الإسلام > حديث > موطأ مالك > حديث 468
الحديث رقم 468 من كتاب «كتاب قصر الصلاة في السفر» في موطأ مالك، تحت باب: باب انتظار الصلاة والمشي إليها.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥١ - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا]
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
ــ
١٨ - بَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا
٣٨٢ - ٣٨٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَنُونٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ) الْحَفَظَةُ أَوِ السَّيَّارَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، قَالَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَقَالَ غَيْرُهُمَا:
الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ ( «تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ» ) أَيْ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، قِيلَ عَبَّرَ بِتُصَلِّي لِيَتَنَاسَبَ الْجَزَاءُ وَالْعَمَلُ ( «مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ» ) صَلَاةً تَامَّةً لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: " «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» " قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ مُصَلَّاهُ انْقَضَى ذَلِكَ، لَكِنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ بَعْدَهُ أَنَّ لِلْمُنْتَظِرِ حُكْمُ الْمُصَلِّي سَوَاءٌ بَقِيَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: فِي مُصَلَّاهُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلصَّلَاةِ لَا الْمَوْضِعِ الْخَاصِّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَوَّلًا فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمُصَلَّاهُ الْمَكَانُ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَلَوْ قَامَ إِلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى نِيَّةِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ كَانَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
بَلْ فِي الِاسْتِذْكَارِ مُصَلَّاهُ الْمَسْجِدُ وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي مَعْنَى انْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ قَعَدَتِ امْرَأَةٌ فِي مُصَلَّى بَيْتِهَا تَنْتَظِرُ وَقْتَ صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَدَخُلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ رَغْبَةً فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ رِبَاطٌ لِأَنَّ الْمُرَابِطَ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ الْمَكَاسِبِ وَالتَّصَرُّفِ إِرْصَادًا لِلْعَدُوِّ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ عَنِ الْمَبْسُوطِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى جَمَاعَةً ثُمَّ قَعَدَ بِمَوْضِعِهِ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى أَتَرَاهُ فِي صَلَاةٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يُحْدِثْ فَيَبْطُلُ ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَمَرَّ جَالِسًا.
وَفِيهِ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ مِنَ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا كَفَّارَةً وَهِيَ دَفْنُهَا وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا كَفَّارَةٌ بَلْ عُومِلَ صَاحِبُهُ بِحِرْمَانِ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) عَلَى إِضْمَارِ قَائِلِينَ أَوْ تَقُولُ: وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو عُمَرَ: بَيَّنَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: ٥] (سُورَةُ الشُّورَى: الْآيَةُ ٥) ، وَقِيلَ: السِّرُّ فِيهِ أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِ بَنِي آدَمَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْخَلَلِ فِي الطَّاعَةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَوَّضُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الثَّوَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَعَلَى تَفْضِيلِ صَالِحِي النَّاسِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ فِي تَحْصِيلِ الدَّرَجَاتِ بِعِبَادَتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ مَشْغُولُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ (قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّ
الْقَاعِدَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ هُنَا: الْكَلَامُ الْقَبِيحُ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْقَبِيحَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ: الْحَدَثُ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: الْمُرَادُ الْحَدَثُ حَدَثُ الْفَرْجِ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اجْتِنَابَ حَدِيثِ اللِّسَانِ وَالْيَدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَذَى مِنْهُمَا يَكُونُ أَشَدُّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ( «فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ» ) أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ صَلَّى ثُمَّ انْتَظَرَ صَلَاةً أُخْرَى، وَتَتَقَيَّدُ الصَّلَاةُ الْأُولَى بِكَوْنِهَا مُجْزِيَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا نَقْصٌ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ بِهِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
📚 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك - الإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني
[بَاب انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا]
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
ــ
١٨ - بَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالْمَشْيِ إِلَيْهَا
٣٨٢ - ٣٨٢ - (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَنُونٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ) الْحَفَظَةُ أَوِ السَّيَّارَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، قَالَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَقَالَ غَيْرُهُمَا:
الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ ( «تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ» ) أَيْ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، قِيلَ عَبَّرَ بِتُصَلِّي لِيَتَنَاسَبَ الْجَزَاءُ وَالْعَمَلُ ( «مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ» ) صَلَاةً تَامَّةً لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: " «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» " قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ مُصَلَّاهُ انْقَضَى ذَلِكَ، لَكِنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ بَعْدَهُ أَنَّ لِلْمُنْتَظِرِ حُكْمُ الْمُصَلِّي سَوَاءٌ بَقِيَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْجِدِ أَمْ تَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِهِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: فِي مُصَلَّاهُ عَلَى الْمَكَانِ الْمُعَدِّ لِلصَّلَاةِ لَا الْمَوْضِعِ الْخَاصِّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَوَّلًا فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمُصَلَّاهُ الْمَكَانُ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَلَوْ قَامَ إِلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى نِيَّةِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ كَانَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
بَلْ فِي الِاسْتِذْكَارِ مُصَلَّاهُ الْمَسْجِدُ وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ فِي مَعْنَى انْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ قَعَدَتِ امْرَأَةٌ فِي مُصَلَّى بَيْتِهَا تَنْتَظِرُ وَقْتَ صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَدَخُلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَنِ التَّصَرُّفِ رَغْبَةً فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْ هَذَا قِيلَ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ رِبَاطٌ لِأَنَّ الْمُرَابِطَ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ الْمَكَاسِبِ وَالتَّصَرُّفِ إِرْصَادًا لِلْعَدُوِّ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ عَنِ الْمَبْسُوطِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى جَمَاعَةً ثُمَّ قَعَدَ بِمَوْضِعِهِ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى أَتَرَاهُ فِي صَلَاةٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يُحْدِثْ فَيَبْطُلُ ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَمَرَّ جَالِسًا.
وَفِيهِ أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ مِنَ النُّخَامَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا كَفَّارَةً وَهِيَ دَفْنُهَا وَلَمْ يُذْكَرْ هُنَا كَفَّارَةٌ بَلْ عُومِلَ صَاحِبُهُ بِحِرْمَانِ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) عَلَى إِضْمَارِ قَائِلِينَ أَوْ تَقُولُ: وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو عُمَرَ: بَيَّنَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الشورى: ٥] (سُورَةُ الشُّورَى: الْآيَةُ ٥) ، وَقِيلَ: السِّرُّ فِيهِ أَنَّهُمْ يَطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِ بَنِي آدَمَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْخَلَلِ فِي الطَّاعَةِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَوَّضُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الثَّوَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ وَعَلَى تَفْضِيلِ صَالِحِي النَّاسِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ فِي تَحْصِيلِ الدَّرَجَاتِ بِعِبَادَتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ مَشْغُولُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ (قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى قَوْلَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّ
الْقَاعِدَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ هُنَا: الْكَلَامُ الْقَبِيحُ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْقَبِيحَ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ: الْحَدَثُ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي: الْمُرَادُ الْحَدَثُ حَدَثُ الْفَرْجِ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اجْتِنَابَ حَدِيثِ اللِّسَانِ وَالْيَدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَذَى مِنْهُمَا يَكُونُ أَشَدُّ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ( «فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ» ) أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ صَلَّى ثُمَّ انْتَظَرَ صَلَاةً أُخْرَى، وَتَتَقَيَّدُ الصَّلَاةُ الْأُولَى بِكَوْنِهَا مُجْزِيَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا نَقْصٌ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ بِالنَّافِلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ انْتَهَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ بِهِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56