الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٧٨
الحديث رقم ٧٣٧٨ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ وَ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
⦗١١٦⦘
وَ ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قَالَ يَحْيَى الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَالْبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَقَالُوا: كَانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنَا بِدُعَاءِ إِلَهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ، فَنَزَلَتْ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ نَحْوَهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ: هُوَ إِمَّا ابْنُ سَلَّامٍ، وَإِمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ابْنُ سَلَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِهِ، كَمَا صَنَعَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ح عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْمُثَنَّى لَقَالَ: حَدَّثَنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ؛ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْحَفْصَوِيِّ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ إِلَخْ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالْكِرْمَانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِمْ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ خِلَافَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ كَذَلِكَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ) الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: وَيَرْزُقُهُمْ وَقَوْلُهُ: يَدْعُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ وَجَاءَ تَشْدِيدُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْبَابُ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى: صِفَةُ ذَاتٍ، وَصِفَةُ فِعْلٍ، فَالرِّزْقُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا، وَاللَّهُ ﷾ كَانَ وَلَا مَرْزُوقٌ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الرَّزَّاقُ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ.
وَالْقُوَّةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ ﷾ ذَا قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ، وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَتُهُ مَوْجُودَةً قَائِمَةً بِهِ مُوجِبَةً لَهُ حُكْمَ الْقَادِرِينَ.
وَالْمَتِينُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الثَّابِتُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْقَوِيُّ التَّامُّ الْقُدْرَةِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَجْزٌ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَالْقَادِرُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ الشَّامِلَةُ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَالْمُقْتَدِرُ هُوَ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ذُو الْقُوَّةِ: الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ وَالْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ، فَجَرَى عَلَى طَرِيقتهِمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَةَ نَفْسِيَّةٌ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَقْدُورٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَوْنُ الْقُدْرَةِ قَدِيمَةً
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن جبير» (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حَبيِّبٍ، بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (السُّلَمِيِّ) الكوفيِّ المقرئ، ولأبيه (١) صحبةٌ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) ولأبي ذرٍّ بالرَّفع «أفعل» تفضيل من الصَّبر، وهو حبس النَّفس على المكروه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، فالمرادُ لازمُه، وهو ترك المعاجلة بالعقوبة (عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ) بتشديد الدَّال (لَهُ) أي: ينسبون إليه (الوَلَدَ) واستُشكِل بأنَّ الله تعالى مُنزَّهٌ عن الأذى، وأجيب بأنَّ المراد أذًى يلحق أنبياءه؛ إذ في إثبات الولد إيذاءٌ للنَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه تكذيبٌ له وإنكارٌ لمقالته (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) من العِلَل والبليَّات والمكروهات (وَيَرْزُقُهُمْ) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها، مقابلةً للسَّيِّئات بالحسنات، والرَّزَّاق خالق الأرزاق والأسباب التي يُتمتَّع بها، والرِّزق هو المنتَفَعُ به، وكل ما يُنتَفَع به فهو رِزقُه، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، والرِّزق نوعان: محسوسٌ ومعقولٌ؛ ولذا قال بعض المحقِّقين: الرَّزَّاق مَن رَزَق الأشباحَ فوائدَ (٢) لطفه، والأرواحَ عوائدَ كشفه، وقال القرطبيُّ: الرِّزق في ألسنة المحدِّثين السَّماع، يقال: رزقٌ، يعنون به: سماع الحديث، قال: وهو صحيحٌ. انتهى. وحظُّ العارف منه أن يتحقَّق (٣) معناه؛ ليتيقَّن (٤) أنَّه لا يستحقُّه إلَّا الله، فلا ينتظر الرِّزق ولا يتوقَّعه إلَّا منه، فَيكِل أمره إليه ولا يتوكَّل فيه إلَّا عليه، ويجعل يده خزانة ربِّه، ولسانه وَصْلةً بين الله وبين النَّاس في وصول الأرزاق الرُّوحانية والجسمانية إليهم؛ بالإرشاد والتَّعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك؛ لينال حظًّا من هذه الصِّفة، قال القشيريُّ أبو القاسم: من عرف أنَّ الله هو الرَّزَّاق أفرده بالقصد إليه (٥)، وتقرَّب إليه بدوام التَّوكل عليه، أرسل الشِّبليُّ إلى غنيٍّ أنِ ابعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه: سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشِّبليُّ: الدُّنيا حقيرةٌ وأنت حقيرٌ،
وإنَّما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي، فسَمَت همَّته العليَّة ألَّا يطلب من الله تعالى الأشياء الخسيسة، ومناسبة الآية للحديث اشتماله على صفتَي الرِّزق والقوَّة الدَّالة على القدرة، أمَّا الرِّزق فمن قوله: «ويرزقهم» وأمَّا القوَّة فمن قوله: «أصبر» فإنَّ فيه إشارةً إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبع البشر، فإنَّه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلَّا مِن جِهة تكليفه ذلك شرعًا، قاله ابن المُنيِّر.
وسبق الحديث في «الأدب» في «باب الصبر على الأذى» [خ¦٦٠٩٩].
(٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم الغيب (﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾) فلا يُطْلِع (﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾) من خلقه ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] أي: إلَّا رسولًا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلِعه على غيبه ما شاء و ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَنِ ارْتَضَى﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات (١)؛ لأنَّ الذين تُضَاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب. انتهى. وأُجيب: بأنَّ قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ لفظٌ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحدًا إلَّا الرُّسل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾؟ [الأنبياء: ١٠٩] وتُعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل أيضًا لم يُظهَروا على ذلك، وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول: بالمَلَكِ، والإظهار: بما يكون من غير واسطةٍ، وكرامات الأولياء على المغيَّبات (٢) إنَّما
تكون تلقِّيًا عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء، وقال الطِّيبيُّ: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضَّعف والخفاء، فإنَّ إطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ فضُمِّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى يُطْلِع، أي: فلا يُظهِر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلَّا من ارتضى من رسولٍ فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطلِع النَّبيَّ على الغيب، يوحي إليه أو يرسل إليه الملك، وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء.
(وَ) بابُ قول الله تعالى: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: وقت قيامها (وَ) قوله تعالى: (﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم، وقوله تعالى: (و ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]) هو في موضع الحال، أي: إلَّا معلومةٌ له (١)، وقوله تعالى: (﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]) أي: علم قيامها يردُّ إليه، أي: يجب على المسؤول (٢) أن يقول: الله أعلم بذلك.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ زِيادٍ) الفرَّاء المشهور في «كتاب معاني القرآن» له: (الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وقال غيره: الظَّاهر: الجليُّ وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه، والباطن: المحتجب كُنْه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل: الظَّاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقال الشَّيخ أبو حامد (٣): اعلم أنَّه إنَّما خفي مع ظهوره؛ لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر بما يفيض عليك من العطاء والنَّعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء، وقيل: الظَّاهر لقومٍ فلذلك وحَّدوه، والباطن عن قومٍ فلذلك جحدوه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: يَا اللَّهُ يَا رَحْمَنُ، فَقَالُوا: كَانَ مُحَمَّدٌ يَأْمُرُنَا بِدُعَاءِ إِلَهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ، فَنَزَلَتْ، وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ آخَرَ نَحْوَهُ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الْأَوَّلِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عَلِيٍّ الْجَيَّانِيِّ: هُوَ إِمَّا ابْنُ سَلَّامٍ، وَإِمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ ابْنُ سَلَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ، فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِهِ، كَمَا صَنَعَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ح عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَوْ كَانَ ابْنُ الْمُثَنَّى لَقَالَ: حَدَّثَنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
٧٣٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ؛ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَالْحَفْصَوِيِّ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَعَلَيْهِ جَرَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ: إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ إِلَخْ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالْكِرْمَانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّغَانِيُّ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِمْ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ خِلَافَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ قِرَاءَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قُلْتُ: وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْرَأَهُ كَذَلِكَ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ) الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: وَيَرْزُقُهُمْ وَقَوْلُهُ: يَدْعُونَ بِسُكُونِ الدَّالِ وَجَاءَ تَشْدِيدُهَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَ هَذَا الْبَابُ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى: صِفَةُ ذَاتٍ، وَصِفَةُ فِعْلٍ، فَالرِّزْقُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ رَازِقًا يَقْتَضِي مَرْزُوقًا، وَاللَّهُ ﷾ كَانَ وَلَا مَرْزُوقٌ، وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَهُوَ مُحْدَثٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ الرَّزَّاقُ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ سَيَرْزُقُ إِذَا خَلَقَ الْمَرْزُوقِينَ.
وَالْقُوَّةُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ ﷾ ذَا قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ، وَلَمْ تَزَلْ قُدْرَتُهُ مَوْجُودَةً قَائِمَةً بِهِ مُوجِبَةً لَهُ حُكْمَ الْقَادِرِينَ.
وَالْمَتِينُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الثَّابِتُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْقَوِيُّ التَّامُّ الْقُدْرَةِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَجْزٌ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَالْقَادِرُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ الشَّامِلَةُ وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ لَهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَالْمُقْتَدِرُ هُوَ التَّامُّ الْقُدْرَةِ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِقُدْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ، وَزَعَمَ الْمُعْتَزِلِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ذُو الْقُوَّةِ: الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ وَالْمَعْنَى فِي وَصْفِهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَتَانَةِ أَنَّهُ الْقَادِرُ الْبَلِيغُ الِاقْتِدَارَ، فَجَرَى عَلَى طَرِيقتهِمْ فِي أَنَّ الْقُدْرَةَ نَفْسِيَّةٌ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ مَقْدُورٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَوْنُ الْقُدْرَةِ قَدِيمَةً
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) ولأبي ذرٍّ: «هو ابن جبير» (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حَبيِّبٍ، بفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (السُّلَمِيِّ) الكوفيِّ المقرئ، ولأبيه (١) صحبةٌ (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ) ولأبي ذرٍّ بالرَّفع «أفعل» تفضيل من الصَّبر، وهو حبس النَّفس على المكروه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، فالمرادُ لازمُه، وهو ترك المعاجلة بالعقوبة (عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدَّعُونَ) بتشديد الدَّال (لَهُ) أي: ينسبون إليه (الوَلَدَ) واستُشكِل بأنَّ الله تعالى مُنزَّهٌ عن الأذى، وأجيب بأنَّ المراد أذًى يلحق أنبياءه؛ إذ في إثبات الولد إيذاءٌ للنَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه تكذيبٌ له وإنكارٌ لمقالته (ثُمَّ يُعَافِيهِمْ) من العِلَل والبليَّات والمكروهات (وَيَرْزُقُهُمْ) ما ينتفعون به من الأقوات وغيرها، مقابلةً للسَّيِّئات بالحسنات، والرَّزَّاق خالق الأرزاق والأسباب التي يُتمتَّع بها، والرِّزق هو المنتَفَعُ به، وكل ما يُنتَفَع به فهو رِزقُه، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا، والرِّزق نوعان: محسوسٌ ومعقولٌ؛ ولذا قال بعض المحقِّقين: الرَّزَّاق مَن رَزَق الأشباحَ فوائدَ (٢) لطفه، والأرواحَ عوائدَ كشفه، وقال القرطبيُّ: الرِّزق في ألسنة المحدِّثين السَّماع، يقال: رزقٌ، يعنون به: سماع الحديث، قال: وهو صحيحٌ. انتهى. وحظُّ العارف منه أن يتحقَّق (٣) معناه؛ ليتيقَّن (٤) أنَّه لا يستحقُّه إلَّا الله، فلا ينتظر الرِّزق ولا يتوقَّعه إلَّا منه، فَيكِل أمره إليه ولا يتوكَّل فيه إلَّا عليه، ويجعل يده خزانة ربِّه، ولسانه وَصْلةً بين الله وبين النَّاس في وصول الأرزاق الرُّوحانية والجسمانية إليهم؛ بالإرشاد والتَّعليم وصرف المال ودعاء الخير وغير ذلك؛ لينال حظًّا من هذه الصِّفة، قال القشيريُّ أبو القاسم: من عرف أنَّ الله هو الرَّزَّاق أفرده بالقصد إليه (٥)، وتقرَّب إليه بدوام التَّوكل عليه، أرسل الشِّبليُّ إلى غنيٍّ أنِ ابعث إلينا شيئًا من دنياك، فكتب إليه: سل دنياك من مولاك، فكتب إليه الشِّبليُّ: الدُّنيا حقيرةٌ وأنت حقيرٌ،
وإنَّما أطلب الحقير من الحقير، ولا أطلب من مولاي غير مولاي، فسَمَت همَّته العليَّة ألَّا يطلب من الله تعالى الأشياء الخسيسة، ومناسبة الآية للحديث اشتماله على صفتَي الرِّزق والقوَّة الدَّالة على القدرة، أمَّا الرِّزق فمن قوله: «ويرزقهم» وأمَّا القوَّة فمن قوله: «أصبر» فإنَّ فيه إشارةً إلى القدرة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبع البشر، فإنَّه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلَّا مِن جِهة تكليفه ذلك شرعًا، قاله ابن المُنيِّر.
وسبق الحديث في «الأدب» في «باب الصبر على الأذى» [خ¦٦٠٩٩].
(٤) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو عالم الغيب (﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾) فلا يُطْلِع (﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾) من خلقه ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] أي: إلَّا رسولًا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب؛ ليكون إخباره عن الغيب معجزةً له، فإنَّه يُطلِعه على غيبه ما شاء و ﴿مِن رَّسُولٍ﴾ بيانٌ لـ ﴿مَنِ ارْتَضَى﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي هذه الآية إبطال الكرامات (١)؛ لأنَّ الذين تُضَاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسلٍ، وقد خصَّ الله الرُّسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب. انتهى. وأُجيب: بأنَّ قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ لفظٌ مفردٌ ليس فيه صيغة العموم، فيكفي أن يقال: إنَّ الله لا يُظهِر على غيبٍ واحدٍ من غيوبه أحدًا إلَّا الرُّسل، فيُحمَل على وقت وقوع القيامة، فكيف وقد ذكرها عقب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾؟ [الأنبياء: ١٠٩] وتُعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّ الرُّسل أيضًا لم يُظهَروا على ذلك، وقال البيضاويُّ: جوابه تخصيص الرَّسول: بالمَلَكِ، والإظهار: بما يكون من غير واسطةٍ، وكرامات الأولياء على المغيَّبات (٢) إنَّما
تكون تلقِّيًا عن الملائكة كاطِّلاعنا على أحوال الآخرة بتوسُّط الأنبياء، وقال الطِّيبيُّ: الأقرب تخصيص الإطلاع بالضَّعف والخفاء، فإنَّ إطلاع الله الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم على الغيب أمكن وأقوى من إطلاعه الأولياء، يدلُّ عليه حرف الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ فضُمِّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى يُطْلِع، أي: فلا يُظهِر الله على غيبه إظهارًا تامًّا وكشفًا جليًّا إلَّا من ارتضى من رسولٍ فإنَّ الله تعالى إذا أراد أن يُطلِع النَّبيَّ على الغيب، يوحي إليه أو يرسل إليه الملك، وأمَّا كرامات الأولياء فهي من قبيل التَّلويحات واللَّمحات، أو من جنس إجابة دعوةٍ وصدق فراسةٍ، فإنَّ كشف الأولياء غير تامٍّ كالأنبياء.
(وَ) بابُ قول الله تعالى: (﴿إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: وقت قيامها (وَ) قوله تعالى: (﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]) أي: أنزله وهو عالمٌ بأنَّك أهلٌ بإنزاله إليك وأنَّك مبلِّغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصِّفات، فإنَّه أثبت لنفسه العلم، وقوله تعالى: (و ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]) هو في موضع الحال، أي: إلَّا معلومةٌ له (١)، وقوله تعالى: (﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]) أي: علم قيامها يردُّ إليه، أي: يجب على المسؤول (٢) أن يقول: الله أعلم بذلك.
(قَالَ يَحْيَى بْنُ زِيادٍ) الفرَّاء المشهور في «كتاب معاني القرآن» له: (الظَّاهِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَالبَاطِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وقال غيره: الظَّاهر: الجليُّ وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه، والباطن: المحتجب كُنْه ذاته عن نظر العقل بحجب كبريائه، وقيل: الظَّاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، وقيل: الظَّاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب، وقال الشَّيخ أبو حامد (٣): اعلم أنَّه إنَّما خفي مع ظهوره؛ لشدَّة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، وقيل: الظَّاهر بنعمته والباطن برحمته، وقيل: الظَّاهر بما يفيض عليك من العطاء والنَّعماء، والباطن بما يدفع عنك من البلاء، وقيل: الظَّاهر لقومٍ فلذلك وحَّدوه، والباطن عن قومٍ فلذلك جحدوه.