أَنه يطلع على مَا سَيكون من حَيَاة أَو موت أَو غير ذَلِك، لِأَنَّهُ مكذب لِلْقُرْآنِ. الْآيَة الثَّانِيَة: قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الَاْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَن رجلا يُقَال لَهُ: الْوَارِث بن عَمْرو بن حَارِثَة، من أهل الْبَادِيَة أَتَى النَّبِي، فَسَأَلَهُ عَن السَّاعَة ووقتها، وَقَالَ إِن أَرْضنَا أجدبت، فَمَتَى ينزل الْغَيْث؟ وَتركت امْرَأَتي حُبْلَى فَمَتَى تَلد؟ وَقد علمت أَيْن ولدت فَبِأَي أَرض أَمُوت؟ وَقد علمت مَا عملت الْيَوْم فَمَاذَا أعمل غَدا؟ ... فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. الْآيَة الثَّالِثَة: فِي الْحجَج القاطعة فِي إِثْبَات الْعلم لله تَعَالَى، وحرفه صَاحب الاعتزال نصْرَة لمذهبه، فَقَالَ: أنزلهُ ملتبساً بِعِلْمِهِ الْخَاص وَهُوَ تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عَنهُ كل بليغ، ورد عَلَيْهِ بِأَن نظم الْعبارَات لَيْسَ هُوَ نفس الْعلم الْقَدِيم بل دَال عَلَيْهِ. الْآيَة الرَّابِعَة: كالآية الأولى فِي إِثْبَات الْعلم. وَالْآيَة الْخَامِسَة: فمعناها لَا يعلم مَتى وَقت قِيَامهَا غَيره، فالتقدير إِلَيْهِ يرد علم وَقت السَّاعَة.
قَالَ يَحْياى: الظاهِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، والباطِنُ عَلى كلِّ شَيْءٍ عِلْماً.
يحيى هَذَا هُوَ ابْن زِيَاد الْفراء النَّحْوِيّ الْمَشْهُور، ذكر ذَلِك فِي كتاب مَعَاني الْقُرْآن لَهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحيى، قيل: هُوَ ابْن زِيَاد بن عبد الله بن مَنْظُور الذهلي، وَهُوَ الَّذِي نقل عَنهُ البُخَارِيّ فِي كتاب مَعَاني الْقُرْآن قلت: هُوَ الْفراء بِعَيْنِه وَلَكِن قَوْله: الذهلي، غلط لِأَن الْفراء ديلمي كُوفِي مولى بني أَسد، وَقيل: مولى بني منقر. وَالظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ، وَمَات الْفراء فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ فِي طَرِيق مَكَّة وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْفراء وَلم يكن يعْمل الْفراء وَلَا يَبِيعهَا، لِأَنَّهُ كَانَ يفري الْكَلَام. ومنظور، بالظاء الْمُعْجَمَة. قَوْله: الْبَاطِن على كل شَيْء ويروى: الْبَاطِن بِكُل شَيْء، يَعْنِي: الْعَالم بظواهر الْأَشْيَاء وبواطنها. وَقيل: الظَّاهِر أَي: دلائله، الْبَاطِن بِذَاتِهِ عَن الْحَواس، أَي: الظَّاهِر عِنْد الْعقل الْبَاطِن عِنْد الْحس وَهُوَ تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى: {هُوَ الَاْوَّلُ وَالَاْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}
٧٣٧٩ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ، حدّثنا سُلَيْمانُ بن بِلالٍ، حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُها إلاّ الله: لَا يَعْلَمُ مَا تَغيضُ الأرْحامُ إلاّ الله، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَد إلاّ الله، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحَدٌ إلاّ الله، وَلَا تدْري نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا الله، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعةُ إلاّ الله.
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي آخر الاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: مَفَاتِيح الْغَيْب اسْتِعَارَة إِمَّا مكنية وَإِمَّا مصرحة، وَلما كَانَ جَمِيع مَا فِي الْوُجُود محصوراً فِي علمه شبهه الشَّارِع بالمخازن واستعار لبابها الْمِفْتَاح، وَالْحكمَة فِي كَونهَا خمْسا الْإِشَارَة إِلَى حصر العوالم فِيهَا، فَفِي قَوْله: مَا تغيض الْأَرْحَام إِشَارَة إِلَى مَا يزِيد فِي النَّفس وَينْقص، وَخص الرَّحِم بِالذكر لكَون الْأَكْثَر يعرفونها بِالْعَادَةِ وَمَعَ ذَلِك يَنْفِي أَن يعرف أحد حَقِيقَتهَا. وَفِي قَوْله: وَلَا يعلم مَتى يَأْتِي الْمَطَر إِشَارَة إِلَى الْعَالم الْعلوِي، وَخص الْمَطَر مَعَ أَن لَهُ أسباباً قد تدل بجري الْعَادة على وُقُوعه لكنه من غير تَحْقِيق، وَفِي قَوْله: وَلَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِشَارَة إِلَى أُمُور الْعَالم السفلي مَعَ أَن عَادَة أَكثر النَّاس أَن يَمُوت بِبَلَدِهِ، وَلَكِن لَيْسَ ذَلِك حَقِيقَة، بل لَو مَاتَ فِي بَلَده لَا يعلم فِي أَي بقْعَة يدْفن فِيهَا وَلَو كَانَ هُنَاكَ مَقْبرَة لأسلافه بل قبر أعده هُوَ لَهُ. وَفِي قَوْله: وَلَا يعلم مَا فِي غَد إلَاّ الله إِشَارَة إِلَى أَنْوَاع الزَّمَان وَمَا فِيهَا من الْحَوَادِث، وَعبر بِلَفْظ: غَد، لكَون حَقِيقَته أقرب الْأَزْمِنَة، وَإِذا كَانَ مَعَ قربه لَا يعلم حَقِيقَة مَا يَقع فِيهِ، وَفِي قَوْله: وَلَا يعلم مَتى تقوم السَّاعَة
٧٥٣٤ - حدّثنا سُلَيْمانُ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنِ الوَلِيدِ. وحدّثني عَبَّادُ بنُ يَعْقُوبَ الأسَدِيُّ، أخبرنَا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عنِ الشَّيْبانِيِّ، عنِ الوَلِيدِ بنِ العَيزارِ، عنْ أبي عَمْرْوٍ الشَّيْبانِيِّ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رَجُلاً سَألَ النبيَّ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ قَالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها، وبِرُّ الوالِدَيْنِ ثُمَّ الجهادُ فِي سَبِيلِ الله
مطابقته للأحاديث الَّتِي مَضَت فِيمَا قبل ظَاهِرَة.
وَأخرجه من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن الْوَلِيد بِالْفَتْح ابْن الْعيزَار عَن أبي عَمْرو بن سعد بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَالطَّرِيق الثَّانِي: عَن عباد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن يَعْقُوب الْأَسدي عَن عباد بِالتَّشْدِيدِ أَيْضا ابْن الْعَوام بتَشْديد الْوَاو عَن الشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بن فَيْرُوز أبي إِسْحَاق الْكُوفِي عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار ... إِلَى آخِره.
وَعباد هَذَا شيخ البُخَارِيّ مَذْكُور بالرفض وَلكنه مَوْصُوف بِالصّدقِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَسَاقه على لَفظه. قلت: ترك الرِّوَايَة عَن مثل هَذَا هُوَ الأوجب، والرفض إِذا ثَبت فَهُوَ جرح عَظِيم.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة لوَقْتهَا وَفِي الْأَدَب أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٤٩
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: إِن الْإِنْسَان الخ. غَرَضه من هَذَا الْبَاب إِثْبَات خلق الله تَعَالَى للْإنْسَان بأخلاقه الَّتِي خلقه عَلَيْهَا من الْهَلَع وَالْمَنْع والإعطاء وَالصَّبْر على الشدَّة واحتسابه ذَلِك على ربه تَعَالَى، وَفسّر الهلوع بقوله: ضجوراً. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْهَلَع أفحش الْجُوع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه والجزع وَاحِد، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: الهلوع فسره الله تَعَالَى بقوله: إِذا مَسّه إِلَى آخِره.
٥٠ - (بابُ ذِكْرِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورِوايَتِهِ عنْ رَبِّهِ)
أَي هَذَا بَاب فِي ذكر النَّبِي وَرِوَايَته عَن ربه أَي: بِدُونِ وَاسِطَة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَيُسمى بِالْحَدِيثِ الْقُدسِي.
وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح معنى هَذَا الْبَاب أَنه روى عَن ربه السّنة كَمَا روى عَنهُ الْقُرْآن، وَهَذَا مُبين فِي كتاب الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْىٌ يُوحَى}
٧٥٣٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عبْده الرَّحِيمِ، حَدثنَا أبُو زَيْدٍ سَعيدُ بنُ الرَّبِيعِ الهَرَوِيُّ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قتادَةَ عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ قَالَ: إذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعاً، وإذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وإذَا أَتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم الَّذِي يُقَال لَهُ صَاعِقَة، وَسَعِيد بن الرّبيع بياع الثِّيَاب الهروية روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي جَزَاء الصَّيْد بِدُونِ الْوَاسِطَة.
والْحَدِيث يَأْتِي الْآن عَن أنس عَن أبي هُرَيْرَة، فعلى هَذَا الحَدِيث مُرْسل صَحَابِيّ.
والهرولة: الْإِسْرَاع، وَنَوع من الْعَدو وأمثال هَذِه الإطلاقات لَيست إِلَّا على التَّجَوُّز إِذْ الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة قَائِمَة على استحالتها على الله تَعَالَى، فَمَعْنَاه: من تقرب إِلَيّ بِطَاعَة قَليلَة أجزيته بِثَوَاب كثير، وَكلما زَاد فِي الطَّاعَة أَزِيد فِي الثَّوَاب، وَإِن كَانَ كَيْفيَّة إِتْيَانه بِالطَّاعَةِ على التأني تكون كَيْفيَّة إتياني بالثواب على السرعة، وَالْغَرَض أَن الثَّوَاب رَاجِح على الْعَمَل مضاعف عَلَيْهِ كَمَا وكيفاً، وَلَفظ التَّقَرُّب والهرولة إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل المشاكلة أَو طَرِيق الِاسْتِعَارَة أَو على قصد إِرَادَة لوازمها.
٧٥٣٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، عنْ يَحْياى عنِ التَّيْمِيِّ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: رُبَّما ذَكَر النبيَّ قَالَ: إذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتَ مِنْهُ ذِراعاً، وإذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً أوْ بُوعاً
وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أبي سَمِعْتُ أنَساً عنِ النبيَّ يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلْ
انْظُر الحَدِيث ٧٤٠٥ وطرفه
هَذَا الحَدِيث مثل الحَدِيث الَّذِي مضى غير أَن أنسا هُنَا يروي عَن أبي هُرَيْرَة وَهُنَاكَ روى عَن النَّبِي، وَهنا أَيْضا قَالَ مُعْتَمر بن سُلَيْمَان سَمِعت أبي سُلَيْمَان بن طرخان قَالَ سَمِعت أنسا يرويهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان التَّصْرِيح بالرواية فِيهِ عَن الله عز وَجل، وَقد وَصله مُسلم من رِوَايَة مُعْتَمر.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، والتيمي هُوَ سُلَيْمَان بن طرخان.
قَوْله رُبمَا ذكر النَّبِي، أَي: رُبمَا ذكر أَبُو هُرَيْرَة النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، كَذَا فِي الرِّوَايَات كلهَا، وَلَيْسَ فِيهِ الرِّوَايَة عَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وروى مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن سعيد وَابْن أبي عدي كِلَاهُمَا عَن سُلَيْمَان، فَذكره بِلَفْظ: عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، قَالَ: قَالَ الله عز وَجل فَإِن قلت: قَالَ هُنَا إِذا تقرب العَبْد مني وَفِي الحَدِيث السَّابِق قَالَ: إِذا تقرب العَبْد إِلَيّ قلت: الأَصْل: من، واستعماله بإلى لقصد معنى الِانْتِهَاء، وَالصَّلَاة تخْتَلف بِحَسب الْمَقْصُود. قَوْله: أَو بوعاً قَالَ الْخطابِيّ: البوع مصدر بَاعَ إِذا مد بَاعه وَيحْتَمل أَن يكون جمع بَاعَ مثل سَاق وسوق، وَمعنى الحَدِيث مضاعفة الثَّوَاب حَتَّى يكون مشبهاً بِفعل من أقبل نَحْو صَاحبه قدر شبر فَاسْتَقْبلهُ صَاحبه ذِرَاعا، وَقد يكون معنه التَّوْفِيق لَهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يقرب فِيهِ.
٧٥٣٨ - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ زِيادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ يَرْوِيهِ عنْ ربِّكُمْ قَالَ: لِكلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ والصَّوْمُ لِي، وَأَنا أجْزِي بِهِ، ولَخُلُوفُ
فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الصّيام بأتم مِنْهُ فِي: بَاب فضل الصَّوْم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى أَيْضا فِي التَّوْحِيد فِي بَاب قَوْله الله تَعَالَى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَاّ قَلِيلاً}
قَوْله: لكل عمل أَي: من الْمعاصِي كَفَّارَة أَي: مَا يُوجب سترهَا وغفرانها، قيل: جَمِيع الطَّاعَات لله. وَأجِيب بِأَن الصَّوْم لم يتَقرَّب بِهِ إِلَى معبود غير الله بِخِلَاف غَيره من الطَّاعَات. فَإِن قلت: جَزَاء الْكل من الله تَعَالَى؟ قلت: رُبمَا فوض جَزَاء غير الصّيام إِلَى الْمَلَائِكَة. قَوْله: ولخلوف بِضَم الْخَاء؛ الرَّائِحَة المتغيرة للفم. فَإِن قلت: الله منزه عَن الأطيبية. قلت: هُوَ على سَبِيل الْفَرْض، يَعْنِي: لَو فرض لَكَانَ أطيب مِنْهُ. فَإِن قلت: دم الشَّهِيد كريح الْمسك والخلوف أطيب مِنْهُ فالصائم أفضل من الشَّهِيد؟ قلت: منشأ الأطيبية رُبمَا تكون الطَّهَارَة لِأَنَّهُ طَاهِر، وَالدَّم نجس. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَحْرِيم إِزَالَة الدَّم مَعَ أَن رَائِحَته مُسَاوِيَة لرائحة الْمسك وَعدم تَحْرِيم إِزَالَة الخلوف مَعَ أَنه أطيب مِنْهُ؟ قلت: إِمَّا أَن تَحْصِيل مثل ذَلِك الدَّم محَال بِخِلَاف الخلوف، أَو أَن تَحْرِيمه مُسْتَلْزم للجرح، أَو رُبمَا يُؤَدِّي إِلَى ضَرَر كأدائه إِلَى النَّحْر، أَو أَن الدَّم لكَونه نجسا وَاجِب الْإِزَالَة شرعا.
٧٥٣٩ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قتادَةَ. ح وَقَالَ لي خَلِيفَةُ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عنْ سَعيدٍ، عنْ قَتادَةَ، عنْ أبي العالِيَةِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيما يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى، ونَسَبَهُ إِلَى أبِيهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فِيمَا يرويهِ عَن ربه
وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْعَالِيَة رفيع مُصَغرًا عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: بطرِيق المذاكرة عَن خَليفَة بن خياط عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَسَاقه على لفظ سعيد، وَمضى الحَدِيث فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فِي تَرْجَمَة يُونُس، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن حَفْص بن عمر بالسند الْمَذْكُور هُنَا، وَمضى أَيْضا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، وَصرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: وَنسبه إِلَى أَبِيه جملَة حَالية مُوضحَة، وَقيل: مَتى اسْم أمه وَالْأول أصح عِنْد الْجُمْهُور، وَإِنَّمَا خصصه من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء لِئَلَّا يتَوَهَّم غَضَاضَة فِي حَقه بِسَبَب نزُول قَوْله تَعَالَى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} قَوْله: إِنَّه خير ويروى: أَنا خير، وَهِي الْأَشْهر. قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل لفظ: أَنا، أَن يكون كِنَايَة عَن رَسُول الله، أَو عَن كل مُتَكَلم، وَإِنَّمَا قَالَه مَعَ أَنه سيد ولد آدم قبل علمه بِأَنَّهُ سيدهم وأفضلهم، أَو قَالَه تواضعاً وهضماً لنَفسِهِ.
٧٥٤٠ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ أبي سُرَيْجٍ، أخبرنَا شَبابَةُ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ مُعاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قَالَ: رَأيْتُ رسولَ الله يَوْمَ الفَتْحِ عَلى ناقَةٍ لهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ، أوْ: مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ، قَالَ: فَرَجَّعَ فِيها. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعاوِيَةُ يَحْكِي قراءَةَ ابنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ: لوْلا أنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النبيَّ فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ قَالَ:، ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
ا
تعلق هَذَا الحَدِيث بِالْبَابِ من حَيْثُ إِن الرِّوَايَة عَن الرب أَعم من أَن تكون قُرْآنًا أَو غَيره بالواسطة أَو بِدُونِهَا، لَكِن الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن المتداول على الْأَلْسِنَة مَا كَانَ بِغَيْر الْوَاسِطَة. وَقَالَ الْمُهلب: معنى هَذَا الْبَاب لَهُ، روى عَن ربه السّنة كَمَا روى عَنهُ الْقُرْآن، وَدخُول حَدِيث ابْن مُغفل فِيهِ للتّنْبِيه على أَن الْقُرْآن أَيْضا رِوَايَة لَهُ عَن ربه. وَقيل: قَول النَّبِي، قَالَ الله، و: روى عَن ربه، سَوَاء.
وَشَيخ البُخَارِيّ أَحْمد بن أبي سُرَيج
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَقَالُوا: كَانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنَا بِدُعَاءِ إِلَهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ، فَنَزَلَتْ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ نَحْوَهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ: هُوَ إِمَّا ابْنُ سَلَّامٍ، وَإِمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ابْنُ سَلَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِهِ، كَمَا صَنَعَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ح عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْمُثَنَّى لَقَالَ: حَدَّثَنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ؛ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْحَفْصَوِيِّ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ إِلَخْ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالْكِرْمَانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِمْ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ خِلَافَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ كَذَلِكَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ) الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: وَيَرْزُقُهُمْ وَقَوْلُهُ: يَدْعُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ وَجَاءَ تَشْدِيدُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْبَابُ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى: صِفَةُ ذَاتٍ، وَصِفَةُ فِعْلٍ، فَالرِّزْقُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا، وَاللَّهُ ﷾ كَانَ وَلَا مَرْزُوقٌ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الرَّزَّاقُ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ.
وَالْقُوَّةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ ﷾ ذَا قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ، وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَتُهُ مَوْجُودَةً قَائِمَةً بِهِ مُوجِبَةً لَهُ حُكْمَ الْقَادِرِينَ.
وَالْمَتِينُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الثَّابِتُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْقَوِيُّ التَّامُّ الْقُدْرَةِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَجْزٌ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَالْقَادِرُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ الشَّامِلَةُ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَالْمُقْتَدِرُ هُوَ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ذُو الْقُوَّةِ: الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ وَالْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ، فَجَرَى عَلَى طَرِيقتهِمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَةَ نَفْسِيَّةٌ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَقْدُورٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَوْنُ الْقُدْرَةِ قَدِيمَةً
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن جبير» (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حَبيِّبٍ، بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (السُّلَمِيِّ) الكوفيِّ المقرئ، ولأبيه (١) صحبةٌ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) ولأبي ذرٍّ بالرَّفع «أفعل» تفضيل من الصَّبر، وهو حبس النَّفس على المكروه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، فالمرادُ لازمُه، وهو ترك المعاجلة بالعقوبة (عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ) بتشديد الدَّال (لَهُ) أي: ينسبون إليه (الوَلَدَ) واستُشكِل بأنَّ الله تعالى مُنزَّهٌ عن الأذى، وأجيب بأنَّ المراد أذًى يلحق أنبياءه؛ إذ في إثبات الولد إيذاءٌ للنَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه تكذيبٌ له وإنكارٌ لمقالته (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) من العِلَل والبليَّات والمكروهات (وَيَرْزُقُهُمْ) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها، مقابلةً للسَّيِّئات بالحسنات، والرَّزَّاق خالق الأرزاق والأسباب التي يُتمتَّع بها، والرِّزق هو المنتَفَعُ به، وكل ما يُنتَفَع به فهو رِزقُه، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، والرِّزق نوعان: محسوسٌ ومعقولٌ؛ ولذا قال بعض المحقِّقين: الرَّزَّاق مَن رَزَق الأشباحَ فوائدَ (٢) لطفه، والأرواحَ عوائدَ كشفه، وقال القرطبيُّ: الرِّزق في ألسنة المحدِّثين السَّماع، يقال: رزقٌ، يعنون به: سماع الحديث، قال: وهو صحيحٌ. انتهى. وحظُّ العارف منه أن يتحقَّق (٣) معناه؛ ليتيقَّن (٤) أنَّه لا يستحقُّه إلَّا الله، فلا ينتظر الرِّزق ولا يتوقَّعه إلَّا منه، فَيكِل أمره إليه ولا يتوكَّل فيه إلَّا عليه، ويجعل يده خزانة ربِّه، ولسانه وَصْلةً بين الله وبين النَّاس في وصول الأرزاق الرُّوحانية والجسمانية إليهم؛ بالإرشاد والتَّعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك؛ لينال حظًّا من هذه الصِّفة، قال القشيريُّ أبو القاسم: من عرف أنَّ الله هو الرَّزَّاق أفرده بالقصد إليه (٥)، وتقرَّب إليه بدوام التَّوكل عليه، أرسل الشِّبليُّ إلى غنيٍّ أنِ ابعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه: سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشِّبليُّ: الدُّنيا حقيرةٌ وأنت حقيرٌ،
وإنَّما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي، فسَمَت همَّته العليَّة ألَّا يطلب من الله تعالى الأشياء الخسيسة، ومناسبة الآية للحديث اشتماله على صفتَي الرِّزق والقوَّة الدَّالة على القدرة، أمَّا الرِّزق فمن قوله: «ويرزقهم» وأمَّا القوَّة فمن قوله: «أصبر» فإنَّ فيه إشارةً إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبع البشر، فإنَّه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلَّا مِن جِهة تكليفه ذلك شرعًا، قاله ابن المُنيِّر.
وسبق الحديث في «الأدب» في «باب الصبر على الأذى» [خ¦٦٠٩٩].
(٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم الغيب (﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾) فلا يُطْلِع (﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾) من خلقه ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] أي: إلَّا رسولًا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلِعه على غيبه ما شاء و ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَنِ ارْتَضَى﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات (١)؛ لأنَّ الذين تُضَاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب. انتهى. وأُجيب: بأنَّ قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ لفظٌ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحدًا إلَّا الرُّسل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾؟ [الأنبياء: ١٠٩] وتُعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل أيضًا لم يُظهَروا على ذلك، وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول: بالمَلَكِ، والإظهار: بما يكون من غير واسطةٍ، وكرامات الأولياء على المغيَّبات (٢) إنَّما
تكون تلقِّيًا عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء، وقال الطِّيبيُّ: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضَّعف والخفاء، فإنَّ إطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ فضُمِّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى يُطْلِع، أي: فلا يُظهِر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلَّا من ارتضى من رسولٍ فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطلِع النَّبيَّ على الغيب، يوحي إليه أو يرسل إليه الملك، وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء.
(وَ) بابُ قول الله تعالى: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: وقت قيامها (وَ) قوله تعالى: (﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم، وقوله تعالى: (و ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]) هو في موضع الحال، أي: إلَّا معلومةٌ له (١)، وقوله تعالى: (﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]) أي: علم قيامها يردُّ إليه، أي: يجب على المسؤول (٢) أن يقول: الله أعلم بذلك.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ زِيادٍ) الفرَّاء المشهور في «كتاب معاني القرآن» له: (الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وقال غيره: الظَّاهر: الجليُّ وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه، والباطن: المحتجب كُنْه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل: الظَّاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقال الشَّيخ أبو حامد (٣): اعلم أنَّه إنَّما خفي مع ظهوره؛ لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر بما يفيض عليك من العطاء والنَّعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء، وقيل: الظَّاهر لقومٍ فلذلك وحَّدوه، والباطن عن قومٍ فلذلك جحدوه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فَفاضَتْ عَيْناهُ، فَقَالَ لهُ سَعْدٌ: يَا رسُولَ الله مَا هاذَا؟ قَالَ: هذِهِ رَحْمَةٌ جعَلَها الله فِي قُلُوبِ عِبادِهِ، وإنّما يَرْحَمُ الله مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل وَأَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عبد الرَّحْمَن بن مل.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي: بَاب قَول النَّبِي، يعذب الْمَيِّت بِبَعْض بكاء أَهله.
قَوْله: تَدعُوهُ إِلَى ابْنهَا قد تقدم فِي كتاب المرضى أَنَّهَا قَالَت: إِن ابْنَتي، وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا الحَدِيث لم يضبطه الرَّاوِي فَمرَّة قَالَ: صبية، وَمرَّة قَالَ: صَبيا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَنَّهُمَا قضيتان. قلت: احْتِمَال بعيد. قَوْله: تقَعْقع أَي: تضطرب وتتحرك، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي صَارَت فِي صَدره كَأَنَّهَا فوَاق. قَوْله: شن بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون وَهِي الْقرْبَة الْخلقَة. قَوْله: مَا هَذَا؟ فِيهِ اسْتِعْمَال الْإِشَارَة وَهُوَ اسْتِعْمَال الْعَرَب، ويروى: مَا هَذِه؟ قَوْله: الرُّحَمَاء مَنْصُوب بقوله: يرحم الله وَهُوَ جمع رَحِيم، كالكرماء جمع كريم.
٣
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}
)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} هَذِه هِيَ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، وَبهَا رِوَايَة أبي ذَر والأصيلي والنسفي وَوَقع فِي رِوَايَة الْقَابِسِيّ: أَنا الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين وَعَلِيهِ جرى ابْن بطال، وَقَالَ: إِن الَّذِي وَقع عِنْد أبي ذَر وَغَيره لظنهم أَنه خلاف الْقِرَاءَة، قَالَ: وَقد ثَبت ذَلِك قِرَاءَة عَن ابْن مَسْعُود، وَذكر أَن النَّبِي أقرأه كَذَلِك أخرجه أَصْحَاب السّنَن وَالْحَاكِم صَححهُ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن يزِيد النَّخعِيّ عَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَقْرَأَنِي رَسُول الله فَذكره. وَقَالَ بَعضهم: تبع الْكرْمَانِي ابْن بطال فِيمَا قَالَه. قلت: لم يقل الْكرْمَانِي هَكَذَا، وَإِنَّمَا لَفظه: بَاب قَول الله عز وَجل: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} وَفِي بَعْضهَا: إِنِّي أَنا الرَّزَّاق، وَقَالَ بَعضهم، هُوَ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود.
٧٣٧٨ - حدّثنا عبْدَانُ، عنْ أبي حَمْزَةَ، عنِ الأعْمَشِ، عنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ السُّلَمِيِّ، عنْ أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أحَدٌ أصْبَرُ عَلى أَذَى سَمِعَهُ مِنَ الله، يَدَّعُونَ لهُ الوَلَدَ، ثُمَّ يُعافِيهِمْ ويَرْزُقُهُمْ.
انْظُر الحَدِيث ٦٠٩٩
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة الْمروزِي، وَأَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب بن ربيعَة السّلمِيّ بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس.
والْحَدِيث مضى فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد عَن يحيى، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: أَصْبِر أفعل تَفْضِيل، قيل: الصَّبْر حبس النَّفس على الْمَكْرُوه، وَالله تَعَالَى منزه عَنهُ، وَأجِيب: بِأَن المُرَاد لَازمه وَهُوَ ترك المعاجلة بالعقوبة. قَوْله: على أَذَى قيل: إِنَّه منزه عَن الْأَذَى، وَأجِيب: بِأَن المُرَاد بِهِ أَذَى يلْحق أنبياءه إِذْ فِي إِثْبَات الْوَلَد إِيذَاء للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لِأَنَّهُ تَكْذِيب لَهُ وإنكار لمقالته. قَوْله: يدعونَ لَهُ الْوَلَد أَي: ينسبون إِلَيْهِ وينسبونه لَهُ، ثمَّ يدْفع عَنْهُم المكروهات من الْعِلَل والبليات. قَوْله: ويرزقهم اخْتلفُوا فِي الرزق، فالجمهور على أَنه مَا ينْتَفع بِهِ العَبْد غذَاء أَو غَيره حَلَالا أَو حَرَامًا، وَقيل: هُوَ الْغذَاء، وَقيل: هُوَ الْحَلَال، قيل: الْقُدْرَة قديمَة وَإِضَافَة الرزق حَادِثَة. وَأجِيب: بِأَن التَّعَلُّق حَادث واستحالة الْحُدُوث إِنَّمَا هِيَ فِي الصِّفَات الذاتية لَا فِي الفعليات والإضافيات. قَوْله: من الله صلَة: لأصبر، وَوَقع الفاصلة بَينهمَا لِأَنَّهَا لَيست أَجْنَبِيَّة.
(بابُ قولِ الله تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الَاْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} {لَّاكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَاّ فِى كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِى قَالُو اْءَاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ} )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {عَالم الْغَيْب} الخ ذكر هُنَا خمس قطع من خمس آيَات: الأولى: قَوْله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} يَعْنِي الله عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا، إلَاّ من ارتضى من رَسُول اخْتَارَهُ فِيمَا يَقُوله، وَالرَّسُول إِمَّا جَمِيع الرُّسُل أَو جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، لِأَنَّهُ الْمبلغ لَهُم وَاخْتلف فِي المُرَاد بِالْغَيْبِ فَقيل: هُوَ على عُمُومه، وَقيل: مَا يتَعَلَّق بِالْوَحْي خَاصَّة، وَقيل: مَا يتَعَلَّق بِعلم السَّاعَة، وَهُوَ ضَعِيف، لِأَن علم السَّاعَة مِمَّا استاثر الله بِعِلْمِهِ، إلَاّ أَن ذهب قَائِل ذَلِك بِأَن الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطع وَفِي الْآيَة رد على المنجمين وعَلى كل من يَدعِي أَنه يطلع على مَا سَيكون من حَيَاة أَو موت أَو غير ذَلِك، لِأَنَّهُ مكذب لِلْقُرْآنِ. الْآيَة الثَّانِيَة: قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الَاْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَن رجلا يُقَال لَهُ: الْوَارِث بن عَمْرو بن حَارِثَة، من أهل الْبَادِيَة أَتَى النَّبِي، فَسَأَلَهُ عَن السَّاعَة ووقتها، وَقَالَ إِن أَرْضنَا أجدبت، فَمَتَى ينزل الْغَيْث؟ وَتركت امْرَأَتي حُبْلَى فَمَتَى تَلد؟ وَقد علمت أَيْن ولدت فَبِأَي أَرض أَمُوت؟ وَقد علمت مَا عملت الْيَوْم فَمَاذَا أعمل غَدا؟ ... فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. الْآيَة الثَّالِثَة: فِي الْحجَج القاطعة فِي إِثْبَات الْعلم لله تَعَالَى، وحرفه صَاحب الاعتزال نصْرَة لمذهبه، فَقَالَ: أنزلهُ ملتبساً بِعِلْمِهِ الْخَاص وَهُوَ تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عَنهُ كل بليغ، ورد عَلَيْهِ بِأَن نظم الْعبارَات لَيْسَ هُوَ نفس الْعلم الْقَدِيم بل دَال عَلَيْهِ. الْآيَة الرَّابِعَة: كالآية الأولى فِي إِثْبَات الْعلم. وَالْآيَة الْخَامِسَة: فمعناها لَا يعلم مَتى وَقت قِيَامهَا غَيره، فالتقدير إِلَيْهِ يرد علم وَقت السَّاعَة.
قَالَ يَحْياى: الظاهِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، والباطِنُ عَلى كلِّ شَيْءٍ عِلْماً.
يحيى هَذَا هُوَ ابْن زِيَاد الْفراء النَّحْوِيّ الْمَشْهُور، ذكر ذَلِك فِي كتاب مَعَاني الْقُرْآن لَهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحيى، قيل: هُوَ ابْن زِيَاد بن عبد الله بن مَنْظُور الذهلي، وَهُوَ الَّذِي نقل عَنهُ البُخَارِيّ فِي كتاب مَعَاني الْقُرْآن قلت: هُوَ الْفراء بِعَيْنِه وَلَكِن قَوْله: الذهلي، غلط لِأَن الْفراء ديلمي كُوفِي مولى بني أَسد، وَقيل: مولى بني منقر. وَالظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ، وَمَات الْفراء فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ فِي طَرِيق مَكَّة وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْفراء وَلم يكن يعْمل الْفراء وَلَا يَبِيعهَا، لِأَنَّهُ كَانَ يفري الْكَلَام. ومنظور، بالظاء الْمُعْجَمَة. قَوْله: الْبَاطِن على كل شَيْء ويروى: الْبَاطِن بِكُل شَيْء، يَعْنِي: الْعَالم بظواهر الْأَشْيَاء وبواطنها. وَقيل: الظَّاهِر أَي: دلائله، الْبَاطِن بِذَاتِهِ عَن الْحَواس، أَي: الظَّاهِر عِنْد الْعقل الْبَاطِن عِنْد الْحس وَهُوَ تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى: {هُوَ الَاْوَّلُ وَالَاْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}
٧٣٧٩ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ، حدّثنا سُلَيْمانُ بن بِلالٍ، حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُها إلاّ الله: لَا يَعْلَمُ مَا تَغيضُ الأرْحامُ إلاّ الله، وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَد إلاّ الله، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحَدٌ إلاّ الله، وَلَا تدْري نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا الله، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعةُ إلاّ الله.
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي آخر الاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: مَفَاتِيح الْغَيْب اسْتِعَارَة إِمَّا مكنية وَإِمَّا مصرحة، وَلما كَانَ جَمِيع مَا فِي الْوُجُود محصوراً فِي علمه شبهه الشَّارِع بالمخازن واستعار لبابها الْمِفْتَاح، وَالْحكمَة فِي كَونهَا خمْسا الْإِشَارَة إِلَى حصر العوالم فِيهَا، فَفِي قَوْله: مَا تغيض الْأَرْحَام إِشَارَة إِلَى مَا يزِيد فِي النَّفس وَينْقص، وَخص الرَّحِم بِالذكر لكَون الْأَكْثَر يعرفونها بِالْعَادَةِ وَمَعَ ذَلِك يَنْفِي أَن يعرف أحد حَقِيقَتهَا. وَفِي قَوْله: وَلَا يعلم مَتى يَأْتِي الْمَطَر إِشَارَة إِلَى الْعَالم الْعلوِي، وَخص الْمَطَر مَعَ أَن لَهُ أسباباً قد تدل بجري الْعَادة على وُقُوعه لكنه من غير تَحْقِيق، وَفِي قَوْله: وَلَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِشَارَة إِلَى أُمُور الْعَالم السفلي مَعَ أَن عَادَة أَكثر النَّاس أَن يَمُوت بِبَلَدِهِ، وَلَكِن لَيْسَ ذَلِك حَقِيقَة، بل لَو مَاتَ فِي بَلَده لَا يعلم فِي أَي بقْعَة يدْفن فِيهَا وَلَو كَانَ هُنَاكَ مَقْبرَة لأسلافه بل قبر أعده هُوَ لَهُ. وَفِي قَوْله: وَلَا يعلم مَا فِي غَد إلَاّ الله إِشَارَة إِلَى أَنْوَاع الزَّمَان وَمَا فِيهَا من الْحَوَادِث، وَعبر بِلَفْظ: غَد، لكَون حَقِيقَته أقرب الْأَزْمِنَة، وَإِذا كَانَ مَعَ قربه لَا يعلم حَقِيقَة مَا يَقع فِيهِ، وَفِي قَوْله: وَلَا يعلم مَتى تقوم السَّاعَة
٧٥٣٤ - حدّثنا سُلَيْمانُ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنِ الوَلِيدِ. وحدّثني عَبَّادُ بنُ يَعْقُوبَ الأسَدِيُّ، أخبرنَا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عنِ الشَّيْبانِيِّ، عنِ الوَلِيدِ بنِ العَيزارِ، عنْ أبي عَمْرْوٍ الشَّيْبانِيِّ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ رَجُلاً سَألَ النبيَّ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ قَالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها، وبِرُّ الوالِدَيْنِ ثُمَّ الجهادُ فِي سَبِيلِ الله
مطابقته للأحاديث الَّتِي مَضَت فِيمَا قبل ظَاهِرَة.
وَأخرجه من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن الْوَلِيد بِالْفَتْح ابْن الْعيزَار عَن أبي عَمْرو بن سعد بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَالطَّرِيق الثَّانِي: عَن عباد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن يَعْقُوب الْأَسدي عَن عباد بِالتَّشْدِيدِ أَيْضا ابْن الْعَوام بتَشْديد الْوَاو عَن الشَّيْبَانِيّ سُلَيْمَان بن فَيْرُوز أبي إِسْحَاق الْكُوفِي عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار ... إِلَى آخِره.
وَعباد هَذَا شيخ البُخَارِيّ مَذْكُور بالرفض وَلكنه مَوْصُوف بِالصّدقِ وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، وَسَاقه على لَفظه. قلت: ترك الرِّوَايَة عَن مثل هَذَا هُوَ الأوجب، والرفض إِذا ثَبت فَهُوَ جرح عَظِيم.
والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة لوَقْتهَا وَفِي الْأَدَب أَيْضا وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٤٩
- (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:
{إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} )
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: إِن الْإِنْسَان الخ. غَرَضه من هَذَا الْبَاب إِثْبَات خلق الله تَعَالَى للْإنْسَان بأخلاقه الَّتِي خلقه عَلَيْهَا من الْهَلَع وَالْمَنْع والإعطاء وَالصَّبْر على الشدَّة واحتسابه ذَلِك على ربه تَعَالَى، وَفسّر الهلوع بقوله: ضجوراً. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْهَلَع أفحش الْجُوع، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه والجزع وَاحِد، وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: الهلوع فسره الله تَعَالَى بقوله: إِذا مَسّه إِلَى آخِره.
٥٠ - (بابُ ذِكْرِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورِوايَتِهِ عنْ رَبِّهِ)
أَي هَذَا بَاب فِي ذكر النَّبِي وَرِوَايَته عَن ربه أَي: بِدُونِ وَاسِطَة جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَيُسمى بِالْحَدِيثِ الْقُدسِي.
وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح معنى هَذَا الْبَاب أَنه روى عَن ربه السّنة كَمَا روى عَنهُ الْقُرْآن، وَهَذَا مُبين فِي كتاب الله {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْىٌ يُوحَى}
٧٥٣٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ عبْده الرَّحِيمِ، حَدثنَا أبُو زَيْدٍ سَعيدُ بنُ الرَّبِيعِ الهَرَوِيُّ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قتادَةَ عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ قَالَ: إذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعاً، وإذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً، وإذَا أَتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم الَّذِي يُقَال لَهُ صَاعِقَة، وَسَعِيد بن الرّبيع بياع الثِّيَاب الهروية روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي جَزَاء الصَّيْد بِدُونِ الْوَاسِطَة.
والْحَدِيث يَأْتِي الْآن عَن أنس عَن أبي هُرَيْرَة، فعلى هَذَا الحَدِيث مُرْسل صَحَابِيّ.
والهرولة: الْإِسْرَاع، وَنَوع من الْعَدو وأمثال هَذِه الإطلاقات لَيست إِلَّا على التَّجَوُّز إِذْ الْبَرَاهِين الْعَقْلِيَّة قَائِمَة على استحالتها على الله تَعَالَى، فَمَعْنَاه: من تقرب إِلَيّ بِطَاعَة قَليلَة أجزيته بِثَوَاب كثير، وَكلما زَاد فِي الطَّاعَة أَزِيد فِي الثَّوَاب، وَإِن كَانَ كَيْفيَّة إِتْيَانه بِالطَّاعَةِ على التأني تكون كَيْفيَّة إتياني بالثواب على السرعة، وَالْغَرَض أَن الثَّوَاب رَاجِح على الْعَمَل مضاعف عَلَيْهِ كَمَا وكيفاً، وَلَفظ التَّقَرُّب والهرولة إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل المشاكلة أَو طَرِيق الِاسْتِعَارَة أَو على قصد إِرَادَة لوازمها.
٧٥٣٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، عنْ يَحْياى عنِ التَّيْمِيِّ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: رُبَّما ذَكَر النبيَّ قَالَ: إذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ مِنِّي شِبْراً، تَقَرَّبْتَ مِنْهُ ذِراعاً، وإذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعاً، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعاً أوْ بُوعاً
وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: سَمِعْتُ أبي سَمِعْتُ أنَساً عنِ النبيَّ يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلْ
انْظُر الحَدِيث ٧٤٠٥ وطرفه
هَذَا الحَدِيث مثل الحَدِيث الَّذِي مضى غير أَن أنسا هُنَا يروي عَن أبي هُرَيْرَة وَهُنَاكَ روى عَن النَّبِي، وَهنا أَيْضا قَالَ مُعْتَمر بن سُلَيْمَان سَمِعت أبي سُلَيْمَان بن طرخان قَالَ سَمِعت أنسا يرويهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان التَّصْرِيح بالرواية فِيهِ عَن الله عز وَجل، وَقد وَصله مُسلم من رِوَايَة مُعْتَمر.
وَيحيى هُوَ الْقطَّان، والتيمي هُوَ سُلَيْمَان بن طرخان.
قَوْله رُبمَا ذكر النَّبِي، أَي: رُبمَا ذكر أَبُو هُرَيْرَة النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، كَذَا فِي الرِّوَايَات كلهَا، وَلَيْسَ فِيهِ الرِّوَايَة عَن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وروى مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن سعيد وَابْن أبي عدي كِلَاهُمَا عَن سُلَيْمَان، فَذكره بِلَفْظ: عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، قَالَ: قَالَ الله عز وَجل فَإِن قلت: قَالَ هُنَا إِذا تقرب العَبْد مني وَفِي الحَدِيث السَّابِق قَالَ: إِذا تقرب العَبْد إِلَيّ قلت: الأَصْل: من، واستعماله بإلى لقصد معنى الِانْتِهَاء، وَالصَّلَاة تخْتَلف بِحَسب الْمَقْصُود. قَوْله: أَو بوعاً قَالَ الْخطابِيّ: البوع مصدر بَاعَ إِذا مد بَاعه وَيحْتَمل أَن يكون جمع بَاعَ مثل سَاق وسوق، وَمعنى الحَدِيث مضاعفة الثَّوَاب حَتَّى يكون مشبهاً بِفعل من أقبل نَحْو صَاحبه قدر شبر فَاسْتَقْبلهُ صَاحبه ذِرَاعا، وَقد يكون معنه التَّوْفِيق لَهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يقرب فِيهِ.
٧٥٣٨ - حدّثنا آدَمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ زِيادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ يَرْوِيهِ عنْ ربِّكُمْ قَالَ: لِكلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ والصَّوْمُ لِي، وَأَنا أجْزِي بِهِ، ولَخُلُوفُ
فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ
ا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث مضى فِي الصّيام بأتم مِنْهُ فِي: بَاب فضل الصَّوْم من رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى أَيْضا فِي التَّوْحِيد فِي بَاب قَوْله الله تَعَالَى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَاّ قَلِيلاً}
قَوْله: لكل عمل أَي: من الْمعاصِي كَفَّارَة أَي: مَا يُوجب سترهَا وغفرانها، قيل: جَمِيع الطَّاعَات لله. وَأجِيب بِأَن الصَّوْم لم يتَقرَّب بِهِ إِلَى معبود غير الله بِخِلَاف غَيره من الطَّاعَات. فَإِن قلت: جَزَاء الْكل من الله تَعَالَى؟ قلت: رُبمَا فوض جَزَاء غير الصّيام إِلَى الْمَلَائِكَة. قَوْله: ولخلوف بِضَم الْخَاء؛ الرَّائِحَة المتغيرة للفم. فَإِن قلت: الله منزه عَن الأطيبية. قلت: هُوَ على سَبِيل الْفَرْض، يَعْنِي: لَو فرض لَكَانَ أطيب مِنْهُ. فَإِن قلت: دم الشَّهِيد كريح الْمسك والخلوف أطيب مِنْهُ فالصائم أفضل من الشَّهِيد؟ قلت: منشأ الأطيبية رُبمَا تكون الطَّهَارَة لِأَنَّهُ طَاهِر، وَالدَّم نجس. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَحْرِيم إِزَالَة الدَّم مَعَ أَن رَائِحَته مُسَاوِيَة لرائحة الْمسك وَعدم تَحْرِيم إِزَالَة الخلوف مَعَ أَنه أطيب مِنْهُ؟ قلت: إِمَّا أَن تَحْصِيل مثل ذَلِك الدَّم محَال بِخِلَاف الخلوف، أَو أَن تَحْرِيمه مُسْتَلْزم للجرح، أَو رُبمَا يُؤَدِّي إِلَى ضَرَر كأدائه إِلَى النَّحْر، أَو أَن الدَّم لكَونه نجسا وَاجِب الْإِزَالَة شرعا.
٧٥٣٩ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ قتادَةَ. ح وَقَالَ لي خَلِيفَةُ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عنْ سَعيدٍ، عنْ قَتادَةَ، عنْ أبي العالِيَةِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي الله عَنْهُمَا، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيما يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى، ونَسَبَهُ إِلَى أبِيهِ
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فِيمَا يرويهِ عَن ربه
وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْعَالِيَة رفيع مُصَغرًا عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: بطرِيق المذاكرة عَن خَليفَة بن خياط عَن يزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره، وَسَاقه على لفظ سعيد، وَمضى الحَدِيث فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، فِي تَرْجَمَة يُونُس، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن حَفْص بن عمر بالسند الْمَذْكُور هُنَا، وَمضى أَيْضا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، وَصرح فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَن ابْن عَبَّاس.
قَوْله: وَنسبه إِلَى أَبِيه جملَة حَالية مُوضحَة، وَقيل: مَتى اسْم أمه وَالْأول أصح عِنْد الْجُمْهُور، وَإِنَّمَا خصصه من بَين سَائِر الْأَنْبِيَاء لِئَلَّا يتَوَهَّم غَضَاضَة فِي حَقه بِسَبَب نزُول قَوْله تَعَالَى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} قَوْله: إِنَّه خير ويروى: أَنا خير، وَهِي الْأَشْهر. قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل لفظ: أَنا، أَن يكون كِنَايَة عَن رَسُول الله، أَو عَن كل مُتَكَلم، وَإِنَّمَا قَالَه مَعَ أَنه سيد ولد آدم قبل علمه بِأَنَّهُ سيدهم وأفضلهم، أَو قَالَه تواضعاً وهضماً لنَفسِهِ.
٧٥٤٠ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ أبي سُرَيْجٍ، أخبرنَا شَبابَةُ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ مُعاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ، عنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قَالَ: رَأيْتُ رسولَ الله يَوْمَ الفَتْحِ عَلى ناقَةٍ لهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ، أوْ: مِنْ سُورَةِ الفَتْحِ، قَالَ: فَرَجَّعَ فِيها. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ مُعاوِيَةُ يَحْكِي قراءَةَ ابنِ مُغَفَّلٍ، وَقَالَ: لوْلا أنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْكُمْ لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ ابنُ مُغَفَّلٍ يَحْكِي النبيَّ فَقُلْتُ لِمُعاوِيَةَ كَيْفَ كَانَ تَرْجِيعُهُ قَالَ:، ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
ا
تعلق هَذَا الحَدِيث بِالْبَابِ من حَيْثُ إِن الرِّوَايَة عَن الرب أَعم من أَن تكون قُرْآنًا أَو غَيره بالواسطة أَو بِدُونِهَا، لَكِن الْمُتَبَادر إِلَى الذِّهْن المتداول على الْأَلْسِنَة مَا كَانَ بِغَيْر الْوَاسِطَة. وَقَالَ الْمُهلب: معنى هَذَا الْبَاب لَهُ، روى عَن ربه السّنة كَمَا روى عَنهُ الْقُرْآن، وَدخُول حَدِيث ابْن مُغفل فِيهِ للتّنْبِيه على أَن الْقُرْآن أَيْضا رِوَايَة لَهُ عَن ربه. وَقيل: قَول النَّبِي، قَالَ الله، و: روى عَن ربه، سَوَاء.
وَشَيخ البُخَارِيّ أَحْمد بن أبي سُرَيج
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56