تفسير الألوسي سورة النساء

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة النساء

تفسيرُ سورةِ النساء كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 1516 دقيقة قراءة

تفسير سورة النساء كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا ١

4- سُورَةُ النِّساءِ.

مَدَنِيَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ، وزَعَمَ النَّحّاسُ أنَّها مَكِّيَّةٌ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ اتِّفاقًا في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ واهٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نُزُولِ آيَةٍ أوْ آياتٍ بِمَكَّةَ مِن سُورَةٍ طَوِيلَةٍ نَزَلَ مُعْظَمُها بِالمَدِينَةِ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً خُصُوصًا أنَّ الأرْجَحَ أنَّ ما نَزَلْ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَدَنِيٌّ، ومَن راجَعَ أسْبابَ نُزُولِ آياتِها عَرَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومِمّا يَرُدُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وبِناؤُهُ عَلَيْها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ اتِّفاقًا، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ الهِجْرَةِ، وعِدَّةُ آياتِها عِنْدَ الشّامِيِّينَ مِائَةٌ وسَبْعٌ وسَبْعُونَ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ سِتٌّ وسَبْعُونَ، وعِنْدَ الباقِينَ خَمْسٌ وسَبْعُونَ، والمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنها آيَتانِ: إحْداهُما ﴿ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ وثانِيَتُهُما ﴿ فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ فالكُوفِيُّونَ يُثْبِتُونَ الأُولى آيَةً فَقَطْ، والشّامِيُّونَ يُثْبِتُونَ الثّانِيَةَ أيْضًا، والباقُونَ يَقُولُونَ هُما بَعْضا آيَةٍ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِآلِ عِمْرانَ أُمُورٌ مِنها أنَّ آلَ عِمْرانَ خُتِمَتْ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، وافْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهِ، وذَلِكَ مِن آكَدِ وُجُوهِ المُناسَباتِ في تَرْتِيبِ السُّوَرِ، وهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ يُسَمّى في الشِّعْرِ تَشابُهَ الأطْرافِ، وقَوْمٌ يُسَمُّونَهُ بِالتَّسْبِيغِ، وذَلِكَ كَقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ رَواها رَواها فَأرْواها بِشُرْبِ سِجالِها ∗∗∗ دِماءَ رِجالٍ حَيْثُ نالَ حَشاها ومِنها أنَّ في آلِ عِمْرانَ ذِكْرَ قِصَّةِ أُحُدٍ مُسْتَوْفاةً، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ ذِيلِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الغَزْوَةِ عَلى ما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَرْوِيًّا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما.

ومِنها أنَّ في آلِ عِمْرانَ ذِكْرَ الغَزْوَةِ الَّتِي بَعْدَ أُحُدٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ إلَخْ، وأُشِيرَ إلَيْها هَهُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ الآيَةَ، وبِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يُعْرَفُ أنَّ تَأْخِيرَ النِّساءِ عَنْ آلِ عِمْرانَ أنْسَبُ مِن تَقْدِيمِها عَلَيْها كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا ذَيْلٌ لِما ذُكِرَ هُناكَ وتابِعٌ فَكانَ الأنْسَبُ فِيهِ التَّأْخِيرَ، ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ وجَدَ كَثِيرًا مِمّا ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مُفَصِّلًا لِما ذُكِرَ فِيما قَبْلَها فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مَزِيدُ الِارْتِباطِ وغايَةُ الِاحْتِباكِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ المُكَلَّفِينَ مِن لَدُنْ نَزَلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَلى ما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، وفي تَناوُلِ نَحْوِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلْعَبِيدِ شَرْعًا حَتّى يَعُمَّهُمُ الحُكْمُ خِلافٌ، فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى التَّناوُلِ لِأنَّ العَبْدَ مِنَ النّاسِ مَثَلًا فَيَدْخُلُ في الخِطابِ العامِّ لَهُ قَطْعًا، وكَوْنُهُ عَبْدًا لا يَصْلُحُ مانِعًا لِذَلِكَ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى عَدَمِ التَّناوُلِ قالُوا: لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالإجْماعِ صَرْفُ مَنافِعِ العَبْدِ إلى سَيِّدِهِ، فَلَوْ كُلِّفَ بِالخِطابِ لَكانَ صَرْفًا لِمَنافِعِهِ إلى غَيْرِ سَيِّدِهِ وذَلِكَ تَناقُضٌ فَيُتْبَعُ الإجْماعُ ويُتْرَكُ الظّاهِرُ، وأيْضًا خَرَجَ العَبْدُ عَنِ الخِطابِ بِالجِهادِ والجُمُعَةِ والعُمْرَةِ والحَجِّ والتَّبَرُّعاتِ والأقارِيرِ ونَحْوِها، ولَوْ كانَ الخِطابُ مُتَناوِلًا لَهُ لِلْعُمُومِ لَزِمَ التَّخْصِيصُ، والأصْلُ عَدَمُهُ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا لا نُسَلِّمُ صَرْفَ مَنافِعِهِ إلى سَيِّدِهِ عُمُومًا بَلْ قَدْ يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ وقْتُ تَضايُقِ العِباداتِ حَتّى لَوْ أمَرَهُ السَّيِّدُ في آخِرِ وقْتِ الظُّهْرِ ولَوْ أطاعَهُ لَفاتَتْهُ الصَّلاةُ وجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، وعَدَمُ صَرْفِ مَنفَعَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى السَّيِّدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالتَّعَبُّدُ بِالعِبادَةِ لَيْسَ مُناقِضًا لِقَوْلِهِمْ: بِصَرْفِ المَنافِعِ لِلسَّيِّدِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ خُرُوجَهُ بِدَلِيلٍ اقْتَضى خُرُوجَهُ وذَلِكَ كَخُرُوجِ المَرِيضِ والمُسافِرِ والحائِضِ عَنِ العُمُوماتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ والجِهادِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَناوُلِها اتِّفاقًا، غايَتُهُ أنَّهُ خِلافُ الأصْلِ ارْتُكِبَ لِدَلِيلٍ وهو جائِزٌ ثُمَّ الصَّحِيحُ أنَّ الأُمَمَ الدّارِجَةَ قَبْلَ نُزُولِ هَذا الخِطابِ لا حَظَّ لَها فِيهِ لِاخْتِصاصِ الأوامِرِ والنَّواهِي بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الِامْتِثالُ، وأنّى لَهم بِهِ وهم تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى لا يَقُومُونَ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الخِطابِ عامًّا بِحَيْثُ يَنْدَرِجُونَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ الآتِي عامًّا لَهم أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى الكَلامِ القَدِيمِ القائِمِ بِذاتِهِ تَعالى، وإنْ كانَ كَوْنُهُ عَرَبِيًّا عارِضًا بِالنِّسْبَةِ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ المَنظُورَ إلَيْهِ إنَّما هو أحْكامُ القُرْآنِ بَعْدَ النُّزُولِ وإلّا لَكانَ النِّداءُ وجَمِيعُ ما فِيهِ مِن خِطابِ المُشافَهَةِ مَجازاتٍ، ولا قائِلَ بِهِ فَتَأمَّلْ، وعَلى العِلّاتِ لَفْظُ (النّاسِ) يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ بِلا نِزاعٍ، وفي شُمُولِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ خِلافٌ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ الإناثَ لا يَدْخُلْنَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ ظاهِرًا خِلافًا لِلْحَنابِلَةِ، اسْتَدَلَّ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النِّساءَ قُلْنَ: ما نَرى اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ إلّا الرِّجالَ، فَأُنْزِلَ ذِكْرُهُنَّ»، فَنَفَتْ ذِكْرَهُنَّ مُطْلَقًا ولَوْ كُنَّ داخِلاتٍ لَما صَدَقَ نَفْيُهُنَّ ولَمْ يَجُزْ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلنَّفْيِ، وبِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ أرْبابُ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّ نَحْوَ هَذِهِ الصِّيغَةِ جَمْعٌ مُذَكَّرٌ، وأنَّهُ لِتَضْعِيفِ المُفْرَدِ والمُفْرَدُ مُذَكَّرٌ، وبِأنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الصِّيغَةِ المُسْلِمُونَ ولَوْ كانَ مَدْلُولُ المُسْلِماتِ داخِلًا فِيهِ لَما حَسُنَ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ إلّا بِاعْتِبارِ التَّأْكِيدِ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وقالَ الآخَرُونَ: المَعْرُوفُ مِن أهْلِ اللِّسانِ تَغْلِيبُهُمُ المُذَكَّرَ عَلى المُؤَنَّثِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما بِاتِّفاقٍ، وأيْضًا لَوْ لَمْ تَدْخُلِ الإناثُ في ذَلِكَ لَما شارَكْنَ في الأحْكامِ لِثُبُوتِ أكْثَرِها بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالِاتِّفاقِ كَما في أحْكامِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ، وأيْضًا لَوْ أوْصى لِرِجالٍ ونِساءٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قالَ: أوْصَيْتُ لَهم بِكَذا دَخَلَتِ النِّساءُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ، وهو مَعْنى الحَقِيقَةِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً في الرِّجالِ والنِّساءِ ظاهِرًا فِيهِما وهو المَطْلُوبُ، وأُجِيبَ أمّا عَنِ الأوَّلِ فَبِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ الإطْلاقَ صَحِيحٌ إذا قَصَدَ الجَمِيعَ، والجُمْهُورُ يَقُولُونَ بِهِ، لَكِنَّهُ يَكُونُ مَجازًا ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ظاهِرًا وفِيهِ النِّزاعُ.

وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِمَنعِ المُلازِمَةِ، نَعَمْ يَلْزَمُ أنْ لا يُشارِكَهُنَّ في الأحْكامِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ، وما المانِعُ أنْ يُشارِكْنَ بِدَلِيلٍ خارِجٍ ؟

والأمْرُ كَذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمَّ يَدْخُلْنَ في الجِهادِ والجُمُعَةِ مَثَلًا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ هُناكَ، وأمّا عَنِ الثّالِثِ فَبِمَنعِ المُبادَرَةِ ثَمَّةَ بِلا قَرِينَةٍ، فَإنَّ الوَصِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى الإرادَةِ، فالحَقُّ عَدَمُ دُخُولِ الإناثِ ظاهِرًا، نَعَمِ الأوْلى هُنا القَوْلُ بِدُخُولِهِنَّ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنْ لا تَغْلِيبَ بَلِ الأمْرُ لِلرِّجالِ فَقَطْ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الصِّيغَةِ، ودُخُولُ الإناثِ في الأمْرِ بِالتَّقْوى لِلدَّلِيلِ الخارِجِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ لَفْظِ النّاسِ بِبَعْضِ أفْرادِهِ؛ لِأنَّ إبْقاءَهُ حِينَئِذٍ عَلى عُمُومِهِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا الِاتِّقاءُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ ما كانَ بِاجْتِنابِ الكُفْرِ والمَعاصِي وسائِرِ القَبائِحِ، ويَتَناوَلُ رِعايَةَ حُقُوقِ النّاسِ كَما يَتَناوَلُ رِعايَةَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وأمّا الِاتِّقاءُ في الإخْلالِ بِما يَجِبُ حِفْظُهُ مِنَ الحُقُوقِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، وهَذا المَعْنى مُطابِقٌ لِما في السُّورَةِ مِن رِعايَةِ حالِ الأيْتامِ وصِلَةِ الأرْحامِ والعَدْلِ في النِّكاحِ والإرْثِ ونَحْوِ ذَلِكَ بِالخُصُوصِ، بِخِلافِ الأوَّلِ فَإنَّهُ إنَّما يُطابِقُها مِن حَيْثُ العُمُومُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى مِن تَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الاِمْتِثالِ، وكَذا في وصْفِ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جارٍ عَلى أنَّ الوَصْفَ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الحُكْمُ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لَهُ، أوْ باعِثَةٌ عَلَيْهِ، داعِيَةٌ إلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ ما هُنا كَذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ العَظِيمَةِ أوِ النِّعْمَةِ الجَسِيمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ يُوجِبُ التَّقْوى مُطْلَقًا حَذَرًا عَنِ العِقابِ العَظِيمِ، وأنَّ الثّانِيَ يَدْعُو إلَيْها وفاءً بِالشُّكْرِ الواجِبِ، وإيجابُ الخَلْقِ مِن أصْلٍ واحِدٍ لِلِاتِّقاءِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي ظاهِرٌ جِدًّا، وفي الوَصْفِ المَذْكُورِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ عالِمُونَ بِما ذُكِرَ مِمّا يَسْتَدْعِي التَّحَلِّيَ بِالتَّقْوى، وفِيهِ كَمالُ تَوْبِيخٍ لِمَن يَفُوتُهُ ذَلِكَ، والمُرادُ مِنَ النَّفْسِ الواحِدَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي عَلَيْهِ الجَماعَةُ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ ومَن وافَقَهم أنَّهُ لَيْسَ سِوى آدَمَ واحِدٍ - وهو أبُو البَشَرِ - وذَكَرَ صاحِبُ جامِعِ الأخْبارِ مِنَ الإمامِيَّةِ في الفَصْلِ الخامِسَ عَشَرَ خَبَرًا طَوِيلًا نَقَلَ فِيهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ قَبْلَ أبِينا آدَمَ ثَلاثِينَ آدَمَ، بَيْنَ كُلِّ آدَمَ وآدَمَ ألْفُ سَنَةٍ، وأنَّ الدُّنْيا بَقِيَتْ خَرابًا بَعْدَهم خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ عُمِّرَتْ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ خُلِقَ أبُونا آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَوى ابْنُ بابَوَيْهِ في كِتابِ التَّوْحِيدِ عَنِ الصّادِقِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: لَعَلَّكَ تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ بَشَرًا غَيْرَكُمْ، بَلى، واللَّهِ لَقَدْ خَلَقَ ألْفَ ألْفَ آدَمَ أنْتُمْ في آخِرِ أُولَئِكَ الآدَمِيِّينَ، وقالَ المِيثَمُ في شَرْحِهِ الكَبِيرِ عَلى النَّهْجِ ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ أنَّهُ قالَ: قَدِ انْقَضى قَبْلَ آدَمَ الَّذِي هو أبُونا ألْفُ ألْفِ آدَمَ، أوْ أكْثَرُ.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في فُتُوحاتِهِ ما يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ أنَّ قَبْلَ آدَمَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ سَنَةٍ آدَمَ غَيْرَهُ.

وفي كِتابِ الخَصائِصِ ما يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ التَّعَدُّدُ أيْضًا الآنَ، حَيْثُ رُوِيَ فِيهِ عَنِ الصّادِقِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ عالَمٍ، كُلُّ عالَمٍ مِنهم أكْبَرُ مِن سَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ، ما يَرى عالَمٌ مِنهم أنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عالَمًا غَيْرَهم، وأنّى لِلْحُجَّةِ عَلَيْهُمْ، ولَعَلَّ هَذا وأمْثالَهُ مِن أرْضِ السِّمْسِمَةِ وجابِرْسا وجابِلْقا، إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى عالَمِ المِثالِ لا عَلى هَذا العالَمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وحَمْلُ تَعَدُّدِ آدَمَ في ذَلِكَ العالَمِ أيْضًا غَيْرُ بَعِيدٍ، وأمّا القَوْلُ بِظَواهِرِ هَذِهِ الأخْبارِ فَمِمّا لا يَراهُ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ بَلْ قَدْ صَرَّحَ زَيْنُ العَرَبِ بِكُفْرِ مَن يَعْتَقِدُ التَّعَدُّدَ، نَعَمْ، إنَّ آدَمَنا هَذا عَلَيْهِ السَّلامُ مَسْبُوقٌ بِخَلْقٍ آخَرِينَ كالمَلائِكَةِ والجِنِّ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى لا بِخَلْقِ أمْثالِهِ وهو حادِثٌ نَوْعًا وشَخْصًا خِلافًا لِبَعْضِ الفَلاسِفَةِ في زَعْمِهِمْ قِدَمَ نَوْعِ الإنْسانِ، وذَهَبَ الكَثِيرُ مِنّا إلى أنَّهُ مُنْذُ كانَ إلى زَمَنِ البِعْثَةِ سِتَّةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ ورَوَوْا أخْبارًا كَثِيرَةً في ذَلِكَ، والحَقُّ عِنْدِي أنَّهُ كانَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ولا يَكُونُ بَعْدَ أنْ كانَ، وأمّا أنَّهُ مَتى كانَ ومَتى لا يَكُونُ فَمِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، والأخْبارُ مُضْطَرِبَةٌ في هَذا البابِ فَلا يَكادُ يُعَوَّلُ عَلَيْها.

والقَوْلُ بِأنَّ النَّفْسَ الكُلِّيَ يَجْلِسُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأنْفُسِ الجُزْئِيَّةِ في كُلِّ سَبْعَةِ آلافِ سَنَةٍ مَرَّةً، وأنَّ قِيامَ السّاعَةِ بَعْدَ تَمامِ ألْفِ البَعْثَةِ مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ فَمِمّا لا أرْتَضِيهِ دِينًا ولا أخْتارَهُ يَقِينًا، والخِطابُ في (رَبَّكُمْ) و(خَلَقَكُمْ) لِلْمَأْمُورِينَ وتَعْمِيمُهُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الأُمَمَ السّالِفَةَ مَعَ بَقاءِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِطابِ غَيْرُ شامِلٍ بِناءً عَلى أنَّ شُمُولَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى وخَلْقَهُ لِلْكُلِّ أتَمُّ في تَأْكِيدِ الأمْرِ السّابِقِ مَعَ أنَّ فِيهِ تَفْكِيكًا لِلنَّظْمِ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ لِأنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلْمَأْمُورِينَ مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانُوا بِواسِطَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ كانَ التَّعَرُّضُ لِخَلْقِهِمْ مُتَضَمِّنًا لِحَقِّ الوَسائِطِ جَمِيعًا، وكَذا التَّعَرُّضُ لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم مُتَضَمِّنًا لِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِأُصُولِهِمْ قاطِبَةً لا سِيَّما وقَدْ أُرْدِفَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ( خَلَقَكم ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وأُعِيدَ الفِعْلُ لِإظْهارِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ لِأنَّ الأوَّلَ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ مِنَ الأصْلِ والثّانِيَ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ مِنَ المادَّةِ فَإنَّ المُرادَ مِنَ الزَّوْجِ حَوّاءُ وهي قَدْ خُلِقَتْ مِن ضِلْعِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأيْسَرِ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ، ورَوى الشَّيْخانِ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلْعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيْءٍ مِنَ الضِّلْعِ أعْلاهُ، فَإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ» .

وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ خَلْقَها مِنَ الضِّلْعِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِها مِنَ التُّرابِ فَأيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِها مِن ذَلِكَ وزَعَمَ أنَّ مَعْنى مِنها مِن جِنْسِها، والآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ( جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ) ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ القَوْلَ بِما ذُكِرَ يَجُرُّ إلى القَوْلِ بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَنْكِحُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْجانِ ما لا يَخْفى، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ حُورِيَّةً خُلِقَتْ مِمّا خُلِقَ مِنهُ الحُورُ بَعْدَ أنْ أُسْكِنَ آدَمُ الجَنَّةَ، وكِلا القَوْلَيْنِ باطِلٌ، أمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَيْسَ في الآياتِ ولا الأحادِيثِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ الإشارَةُ إلَيْهِ أصْلًا فَضْلًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ، ومَعَ هَذا يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ الحُورَ خُلِقْنَ مِن زَعْفَرانِ الجَنَّةِ - كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ- فَإنْ كانَتْ حَوّاءُ مَخْلُوقَةً مِمّا خُلِقْنَ مِنهُ - كَما هو نَصُّ كَلامِ الزّاعِمِ - فَبَيْنَها وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المَخْلُوقِ مِن تُرابِ الدُّنْيا بُعْدٌ كُلِّيٌ يَكادُ يَكُونُ افْتِراقًا في الجِنْسِيَّةِ الَّتِي رُبَّما تُوهِمُها الآيَةُ، ويَسْتَدْعِي بُعْدَ وُقُوعِ التَّناسُلِ بَيْنَهُما في هَذِهِ النَّشْأةِ، وإنْ كانَتْ مَخْلُوقَةً مِمّا خُلِقَ مِنهُ آدَمُ فَهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ نَصِّ كَلامِهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ إنَّ هَذا قَوْلٌ بِما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ وإلّا يَكُنْهُ فَهو قَرِيبٌ مِنهُ، وأمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ فِيهِ لَكانَ النّاسُ مَخْلُوقِينَ مِن نَفْسَيْنِ، لا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وهو خِلافُ النَّصِّ، وأيْضًا هو خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهَذا يَرُدُّ عَلى الثّانِي أيْضًا.

والقَوْلُ بِأنَّهُ أيُّ فائِدَةٍ في خَلْقِها مِن ضِلْعٍ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَها مِن تُرابٍ يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ فائِدَةً ذَلِكَ سِوى الحِكْمَةِ الَّتِي خَفِيَتْ عَنّا إظْهارُ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ حَيًّا مِن حَيٍّ لا عَلى سَبِيلِ التَّوالُدِ - كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ حَيًّا مِن جَمادٍ كَذَلِكَ - ولَوْ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الخَلْقِ مِنَ التُّرابِ مانِعَةً عَنِ الخَلْقِ مِن غَيْرِهِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِخَلْقِ الجَمِيعِ مِنَ التُّرابِ بِلا واسِطَةٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَما أنَّهُ قادِرٌ عَلى خَلْقِ آدَمَ مِنَ التُّرابِ هو قادِرٌ عَلى خَلْقِ سائِرِ أفْرادِ الإنْسانِ مِنهُ أيْضًا فَما هو جَوابُكم عَنْ خَلْقِ النّاسِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِهِمْ كَخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو جَوابُنا عَنْ خَلْقِ حَوّاءَ مِن آدَمَ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خَلْقِها مِن تُرابٍ، والقَوْلُ: بِأنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى ما فِيهِ اسْتِهْجانٌ لا يَخْفى ما فِيهِ لِأنَّ هَذا التَّشَخُّصَ الخاصَّ الحاصِلَ لِذَلِكَ الجُزْءِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِن تَشَخُّصِهِ الأصْلِيِّ شَيْءٌ ظاهِرٌ يَدْفَعُ الِاسْتِهْجانَ الَّذِي لا مُقْتَضى لَهُ إلّا الوَهْمُ الخالِصُ لا سِيَّما والحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ التَّناكُحَ الكَذائِيَ.

فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سَرُّهُ أنَّ حَوّاءَ لَمّا انْفَصَلَتْ مِن آدَمَ عَمَرَ مَوْضِعَها مِنهُ بِالشَّهْوَةِ النِّكاحِيَّةِ الَّتِي بِها وقَعَ الغَشَيانُ لِظُهُورِ التَّوالُدِ والتَّناسُلِ وكانَ الهَواءُ الخارِجُ الَّذِي عَمَرَ مَوْضِعَهُ جِسْمَ حَوّاءَ عِنْدَ خُرُوجِها إذْ لا خَلاءَ في العالَمِ فَطَلَبَ ذَلِكَ الجُزْءُ الهَوائِيُّ مَوْضِعَهُ الَّذِي أخَذَتْهُ حَوّاءُ بِشَخْصِيَّتِها فَحَرَّكَ آدَمَ لِطَلَبِ مَوْضِعِهِ فَوَجَدَهُ مَعْمُورًا بِحَوّاءَ فَوَقَعَ عَلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ مِنهُ فَجاءَتْ بِالذُّرِّيَّةِ فَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سُنَّةً جارِيَةً في الحَيَوانِ مِن بَنِي آدَمَ وغَيْرِهِ بِالطَّبْعِ، لَكِنَّ الإنْسانَ هو الكَلِمَةُ الجامِعَةُ ونُسْخَةُ العالَمِ فَكُلُّ ما في العالَمِ جُزْءٌ مِنهُ ولَيْسَ الإنْسانُ بِجُزْءٍ لِواحِدٍ مِنَ العالَمِ، وكانَ سَبَبُ الفَصْلِ وإيجادُ هَذا المُنْفَصِلِ الأوَّلِ طَلَبَ الأُنْسِ بِالمُشاكِلِ في الجِنْسِ الَّذِي هو النَّوْعُ الأخَصُّ، ولِيَكُونَ في عالَمِ الأجْسامِ بِهَذا الِالتِحامِ الطَّبِيعِيِّ لِلْإنْسانِ الكامِلِ بِالصُّورَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ تَعالى ما يُشْبِهُ القَلَمَ الأعْلى واللَّوْحَ المَحْفُوظَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعَقْلِ الأوَّلِ والنَّفْسِ الكُلِّيَّةِ انْتَهى.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ هَذا الخَلْقَ لَمْ يَقَعْ هَكَذا إلّا بَيْنَ هَذَيْنِ الزَّوْجَيْنِ دُونَ سائِرِ أزْواجِ الحَيَواناتِ ولَمْ أظْفَرْ في ذَلِكَ بِما يَشْفِي الغَلِيلَ، نَعَمْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ زَوْجَ إبْلِيسَ عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ خُلِقَتْ مِن خَلْفِهِ الأيْسَرِ، والخَلْفُ - كَما في الصِّحاحِ - أقْصَرُ أضْلاعِ الجَنْبِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الضَّحّاكُ في هَذا المَقامِ، وإنَّما أُخِّرَ بَيانُ خَلْقِ الزَّوْجِ عَنْ بَيانِ خَلْقِ المُخاطَبِينَ لِما أنَّ تَذْكِيرَ خَلْقِهِمْ أدْخَلُ في تَحْقِيقِ ما هو المَقْصُودُ مِن حَمْلِهِمْ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ مِن تَذْكِيرِ خَلْقِها، وقُدِّمَ الجارُّ لِلْاعْتِناءِ بِبَيانِ مَبْدَئِيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَها ما في التَّقْدِيمِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ واخْتِيرَ عُنْوانُ الزَّوْجِيَّةِ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِنَ التَّناسُلِ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى جَوازِ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ السَّوْقُ، لِأنَّ تَفْرِيعَ الفُرُوعِ مِن أصْلٍ واحِدٍ يَسْتَدْعِي إنْشاءَ ذَلِكَ الأصْلِ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها أوَّلًا وخَلَقَ مِنها زَوْجَها إلَخْ، وهَذا المُقَدَّرُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ وحْدَةِ المَبْدَأِ، وبَيانِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ مِنهُ بِتَفْصِيلِ ما أُجْمَلَ أوَّلًا، وإمّا صِفَةٌ لِنَفْسٍ مُفِيدَةٍ لِذَلِكَ، وأوْجَبَ بَعْضُهم هَذا التَّقْدِيرَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الخِطابِ فِيما تَقَدَّمَ عامًّا في الجِنْسِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا التَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ لَكانَ هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَثَّ مِنهُما ﴾ أيْ نَشَرَ وفَرَّقَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ وزَوْجِها عَلى وجْهِ التَّناسُلِ والتَّوالُدِ رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً تَكْرارًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خَلَقَكم ) لِأنَّ مُؤَدّاهُما واحِدٌ ولَيْسَ عَلى سَبِيلِ بَيانِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ عَلى عَدَمِ التَّقْدِيرِ ولَأوْهَمَ أنَّ الرِّجالَ والنِّساءَ غَيْرُ المَخْلُوقِينَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وأنَّهم مُنْفَرِدُونَ بِالخَلْقِ مِنها ومِن زَوْجِها، والنّاسُ إنَّما خُلِقُوا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلزَّوْجِ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى العَطْفِ؛ وجُعِلَ المُخاطَبُ -بِخَلَقَكُمْ- مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ إذْ يَكُونُ ﴿ وبَثَّ مِنهُما ﴾ إلَخْ واقِعًا عَلى مَن عَدا المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ والتَّوَهُّمِ في غايَةِ البُعْدِ، وكَذا لا يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وجُعِلَ الخِطابُ عامًّا؛ لِأنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ يَكُونانِ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ مِن تِلْكَ النَّفْسِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّهُ لا مانِعَ مِن جَعْلِ الخِطابِ عامًّا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَعَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، والمَحْذُورُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ لَيْسَ بِمُتَوَجَّهٍ؛ إذْ لا يُفْهَمُ مِن خَلْقِ بَنِي آدَمَ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلْقُ زَوْجِها مِنهُ، ولا خَلْقُ الرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الأصْلَيْنِ جَمِيعًا.

والمَعْطُوفُ مُتَكَفِّلٌ بِبَيانِ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ اللّازِمَ في العَطْفِ تَغايُرُ المَعْطُوفاتِ، ولَوْ مِن وجْهٍ، وهو هُنا مُحَقَّقٌ بِلا رَيْبٍ، كَما لا يَخْفى، والتَّلْوِينُ في ﴿ رِجالا ونِساءً ﴾ لِلتَّكْثِيرِ، و ﴿ كَثِيرًا ﴾ نَعْتٌ لِـ ( رِجالًا ) مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجَمْعِ، أوِ العَدَدِ، أوْ لِرِعايَةِ صِيغَةِ فَعِيلٍ، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: بَثًّا ﴿ كَثِيرًا ﴾ ، ولِهَذا أُفْرِدَ، وجَعْلُهُ صِفَةَ حِينَ -كَما قِيلَ- تَكَلُّفٌ سَمِجٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالرِّجالِ والنِّساءِ البالِغِينَ والبالِغاتِ، بَلِ الذُّكُورُ والإناثُ مُطْلَقًا تَجَوُّزًا، ولَعَلَّ إيثارَهُما عَلى الذُّكُورِ والإناثِ لِتَأْكِيدِ الكَثْرَةِ، والمُبالَغَةِ فِيها بِتَرْشِيحِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ المَبْثُوثَةِ لِمَبْدَئِيَّةِ غَيْرِهِ، وقِيلَ: ذَكَرَ الكِبارَ مِنهم؛ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ المُكَلَّفِينَ بِالتَّقْوى، واكْتَفى بِوَصْفِ الرِّجالِ بِالكَثْرَةِ عَنْ وصْفِ النِّساءِ بِها؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي أنْ يَكُنَّ أكْثَرَ؛ إذْ لِلرَّجُلِ أنْ يَزِيدَ في عِصْمَتِهِ عَلى واحِدَةٍ، بِخِلافِ المَرْأةِ، قالَهُ الخَطِيبُ.

واحْتَجَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحادِثَ لا يَحْدُثُ إلّا عَنْ مادَّةٍ سابِقَةٍ، وأنَّ خَلْقَ الشَّيْءِ عَنِ العَدَمِ المَحْضِ والنَّفْيِ الصِّرْفِ مُحالٌ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إحْداثِ شَيْءٍ في صُورَةٍ واحِدَةٍ مِنَ المادَّةِ لِحِكْمَةِ أنْ يَتَوَقَّفَ الإحْداثُ عَلى المادَّةِ في جَمِيعِ الصُّوَرِ.

عَلى أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن خَلْقِنا، وخَلْقِ الزَّوْجِ مِمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وهو غَيْرُ وافٍ بِالمُدَّعى، وقُرِئَ: (وخالِقٌ وباثٌّ) عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ؛ لِأنَّهُ صِلَةٌ لِعَطْفِهِ عَلى الصِّلَةِ، فَلا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً بِخِلافِ نَحْوِ زَيْدٌ رَكِبَ وذاهِبٌ، أيْ: وهو خالِقٌ وباثٌّ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، والمُخاطَبُ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أيْضًا كَما مَرَّ، وقِيلَ: المُخاطَبُ هُنا وهُناكَ هُمُ العَرَبُ -كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -؛ لِأنَّ دَأْبَهم هَذا التَّناشُدُ، وقِيلَ: المُخاطَبُ هُناكَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا، وهُنا العَرَبُ خاصَّةً، وعُمُومُ أوَّلِ الآيَةِ لا يَمْنَعُ خُصُوصَ آخِرَها كالعَكْسِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ تَرَقِّيًا بَعْدَ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقُوهُ لِرُبُوبِيَّتِهِ وخَلْقِهِ إيّاكم خَلْقًا بَدِيعًا، ولِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِصِفاتِ الكَمالِ كُلِّها.

وفِي تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إشارَةٌ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِن مُوجِباتِ الِامْتِثالِ؛ فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ لِصاحِبِهِ: أسْألُكَ بِاللَّهِ، وأنْشُدُكَ اللَّهَ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ يَقْتَضِي الِاتِّقاءَ مِن مُخالَفَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ و ﴿ تَساءَلُونَ ﴾ إمّا بِمَعْنى يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا، فالمُفاعَلَةُ عَلى ظاهِرِها، وإمّا بِمَعْنى تَسْألُونَ - كَما قُرِئَ بِهِ - وتَفاعَلَ يَرِدُ بِمَعْنى فَعَّلَ إذا تَعَدَّدَ فاعِلُهُ، وأصْلُهُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ - تَتَساءَلُونَ - بَتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِلثِّقَلِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ وسائِرُ أهْلِ الكُوفَةِ (تَسّاءَلُونَ) بِإدْغامِ تاءِ التَّفاعُلِ في السِّينِ؛ لِتَقارُبِهِما في الهَمْسِ.

﴿ والأرْحامَ ﴾ بِالنَّصْبِ وهو مَعْطُوفٌ إمّا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ إنْ كانَ المَحَلُّ لَهُما، أوْ عَلى مَحَلِّ المَجْرُورِ إنْ كانَ المَحَلُّ لَهُ، والكَلامُ عَلى حَدِّ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، وعُمَرَ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ (تَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ )، وأنَّهم كانُوا يُقْرِنُونَها في السُّؤالِ والمُناشَدَةِ بِاللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ: أسْألُكَ بِاللَّهِ تَعالى، وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِالرَّحِمِ - كَما أخْرَجَ ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ- عَنْ مُجاهِدٍ، وهو اخْتِيارُ الفارِسِيِّ، وعَلِيِّ بْنِ عِيسى.

وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيِ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى والأرْحامَ، وصِلُوها ولا تَقْطَعُوها؛ فَإنَّ قَطْعَها مِمّا يَجِبُ أنْ يُتَّقى، وهو رِوايَةُ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، وحُكِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وجَوَّزَ الواحِدِيُّ النَّصْبَ عَلى الإغْراءِ، أيْ: والزَمُوا الأرْحامَ وصِلُوها، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالجَرِّ، وخُرِّجَتْ في المَشْهُورِ عَلى العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وضَعَّفَ ذَلِكَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ بِأنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ كَبَعْضِ الكَلِمَةِ؛ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِها، فَكَما لا يُعْطَفُ عَلى جُزْءِ الكَلِمَةِ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ وأوَّلُ مَن شَنَّعَ عَلى حَمْزَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، حَتّى قالَ: لا تَحِلُّ القِراءَةُ بِها، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وزَعَمَ أنَّهُ يَرُدُّها وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ ذِكْرَ أنَّ الأرْحامَ مِمّا يُتَساءَلُ بِها لا مَعْنى لَهُ في الحَضِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ فِيها أكْثَرُ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ الأرْحامَ يُتَساءَلُ بِها، وهَذا مِمّا يَغُضُّ مِنَ الفَصاحَةِ.

والثّانِي أنَّ في ذِكْرِها عَلى ذَلِكَ تَقْرِيرُ التَّساؤُلِ بِها، والقَسَمُ بِحُرْمَتِها، والحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَرُدُّ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ تَعالى أوْ لِيَصْمُتْ» ”.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْزَةَ لَمْ يَقْرَأْ كَذَلِكَ مِن نَفْسِهِ، ولَكِنْ أخَذَ ذَلِكَ، بَلْ جَمِيعَ القُرْآنِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مِهْرانَ الأعْمَشِ، والإمامِ ابْنِ أعْيَنَ، ومُحَمَّدِ بْنِ أبِي لَيْلى، وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ، - وكانَ صالِحًا ورِعًا ثِقَةً في الحَدِيثِ- مِنَ الطَّبَقَةِ الثّالِثَةِ.

وقَدْ قالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، ويَحْيى بْنُ آدَمَ في حَقِّهِ: غَلَبَ حَمْزَةُ النّاسَ عَلى القِراءَةِ والفَرائِضِ، وأخَذَ عَنْهُ جَماعَةٌ وتَلْمَذُوا عَلَيْهِ، مِنهم إمامُ الكُوفَةِ - قِراءَةً وعَرَبِيَّةً - أبُو الحَسَنِ الكِسائِيُّ، وهو أحَدُ القُرّاءِ السَّبْعِ الَّذِينَ قالَ أساطِينُ الدِّينِ: إنَّ قِراءَتَهم مُتَواتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ومَعَ هَذا لَمْ يَقْرَأْ بِذَلِكَ وحْدَهُ، بَلْ قَرَأ بِهِ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَّبْعَةِ كابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِمْ - كَما نَقَلَهُ ابْنُ يَعِيشَ - فالتَّشْنِيعُ عَلى هَذا الإمامِ في غايَةِ الشَّناعَةِ، ونِهايَةِ الجَسارَةِ والبَشاعَةِ، ورُبَّما يُخْشى مِنهُ الكُفْرُ، وما ذُكِرَ مِنِ امْتِناعِ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ولَسْنا مُتَعَبِّدِينَ بِاتِّباعِهِمْ، وقَدْ أطالَ أبُو حَيّانَ في“البَحْرِ”الكَلامَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وادَّعى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ مِنَ الجَوازِ، ووَرَدَ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ نَثْرًا ونَظْمًا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ، وحَدِيثُ: إنَّ ذِكْرَ الأرْحامِ - حِينَئِذٍ لا مَعْنى لَهُ في الحَضِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى - ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ التَّقْوى إنْ أُرِيدَ بِها تَقْوى خاصَّةً، وهي الَّتِي في حُقُوقِ العِبادِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها صِلَةُ الرَّحِمِ، فالتَّساؤُلُ بِالأرْحامِ مِمّا يَقْتَضِيهِ بِلا رَيْبٍ، وإنْ أُرِيدَ الأعَمُّ فَلِدُخُولِهِ فِيها، وأمّا شُبْهَةُ أنَّ في ذِكْرِها تَقْرِيرُ التَّساؤُلِ بِها، والقَسَمُ بِحُرْمَتِها، والحَدِيثُ يَرُدُّ ذَلِكَ؛ لِلنَّهْيِ فِيهِ عَنِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَقَدْ قِيلَ في جَوابِها: لا نُسَلِّمُ أنَّ الحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا مَنهِيٌّ عَنْهُ، بَلِ المَنهِيُّ عَنْهُ ما كانَ مَعَ اعْتِقادِ وُجُوبِ البِرِّ، وأمّا الحَلِفُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ مَثَلًا فَمِمّا لا بَأْسَ بِهِ؛ فَفي الخَبَرِ: «“أفْلَحَ وأبِيهِ إنْ صَدَقَ» .

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَ الشَّخْصِ لِآخَرَ: أسْألُكَ بِالرَّحِمِ أنْ تَفْعَلَ كَذا لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ سِوى الِاسْتِعْطافِ ولَيْسَ هو -كَقَوْلِ القائِلِ-: والرَّحِمِ لَأفْعَلَنَّ كَذا، ولَقَدْ فَعَلْتُ كَذا، فَلا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ في شَيْءٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ هَهُنا حِكايَةُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ - لا يَخْفى ما فِيهِ فافْهَمْ، وقَدْ خَرَّجَ ابْنُ جِنِّي هَذِهِ القِراءَةَ عَلى تَخْرِيجٍ آخَرَ، فَقالَ في الخَصائِصِ: بابٌ في أنَّ المَحْذُوفَ إذا دَلَّتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ كانَ في حُكْمِ المَلْفُوظِ بِهِ، مِن ذَلِكَ: رَسْمُ دارٍ وقَفْتُ في طَلَلِهِ أيْ رُبَّ رَسْمِ دارٍ، وكانَ رُؤْبَةُ إذا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟

يَقُولُ: خَيْرٌ عافاكَ اللَّهُ تَعالى - أيْ بِخَيْرٍ - ويَحْذِفُ الباءَ؛ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وعَلى نَحْوٍ مِن هَذا تَتَوَجَّهُ عِنْدَنا قِراءَةُ حَمْزَةَ، وفي شَرْحِ المُفَصَّلِ أنَّ الباءَ في هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفَةٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِها، وقَدْ مَشى عَلى ذَلِكَ أيْضًا الزَّمَخْشَرِيُّ في أحاجِيهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّهُ أقْرَبُ مِنَ التَّخْرِيجِ الأوَّلِ عِنْدَ أكْثَرِ البَصْرِيَّةِ؛ لِثُبُوتِ إضْمارِ الجارِّ في نَحْوِ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، وفي نِحْوِ - ما مَثَّلَ عَبْدُ اللَّهِ ولا أخِيهِ يَقُولانِ: ذَلِكَ - والحَمْلُ عَلى ما ثَبَتَ هو الوَجْهُ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ الواوَ لِلْقَسَمِ عَلى نَحْوِ - اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَواللَّهِ إنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْكَ - وتَرْكُ الفاءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ أقْوى الأصْلَيْنِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ.

وقَرَأ ابْنُ زَيْدٍ: (والأرْحامُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: والأرْحامُ كَذَلِكَ، أيْ مِمّا يُتَّقى لِقَرِينَةِ اتَّقُوا أوْ مِمّا يُتَساءَلُ بِهِ لِقَرِينَةِ ﴿ تَساءَلُونَ ﴾ وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: - أهْلٌ لِأنْ تُوصَلَ- وابْنُ جِنِّي: -مِمّا يَجِبُ أنْ تُوَصِلُوهُ وتَحْتاطُوا فِيهِ- ولَعَلَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ مُعْتَرِضَةٌ - وإلّا فَفي العَطْفِ خَفاءٌ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ إذْ قَرَنَ الأرْحامَ بِاسْمِهِ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ صِلَتَها بِمَكانٍ مِنهُ تَعالى، وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ حَتّى إذا فَرَغَ مِنهم قامَتِ الرَّحِمُ فَقالَتْ: هَذا مَقامُ العائِذُ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ قالَ: نَعَمْ، أما تَرْضَيْنَ أنِّي أصِلُ مَن وصَلَكِ، وأقْطَعُ مَن قَطَعَكِ؟

قالَتْ: بَلى، قالَ: فَذَلِكَ لَكِ»، وأخْرَجَ البَزّارُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ: «الرَّحِمُ حَجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالعَرْشِ تَكَلَّمُ بِلِسانٍ زَلِقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَن وصَلَنِي، واقْطَعُ مَن قَطَعَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أنا الرَّحْمَنُ أنا الرَّحِيمُ؛ فَإنِّي شَقَقْتُ الرَّحِمَ مِنِ اسْمِي، فَمَن وصَلَها وصَلْتُهُ، ومَن بَتَكَها بَتَكْتُهُ» .

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ: " «إنَّ مِن أرْبى الرِّبا الِاسْتِطالَةَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَن قَطَعَها حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الجَنَّةَ» .

والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، والمُرادُ بِالرَّحِمِ الأقارِبُ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ مَن يَجْمَعُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ نَسَبٌ، وإنْ بَعُدَ، ويُطْلَقُ عَلى الأقارِبِ مِن جِهَةِ النِّساءِ، وتَخْصِيصُهُ في بابِ الصِّلَةِ بِمَن يَنْتَهِي إلى رَحِمِ الأُمِّ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ؛ إذْ قَدْ ورَدَ الأمْرُ بِالإحْسانِ إلى الأقارِبِ مُطْلَقًا، ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ (1) أيْ حَفِيظًا، - قالَهُ مُجاهِدٌ - فَهو مِن رَقِبَهُ بِمَعْنى حَفِظَهُ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، وقَدْ يُفَسَّرُ: بِالمُطَّلِعِ، ومِنهُ المَرْقَبُ لِلْمَكانِ العالِي الَّذِي يُشْرَفُ عَلَيْهِ لِيُطَّلَعَ عَلى ما دُونَهُ، ومِن هُنا فَسَّرَهُابْنُ زَيْدٍ: بِالعالِمِ، وعَلى كُلٍّ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ ووُجُوبِ الِامْتِثالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، <div class="verse-tafsir"

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا ٢

﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَوارِدِ الِاتِّقاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وبَدَأ بِما يَتَعَلَّقُ بِاليَتامى؛ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِهِمْ، ولِمُلابَسَتِهِمْ بِالأرْحامِ؛ إذِ الخِطابُ لِلْأوْصِياءِ والأوْلِياءِ، وقَلَّما تُفَوَّضُ الوِصايَةُ لِأجْنَبِيٍّ.

واليَتِيمُ - مِنَ الإنْسانِ: مَن ماتَ أبُوهُ، ومِن سائِرِ الحَيَواناتِ: فاقِدُ الأُمِّ- مِنَ اليُتْمِ: وهو الِانْفِرادُ، ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَزَّ نَظِيرُهُ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ، وجُمِعَ عَلى يَتامى مَعَ أنَّ فَعِيلًا لا يُجْمَعُ عَلى فَعالى، بَلْ عَلى- فِعالٍ: كَكَرِيمٍ وكِرامٍ.

وفُعَلاءَ: كَكَرِيمٍ وكُرَماءَ.

وفُعُلٍ: كَنَذِيرٍ ونُذُرٍ.

وفَعْلى: كَمَرِيضٍ ومَرْضى- إمّا لِأنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى الأسْماءِ، ولِذا قَلَّما يَجْرِي عَلى مَوْصُوفٍ، فَجُمِعَ عَلى يَتايِمَ كَأفِيلٍ وأفايِلَ، ثُمَّ قُلِبَ فَقِيلَ: يَتامِي بِالكَسْرِ، ثُمَّ خُفِّفَ بِقَلْبِ الكَسْرَةِ فَتْحَةً، فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا، وقَدْ جاءَ عَلى الأصْلِ في قَوْلِهِ: أأطْلالُ حُسْنٍ بِالبَرّاقِ اليَتايِمِ سَلامٌ عَلى أحْجارٍ كُنَّ القَدايِمَ أوْ لِأنَّهُ جُمِعَ أوَّلًا عَلى يُتْمى ثُمَّ جُمِعَ عَلى يَتامى؛ إلْحاقًا لَهُ بِبابِ الآفاتِ والأوْجاعِ، فَإنَّ فَعِيلًا فِيها يُجْمَعُ عَلى فَعْلى، وفَعْلى يُجْمَعُ عَلى فُعالى كَما جُمِعَ أسِيرٌ عَلى أسْرى، ثُمَّ عَلى أُسارى، ووَجْهُ الشَّبَهِ ما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والانْكِسارِ المُؤْلِمِ وقِيلَ: ما فِيهِ مِن سُوءِ الأدَبِ المُشَبَّهِ بِالآفاتِ، والاشْتِقاقُ يَقْتَضِي صِحَّةَ اِطْلاقِهِ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ لَكِنَّ الشَّرْعَ - وكَذا العُرْفُ - خَصَّصَهُ بِالصِّغارِ، وحَدِيثُ:”«لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ“» تَعْلِيمٌ لِلشَّرِيعَةِ لا تَعْيِينٌ لِمَعْنى اللَّفْظِ والمُرادُ بِإيتاءِ أمْوالِهِمْ تَرْكُها سالِمَةً غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَها بِسُوءٍ فَهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ؛ لِأنَّها لا تُؤْتِي إلّا إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والنُّكْتَةُ في هَذا التَّعْبِيرِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن تَرَكِ التَّعَرُّضِ إيصالَ الأمْوالِ إلى مَن ذُكِرَ لا مُجَرَّدَ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لَها، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِاليَتامى الصِّغارُ عَلى ما هو المُتَبادِرُ، والأمْرُ خاصٌّ بِمَن يَتَوَلّى أمْرَهم مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ، وشُمُولُ حُكْمِهِ لِأوْلِياءِ مَن كانَ بالِغًا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ دُونَ العِبارَةِ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ مَن جَرى عَلَيْهِ اليُتْمُ في الجُمْلَةِ مَجازًا أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ عِنْدَ النُّزُولِ أوْ بالِغًا فالأمْرُ شامِلٌ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ صِيغَةٌ مُوجِبٌ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ مِن كَفِّ الكَفِّ عَنْها، وعَدَمِ فَكِّ الفَكِّ لِأكْلِها، وأمّا وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى الكِبارِ فَمُسْتَفادٌ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الأمْرِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الإيتاءِ الإعْطاءُ بِالفِعْلِ، واليَتامى إمّا بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ الأصْلِيِّ فَهو حَقِيقَةٌ وارِدٌ عَلى أصْلِ اللُّغَةِ، وإمّا مُجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ أوْثَرَ لِقُرْبِ العَهْدِ بِالصِّغَرِ، والإشارَةُ إلى وُجُوبِ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْمَ اليَتِيمِ باقٍ بَعْدُ غَيْرُ زائِلٍ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى في الأُصُولِ بِإشارَةِ النَّصِّ، وهو أنْ يُساقَ الكَلامُ لِمَعْنى ويُضَمَّنُ مَعْنًى آخَرَ، وهَذا في الكَوْنِ نَظِيرُ المُشارَفَةِ في الأوَّلِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاليَتامى الصِّغارُ، ولا مَجازَ بِأنْ يُجْعَلَ الحُكْمُ مُقَيَّدًا كَأنَّهُ قِيلَ: وآتُوهم إذا بَلَغُوا، ورُدَّ بِأنَّهُ قالَ في التَّلْوِيحِ: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ وقْتُ البُلُوغِ بِاعْتِبارِ ما كانَ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِحالِ النِّسْبَةِ لا بِحالِ التَّكَلُّمِ فالوُرُودُ لِلْبالِغِ عَلى كُلِّ حالٍ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: تَقْدِيرُ القَيْدِ لا يُغْنِي عَنِ التَّجَوُّزِ إذِ الحُكْمُ عَلى ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالصِّفَةِ يُوجِبُ اتِّصافَهُ بِالوَصْفِ حِينَ تَعَلَّقَ الوَصْفُ وحِينَ تَعَلَّقَ الإيتاءُ بِهِ يَكُونُ يَتِيمًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ بِما مَرَّ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ وإنْ كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّلْوِيحِ لَكِنَّها لَيْسَتْ مُسَلَّمَةً، وقَدْ تَرَدَّدَ فِيها الشَّرِيفُ في حَواشِيهِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ في مِثْلِ ذَلِكَ نِسْبَتَيْنِ: نِسْبَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ وهي التَّعْلِيقِيَّةُ وهي واقِعَةٌ الآنَ، ولا تَتَوَقْفُ عَلى وُجُودِهِما في الخارِجِ، ونِسْبَةٌ إسْنادِيَّةٌ في كُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ - وهي غَيْرُ واقِعَةٍ في الحالِ بَلْ مُسْتَقْبَلَةٌ - والمَقْصُودُ الأُولى، وفي زَمانِ تِلْكَ النِّسْبَةِ كانُوا يَتامى حَقِيقَةً، ألا تَراهم قالُوا في نَحْوِ - عَصَرْتُ هَذا الخَلَّ في السَّنَةِ الماضِيَةِ - أنَّهُ حَقِيقَةٌ ؟

مَعَ أنَّهُ في حالِ العَصْرِ عَصِيرٌ لا خَلٌّ لِأنَّ المَقْصُودَ النِّسْبَةُ الَّتِي هي تَبَعِيَّةٌ فِيما بَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ وتابِعِهِ، لا النِّسْبَةُ الإيقاعِيَّةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَصْرِ كَما حَقَّقَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ - وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الإيتاءِ ما هو أعَمُّ مِنَ الإيتاءِ حالًا أوْ مَآلًا، ومِنَ اليَتامى ما يَعُمُّ الصِّغارَ والكِبارَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والخِطابُ عامٌّ لِأوْلِياءِ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ مَن بَلَغَ مِنهم فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ بِالفِعْلِ، وإنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ فَوَلِيُّهُ مَأْمُورٌ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا، ورَجَّحَ غَيْرُ واحِدٍ الوَجْهَ الأوَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ آياتِ: ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى في الحَضِّ عَلى حِفْظِها لَهم لِيُؤْتُوها عِنْدَ بُلُوغِهِمْ ورُشْدِهِمْ، والثّانِيَةَ: في الحَضِّ عَلى الإيتاءِ الحَقِيقِيِّ عِنْدَ حُصُولِ البُلُوغِ والرُّشْدِ، ويُلَوِّحُ بِذَلِكَ التَّعْبِيرِ بِالإيتاءِ هُنا وبِالدَّفْعِ هُناكَ، وأيْضًا تَعْقِيبُ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ يُقَوِّي ذَلِكَ، فَهَذا كُلُّهُ تَأْدِيبٌ لِلْوَصِيِّ ما دامَ المالُ بِيَدِهِ واليَتِيمُ في حِجْرِهِ، وأمّا عَلى سائِرِ الوُجُوهِ فَيَكُونُ مُؤَدّى هَذِهِ الآيَةِ وما سَيَأْتِي بَعْدُ كالشَّيْءِ الواحِدِ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِما الأمْرَ بِالإيتاءِ حَقِيقَةٌ، ومَن قالَ بِذَلِكَ جَعَلَ الأُولى كالمُجْمَلَةِ والثّانِيَةَ كالمُبَيِّنَةِ لِشَرْطِ الإيتاءِ مِنَ البُلُوغِ وإيناسِ الرُّشْدِ، ويَرُدُّ عَلى آخِرِ الوُجُوهِ أيْضًا أنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا لا يَخْفى، ولا يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الرّاجِحِ أنَّ ابْنَ أبِي حاتِمٍ أخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ كانَ مَعَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ المالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ فَخاصَمَهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿ وآتُوا اليَتامى ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيتاءِ الإعْطاءُ بِالفِعْلِ لا سِيَّما وقَدْ رَوى الثَّعْلَبِيُّ، والواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ، والكَلْبِيُّ أنَّ العَمَّ لَمّا سَمِعَها قالَ: أطَعْنا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ لِما أنَّهم قالُوا: العِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، ولَعَلَّ العَمَّ لَمْ يَفْهَمِ الأمْرَ بِالإعْطاءِ حَقِيقَةً بِطْرِيقِ العِبارَةِ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقالَ ما قالَ، هَذا وتَبَدُّلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ واسْتِبْدالُهُ بِهِ أخْذُ الأوَّلِ بَدَلَ الثّانِي بَعْدَ أنْ كانَ حاصِلًا لَهُ أوْ في شَرَفِ الحُصُولِ يُسْتَعْمَلانِ أبَدًا بِإفْضائِهِما إلى الحاصِلِ بِأنْفُسِهِما وإلى الزّائِلِ بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ ﴾ وأمّا التَّبْدِيلُ فَيُسْتَعْمَلُ تارَةً كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾ الَخْ، وأُخْرى بِالعَكْسِ كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ بِالخاتَمِ إذْ أذَبْتَها وجَعَلْتَها خاتَمًا، وبَدَّلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ إذا أذَبْتَهُ وجَعَلْتَهُ حَلْقَةً، واقْتَصَرَ الدَّمِيرِيُّ عَلى الأوَّلِ، ونَقَلَ الأزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ الثّانِيَ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الطُّفَيْلِ لَمّا أسْلَمَ: وبَدَّلَ طالِعِي نَحْسِي بِسَعْدِي وتارَةً أُخْرى بِإفْضائِهِ إلى مَفْعُولَيْهِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ ، ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ ﴾ بِمَعْنى يَجْعَلُ الحَسَناتِ بَدَلَ السَّيِّئاتِ ويُعْطِيهِما بَدَلَ ما كانَ لَهُما خَيْرًا مِنهُ، ومَرَّةً يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مِثْلَ بَدَّلْتُ الشَّيْءَ أيْ غَيَّرْتُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّ مَعْنى التَّبْدِيلِ التَّغْيِيرُ وهو عامٌّ في أخْذِ شَيْءٍ وإعْطاءِ شَيْءٍ، وفي طَلَبِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ وتَرْكِ ما عِنْدَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ: تَبْدِيلُ الشَّيْءِ تَغْيِيرُهُ وإنْ لَمْ يَأْتِ بِبَدَلٍ، ومَعْنى التَّبَدُّلِ الِاسْتِبْدالُ، والِاسْتِبْدالُ طَلَبُ البَدَلِ فَكُلُّ تَبَدُّلٍ تَبْدِيلٌ ولَيْسَ كُلُّ تَبْدِيلٍ تَبَدُّلًا، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ التَّبْدِيلِ والإبْدالِ بِأنَّ الأوَّلَ تَغْيِيرُ الشَّيْءِ مَعَ بَقاءِ عَيْنِهِ والثّانِي رَفْعُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ فَيُقالُ: أبْدَلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ إذا نَحَّيْتَ هَذا وجَعَلْتَ هَذِهِ مَكانَهُ وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ وفِيما ذُكِرَ كِفايَةٌ لِما نَحْنُ بِصَدَدِهِ.

والمُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ إمّا الحَرامُ والحَلالُ، والمَعْنى لا تَسْتَبْدِلُوا أمْوالَ اليَتامى بِأمْوالِكم أوْ لا تَذَرُوا أمْوالَكُمُ الحَلالَ وتَأْكُلُوا الحَرامَ مِن أمْوالِهِمْ فالمَنهِيُّ عَنْهُ اسْتِبْدالُ مالِ اليَتِيمِ بِمالِ أنْفُسِهِمْ مُطْلَقًا، أوْ أكْلُ مالِهِ مَكانَ مالِهِمُ المُحَقَّقِ أوِ المُقَدَّرِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَسْتَبْدِلُوا الأمْرَ الخَبِيثَ وهو اخْتِزالُ مالِ اليَتِيمِ بِالأمْرِ الطَّيِّبِ وهو حِفْظُ ذَلِكَ المالِ وأيًّا ما كانَ فالتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ لِلتَّنْفِيرِ عَمّا أخَذُوهُ والتَّرْغِيبِ فِيما أعْطَوْهُ وإمّا الرَّدِيءُ والجَيِّدُ، ومَوْرِدُ النَّهْيِ حِينَئِذٍ ما كانَ الأوْصِياءُ عَلَيْهِ مِن أخْذِ الجَيِّدِ مِن مالِ اليَتِيمِ وإعْطاءِ الرَّدِيءِ مِن مالِ أنْفُسِهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ أحَدُهم يَأْخُذُ الشّاةَ السَّمِينَةَ مِن غَنَمِ اليَتِيمِ ويَجْعَلُ في مَكانِها الشّاةَ المَهْزُولَةَ، ويَقُولُ: شاةٌ بِشاةٍ، ويَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الجَيِّدَ ويَضَعُ مَكانَهُ الزّائِفَ، ويَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ وإلى هَذا ذَهَبَ النَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ؛ وتَخْصِيصُ هَذِهِ المُعامَلَةِ بِالنَّهْيِ لِخُرُوجِها مَخْرَجَ العادَةِ لا لِإباحَةِ ما عَداها فَلا مَفْهُومَ لِانْخِرامِ شَرْطِهِ عَنْهُ القائِلِ بِهِ.

واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ التَّبْدِيلُ أوْ تَبَدُّلُ الطَّيِّبِ بِالخَبِيثِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا أعْطى الوَصِيَّ رَدِيئًا وأخَذَ جَيِّدًا مِن مالِ اليَتِيمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَبَدَّلَ الرَّدِيءَ بِالجَيِّدِ لِلْيَتِيمِ وبَدَّلَ لِنَفْسِهِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أُرِيدَ التَّبَدُّلُ لِلْيَتِيمِ لِأنَّ الأوْصِياءَ هُمُ المُتَصَرِّفُونَ في أمْوالِ اليَتامى فَنُهُوا عَنْ بَيْعٍ بِوَكْسٍ مِن أنْفُسِهِمْ ومِن غَيْرِهِمْ وما ضاهاهُ، ولا يَضُرُّ تَبَدُّلٌ لِنَفْسِهِ أيْضًا بِاعْتِبارٍ آخَرَ لِأنَّ المُتَبادَرَ إلى الفَهْمِ النَّهْيُ عَنْ تَصَرُّفٍ لِأجْلِ اليَتِيمِ ضارٍّ سَواءٌ عامَلَ الوَصِيُّ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ، ومَن غَفَلَ عَنِ اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ كالزَّمَخْشَرِيِّ أوَّلَ بِما لا إشْعارَ لِلَّفْظِ بِهِ، وعَلى العِلّاتِ المُرادُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أخْذِ مالِ اليَتِيمِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ بَعْدَ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ عَنْ أخْذِهِ عَلى الإطْلاقِ، والمُرادُ مِنَ الأكْلِ في النَّهْيِ الأخِيرِ مُطْلَقُ الِانْتِفاعِ والتَّصَرُّفِ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّهُ أغَلَبَ أحْوالِهِ، والمَعْنى لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مَضْمُومَةً إلى أمْوالِكم أيْ تُنْفِقُوهُما مَعًا ولا تُسَوُّوا بَيْنَهُما، وهَذا حَلالٌ وذاكَ حَرامٌ، فَإلى مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ يَتَعَدّى بِها، وقَدْ وقَعَ حالًا، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ مُضافَةً، ويَجُوزُ تَعَلُّقُها بِالأكْلِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الضَّمِّ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَها بِمَعْنى مَعَ كَما في «الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ»، والمُرادُ بِالمَعِيَّةِ مُجَرَّدُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المالَيْنِ في الِانْتِفاعِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ عَلى الِانْفِرادِ، أوْ مَعَ أمْوالِهِمْ، ويُفْهَمُ مِن «الكَشّافِ» أنَّ المَعِيَّةَ تَدُلُّ عَلى غايَةِ قُبْحِ فِعْلِهِمْ حَيْثُ أكَلُوا أمْوالَهم مَعَ الغِنى عَنْها، وفي ذَلِكَ تَشْهِيرٌ لَهم بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فَلا يَلْزَمُ القائِلَ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ جَوازُ أكْلِ أمْوالِهِمْ وحْدَها، ويَنْدَفِعُ السُّؤالُ بِذَلِكَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السُّؤالَ لا يَرِدُ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ إذا فُسِّرَ تَبَدُّلُ الخَبِيثِ بِالطَّيِّبِ بِاسْتِبْدالِ أمْوالِ اليَتامى بِمالِهِ وأكْلِها مَكانَهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ أكْلِها وحْدَها وهَذا عَنْ ضَمِّها، ولَيْسَ الأوَّلُ مُطْلَقًا حَتّى يَرِدَ سُؤالٌ بِأنَّهُ أيُّ فائِدَةٍ في هَذا بَعْدَ وُرُودِ النَّهْيِ المُطْلَقِ، وفي «الكَشْفِ» لَوْ حُمِلَ الِانْتِهاءُ في إلى عَلى أصْلِهِ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ أكْلِها مَعَ بَقاءِ مالِهِمْ لِأنَّ أمْوالَهم جُعِلَتْ غايَةً لَحَصَلَتِ المُبالَغَةُ، والتَّخَلُّصُ عَنِ الِاعْتِذارِ، وظاهِرُ هَذا النَّهْيِ عَدَمُ جَوازِ أكْلِ شَيْءٍ مِن أمْوالِ اليَتامى وقَدْ خُصَّ مِن ذَلِكَ مِقْدارُ أجْرِ المِثْلِ عِنْدَ كَوْنِ الوَلِيِّ فَقِيرًا، وكَوْنِ ذَلِكَ مِن مالِ اليَتِيمِ مِمّا لا يَكادُ يَخْفى، فالقَوْلُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّخْصِيصِ لِأنَّ ما يَأْخُذُهُ الأوْلِياءُ مِنَ الأُجْرَةِ فَهو ما لَهم ولَيْسَ أكْلُهُ أكْلَ مالِهِمْ مَعَ مالِهِمْ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.

﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الأكْلَ المَفْهُومَ مِنَ النَّهْيِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلتَّبَدُّلِ، وقِيلَ: لَهُما وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اسْمِ الإشارَةِ في ذَلِكَ ﴿ كانَ حُوبًا ﴾ أيْ إثْمًا أوْ ظُلْمًا وكِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهُما مُتَقارِبانِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ أنَّ رافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الحُوبِ، فَقالَ: هو الإثْمُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، فَقالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ قَوْلَ الأعْشى: فَإنِّي وما كَلَّفْتُمُونِي مِن أمْرِكم ∗∗∗ لَيُعْلَمُ مَن أمْسى أعَقَّ وأحْوَبا وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالذَّنْبِ العَظِيمِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ حَوْبًا بِفَتْحِ الحاءِ وهو مَصْدَرُ حابَ يَحُوبُ حَوْبًا.

وقُرِئَ حابًا وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالقَوْلِ والقالِ، وهو عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ اسْمٌ لا مَصْدَرَ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ حُوبًا عَظِيمًا، ووُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ أمْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مِن كِبارِ الذُّنُوبِ العَظِيمَةِ لا مِن أفَنائِها.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟ ٣

﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ شُرُوعٌ في النَّهْيِ عَنْ مُنْكَرٍ آخَرَ كانُوا يُباشِرُونَهُ مُتَعَلِّقٍ بِأنْفُسِ اليَتامى أصالَةً وبِأمْوالِهِمْ تَبَعًا عَقِيبَ النَّهْيِ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِأمْوالِهِمْ خاصَّةً، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِقِلَّةِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمْوالِ ونُزُولِهِ مِنهُ مَنزِلَةَ المُرَكَّبَ مِنَ المُفْرَدِ مَعَ كَوْنِ المُرادِ مِنَ اليَتامى هُنا صِنْفًا مِمّا أُرِيدَ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَن تَحِلُّ لَهم مِن يَتامى النِّساءِ اللّاتِي يَلُونَهم لَكِنْ لا رَغْبَةَ فِيهِنَّ بَلْ في مالِهِنَّ ويُسِيئُونَ صُحْبَتَهُنَّ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِنَّ أنْ يَمُتْنَ فَيَرِثُوهُنَّ فَوُعِظُوا في ذَلِكَ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وأخْرَجَ هَؤُلاءِ مِن طَرِيقٍ آخَرَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولَيِّها يَشْرَكُها في مالِها ويُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها مِن غَيْرِ أنْ يَقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سَنَتِهِنَّ في الصَّداقِ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ، فالمُرادُ مِنَ اليَتامى المُتَزَوَّجِ بِهِنَّ والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ الجَوابِ فَإنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ والرَّبْطُ يَقْتَضِيهِ ومِنَ النِّساءِ غَيْرُ اليَتامى كَما صَرَّحَتْ بِهِ الحُمَيْراءُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِدَلالَةِ المَعْنى وإشارَةِ لَفْظِ النِّساءِ إلَيْهِ، والإقْساطُ العَدْلُ والإنْصافُ، وجَعَلَ بَعْضَ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلْإزالَةِ فَأصْلُ مَعْناهُ حِينَئِذٍ إزالَةُ القُسُوطِ أيِ الظُّلْمِ والحَيْفِ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ تَقْسِطُوا بِفَتْحِ التّاءِ فَقِيلَ: هو مِن قَسَطَ بِمَعْنى جارَ وظَلَمَ، ومِنهُ ﴿ وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ ولا مَزِيدَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ ﴾ ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى أقْسَطَ فَإنَّ الزَّجّاجَ حَكى أنَّ قَسَطَ بِلا هَمْزٍ تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أقْسَطَ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمَةٍ عَلى القَلْبِ كَما قِيلَ أيامى والأصْلُ أيائِمُ ويَتائِمُ وهو كَما يُقالُ لِلذُّكُورِ يُقالُ لِلْإناثِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ العِلْمُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ إيذانًا بِكَوْنِ المَعْلُومِ مَخُوفًا مَحْذُورًا لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لِأنَّ الَّذِي عَلِقَ بِهِ الجَوابُ هو العِلْمُ بِوُقُوعِ الجَوْرِ المُخَوِّفِ لا الخَوْفُ مِنهُ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ شامِلًا لِمَن يَصْبِرُ عَلى الجَوْرِ ولا يَخافُهُ، وإنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فَإنْ لَمْ تُقَدَّرْ مَن كانَ مَنصُوبًا وكانَ الفِعْلُ واصِلًا إلَيْهِ بِنَفْسِهِ وإنْ قُدِّرَتْ جازَ فِيهِ أمْرانِ: النَّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها أوْ صِفَتُها، وأُوثِرَتْ عَلى مَن ذَهابًا إلى الوَصْفِ مِنَ البِكْرِ أوِ الثَّيِّبِ مَثَلًا، وما تَخْتَصُّ أوْ تَغْلِبُ في غَيْرِ العُقَلاءِ فِيما إذا أُرِيدَ الذّاتُ، وأمّا إذا أُرِيدَ الوَصْفُ فَلا كَما تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟

في الِاسْتِفْهامِ، أيْ أفاضِلٌ أمْ كَرِيمٌ؟

وأكْرِمْ ما شِئْتَ مِنَ الرِّجالِ تَعْنِي الكَرِيمَ أوِ اللَّئِيمَ.

وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّها هُنا مَصْدَرِيَّةٌ وأنَّ المَصْدَرَ المُقَدَّرَ بِها وبِالفِعْلِ مُقَدَّرٌ بِاسْمِ الفاعِلِ أيْ أنْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنَ النِّساءِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ إيثارَها عَلى مِن بِناءً عَلى أنَّ الإناثَ مِنَ العُقَلاءِ يُجْرِينَ مَجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ لِما رُوِيَ في حَقِّهِنَّ أنَّهُنَّ ناقِصاتُ عَقْلٍ ودِينٍ، وفِيهِ أنَّهُ مُخِلٌّ بِمَقامِ التَّرْغِيبِ فِيهِنَّ، ومِن بَيانِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مِمّا طابَ لَكم ما مالَتْ لَهُ نُفُوسُكم واسْتَطابَتْهُ، وقِيلَ: ما حَلَّ لَكم، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْعائِشَةَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مالِكٍ، واعْتَرَضَهُ الإمامُ بِأنَّهُ في قُوَّةِ أُبِيحُ المُباحَ، وأيْضًا يَلْزَمُ الإجْمالُ حَيْثُ لا يُعْلَمُ المُباحُ مِنَ الآيَةِ، وآثَرَ الحَمْلَ عَلى الأوَّلِ ويَلْزَمُ التَّخْصِيصُ وجَعَلَهُ أوْلى مِنَ الإجْمالِ، وأجابَ المُدَقِّقُ في «الكَشْفِ» بِأنَّ المُبَيَّنَ تَحْرِيمُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ إلَخْ إنْ كانَ مُقَدَّمَ النُّزُولِ فَلا إجْمالَ ولا تَخْصِيصَ لِأنَّ المَوْصُولَ جارٍ مَجْرى المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحَمْلُ عَلى العَهْدِ في مِثْلِهِ هو الوَجْهُ وإلّا فالإجْمالُ المُؤَخَّرُ بَيانُهُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِ المُقارَنِ لِأنَّ تَأْخِيرَ بَيانِ المُجْمَلِ جائِزٌ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ، وتَأْخِيرُ بَيانِ التَّخْصِيصِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ أكْثَرِ الحَنَفِيَّةِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما طابَ لَكم ما لا تُحْرَجُ مِنهُ لِأنَّهُ في مُقابِلِ المُتَحَرِّجِ مِنهُ مِنَ اليَتامى ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وكَيْفَما كانَ فالتَّعْبِيرُ عَنِ الأجْنَبِيّاتِ بِهَذا العُنْوانِ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِمالَةِ إلَيْهِنَّ والتَّرْغِيبِ فِيهِنَّ ما لا يَخْفى، والسِّرُّ في ذَلِكَ الِاعْتِناءُ بِصَرْفِ المُخاطَبِينَ عَنْ نِكاحِ اليَتامى عِنْدَ خَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ رِعايَةً لِيُتْمِهِنَّ وجَبْرًا لِانْكِسارِهِنَّ ولِهَذا الِاعْتِناءِ أُوثِرَ الأمْرُ بِنِكاحِ الأجْنَبِيّاتِ عَلى النَّهْيِ عَنْ نِكاحِهِنَّ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ وذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ اللُّطْفِ في اسْتِنْزالِهِمْ فَإنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الحِرْصِ عَلى ما مَنَعَتْ مِنهُ، ووَجْهُ النَّهْيِ الضِّمْنِيِّ إلى النِّكاحِ المُتَرَقَّبِ مَعَ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو النِّكاحُ المُحَقَّقُ عَلى ما فَهْمِهِ البَعْضُ مِنَ الأخْبارِ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا كانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَها وكانَ لَها عَذْقٌ فَكانَ يُمْسِكُها عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَها مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ » إلَخْ لِما فِيهِ مِنَ المُسارَعَةِ إلى دَفْعِ الشَّرِّ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَرُبَّ واقِعٍ لا يُرْفَعُ، والمُبالَغَةُ في بَيانِ حالِ النِّكاحِ المُحَقَّقِ فَإنَّ مَحْظُورِيَّةَ المُتَرَقِّبِ حَيْثُ كانَ لِلْجَوْرِ المُتَرَقَّبِ فِيهِ فَمَحْظُورِيَّةُ المُحَقِّقِ مَعَ تَحَقُّقِ الجَوْرِ فِيهِ أوْلى، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ مَن طابَ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ كَما في «الدُّرِّ المَنثُورِ» ما طِيبَ لَكم بِالياءِ، وفي الآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ دَلِيلٌ لِجَوازِ نِكاحِ اليَتِيمَةِ وهي الصَّغِيرَةُ إذْ يَقْتَضِي جَوازُهُ إلّا عِنْدَ خَوْفِ الجَوْرِ.

وقَدْ بَسُطَ الكَلامُ في كُتُبِ الفِقْهِ عَلى ولِيِّ النِّكاحِ، ومَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ أنَّ اليَتِيمَةَ الصَّغِيرَةَ لا تُزَوَّجُ إذْ لا إذَنْ لَها وعِنْدَهُ خِلافٌ في تَزْوِيجِ الوَصِيِّ لَها إذا جَعَلَ لَهُ الأبُ الإجْبارَ أوْ فَهم عَنْهُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّ لَهُ ذَلِكَ فَيَحْمِلُ اليَتامى في الآيَةِ عَلى الحَدِيثاتِ العَهْدِ بِالبُلُوغِ، واسْمُ اليَتِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ مِن فاعِلِ طابَ المُسْتَتِرِ، أوْ مِن مَرْجِعِهِ، وجَوَّزَ العَلامَةُ كَوْنَها حالًا مِنَ النِّساءِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ مِن بَيانِيَّةً، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى كَوْنِها بَدَلًا مِن ما وإلى الحالِيَّةِ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ وهو المَذْهَبُ المُخْتارُ، والكُوفِيُّونَ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِأنَّها مَعارِفُ عِنْدِهِمْ، وأوْجَبُوا في هَذا المَقامِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ، وهي مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ عَلى الصَّحِيحِ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ صَرْفَها والمَذاهِبُ المَنقُولَةُ في عِلَّةِ مَنعِ صَرْفِها أرْبَعَةٌ: أحَدُها: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وأبِي عَمْرٍو: إنَّهُ العَدْلُ والوَصْفُ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ في أسْماءِ العَدَدِ عارِضَةٌ وهي لا تَمْنَعُ الصَّرْفُ، وأُجِيبُ بِأنَّها وإنَّ عَرَضَتْ في أصْلِها فَهي نَقَلَتْ عَنْها بَعْدَ مُلاحَظَةِ الوَصْفِ العارِضِ فَكانَ أصْلِيًّا في هَذِهِ دُونَ أصْلِها ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٌ، والثّانِي قَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّها مُنِعَتْ لِلْعَدْلِ والتَّعْرِيفِ بِنِيَّةِ الألِفِ واللّامِ ولِذا لَمْ تَجُزْ إضافَتُها ولا دُخُولُ ألْ عَلَيْها، والثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّها مَعْدُولَةٌ عَنِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ، فَعَدَلَتْ عَنْ ألْفاظِ العَدَدِ وعَنِ المُؤَنَّثِ إلى المُذَكَّرِ فَفِيها عَدْلانِ وهُما سَبَبانِ، والرّابِعُ: ما نَقَلَهُ أبُو الحَسَنِ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ العِلَّةَ المانِعَةَ مِنَ الصَّرْفِ تَكْرارُ العَدْلِ فِيهِ لِأنَّ مَثْنى مَثَلًا عُدِّلَتْ عَنْ لَفْظِ اثْنَيْنِ ومَعْناهُ لِأنَّها لا تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعٍ تُسْتَعْمَلُ فِيهِ إذْ لا تَلِي العَوامِلَ وإنَّما تَقَعُ بَعْدَ جَمْعٍ إمّا خَبَرًا أوْ حالًا أوْ وصْفًا، وشَذَّ أنْ تَلِيَ العَوامِلَ وأنْ تُضافَ، وزادَ السَّفاقِسِيُّ في عِلَّةِ المَنعِ خامِسًا: وهو العَدْلُ مِن غَيْرِ جِهَةِ العَدْلِ لِأنَّ بابَ العَدْلِ أنْ يَكُونَ في المَعارِفِ وهَذا عَدْلٌ في النَّكِراتِ، وسادِسًا: وهو العَدْلُ والجَمْعُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّكْرارَ فَصارَ في مَعْنى الجَمْعِ، وقالَ: زادَ هَذَيْنِ ابْنُ الصّائِغِ في «شَرْحِ الجُمَلِ»، وجاءَ آحادٌ ومُوَحَّدٌ، وثُناءٌ ومَثْنى، وثُلاثٌ ومَثْلَثٌ، ورُباعٌ ومَرْبَعٌ، ولَمْ يَسْمَعْ فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ إلّا في قَوْلِ الكُمَيْتِ: ولَمْ يَسْتُرْ يَثُوكَ حَتّى رَمَيْتَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالًا ”عِشارًا“ ومِن هُنا أعابُوا عَلى المُتَنَبِّيِّ قَوْلَهُ: أُحادٌ أمْ ”سُداسٌ“ في أُحادٍ ∗∗∗ لِيَيْلَتِنا المَنُوطَةِ بِالتَّنادِ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ خُماسٌ ومُخَمَّسٌ إلى آخِرِ العَقْدِ قِياسًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واخْتِيرَ التَّكْرارُ والعَطْفُ بِالواوِ لِتَفَهُّمِ الآيَةِ أنَّ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ أنْ يَخْتارَ مِن هَذِهِ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ أيَّ عَدَدٍ شاءَ إذْ هو المَقْصُودُ لا أنَّ بَعْضَها لِبَعْضٍ مِنهم والبَعْضَ الآخَرِ لِآخَرَ، ولَوْ أفْرَدْتَ الأعْدادَ لَفُهِمَ مِن ذَلِكَ تَجْوِيزُ الجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأعْدادِ دُونَ التَّوْزِيعِ ولَوْ ذُكِرَتْ بِكَلِمَةِ أوْ لَفاتَ تَجْوِيزُ الِاخْتِلافِ في العَدَدِ بِأنْ يَنْكِحَ واحِدٌ اثْنَتَيْنِ، وآخَرُ ثَلاثًا أوْ أرْبَعًا وما قِيلَ: إنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ الذِّهْنُ لِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ لِأنَّ الكَلامَ في الظّاهِرِ الَّذِي هو نُكْتَةُ العُدُولِ؛ وادَّعى بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ أتى مِنَ الأعْدادِ بِما لا يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ حالًا مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ جَمِيعَ الطَّيِّباتِ لَيْسَ حالُها أنَّها اثْنانِ ولا حالُها أنَّها ثَلاثَةٌ، وكَذا لَوْ قِيلَ: اقْتَسِمُوا هَذا المالَ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ دِرْهَمًا واثْنَيْنِ وثَلاثَةً وأرْبَعَةً لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ العَدَدِ حالًا مِنَ المالِ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ لِأنَّ حالَ الألْفِ لَيْسَ ذَلِكَ بِخِلافِ ما إذا كُرِّرَ فَإنَّ المَقْصُودَ حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ في حُكْمِ الِانْقِسامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فانْكِحُوا الطَّيِّباتِ لَكم مُفَصَّلَةً ومُقَسَّمَةً إلى ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، واقْتَسِمُوا هَذا المالَ الَّذِي هو ألْفُ دِرْهَمٍ مُفَصَّلًا ومُقَسَّمًا إلى دِرْهَمٍ دِرْهَمٍ، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وثَلاثَةٍ ثَلاثَةٍ، وأرْبَعَةٍ أرْبَعَةٍ، وبِهَذا يَظْهَرُ فَسادُ ما قِيلَ: مِن أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ومَثْنى في صِحَّةِ الحالِيَّةِ لِأنَّ انْفِهامَ الِانْقِسامِ ظاهِرٌ مِنَ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ كَما لا يَخْفى، وأنَّهُ إنَّما أتى بِالواوِ دُونَ أوْ لِيُفِيدَ الكَلامَ أنْ تَكُونَ الأقْسامُ عَلى هَذِهِ الأنْواعِ غَيْرَ مُتَجاوِزٍ إيّاها إلى ما فَوْقَها لا أنْ تَكُونَ عَلى أحَدِ هَذِهِ الأنْواعِ غَيْرِ مَجْمُوعٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنها وذَلِكَ بِناءًا عَلى أنَّ الحالَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الفِعْلِ، والقَيْدُ في الكَلامِ نَفْيٌ لِما يُقابِلُهُ والواوُ لَيْسَتْ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ أوِ الأُمُورِ كَأوْ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن جَوازِ التِّسْعِ تَمَسُّكًا بِأنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ فَيَجُوزُ الثُّنَّتانِ والثَّلاثُ والأرْبَعُ وهي تِسْعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن نَكَحَ الخَمْسَ أوْ ما فَوْقَها لَمْ يُحافِظْ عَلى القَيْدِ أعْنِي كَيْفِيَّةَ النِّكاحِ وهي كَوْنُهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّفْصِيلِ بَلْ جاوَزَهُ إلى ما فَوْقَهُ، ولَعَلَّ هَذا مُرادُ القُطْبِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ الأعْدادَ عَلى الأرْبَعَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الزِّيادَةُ عَلَيْها وإلّا لَكانَ نِكاحُهم خَمْسًا خَمْسًا؛ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: اللُّزُومُ مَمْنُوعٌ لِعَدَمِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى الحَصْرِ فَإنَّ الإنْسانَ إذا قالَ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ ما شِئْتَ اذْهَبْ إلى السُّوقِ وإلى المَدْرَسَةِ وإلى البُسْتانِ كانَ هَذا تَنْصِيصًا في تَفْوِيضِ زِمامِ الِاخْتِيارِ إلَيْهِ مُطْلَقًا ورَفْعِ الحَجَرِ عَنْهُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْإذْنِ بِتِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ بَلْ كانَ إذْنًا في المَذْكُورِ وغَيْرِهِ فَكَذا هُنا؛ وأيْضًا ذِكْرُ جَمِيعِ الأعْدادِ مُتَعَذِّرٌ فَإذا ذُكِرَ بَعْضُ الأعْدادِ بَعْدَ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى حُصُولِ الإذْنِ في جَمِيعِ الأعْدادِ كَلامٌ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، وفَرْقٌ ظاهِرٌ بَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ والمِثالِ الحادِثِ.

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ شَبَهَ المُجَوَّزِينَ التَّزَوُّجَ بِأيِّ عَدَدٍ أُرِيدَ، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِما يَشْرَحُ الصَّدْرَ ويُرِيحُ الفِكْرَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: «إنَّ قَوْمًا شُذّاذًا ذَهَبُوا إلى جَوازِ التَّزَوُّجِ بِأيِّ عَدَدٍ واحْتَجُّوا بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ إطْلاقٌ في جَمِيعِ الأعْدادِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لا عَدَدَ إلّا ويَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُ، وحُكْمُ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا، والثّانِي: أنَّ ( ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ ) لا يَصْلُحُ مُخَصَّصًا لِذَلِكَ العُمُومِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالبَعْضِ لا يَنْفِي ثُبُوتَ الحُكْمِ في الباقِي، والثّالِثُ: أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ المُطْلَقِ فَمَثْنى وثُلاثُ ورُباعُ يُفِيدُ حَلَّ المَجْمُوعِ وهو تِسْعٌ بَلْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ.

وأمّا الخَبَرُ فَمِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ماتَ عَنْ تِسْعٍ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِاتِّباعِهِ فَقالَ: (واتَّبِعُوهُ) وأقَلُّ مَراتِبِ الأمْرِ الإباحَةُ، الثّانِي: أنَّ سُنَّةَ الرَّجُلِ طَرِيقَتُهُ والتَّزَوُّجُ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ طَرِيقَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكانَ ذَلِكَ سُنَّةً لَهُ ثُمَّ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِي تَوَجُّهَ الذَّمِّ عَلى مَن تَرَكَ التَّزَوُّجَ بِالأكْثَرِ مِنَ الأرْبَعِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَثْبُتَ أصْلُ الجَوازِ، ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ مُعْتَمَدَ الفُقَهاءِ في إثْباتِ الحَسْرِ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: الخَبَرُ، وهو ما رُوِيَ «أنَّ غَيْلانَ أسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”أمْسِكْ أرْبَعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ“» وهَذا الطَّرِيقُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ ”فَلَوْ أثْبَتْنا الحَصْرَ“ بِهَذا الخَبَرِ كانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، والثّانِي: أنَّهُ  لَعَلَّهُ إنَّما أمَرَ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأرْبَعِ والبَواقِي غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ في هَذا الخَبَرِ فَلا يُمْكِنُ نَسْخُ القُرْآنِ بِمِثْلِهِ، والأمْرُ الثّانِي هو إجْماعُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ وهَذا هو المُعْتَمَدُ لَكِنْ فِيهِ سُؤالانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإجْماعَ لا يُنْسَخُ بِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّ الإجْماعَ نَسَخَ هَذِهِ الآيَةَ، الثّانِي: أنَّ في الأُمَّةِ أقْوامًا شُذّاذًا لا يَقُولُونَ بِحُرْمَةِ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ والإجْماعُ عِنْدَ مُخالَفَةِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ لا يَنْعَقِدُ.

وأُجِيبُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ الإجْماعَ يَكْشِفُ عَنْ حُصُولِ النّاسِخِ في زَمانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الثّانِي أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعِ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا اعْتِبارَ بِمُخالَفَتِهِ ”فَلا تَضُرُّ في انْعِقادِ الإجْماعِ“» انْتَهى.

ولا يَخْفى ما في احْتِجاجِ الشُّذّاذِ بِالآيَةِ مِنَ النَّظَرِ، ويُعْلَمُ ذَلِكَ مِنَ التَّأمُّلِ فِيما ذَكَرْنا.

وأمّا الِاحْتِجاجُ بِالخَبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا لِأنَّ الإجْماعَ قَدْ وقَعَ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ عَلى الأرْبَعِ مِن خُصُوصِيّاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَحْنُ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِهِ والرَّغْبَةِ في سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ ما عُلِمَ أنَّهُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ أمّا فِيما عُلِمَ أنَّهُ مِنها فَلا، وأمّا الأمْرانِ اللَّذانِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِما الفُقَهاءُ في هَذا المَقامِ فَفي غايَةِ الإحْكامِ.

والوَجْهُ الأوَّلُ في تَضْعِيفِ الأمْرِ الأوَّلِ مِنهُما يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَ الإمامِ فِيهِ: إنَّ القُرْآنَ لَمّا دَلَّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ إلَخْ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفْهَمُ مِنهُ دَلالَتُهُ عَلى الحَصْرِ؟

وبِتَقْدِيرِ عَدَمِ دَلالَتِهِ عَلى الحَصْرِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الحَصْرِ بَلْ غايَةُ الأمْرِ أنَّهُ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ الحَصْرَ وعَدَمَهُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُجْمَلًا، وبَيانُ المُجْمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، وما ذُكِرَ في الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيِ التَّضْعِيفِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَعَلَّهُ إنَّما أمَرَ بِإمْساكِ أرْبَعٍ ومُفارَقَةِ البَواقِي لِأنَّ الجَمْعَ غَيْرُ جائِزٍ إمّا بِسَبَبِ النَّسَبِ أوْ بِسَبَبِ الرِّضاعِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ مَعَ تَنْكِيرِ أرْبَعًا وثُبُوتِ ««اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا»» كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ في حَدِيثِ غَيْلانَ، وكَذا في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والنَّحّاسُ عَنْ قَيْسِ بْنِ الحَرْثِ الأسَدِيِّ أنَّهُ قالَ: «أسْلَمْتُ وكانَ تَحْتِي ثَمانُ نِسْوَةٍ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ  فَقالَ: ”اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبَعًا وخَلِّ سائِرَهُنَّ فَفَعَلْتُ“» فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً لا مِرْيَةَ فِيها أنَّ المَقْصُودَ إبْقاءُ أيِّ أرْبَعٍ لا أرْبَعٍ مُعَيَّناتٍ، فالِاحْتِمالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ قاعِدٌ لا قائِمٌ، ولَوِ اعْتُبِرَ مِثْلُهُ قادِحًا في الدَّلِيلِ لَمْ يَبْقَ دَلِيلٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، نَعَمِ الحَدِيثُ مُشْكِلٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى ما نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِيمَن أسْلَمَ وتَحْتَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِ نِسْوَةٍ مِن أنَّهُ إنْ كانَ العَقْدُ وقَعَ عَلَيْهِنَّ في حالَةٍ واحِدَةٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ في عُقُودٍ صَحَّ النِّكاحُ في الأرْبَعِ الأوائِلِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا اخْتِيارَ، وخالَفَهُ في ذَلِكَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وهو بَحْثٌ آخَرُ لَسْنا بِصَدَدِهِ.

وأقْوى الأمْرَيْنِ المُعْتَمَدِ عَلَيْهِما في الحَصْرِ الإجْماعُ فَإنَّهُ قَدْ وقَعَ وانْقَضى عَصْرُ المُجْمِعِينَ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِ، ولا يُشْتَرَطُ في الإجْماعِ اتِّفاقُ كُلِّ الأُمَّةِ مِن لَدُنْ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى قِيامِ السّاعَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ الإمامِ الغَزالِيِّ، وإلّا لا يُوجَدُ إجْماعٌ أصْلًا، وبِهَذا يُسْتَغْنى عَمّا ذَكَرَهُ الإمامُ الرّازِيُّ وهو أحَدُ مَذاهِبَ في المَسْألَةِ مِن أنَّ مُخالِفَ هَذا الإجْماعِ مِن أهْلِ البِدْعَةِ فَلا اعْتِبارَ بِمُخالَفَتِهِ، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّهُ يُحَرَّمُ الزِّيادَةُ عَلى الأرْبَعِ وبِهِ قالَ الإمامِيَّةُ ورَوَوْا عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَحِلُّ لِماءِ الرَّجُلِ أنْ يَجْرِيَ في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أرْحامٍ، وشاعَ عَنْهم خِلافُ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قَوْلٌ شاذٌّ عِنْدَهم.

ثُمَّ إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ نِكاحِ الأرْبَعِ خاصَّةٌ بِالأحْرارِ، والعَبِيدُ غَيْرُ داخِلِينَ في هَذا الخِطابِ لِأنَّهُ إنَّما يَتَناوَلُ إنْسانًا مَتى طابَتْ لَهُ امْرَأةٌ قَدَرَ عَلى نِكاحِها والعَبْدُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُهُ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذَنْ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ» ولِأنَّ في تَنْفِيذِ نِكاحِهِ تَعَيُّبًا لَهُ إذِ النِّكاحُ عَيْبٌ فِيهِ فَلا يَمْلِكُهُ بِدُونِ إذْنِ المَوْلى، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ لا يُمْكِنُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ العَبِيدُ لِعَدَمِ المِلْكِ فَحَيْثُ لَمْ يَدْخُلُوا في هَذا الخِطابِ لَمْ يَدْخُلُوا في الخِطابِ الأوَّلِ لِأنَّ هَذِهِ الخِطاباتِ ورَدَتْ مُتَتالِيَةً عَلى نَسَقٍ واحِدٍ فَبَعِيدٌ أنْ يَدْخُلَ في الخِطابِ السّابِقِ ما لا يَدْخُلُ في اللّاحِقِ وكَذا لا يُمْكِنُ دُخُولُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ لِأنَّ العَبْدَ لا يَأْكُلُ فَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ مالِكٌ فَأدْخَلَ العَبِيدَ في الخِطابِ، وجَوَّزَ لَهم أنْ يَنْكِحُوا أرْبَعًا كالأحْرارِ ولا يَتَوَقَّفَ نِكاحُهم عَلى الإذْنِ لِأنَّهم يَمْلِكُونَ الطَّلاقَ فَيَمْلِكُونَ النِّكاحَ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَنِ ادَّعى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَتَناوَلُهم إلّا أنَّهُ خَصَّصَ هَذا العُمُومَ بِالقِياسِ لِأنَّ الرِّقَّ لَهُ تَأْثِيرٌ في نُقْصانِ حُقُوقِ النِّكاحِ كالطَّلاقِ والعِدَّةِ، ولَمّا كانَ العَدَدُ مِن حُقُوقِ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يُجْعَلَ لِلْعَبْدِ نِصْفُ ما لِلْحُرِّ فِيهِ أيْضًا.

واخْتَلَفُوا في الأمْرِ بِالنِّكاحِ فَقِيلَ لِلْإباحَةِ ولا يَلْغُو ( ﴿ طابَ ﴾ ) إذا كانَ بِمَعْنى حَلَّ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى أُبِيحَ لَكم ما أُبِيحَ هُنا لِأنَّ مَناطَ الفائِدَةِ القَيْدُ وهو العَدَدُ المَذْكُورُ، وقِيلَ: لِلْوُجُوبِ أيْ وُجُوبِ الِاقْتِصارِ عَلى هَذا العَدَدِ لا وُجُوبِ أصْلِ النِّكاحِ فَقَدْ قالَ الإمامُ النَّوَوِيُّ: «لا يُعْلَمُ أحَدٌ أوْجَبَ النِّكاحَ إلّا داوُدُ ومَن وافَقَهُ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، ورِوايَةً عَنْ أحْمَدَ فَإنَّهم قالُوا: يَلْزَمُهُ إذا خافَ العَنَتَ أنْ يَتَزَوَّجَ أوْ يَتَسَرّى قالُوا: وإنَّما يَلْزَمُهُ في العُمْرِ مَرَّةً واحِدَةً ولَمْ يَشْرُطْ بَعْضُهم خَوْفَ العَنَتَ، وقالَ أهْلُ الظّاهِرِ: إنَّما يَلْزَمُهُ التَّزَوُّجُ فَقَطْ ولا يَلْزَمُهُ الوَطْءُ.

.

.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأفْضَلِ مِنَ النِّكاحِ وتَرْكِهِ.

وذَكَرَ الإمامُ النَّوَوِيُّ أنَّ النّاسَ في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ تَتُوقُ إلَيْهِ نَفْسُهُ ويَجِدُ المُؤَنَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكاحُ، وقِسْمٌ لا تَتُوقُ ولا يَجِدُ المُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ، وقِسْمٌ تَتُوقُ ولا يَجِدُ المُؤَنَ فَيُكْرَهُ لَهُ أيْضًا، وهَذا مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ لِدَفْعِ التَّوَقانِ، وقِسْمٌ يَجِدُ المُؤَنَ ولا تَتُوقُ نَفْسُهُ، فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وجُمْهُورِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ تَرْكَ النِّكاحِ لِهَذا والتَّخَلِّيَ لِلتَّحَلِّي بِالعِبادَةِ أفْضَلُ، ولا يُقالُ النِّكاحُ مَكْرُوهٌ بَلْ تَرْكُهُ أفْضَلُ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وبَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ أنَّ النِّكاحَ لَهُ أفْضَلُ.

انْتَهى المُرادُ مِنهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ مُتُونًا وشُرُوحًا مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ هَذا الإمامُ في تَحْقِيقِ مَذْهَبِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَفي «تَنْوِيرِ الأبْصارِ» وشَرْحِهِ «الدُّرِّ المُخْتارِ» في كِتابِ النِّكاحِ ما نَصُّهُ: «ويَكُونُ واجِبًا عِنْدَ التَّوَقانِ فَإنْ تَيَقَّنَ الزِّنا إلّا بِهِ فُرِضَ كَما في «النِّهايَةِ» وهَذا إنْ مَلَكَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ وإلّا فَلا إثْمَ بِتَرْكِهِ كَما في البَدائِعِ»، ويَكُونُ سَنَةً مُؤَكَّدَةً في الأصَحِّ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ ويُثابُ إنْ نَوى تَحْصِينًا ووَلَدًا حالَ الِاعْتِدالِ أيِ القُدْرَةِ عَلى وطْءٍ ومَهْرٍ ونَفَقَةٍ.

ورُجِّحَ في «النَّهْرِ» وُجُوبُهُ لِلْمُواظَبَةِ عَلَيْهِ، والإنْكارُ عَلى مَن رَغِبَ عَنْهُ، ومَكْرُوهًا لِخَوْفِ الجَوْرِ فَإنْ تَيَقَّنَهُ حَرُمَ» انْتَهى؛ لَكِنَّ في دَلِيلِ الوُجُوبِ عَلى ما ذَكَرَهُ صاحِبُ «النَّهْرِ» مَقالًا لِلْمُخالِفِينَ، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ.

هَذا وقَدْ قِيلَ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّساءِ اليَتامى أيْضًا، وأنَّ المَعْنى وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى المُرَبّاةِ في حُجُورِكم فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِن يَتامى قَراباتِكم، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في اليَتامى وما في أكْلِ أمْوالِهِمْ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ أخَذَ الأوْلِياءُ يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَتِهِمْ خَوْفًا مِن لُحُوقِ الحَوْبِ بِتَرْكِ الإقْساطِ مَعَ أنَّهم كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِن تَرْكِ العَدْلَ في حُقُوقِ النِّساءِ حَيْثُ كانَ تَحْتَ الرَّجُلِ مِنهم عَشْرٌ مِنهُنَّ فَقِيلَ لَهم: إنْ خِفْتُمْ تَرْكَ العَدْلِ في حُقُوقِ اليَتامى فَتَحَرَّجْتُمْ مِنها فَخافُوا أيْضًا تَرْكَ العَدْلِ بَيْنَ النِّساءِ وقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ لِأنَّ مَن تَحَرَّجَ مِن ذَنْبٍ أوْ تابَ عَنْهُ وهو مُرْتَكِبٌ مِثْلَهُ فَهو غَيْرُ مُتَحَرِّجٍ ولا تائِبٍ عَنْهُ، وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ، وقِيلَ: كانُوا لا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الزِّنا وهم يَتَحَرَّجُونَ مِن وِلايَةِ اليَتامى فَقِيلَ: إنْ خِفْتُمُ الحَوْبَ في حَقِّ اليَتامى فَخافُوا الزِّنا فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِنَ النِّساءِ ولا تَحُومُوا حَوْلَ المُحَرَّماتِ، ونَظِيرُهُ ما إذا داوَمَ عَلى الصَّلاةِ مَن لا يُزَكِّي فَتَقُولُ لَهُ: إنْ خِفْتَ الإثْمَ في تَرْكِ الصَّلاةِ فَخَفْ مِن تَرْكِ الزَّكاةِ، وإلى قَرِيبٍ مِن هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

وتَعَقَّبَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُساعِدُهُما جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِابْتِنائِهِما عَلى تَقَدُّمِ نُزُولِ الآيَةِ الأُولى وشُيُوعِها بَيْنَ النّاسِ وظُهُورِ تَوَقُّفِ حُكْمِها عَلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أيْضًا أنَّ الأظْهَرَ في الآيَةِ ما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها دُونَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لِأنَّ الآيَةَ عَلى تِلْكَ الرِّوايَةِ تَتَنَزَّلُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ فَيَتَطابَقُ الآيَتانِ ولا يَتَأتّى ذَلِكَ عَلى القَوْلَيْنِ بَلْ لا ارْتِباطَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ عَلَيْهِما لِأنَّ مُقْتَضاهُما أنَّ الكَلامَ في مُطْلَقِ اليَتامى لا في يَتامى النِّساءِ، ثُمَّ يُبْعِدُهُما أنَّ الشَّرْطَ لا يَرْتَبِطُ مَعَهُما بِالجَوابِ إلّا مِن وجْهٍ عامٍّ، أمّا الأوَّلُ: فَمِن حَيْثُ إنَّ الجَوْرَ عَلى النِّساءِ في الحُرْمَةِ كالجَوْرِ عَلى اليَتامى في أنَّ كُلًّا مِنهُما جَوْرٌ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الزِّنا مُحَرَّمٌ كَما أنَّ الجَوْرَ عَلى اليَتامى مُحَرَّمٌ وكَمْ مِن مُحَرَّمٍ يُشارِكُهُما في التَّحْرِيمِ فَلَيْسَ ثَمَّ خُصُوصِيَّةٌ تَرْبُطُ الشَّرْطَ والجَوابَ كالخُصُوصِيَّةِ الرّابِطَةِ بَيْنَهُما هُناكَ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ أنَّهُ وارِدٌ بِصِيغَةِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْيِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ خِفْتُمْ مِن نِكاحِ اليَتامى فَفي غَيْرِهِنَّ مُتَّسَعٌ إلى كَذا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مِنَ القَوْلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ التَّضْيِيقَ لِأنَّ حاصِلَهُ إنْ خِفْتُمُ الجَوْرَ عَلى النِّساءِ فاحْتاطُوا بِأنْ تُقَلِّلُوا عَدَدَ المَنكُوحاتِ وهو خِلافُ ما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ مِنَ التَّوْسِعَةِ وبَعِيدٌ عَنْ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَتَزَوَّجُ الأرْبَعَ والخَمْسَ والسِّتَّ والعَشْرَ ويَقُولُ: ما يَمْنَعُنِي أنْ أتَزَوَّجَ كَما تَزَوَّجَ فُلانٌ فَإذا فَنِيَ مالُهُ مالَ عَلى مالِ اليَتِيمِ الَّذِي في حِجْرِهِ فَأنْفَقَهُ فَنُهِيَ أوْلِياءُ اليَتامى عَلى أنْ يَتَجاوَزُوا الأرْبَعَ لِئَلّا يَحْتاجُوا إلى أخْذِ مالِ اليَتِيمِ، ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ اليَتامى أعَمَّ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وكَذا عَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ جَوازُ الزِّيادَةِ عَلى الأرْبَعِ لِمَن لا يَحْتاجُ إلى أخْذِ مالِ اليَتِيمِ وهو خِلافُ الإجْماعِ، وأيْضًا يَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الأمْرِ التَّضْيِيقَ وهو كَما عَلِمْتَ خِلافُ ما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ المُؤَكَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ﴾ كَأنَّهُ لَمّا وسَّعَ عَلَيْهِمْ أنْبَأهم أنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ مِنَ الِاتِّساعِ خَوْفُ المَيْلِ فالواجِبُ حِينَئِذٍ أنْ يَحْتَرِزُوا بِالتَّقْلِيلِ فَيَقْتَصِرُوا عَلى الواحِدَةِ، والمُرادُ فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا فِيما بَيْنَ هَذِهِ المَعْدُوداتِ ولَوْ في أقَلِّ الأعْدادِ المَذْكُورَةِ كَما خِفْتُمُوهُ في حَقِّ اليَتامى، أوْ كَما لَمْ تَعْدِلُوا في حَقِّهِنَّ فاخْتارُوا، أوِ الزَمُوا واحِدَةً واتْرُكُوا الجَمِيعَ بِالكُلِّيَّةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ وثُلُثَ ورُبُعَ عَلى القَصْرِ مِن ثُلاثَ ورُباعَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( فَواحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ أيْ فالمُقْنِعُ واحِدَةٌ، أوْ فَكَفَتْ واحِدَةٌ أوْ فَحَسْبُكم واحِدَةٌ أوْ فالمَنكُوحَةُ واحِدَةٌ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ أيْ مِنَ السَّرارِي بالِغَةً ما بَلَغَتْ كَما يُؤْخَذُ مِنَ السِّياقِ، ومُقابَلَةُ الواحِدَةِ وهو عَطْفٌ عَلى واحِدَةٍ عَلى أنَّ اللُّزُومَ والِاخْتِيارَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّسَرِّي لا بِطَرِيقِ النِّكاحِ كَما فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ لِاسْتِلْزامِهِ وُرُودَ مِلْكِ النِّكاحِ عَلى مِلْكِ اليَمِينِ بِمُوجِبِ اتِّحادِ المُخاطَبِينَ في المَوْضِعَيْنِ، وقَدْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَ المَوْلى أمَتَهُ ولا المَرْأةُ عَبْدَها لِأنَّ النِّكاحَ ما شُرِعَ إلّا مُثْمِرًا بِثَمَراتٍ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ المُتَناكِحَيْنِ والمَمْلُوكِيَّةُ تُنافِي المالِكِيَّةَ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الثَّمَرَةِ عَلى الشَّرِكَةِ، وهَذا بِخِلافِ ما سَيَأْتِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ فَإنَّ المَأْمُورَ بِالنِّكاحِ هُناكَ غَيْرُ المُخاطِبِينَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فانْكِحُوا لِدَلالَةِ أوَّلِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ويُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ عَلى مَعْنى اقْتَصِرُوا عَلى ما مَلَكَتْ، والكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وأوْ لِلتَّسْوِيَةِ وسُوِّيَ في السُّهُولَةِ واليُسْرَةِ بَيْنَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ والسَّرارِي مِن غَيْرِ حَصْرٍ لِقِلَّةِ تَبِعَتِهِنَّ وخِفَّةِ مُؤْنَتِهِنَّ وعَدَمِ وُجُوبِ القَسَمِ فِيهِنَّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى النِّساءِ أيْ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ أوْ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم ولا يَخْفى بُعْدَهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ مَن مَلَكَتْ، وعَبَّرَ بِما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ذَهابًا لِلْوَصْفِ ولِكَوْنِ المَمْلُوكِ لِبَيْعِهِ وشِرائِهِ والمَبِيعِ أكْثَرُهُ ما لا يَعْقِلُ كانَ التَّعْبِيرُ بِما فِيهِ أظْهَرَ، وإسْنادُ المِلْكِ لِلْيَمِينِ لِما أنَّ سَبَبَهُ الغالِبَ هو الصَّفْقَةُ الواقِعَةُ بِها، وقِيلَ: لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَكُونُ بِسَبَبِ الجِهادِ والأسْرِ، وذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى أعْمالِها وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ في الأرِقّاءِ لا سِيَّما في إناثِهِمْ كَما هو المُرادُ هُنا رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِلْكِ النِّكاحِ الوارِدِ عَلى الحَرائِرِ، وقِيلَ: إنَّما قِيلَ لِلرَّقِيقِ مِلْكُ اليَمِينِ لِأنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالمَحاسِنِ وفِيها تَفاؤُلٌ بِاليُمْنِ أيْضًا، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أعْرابِيًّا سُئِلَ لِمَ حَسَّنْتُمْ أسْماءَ مُوالِيكم دُونَ أسْماءِ أبْنائِكُمْ؟

فَقالَ: أسْماءُ مُوالِينا لَنا وأسْماءُ أبْنائِنا لِأعْدائِنا فَلْيُفْهَمْ.

وادَّعى ابْنُ الفَرَسِ أنَّ في الآيَةِ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَ النِّكاحَ واجِبًا عَلى العَيْنِ لِأنَّهُ تَعالى «خَيَّرَ فِيها بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي ولا يَجِبُ التَّسَرِّي بِالِاتِّفاقِ ولَوْ كانَ النِّكاحُ واجِبًا لَما ”خَيَّرَ“ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي لِأنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ واجِبٍ وغَيْرِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى إبْطالِ حَقِيقَةِ الواجِبِ وأنَّ تارِكَهُ لا يَكُونُ آثِمًا»، ولا يَرُدُّ هَذا عَلى مَن يَقُولُ: الواجِبُ أحَدُ الأمْرَيْنِ، ويَمْنَعُ الِاتِّفاقُ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ التَّسَرِّي في الجُمْلَةِ فَتَدَبَّرْ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيها دَلِيلًا عَلى مَنعِ نِكاحِ الجِنِّيّاتِ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ النِّساءَ بِالذِّكْرِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هُنا لِظُهُورِ نُكْتَةِ تَخْصِيصِ النِّساءِ بِالذِّكْرِ وفائِدَتِهِ.

وادَّعى الإمامُ السُّيُوطِيُّ أنَّ فِيها إشارَةً إلى حَلِّ النَّظَرِ قَبْلَ النِّكاحِ لِأنَّ الطَّيِّبَ إنَّما يُعْرَفُ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الإشارَةَ رُبَّما تَسْلَمُ إلّا أنَّ الحَصْرَ مَمْنُوعٌ وهَذا الحَلُّ ثَبَتَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّهُ  قالَ لِلْمُتَزَوِّجِ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ: ”أنَظَرْتَ إلَيْها؟

قالَ: لا، قالَ: فاذْهَبْ وانْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا“» وهو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ كَراهَتُهُ وهم مَحْجُوجُونَ بِالحَدِيثِ والإجْماعِ عَلى جَوازِ النَّظَرِ لِلْحاجَةِ عِنْدَ البَيْعِ والشِّراءِ والشَّهادَةِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّهُ إنَّما يُباحُ لَهُ النَّظَرُ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ: إلى مَواضِعِ اللَّحْمِ.

وقالَ داوُدُ: إلى جَمِيعِ بَدَنِها وهو خَطَأٌ ظاهِرٌ مُنابِذُ لِأُصُولِ السُّنَّةِ والإجْماعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ رِضا المَرْأةِ أمْ لا؟

الجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراطِ بَلْ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ مَعَ الغَفْلَةِ وعَدَمِ الرِّضا، وعَنْ مالِكٍ كَراهَةُ النَّظَرِ مَعَ الغَفْلَةِ، وفي رِوايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْها إلّا بِرِضاها، واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ كَوْنَ هَذا النَّظَرِ قَبْلَ الخِطْبَةِ حَتّى إنْ كَرِهَها تَرَكَها مِن غَيْرِ إيذاءٍ بِخِلافِ ما إذا تَرَكَها بَعْدَ الخُطْبَةِ كَما لا يَخْفى.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها إشارَةً أيْضًا إلى اسْتِحْبابِ الزِّيادَةِ عَلى الواحِدَةِ لِمَن لَمْ يَخَفْ عَدَمَ العَدْلِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ الأمْرَ بِالزِّيادَةِ وعَلَّقَ أمْرَ الواحِدَةِ بِخَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ، ويا ما أحِيلِي الزِّيادَةَ إنِ ائْتَلَفَتِ الزَّوْجاتُ وصَحَّ جَمْعُ المُؤَنَّثِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ مُعْرَبًا بِالضَّمِّ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَرَكاتِ، وهَذا لَعَمْرِي أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ وأعَزُّ مِنَ الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ وبَيْضِ الأنُوقِ: ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ∗∗∗ تَجْرِي الرِّياحُ بِما لا تَشْتَهِي السُّفُنُ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ اخْتِيارُ الواحِدَةِ أوِ التَّسَرِّي أوِ الجَمِيعُ وهو الأوْلى وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ أبِي زَيْدٍ ﴿ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ العَوْلُ في الأصْلِ المَيْلُ المَحْسُوسُ يُقالُ: عالَ المِيزانُ عَوْلًا إذا مالَ، ثُمَّ نُقِلَ إلى المَيْلِ المَعْنَوِيِّ وهو الجَوْرُ، ومِنهُ عالَ الحاكِمُ إذا جارَ، والمُرادُ هَهُنا المَيْلُ المَحْظُورُ المُقابِلُ لِلْعَدْلِ أيْ ما ذُكِرَ مِنِ اخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداهُما مِن أنْ لا تَمِيلُوا مَيْلًا مَحْظُورًا لِانْتِفائِهِ رَأْسًا بِانْتِفاءِ مَحَلِّهِ في الأوَّلِ، وانْتِفاءِ خَطَرِهِ في الثّانِي بِخِلافِ اخْتِيارِ العَدَدِ في المَهائِرِ، فَإنَّ المَيْلَ المَحْظُورَ مُتَوَقَّعٌ فِيهِ لِتَحَقُّقِ المَحَلِّ والخَطَرِ.

وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ؛ وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الإشارَةِ إلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ: التَّقْلِيلِ مِنَ الأزْواجِ واخْتِيارِ الواحِدَةِ والتَّسَرِّي، أيْ هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ أدْنى مِن جَمِيعِ ما عَداها، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَدْ حُكِيَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ ألا تَعُولُوا ﴾ بِأنْ لا تَكْثُرَ عِيالُكم.

وقَدْ ذَكَرَ الشِّهابُ أنَّهُ خَطَّأهُ وحاشاهُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِأنَّهُ إنَّما يُقالُ لِمَن كَثُرَتْ عِيالُهُ: أعالَ يُعِيلُ إعالَةً ولَمْ يَقُولُوا عالَ يَعُولُ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ سَلَكَ في هَذا التَّفْسِيرِ سَبِيلَ الكِنايَةِ فَقَدْ جَعَلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الفِعْلَ في الآيَةِ مِن عالَ الرَّجُلُ عِيالَهُ يَعُولُهم كَقَوْلِكَ: مانَهم يَمُونُهم إذا أنْفَقَ عَلَيْهِمْ، ومَن كَثُرَتْ عِيالُهُ لَزِمَهُ أنْ يَعُولَهم فاسْتَعْمَلَ الإنْفاقَ وأرادَ لازِمَ مَعْناهُ وهو كَثْرَةُ اِلْعِيالِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عالَ بِمَعْنى مانَ وأنْفَقَ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى كَثْرَةِ المُؤْنَةِ حَتّى يُكَنّى بِهِ عَنْ كَثْرَةِ العِيالِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الرّاغِبَ ذَكَرَ أنَّ أصْلَ مَعْنى العَوْلِ الثِّقْلُ يُقالُ: عالَهُ أيْ تَحَمَّلَ ثِقْلَ مُؤْنَتِهِ، والثِّقْلُ إنَّما يَكُونُ في كَثِيرِ الإنْفاقِ لا في قَلِيلِهِ فَيُرادُ مَن لا تَعُولُوا كَثْرَةَ الإنْفاقِ بِقَرِينَةِ المَقامِ والسِّياقِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ المُؤْنَةِ والعِيالِ مِن أصْلِهِ إذْ مَن تَزَوَّجَ واحِدَةً كانَ عائِلًا وعَلَيْهِ مُؤْنَةٌ، فالكَلامُ كالصَّرِيحِ فِيهِ واسْتِعْمالُ أصْلِ الفِعْلِ في الزِّيادَةِ فِيهِ غَيْرُ عَزِيزٍ فَلا غُبارَ، وذُكِرَ في «الكَشْفِ» أنَّهُ لا حاجَةَ إلى أصْلِ الجَوابِ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّ الكِسائِيَّ نَقَلَ عَنْ فُصَحاءِ العَرَبِ عالَ يَعُولُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ ومِمَّنْ نَقَلَهُ الأصْمَعِيُّ والأزْهَرِيُّ وهَذا التَّفْسِيرُ نَقَلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو مِن أجِلَّةِ التّابِعِينَ، وقِراءَةُ طاوُسٍ أنْ لا تُعِيلُوا مُؤَيِّدَةٌ لَهُ فَلا وجْهَ لِتَشْنِيعِ مَن شَنَّعَ عَلى الإمامِ جاهِلًا بِاللُّغاتِ والآثارِ، وقَدْ نَقَلَ الدُّورِيُّ إمامُ القُرّاءِ أنَّها لُغَةُ حِمْيَرَ وأنْشَدَ: وإنَّ المَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ ∗∗∗ بِلا شَكٍّ وإنْ أمْشى ”وعالا“ أيْ وإنْ كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ وعِيالُهُ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ عالَ بِمَعْنى كَثُرَتْ عِيالُهُ يائِيٌّ وبِمَعْنى جارَ واوِيٌّ فَلَيْسَتِ التَّخْطِئَةُ في اسْتِعْمالِ عالَ في كَثْرَةِ العِيالِ بَلْ في عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ المادَّتَيْنِ، فَرُدَّ أيْضًا بِما اقْتَضاهُ كَلامُ البَعْضِ مِن أنَّ عالَ لَهُ مَعانٍ: مالَ وجارَ وافْتَقَرَ وكَثُرَتْ عِيالُهُ ومانَ وأنْفَقَ وأعْجَزَ، يُقالُ: عالَنِي الأمْرُ أيْ أعْجَزَنِي ومُضارِعُهُ يُعِيلُ ويَعُولُ فَهو مِن ذَواتِ الواوِ والياءِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي، ثُمَّ المُرادُ بِالعِيالِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وعَدَمَ كَثْرَةِ الأزْواجِ في اخْتِيارِ الواحِدَةِ وكَذا في التَّقْلِيلِ إنْ قُلْنا إنَّهُ داخِلٌ في المُشارِ إلَيْهِ ظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ كَثْرَتِهِنَّ في التَّسَرِّي فَبِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ صادِقٌ عَلى عَدَمِهِنَّ بِالكُلِّيَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوْلادَ وعَدَمَ كَثْرَتِهِمْ في اخْتِيارِ الواحِدَةِ وكَذا في التَّقْلِيلِ ظاهِرٌ أيْضًا، وأمّا عَدَمُ كَثْرَتِهِمْ في التَّسَرِّي فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الأوْلادِ إذِ العادَةُ عَلى أنْ لا يَتَقَيَّدَ المَرْءُ بِمُضاجَعَةِ السَّرارِيِّ ولا يَأْبى العَزْلَ عَنْهُنَّ بِخِلافِ المَهائِرِ فَإنَّ العادَةَ عَلى تَقَيُّدِ المَرْءِ بِمُضاجَعَتِهِنَّ وإباءِ العَزْلِ عَنْهُنَّ، وإنْ كانَ العَزْلُ عَنْهُنَّ كالعَزْلِ عَنِ السَّرارِيِّ جائِزًا شَرْعًا بِإذْنٍ وبِغَيْرِ إذْنٍ في المَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ «الكَشّافِ» ما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذَلِكَ خِلافًا عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ فَمَنعُهُ بَعْضَهم كَما هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ ألا تَعُولُوا ﴾ بِأنْ لا تَفْتَقِرُوا، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عالَ يَجِيءُ بِمَعْنى افْتَقَرَ، ومِن وُرُدِهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَمًا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى ”يَعِيلُ“ إلّا أنَّ الفِعْلَ في البَيْتِ يائِيٌّ لا واوِيٌّ كَما في الآيَةِ، والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ كَما عَرَفْتَ، وعَلى سائِرِ التَّفاسِيرِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى التَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا ٤

﴿ وآتُوا النِّساءَ ﴾ أيْ أعْطُوا النِّساءَ اللّاتِي أُمِرَ بِنِكاحِهِنَّ ﴿ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ جَمْعُ صَدَقَةٍ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمَّ الدّالِ، وهي كالصَّداقِ بِمَعْنى المَهْرِ، وقُرِئَ صَدَقاتِهِنَّ بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، وأصْلُها بِضَمِّ الدّالِ فَخُفِّفَتْ بِالتَّسْكِينِ، وصُدْقاتِهِنَّ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ جَمْعُ صُدْقَةٍ بِوَزْنِ غُرْفَةٍ، وقُرِئَ صُدُقَتَهُنَّ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ، وأصْلُهُ صُدْقَةٌ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ فَضُمَّتِ الدّالُ اتِّباعًا لِضَمِّ الأوَّلِ كَما يُقالُ: ظُلُمَةٌ وظُلْمَةٌ.

﴿ نِحْلَةً ﴾ أيْ فَرِيضَةً قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْ أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُنَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ خالَوَيْهِ: تَدَيُّنًا فانْتِصابُها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ أعْطُوهُنَّ دِيانَةً وشِرْعَةً، وقالَ الكَلْبِيُّ: هِبَةً وعَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ وتَفَضُّلًا مِنهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْضًا، وقِيلَ عَطِيَّةً مِنَ الأزْواجِ لَهُنَّ فانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ آتُوا أوْ مِنَ النِّساءِ أوْ مِن صَدُقاتِهِنَّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الحالَ قَيْدٌ لِلْعامِلِ فَيَلْزَمُ هُنا كَوْنُ الإيتاءِ قَيْدًا لِلْإيتاءِ والشَّيْءُ لا يَكُونُ قَيْدًا لِنَفْسِهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ النِّحْلَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَ الإيتاءِ بَلْ هي نَوْعٌ مِنهُ، وهو الإيتاءُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فالمَعْنى أعْطُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ، أوْ مُعاطاةً عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وعَلَيْهِ فالمَصْدَرُ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ.

فَإنْ قُلْتَ إنَّ النِّحْلَةَ أُخِذَ في مَفْهُومِها أيْضًا عَدَمُ العِوَضِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَهْرُ بِلا عِوَضٍ وهو في مُقابَلَةِ البُضْعِ والتَّمَتُّعِ بِهِ؟

أُجِيبُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ لِلزَّوْجَةِ في الجِماعِ مِثْلُ ما لِلزَّوْجِ أوْ أزْيَدُ وتَزِيدُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ كانَ المَهْرُ مَجّانًا لِمُقابَلَةِ التَّمَتُّعِ بِتَمَتُّعٍ أكْثَرَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّداقَ كانَ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا لِلْأوْلِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ ﴾ إلَخْ، ثُمَّ نُسِخَ فَصارَ ذَلِكَ عَطِيَّةً اقْتَطَعَتْ لَهُنَّ فَسُمِّيَ نِحْلَةً، وأيَّدَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَ الكَلْبِيِّ: بِأنَّ ما وُضِعَ لَهُ لَفْظُ النِّحْلَةِ هو العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ عِوَضٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهُمُ الرُّمّانِيُّ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ النِّحْلَةُ لِلدِّيانَةِ لِأنَّها كالنِّحْلَةِ الَّتِي هي عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى والنَّحْلِ لِلدَّبْرِ لِما يُعْطِي مِنَ العَسَلِ، والنّاحِلُ لِلْمَهْزُولِ لِأنَّهُ يَأْخُذُ لَحْمَهُ حالًا بَعْدَ حالٍ كَأنَّهُ المُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ، والمَنحُولُ مِنَ الشِّعْرِ لِأنَّهُ نِحْلَةُ الشّاعِرِ ما لَيْسَ لَهُ، وحِينَئِذٍ فَمَن فَسَّرَ النِّحْلَةَ بِالفَرِيضَةِ نَظَرَ إلى أنَّ هَذِهِ العَطِيَّةَ فَرِيضَةٌ، والخِطابُ عَلى ما هو المُتَبادَرُ لِلْأزْواجِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ والجُبّائِيُّ وغَيْرُهُما قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِلا مَهْرٍ يَقُولُ: أرِثُكِ وتَرِثِينِي؟

فَتَقُولُ: نَعَمْ، فَأمَرُوا أنْ يُسْرِعُوا إلى إعْطاءِ المُهُورِ، وقِيلَ: الخُطّابُ لِأوْلِياءِ النِّساءِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا زُوِّجَ أيِّمًا أخَذَ صَداقَها دُونَها فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿ وآتُوا النِّساءَ ﴾ إلَخْ، ورَوى ذَلِكَ الجارُودُ مِنَ الإمامِيَّةِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهَذِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ اليَوْمَ، وهو حَرامٌ كَأكْلِ الأزْواجِ شَيْئًا مِن مُهُورِ النِّساءِ بِغَيْرِ رِضاهُنَّ.

﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى ذَلِكَ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُشارُ بِهِ إلى المُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهَواتِ المَعْدُودَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِرُؤْبَةَ في قَوْلِهِ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ: فَقُلْ كَأنَّها، وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَلَقَ فَقُلْ كَأنَّهُما، فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلُكَ، أوْ لِلصَّداقِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ صَدُقاتُهُنَّ كَأنَّهُ قِيلَ: وآتُوا النِّساءَ صَداقَهُنَّ، والحَمْلُ عَلى المَعْنى كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ ﴾ حَيْثُ عُطِفَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ووَقَعَ مَوْقِعَهُ، أوْ لِلصَّداقِ الَّذِي في ضِمْنِ الجَمْعِ لِأنَّ المَعْنى آتُوا كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ صَداقًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإيتاءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا أُرِيدَ بِهِ المَأْتِيَّ، ورُجُوعُ ضَمِيرٍ إلى مَصْدَرٍ مَفْهُومٌ، ثُمَّ تَأْوِيلُ ذَلِكَ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ وكَذا عَنْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّجافِي والتَّباعُدِ، وإلّا فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى لِمِثْلِ ذَلِكَ بِالباءِ كَقَوْلِهِ: وما كادَ نَفْسًا بِالفِراقِ تَطِيبُ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ أيْ كائِنٌ مِنَ الصَّداقِ، وفِيهِ بَعْثٌ لَهُنَّ عَلى تَقْلِيلِ المَوْهُوبِ حَتّى نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبَرُّعُهُنَّ إلّا بِاليَسِيرِ ولا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ وما في الذِّمَّةِ إلّا أنَّ الأوَّلَ هِبَةٌ والثّانِيَ إبْراءٌ، ولِذَلِكَ تَعامَلَ النّاسُ عَلى التَّعْوِيضِ فِيهِ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ.

﴿ نَفْسًا ﴾ تَمْيِيزٌ لِبَيانِ الجِنْسِ ولِذا وُحِّدَ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّمْيِيزَ كَما قالَهُ النُّحاةُ إنِ اتَّحَدَ مَعْناهُ بِالمُمَيَّزِ وجَبَتِ المُطابَقَةُ نَحْوَ كَرُمَ الزَّيْدُونَ رِجالًا كالخَبَرِ والصِّفَةِ والحالِ، وإلّا فَإنْ كانَ مُفْرَدًا غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ وجَبَ إفْرادُهُ نَحْوَ كَرُمَ بَنُو فُلانٍ أبًا إذِ المُرادُ أنَّ أصْلَهم واحِدٌ مُتَّصِفٌ بِالكَرَمِ فَإنْ تَعَدَّدَ وألْبَسَ وجَبَ خَلْفُهُ بِظاهِرٍ نَحْوَ كَرُمَ الزَّيْدُونَ آباءًا إذا أُرِيدَ أنَّ لِكُلٍّ مِنهم أبًا كَرِيمًا إذْ لَوْ أُفْرِدَ تُوُهِّمَ أنَّهم مِن أبٍ واحِدٍ، والغَرَضُ خِلافُهُ وإنْ لَمْ يَلْبَسْ جازَ الأمْرانِ، ومُصَحِّحُ الإفْرادِ عَدَمُ الإلْباسِ كَما هُنا لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ أنَّ لَهُنَّ نَفْسًا واحِدَةً ومُرَجِّحُهُ أنَّهُ الأصْلُ مَعَ خِفَّتِهِ ومُطابَقَتِهِ لِضَمِيرِ ( مِنهُ )، وهو اسْمُ جِنْسٍ والغَرَضُ هُنا بَيانُ الجِنْسِ، والواحِدُ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، والمَعْنى فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنَ الصَّداقِ مُتَجافِيًا عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّباتٍ غَيْرَ مُخْبِثاتٍ بِما يَضْطَرُّهُنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعامَلَتِكم، وإنَّما أُوثِرَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ دُونَ فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ إيذانًا بِأنَّ العُمْدَةَ في الأمْرِ طِيبُ النَّفْسِ وتَجافِيها عَنِ المَوْهُوبِ بِالمَرَّةِ حَيْثُ جُعِلَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً ورُكْنًا مِنَ الكَلامِ لا فَضْلَةً كَما في التَّرْكِيبِ المَفْرُوضِ.

﴿ فَكُلُوهُ ﴾ أيْ فَكُلُوا ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي طابَتْ لَكم عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.

﴿ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ صِفَتانِ مِن هَنُؤَ الطَّعامُ يَهْنُؤُ هَناءَةً ومَرُؤَ يَمْرُؤُ مَراءَةً إذا لَمْ يَثْقُلْ عَلى المَعِدَةِ وانْحَدَرَ عَنْها طَيِّبًا.

وفي «الصَّحّاحِ» نَقْلًا عَنِ الأخْفَشِ يُقالُ: هَنُؤَ وهَنِئَ.

ومَرُؤَ ومَرِئَ، كَما يُقالُ: فَقُهَ وفَقِهَ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها ويُقالُ: هَنَأنِي الطَّعامُ يُهَنِّئُنِي ويَهْنَأنِي ولا نَظِيرَ لَهُ في المَهْمُوزِ هَنَأ وهَنُأ، وتَقُولُ: هَنِئْتُ الطَّعامَ أيْ تَهَنَّأْتُ بِهِ وكَذا يُقالُ: مَرَأنِي الطَّعامُ يَمْرَأُ مَرْءًا، وقالَ بَعْضُهم: أمْرَأنِي، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: هَنَأنِي الطَّعامُ ومَرَأنِي بِغَيْرِ ألِفٍ فَإذا أفْرَدُوها عَنْ هَنَأنِي قالُوا: أمْرَأنِي، وقِيلَ الهَنِيءُ الَّذِي يَلَذُّهُ الآكِلُ، والمَرِيءُ ما تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقِيلَ: ما يَنْساغُ في مَجْراهُ الَّذِي هو المَرِيءُ كَأمِيرٍ وهو رَأْسُ المَعِدَةِ، والكِرْشُ اللّاصِقُ بِالحُلْقُومِ سُمِّيَ بِهِ لِمُرُورِ الطَّعامِ فِيهِ أيِ انْسِياغُهُ، وانْتِصابُهُما كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْمَصْدَرِ أيْ أكْلًا هَنِيئًا مَرِيئًا ووُصِفَ المَصْدَرُ بِهِما كَما قالَ السَّعْدُ: عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ إذِ الهَنِيءُ حَقِيقَةً هو المَأْكُولُ أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ أيْ كُلُوهُ وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى كُلُوهُ ويُبْتَدَأُ هَنِيئًا مَرِيئًا عَلى الدُّعاءِ وعَلى أنَّهُما صِفَتانِ أُقِيمَتا مَقامَ المَصْدَرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنَأ مَرَأ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى أوَّلُوهُ أنَّهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ النُّحاةِ ومُخالَفَةٌ لَهم، فَإنَّهم يَجْعَلُونَ انْتِصابَ ( ﴿ هَنِيئًا ﴾ ) عَلى الحالِ، و( ﴿ مَرِيئًا ﴾ ) إمّا عَلى الحالِ، وإمّا عَلى الوَصْفِ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِ ما خَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وصِحَّةِ قَوْلِ النُّحاةِ ارْتِفاعُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ ﴿ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ ، ولَوْ كانا مُنْتَصِبَيْنِ انْتِصابَ المَصادِرِ المُرادِ بِها الدُّعاءُ لَما جازَ ذَلِكَ فِيها كَما لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: في سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا سُقْيا اللَّهِ تَعالى لَكَ ورُعْيا اللَّهِ لَكَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا في فِعْلِهِ، والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ رَفْعِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بَعْدَهُما قَوْلُ كَثِيرٍ: ” هَنِيئًا مَرِيئًا“ غَيْرَ داءِ مُخامِرٍ ∗∗∗ لِعَزَّةَ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتِ فَإنَّ ”ما“ مَرْفُوعَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن ( هَنِيئًا ) أوْ ( مَرِيئًا ) عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، وجازَ الإعْمالُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما رابِطُ عَطْفٍ لِكَوْنِ مَرِيئًا في الغالِبِ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا تابِعًا لَهَنِيئًا فَصارا كَأنَّهُما مُرْتَبِطانِ لِذَلِكَ ورُدَّ بِأنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: هَنِيئًا مَرِيئًا صِفَتانِ نَصْبُهُما نَصْبَ المَصادِرِ المَدْعُوِّ بِها بِالفِعْلِ غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ إظْهارُهُ المُخْتَزَلِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِاحْتِمالِ أنَّهُ أرادَ أنَّهُما صِفَتانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ كالمَصادِرِ المَدْعُوِّ بِها في أنَّها مَعْمُولَةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ كَأنَّهم قالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ هَنِيئًا فَإنَّ هَذا مِمّا يُقالُ: عَلى تَقْدِيرِ إقامَتِهِما مَقامَ المَصْدَرِ، ومِن هُنا قالَ السَّفاقِسِيُّ: إنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُما حالٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا لِقِيامِهِما مَقامَهُ كَقَوْلِكَ: أقائِمًا وقَدْ قَعَدَ النّاسُ، واعْتُرِضَ بِهَذا عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ جَعْلِهِما حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”كُلُوهُ“ إذْ عَلَيْهِ يَكُونانِ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى لا تَعَلُّقَ لَهُما بِكُلُوا مِن حَيْثُ الإعْرابُ.

واعْتُرِضَ أيْضًا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالبَيْتِ عَلى رَفْعِ الظّاهِرِ بِهِما بِأنَّهُ لا يَتِمُّ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ ولِعِزَّةِ خَبَرِهِ، أوْ مَرْفُوعَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ، وفي «كِتابِ العَيّاشِيِّ» مِنَ الإمامِيَّةِ مَرْفُوعًا إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ في بَطْنِي وجَعًا فَقالَ: ألَكَ زَوْجَةٌ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: اسْتَوْهِبَ مِنها شَيْئًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُها مِن مالِها ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ عَسَلًا ثُمَّ اسْكُبْ عَلَيْهِ مِن ماءِ السَّماءِ ثُمَّ اشْرَبْهُ فَإنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ وقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ فَإذا اجْتَمَعَتِ البَرَكَةُ والشِّفاءُ والهَنِيءُ والمَرِيءُ شُفِيَتْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَشُفِيَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِنا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما يَقْرُبُ مِن هَذا بِلَفْظِ: إذا اشْتَكى أحَدُكم فَلْيَسْألِ امْرَأتَهُ ثَلاثَةَ دَراهِمَ أوْ نَحْوَها فَلْيَشْتَرِ بِها عَسَلًا ولْيَأْخُذْ مِن ماءِ السَّماءِ فَيُجْمَعُ هَنِيًا مَرِيئًا وشِفاءً ومُبارَكًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّ أُناسًا كانُوا يَتَأثَّمُونَ أنْ يَرْجِعَ أحَدُهم في شَيْءٍ مِمّا ساقَهُ إلى امْرَأتِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى ضِيقِ المَسْلَكِ في ذَلِكَ ووُجُوبِ الِاحْتِياطِ حَيْثُ بُنِيَ الشَّرْطُ عَلى طِيبِ النَّفْسِ وقَلَّما يَتَحَقَّقُ، ولِهَذا كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قُضاتِهِ أنَّ النِّساءَ تُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً فَأيُّما امْرَأةٍ أعْطَتْ ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَذَلِكَ لَها.

وحَكى الشَّعْبِيُّ أنَّ رَجُلًا أتى مَعَ امْرَأتِهِ شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ وهي تَطْلُبُ أنْ تَرْجِعَ فَقالَ شُرَيْحٌ: رُدَّها عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ ﴾ قالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها عَنْهُ لَما رَجَعَتْ فِيهِ، وعَنْهُ أقِيلُها فِيما وهَبَتْ ولا أقِيلُهُ لِأنَّهُنَّ يُخْدَعْنَ والَّذِي عَلَيْهِ الحَنَفِيُّونَ أنَّ الزَّوْجَةَ إذا وهَبَتْ شَيْئًا لِلزَّوْجِ لَيْسَ لَها الرُّجُوعُ فِيهِ بَلْ ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفاقَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الرُّجُوعُ فِيما وهَبَ لِصاحِبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٥

﴿ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى وتَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ فِيما سَبَقَ مِن شَرْطِ إيتائِها وكَيْفِيَّتِهِ إثْرَ بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْفُسِ أعْنِي النِّكاحَ، وبَيانِ بَعْضِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأجْنَبِيّاتِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ ومِن حَيْثُ المالُ اسْتِطْرادًا إذِ الخِطابُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ عِكْرِمَةَ لِلْأوْلِياءِ، وصَرَّحَ هو وابْنُ جُبَيْرٍ بِأنَّ المُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ اليَتامى، ومِن أمْوالِكم أمْوالُهم وإنَّما أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِ الأوْلِياءِ المُخاطِبِينَ تَنْزِيلًا لِاخْتِصاصِها بِأصْحابِها مَنزِلَةَ اخْتِصاصِها بِهِمْ فَكَأنَّ أمْوالَهم عَيْنُ أمْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ الجِنْسِيِّ والنِّسْبِيِّ مُبالَغَةً في حَمْلِهِمْ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فَإنَّ المُرادَ لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ نَوْعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنِ القَتْلِ حَتّى كَأنَّ قَتْلَهم قَتْلُ أنْفُسِهِمْ، وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا ﴾ حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ جَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ أصْحابِها بِجَعْلِها مَناطًا لِمَعاشِ الأوْلِياءِ، ومَفْعُولُ ( جَعَلَ ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الأمْوالِ، والمُرادُ مِنَ القِيامِ ما بِهِ القِيامُ والتَّعَيُّشُ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ زِيادَةٌ في المُبالَغَةِ وهو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ وحْدَهُ مَفْعُولًا، وهَذا حالًا مِنهُ؛ وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ الأوْلِياءِ نَظَرًا إلى كَوْنِها تَحْتَ وِلايَتِهِمْ.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ لِأنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ثابِتَةٌ في كَلامِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بِسُحْرَةِ سُهَيْلٍ أذاعَتْ غَزْلَها في القَرائِبِ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُصَحَّحٍ لِاتِّصافِ الأمْوالِ بِما بَعْدَها مِنَ الصِّفَةِ، وقِيلَ: إنَّما أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّ المُرادَ بِالمالِ جِنْسُهُ مِمّا يَتَعَيَّشُ النّاسُ بِهِ ونِسْبَتُهُ إلى كُلِّ أحَدٍ كَنِسْبَتِهِ إلى الآخَرِ لِعُمُومِ النِّسْبَةِ، والمَخْصُوصُ بِواحِدٍ دُونَ واحِدٍ شَخْصُ المالِ فَجازَ أنْ يُنْسَبَ حَقِيقَةً إلى الأوْلِياءِ كَما يُنْسَبُ إلى المُلّاكِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ وصْفُهُ بِما لا يَخْتَصُّ بِمالٍ دُونَ مالٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَمْلِ الأوْلِياءِ عَلى المُحافَظَةِ المَذْكُورَةِ كَيْفَ لا والوَحْدَةُ الجِنْسِيَّةُ المالِيَّةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِما بَيْنَ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ الأوْلِياءِ بَلْ هي مُتَحَقِّقَةٌ بَيْنَ أمْوالِهِمْ وأمْوالِ الأجانِبِ فَإذًا لا وجْهَ لِاعْتِبارِها أصْلًا، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الإضافَةِ، وقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كانَتْ أمْوالُهم أمْوالَنا؟

فَقالَ: إذْ كُنْتُمْ وارِثِينَ لَهم، وفِيهِ احْتِمالانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في تَوْجِيهِ الإضافَةِ، وثانِيهِما: أنَّ ذَلِكَ مِن مَجازِ الأوَّلِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بَعْدَ القَوْلِ بِكَذِبِ نِسْبَتِهِ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الأوَّلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَلِ العادَةُ في الغالِبِ عَلى خِلافِهِ، والحَمْلُ عَلى التَّفاؤُلِ مِمّا يَتَشاءَمُ مِنهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.

وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّهُ إنَّما أُضِيفَ الأمْوالُ إلى اليَتامى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ ولَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِمْ هُنا مَعَ أنَّ الأمْوالَ في الصُّورَتَيْنِ لَهم لِيُؤْذِنَ بِتَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ فِيهِما فَإنَّ تَسْمِيَتَهم يَتامى هُناكَ يُناسِبُ قَطْعَ الطَّمَعِ فَيُفِيدُ المُبالَغَةَ في رَدِّ الأمْوالِ إلَيْهِمْ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يُقالَ: أمْوالُهم، وأمّا الوَصْفُ هُنا فَهو السَّفاهَةُ فَناسَبَ أنْ لا يَخْتَصُّوا بِشَيْءٍ مِنَ المالِكِيَّةِ لِئَلّا يَتَوَرَّطُوا في الأمْوالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُضِفْ أمْوالَهم إلَيْهِمْ وأضافَها إلى الأوْلِياءِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ بَيانٌ لِلْعِلَّةِ المُرَجِّحَةِ لِإضافَةِ الأمْوالِ لِمَن ذُكِرَ، ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِلَّةُ المُصَحِّحَةُ ما مَرَّ آنِفًا، ثُمَّ وُصِفَ اليَتامى بِأنَّهم سُفَهاءُ بِاعْتِبارِ خِفَّةِ أحْلامِهِمْ واضْطِرابِ آرائِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الصِّغَرِ وعَدَمِ التَّدَرُّبِ، وأصْلُ السَّفَهِ الخِفَّةُ والحَرَكَةُ، يُقالُ: تَسَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّجَرَ أيْ مالَتْ بِهِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: جَرَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ ”تَسَفَّهَتْ“ ∗∗∗ أعالِيها مَرَّ الرِّياحِ النَّواسِمِ وقالَ أيْضًا: عَلى ظَهْرِ مِقْلاتٍ سَفِيهٍ جَدِيلُها يَعْنِي خَفِيفٌ زِمامُها، ولِكَوْنِ هَذا الوَصْفِ مِمّا يَنْشَأُ مِنهُ تَبْذِيرُ المالِ وتَلَفُهُ المُخِلُّ بِحالِ اليَتِيمِ ناسَبَ أنْ يُجْعَلَ مَناطًا لِهَذا الحُكْمِ، وقَدْ فُسِّرَ السُّفَهاءُ بِالمُبَذِّرِينَ بِالفِعْلِ مِنَ اليَتامى وإلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذَكَرْنا ذَهَبَ الكَثِيرُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِما أنَّ المُرادَ بِالسُّفَهاءِ النِّساءُ والصِّبْيانُ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، والمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ إيتاءِ مالِهِ مَن لا رُشْدَ لَهُ مِن هَؤُلاءِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِمُ النِّساءُ خاصَّةً، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: ««جاءَتِ امْرَأةٌ سَوْداءُ جَرِيَّةُ المَنطِقِ ذاتُ مِلْحٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ فِينا خَيْرًا مَرَّةً واحِدَةً فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ تَقُولُ فِينا كُلَّ شَرٍّ قالَ: أيَّ شَيْءٍ قُلْتُ فِيكُنَّ؟

قالَتْ: سَمَّيْتَنا السُّفَهاءَ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى سَمّاكُنَّ السُّفَهاءَ في كِتابِهِ، قالَتْ: وسَمَّيْتَنا النَّواقِصَ، فَقالَ: كَفى نُقْصانًا أنْ تَدَعْنَ مِن كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ أيّامٍ لا تُصَلِّينَ فِيها، ثُمَّ قالَ: أما يَكْفِي إحْداكُنَّ أنَّها إذا حَمَلَتْ كانَ لَها كَأجْرِ المُرابِطِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وإذا وضَعَتْ كانَتْ كالمُشْتَحِطُ في دَمِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا أرْضَعَتْ كانَ لَها بِكُلِّ جُرْعَةٍ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مَن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَإذا سَهِرَتْ كانَ لَها بِكُلِّ سَهْرَةٍ تَسْهَرُها كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ وذَلِكَ لِلْمُؤْمِناتِ الخاشِعاتِ الصّابِراتِ اللّاتِي لا يَكْفُرْنَ العَشِيرَ؟

فَقالَتِ السَّوْداءُ: يا لَهُ مِن فَضْلٍ لَوْلا ما يَتْبَعُهُ مِنَ الشَّرْطِ».

وقِيلَ: إنَّ السُّفَهاءَ عامٌّ في كُلِّ سَفِيهٍ مِن صَبِيٍّ أوْ مَجْنُونٍ أوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلتَّبْذِيرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ السَّفِيهَ شارِبُ الخَمْرِ ومَن يَجْرِي مَجْراهُ، وجَعَلَ الخِطابَ عامًّا أيْضًا لِلْأوْلِياءِ وسائِرِ النّاسِ، والإضافَةُ في أمْوالِكم لا تُفِيدُ إلّا الِاخْتِصاصَ وهو شامِلٌ لِاخْتِصاصِ المِلْكِيَّةِ واخْتِصاصِ التَّصَرُّفِ، وأيَّدَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ بِأنَّهُ المُلائِمُ لِلْآياتِ المُتَقَدِّمَةِ والمُتَأخِّرَةِ، ومَن ذَهَبَ إلى غَيْرِهِ جَعَلَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ اسْتِطْرادًا وكَوْنَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مَحَلَّ تَأمُّلٍ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”قِيَمًا“ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الحَوْلِ والعِوَضِ وكانَ القِياسُ أنْ تَثْبُتَ الواوُ لِتَحَصُّنِها بِتَوَسُّطِها كَما صَحَّتْ في العِوَضِ والحَوْلِ لَكِنْ أبْدَلُوها ياءًا حَمْلًا عَلى قِيامٍ، وعَلى اعْتِلالِها في الفِعْلِ، والثّانِي: أنَّها جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ ودِيَمٍ والمَعْنى: إنَّ الأمْوالَ كالقِيَمِ لِلنُّفُوسِ إذْ كانَ بَقاؤُها بِها، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ قَدْ قُرِئَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا ﴾ ) ولا يَصِحُّ مَعْنى القِيمَةِ فِيهِما.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الأصْلُ قِيامًا فَحُذِفَتِ الألِفُ كَما حُذِفَتْ في خِيَمٍ؛ وإلى هَذا ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وجُعِلَ ذَلِكَ مِثْلَ عُوَذًا وعِياذًا، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ قِوامًا بِكَسْرِ القافِ وبِواوٍ وألِفٍ، وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرُ قاوَمْتُ قِوامًا مِثْلَ لاوَذْتُ لِواذًا فَصَحَّتْ في المَصْدَرِ كَما صَحَّتْ في الفِعْلِ، والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِما يَقُومُ بِهِ الأمْرُ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، وقُرِئَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ ألِفٍ وهو مَصْدَرٌ صَحَّتْ عَيْنُهُ وجاءَتْ عَلى الأصْلِ كالعِوَضِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ وواوٍ وألِفٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْلَ السَّلامِ والكَلامِ والدَّوامِ، وثانِيهِما: أنَّهُ لُغَةٌ في القِوامِ الَّذِي هو بِمَعْنى القامَةِ يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ القِوامِ والقَوامِ، والمَعْنى الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى سَبَبَ بَقاءِ قامَتِكم، وعَلى سائِرِ القِراءاتِ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَدْحِ الأمْوالِ وكانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: المالُ سِلاحُ المُؤْمِنِ ولَأنْ أتْرُكَ مالًا يُحاسِبُنِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن أنْ أحْتاجَ إلى النّاسِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ خَواتِيمُ اللَّهِ في الأرْضِ لا تُؤْكَلُ ولا تُشْرَبُ حَيْثُ قَصَدْتَ بِها قَضَيْتَ حاجَتَكَ، وقالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حَمْدًا ومَجْدًا فَإنَّهُ لا حَمْدَ إلّا بِفِعالٍ ولا مَجْدَ إلّا بِمالٍ، وقِيلَ لِأبِي الزِّنادِ: لِمَ تُحِبُّ الدَّراهِمَ وهي تُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيا؟

فَقالَ: هي وإنْ أدْنَتْنِي مِنها فَقَدْ صانَتْنِي عَنْها، وفي «مَنثُورِ الحِكَمِ» مَنِ اسْتَغْنى كَرُمَ عَلى أهْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا الفَقْرُ مَخْذَلَةٌ والغِنى مَجْذَلَةٌ والبُؤْسُ مَرْذَلَةٌ والسُّؤالُ مَبْذَلَةٌ وكانُوا يَقُولُونَ: اتِّجِرُوا واكْتَسِبُوا فَإنَّكم في زَمانٍ إذا احْتاجَ أحَدُكم كانَ أوَّلَ ما يَأْكُلُ دِينَهُ، وقالَأبُو العَتاهِيَةِ: أجَلَّكَ قَوْمٌ حِينَ صِرْتَ إلى الغِنى ∗∗∗ وكُلُّ غَنِيٍّ في العُيُونِ جَلِيلُ إذا مالَتِ الدُّنْيا عَلى المَرْءِ رَغَّبَتْ ∗∗∗ إلَيْهِ ومالَ النّاسُ حَيْثُ يَمِيلُ ولَيْسَ الغِنى إلّا غِنًى زَيَّنَ الفَتى ∗∗∗ عَشِيَّةَ يَقْرِي أوْ غَداةَ يُنِيلُ وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في مَدْحِ المالِ واخْتَلَفُوا في تَفْضِيلِ الغِنى والفَقْرِ، واسْتَدَلَّ كُلٌّ عَلى مُدَّعاهُ بِما لا يَتَّسِعُ لَهُ هَذا المَجالُ، ولِشَيْخِنا عَلاءُ الدِّينِ أعْلى اللَّهُ تَعالى دَرَجَتَهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ: قالُوا اغْتَنى ناسٌ وإنّا نَرى ∗∗∗ عَنْكَ وأنْتَ العَلَمُ المالُ مالَ قُلْتُ غِنى النَّفْسِ كَمالُ الغِنى ∗∗∗ والفَقْرُ كُلُّ الفَقْرِ فَقَدَ الكَمالَ ولَهُ أيْضًا: قالُوا حَوى المالَ رِجال ∗∗∗ وما عَلى كَمالٍ نِلْتُ هَذا المَنال فَقُلْتُ حازُوا بَعْضَ أجْزائِهِ ∗∗∗ وإنَّنِي حُزْتُ جَمِيعَ الكَمال ﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ أيِ اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ وكُسْوَتِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا وتَرْبَحُوا حَتّى تَكُونَ نَفَقاتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ لِئَلّا يَأْكُلَهُ الإنْفاقُ، وهَذا ما يَقْتَضِيهِ جَعْلُ الأمْوالِ نَفْسِها ظَرْفًا لِلرِّزْقِ والكُسْوَةِ، ولَوْ قِيلَ: مِنها كانَ الإنْفاقُ مِن نَفْسِ المالِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ في بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ.

﴿ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ أيْ كَلامًا تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهم كَأنْ يَقُولَ الوَلِيُّ لِلْيَتِيمِ: مالُكَ عِنْدِي وأنا أمِينٌ عَلَيْهِ فَإذا بَلَغْتَ ورَشَدْتَ أعْطَيْتُكَ مالَكَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما فَسَّرا القَوْلَ المَعْرُوفَ بِعُدَّةٍ جَمِيلَةٍ في البَرِّ والصِّلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إذا رَبِحْتُ في سَفَرِي هَذا فَعَلْتُ بِكَ ما أنْتَ أهْلُهُ، وإنْ غَنِمْتَ في غَزايَ جَعَلْتُ لَكَ حَظًّا، وقالَ الزَّجّاجُ: عَلِّمُوهم مَعَ إطْعامِكم وكِسْوَتِكم إيّاهم أمْرَ دِينِهِمْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ والعَمَلِ، وقالَ القَفّالُ: إنْ كانَ صَبِيًّا فالوَصِيُّ يُعَرِّفُهُ أنَّ المالَ مالُهُ وأنَّهُ إذا زالَ صِباهُ يُرَدُّ المالُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ سَفِيهًا وعَظَهُ وحَثَّهُ عَلى الصَّلاةِ وعَرَّفَهُ أنَّ عاقِبَةَ الإتْلافِ فَقْرٌ واحْتِياجٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ إنْ كانَ لَيْسَ مِن ولَدِكَ ولا مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: عافانا اللَّهُ تَعالى وإيّاكَ بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ لِما أنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لَيْسَ لِلْأوْلِياءِ، وبِالجُمْلَةِ كُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ لِحُسْنِهِ شَرْعًا أوْ عَقْلًا مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ مَعْرُوفٍ، وكُلُّ ما أنْكَرَتْهُ لِقُبْحِهِ شَرْعًا أوْ عَقْلًا مُنْكَرٌ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَيْسَ إشارَةً إلى المَذْهَبَيْنِ في الحُسْنِ والقُبْحِ هَلْ هو شَرْعِيٌّ أوْ عَقْلِيٌّ كَما قِيلَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ في الصِّفَةِ المُلائِمَةِ لِلْغَرَضِ والمُنافِرَةِ لَهُ، وإنَّ مِنها ما مَأْخَذُهُ العَقْلُ وقَدْ يُرَدُّ بِهِ الشَّرْعُ، وإنَّما الخِلافُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَدْحُ والذَّمُّ عاجِلًا والثَّوابُ والعِقابُ آجِلًا هَلْ هو مَأْخَذُهُ الشَّرْعُ فَقَطْ أوِ العَقْلُ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا ٦

﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ شُرُوعٌ في تَعْيِينِ وقْتِ تَسْلِيمِ أمْوالِ اليَتامى إلَيْهِمْ وبَيانِ شَرْطِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِإيتائِها عَلى الإطْلاقِ، والنَّهْيِ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِ أصْحابِها سُفَهاءَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ السُّفَهاءِ المُبَذِّرِينَ بِالفِعْلِ مِنَ اليَتامى وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِمُ اليَتامى مُطْلَقًا، ووَصْفُهم بِالسَّفَهِ بِاعْتِبارِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما مَرَّ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ، وقِيلَ: إنَّ هَذا رُجُوعٌ إلى بَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى لا شُرُوعٌ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ مَذْكُورًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، والِابْتِلاءُ الِاخْتِبارُ أيْ واخْتَبِرُوا مَن عِنْدَكم مِنَ اليَتامى بِتَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ في الِاهْتِداءِ إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها وجَرِّبُوهم بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذا الِاهْتِداءِ رَأْيُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَعْتَبِرُ مَعَ هَذا أيْضًا الصَّلاحَ في الدِّينِ، إلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

واتَّفَقَ الإمامانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّ هَذا الِاخْتِبارَ قَبْلَ البُلُوغِ وظاهِرُ الكَلامِ يَشْهَدُ لَهُما لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: إنَّهُ بَعْدَ البُلُوغِ، وفَرَّعَ الإمامُ الأعْظَمُ عَلى كَوْنِ الِاخْتِبارِ قَبْلُ، أنَّ تَصَرُّفاتِ العاقِلِ المُمَيِّزِ بِإذْنِ الوَلِيِّ صَحِيحَةٌ لِأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ إذا أُذِنَ لَهُ في البَيْعِ والشِّراءِ مَثَلًا، وقالَ الشّافِعِيُّ: الِاخْتِبارُ لا يَقْتَضِي الإذْنَ في التَّصَرُّفِ لِأنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى دَفْعِ المالِ إلى اليَتِيمِ وهو مَوْقُوفٌ عَلى الشَّرْطَيْنِ وهُما إنَّما يَتَحَقَّقانِ بَعْدُ، بَلْ يَكُونُ بِدُونِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِالحالِ، فَوَلَدُ التّاجِرِ مَثَلًا يُخْتَبَرُ في البَيْعِ والشِّراءِ إلى حَيْثُ يَتَوَقَّفُ الأمْرُ عَلى العَقْدِ وحِينَئِذٍ يَعْقِدُ الوَلِيُّ إنْ أرادَ، وعَلى هَذا القِياسُ.

﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ أيْ إذا بَلَغُوا حَدَّ البُلُوغِ وهو إمّا بِالِاحْتِلامِ أوْ بِالسَّنِّ وهو خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وعَلَيْها الفَتْوى عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِما أنَّ العادَةَ الفاشِيَةَ أنَّ الغُلامَ والجارِيَةَ يَصْلُحانِ لِلنِّكاحِ وثَمَرَتِهِ في هَذِهِ المُدَّةِ ولا يَتَأخَّرانِ عَنْها، والِاسْتِدْلالُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في «الخِلافِيّاتِ» مِن حَدِيثِ أنَسٍ إذا اسْتَكْمَلَ المَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كُتِبَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ ضَعِيفٌ لِأنَّ البَيْهَقِيَّ نَفْسَهُ صَرَّحَ بِأنَّ إسْنادَ الحَدِيثِ ضَعِيفٌ، وشاعَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ أنَّ السِّنَّ لِلْغُلامِ تَمامُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً ولِلْجارِيَةِ تَمامُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ولَهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ وأشُدُّ الصَّبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً هَكَذا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وتابَعَهُ القُتَبِيُّ، وهَذا أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشْؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقَصْنا في حَقِّهِنَّ سَنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجَ لا مَحالَةَ، وعَنْهُ في الغُلامِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، والمُرادُ أنْ يَطْعَنَ في التّاسِعَةَ عَشْرَةَ ويَتِمَّ لَهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: فِيهِ اخْتِلافُ الرِّوايَةِ لِذِكْرِ حَتّى يَسْتَكْمِلَ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وشاعَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قَدْ جَعَلَ الإنْباتَ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ في المُشْرِكِينَ خاصَّةً، وشَنَّعَ ابْنُ حَزْمٍ الضّالِّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيَّةُ أنَّهُ إذا أُسِرَ مُراهِقٌ ولَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ بالِغٌ فَيُفْعَلُ فِيهِ ما يُفْعَلُ بِالبالِغِينَ مِن قَتْلٍ ومِنٍّ وفِداءٍ بِأسْرى مَنًّا أوْ مالٍ واسْتِرْقاقٍ أوْ غَيْرُ بالِغٍ فَيُفْعَلُ فِيهِ ما يُفْعَلُ بِالصِّبْيانِ مِنَ الرِّقِّ يُكْشَفُ عَنْ سَوْأتِهِ فَإنْ أنْبَتَ فَلَهُ حُكْمُ الرِّجالِ وإلّا فَلا وإنَّما يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُخْبِرُ المُسْلِمِينَ بِبُلُوغِهِ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ بِخِلافِ المُسْلِمِ فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ بُلُوغِهِ بِذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِلتَّشْنِيعِ وغايَةَ ما فِيهِ أنَّهُ جَعَلَ الإنْباتَ سَبَبًا لِإجْراءِ أحْكامِ الرِّجالِ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِعَدَمِ السَّبِيلِ إلى مَعْرِفَةِ البُلُوغِ فِيها، وصَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ أمارَةً في الجُمْلَةِ لِذَلِكَ ظاهِرَةٌ، وأمّا أنَّ فِيهِ أنَّ الإنْباتَ أحَدُ أدِلَّةِ البُلُوغِ مِثْلَ الِاحْتِلامِ والإحْبالِ والحَيْضِ والحَبَلِ فِي الكُفّارِ دُونَ المُسْلِمِينَ فَلا.

﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ ﴾ أيْ أحْسَسْتُمْ قالَهُ مُجاهِدٌ وأصْلُ مَعْنى الِاسْتِئْناسِ كَما قالَ الشِّهابُ النَّظَرُ مِن بَعْدِ مَعَ وضْعِ اليَدِ عَلى العَيْنِ إلى قادِمٍ ونَحْوِهِ مِمّا يُؤْنَسُ بِهِ، ثُمَّ عُمَّ في كَلامِهِمْ قالَ الشّاعِرُ: ” آنَسَتْ“ نَبْأةً وأفْزَعَها القَ نّاصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّبَيُّنِ أيْ عِلْمِ الشَّيْءِ بَيِّنًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ أصْلَهُ الإبْصارُ مُطْلَقًا وأنَّهُ أُخِذَ مِن إنْسانِ العَيْنِ وهو حَدَقَتُها الَّتِي يُبْصِرُ بِها، وهو هُنا مُحْتَمَلٌ لِأنْ يُرادَ مِنهُ المَعْنى المَجازِيُّ أوِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وقَرَأابْنُ مَسْعُودٍ أحَسْتُمْ بِحاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ ساكِنَةٍ، وأصْلُهُ أحْسَسْتُمْ بِسِينَيْنِ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الأُولى إلى الحاءِ وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ إحْداهُما عَلى غَيْرِ القِياسِ، وقِيلَ: إنَّها لُغَةُ سَلِيمٍ وإنَّها مُطَّرِدَةٌ في عَيْنِ كُلِّ فِعْلٍ مُضاعَفٍ اتَّصَلَ بِها تاءُ الضَّمِيرِ، أوْ نُونُهُ كَما في قَوْلِ أبِي زَيْدٍ الطّائِيِّ: خَلا أنَّ العَتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ أحْسِنْ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسٌ ﴿ مِنهم رُشْدًا ﴾ أيِ اهْتِداءًا إلى ضَبْطِ الأمْوالِ وحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها، وقِيلَ: صَلاحًا في دِينِهِمْ وحِفْظًا لِأمْوالِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقُرِئَ ”رُشْدًا“ بِفَتْحَتَيْنِ، و”رُشْدًا“ بِضَمَّتَيْنِ، وهُما بِمَعْنى رُشْدًا، وقِيلَ: الرُّشْدُ بِالضَّمِّ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وبِالفَتْحِ في الأُخْرَوِيَّةِ لا غَيْرَ، والرّاشِدُ والرَّشِيدُ يُقالُ فِيهِما ﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ أيْ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ، وفي إيثارِ الدَّفْعِ عَلى الإيتاءِ في أوَّلِ الأمْرِ إيذانٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ بِتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ المَعْنى، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، ونَظْمُ الآيَةِ أنَّ حَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ كالَّتِي في قَوْلِهِ: سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم ∗∗∗ وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ وتُسَمّى ابْتِدائِيَّةً في ذَلِكَ، ولا يَذْهَبُ مِنها مَعْنى الغايَةِ كَما نَصُّوا عَلَيْهِ في عامَّةِ كُتُبِ النَّحْوِ، وذَكَرَهُ الكَثِيرُ مِنَ الأُصُولِيِّينَ خِلافًا لِمَن وهَمَ فِيهِ، وما بَعْدَها جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ جُعِلَتْ غايَةً لِلِابْتِلاءِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ بَلَغُوا وجَوابُهُ الشُّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ كَما حَقَّقَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرَ في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» لِابْنِ عَقِيلٍ أنَّهُ إذا تَوالى شَرْطانِ فَأكْثَرُ كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي إنْ وعَدْتُكَ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فَأحْسَنْتُ إلَيْكَ جَوابُ إنْ جِئْتَنِي واسْتَغْنى بِهِ عَنْ جَوابِ إنْ وعَدْتُكَ، وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ مُقَيِّدٌ لِلْأوَّلِ، بِمَنزِلَةِ الحالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ جِئْتَنِي في حالِ وعْدِي لَكَ، والصَّحِيحُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ الجَوابَ لِلْأوَّلِ، وجَوابُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ الأوَّلِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ فَإذا قُلْتَ: إنْ دَخَلْتَ الدّارَ إنْ كَلَّمْتَ زَيْدًا إنْ جاءَ إلَيْكَ فَأنْتَ حُرٌّ، فَأنْتَ حُرُّ جَوابُ إنْ دَخَلْتَ، وإنْ دَخَلْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ كَلَّمْتَ، وإنْ كَلَّمْتَ وجَوابُهُ دَلِيلُ جَوابِ إنْ جاءَ، والدَّلِيلُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ في المَعْنى، والجَوابُ مُتَأخِّرٌ فالشَّرْطُ الثّالِثُ مُقَدَّمٌ وكَذا الثّانِي فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ جاءَ فَإنْ كَلَّمْتَ فَإنْ دَخَلْتَ فَأنْتَ حُرٌّ فَلا يَعْتِقُ إلّا إذا وقَعَتْ، هَكَذا مَجِيءُ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ دُخُولٌ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وذَكَرَ الجَصّاصُ أنَّ فِيها خِلافًا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وأبِي يُوسُفَ، ولَيْسَ مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ فَقَطْ والسَّماعُ يَشْهَدُ لَهُ قالَ: إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تَذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ مِنّا مَعاقِدُ عِزٍّ زانَها كَرَمُ وعَلَيْهِ فُصَحاءُ المُوَلِّدِينَ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: الجَوابُ لِلْأخِيرِ والشَّرْطُ الأخِيرُ وجَوابُهُ جَوابُ الثّانِي، والشَّرْطُ الثّانِي وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ، فَعَلى هَذا لا يَعْتِقُ حَتّى يُوجَدَ هَكَذا دُخُولُ ثُمَّ كَلامٌ ثُمَّ مَجِيءٌ، وقالَ بَعْضُهم: إذا اجْتَمَعَتْ حَصَلَ العِتْقُ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ، وهَذا إذا كانَ التَّوالِي بِلا عاطِفٍ فَإنْ عاطَفَ بِأوْ فالجَوابُ لِأحَدِهِما دُونَ تَعْيِينٍ نَحْوَ إنْ جِئْتَنِي، أوْ إنْ أكْرَمْتَ زَيْدًا أحْسَنْتُ إلَيْكَ وإنْ كانَ بِالواوِ فالجَوابُ لَهُما.

وإنْ كانَ بِالفاءِ فالجَوابُ لِلثّانِي، وهو وجَوابُهُ جَوابُ الأوَّلِ فَتَخْرُجُ الفاءُ عَنِ العَطْفِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ المَقْرُونِ بِالفاءِ وهي رابِطَةٌ لِلْجَوابِ كالفاءِ الثّانِيَةِ وما خَرَّجْناهُ عَلَيْهِ هو الَّذِي ارْتَضاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومَذْهَبُ الزَّجّاجِ وبَعْضِ النُّحاةِ والمُؤْنَةُ عَلَيْهِ أقَلُّ أنَّ حَتّى الدّاخِلَةَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ حَرْفُ جَرٍّ، وإذا مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ ولَيْسَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، والعامِلُ فِيها عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ ما يَتَلَخَّصُ مِن مَعْنى جَوابِها والمَعْنى وابْتَلُوا اليَتامى إلى وقْتِ بُلُوغِهِمْ فاسْتِحْقاقُهم دَفْعُ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ بِشَرْطِ إيناسِ الرُّشْدِ مِنهم، وعَبَّرَ في البُلُوغِ بِإذا وفي الإيناسِ بِإنْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما ظُهُورًا وخَفاءً.

وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ ولَوْ بَلَغُوا ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُمُ الرُّشْدُ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وقَوْلُ الإمامَيْنِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يُدْفَعُ إلى اليَتِيمِ مالُهُ وإنْ شَمَطَ ما لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ رُشْدٌ، ونُسِبَ إلى الشَّعْبِيِّ، وقالَ الإمامُ الأعْظَمُ: إذا زادَتْ عَلى سِنِّ البُلُوغِ سَبْعَ سِنِينَ وهي مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ إذِ الطِّفْلُ يُمَيِّزُ بَعْدَها ويُؤْمَرُ بِالعِبادَةِ كَما في الحَدِيثِ يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ، وإنْ لَمْ يُؤْنَسِ الرُّشْدُ لِأنَّ المَنعَ كانَ لِرَجاءِ التَّأْدِيبِ فَإذا بَلَغَ ذَلِكَ السِّنَّ ولَمْ يَتَأدَّبِ انْقَطَعَ عَنْهُ الرَّجاءُ غالِبًا فَلا مَعْنى لِلْحَجَرِ بَعْدَهُ وفي «الكافِي» .

ولِلْإمامِ الأعْظَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ ﴾ ، والمُرادُ بَعْدَ البُلُوغِ فَهو تَنْصِيصٌ عَلى وُجُوبِ دَفْعِ المالِ بَعْدَ البُلُوغِ إلّا أنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ مالُهُ قَبْلَ هَذِهِ المُدَّةِ بِالإجْماعِ، ولا إجْماعَ هُنا فَيَجِبُ دَفْعُ المالِ بِالنَّصِّ، والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ لا يُوجِبُ العَدَمَ عِنْدَ العَدَمِ عِنْدَنا عَلى أنَّ الشَّرْطَ رُشْدٌ نَكِرَةٌ فَإذا صارَ الشَّرْطُ في حُكْمِ الوُجُودِ بِوَجْهٍ وجَبَ جَزاؤُهُ، وأوَّلُ أحْوالِ البُلُوغِ قَدْ يُقارِنُهُ السَّفَهُ بِاعْتِبارِ أثَرِ الصِّبا وبَقاءِ أثَرِهِ كَبَقاءِ عَيْنِهِ، وإذا امْتَدَّ الزَّمانُ وظَهَرَتِ الخِبْرَةُ والتَّجْرِبَةُ لَمْ يَبْقَ أثَرُ الصِّبا وحَدَثَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ حالُ كَمالِ لُبِّهِ فَقَدْ ورَدَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يَنْتَهِي لُبُّ الرَّجُلِ إذا بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ.

وقالَ أهْلُ الطِّباعِ: مَن بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَ أشُدَّهُ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا صَحِيحًا في هَذا السَّنِّ لِأنَّ أدْنى مُدَّةِ البُلُوغِ اثْنا عَشَرَ حَوْلًا وأدْنى مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَفي هَذِهِ المُدَّةِ يُمْكِنُ أنْ يُولَدَ لَهُ ابْنٌ ثُمَّ ضِعْفَ هَذا المَبْلَغِ يُولَدُ لِابْنِهِ ابْنٌ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيتاءِ فِيها الدَّفْعُ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِ: عَلى أنَّ الشَّرْطَ إلَخْ بِأنَّهُ إذا كانَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كافِيًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْكِيرُ وكانَ ذَلِكَ حاصِلًا لا مَحالَةَ في ذَلِكَ السَّنِّ كَما هو صَرِيحُ كَلامِهِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما اسْتُدِلَّ كانَ الدَّفْعُ حِينَئِذٍ عِنْدَ إيناسِ الرُّشْدِ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وقَوْلُ الإمامَيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: إنَّ مَذْهَبَ الإمامِ وُجُوبُ دَفْعِ مالِ اليَتِيمِ إلَيْهِ إنْ أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لَمْ يُؤْنَسْ، غايَةَ ما في البابِ أنَّهُ يَبْقى خِلافٌ بَيْنِ الإمامِ وغَيْرِهِ في أنَّ الرُّشْدَ المُعْتَبَرَ شَرْطًا لِلدَّفْعِ في الآيَةِ ماذا وهو أمْرٌ آخَرُ وراءَ ما شاعَ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأيْضًا إنْ أُرِيدَ بِهَذا الضَّرْبِ مِنَ الرُّشْدِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ التَّنْوِينُ هو الرُّشْدُ في مَصْلَحَةِ المالِ فَكَوْنُهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْصُلَ في سِنِّ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً في حَيِّزِ المَنعِ، وإنْ أُرِيدَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كَيْفَما كانَ فَهو عَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ حُصُولِهِ إذْ ذاكَ لا يُجْدِي نَفْعًا إذِ الآيَةُ كالصَّرِيحَةِ في اشْتِراطِ الضَّرْبِ الأوَّلِ.

فَقَدْ قالَ الفَخْرُ: «لا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنِ ابْتِلاءِ اليَتامى المَأْمُورِ بِهِ ابْتِلاؤُهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ حِفْظِ المالِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ الأمْرِ ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ فَإنْ آنَسْتُمْ رُشْدًا في ضَبْطِ مَصالِحِهِ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ تَفَكَّكَ النَّظْمُ ولَمْ يَبْقَ لِلْبَعْضِ تَعَلُّقٌ بِالبَعْضِ، وإذا ثَبَتَ هَذا عَلِمْنا أنَّ الشَّرْطَ المُعْتَبَرَ في الآيَةِ هو حُصُولُ الرُّشْدِ في رِعايَةِ مَصالِحِ المالِ ”لا ضَرْبٌ مِنَ الرُّشْدِ كَيْفَ كانَ“، ثُمَّ قالَ: والقِياسُ الجَلِيُّ يُقَوِّي الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لِأنَّ الصَّبِيَّ إنَّما مُنِعَ مِنهُ المالُ لِفِقْدانِ العَقْلِ الهادِي إلى كَيْفِيَّةِ حِفْظِ المالِ وكَيْفِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَإذا كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا في الشّابِّ والشَّيْخِ كانا في حُكْمِ الصَّبِيِّ» فَوَجَبَ أنْ يُمْنَعَ دَفْعُ المالِ إلَيْهِما إنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُما الرُّشْدُ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في التَّعْلِيلِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهم لِأنَّ المَنعَ كانَ لِرَجاءِ التَّأْدِيبِ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ ولِقُوَّةِ كَلامِ المُخالِفِ في هَذِهِ المَسْألَةِ شَنَّعَ الضّالُّ ابْنُ حَزْمٍ كَعادَتِهِ مَعَ سائِرِ أئِمَّةِ الدِّينِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتابَعَهُ في ذَلِكَ سُفَهاءُ الشِّيعَةِ كَيُوسُفَ الأوالِيِّ وغَيْرِهِ ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ مِنَ الفُرُوعِ، وكَمْ لِابْنِ حَزْمٍ وأتْباعِهِ فِيها مِنَ المُخالَفاتِ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ ومُتَمَسِّكُهم في ذَلِكَ بِما هو أوْهى وأوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ.

ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ عَلِمَ أنَّ نَظَرَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في ذَلِكَ دَقِيقٌ لِأنَّ اليَتِيمَ بَعْدَ أنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجالِ واعْتُبِرَ إيمانُهُ وكُفْرُهُ وصارَ مَوْرِدَ الخِطاباتِ الإلَهِيَّةِ والتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وسَلَّمَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ نَفْسَهُ يَتَصَرَّفُ بِها حَسَبَ اخْتِيارِهِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ المَدْحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ كانَ مَنعُ مالِهِ عَنْهُ وتَصَرُّفُ الغَيْرِ بِهِ أشْبَهَ الأشْياءِ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ هَذا وإنِ اقْتَضى دَفْعَ المالِ إلَيْهِ بَعْدَ البُلُوغِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلى بُلُوغِهِ سِنَّ خَمْسٍ وعِشْرِينَ فِيمَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إلّا أنا أخَّرْنا الدَّفْعَ إلى هَذِهِ المُدَّةِ لِلتَّأْدِيبِ ورَجاءَ الرُّشْدِ والكَفِّ عَنِ السَّفَهِ وما فِيهِ تَبْذِيرُ المالِ وإفْسادُهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ أخْذِ أمْوالِ البُغاةِ وحَبْسِها عَنْهم لِيَفِيئُوا، واعْتُبِرَتِ الزِّيادَةُ سَبْعَ سِنِينَ لِأنَّها كَما تَقَدَّمَ مُدَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في تَغَيُّرِ الأحْوالِ، والعَشْرُ مَثَلًا وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ  : «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» إلّا أنّا اعْتَبَرْنا الأقَلَّ لِأنَّهُ كافٍ في الغَرَضِ غالِبًا، ولا يُرَدُّ أنَّ المَنعَ يَدُورُ مَعَ السَّفَهِ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَدُورُ مَعَ السَّفَهِ مُطْلَقًا بَلْ مَعَ سَفَهِ الصِّبا ولا نُسَلِّمُ بَقاءَهُ بَعْدَ تِلْكَ المُدَّةِ عَلى أنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لا يُوجِبُ العَدَمَ عِنْدَ عَدَمِهِ عِنْدَنا فَأصْلُ الدَّوَرانِ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ، وعَلى هَذا لا مَعْنى لِلتَّشْنِيعِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ.

ويُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ فَإنَّهُ مُشِيرٌ إلى أنَّهُ لا يُمْنَعُ مالُ اليَتِيمِ عَنْهُ إذا كَبُرَ، إذِ المَعْنى لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهم بِأنْ تُفَرِّطُوا في إنْفاقِها وتَقُولُوا نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا إلّا أنَّهُ قُدِّرَ الكِبَرُ فِيمَن بَلَغَ سَفِيهًا بِما تَقَدَّمَ لِما تَقَدَّمَ، فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

والإسْرافُ في الأصْلِ تَجاوُزُ الحَدِّ المُباحِ إلى ما لَمْ يَبُحْ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ في الإفْراطِ، ورُبَّما كانَ في التَّقْصِيرِ غَيْرَ أنَّهُ إذا كانَ في الإفْراطِ مِنهُ يُقالُ: أسْرَفَ يُسْرِفُ إسْرافًا، وإذا كانَ في التَّقْصِيرِ يُقالُ: سَرَفَ يُسْرِفُ سَرَفًا ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى السَّهْوِ والخَطَأِ وهو غَيْرُ مُرادٍ أصْلًا، والمُبادَرَةُ المُسارَعَةُ وهي لِأصْلِ الفِعْلِ هُنا وتَصِحُّ المُفاعَلَةُ فِيهِ بِأنْ يُبادِرَ الوَلِيُّ أخْذَ مالِ اليَتِيمِ واليَتِيمُ يُبادِرُ نَزْعَهُ مِنهُ، وأصْلُها كَما قِيلَ: مِنَ البِدارِ وهو الِامْتِلاءُ ومِنهُ البَدْرُ لِامْتِلائِهِ نُورًا، والبُدْرَةُ لِامْتِلائِها بِالمالِ، والبَيْدَرُ لِامْتِلائِهِ بِالطَّعامِ والِاسْمانِ المُتَعاطِفانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ابْتَلُوا لا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لِفَسادِ المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ بَعْدَ البُلُوغِ وهَذا قَبْلَهُ، و”يَكْبَرُوا“ بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مِن بابِ عَلِمَ يُسْتَعْمَلُ في السِّنِّ، وأمّا بِالضَّمِّ فَهو في القُدْرَةِ والشَّرَفِ، وإذا تَعَدّى الثّانِي بِعَلى كانَ لِلْمَشَقَّةِ نَحْوَ كَبِرَ عَلَيْهِ كَذا وتَخْصِيصُ الأكْلِ الَّذِي هو أساسُ الِانْتِفاعِ وتَكْثُرُ الحاجَةُ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وفي الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالدَّفْعِ وتَقْرِيرٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ إلَخْ أيْ ومَن كانَ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ ذا مالٍ فَلْيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ ولْيَنْتَفِعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغِنى، فالِاسْتِعْفافُ الكَفُّ وهو أبْلَغُ مِنَ العَفِّ، وفي «المُخْتارِ» يُقالُ: «عَفَّ عَنِ الحَرامِ يَعِفُّ بِالكَسْرِ عِفَّةً وعَفًّا وعَفافَةً أيُّ كَفَّ فَهو عَفٌّ وعَفِيفٌ؛ والمَرْأةُ عَفَّةٌ وعَفِيفَةٌ، وأعَفَّهُ اللَّهُ تَعالى واسْتَعَفَّ عَنِ المَسْألَةِ أيْ عَفَّ، وتَعَفَّفَ تَكَلَّفَ العِفَّةَ»، وتَفْسِيرُهُ بِالتَّنَزُّهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ البَعْضِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى.

﴿ ومَن كانَ ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ والأوْصِياءِ ﴿ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ مِن سَدِّ الجَوْعَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ قالَهُ عَطاءٌ وقَتادَةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وُالطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يَأْكُلُ الفَقِيرُ إذا ولِيَ مالَ اليَتِيمِ بِقَدْرِ قِيامِهِ عَلى مالِهِ ومَنفَعَتِهِ لَهُ ما لَمْ يُسْرِفْ أوْ يُبَذِّرْ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ «ابْنِ عُمَرَ سَألَ النَّبِيَّ  فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ وإنِّي ولِيُّ يَتِيمٍ فَقالَ: كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ ولا مُتَأثِّلٍ مالًا ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ بِمالِهِ»، وهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ أُجْرَةً أمْ لا؟

قَوْلانِ، ومَذْهَبُنا الثّانِي كَما صَرَّحَ بِهِ الجَصّاصُ في «الأحْكامِ»، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ والزُّهْرِيِّ وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ والباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وآخَرِينَ أنَّ لِلْوَلِيِّ الفَقِيرِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِقَدْرِ الكِفايَةِ عَلى جِهَةِ القَرْضِ فَإذا وجَدَ مَيْسَرَةً أعْطى ما اسْتَقْرَضَ، وهَذا هو الأكْلُ بِالمَعْرُوفِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُما مِن طُرُقٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن مالِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ مالِ اليَتِيمِ إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ وإنِ احْتَجْتُ أخَذْتُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ ومَن كانَ فَقِيرًا ﴾ الآيَةَ نَسَخَتْها ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ إلَخْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى إباحَةِ الأكْلِ دُونَ الكُسْوَةِ، ورَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَعَمَ آخَرُونَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَقِّ اليَتِيمِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِن مالِهِ بِحَسَبِ حالِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ وهو مَرْدُودٌ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ لا يُعْطِي مَعْنى ذَلِكَ، والتَّفْكِيكُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ.

﴿ فَإذا دَفَعْتُمْ ﴾ أيُّها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ ﴿ إلَيْهِمْ ﴾ أيِ اليَتامى بَعْدَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ لَكم ﴿ أمْوالَهُمْ ﴾ الَّتِي تَحْتَ أيْدِيكم، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ﴿ فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ بِأنْ قَبَضُوها وبَرِئَتْ عَنْها ذِمَمُكم لِما أنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ عَنِ التُّهْمَةِ وأنْفى لِلْخُصُومَةِ وأدْخَلُ في الأمانَةِ وهو أمْرٌ نُدِبَ عِنْدَنا، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ والمالِكِيَّةُ إلى أنَّهُ أمْرُ وُجُوبٍ، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ القَيِّمَ لا يُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ في الدَّفْعِ بِدُونِ بَيِّنَةٍ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ أيْ شَهِيدًا قالَهُ السُّدِّيُّ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ مَعْنًى وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا أنَّهُ لا شاهِدَ أفْضَلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهم وهَذا مُوافِقٌ لِمَذْهَبِنا في عَدَمِ لُزُومِ البَيِّنَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى وكَفى بِهِ تَعالى مُحاسِبًا لَكم فَلا تُخالِفُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ ولا تُجاوِزُوا ما حُدَّ لَكم، ولا يَخْفى مَوْقِعُ المُحاسِبِ هُنا لِأنَّ الوَصِيَّ يُحاسَبُ عَلى ما في يَدِهِ، وفي فاعِلِ كَفى كَما قالَ أبُو البَقاءِ: وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ، والباءُ زائِدَةٌ دَخَلَتْ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ، فالتَّقْدِيرُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ تَعالى، والثّانِي: أنَّ الفاعِلَ مُضْمَرٌ والتَّقْدِيرً كَفى الِاكْتِفاءَ بِاللَّهِ تَعالى فَبِاللَّهِ عَلى هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وحَسِيبًا حالٌ، وقِيلَ: تَمْيِيزٌ، وكَفى مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ عِنْدَ السَّمِينِ، والتَّقْدِيرُ وكَفاكُمُ اللَّهُ حَسِيبًا، وإلى مَفْعُولَيْنِ عِنْدَ أبِي البَقاءِ، والتَّقْدِيرُ وكَفاكُمُ اللَّهُ شَرَّكم ونَحْوَ ذَلِكَ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ أيِ احْذَرُوهُ مِنَ المُخالَفاتِ والنَّظَرِ إلى الأغْيارِ والزَمُوا عَهْدَ الأزَلِ حِينَ أشْهَدَكم عَلى أنْفُسِكم ﴿ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ وهي الحَقِيقَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ويُعَبَّرُ عَنْها أيْضًا بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هي قَلْبُ العالِمِ وبِآدَمَ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو الأبُ لِآدَمَ، وإلى ذَلِكَ أشارَ سُلْطانُ العاشِقِينَ ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي ﴿ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ وهي الطَّبِيعَةُ أوِ النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ النّاشِئَةُ مِنها، وقَدْ خُلِقَتْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي عالَمَ الكَوْنِ وهو الضِّلْعُ الأيْسَرُ المُشارُ إلَيْهِ في الخَبَرِ، وقَدْ خُصَّتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أضْعَفُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الحَقِّ ﴿ وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ﴾ أيْ كامِلِينَ يَمِيلُونَ إلى أبِيهِمْ ﴿ ونِساءً ﴾ ناقِصِينِ يَمِيلُونَ إلى أُمِّهِمْ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ ﴾ فَلا تُثْبِتُوا لِأنْفُسِكم وُجُودًا مَعَ وُجُودِهِ لِأنَّهُ الَّذِي أظْهَرَ تَعَيُّناتِكم بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا واتَّقُوا الأرْحامَ أيِ اجْتَنِبُوا مُخالَفَةَ أوْلِيائِي وعَدَمَ مَحَبَّتِهِمْ فَإنَّ مَن وصَلَهم وصَلْتُهُ ومَن قَطَعَهم قَطَعْتُهُ فالأرْحامُ الحَقِيقِيَّةُ هي قَرابَةُ المَبادِئِ العالِيَةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا ﴾ ناظِرًا إلى قُلُوبِكم مُطَّلِعًا عَلى ما فِيها فَإذا رَأى فِيها المَيْلَ إلى السَّوِيِّ وسُوءِ الظَّنِّ بِأهْلِ حَضْرَتِهِ ارْتَحَلَتْ مَطايا أنْوارِهِ مِنها فَبَقِيَتْ بَلاقِعَ تَتَجاوَبُ في أرْجائِها البُومُ ﴿ وآتُوا اليَتامى ﴾ وهم يَتامى القُوى الرُّوحانِيَّةِ المُنْقَطِعِينَ عَنْ تَرْبِيَةِ الرُّوحِ القُدْسِيِّ الَّذِي هو أبُوهم ﴿ أمْوالَهُمْ ﴾ وهي حُقُوقُهم مِنَ الكِمالاتِ ﴿ ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ بِأنْ تُعْطُوا الطَّيِّبَ مِنَ الصِّفاتِ وتُذَيِّلُوهُ وتَأْخُذُوا بَدَلَهُ الخَبِيثَ مِنها وتَتَّصِفُوا بِهِ ﴿ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ بِأنْ تَخْلِطُوا الحَقَّ بِالباطِلِ ﴿ إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ أيْ حِجابًا عَظِيمًا ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا ﴾ أيْ تَعْدِلُوا في تَرْبِيَةِ يَتامى القَوِيِّ ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ لِتَقِلَّ شَهَواتُكم وتَحْفَظُوا فُرُوجَكم فَتَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلى التَّرْبِيَةِ لِما يَحْصُلُ لَكم مِنَ التَّزْكِيَةِ عَنِ الفاحِشَةِ ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا ﴾ بَيْنَ النِّساءِ فَتَقَعُوا في نَحْوِ ما هَرَبْتُمْ مِنهُ ﴿ فَواحِدَةً ﴾ تَكْفِيكم في تَحْصِيلِ غَرَضِكم ﴿ وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ مُهُورَهُنَّ ﴿ نِحْلَةً ﴾ عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّخْلِيَةِ عَنِ البُخْلِ والغَدْرِ والتَّحْلِيَةِ بِالوَفاءِ والكَرَمِ، وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يُرَبِّي بِهِ القَوِيُّ ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ ولا تَأْنَفُوا وتَتَكَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ وهَذا أيْضًا نَوْعٌ مِنَ التَّرْبِيَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّخْلِيَةِ عَنِ الكِبَرِ والأنَفَةِ والتَّحْلِيَةِ بِالتَّواضُعِ والشَّفَقَةِ ﴿ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ أيْ لا تُودِعُوا النّاقِصِينَ عَنْ مَراتِبِ الكَمالِ أسْرارَكم وعُلُومَكم ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها ﴾ أيْ غَذُّوهم بِشَيْءٍ مِنها ﴿ واكْسُوهُمْ ﴾ أيْ حَلُّوهم ﴿ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ " لِيَنْقادُوا إلَيْكم ويُسَلِّمُوا أنْفُسَهم بِأيْدِيهم ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ أيِ اخْتَبِرُوهم، ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى اخْتِبارِ النّاقِصِينَ مِنَ السّائِرِينَ ﴿ حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ ﴾ وصَلَحُوا لِلْإرْشادِ والتَّرْبِيَةِ ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ أيِ اسْتِقامَةً في الطَّرِيقِ وعَدَمَ تَلَوُّنٍ ﴿ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ ﴾ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَها مِنَ الأسْرارِ الَّتِي لا تُودَعُ إلّا عِنْدَ الأحْرارِ.

والمُرادُ إيصاءُ الكُمَّلِ مِنَ الشُّيُوخِ أنْ يُخْلِفُوا ويَأْذَنُوا بِالإرْشادِ مَن يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ السّالِكِينَ عَلى أيْدِيهِمْ ﴿ ولا تَأْكُلُوها ﴾ أيْ تَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ دُونَهم ﴿ إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ﴾ بِالتَّصَدِّي لِلْإرْشادِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أدْواءِ النَّفْسِ والسُّمُومِ القاتِلَةِ ﴿ ومَن كانَ ﴾ مِنكم ﴿ غَنِيًّا ﴾ بِاللَّهِ لا يَلْتَفِتُ إلى ضَرُوراتِ الحَياةِ أصْلًا ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ عَمّا لِلْمُرِيدِ ﴿ ومَن كانَ فَقِيرًا ﴾ لا يَتَحَمَّلُ الضَّرُورَةَ ﴿ فَلْيَأْكُلْ ﴾ أيْ فَلْيَنْتَفِعْ بِما لِلْمُرِيدِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهو ما كانَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ﴿ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ اللَّهَ تَعالى وأرْواحَ أهْلِ الحَضْرَةِ وخُذُوا العَهْدَ عَلَيْهِمْ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ مَعَ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ لِأنَّهُ المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ والمُطَّلِعُ الَّذِي يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، وهو حَسَبُنا ونَعِمَ الوَكِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ٧

﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ مِنَ الرِّجالِ الأوْلادُ الذُّكُورُ، أوِ الذُّكُورُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كِبارًا أوْ صِغارًا، ومِنَ الأقْرَبِينَ المَوْرُوثُونَ، ومِنَ الوالِدِينَ ما لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ، والجَدُّ والجَدَّةُ داخِلانِ تَحْتَ الأقْرَبِينَ، وذَكَرَ الوَلَدانِ مَعَ دُخُولِهِما أيْضًا اعْتِناءً بِشَأْنِهِما، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الوالِدَيْنِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِها فَيَشْمَلُ الجَدَّ والجَدَّةَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَوْرِيثُ أوْلادِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ الأوْلادِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ التَّوْرِيثِ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعْلُومٌ مِن أمْرٍ آخَرَ لا يَخْفى، والنَّصِيبُ الحَظُّ كالنَّصْبِ بِالكَسْرِ ويُجْمَعُ عَلى أنْصِباءَ وأنْصِبَةٍ، ومِن في مِمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ أيْ نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تُرِكَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِنَصِيبٍ.

﴿ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ المُرادُ مِنَ النِّساءِ البَناتُ مُطْلَقًا أوِ الإناثُ كَذَلِكَ، وإيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرَجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ السّالِفِينَ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأمْرِهِنَّ والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ، والإشارَةُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُورِثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ ورُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ وقِيلَ: أوْسُ بْنُ مالِكٍ، وقِيلَ: ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقِيلَ: أوْسُ بْنُ الصّامِتِ وهو خَطَأٌ لِأنَّهُ تُوُفِّيَ في زَمَنِ خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ماتَ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وابْنًا صَغِيرًا وزَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةَ، وقِيلَ: بِنْتُ كُحَّةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُحْلَةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُلْثُومٍ فَجاءَ أبْناءُ عَمِّهِ خالِدٌ أوْ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ، وعَرْفَجَةُ فَأخَذا مِيراثَهُ كُلَّهُ فَقالَتِ امْرَأتُهُ لَهُما: تَزَوَّجا بِالِابْنَتَيْنِ وكانَتْ بِهِما دَمامَةٌ فَأبَيا فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أدْرِي ما أقُولُ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ﴾ الآيَةَ فَأرْسَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ابْنَيِ العَمِّ فَقالَ: لا تُحَرِّكا مِنَ المِيراثِ شَيْئًا فَإنَّهُ قَدْ أُنْزَلَ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ أُخْبِرْتُ فِيهِ أنَّ لِلذَّكَرِ والأُنْثى نَصِيبًا ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَلِيمًا ﴾ ثُمَّ نَزَلَ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ فَدَعى  بِالمِيراثِ فَأعْطى المَرْأةَ الثَّمَنَ وقَسَّمَ ما بَقِيَ بَيْنَ الأوْلادِ لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ولَمْ يُعْطِ ابْنَيِ العَمِّ شَيْئًا»»، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّ المَيِّتَ خَلَّفَ زَوْجَةً وبِنْتَيْنِ وابْنَيْ عَمٍّ فَأعْطى  الزَّوْجَةَ الثُّمْنَ والبِنْتَيْنِ الثُّلْثَيْنِ وابْنَيِ العَمِّ الباقِيَ.

وفِي الخَبَرِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ، ومَن عَمَّمَ الرِّجالَ والنِّساءَ وقالَ: إنَّ الأقْرَبِينَ عامٌّ لِذَوِي القَرابَةِ النِّسْبِيَّةِ والسَّبَبِيَّةِ جَعَلَ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةً لِحُكْمِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ واسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما الإرْثَ مِن صاحِبِهِ، ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ وقالَ: إنَّ الأقْرَبِينَ خاصٌّ بِذَوِي القُرْبَةِ النِّسْبِيَّةِ جَعَلَ فَهْمَ الِاسْتِحْقاقِ كَفَهْمِ المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الآياتِ، وعَلَّلَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأوْلادِ والبَناتِ هُنا بِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ اليَتامى واحْتَجَّ الحَنَفِيَّةُ والإمامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ قالُوا: لِأنَّ العَمّاتِ والخالاتِ وأوْلادَ البَناتِ مِنَ الأقْرَبِينَ فَوَجَبَ دُخُولُهم تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلرِّجالِ ﴾ إلَخْ غايَةَ ما في البابِ أنَّ قَدْرَ ذَلِكَ النَّصِيبِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا نُثْبِتُ كَوْنَهم مُسْتَحِقِّينَ لِأصْلِ النَّصِيبِ بِها، وأمّا المِقْدارُ فَمُسْتَفادٌ مِن سائِرِ الدَّلائِلِ، والإمامِيَّةُ فَقَطْ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُورَثُونَ كَغَيْرِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا رَدُّهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.

﴿ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ ﴾ بَدَلٌ مِن ما الأخِيرَةِ بِإعادَةِ العامِلِ قَبْلُ؛ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَعْتَبِرُوا كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِاسْتِلْزامِهِ إبْدالَ مِن مِن مِن، واتِّحادُ اللَّفْظِ في البَدَلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تَرْكِ أيٍّ مِمّا تَرَكَهُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا أوْ مُسْتَقِرًّا مِمّا قَلَّ، ومِثْلُ هَذا القَيْدِ مُعْتَبَرٌ في الجُمْلَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هُنا، وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ بَعْضِ الأمْوالِ بِبَعْضِ الوَرَثَةِ كالخَيْلِ وآلاتِ الحَرْبِ لِلرِّجالِ، وبِهَذا يَرُدُّ عَلى الإمامِيَّةِ لِأنَّهم يَخُصُّونَ أكْبَرَ أبْناءِ المَيِّتِ مِن تَرِكَتِهِ بِالسَّيْفِ والمُصْحَفِ والخاتَمِ واللِّباسِ البَدَنِيِّ بِدُونِ عِوَضٍ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ، وهَذا مِنَ الغَرِيبِ كَعَدَمِ تَوْرِيثِ الزَّوْجَةِ مِنَ العَقارِ مَعَ أنَّ الآيَةَ مُفِيدَةٌ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقًّا مِن كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ، وتَقْدِيمُ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ مِن بابِ ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ .

﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ نُصِبَ إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِتَأْوِيلِهِ بِعَطاءٍ ونَحْوِهِ مِنَ المَعانِي المَصْدَرِيَّةِ وإلّا فَهو اسْمٌ جامِدٌ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مَصْدَرُ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَلَّ وكَثُرَ أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ صِفَةً، أوْ مِن نَصِيبٍ لِكَوْنِ وصْفِهِ بِالظَّرْفِ سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا إذِ المَعْنى ثَبَتَ لَهم مَفْرُوضًا نَصِيبٌ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مُوَطِّئَةٌ والحالُ في الحَقِيقَةِ وصْفُهُ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أوْجَبَ لَهم نَصِيبًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ أعْنِي ونَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ مِمّا أنْكَرَهُ أبُو حَيّانَ لِنَصِّهِمْ عَلى اشْتِراطِ عَدَمِ التَّنْكِيرِ في الِاسْمِ المَنصُوبِ عَلَيْهِ، والفَرْضُ كالضَّرْبِ التَّوْقِيتُ ومِنهُ: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ والحَزَّ في الشَّيْءِ كالتَّفْرِيضِ وما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى كالمَفْرُوضِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ لَهُ مَعالِمَ وحُدُودًا، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى القَطْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ أيْ مُقْتَطَعًا مَحْدُودًا كَما في «الصَّحّاحِ»، فَمَفْرُوضًا هُنا إمّا بِمَعْنى مُقْتَطَعًا مَحْدُودًا كَما في تِلْكَ الآيَةِ، وإمّا بِمَعْنى ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى أيْ نَصِيبًا أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.

وفَرَّقَ الحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الفَرْضِ والواجِبِ بِأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ الكَفِّ المُتَعَلِّقِ بِهِ خِطابٌ بِطَلَبِ فِعْلٍ بِحَيْثُ يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ في جَمِيعِ وقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقابِ إنْ ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ، فَفَرَضَ كَقِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ الثّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ وإنْ ثَبَتَ بِظَنِّي فَهو الواجِبُ نَحْوَ تَعْيِينِ الفاتِحَةِ الثّابِتِ بِقَوْلِهِ  : «لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ» وهو آحادٌ، ونَفْيُ الفَضِيلَةِ مُحْتَمَلٌ ظاهِرٌ، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى تَرادُفِهِما، واحْتَجَّ كُلٌّ لِمُدَّعاهُ بِما احْتَجَّ بِهِ، والنِّزاعُ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ لَفْظِيٌّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا نِزاعَ لِلشّافِعِيِّ في تَفاوُتِ مَفْهُومَيِ الفَرْضِ والواجِبِ في اللُّغَةِ ولا في تَفاوُتِ ما ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَحُكْمِ الكِتابِ وما ثَبَتَ بِدَلِيلِ ظَنِّي كَحُكْمِ خَبَرِ الواحِدِ في الشَّرْعِ، فَإنَّ جاحِدَ الأوَّلِ كافِرٌ دُونَ الثّانِي، وتارِكَ العَمَلِ بِالأوَّلِ مُؤَوَّلًا فاسِقٌ دُونَ الثّانِي، وإنَّما يَزْعُمُ أنَّ الفَرْضَ والواجِبَ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَنقُولانِ عَنْ مَعْناهُما اللُّغَوِيِّ إلى مَعْنًى واحِدٍ هو ما يُمْدَحُ فاعِلُهُ ويُذَمُّ تارِكُهُ شَرْعًا سَواءٌ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ، وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ، فَلا مَعْنى لِلِاحْتِجاجِ بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الكِتابِ وخَبَرِ الواحِدِ مُوجِبٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِما، أوْ بِأنَّ الفَرْضَ في اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ والوُجُوبُ هو السُّقُوطُ، فالفَرْضُ عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْنا، والواجِبُ ما سَقَطَ عَلَيْنا بِطَرِيقِ الظَّنِّ ولا يَكُونُ المَظْنُونُ مُقَدَّرًا ولا المَعْلُومُ القَطْعِيُّ ساقِطًا عَلَيْنا عَلى أنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لَوْ سُلِّمَ مُلاحَظَةُ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فَلا نُسَلِّمُ امْتِناعَ أنْ يَثْبُتَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُقَدَّرًا عَلَيْنا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وكَوْنُهُ ساقِطًا عَلَيْنا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُمُ: الفَرْضُ أيِ المَفْرُوضُ المُقَدَّرُ في المَسْحِ هو الرُّبْعُ، وأيْضًا الحَقُّ أنَّ الوُجُوبَ في اللُّغَةِ هو الثُّبُوتُ، وأمّا مَصْدَرُ الواجِبِ بِمَعْنى السّاقِطِ والمُضْطَرِبِ إنَّما هو الوَجْبَةُ والوَجِيبُ، ثُمَّ اسْتِعْمالُ الفَرْضِ فِيما ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ والواجِبُ فِيما ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ شائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَقَوْلِهِمُ: الوَتْرُ فَرْضٌ، وتَعْدِيلُ الأرْكانِ فَرْضٌ ونَحْوَ ذَلِكَ، ويُسَمّى فَرْضًا عَمَلِيًّا، وكَقَوْلِهِمُ: الصَّلاةُ واجِبَةٌ والزَّكاةُ واجِبَةٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ سُقُوطُ كَلامِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ في رَدِّ اسْتِدْلالِ الحَنَفِيَّةِ بِما تَقَدَّمَ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ بِأنَّ الواجِبَ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ ما عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ، والمَفْرُوضُ ما عُلِمَ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ، وتَوْرِيثُ ذَوِي الأرْحامِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِالِاتِّفاقِ، فَعَرَفْنا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ مِنَ الآيَةِ ووَجْهُ السُّقُوطِ ظاهِرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.

واحْتَجَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ وهو مَذْهَبُ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ٨

﴿ وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ ﴾ أيْ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ بَيْنَ أرْبابِها وهي مَفْعُولٌ بِهِ، وقُدِّمَتْ لِأنَّها المَبْحُوثُ عَنْها ولِأنَّ في الفاعِلِ تَعَدُّدًا فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ يَفُوتُ تَجاذُبُ أطْرافِ الكَلامِ وقِيلَ: قُدِّمَتْ لِتَكُونَ أمامَ الحاضِرِينَ في اللَّفْظِ كَما أنَّها أمامَهم في الواقِعِ، وهي نُكْتَةٌ لِلتَّقْدِيمِ لَمْ أرَ مَن ذَكَرَها مِن عُلَماءِ المَعانِي.

﴿ أُولُو القُرْبى ﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ لِكَوْنِهِ عاصِبًا مَحْجُوبًا أوْ لِكَوْنِهِ مِن ذَوِي الأرْحامِ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الوَرَثَةِ قَبْلَهُ ﴿ واليَتامى والمَساكِينُ ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿ فارْزُقُوهم مِنهُ ﴾ أيْ أعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المالِ أوِ المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما وهو أمْرُ نَدْبٍ كُلِّفَ بِهِ البالِغُونَ مِنَ الوَرَثَةِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المَذْكُورِينَ وتَصَدُّقًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أمْرُ وُجُوبٍ واخْتُلِفَ في نَسْخِهِ فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا نَسْخَ والآيَةُ مَحْكَمَةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ ﴾ الآيَةَ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ فَجُعِلَ لِكُلِّ إنْسانٍ نُصِيبُهُ مِمّا تَرَكَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ.

وحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ مِن أُولِي القُرْبى هُنا الوارِثُونَ، ومِنَ ( اليَتامى والمَساكِينِ ) غَيْرِ الوارِثِينَ وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فارْزُقُوهم مِنهُ ﴾ راجِعٌ إلى الأوَّلِينَ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ راجِعٌ لِلْآخِرِينَ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، والمُتَبادَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وهَذا القَوْلُ لِلْمَرْزُوقِينَ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ويَعْتَذِرُوا مِن ذَلِكَ ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا ٩

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى أوْ يَخافُوا عَلى أوْلادِهِمْ فَيَفْعَلُوا مَعَ اليَتامى ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُوتُ ولَهُ أوْلادٌ صِغارٌ ضِعافٌ يَخافُ عَلَيْهِمُ العَيْلَةَ والضَّيْعَةَ ويَخافُ بَعْدَهُ أنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِمْ مَن يَلِيهِمْ يَقُولُ: فَإنْ ولِيَ مَثَلَ ذُرِّيَّتِهِ ضِعافًا يَتامى فَلْيُحْسِنْ إلَيْهِمْ ولا يَأْكُلْ أمْوالَهم إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والآيَةُ عَلى هَذا مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِلرِّجالِ ) إلَخْ في مَعْنى الأمْرِ لِلْوَرَثَةِ أيْ أعْطُوهم حَقَّهم دَفْعًا لِأمْرِ الجاهِلِيَّةِ ولْيَحْفَظِ الأوْصِياءُ ما أُعْطَوْهُ ويَخافُوا عَلَيْهِمْ كَما يَخافُونَ عَلى أوْلادِهِمْ، وقِيلَ في وجْهِ الِارْتِباطِ: إنَّ هَذا وصِيَّةٌ لِلْأوْصِياءِ بِحِفْظِ الأيْتامِ بَعْدَ ما ذَكَرَ الوارِثِينَ الشّامِلِينَ لِلصِّغارِ والكِبارِ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، ونُسِبَ نَحْوُ هَذا إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدَ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي الرَّجُلَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ فَيُقالُ لَهُ: تَصَدَّقْ مِن مالِكَ وأعْتِقْ وأعْطِ مِنهُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَنُهُوا أنْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ يَعْنِي أنَّ مَن حَضَرَ مِنكم مَرِيضًا عِنْدَ المَوْتِ فَلا يَأْمُرْهُ أنْ يُنْفِقَ مِن مالِهِ في العِتْقِ أوْ في الصَّدَقَةِ أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَكِنْ يَأْمُرُهُ أنْ يُبَيِّنَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِن دَيْنٍ، ويُوصِي مِن مالِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ يُوصِي لَهم بِالخُمْسِ أوِ الرُّبْعِ يَقُولُ: ألَيْسَ أحَدُكم إذا ماتَ ولَهُ ولَدٌ ضِعافٌ يَعْنِي صِغارٌ لا يَرْضى أنْ يَتْرُكَهم بِغَيْرِ مالٍ فَيَكُونُوا عِيالًا عَلى النّاسِ؟

فَلا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَأْمُرُوهُ بِما لا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأنْفُسِكم ولِأوْلادِكم ولَكِنْ قُولُوا الحَقَّ مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ أوَّلُ الكَلامِ لِلْأوْصِياءِ وما بَعْدَهُ لِلْوَرَثَةِ، وهَذا لِلْأجانِبِ بِأنْ لا يَتْرُكُوهُ يَضُرُّهم أوْ لا يَأْمُرُوهُ بِما يَضُرُّ، فالآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها أيْضًا.

وثالِثُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم، واتِّصالُ الكَلامِ عَلى هَذا بِما قَبْلَهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ حَثٌّ عَلى الإيتاءِ لَهم وأمْرُهم بِأنْ يَخافُوا مِن حِرْمانِهِمْ كَما يَخافُونَ مِن حِرْمانِ ضِعافِ ذَرِّيَّتِهِمْ.

ورابِعُها: أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا تَبْلُغَ الوَصِيَّةُ الثُّلُثَ ويَقُولُونَ: إنَّ الخُمْسَ أفْضَلُ مِنَ الرُّبْعِ والرُّبْعَ أفْضَلُ مِنَ الثُّلُثِ، ووَرَدَ في الخَبَرِ ما يُؤَيِّدُهُ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ المَرْضى وأصْحابُ الوَصِيَّةِ أمَرَهم بِعَدَمِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ خَوْفًا عَلى ذُرِّيَّتِهِمُ الضِّعافِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ أنَّهُمُ المُشارِفُونَ لِذَلِكَ ويَكُونُ التَّخْوِيفُ مِن أكْلِ مالِ اليَتامى بَعْدَهُ تَخْوِيفًا عَنْ أخْذِ ما زادَ مِنَ الوَصِيَّةِ فَيَرْتَبِطُ بِهِ، ويَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ تَتْمِيمًا لِأمْرِ الأوْصِياءِ والوَرَثَةِ بِأمْرِ مَرْضى المُؤْمِنِينَ، وهَذا أبْعَدُ الوُجُوهِ وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ بِالشَّفَقَةِ عَلى ذَوِي القُرْبى بِأنْ لا يَقُولَ لِلْمَرِيضِ لا تُوصِ لِأقارِبِكَ ووَفِّرْ عَلى ذُرِّيَّتِكَ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ: بِأنَّهُ أمْرٌ لِلْقاسِمِينَ بِالعَدْلِ بَيْنَ الوَرَثَةِ في القِسْمَةِ بِأنْ لا يُراعُوا الكَبِيرَ مِنهم فَيُعْطُوهُ الجَيِّدَ مِنَ التَّرِكَةِ ولا يَلْتَفِتُوا إلى الصَّغِيرِ ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَمّا كانَتِ الصِّلَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً لِلْخاطِبِ ثابِتَةً لِلْمَوْصُولِ كالصِّفَةِ قالُوا: إنَّها هُنا كَذَلِكَ أيْضًا وأنَّ المَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ.

وذَهَبَ الأُجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ لَوْ بِمَعْنى إنْ فَتَقْلِبُ الماضِيَ إلى الِاسْتِقْبالِ، وأوْجَبُوا حَمْلَ ( تَرَكُوا ) عَلى المُشارَفَةِ لِيَصِحَّ وُقُوعُ خافُوا جَزاءً لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خَوْفَ بَعْدَ حَقِيقَةِ المَوْتِ وتَرْكِ الوَرَثَةِ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُشْعِرِ بِالعِلِّيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ أنْ لا يُضَيِّعُوا اليَتامى حَتّى لا تَضِيعَ أوْلادُهم، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهم إنْ فَعَلُوهُ أضاعَ اللَّهُ أوْلادَهم، ورَمَزَ إلى أنَّهم إنْ راعَوُا الأمْرَ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى أوْلادَهم، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: كُنّا في القُسْطَنْطِينِيَّةِ أيّامَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وفِينا ابْنُ مُحَيْرِيزٍ وابْنُ الدَّيْلِمِيِّ وهانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ فَجَعَلْنا نَتَذاكَرُ ما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ فَضِقْتُ ذَرْعًا مِمّا سَمِعْتُ فَقُلْتُ لِابْنِ الدَّيْلِمِيِّ: يا أبا بِشْرٍ يَوَدُّنِي أنَّهُ لا يُولَدُ لِي ولَدٌ أبَدًا فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى مَنكِبِي وقالَ: يا ابْنَ أخِي لا تَفْعَلْ فَإنَّهُ لَيْسَتْ مِن نَسَمَةٍ كَتَبَ اللَّهُ أنَّ تَخْرُجَ مِن صُلْبِ رَجُلٍ إلّا وهي خارِجَةٌ إنْ شاءَ وإنْ أبى، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أمْرٍ إنْ أنْتَ أدْرَكْتَهُ نَجّاكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ وإنْ تَرَكْتَ ولَدًا مِن بَعْدِكَ حَفِظَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيكَ؟

قُلْتُ: بَلى، فَتَلا ﴿ ولْيَخْشَ الَّذِينَ ﴾ الآيَةَ.

وفِي وصْفِ الذَّرِّيَّةِ بِالضِّعافِ بَعْثٌ عَلى التَّرَحُّمِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن خَلْفِهِمْ ظَرْفٌ لَتَرَكُوا، وفي التَّصْرِيحِ بِهِ مُبالَغَةٌ في تَهْوِيلِ تِلْكَ الحالَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ( ذُرِّيَّةً ) و( ﴿ ضِعافًا ﴾ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلى الأصْلِ وبِالإمالَةِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِأنَّهُ مَكْسُورٌ مُقَدَّمٌ فَفِيهِ انْحِدارٌ، وكَذَلِكَ ﴿ خافُوا ﴾ يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلى الأصْلِ وبِالإمالَةِ لِأنَّ الخاءَ تَنْكَسِرُ في بَعْضِ الأحْوالِ وهو خِفْتُ؛ وقُرِئَ ضُعَفاءَ، وضَعافى وضُعافى، نَحْوَ سَكارى وسُكارى.

﴿ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في ذَلِكَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وإنَّما أمَرَهم سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى ولَمّا لَمْ يَنْفَعِ الأوَّلُ بِدُونِ الثّانِي لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِلْزامِهِ لَهُ عادَةً ﴿ ولْيَقُولُوا ﴾ لِلْيَتامى أوْ لِلْمَرِيضِ أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ، أوْ لِيَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ﴿ قَوْلا سَدِيدًا ﴾ فَيَقُولُ الوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ ما يَقُولُ لِوَلَدِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ الهادِي لَهُ إلى حُسْنِ الآدابِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، ويَقُولُ عائِدُ المَرِيضِ ما يُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ والنُّطْقَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ وحُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ بِالوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ، ويَقُولُ الوارِثُ لِحاضِرِ القِسْمَةِ ما يُزِيلُ وحْشَتَهُ أوْ يَزِيدُ مَسَرَّتَهُ، ويَقُولُ المُوصِي في إيصائِهِ ما لا يُؤَدِّي إلى تَجاوُزِ الثُّلُثِ، والسَّدِيدُ عَلى ما قالَ الطَّبَرْسِيُّ المُصِيبُ العَدْلِ المُوافِقِ لِلشَّرْعِ، وقِيلَ: ما لا خَلَلَ فِيهِ، ويُقالُ سَدَّ قَوْلُهُ يَسِدُّ بِالكَسْرِ إذا صارَ سَدِيدًا، وأنَّهُ لَيُسِدُّ في القَوْلِ فَهو مُسِدٌّ إذا كانَ يُصِيبُ السَّدادَ أيِ القَصْدَ، وأمْرٌ سَدِيدٌ وأسَدُّ أيْ قاصِدٌ، والسَّدادُ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ والصَّوابُ، وكَذَلِكَ السَّدَدُ مَقْصُورٌ مِنهُ، وأمّا السِّدادُ بِالكَسْرِ فالبُلْغَةُ وما يُسَدُّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فِيهِ سِدادٌ مِن عَوَزٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وفي «دُرَّةِ الغَوّاصِ في أوْهامِ الخَواصِّ «أنَّهم يَقُولُونَ: سَدادٌ مِن عَوَزٍ فَيَفْتَحُونَ السِّينَ وهو لَحْنٌ والصَّوابُ الكَسْرُ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ بِأنَّهُ وهْمٌ فَإنَّ يَعْقُوبَ بْنَ السِّكِّيتِ سَوّى بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ في «إصْلاحِ المَنطِقِ» في بابِ فِعالٍ وفَعالٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَقالَ: يُقالُ سِدادٌ مِن عَوَزٍ وسَدادٌ، وكَذا حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في «أدَبِ الكاتِبِ»؛ وكَذا في «الصَّحّاحِ» إلّا أنَّهُ زادَ والكَسْرُ أفْصَحُ، نَعَمْ ذُكِرَ فِيها أنَّ سِدادَ القارُورَةِ وسِدادَ الثَّغْرِ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ، وأنْشَدَ قَوْلَ العَرْجِيِّ: أضاعُونِي وأيُّ فَتًى أضاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ”وسِدادِ“ ثَغْرِ فَلْيُحْفَظْ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا ١٠

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي و( ظُلْمًا ) إمّا حالٌ أيْ ظالِمِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ أكْلَ ظُلْمٍ عَلى مَعْنى أكْلًا عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ وإنَّما عُلِّقَ الوَعِيدُ عَلى الأكْلِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْقاقِ كالأُجْرَةِ والقَرْضِ مَثَلًا فَلا يَكُونُ ظُلْمًا ولا الآكِلُ ظالِمًا.

وقِيلَ: ذَكَرَ الظُّلْمَ لِلتَّأْكِيدِ والبَيانِ لِأنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ لا يَكُونُ إلّا ظُلْمًا ومَن أخَذَ مالُ اليَتِيمِ قَرْضًا أوْ أُجْرَةً فَقَدْ أكَلَ مالَ نَفْسِهِ ولَمْ يَأْكُلْ مالَ اليَتِيمِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.

﴿ إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ﴾ أيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، وشاعَ هَذا التَّعْبِيرُ في ذَلِكَ، وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الظَّرْفِيَّةِ المُتَبادَرُ مِنها الإحاطَةُ بِحَيْثُ لا يُفَضَّلُ الظَّرْفُ عَنِ المَظْرُوفِ فَيَكُونُ الأكْلُ في البَطْنِ مِلْءَ البَطْنِ، وفي بَعْضِ البَطْنِ دُونَهُ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ الأُصُولِيِّينَ: إنَّ الظَّرْفَ إذا جُرَّ بِفي لا يَكُونُ بِتَمامِهِ ظَرْفًا بِخِلافِ المَقْدِرَةِ فِيهِ، فَنَحْوَ سِرْتُ يَوْمَ الخَمِيسِ لِتَمامِهِ وفي يَوْمِ الخَمِيسِ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ قالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُما كَما بُيِّنَ في النَّحْوِ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ الظّاهِرُ: إنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ فِيما يَصِحُّ جَرُّهُ بِفي ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أكَلَ بَطْنَهُ بِمَعْنى في بَطْنِهِ فَلَيْسَ مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ في شَيْءٍ، وهو مِثْلُ جَعَلْتُ المَتاعَ في البَيْتِ فَهو صادِقٌ بِمَلْئِهِ وبِعَدَمِهِ لَكِنَّ الأصْلَ الأوَّلُ كَما ذَكَرُوهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ البُطُونِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ والقَلْبُ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ والطَّيْرُ لا يَطِيرُ إلّا بِجَناحٍ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ، ثُمَّ المَظْرُوفُ هُنا المَفْعُولُ أيِ المَأْكُولُ لا الفاعِلُ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ التُّمُرْتاشِيِّ في الإيمانِ أنَّهُ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ كَما إذا قُلْتَ: إنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا في الدّارِ، أوْ في المَسْجِدِ فَكَذا فَإنْ كانا مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ، أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، ولِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ: إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، ولَوْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنَّما كانَ الرَّمْيُ في الأوَّلِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إرْسالُ السَّهْمِ مِنَ القَوْسِ بِنِيَّتِهِ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَحَلِّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُصُولِ فِعْلِ الفاعِلِ، وفي الثّانِي مِمّا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إرْسالُ السَّهْمِ، أوْ ما يُضاهِيهِ عَلى وجْهٍ يَصِلُ إلى المَرْمِيِّ إلَيْهِ فَيَجْرَحُهُ أوْ يُوجِعُهُ ويُؤْلِمُهُ، ولا شَكَّ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن قَبِيلِ هَذا القِسْمِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْكُلُونَ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( نارًا 0 أيْ ما يَجُرُّ إلَيْها فالنّارُ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن ذِكْرِ المُسَبَّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ، وجُوِّزَ في ذَلِكَ الِاسْتِعارَةُ عَلى تَشْبِيهِ ما أُكِلَ مِن أمْوالِ اليَتامى بِالنّارِ لِمَحْقِ ما مَعَهُ، واسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى جَوازِ حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ، فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: مَن أكَلَ مالَ اليَتِيمِ فَإنَّهُ يُؤْخَذُ بِمِشْفَرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُمْلَأُ فَمُهُ جَمْرًا ويُقالُ لَهُ كُلْ ما أكَلْتَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يَدْخُلُ السَّعِيرَ الكُبْرى.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «حَدَّثَنِي النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ أُسَرِي بِهِ قالَ: ”نَظَرْتُ فَإذا أنا بِقَوْمٍ لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ فَيَقْذِفُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَخْرُجَ مِن أسافِلِهِمْ ولَهم خُوارٌ وصُراخٌ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟

قالَ: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا“ ﴿ وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ » أيْ سَيَدْخُلُونَ نارًا هائِلَةً مُبْهَمَةَ الوَصْفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وقُرِئَ ( وسَيَصَلَّوْنَ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، وفي «الصَّحّاحِ» يُقالُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ وغَيْرَهُ أصْلِيهِ صَلْيًا مِثْلَ رَمَيْتُهِ رَمْيًا إذا شَوَيْتَهُ، وصَلَيْتُ الرَّجُلَ نارًا إذا أدْخَلْتَهُ وجَعَلْتَهُ يَصْلاها فَإنْ ألْقَيْتَهُ فِيها إلْقاءً كَأنَّكَ تُرِيدُ الإحْراقَ قُلْتُ: أصْلَيْتُهُ بِالألِفِ وصَلَّيْتُهُ تَصْلِيَةً، ويُقالُ: صَلّى بِالأمْرِ إذا قاسى حَرَّهُ وشِدَّتَهُ، قالَ الطُّهَوِيُّ: ولا تَبْلى بَسالَتُهم وإنْ هم ∗∗∗ صَلُوا " بِالحَرْبِ حِينًا بَعْدَ حِينِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أصْلَ الصَّلْيِ القُرْبُ مِنَ النّارِ وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في الدُّخُولِ مَجازًا، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ فَيُقالُ: صَلِيَ بِالنّارِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ تارَةً أوْ بِنَفْسِهِ أُخْرى ولَعَلَّهُ بِمَعْنَيَيْنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما في «الصَّحّاحِ»، والسَّعِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن سَعَّرْتُ النّارَ إذا أوْقَدْتَها وألْهَبْتَها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّعِيرَ وادٍ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِأهْلِ الشِّرْكِ حِينَ كانُوا لا يُورِثُونَهم أيِ اليَتامى ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ خاصٌّ بِأهْلِ الشِّرْكِ فَقَطْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ أرادَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ فَلا بَأْسَ بِهِ إذِ العِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ واحْتَرَزُوا عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى بِالكُلِّيَّةِ فَصَعُبَ الأمْرُ عَلى اليَتامى فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تُخالِطُوهُمْ ﴾ الآيَةَ» .

<div class="verse-tafsir"

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١١

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ﴾ إلَخْ، «والوَصِيَّةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يُقَدَّمَ إلى الغَيْرِ ما يَعْمَلُ فِيهِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ مِن قَوْلِهِمْ: «أرْضٌ واصِيَةٌ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ» وهي في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لَهُ بِعَمَلِ ما عُهِدَ إلَيْهِ، فالمُرادُ يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ ويَفْرِضُ عَلَيْكم، وبِالثّانِي: فَسَّرَهُ في «القامُوسِ» وعَدَلَ عَنِ الأمْرِ إلى الإيصاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى الِاهْتِمامِ وطَلَبِ الحُصُولِ بِسُرْعَةٍ.

﴿ فِي أوْلادِكُمْ ﴾ أيْ في تَوْرِيثِ أوْلادِكم، أوْ في شَأْنِهِمْ وقَدَّرَ ذَلِكَ لِيَصِحَّ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ، وقِيلَ: في بِمَعْنى اللّامِ كَما في خَبَرِ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» أيْ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ يُوصِيكم في أوْلادِ مَوْتاكم لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ الحَيُّ بِقِسْمَةِ المِيراثِ في أوْلادِهِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِذَوِي الأوْلادِ عَلى مَعْنى يُوصِيكم في تَوْرِيثِهِمْ إذا مُتُّمْ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ كَما لَوْ فُسِّرَ يُوصِيكم بِيُبَيِّنُ لَكم، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالأوْلادِ لِأنَّهم أقْرَبُ الوَرَثَةِ إلى المَيِّتِ وأكْثَرُهم بَقاءً بَعْدَ المُوَرِّثِ، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعُودُنِي وأنا مَرِيضٌ فَقُلْتُ كَيْفَ أُقَسِّمُ مالِي بَيْنَ ولَدِي؟

فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا فَنَزَلَتْ: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ » في مَوْضِعِ التَّفْصِيلِ والبَيانِ لِلْوَصِيَّةِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ؛ وجَعَلَها أبُو البَقاءِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِيُوصِي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى القَوْلِ أوِ الفَرْضِ أوِ الشَّرْعِ وفِيهِ تَكَلُّفٌ، والمُرادُ أنَّهُ يُعِدُّ كُلَّ ذَكَرٍ بِأُنْثَيَيْنِ حَيْثُ اجْتَمَعَ الصِّنْفانِ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ واتَّحَدَتْ جِهَةُ إرْثِهِما فَيُضَعِّفُ لِلذَّكَرِ نَصِيبَهُ كَذا قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بَيانُ حُكْمِ اجْتِماعِ الِابْنِ والبِنْتِ عَلى الإطْلاقِ.

ولا بُدَّ في الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الأوْلادِ مَحْذُوفٍ ثِقَةً بِظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، والتَّقْدِيرُ هُنا لِلذَّكَرِ مِنهم فَتَدَبَّرْ، وتَخْصِيصُ الذَّكَرِ بِالتَّنْصِيصِ عَلى حَظِّهِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى كَوْنِ الآيَةِ نَزَلَتْ في المَشْهُورِ لِبَيانِ المَوارِيثِ رَدًّا لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَوْرِيثِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ الِاهْتِمامُ بِالإناثِ، وأنْ يُقالَ: لِلْأُنْثَيَيْنِ مِثْلُ حَظِّ الذَّكَرِ لِأنَّ الذَّكَرَ أفْضَلُ، ولِأنَّ ذِكْرَ المَحاسِنِ ألْيَقُ بِالحَكِيمِ مِن غَيْرِهِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الإحْسانِ وكَرَّرَهُ دُونَ الإساءَةِ، ولِأنَّ في ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّضْعِيفَ كافٍ في التَّفْضِيلِ فَكَأنَّهُ حَيْثُ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ قِيلَ لَهم: كَفى الذُّكُورَ أنْ ضُوعِفَ لَهم نَصِيبُ الإناثِ فَلا يُحْرَمْنَ عَنِ المِيراثِ بِالكُلِّيَّةِ مَعَ تَساوِيهِما في جِهَةِ الإرْثِ.

وإيثارُ اسْمَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى عَلى ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اسْتِواءِ الكِبارِ والصِّغارِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاسْتِحْقاقِ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلْبُلُوغِ والكِبْرِ في ذَلِكَ أصْلًا كَما هو زَعْمُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الأطْفالَ كالنِّساءِ، والحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى جَعَلَ نَصِيبَ الإناثِ مِنَ المالِ أقَلَّ مِن نَصِيبِ الذُّكُورِ نُقْصانُ عَقْلِهِنَّ ودِينِهِنَّ كَما جاءَ في الخَبَرِ مَعَ أنَّ احْتِياجَهُنَّ إلى المالِ أقَلُّ لِأنَّ أزْواجَهُنَّ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِنَّ وشَهْوَتُهُنَّ أكْثَرُ فَقَدْ يَصِيرُ المالُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ فُجُورِهِنَّ، ومِمّا اشْتُهِرَ: إنَّ الشَّبابَ والفَراغَ والجِدَهْ مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ حَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ أخَذَتْ حَفْنَةً مِنَ الحِنْطَةِ وأكَلَتْ وأخَذَتْ أُخْرى وخَبَأتْها ثُمَّ أُخْرى ودَفَعَتْها إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا جَعَلَتْ نَصِيبَ نَفْسَها ضِعْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ قُلِبَ الأمْرُ عَلَيْها فَجُعِلَ نَصِيبُ المَرْأةِ نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ، ذَكَرَهُ بَعْضُهم ولَمْ أقِفْ عَلى صِحَّتِهِ.

ثُمَّ مَحَلُّ الإرْثِ إنْ لَمْ يَقُمْ مانِعٌ كالرِّقِّ والقَتْلِ واخْتِلافِ الدِّينِ كَما لا يَخْفى، واسْتُثْنِيَ مِنَ العُمُومِ المِيراثُ مِنَ النَّبِيِّ  بِناءً عَلى القَوْلِ بِدُخُولِهِ  في العُمُوماتِ الوارِدَةِ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المُتَناوِلَةِ لَهُ لُغَةً، والدَّلِيلُ عَلى الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ  : ”«نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ“» وأخَذَ الشِّيعَةُ بِالعُمُومِ وعَدَمِ الِاسْتِثْناءِ وطَعَنُوا بِذَلِكَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُوَرِّثِ الزَّهْراءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن تَرِكَةِ أبِيها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى قالَتْ لَهُ بِزَعْمِهِمْ: يا ابْنَ أبِي قُحافَةَ أنْتَ تَرِثُ أباكَ وأنا لا أرِثُ أبِي أيُّ إنْصافٍ هَذا؟

وقالُوا: إنَّ الخَبَرَ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ وبِتَسْلِيمِ أنَّهُ رَواهُ غَيْرُهُ أيْضًا فَهو غَيْرُ مُتَواتِرٍ بَلْ آحادٌ، ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الكِتابِ بِخَبَرِ الآحادِ بِدَلِيلِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَدَّ خَبَرَ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةً لِما كانَ مُخَصَّصًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أسْكِنُوهُنَّ ﴾ فَقالَ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتابَ رَبِّنا وسُنَّةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِ امْرَأةٍ.

فَلَوْ جازَ تَخْصِيصُ الكِتابِ بِخَبَرِ الآحادِ لَخُصِّصَ بِهِ ولَمْ يَرُدَّهُ ولَمْ يَجْعَلْ كَوْنَهُ خَبَرَ امْرَأةٍ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْكِتابِ مانِعًا مِن قَبُولِهِ، وأيْضًا العامُّ وهو الكِتابُ قَطْعِيٌّ، والخاصُّ وهو خَبَرُ الآحادِ ظَنِّيٌّ فَيَلْزَمُ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ.

وقالُوا أيْضًا: إنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَذِبِ الخَبَرِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ ﴿ يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ الأنْبِياءَ يَرِثُونَ ويُورَثُونَ.

والجَوابُ أنَّ هَذا الخَبَرَ قَدْ رَواهُ أيْضًا حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ والعَبّاسُ وعَلِيٌّ وعُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ فِيهِمْ عَلِيٌّ والعَبّاسُ وعُثْمانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّماءُ والأرْضُ أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لا نُورَثُ ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ؟

قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ والعَبّاسِ فَقالَ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ تَعالى هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ قالَ ذَلِكَ؟

قالا: اللَّهُمَّ نَعَمْ»، فالقَوْلُ بِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَرْوِهِ إلّا أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وفي كُتُبِ الشِّيعَةِ ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدْ رَوى الكَلِينِيُّ في «الكافِي» عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ في الكافِي عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّ العُلَماءَ ورَثَةُ الأنْبِياءِ وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا ولا دِينارًا وإنَّما ورَّثُوا أحادِيثَ فَمَن أخَذَ بِشَيْءٍ مِنها فَقَدْ أخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ» وكَلِمَةُ إنَّما مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ قَطْعًا بِاعْتِرافِ الشِّيعَةِ فَيُعْلَمُ أنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرِّثُونَ غَيْرَ العِلْمِ والأحادِيثِ.

وقَدْ ثَبَتَ أيْضًا بِإجْماعِ أهْلِ السِّيَرِ والتَّوارِيخِ وعُلَماءِ الحَدِيثِ أنَّ جَماعَةً مِنَ المَعْصُومِينَ عِنْدَ الشِّيعَةِ والمَحْفُوظِينَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ عَمِلُوا بِمُوجِبِهِ فَإنَّ تَرَكَةُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما وقَعَتْ في أيْدِيهِمْ لَمْ يُعْطُوا مِنها العَبّاسَ ولا بَنِيهِ ولا الأزْواجَ المُطَهَّراتِ شَيْئًا ولَوْ كانَ المِيراثُ جارِيًا في تِلْكَ التَّرِكَةِ لَشارَكُوهم فِيها قَطْعًا، فَإذا ثَبَتَ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا التَّواتُرَ فَحَبَّذا ذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ جائِزٌ اتِّفاقًا وإنْ لَمْ يَثْبُتْ وبَقِيَ الخَبَرُ مِنَ الآحادِ فَنَقُولُ: إنَّ تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ جائِزٌ عَلى الصَّحِيحِ وبِجَوازِهِ قالَ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ، ويَدُلُّ عَلى جَوازِهِ أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم خُصِّصُوا بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَكانَ إجْماعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ نِكاحُ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها وخالَتِها فَخُصَّ بِقَوْلِهِ  : ««لا تُنْكِحُوا المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها»» والشِّيعَةُ أيْضًا قَدْ خَصَّصُوا عُمُوماتٍ كَثِيرَةً مِنَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ فَإنَّهم لا يُوَرِّثُونَ الزَّوْجَةَ مِنَ العَقارِ ويَخُصُّونَ أكْبَرَ أبْناءِ المَيِّتِ مِن تَرِكَتِهِ بِالسَّيْفِ والمُصْحَفِ والخاتَمِ واللِّباسِ بِدُونِ بَدَلٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ، ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى آحادٍ تَفَرَّدُوا بِرِوايَتِها مَعَ أنَّ عُمُومَ الآياتِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، والِاحْتِجاجُ عَلى عَدَمِ جَوازِ التَّخْصِيصِ بِخَبَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّ عُمَرَ إنَّما رَدَّ خَبَرَ ابْنَةِ قَيْسٍ لِتَرَدُّدِهِ في صِدْقِها وكَذِبِها، ولِذَلِكَ قالَ بِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي أصَدَقَتْ أمْ كَذَبَتْ، فَعَلَّلَ الرَّدَّ بِالتَّرَدُّدِ في صِدْقِها وكَذِبِها لا بِكَوْنِهِ خَبَرَ واحِدٍ، وكَوْنُ التَّخْصِيصِ يَلْزَمُ مِنهُ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ مَرْدُودٌ بِأنَّ التَّخْصِيصَ وقَعَ في الدَّلالَةِ لِأنَّهُ دَفْعٌ لِلدَّلالَةِ في بَعْضِ المَوارِدِ فَلَمْ يَلْزَمْ تَرْكُ القَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ بَلْ هو تَرْكٌ لِلظَّنِّيِّ بِالظَّنِّيِّ وما زَعَمُوهُ مِن دَلالَةِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوهُما عَلى كَذِبِ الخَبَرِ في غايَةِ الوَهْنِ لِأنَّ الوِراثَةَ فِيهِما وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ لا وِراثَةُ العَرُوضِ والأمْوالِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِراثَةَ في الآيَةِ الأُولى مِنهُما كَذَلِكَ ما رَواهُ الَكْلَيِنِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سَلِيمانَ ورِثَ داوُدَ وأنَّ مُحَمَّدًا ورِثَ سُلَيْمانَ فَإنَّ وِراثَةَ المالِ بَيْنَ نَبِيِّنا  وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ بِوَجْهٍ، وأيْضًا إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ التّارِيخِ كانَ لَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ابْنًا وكُلُّهم كانُوا ورَثَةً بِالمَعْنى الَّذِي يَزْعُمُهُ الخَصْمُ فَلا مَعْنى لِتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَ بَعْضٍ في وِراثَةِ المالِ لِاشْتِراكِهِمْ فِيها مِن غَيْرِ خُصُوصِيَّةٍ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها بِخِلافِ وِراثَةِ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ.

وأيْضًا تَوْصِيفُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتِلْكَ الوِراثَةِ مِمّا لا يُوجِبُ كَمالًا ولا يَسْتَدْعِي امْتِيازًا لِأنَّ البَرَّ والفاجِرَ يَرِثُ أباهُ فَأيُّ داعٍ لِذِكْرِ هَذِهِ الوِراثَةِ العامَّةِ في بَيانِ فَضائِلِ هَذا النَّبِيِّ ومَناقِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوِراثَةَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ كَذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالوِراثَةِ فِيها وِراثَةَ المالِ كانَ الكَلامُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالسَّفْسَطَةِ لَأنَّ المُرادَ بِآلِ يَعْقُوبَ حِينَئِذٍ إنْ كانَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ يَلْزَمُ أنَّ مالَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ باقِيًا غَيْرَ مَقْسُومٍ إلى عَهْدِ زَكَرِيّا وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن ألْفَيْ سَنَةٍ وهو كَما تَرى، وإنْ كانَ المُرادُ جَمِيعَ أوْلادِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ يَحْيى وارِثًا جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ أحْياءً وأمْواتًا، وهَذا أفْحَشُ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بَعْضَ الأوْلادِ، أوْ أُرِيدَ مِن يَعْقُوبَ غَيْرُ المُتَبادَرِ وهو ابْنُ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ يُقالُ: أيُّ فائِدَةٍ في وصْفِ هَذا الوَلِيِّ عِنْدَ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَرِثُ أباهُ ويَرِثُ بَعْضَ ذَوِي قَرابَتِهِ، والِابْنُ وارِثُ الأبِ ومَن يَقْرُبُ مِنهُ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ مَعَ أنَّ هَذِهِ الوِراثَةَ تُفْهَمُ مِن لَفْظِ الوَلِيِّ بِلا تَكَلُّفٍ ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ تَأْكِيدٍ، وأيْضًا لَيْسَ في الأنْظارِ العالِيَةِ وهِمَمِ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ مِن تَعَلُّقاتِ هَذا العالَمِ الفانِي واتَّصَلَتْ بِحَضائِرِ القُدْسِ الحَقّانِيِّ مَيْلٌ لِلْمَتاعِ الدُّنْيَوِيِّ قَدْرَ جَناحِ بَعُوضَةٍ حَتّى يَسْألَ حَضْرَةُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ مالُهُ ويَصِلُ إلى يَدِهِ مَتاعُهُ، ويَظْهَرُ لِفَواتِ ذَلِكَ الحُزْنِ والخَوْفِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي صَرِيحًا كَمالَ المَحَبَّةِ وتَعَلُّقَ القَلْبِ بِالدُّنْيا وما فِيها، وذَلِكَ بَعِيدٌ عَنْ ساحَتِهِ العَلِيَّةِ وهِمَّتِهِ القُدْسِيَّةِ، وأيْضًا لا مَعْنى لِخَوْفِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صَرْفِ بَنِي أعْمامِهِ مالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، أمّا إنْ كانَ الصَّرْفُ في طاعَةٍ فَظاهِرٌ، وأمّا إنْ كانَ في مَعْصِيَةٍ فَلِأنَّ الرَّجُلَ إذا ماتَ وانْتَقَلَ المالُ إلى الوارِثِ وصَرَفَهُ في المَعاصِي لا مُؤاخَذَةَ عَلى المَيِّتِ ولا عِتابَ عَلى أنَّ دَفْعَ هَذا الخَوْفِ كانَ مُتَيِسِّرًا لَهُ بِأنْ يَصْرِفَهُ ويَتَصَدَّقَ بِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ وفاتِهِ ويَتْرُكُ ورَثَتَهُ عَلى أنْقى مِنَ الرّاحَةِ واحْتِمالِ مَوْتِ الفَجْأةِ.

وعَدَمُ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ لا يَنْتَهِضُ عِنْدَ الشِّيعَةِ لِأنَّ الأنْبِياءَ عِنْدَهم يَعْلَمُونَ وقْتَ مَوْتِهِمْ فَما مُرادُ ذَلِكَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوِراثَةِ إلّا وِراثَةُ الكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ والعِلْمِ والنُّبُوَّةِ المُرَشَّحَةِ لِمَنصِبِ الحُبُورَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ مِن أشْرارِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُحَرِّفُوا الأحْكامَ الإلَهِيَّةَ والشَّرائِعَ الرَّبّانِيَّةَ ولا يَحْفَظُوا عِلْمَهُ ولا يَعْمَلُوا بِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَسادِ العَظِيمِ، فَطَلَبَ الوَلَدَ لِيُجْرِيَ أحْكامَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَهُ ويُرَوِّجَ الشَّرِيعَةَ ويَكُونَ مَحَطَّ رِحالِ النُّبُوَّةِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِتَضاعِيفِ الأجْرِ واتِّصالِ الثَّوابِ، والرَّغْبَةُ في مِثْلِهِ مِن شَأْنِ ذَوِي النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ والقُلُوبِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ، فَإنْ قِيلَ: الوِراثَةُ في وِراثَةِ العِلْمِ مَجازٌ وفي وِراثَةِ المالِ حَقِيقَةً، وصَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا يَجُوزُ بِلا ضَرُورَةٍ، فَما الضَّرُورَةُ هُنا؟

أُجِيبُ بِأنَّ الضَّرُورَةَ هُنا حِفْظُ كَلامِ المَعْصُومِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وأيْضًا لا نُسَلِّمُ كَوْنَ الوِراثَةِ حَقِيقَةً في المالِ فَقَطْ بَلْ صارَ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ في العُرْفِ مُخْتَصًّا بِالمالِ، وفي أصْلِ الوَضْعِ إطْلاقُهُ عَلى وِراثَةِ العِلْمِ والمالِ والمَنصِبِ صَحِيحٌ، وهَذا الإطْلاقُ هو حَقِيقَتُهُ اللُّغَوِيَّةُ سَلَّمْنا أنَّهُ مَجازٌ ولَكِنَّ هَذا المَجازَ مُتَعارَفٌ ومَشْهُورٌ بِحَيْثُ يُساوِي الحَقِيقَةَ خُصُوصًا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ المَجِيدِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ ﴾ و( أُرِثُوا الكِتابَ ) إلى غَيْرِ ما آيَةٍ.

ومِنَ الشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ هُنا بَحْثًا وهو أنَّ النَّبِيَّ  إذا لَمْ يُورِثُ أحَدًا فَلِمَ أُعْطِيَتْ أزْواجُهُ الطّاهِراتُ حُجُراتِهِنَّ؟

والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَغْلَطَةٌ لِأنَّ إفْرازَ الحُجُراتِ لِلْأزْواجِ إنَّما كانَ لِأجْلِ كَوْنِها مَمْلُوكَةً لَهُنَّ لا مِن جِهَةِ المِيراثِ بَلْ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنى كُلَّ حُجْرَةٍ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ فَصارَتِ الهِبَةُ مَعَ القَبْضِ مُتَحَقِّقَةً وهي مُوجِبَةٌ لِلْمِلْكِ وقَدْ بَنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ لِفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وأُسامَةَ وسَلَّمَهُ إلَيْهِما؛ وكانَ كُلُّ مَن بِيَدِهِ شَيْءٌ مِمّا بَناهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ عَلى عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ ما ثَبَتَ بِإجْماعِ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ أنَّ الإمامَ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ اسْتَأْذَنَ مِن عائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وسَألَها أنْ تُعْطِيَهُ مَوْضِعًا لِلدَّفْنِ جِوارَ جَدِّهِ المُصْطَفى  فَإنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنِ الحُجْرَةُ مِلْكَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِئْذانِ والسُّؤالِ مَعْنًى، وفي القُرْآنِ نَوْعُ إشارَةٍ إلى كَوْنِ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ مالِكاتٍ لِتِلْكَ الحُجَرِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ فَأضافَ البُيُوتَ إلَيْهِنَّ ولَمْ يَقُلْ في بُيُوتِ الرَّسُولِ.

ومِن أهْلِ السُّنَّةِ مَن أجابَ عَنْ أصْلِ البَحْثِ بِأنَّ المالَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ  صارَ في حُكْمِ الوَقْفِ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ لِخَلِيفَةِ الوَقْتِ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ كَما خَصَّ الصِّدِّيقُ جَنابَ الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِسَيْفٍ ودِرْعٍ وبَغْلَةٍ شَهْباءَ تُسَمّى الدُّلْدُلَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يَرِثِ النَّبِيَّ  بِوَجْهٍ، وقَدْ صَحَّ أيْضًا أنَّ الصِّدِّيقَ أعْطى الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ ومُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ بَعْضًا مِن مَتْرُوكاتِهِ  وإنَّما لَمْ يُعْطِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ فَدَكًا مَعَ أنَّها طَلَبَتْها إرْثًا وانْحَرَفَ مِزاجُ رِضاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بِالمَنعِ إجْماعًا وعَدَلَتْ عَنْ ذَلِكَ إلى دَعْوى الهِبَةِ، وأتَتْ بِعَلِيٍّ والحَسَنَيْنِ وأُمِّ أيْمَنَ لِلشَّهادَةِ فَلَمْ تَقُمْ عَلى ساقٍ بِزَعْمِ الشِّيعَةِ، ولَمْ تُمَكِّنْ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ رَآهُما الخَلِيفَةُ إذْ ذاكَ كَما ذَكَرَهُ الأسْلَمِيُّ في «التَّرْجَمَةِ العَبْقَرِيَّةِ والصَّوْلَةِ الحَيْدَرِيَّةِ» وأطالَ فِيهِ.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ آيَةَ المَوارِيثِ بِما سَمِعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  وخَبَرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ مَن سَمِعَهُ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ اليَقِينِيِّ بِلا شُبْهَةٍ والعَمَلُ بِسَماعِهِ واجِبٌ عَلَيْهِ سَواءٌ سَمِعَهُ غَيْرُهُ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ الأُصُولِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ عَلى أنَّ تَقْسِيمَ الخَبَرِ إلى المُتَواتِرِ وغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُشاهِدُوا النَّبِيَّ  وسَمِعُوا خَبَرَهُ بِواسِطَةِ الرُّواةِ لا في حَقِّ مَن شاهَدَ النَّبِيَّ  وسَمِعَ مِنهُ بِلا واسِطَةٍ، فَخَبَرُ ««نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ»» عِنْدَ أبِي بَكْرٍ قَطْعِيٌّ لِأنَّهُ في حَقِّهِ كالمُتَواتِرِ بَلْ أعْلى كَعْبًا مِنهُ، والقَطْعِيُّ يُخَصِّصُ القَطْعِيَّ اتِّفاقًا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ والآياتِ الَّتِي فِيها نِسْبَةُ الوِراثَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِما عَلِمْتَ، ودَعْوى الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَدَكًا بِحَسَبِ الوِراثَةِ لا تَدُلُّ عَلى كَذِبِ الخَبَرِ بَلْ عَلى عَدَمِ سَماعِهِ وهو غَيْرُ مُخِلٍّ بِقَدْرِها ورِفْعَةِ شَأْنِها ومَزِيدِ عِلْمِها، وكَذا أخْذُ الأزْواجِ المُطَهَّراتِ حُجُراتِهِنَّ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِما مَرَّ وحَلا، وعُدُولُها إلى دَعْوى الهِبَةِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ عِنْدَنا بَلِ المُتَحَقِّقُ دَعْوى الإرْثِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّهُ وقَعَ مِنها دَعْوى الهِبَةِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّها أتَتْ بِأُولَئِكَ الأطْهارِ شُهُودًا، وذَلِكَ لِأنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ أنَّ الهِبَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالقَبْضِ ولَمْ تَكُنْ فَدَكُ في قَبْضَةِ الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في وقْتٍ فَلَمْ تَكُنِ الحاجَةُ ماسَّةً لِطَلَبِ الشُّهُودِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ أُولَئِكَ الأطْهارَ شَهِدُوا فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الصِّدِّيقَ رَدَّ شَهادَتَهم بَلْ لَمْ يَقْضِ بِها، وفَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ القَضاءِ هُنا والرَّدِّ، فَإنَّ الثّانِيَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ لِتُهْمَةِ كَذِبٍ مَثَلًا، والأوَّلُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الإمْضاءِ لِفَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ المُعْتَبَرِ بَعْدَ العَدالَةِ، وانْحِرافُ مِزاجِ رِضا الزَّهْراءِ كانَ مِن مُقْتَضَياتِ البَشَرِيَّةِ، وقَدْ غَضِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أخِيهِ الأكْبَرِ هارُونَ حَتّى أخَذَ بِلِحْيَتِهِ ورَأْسِهِ ولَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِن قَدْرَيْهِما شَيْئًا عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ اسْتَرْضاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مُسْتَشْفِعًا إلَيْها بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَرَضِيَتْ عَنْهُ كَما في «مَدارِجِ النُّبُوَّةِ» و«كِتابِ الوَفاءِ» و«شَرْحِ المِشْكاةِ» لِلدَّهْلَوِيِّ وغَيْرِها، وفي «مَحاجِّ السّالِكِينَ» وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ الإمامِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ ما يُؤَيِّدُ هَذا الفَصْلَ حَيْثُ رَوَوْا أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا رَأى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها انْقَبَضَتْ عَنْهُ وهَجَرَتْهُ ولَمْ تَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرِ فَدَكَ كَبُرَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَأرادَ اسْتِرْضاءَها فَأتاها فَقالَ: صَدَقْتِ يا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ  فِيما ادَّعَيْتِ ولَكِنْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَسِّمُها فَيُعْطِي الفُقَراءَ والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ بَعْدَ أنْ يُؤْتِيَ مِنها قُوتَكم فَما أنْتُمْ صانِعُونَ بِها؟

فَقالَتْ: أفْعَلُ فِيها كَما كانَ أبِي صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ فِيها فَقالَ لَكِ اللَّهُ تَعالى أنْ أفْعَلَ فِيها ما كانَ يَفْعَلُ أبُوكِ، فَقالَتْ: واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ؟

فَقالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ ذَلِكَ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ ورَضِيَتْ بِذَلِكَ، وأخَذَتِ العَهْدَ عَلَيْهِ فَكانَ أبُو بَكْرٍ يُعْطِيهِمْ مِنها قُوتَهم ويُقَسِّمُ الباقِيَ بَيْنَ الفُقَراءِ والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وبَقِيَ الكَلامُ في سَبَبِ عَدَمِ تَمْكِينِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها، وقَدْ كانَ دَفْعُ الِالتِباسِ وسَدُّ بابِ الطَّلَبِ المُنْجَرِّ إلى كَسْرِ كَثِيرٍ مِنَ القُلُوبِ، أوْ تَضْيِيقِ الأمْرِ عَلى المُسْلِمِينَ.

وقَدْ ورَدَ «المُؤْمِنُ إذا ابْتُلِيَ بِبَلِيَّتَيْنِ اخْتارَ أهْوَنَهُما» عَلى أنَّ رِضا الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعْدُ عَلى الصِّدِّيقِ سَدَّ بابَ الطَّعْنِ عَلَيْهِ أصابَ في المَنعِ أمْ لَمْ يُصِبْ، وسُبْحانَ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ والعاصِمِ أنْبِياءَهُ عَنِ الخَطَأِ في فَصْلِ الخِطابِ.

﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأوْلادِ مُطْلَقًا والخَبَرُ مُفِيدٌ بِلا تَأْوِيلٍ، ولُزُومِ تَغْلِيبِ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ لا يَضُرُّ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا صَرَّحُوا بِجَوازِهِ مُراعاةً لِلْخَبَرِ ومُشاكَلَةً لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى المَوْلُوداتِ أوِ البَناتِ الَّتِي في ضِمْنٍ مُطْلَقِ الأوْلادِ، والمَعْنى فَإنْ كانَتِ المَوْلُوداتُ أوِ البَناتُ نِساءً خُلَّصًا لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ، وبِهَذا يُفِيدُ الحَمْلُ وإلّا لاتَّحَدَ الِاسْمُ والخَبَرُ فَلا يُفِيدُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ إذا جُعِلَ صِفَةً لِنِساءٍ فَهو مَحَلُّ الفائِدَةِ، وأوْجَبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ فَلَمْ يُجِزْ ما أجازَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن كَوْنِهِ خَبَرًا ثانِيًا ظَنًّا مِنهُ عَدَمَ إفادَةِ الحَمْلِ حِينَئِذٍ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ كَما عَلِمْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً، والضَّمِيرُ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِالمَنصُوبِ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ ولَمْ يَرْتَضِهِ النُّحاةُ لِأنَّ كانَ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي يَكُونُ فاعِلُها مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ لِاخْتِصاصِهِ بِبابِ نِعْمَ، والتَّنازُعُ كَما قالَهُ الشِّهابُ والمُرادُ مِنَ الفَوْقِيَّةِ زِيادَةُ العَدَدِ لا الفَوْقِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، وفائِدَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ التَّصْرِيحِ بِعَدَمِ اخْتِصاصِ المُرادِ بِعَدَدٍ دُونَ عَدَدٍ أيْ فَإنْ كُنَّ نِساءً زائِداتٍ عَلى اثْنَتَيْنِ بالِغاتٍ ما بَلَغْنَ.

﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ أيِ المُتَوَفّى مِنكم وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ شائِعٌ سائِغٌ ﴿ وإنْ كانَتْ ﴾ أيِ المَوْلُودَةُ المَفْهُومَةُ مِنَ الكَلامِ ﴿ واحِدَةً ﴾ أيِ امْرَأةً واحِدَةً لَيْسَ مَعَها أخٌ ولا أُخْتٌ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ ( واحِدَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ والمَرْفُوعَ فاعِلٌ لَها، ورُجِّحَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ بِأنَّها أوْفَقُ بِما قَبْلُ، وقالَ ابْنُ تَمْجِيدٍ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ أوْلى وأنْسَبَ لِلنَّظْمِ لِتَفَكُّكِ النَّظْمِ في قِراءَةِ النَّصْبِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ضَمِيرُ كانَ راجِعًا إلى الأوْلادِ فَسَدَ المَعْنى كَما هو ظاهِرٌ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى المَوْلُودَةِ كَما قالُوهُ يَلْزَمُ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مُرْتَفِعٌ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إذِ المَعْنى وإنْ وُجِدَتَ بِنْتٌ واحِدَةٌ مِن تِلْكَ الأوْلادِ، والمُحَقِّقُونَ لا يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذا الإضْمارِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا ﴿ فَلَها النِّصْفُ ﴾ أيْ ( مِمّا تَرَكَ ) وتَرَكَ اكْتِفاءً بِالأوَّلِ والنِّصْفُ مُثَلَّثٌ كَما في «القامُوسِ» أحَدُ شِقَّيِ الشَّيْءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ( النُّصْفُ ) بِضَمِّ النُّونِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وذَكَرَ أنَّها أقْيَسُ لِأنَّكَ تَقُولُ: الثُّلُثُ والرُّبْعُ والخُمْسُ وهَكَذا، وكُلُّها مَضْمُومَةُ الأوائِلِ.

وأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِظاهِرِ الآيَةِ فَجَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِما زادَ عَلى البِنْتَيْنِ كالثَّلاثِ فَأكْثَرَ، وجَعَلَ نَصِيبَ الِاثْنَتَيْنِ النِّصْفَ كَنَصِيبِ الواحِدَةِ، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ والإمامِيَّةِ عَلى خِلافِهِ حَيْثُ حَكَمُوا بِأنَّ لِلِاثْنَتَيْنِ وما فَوْقَهُما الثُّلُثَيْنِ، وأنَّ النِّصْفَ إنَّما هو لِلْواحِدَةِ فَقَطْ، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ أنَّ لِلذَّكَرِ مَعَ الأُنْثى ثُلُثَيْنِ إذْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثانِ في صُورَةٍ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ لِأنَّ الثُّلُثَيْنِ لَيْسَ بِحَظٍّ لَهُما أصْلًا لَكِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ الِاجْتِماعِ إذْ ما مِن صُورَةٍ يَجْتَمِعُ فِيها الِاثْنَتانِ مَعَ الذَّكَرِ ويَكُونُ لَهُما الثُّلُثانِ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ صُورَةَ الِانْفِرادِ، وإلى هَذا أشارَ السَّيِّدُ السَّنَدُ في «شَرْحِ السِّراجِيَّةِ»، وأوْرَدَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ دَوْرِيٌّ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أنَّ لِلذَّكَرِ الثُّلُثَيْنِ في الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ لِأنَّهُ ما عُلِمَ مِنَ الآيَةِ إلّا أنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، فَلَوْ كانَتْ مَعْرِفَةُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مُسْتَخْرَجَةً مِن حَظِّ الذَّكَرِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُسْتَخْرَجَ هو الحَظُّ المُعَيَّنُ لِلْأُنْثَيَيْنِ وهو الثُّلْثانِ، والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ حَظِّ الذَّكَرِ هو مَعْرِفَةُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا فَلا دَوْرَ، ولِما في هَذا الوَجْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ عَدَلَ عَنْهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذُكِرَ أنَّ حُكْمَ البِنْتَيْنِ مَفْهُومٌ مِنَ النَّصِّ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ أوِ الإشارَةِ، وذَلِكَ لِما رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هاتانِ ابْنَتا سَعْدٍ قُتِلَ أبُوهُما يَوْمَ أُحُدٍ وأنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما ولَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا ولا يُنْكَحانِ إلّا ولَهُما مالٌ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يَقْضِي اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى عَمِّهِما فَقالَ: أعْطِ لِابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ وما بَقِيَ فَهو لَكَ»» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ انْفِهامَ الحُكْمِ مِنَ النَّصِّ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ لِأنَّهُ حَكَمَ بِهِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، ووَجَّهَهُ أنَّ البِنْتَيْنِ لَمّا اسْتَحَقَّتا مَعَ الذَّكَرِ النِّصْفَ عُلِمَ أنَّهُما إذا انْفَرَدا عَنْهُ اسْتَحَقَّتا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّ الواحِدَةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتِ النِّصْفَ بَعْدَ ما كانَتْ مَعَهُ تَأْخُذُ الثُّلُثَ ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ نَصِيبُهُما كَما يَأْخُذُهُ الذَّكَرُ في الجُمْلَةِ وهو الثُّلُثانِ لِأنَّهُ يَأْخُذُهُ مَعَ البِنْتِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً ﴾ إلَخْ بَيانًا لِحَظِّ الواحِدَةِ، وما فَوْقَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ ما بَيَّنَ حَظَّهُما ولِذا فَرَّعَهُ عَلَيْهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيما قَبْلَهُ ما يَدُلُّ عَلى سَهْمِ الإناثِ لَمْ تَقَعِ الفاءُ مَوْقِعَها، وهَذا مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ حُكْمَ البِنْتَيْنِ ثَبَتَ بِالقِياسِ عَلى البِنْتِ مَعَ أخِيها أوْ عَلى الأُخْتَيْنِ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّها لَمّا اسْتَحَقَّتِ البِنْتُ الثُّلُثَ مَعَ الأخِ فَمَعَ البِنْتِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ ذَكَرَ حُكْمَ الواحِدَةِ والثَّلاثِ فَما فَوْقَها مِنَ البَناتِ ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ البِنْتَيْنِ، وذَكَرَ في مِيراثِ الأخَواتِ حُكْمَ الأُخْتِ الواحِدَةِ والأُخْتَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الأخَواتِ الكَثِيرَةِ فَيُعْلَمُ حُكْمُ البِنْتَيْنِ مِن مِيراثِ الأخَواتِ وحُكْمُ الأخَواتِ مِن مِيراثِ البَناتِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ نَصِيبُ الأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كانَتِ البِنْتانِ أوْلى بِهِما، ولَمّا كانَ نَصِيبُ البَناتِ الكَثِيرَةِ لا يَزِيدُ عَلى الثُّلُثَيْنِ فَبِالأوْلى أنْ لا يَزْدادَ نَصِيبُ الأخَواتِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وجَعَلَهُ العَلّامَةُ ناصِرُ الدِّينِ مُؤَيِّدًا ولَمْ يَجْعَلْهُ دَلِيلًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِما تَقَدَّمَ، ولِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِياسَ لا يَجْرِي في الفَرائِضِ والمَقادِيرِ، ونَظَرَ بَعْضُهم في الأوَّلِ بِأنَّ البِنْتَ الواحِدَةَ لَمْ تَسْتَحِقَّ الثُّلُثَ مَعَ الأخِ بَلْ تَسْتَحِقُّ نِصْفَ حَظِّهِ وكَوْنَهُ ثُلُثًا عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أُلْحِقَ البِنْتانِ بِالجَماعَةِ لِأنَّ وصْفَ النِّساءِ يَفُوقُ اثْنَتَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ التَّفاوُتِ بَيْنَ عَدَدٍ وعَدَدٍ، والبِنْتانِ تُشارِكُ الجَماعَةَ في التَّعَدُّدِ، وقَدْ عُلِمَ عَدَمُ تَأْثِيرِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فالظّاهِرُ إلْحاقُهُما بِالجَماعَةِ بِجامِعِ التَّعَدُّدِ، وعَدَمُ اعْتِبارِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ دُونَ الواحِدَةِ لِعَدَمِ الجامِعِ بَيْنَهُما.

وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ فَإنْ كُنَّ نِساءً اثْنَتَيْنِ فَما فَوْقَهُما إلّا أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَ الفَوْقِ عَلى الِاثْنَتَيْنِ كَما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««لا تُسافِرِ المَرْأةُ سَفَرًا فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ إلّا ومَعَها زَوْجُها أوْ ذُو مَحْرَمٍ لَها»».

فَإنَّ مَعْناهُ لا تُسافِرْ سَفَرًا ثَلاثَةَ أيّامٍ فَما فَوْقَها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مَن قالَ: إنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، واعْتُرِضَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ لَوِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ﴾ أنَّ حالَ الِاثْنَتَيْنِ لَيْسَ حالَ الجَماعَةِ بِناءً عَلى مَفْهُومِ الصِّفَةِ فَهو مُعارِضٌ بِأنَّهُ يُسْتَفادُ مِن واحِدَةٍ أنَّ حالَهُما لَيْسَ حالَ الواحِدَةِ لِمَفْهُومِ العَدَدِ، وقَدْ قِيلَ بِهِ،،وأُجِيبُ بِالفَرْقِ بَيْنَهُما فَإنَّ النِّساءَ ظاهِرٌ فِيما فَوْقَهُما فَلَمّا أكِّدَ بِهِ صارَ مُحْكَمًا في التَّخْصِيصِ بِخِلافِ ﴿ وإنْ كانَتْ واحِدَةً ﴾ وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الظَّرْفِ صِفَةً مُؤَكِّدَةً لا خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( نِساءً ) ظاهِرٌ في كَوْنِها فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِهِ والإتْيانِ بِخَبَرٍ بَعْدَهُ يَدُلُّ دَلالَةً صَرِيحَةً عَلى أنَّ الحُكْمَ مُقَيَّدٌ بِهِ لا يَتَجاوَزُهُ، وأيْضًا مِمّا يَنْصُرُ الحَبْرَ أنَّ الدَّلِيلَيْنِ لَمّا تَعارَضا دارَ أمْرُ البِنْتَيْنِ بَيْنَ الثُّلُثَيْنِ والنِّصْفِ، والمُتَيَقَّنُ هو النِّصْفُ، والزّائِدُ مَشْكُوكٌ غَيْرُ ثابِتٍ، فَتَعَيَّنَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي سَلَفَ يَهْدِمُ أمْرَ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِ هَذِهِ العُرى، ولَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ كَما قِيلَ فَقالَ ما قالَ، وفي «شَرْحِ اليَنْبُوعِ» نَقْلًا عَنِ الشَّرِيفِ شَمْسِ الدِّينِ الأرْمُونِيِّ أنَّهُ قالَ في «شَرْحِ فَرائِضِ الوَسِيطِ»: صَحَّ رُجُوعُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ فَصارَ إجْماعًا؛ وعَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ بَلَغَهُ الحَدِيثُ، أوْ أنَّهُ أمْعَنَ النَّظَرَ في الآيَةِ فَفُهِمَ مِنها ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ فَرَجَعَ إلى وِفاقِهِمْ.

وحِكايَةُ النِّظامِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في كِتابِ «النُّكَتِ» أنَّهُ قالَ: لِلَبِنَتَيْنِ نِصْفٌ وقِيراطٌ لِأنَّ لِلْواحِدَةِ النِّصْفَ ولِما فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلْبِنْتَيْنِ ما بَيْنَهُما مِمّا لا تَكادُ تَصِحُّ، فافْهَمْ.

﴿ ولأبَوَيْهِ ﴾ أيِ المَيِّتِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى غَيْرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِعَدَمِ اخْتِصاصِ حُكْمِهِ بِما قَبْلَهُ مِنَ الصُّوَرِ بَلْ هو في الحَقِيقَةِ شُرُوعٌ في إرْثِ الأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ إرْثِ الفُرُوعِ، والمُرادُ مِنَ الأبَوَيْنِ الأبُ والأُمُّ تَغْلِيبًا لِلَفْظِ الأبِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ في ابْنٍ وبِنْتٍ ابْنانِ لِلْإيهامِ فَإنْ لَمْ يُوهَمْ جازَ ذَلِكَ كَما قالَهُ الزَّجّاجُ ﴿ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ ولأبَوَيْهِ ﴾ بِتَكْرِيرِ العامِلِ، وُسِّطَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُما السُّدُسُ ﴾ والخَبَرِ، وهو لِأبَوَيْهِ وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ «أنَّ في إعْرابِهِ بَدَلًا نَظَرًا، وذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن بَدَلِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، ويَكُونُ أصْلُ الكَلامِ: والسُّدُسُ لِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ومُقْتَضى الِاقْتِصارِ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ التَّشْرِيكُ بَيْنَهُما في السُّدُسِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ فاقْتَضى اشْتِراكَهُنَّ فِيهِ، ومُقْتَضى البَدَلِ لَوْ قُدِّرَ إهْدارُ الأوَّلِ إفْرادُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالسُّدُسِ وعَدَمُ التَّشْرِيكِ، وهَذا يُناقِضُ حَقِيقَةَ هَذا النَّوْعِ مِنَ البَدَلِ إذْ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُؤَدّى المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ واحِدًا، وإنَّما فائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ بِمَجْمُوعٍ الِاسْمَيْنِ لا غَيْرَ بِلا زِيادَةِ مَعْنى فَإذا تَحَقَّقَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ تَعَذَّرَتِ البَدَلِيَّةُ المَذْكُورَةُ ولَيْسَ مِن بَدَلِ التَّقْسِيمِ أيْضًا عَلى هَذا الإعْرابِ، وإلّا لَزِمَ زِيادَةُ مَعْنًى في البَدَلِ، فالوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِأبَوَيْهِ الثُّلُثُ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ نَصِيبَهُما مُجْمَلًا فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ ﴾ وساغَ حَذْفَ المُبْتَدَأِ لِدَلالَةِ التَّفْصِيلِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ إذْ يَلْزَمُ مِنِ اسْتِحْقاقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ اسْتِحْقاقَهُما مَعًا لِلثُّلُثِ»، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ «بِأنَّ هَذا بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ ولِذَلِكَ أتى بِالضَّمِيرِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بَدَلُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ لِجَوازِ أبَواكَ يَصْنَعانِ كَذا، وامْتِناعُ أبَواكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْنَعانِ كَذا، بَلْ تَقُولُ: يَصْنَعُ كَذا» إلّا أنَّهُ اعْتُرِضَ عَلى جَعْلِ لِأبَوَيْهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ بِأنَّ البَدَلَ هو الَّذِي يَكُونُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ في أمْثالِ ذَلِكَ دُونَ المُبْدَلِ مِنهُ كَما في المِثالِ، وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ في هَذِهِ المُناقَشَةِ نَظَرًا لِأنَّهُ إذا قِيلَ لَكَ: ما مَحَلُّ لِأبَوَيْهِ مِنَ الإعْرابِ؟

تَضْطَرُّ إلى أنْ تَقُولَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ولَكِنَّهُ نَقَلَ نِسْبَةَ الخَبَرِيَّةِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دُونَ لِأبَوَيْهِ واخْتِيرَ هَذا التَّرْكِيبُ دُونَ أنْ يُقالَ: ولِكُلِّ واحِدٍ مِن أبَوَيْهِ السُّدُسُ لِما في الأوَّلِ مِنَ الإجْمالِ، والتَّفْصِيلُ الَّذِي هو أوْقَعُ في الذِّهْنِ دُونَ الثّانِي، ودُونَ أنْ يُقالَ: لِأبَوَيْهِ السُّدُسانِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَساوِي الأبَوَيْنِ في الأوَّلِ وعَدَمُ التَّنْصِيصِ عَلى ذَلِكَ في الثّانِي لِاحْتِمالِهِ التَّفاضُلَ، وكَوْنُهُ خِلافَ الظّاهِرِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ يَكْفِي نُكْتَةً لِلْعُدُولِ.

وقَرَأ الحَسَنُ ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ( السُّدْسُ ) بِالتَّخْفِيفِ وكَذَلِكَ الثُّلْثُ والرُّبْعُ والثُّمْنُ.

﴿ مِمّا تَرَكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ الرّاجِعِ إلى المُبْتَدَأِ، والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ أيْ كائِنًا مِمّا تَرَكَ المُتَوَفّى ﴿ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًا كانَ أوْ أكْثَرَ، ووَلَدُ الِابْنِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنْ كانَ الوَلَدُ ذَكَرًا كانَ الباقِي لَهُ وإنْ كانُوا ذُكُورًا فالباقِي لَهم بِالسَّوِيَّةِ، وإنْ كانُوا ذُكُورًا وإناثًا فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وإنْ كانَتْ بِنْتًا فَلَها النِّصْفُ ولِأحَدِ الأبَوَيْنِ السُّدُسُ، أوْ لَهُما السُّدْسانِ والباقِي يَعُودُ لِلْأبِ إنْ كانَ، لَكِنْ بِطْرِيقِ العُصُوبَةِ وتَعَدُّدِ الجِهاتِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ الذَّواتِ، وإنْ كانَ هُناكَ أمٌّ وبِنْتٌ فَقَطْ فالباقِي بَعْدَ فَرْضِ الأُمِّ والبِنْتِ يُرَدُّ عَلَيْهِما، وزَعَمَتِ الإمامِيَّةُ في صُورَةِ أبَوَيْنِ أوْ أبٍ أوْ أُمٍّ وبِنْتٍ أنَّ الباقِيَ بَعْدَ أخْذِ كُلِّ فُرْضِهِ يُرَدُّ عَلى البِنْتِ وعَلى أحَدِ الأبَوَيْنِ أوْ عَلَيْهِما بِقَدْرِ سِهامِهِمْ.

﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ﴾ ولا ولَدُ ابْنٍ ﴿ ووَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ فَقَطْ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخْصِيصِ الذَّكَرِيِّ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الفَحْوى ﴿ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ مِمّا تَرَكَ والباقِي لِلْأبِ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِأنَّهُ لَمّا فُرِضَ انْحِصارُ الوارِثِ في أبَوَيْهِ، وعَيَّنَ نَصِيبَ الأُمِّ عُلِمَ أنَّ الباقِيَ لِلْأبِ وهو مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّ المَقْصُودَ تَغْيِيرُ السَّهْمِ، وفي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ إلّا سَهْمُ الأُمِّ وسَهْمُ الأبِ بِحالِهِ، وإنَّما يَأْخُذُ الباقِيَ بَعْدَ سَهْمِهِ وسَهْمُ الأُمِّ بِالعُصُوبَةِ، فَلَيْسَ المَقامُ مَقامَ حِصَّةِ الأبِ وفِيهِ تَأمُّلٌ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ أخْذَ الأبِ الباقِي بَعْدَ فَرْضِ الأُمِّ بِطَرِيقِ العُصُوبَةِ وبِهِ صَرَّحَ الفَرْضِيُّونَ، وتَخْصِيصُ جانِبِ الأُمِّ بِالذِّكْرِ وإحالَةُ جانِبِ الأبِ عَلى دَلالَةِ الحالِ مَعَ حُصُولِ البَيانِ بِالعَكْسِ أيْضًا لِذَلِكَ، ولِما أنَّ حَظَّها أخْصَرُ واسْتِحْقاقَهُ أتَمُّ وأوْفَرُ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما أحَدُ الزَّوْجَيْنِ أمّا إذا كانَ مَعَهُما ذَلِكَ وتُسَمّى المَسْألَتانِ بِالغَرّاوَيْنِ وبِالغَرِيبَتَيْنِ وبِالعُمَرِيَّتَيْنِ، فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أحَدِهِما عِنْدَ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ والفُقَهاءِ لا ثُلُثَ الكُلِّ خِلافًا لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مُسْتَدِلًّا بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَها أوَّلًا سُدْسَ التَّرِكَةِ مَعَ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ ﴾ ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ لَها مَعَ عَدَمِهِ الثُّلُثَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ ثُلُثُ أصْلِ التَّرِكَةِ أيْضًا.

ويُؤَيِّدُهُ أنَّ السِّهامَ المُقَدَّرَةَ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى أصْلِها بَعْدَ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ وكانَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ يَقُولُ: بِأنَّ لَها مَعَ الزَّوْجِ ثُلُثَ ما يَبْقى مِن فَرْضِهِ ومَعَ الزَّوْجَةِ ثُلُثُ الأصْلِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ سَيْرَيْنِ لِأنَّهُ لَوْ جُعِلَ لَها مَعَ الزَّوْجِ ثُلُثُ جَمِيعِ المالِ لَزِمَ زِيادَةُ نَصِيبِها عَلى نَصِيبِ الأبِ لَأنَّ المَسْألَةَ حِينَئِذٍ مِن سِتَّةٍ لِاجْتِماعِ النِّصْفِ والثُّلُثِ فَلِلزَّوْجِ ثَلاثَةٌ ولِلْأُمِّ اثْنانِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَيَبْقى لِلْأبِ واحِدٌ، وفي ذَلِكَ تَفْضِيلُ الأُنْثى عَلى الذِّكْرِ، وإذا جُعِلَ لَها ثُلُثُ ما بَقِيَ مِن فَرْضِ الزَّوْجِ كانَ لَها واحِدٌ ولِلْأبِ اثْنانِ ولَوْ جُعِلَ لَها مَعَ الزَّوْجَةِ ثُلُثُ الأصْلِ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ لِأنَّ المَسْألَةَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ لِاجْتِماعِ الثُّلُثِ والرُّبُعِ، فَإذا أخَذَتِ الأُمُّ أرْبَعَةً بَقِيَ لِلْأبِ خَمْسَةٌ فَلا تَفْضِيلَ لَها عَلَيْهِ، ورُجِّحَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِخُلُوِّهِ عَنِ الإفْضاءِ إلى تَفْضِيلِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ المُساوِي لَها في الجِهَةِ والقُرْبِ بَلِ الأقْوى مِنها في الإرْثِ بِدَلِيلِ إضْعافِهِ عَلَيْها عِنْدَ انْفِرادِهِما عَنْ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وكَوْنِهِ صاحِبَ فَرْضٍ وعُصْبَةٍ وذَلِكَ خِلافَ وضْعِ الشَّرْعِ، وهَذا الإفْضاءُ ظاهِرٌ في المَسْألَةِ الأُولى، وبِذَلِكَ عَلَّلَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ حُكْمَهُ فِيها مُخالِفًا لِابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أرْسَلَنِي ابْنُ عَبّاسٍ إلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أسْألُهُ عَنْ زَوْجٍ وأبَوَيْنِ، فَقالَ زَيْدٌ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ ولِلْأبِ بَقِيَّةُ المالِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ أفِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَجِدُ هَذا؟

قالَ: لا ولَكِنْ أكْرَهُ أنْ أُفَضِّلَ أُمًّا عَلى أبٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَنْتَهِضُ مُرَجِّحًا لِمَذْهَبِ الجُمْهُورِ عَلى مَذْهَبِ الأصَمِّ، ومِن هُنا قالَ السَّيِّدُ السِّنْدُ وغَيْرُهُ في نُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ عادِلِينَ عَنِ المَسْلَكِ الَّذِي سَلَكْناهُ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ هو أنَّ لَها ثُلُثَ ما ورِثاهُ سَواءٌ كانَ جَمِيعَ المالِ أوْ بَعْضَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ثُلُثُ الأصْلِ لَكَفى في البَيانِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ كَما قالَ تَعالى في حَقِّ البَناتِ: ﴿ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ووَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ، فَإنْ قِيلَ: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّ الوِراثَةَ لَهُما فَقَطْ قُلْنا: لَيْسَ في العِبارَةِ دَلالَةٌ عَلى حَصْرِ الإرْثِ فِيهِما وإنْ سَلِمَ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى صُورَةِ النِّزاعِ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، فَيَرْجِعُ فِيهِما إلى أنَّ الأبَوَيْنِ في الأُصُولِ كالِابْنِ والبِنْتِ في الفُرُوعِ لِأنَّ السَّبَبَ في وِراثَةِ الذَّكَرِ والأُنْثى واحِدٌ وكُلٌّ مِنهُما يَتَّصِلُ بِالمَيِّتِ بِلا واسِطَةٍ فَيُجْعَلُ ما بَقِيَ مِن فَرْضِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَهُما أثْلاثًا كَما في حَقِّ الِابْنِ والبِنْتِ وكَما في حَقِّ الأبَوَيْنِ إذا انْفَرَدا بِالإرْثِ، فَلا يَزِيدُ نَصِيبُ الأُمِّ عَلى نِصْفِ نَصِيبِ الأبِ كَما يَقْتَضِيهِ القِياسُ، فَلا مَجالَ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الأصَمُّ أيْضًا عَلى هَذا، ولَيْتَهُ سَمِعَ ذَلِكَ فَلْيُفْهَمْ.

وقَدِ اخْتَلَفُوا أيْضًا في حَظِّ الأُمِّ فِيما إذا كانَ مَكانَ الأبِ جَدٌّ وباقِي المَسْألَةِ عَلى حالِها، فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الصِّدِّيقِ، ورَوى ذَلِكَ أهْلُ الكُوفَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في صُورَةِ الزَّوْجِ وحْدَهُ إنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ جَمِيعِ المالِ، وقَوْلُ أبِي يُوسُفَ وهو الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ لَها ثُلُثَ الباقِي كَما مَعَ الأبِ فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ جَعَلَ الجَدَّ كالأبِ فَيَعْصِبُ الأُمَّ كَما يَعْصِبُها الأبُ، والوَجْهُ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى عَلى ما ذَكَرَهُ الفَرْضِيُّونَ هو أنَّهُ تَرَكَ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ في حَقِّ الأبِ، وأُوِّلَ بِما مَرَّ لِئَلّا يَلْزَمَ تَفْضِيلُها عَلَيْهِ مَعَ تَساوِيهِما في القُرْبِ في الرُّتْبَةِ، وأُيِّدَ التَّأْوِيلُ بِقَوْلِ أكْثَرِ الصَّحابَةِ، وأمّا في حَقِّ الجَدِّ فَأُجْرِيَ عَلى ظاهِرِهِ لِعَدَمِ التَّساوِي في القُرْبِ وقُوَّةِ الِاخْتِلافِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ، ولا اسْتِحالَةَ في تَفْضِيلِ الأُنْثى عَلى الذَّكَرِ مَعَ التَّفاوُتِ في الدَّرَجَةِ كَما إذا تَرَكَ امْرَأةً وأُخْتًا لِأُمٍّ وأبٍ وأخًا لِلْأبِ، فَإنَّ لِلْمَرْأةِ الرُّبْعَ ولِلْأُخْتِ النِّصْفَ ولِلْأخِ لِأبٍ الباقِيَ، فَقَدْ فُضِّلَتْ هَهُنا الأُنْثى لِزِيادَةِ قُرْبِها عَلى الذَّكَرِ، وأيْضًا لِلْأُمِّ حَقِيقَةُ الوِلادِ كَما لِلْأبِ فَيَعْصِبُها والجَدُّ لَهُ حُكْمُ الوِلادِ لا حَقِيقَتُهُ فَلا يَعْصِبُها إذْ لا تَعْصِيبَ مَعَ الِاخْتِلافِ في السَّبَبِ بَلْ مَعَ الِاتِّفاقِ فِيهِ.

﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإخْوَةِ عَدَدٌ مِمَّنْ لَهُ إخْوَةٌ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّثْلِيثِ سَواءٌ كانُوا مِنَ الإخْوَةِ أوِ الأخَواتِ، وسَواءٌ كانُوا مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ أوْ مِن جِهَةِ أحَدِهِما.

وخالَفَ ابْنُ عَبّاسٍ في ذَلِكَ فَإنَّهُ جَعَلَ الثَّلاثَةَ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ حاجِبَةً لِلْأُمِّ دُونَ الِاثْنَيْنِ فَلَها مَعَهُما الثُّلُثُ عِنْدَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإخْوَةَ صِيغَةُ الجَمْعِ فَلا يَتَناوَلُ المُثَنّى، وبِهَذا حاجَّ عُثْمانُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ دَخَلَ عَلى عُثْمانَ فَقالَ: إنَّ الأخَوَيْنِ لا يَرُدّانِ الأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ وتَلا الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: والأخَوانِ لَيْسا بِلِسانِ قَوْمِكَ إخْوَةً فَقالَ عُثْمانُ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أرُدَّ ما كانَ قَبْلِي ومَضى في الأمْصارِ وتَوارَثَ بِهِ النّاسُ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ حُكْمَ الِاثْنَيْنِ في بابِ المِيراثِ حُكْمُ الجَماعَةِ، ألا يُرى أنَّ البِنْتَيْنِ كالبَناتِ، والأُخْتَيْنِ كالأخَواتِ في اسْتِحْقاقِ الثُّلْثَيْنِ فَكَذا في الحَجْبِ؛ وأيْضًا مَعْنى الجَمْعِ المُطْلَقِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وما فَوْقَهُما، وهَذا المَقامُ يُناسِبُ الدَّلالَةَ عَلى الجَمْعِ المُطْلَقِ فَدَلَّ بِلَفْظِ الإخْوَةِ عَلَيْهِ بَلْ قالَ جَمْعٌ: إنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ حَقِيقَةٌ في الِاثْنَيْنِ كَما فِيما فَوْقَهُما في كَلامِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَحْجُبُ الأُمَّ بِالأخَوَيْنِ فَقالُوا لَهُ: يا أبا سَعِيدٍ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ﴾ وأنْتَ تَحْجُبُها بِأخَوَيْنِ فَقالَ: إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأخَوَيْنِ إخْوَةً، وهَذا يُعارِضُ الخَبَرَ السّابِقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ لا تُقالُ عَلى اثْنَيْنِ في لُغَةِ العَرَبِ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَلَّمَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ احْتَجَّ بِأنَّ إطْلاقَ الإخْوَةِ عَلى الأعَمِّ كانَ إجْماعًا.

ومِن هُنا اخْتَلَفَ النّاسُ في مَدْلُولِ صِيغَةِ الجَمْعِ حَقِيقَةً، وصَرَّحَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ أنَّها في الِاثْنَيْنِ في المَوارِيثِ والوَصايا مُلْحَقَةٌ بِالحَقِيقَةِ، والنُّحاةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وخالَفَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في تَوْرِيثِ الأُمِّ السُّدُسَ مَعَ الإناثِ الخُلَّصِ لِأنَّ الإخْوَةَ جَمْعُ أخٍ فَلا يَشْمَلُ الأُخْتَ إلّا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والخُلَّصُ لا ذُكُورَ مَعَهم فَيَغْلِبُونَ وهو كَلامٌ مَتِينٌ إلّا أنَّ العَمَلَ عَلى اخْتِلافِهِ اعْتِبارًا لِوَصْفِ الإخْوَةِ في الآيَةِ لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ خِلافِ ابْنِ عَبّاسٍ، وخَرْقُ الإجْماعِ إنَّما يَحْرُمُ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ.

وذَهَبَ الزَّيْدِيَّةُ والإمامِيَّةُ إلى أنَّ الإخْوَةَ لِأُمٍّ لا يَحْجُبُونَها بِخِلافِ غَيْرِهِمْ فَإنَّ الحَجْبَ هَهُنا بِمَعْنًى مَعْقُولٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ قَتادَةَ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ إخْوَةٌ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَقَدْ كَثُرَ عِيالُ الأبِ فَيَحْتاجُ إلى زِيادَةِ مالٍ لِلْإنْفاقِ، وهَذا المَعْنى لا يُوجَدُ فِيما إذا كانَ الإخْوَةُ لِأُمٍّ إذْ لَيْسَ نَفَقَتُهم عَلى الأبِ، والجُمْهُورُ ذَهَبُوا إلى عَدَمِ الفَرْقِ لِأنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ في الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، وهَذا حُكْمٌ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنى ثَبَتَ بِالنَّصِّ، ألا يَرى أنَّهم يَحْجُبُونَ الأُمَّ بَعْدَ مَوْتِ الأبِ ولا نَفَقَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ويَحْجُبُونَها كِبارًا أيْضًا ولَيْسَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهم، ثُمَّ الشّائِعُ المَعْلُومُ مِن خارِجٍ أوْ مِنَ الآيَةِ في رَأْيٍ أنَّ الإخْوَةَ يَحْجُبُونَ الأُمَّ حَجْبَ نُقْصانٍ، وإنْ كانُوا مَحْجُوبِينَ بِالأبِ حَجْبَ حِرْمانٍ، ويَعُودُ السُّدُسُ الَّذِي حَجَبُوها عَنْهُ لِلْأبِ وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحابَةِ أيْضًا ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لِلْإخْوَةِ لِأنَّهم إنَّما حَجَبُوها عَنْهُ لِيَأْخُذُوهُ فَإنَّ غَيْرَ الوارِثِ لا يُحْجَبُ كَما إذا كانَتِ الإخْوَةُ كُفّارًا أوْ أرِقّاءَ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِما رَواهُ طاوُسٌ مُرْسَلًا «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الإخْوَةَ السُّدُسَ مَعَ الأبَوَيْنِ» .

ولِلْجُمْهُورِ كَما قالَ الشَّرِيفُ إنَّ صَدْرَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ لِأُمِّهِ الثُّلُثَ والباقِيَ لِلْأبِ فَكَذا الحالُ في آخِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ولِأبِيهِ الباقِي، ثُمَّ إنَّ شَرْطَ الحاجِبِ أنْ يَكُونَ وارِثًا في حُقِّ مَن يَحْجُبُهُ، والأخُ المُسْلِمُ وارِثٌ في حَقِّ الأُمِّ بِخِلافِ الرَّقِيقِ والكافِرِ، فالإخْوَةُ يَحْجُبُونَها وهم يَحْجُبُونَ بِالأبِ، ألا يُرى أنَّهم لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ شَيْئًا عِنْدَ عَدَمِ الأُمِّ لِأنَّهم كَلالَةٌ فَلا مِيراثَ لَهم مَعَ الوالِدِ، ولَيْسَ حالُ الإخْوَةِ مَعَ الأُمِّ بِأقْوى مِن حالِهِمْ مَعَ عَدَمِها، وقَدْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قالَ: لَقِيتُ ابْنَ رَجُلٍ مِنَ الإخْوَةِ الَّذِينَ أعْطاهم رَسُولُ اللَّهِ  السُّدُسَ مَعَ الأبَوَيْنِ وسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: كانَ ذَلِكَ وصِيَّةً وحِينَئِذٍ صارَ الحَدِيثُ دَلِيلًا لِلْجُمْهُورِ إذْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا صِحَّةَ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يُوافِقُ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في حَجْبِ الجَدِّ لِلْإخْوَةِ فَكَيْفَ يَقُولُ بِإرْثِهِمْ مَعَ الأبِ كَذا في «شَرْحِ الإمامِ السَّرَخْسِيِّ»، وفي «الدُّرِّ المَنثُورِ» أنَّ ابْنَ جَرِيرٍ، وعَبْدَ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيَّ عَنْهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( فَلِإمِّهِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اتِّباعًا لِكَسْرَةِ اللّامِ، وقِيلَ: إنَّهُ اتِّباعٌ لِكَسْرَةِ المِيمِ، وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ اتِّباعُ حَرَكَةٍ أصْلِيَّةٍ لِحَرَكَةٍ عارِضَةٍ وهي الإعْرابِيَّةُ، وقِيلَ: إنَّهُ لُغَةٌ في الأُمِّ، وأنْكَرَها الشِّهابُ، وفي القامُوسِ الأُمُّ- وقَدْ تُكْسَرُ- الوالِدَةُ، ويُقالُ ”لِلْأُمِّ“ أُمَّةٌ وأُمَّهَةٌ وتُجْمَعُ عَلى أُمّاتٍ وأُمَّهاتٍ، وهَذِهِ لِمَن يَعْقِلُ، وأُمّاتٍ لِما لا يَعْقِلُ» وحُكِيَ ذَلِكَ في «الصَّحّاحِ» عَنْ بَعْضِهِمْ.

﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُوصِيكم والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَصِيَّةِ المالُ المُوصى بِهِ، والمَعْنى إنَّ هَذِهِ الأنْصِباءَ لِلْوَرَثَةِ مِن بَعْدِ إخْراجِ وصِيَّةٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ السُّدُسِ، والتَّقْدِيرُ مُسْتَحِقًّا مِن بَعْدِ ذَلِكَ والعامِلُ فِيهِ الجارُّ والمَجْرُورُ الواقِعُ خَبَرًا لِاعْتِمادِهِ، ويُقَدِّرُ لِما قَبْلَهُ مَثَلُهُ كالتَّنازُعِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ عامٍّ مَحْذُوفٍ أيِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ لِهَؤُلاءِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها المَيِّتُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( يُوصى ) مُبْنِيًا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا وقُرِئَ ﴿ يُوصِي ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُشَدَّدًا، والجُمْلَةُ صِفَةُ وصِيَّةٍ، وفائِدَةُ الوَصْفِ التَّرْغِيبُ في الوَصِيَّةِ والنَّدَبُ إلَيْها، وقِيلَ: التَّعْمِيمُ لِأنَّ الوَصِيَّةَ لا تَكُونُ إلّا مُوصًى بِها ( أوْ دَيْنٍ ) عَطْفٌ عَلى ( وصِيَّةٍ ) إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِما قُيِّدَتْ بِهِ مِنَ الوَصْفِ السّابِقِ فَلا يَتَوَقَّفُ إخْراجُ الدَّيْنِ عَلى الإيصاءِ بِهِ بَلْ هو مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ ما ثَبَتَ بِالبَيِّنَةِ والإقْرارِ في الصِّحَّةِ، وإيثارُ ( أوْ ) عَلى الواوِ لِلْإيذانِ بِتَساوِيهِما في الوُجُوبِ وتَقَدُّمِهِما عَلى القِسْمَةِ مَجْمُوعَيْنَ أوْ مُفْرِدَيْنِ، وتَقْدِيمُ الوَصِيَّةِ عَلى الدَّيْنِ ذِكْرًا مَعَ أنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها حُكْمًا كَما قَضى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَنْفِيذِها لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ في أدائِها حَيْثُ إنَّها تُؤْخَذُ كالمِيراثِ بِلا عِوَضٍ فَكانَتْ تَشُقُّ عَلَيْهِمْ ولِأنَّ الجَمِيعَ مَندُوبٌ إلَيْها حَيْثُ لا عارِضَ بِخِلافِ الدَّيْنِ في المَشْهُورِ مَعَ نُدْرَتِهِ أوْ نُدْرَةِ تَأْخِيرِهِ إلى المَوْتِ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: «إنَّ الآيَةَ لَمْ يُخالَفْ فِيها التَّرْتِيبُ الواقِعُ شَرْعًا لِأنَّ أوَّلَ ما يُبْدَأُ بِهِ إخْراجُ الدَّيْنِ ثُمَّ الوَصِيَّةِ، ثُمَّ اقْتِسامُ ذَوِي المِيراثِ، فانْظُرْ كَيْفَ جاءَ إخْراجُ المِيراثِ آخِرًا تِلْوَ إخْراجِ الوَصِيَّةِ ”والوَصِيَّةُ“ تِلْوَ الدَّيْنِ فَوافَقَ قَوْلُنا قِسْمَةَ المَوارِيثِ بَعْدَ الوَصِيَّةِ، والدَّيْنُ صُورَةُ الواقِعِ شَرْعًا، ولَوْ سَقَطَ ذُكِرَ بَعْدُ وكانَ الكَلامُ أخْرِجُوا المِيراثَ والوَصِيَّةَ والدَّيْنَ لَأمْكَنَ وُرُودُ السُّؤالِ المَذْكُورِ، وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.

﴿ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا ﴾ الخِطابُ لِلْوَرَثَةِ، وآباؤُكم مُبْتَدَأٌ، وأبْناؤُكم مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ولا تَدْرُونَ مَعَ ما في حَيِّزِهِ خَبَرٌ لَهُ، وأيُّ إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنْها فَهي سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ، وأقْرَبُ خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ لِإضافَتِهِ، وحَذْفِ صَدْرِ صِلَتِهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، ونَفْعًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ وهو مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِيَّةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوُجُوبِ تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ.

والآباءُ والأبْناءُ عِبارَةٌ عَنِ الوَرَثَةِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَيَشْمَلُ البَناتَ والأُمَّهاتَ والأجْدادَ والجَدّاتِ، أيْ أُصُولُكم وفُرُوعُكُمُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَكم لا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِنهُمْ؛ أمَنَ أوْصى بِبَعْضِ مالِهِ فَعَرَّضَكم لِثَوابِ الآخِرَةِ بِإمْضاءِ وصِيتِهِ، أمْ مَن لَمْ يُوصِ فَوَفَّرَ عَلَيْكم عَرْضَ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِنَفْيِ الدِّرايَةِ عَنْهم بَيانُ اشْتِباهِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنِ أنْفَعِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ عِنْدَهم مِن غَيْرِ رُجْحانٍ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن إفادَةِ التَّأْكِيدِ المَذْكُورِ، والتَّرْغِيبُ في تَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بَلْ تَحْقِيقِ أنَفْعِيَّةِ الأوَّلِ في ضِمْنِ التَّعْرِيضِ بِأنَّ لَهُمُ اعْتِقادًا بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَبْنِيًّا عَلى عَدَمِ الدِّرايَةِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الأنْفَعِيَّةِ بِأقْرَبِيَّةِ النَّفْعِ تَذْكِيرًا لِمَناطِ زَعْمِهِمْ وتَعْيِينًا لِمَنشَأِ خَطَئِهِمْ ومُبالِغَةً في التَّرْغِيبِ المَذْكُورِ بِتَصْوِيرِ الصَّوابِ الآجِلِ بِصُورَةِ العاجِلِ لِما أنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ الخَيْرِ الحاضِرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْرُونَ أيُّهم أنْفَعُ لَكم فَتَحْكُمُونَ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الحالِ وقُرْبِ المَنالِ بِأنْفَعِيَّةِ الثّانِي مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِهِ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الأوَّلِ الثَّوابُ الدّائِمُ في الآخِرَةِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى الثّانِي العَرَضُ الفانِي في الحَياةِ الدُّنْيا، والأوَّلُ لِبَقائِهِ هو الأقْرَبُ الأدْنى، والثّانِي لِفَنائِهِ هو الأبْعَدُ الأقْصى، واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ الجُمْلَةِ اعْتِراضًا مُؤَكِّدًا لِأمْرِ القِسْمَةِ، وجُعِلَ الخِطابُ لِلْمُوَرِّثِينَ، وتَوْجِيهُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنْصِباءَ الأوْلادِ والأبَوَيْنِ فِيما قَبْلُ؛ وكانَتِ الأنْصِباءُ مُخْتَلِفَةً، والعُقُولُ لا تَهْتَدِي إلى كَمِّيَّةِ ذَلِكَ.

فَرُبَّما يَخْطُرُ لِلْإنْسانِ أنَّ القِسْمَةَ لَوْ وقَعَتْ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ كانَتْ أنْفَعَ وأصْلَحَ كَما تَعارَفَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا يُورِّثُونَ الرِّجالَ الأقْوِياءَ ولا يُوَرِّثُونَ الصِّبْيانَ والنِّسْوانَ الضُّعَفاءَ فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ مِن هَذا القَبِيلِ، وأشارَ إلى قُصُورِ أذْهانِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ عُقُولَكم لا تُحِيطُ بِمَصالِحِكم فَلا تَعْلَمُونَ مَن أنْفَعُ لَكم مِمَّنْ يَرِثُكم مِن أُصُولِكم وفُرُوعِكم في عاجِلِكم وآجِلِكم فاتْرُكُوا تَقْدِيرَ المَوارِيثِ بِالمَقادِيرِ الَّتِي تَسْتَحْسِنُونَها بِعُقُولِكم ولا تَعْمِدُوا إلى تَفْضِيلِ بَعْضٍ وحِرْمانِهِ، وكُونُوا مُطِيعِينَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ التَّقْدِيراتِ الَّتِي قَدَّرَها سُبْحانَهُ فَإنَّهُ العالِمُ بِمُغَيَّباتِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، ووَجْهُ الحِكْمَةِ فِيما قَدَّرَهُ ودَبَّرَهُ وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ، والنَّفْعُ عَلى هَذا أعَمُّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وانْتِفاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ في الدُّنْيا يَكُونُ بِالإنْفاقِ عَلَيْهِ والتَّرْبِيَةِ لَهُ والذَّبِّ عَنْهُ مَثَلًا، وانْتِفاعُهم في الآخِرَةِ يَكُونُ بِالشَّفاعَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ الجَنَّةَ سَألَ عَنْ أبَوَيْهِ وزَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ فَيُقالُ: إنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ فَيَقُولُ: يا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي ولَهم فَيُؤْمَرُ بِإلْحاقِهِمْ بِهِ»، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وخَصَّ مُجاهِدٌ النَّفْعَ بِالدُّنْيَوِيَّ وخَصَّهُ بَعْضُهم بِالأُخْرَوِيِّ.

وذُكِرَ أنَّ المَعْنى لا تَدْرُونَ أيُّ الآباءِ مِنَ الوالِدَيْنِ والوالِداتِ وأيُّ الأبْناءِ مِنَ البَنِينَ والبَناتِ أقْرَبُ لَكم نَفْعًا لِتَرْفَعُوا إلَيْهِمْ في الدَّرَجَةِ في الآخِرَةِ، وإذا لَمْ تَدْرُوا فادْفَعُوا ما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى وقَسَّمَ ولا تَقُولُوا: لِماذا أخَّرَ الأبَ عَنِ الِابْنِ ولِأيِّ شَيْءٍ حازَ الجَمِيعَ دُونَ الأُمِّ والبِنْتِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بِالنَّفْعِ حَتّى يَتِمَّ ما ذُكِرَ وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن قُدِّمَ في الوَرَثَةِ، أوْ ضُوعِفَ نَصِيبُهُ أنْفَعُ ولا كَذَلِكَ، والجَوابُ بِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ المَنافِعَ لَمّا كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْ دِرايَتِكم فاعْتَقَدُوا فِيهِ نَفْعًا لا تَصِلُ إلَيْهِ عُقُولُكم بَعِيدٌ لِعَدَمِ فَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، ويُرَدُّ نَحْوُ هَذا عَلى ما اخْتارَ الكَثِيرُ، ورُبَّما يُقالُ: المَعْنى أنَّكم لا تَدْرُونَ أيُّ الأُصُولِ والفُرُوعِ أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَضْلًا عَنِ النَّفْعِ فَكَيْفَ تَحْكُمُونَ بِالقِسْمَةِ حَسَبَ المَنفَعَةِ وهي مَحْجُوبَةٌ عَنْ دِرايَتِكم بِالمَرَّةِ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا كَما قالَ السُّدِّيُّ لا يُورِثُونَ الجَوارِيَ ولا الضُّعَفاءَ مِنَ الغِلْمانِ ولا يَرِثُ الرَّجُلُ مِن ولَدِهِ إلّا مَن أطاقَ القِتالَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم كانُوا يُعْطُونَ المِيراثَ الأكْبَرَ فالأكْبَرَ، وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ مَدارَ الإرْثِ عِنْدَهُمُ الأنْفَعِيَّةُ مَعَ العَلاقَةِ النِّسْبِيَّةِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ الأنْفَعِيَّةَ لا تَدْرُونَها فَكَيْفَ تَعْتَبِرُونَها، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الإلْزامُ لا بَيانُ أنَّ الأنْفَعِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا أنَّهم لا يَدْرُونَها، ولَعَلَّهُ عَلى هَذا لا يَرُدُّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاعْتِراضِ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ إنَّكم لا تَدْرُونَ أيُّ الوارِثِينَ والمُوَرِّثِينَ أسْرَعُ مَوْتًا فَيَرِثُهُ صاحِبُهُ فَلا تَتَمَنَّوْا مَوْتَ المَوْرُوثِ ولا تَسْتَعْجِلُوهُ، ونُسِبَ إلى أبِي مُسْلِمٍ، ولا يَخْفى مَزِيدُ بُعْدِهِ.

﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ عَلى حَدِّ هَذا ابْنِي حَقًّا لِأنَّهُ واقِعٌ بَعْدِ جُمْلَةٍ لا مُحْتَمَلَ لَها غَيْرُهُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ النّاصِبُ لَهُ مَحْذُوفًا وُجُوبًا أيْ فَرَضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ بَلْ هو اسْمُ مَفْعُولٍ وقَعَ حالًا، والتَّقْدِيرُ لِهَؤُلاءِ الوَرَثَةِ هَذِهِ السِّهامُ حالَ كَوْنِها مَفْرُوضَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: بَلْ هو مَصْدَرٌ إلّا أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ وهو يُوصِيكُمُ السّابِقُ عَلى غَيْرِ لَفْظِهِ إذِ المَعْنى يَفْرِضُ عَلَيْكُمْ؛ وأوْرَدَ عَلَيْهِ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ المَصْدَرَ إذا أُضِيفَ لِفاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ أوْ تَعَلُّقًا بِهِ يَجِبُ حَذْفُ فِعْلِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ إلّا أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ صَرِيحِ المَصْدَرِ وما تَضَمَّنَهُ لَكِنْ لا بُدَّ لِهَذا مِن دَلِيلٍ ولَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا ﴾ أيْ بِالمَصالِحِ والرُّتَبِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في كُلِّ ما قَضى وقَدَّرَ فَتَدْخُلُ فِيهِ أحْكامُ المَوارِيثِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ والخَبَرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِمِثْلِ هَذِهِ الألْفاظِ كَما قالَ الخَلِيلُ كالخَبَرِ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ لِأنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الدُّخُولِ تَحْتَ الزَّمانِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: القَوْمُ لَمّا شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً وفَضْلًا وإحْسانًا تَعَجَّبُوا فَقِيلَ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ كَذَلِكَ أيْ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِزِيادَةِ كانَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ ١٢

﴿ ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ ﴾ إنْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أوَّلًا ﴿ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًا مِنكم كانَ أوْ مِن غَيْرِكم، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ( لَهُنَّ ) ولَمْ يَقُلْ لَكم، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن بَطْنِ الزَّوْجَةِ وأنْ يَكُونَ مِن صُلْبِ بَنِيها أوْ بَنِي بَنِيها إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ولَدَ الوَلَدِ لا يَحْجِبُ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ تَقْدِيرِ عَدَمِ الوَلَدِ وبَيانَ حُكْمِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَقْدِيرِ وجُودِهِ وبَيانِ حُكْمِهِ ﴿ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ ﴾ مِنَ المالِ والباقِي في الصُّورَتَيْنِ لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ، أوْ ذَوِي الأرْحامِ، أوْ لِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ وارِثٌ آخَرُ ﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتا الصُّورَتَيْنِ لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ، والكَلامُ عَلى فائِدَةِ الوَصْفِ وكَذا عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ ذِكْرًا قَدْ مَرَّ آنِفًا فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ ﴿ ولَهُنَّ ﴾ أيِ الأزْواجِ تَعَدَّدْنَ أوْ لا ﴿ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ ﴾ عَلى التَّفْصِيلِ المُتَقَدِّمِ ﴿ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها ﴾ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما فَرَضَ لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ لِمَزِيَّةٍ عَلَيْها ولِذا اخْتُصَّ بِتَشْرِيفِ الخِطابِ، وتَقْدِيمِ ذِكْرِ حُكْمِ مِيراثِهِ وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ والقُرْبِ، ولا يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعَتَقُ والمُعْتَقَةُ لِاسْتِواءِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنهم.

﴿ دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ ﴾ المُرادُ بِالرَّجُلِ المَيِّتُ وهو اسْمُ كانَ ﴿ يُورَثُ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن ورِثَ الثُّلاثِيِّ خَبَرُ كانَ، والمُرادُ يُورَثُ مِنهُ فَإنَّ ورِثَ تَتَعَدّى بِمِن وكَثِيرًا ما تُحْذَفُ ﴿ كَلالَةً ﴾ هي في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ وهو الإعْياءُ قالَ الأعْشى: فَآلَيْتُ لا أرْثِي لَها مِن ”كَلالَةٍ“ ولا مِن حَفِيٍّ حَتّى أُلاقِيَ مُحَمَّدًا ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ واسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الحَقائِقِ لِلْقَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ لِضَعْفِها بِالنِّسْبَةِ إلى قَرابَتِهِما، وتُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخْلِفْ والِدًا ولا ولَدًا، وعَلى مَن لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَما تُطْلَقُ القَرابَةُ عَلى ذَوِي القَرابَةِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وآخَرُونَ جَوَّزُوا كَوْنَها صِفَةً كالهَجاجَةِ لِلْأحْمَقِ قالَ الشّاعِرُ: ” هَجاجَةُ“ مُنْتَخَبُ الفُؤادِ ∗∗∗ كَأنَّهُ نَعامَةٌ في وادٍ وتُسْتَعْمَلُ في المالِ المَوْرُوثِ مِمّا لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ إلّا أنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ شائِعٍ وهي في جَمِيعِ ذَلِكَ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، واخْتارَ كَثِيرٌ كَوْنَ أصْلِها مِن تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ إذْ أحاطَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ الإكْلِيلُ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ والكُلِّ لِإحاطَتِهِ بِالعَدَدِ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ: أصًلُ الكَلالَةِ عِنْدِي ما تَرَكَهُ الإنْسانُ وراءَ ظَهْرِهِ أخْذًا مِنَ الكَلِّ وهو الظَّهْرُ والقَفا، ونَصَبَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُورَثُ مِنهُ لِأجْلِ القَرابَةِ المَذْكُورَةِ، أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُورَثُ ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِكانَ؛ و ﴿ يُورَثُ ﴾ صِفَةٌ لِرَجُلٍ أيْ إنْ كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ ذا كَلالَةٍ لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ كَوْنِ ( كانَ ) تامَّةً، و( رَجُلٌ ) فاعِلُها، و ﴿ يُورَثُ ﴾ صِفَةٌ لَهُ و ﴿ كَلالَةً ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يُورَثُ، واحْتِمالُ نَصْبِها عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْضًا ظاهِرٌ، وجُوِّزَ فِيها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ قَرَأ بِهِ فَلا يَجُوزُ القِراءَةُ بِهِ أصْلًا، وجُعِلَ نَصْبُها عَلى الِاسْتِعْمالِ الغَيْرِ الشّائِعِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِيُورَثُ.

وقُرِئَ ( يُورَثُ ) و( يُورِثُ ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فانْتِصابُ ( كَلالَةً ) إمّا عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ يُورِثُ وارِثَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ، وإمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ أيْ يُورِثُ ذا كَلالَةٍ، وإمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُورَثُ لِأجْلِ الكَلالَةِ كَذا قالُوا، ثُمَّ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكُوفَةِ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو أنَّ الكَلالَةَ هُنا بِالمَعْنى الثّالِثِ، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جُبَيْرٍ وصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها بِالمَعْنى الثّانِي، ولَمْ نَرَ نِسْبَةَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ لِأحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، والأوَّلُ مِنهُما غَيْرُ بَعِيدٍ، والثّانِي سائِغٌ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا كَما لا يَخْفى.

﴿ أوِ امْرَأةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( رَجُلٌ ) مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَغْنى بِتَقْيِيدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْ تَقْيِيدِ المَعْطُوفِ، ولَعَلَّ فَصْلَ ذَكَرِها عَنْ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِشَرَفِهِ وأصالَتِهِ في الأحْكامِ، وقِيلَ: لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ بَيانَ حُكْمِهِ بِناءًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ «جابِرٍ أنَّهُ قالَ: أتانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَرِيضٌ فَقُلْتُ: كَيْفَ المِيراثُ وإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةً؟

فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ» ( ولَهُ ) أيِ الرَّجُلِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِوُجُوبِهِ فِيما وقَعَ بَعْدُ، أوْ حَتّى أنَّ ما ورَدَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما ﴾ وأتى بِهِ مُذَكِّرًا لِلْخِيارِ بَيْنَ أنْ يُراعى المَعْطُوفُ أوِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ رُوعِيَ هُنا المُذَكَّرُ لِتَقَدُّمِهِ ذِكْرًا وشَرافَةً، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِواحِدٍ مِنهُما، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا لِلْمَيِّتِ، أوِ المَوْرُوثِ ولِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلرَّجُلِ، وضَمِيرُ المَرْأةِ مَحْذُوفٌ، والمُرادُ ولَهُ أوْ لَها: ﴿ أخٌ أوْ أُخْتٌ ﴾ أيْ مِنَ الأُمِّ فَقَطْ وعَلى ذَلِكَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ حَتّى أنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِن أُمٍّ“، وعَنْ أُبَيٍّ مِنَ الأُمِّ، وهَذِهِ القِراءَةُ وإنْ كانَتْ شاذَّةً إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ اسْتَنَدَ إلَيْها بِناءًا عَلى أنَّ الشّاذَّ مِنَ القِراءاتِ إذا صَحَّ سَنَدُهُ كانَ كَخَبَرِ الواحِدِ في وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، ويُرْشِدُ إلى هَذا القَيْدِ أيْضًا أنَّ أحْكامَ بَنِي الأعْيانِ والعِلّاتِ هي الَّتِي تَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وأيْضًا ما قُدِّرَ هُنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأخِ والأُخْتِ، ولِلْأكْثَرِ وهُوَ السُّدُسُ، والثُّلُثُ هو فَرْضُ الأُمِّ، فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأوْلادِ الأُمِّ، ويُقالُ لَهم إخْوَةُ أخْيافٍ، وبَنُو الأخْيافِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُورَثُ ﴾ أوْ مِن ( رَجُلٌ ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ يُورَثُ ﴾ صِفَةً لَهُ ومَساقُها لِتَصْوِيرِ المَسْألَةِ، وذَكَرَ الكَلالَةَ لِتَحْقِيقِ جَرَيانِ الحُكْمِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مَعَ مَن ذَكَرَ ورَثَةٌ أُخْرى بِطَرِيقِ الكَلالَةِ ولا يَضُرُّ عِنْدَ مَن لَمْ يَقُلْ بِالمَفْهُومِ جَرَيانُهُ في صُورَةِ الأُمِّ، أوِ الجَدَّةِ مَعَ أنَّ قَرابَتَهُما لَيْسَ بِطَرِيقِ الكَلالَةِ، وكَذا لا يَضُرُّ عِنْدَ القائِلِ بِهِ أيْضًا لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ ﴿ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴾ أيِ الأُخْتِ والأخِ ﴿ السُّدُسُ ﴾ مِمّا تَرَكَ مِن غَيْرِ تَفْضِيلٍ لِلذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، ولَعَلَّهُ إنَّما عَدَلَ عَنْ فَلَهُ السُّدُسُ إلى هَذا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ المَذْكُورَ حُكْمُ الأخِ، وتَرْكُ حُكْمِ الأُخْتِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ لَها نِصْفَ الأخِ بِحُكْمِ الأُنُوثَةِ والحِكْمَةُ في تَسْوِيَةِ الشّارِعِ بَيْنَهُما تَساوِيهِما في الإدْلاءِ إلى المَيِّتِ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ.

﴿ فَإنْ كانُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ ﴿ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورِ بِواحِدٍ، أوْ بِما فَوْقَهُ، والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ دُونَ الواحِدِ لِأنَّهُ لا يُقالُ أكْثَرُ مِنَ الواحِدِ حَتّى لَوْ قِيلَ أوَّلُ بِأنَّ المَعْنى زائِدًا عَلَيْهِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَزَمَ التَّأْوِيلَ هُنا أيْضًا إذْ لا مُفاضَلَةَ بَعْدَ انْكِشافِ حالِ المُشارِ إلَيْهِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِاسْمِ الإشارَةِ حِينَئِذٍ تَأْكِيدُ الإشارَةِ إلى أنَّ المَسْألَةَ فَرْضِيَّةٌ، والفاءُ لِما مَرَّ مِن أنَّ ذِكْرَ احْتِمالِ الِانْفِرادِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ احْتِمالِ العَدَدِ.

﴿ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ ﴾ يَقْتَسِمُونَهُ فِيما بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، وهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ، والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ، وفِيهِ خِلافُ الشِّيعَةِ، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ يُورَثُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أوْرَثَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوارِثُ، والمَعْنى وإنْ كانَ رَجُلٌ يُجْعَلُ وارِثًا لِأجْلِ الكَلالَةِ؛ أوْ ذا كَلالَةٍ أيْ غَيْرَ والِدٍ ولا ولَدٍ، ولِذَلِكَ الوارِثُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلٍّ مِن ذَلِكَ الوارِثِ أوْ أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ السُّدُسُ، فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أيْ مِنَ الِاثْنَيْنِ بِأنْ كانُوا ثَلاثَةً، أوْ أكْثَرَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ المُوَزَّعِ لِلِاثْنَيْنِ لا يُزادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَخْفى أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قاصِرٌ عَنْ بَيانِ حُكْمِ صُورَةِ انْفِرادِ الوارِثِ عَنِ الأخِ والأُخْتِ ومُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ في اسْتِحْقاقِ الوَرَثَةِ لِلْفَرْضِ المَذْكُورِ إخْوَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِن جِهَةِ الأُمِّ فَقَطْ، وخارِجٌ عَلى مَخْرَجٍ لا عَهْدَ بِهِ، وفِيهِ أيْضًا ما فِيهِ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ ﴾ أيْ مِن غَيْرِ ضِرارٍ لِوَرَثَتِهِ فَلا يُقِرُّ بِحَقٍّ لَيْسَ عَلَيْهِ، ولا يُوصِي بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فالدَّيْنُ هُنا مُقَيَّدٌ كالوَصِيَّةِ، وفي ﴿ يُوصِي ﴾ قِراءَتانِ سُبَعِيَّتانِ في البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ، و( غَيْرَ ) عَلى القِراءَةِ الأُولى حالٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وما حُذِفَ مِنَ المَعْطُوفِ اعْتِمادًا عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ رِجالٌ ﴾ عَلى قِراءَةِ ( يُسَبَّحُ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ”لِيُبْكَ“ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المَذْكُورِ والمَحْذُوفِ اكْتِفاءً بِهِ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وذَيِّها بِأجْنَبِيٍّ كَما لا يَخْفى، أيْ يُوصى بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُضارٍّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ في المَجْهُولِ لِأنَّهُ تُرِكَ بِحَيْثُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَلا يَصِحُّ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ أيْ إيصاءً غَيْرَ مُضارٍّ، واخْتارَ بَعْضُهم جَعْلَهُ حالًا مِن وصِيَّةٍ أوْ دَيْنٍ أيْ مِن بَعْدِ أداءِ وصِيَّةٍ أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضُاَرٍّ ذَلِكَ الواحِدَ؛ وجَعَلَ التَّذْكِيرَ لِلتَّغْلِيبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ هَذا البَعْضُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى ما تَقَدِّمَ غَيْرَ مُضِرٍّ نَفْسَهُ بِأنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا خِلافَ الشَّرْعِ بِالزِّيادَةِ عَلى الثُّلُثِ وهو صَحِيحٌ في نَفْسِهِ إلّا أنَّ المُتَبادَرَ الأوَّلُ وعَلَيْهِ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ كَما قالَ جَمْعٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى غَيْرَ قاصِدٍ الإضْرارَ بَلِ القُرْبَةَ، وذَكَرَ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإيصاءَ والإقْرارَ بِالدَّيْنِ لِقَصْدِ الإضْرارِ لا يَسْتَحِقُّ التَّنْفِيذَ وهو كَذَلِكَ إلّا أنَّ إثْباتَ القَصْدِ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِإقْرارِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَصْدَ الإضْرارِ لا القُرْبَةِ بِالوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَما دُونَهُ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّنْفِيذِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَصَدَّقَ عَلَيْكم بِثُلُثِ أمْوالِكم زِيادَةً في حَياتِكم، نَعَمْ ذاكَ مُحَرَّمٌ بِلا شُبْهَةٍ ولَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ غَيْرَ مُنْفِذٍ فَإنَّ نَحْوَ العِتْقِ والوَقْفِ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مُحَرَّمٌ بِالإجْماعِ مَعَ أنَّهُ نافِذٌ، ومَنِ ادَّعى تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالوَصِيَّةِ فَعَلَيْهِ البَيانُ وإقامَةُ البُرْهانِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الإضْرارَ بِالوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا: ”«إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذا أوْصى حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ“».

﴿ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وصِيَّةً، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ مُؤَكِّدًا لِفَخامَتِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ ولَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنهُما بِمَحَلِّهِ ما قالَهُ الإمامُ مِن «أنَّ لَفْظَ الفَرْضِ أقْوى وآكَدُ مِن لَفْظِ الوَصِيَّةِ، فَخَتَمَ شَرْحَ مِيراثِ الأوْلادِ بِذِكْرِ الفَرْضِيَّةِ، وخَتَمَ شَرْحَ مِيراثِ الكَلالَةِ بِالوَصِيَّةِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكُلَّ وإنْ كانَ واجِبَ الرِّعايَةِ إلّا أنَّ القِسْمَ الأوَّلَ وهو حالُ رِعايَةِ الأوْلادِ أوْلى»، وقِيلَ إنَّ الوَصِيَّةَ أقْوى مِنَ الفَرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى الرَّغْبَةِ وطَلَبِ سُرْعَةِ الحُصُولِ، فَخَتَمَ شَرْحَ مِيراثِ الكَلالَةِ بِها لِأنَّها لِبُعْدِها رُبَّما لا يُعْتَنى بِشَأْنِها فَحَرَّضَ عَلى الِاعْتِناءِ بِها بِذِكْرِ الوَصِيَّةِ ولا كَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضارٍّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ إمّا بِتَقْدِيرٍ أيْ أهْلَ وصِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى المُبالَغَةِ لِأنَّ المُضارَّةَ لَيْسَتْ لِلْوَصِيَّةِ بَلْ لِأهْلِها فَهو عَلى حَدِّ يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ ومُضارَّتُها الإخْلالُ بِحُقُوقِهِمْ ونَقْصُها بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِما زادَ عَلى الثُّلْثِ، أوْ بِهِ مَثَلًا لِقَصْدِ الإضْرارِ دُونَ القُرْبَةِ والإقْرارِ بِالدَّيْنِ كاذِبًا.

والمُرادُ مِنَ الأهْلِ الوَرَثَةُ المَذْكُورَةُ هَهُنا ووَقَعَ في بَعْضِ العِباراتِ أنَّ المُرادَ وصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى بِالأوْلادِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ الوَرَثَةُ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ عَنِ الكُلِّيِّ بِأشْهَرِ أفْرادِهِ كَما عَبَّرَ عَنْ مُطْلَقِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ بِأكْلِهِ وإلّا فَهو غَيْرُ مُلائِمٍ وإنَّما نَصَبَ مُضارٌّ المَفْعُولَ بِهِ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ عَلى ذِي الحالِ، أوْ مَنفِيٌّ مَعْنًى فَيَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، ويَشْهَدُ لِهَذا الِاحْتِمالِ قِراءَةُ الحَسَنِ ( غَيْرَ مُضارِّ وصِيَّةٍ ) بِالإضافَةِ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ في هَذِهِ القِراءَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: غَيْرَ مُضارٍّ أهْلَ وصِيَّةٍ فَحَذَفَ المُضافَ، والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ غَيْرَ مُضارٍّ وقْتَ وصِيَّةٍ فَحُذِفَ وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى الزَّمانِ، ويَقْرُبُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: هو فارِسُ حَرْبِ أيْ فارِسٌ في الحَرْبِ، وتَقُولُ: هو فارِسُ زَمانِهِ أيْ في زَمانِهِ، والجُمْهُورُ لا يُثْبِتُونَ الإضافَةَ بِمَعْنى في، ووَقَعَ في «الدُّرِّ المَصُونِ» احْتِمالُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الخُرُوجِ ولَمْ يُبَيِّنِ المُرادَ مِن ذَلِكَ، ووَقَعَ في «هَمْعِ الهَوامِعِ» في المَفْعُولِ بِهِ: إنَّ الكُوفِيِّينَ يَجْعَلُونَهُ مَنصُوبًا عَلى الخُرُوجِ ولَمْ يُبَيِّنْهُ أيْضًا، قالَ الشِّهابُ: فَكَأنَّ مُرادَهم أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَرَفَيِ الإسْنادِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: فَضْلَةٌ.

فَلْيُنْظَرْ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: بِما دَبَّرَهُ بِخَلْقِهِ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَلا يَغْتَرَّنَّ المُضارُّ بِالإمْهالِ أوْ لا يَغْتَرَّنَّ مَن خالَفَهُ فِيما بَيْنَهُ مِنَ الفَرائِضِ بِذَلِكَ، والإضْمارُ في مَقامِ الإظْهارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْرَدَ أقْسامَ الوَرَثَةِ في هَذِهِ الآياتِ عَلى أحْسَنِ التَّرْتِيباتِ، وذَلِكَ أنَّ الوارِثَ إمّا أنْ يَتَّصِلَ بِالمَيِّتِ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، أوْ يَتَّصِلَ بِهِ بِواسِطَةٍ فَإنِ اتَّصَلَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ فَسَبَبُ الِاتِّصالِ إمّا أنْ يَكُونَ النَّسَبُ أوِ الزَّوْجِيَّةُ، فَحَصَلَ هُنا ثَلاثَةُ أقْسامٍ: أشْرَفُها وأعْلاها الِاتِّصالُ الحاصِلُ ابْتِداءً مِن جِهَةِ النَّسَبِ، وذَلِكَ هو قَرابَةُ الوِلادَةِ، ويَدْخُلُ فِيها الأوْلادُ والوالِدانِ، وثانِيها الِاتِّصالُ الحاصِلُ ابْتِداءً مِن جِهَةِ الزَّوْجِيَّةِ وهَذا القِسْمِ مُتَأخِّرٌ في الشَّرَفِ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ لِأنَّ الأوَّلَ ذاتِيٌّ والثّانِيَ عَرَضِيٌّ؛ والذّاتِيُّ أشْرَفُ مِنَ العَرَضِيِّ، وثالِثُها الِاتِّصالُ الحاصِلُ بِواسِطَةِ الغَيْرِ وهو المُسَمّى بِالكَلالَةِ، وهَذا القِسْمُ مُتَأخِّرٌ عَنِ القَسَمَيْنِ الأوَّلِينَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأوْلادَ والوالِدَيْنِ والأزْواجَ والزَّوْجاتِ لا يَعْرِضُ لَهُمُ السُّقُوطُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا الكَلالَةُ فَقَدْ يَعْرِضُ لَها السُّقُوطُ بِالكُلِّيَّةِ، وثانِيها: أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَنْتَسِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى المَيِّتِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والكَلالَةُ يَنْتَسِبُ إلى المَيِّتِ بِواسِطَةٍ، والثّابِتُ ابْتِداءً أشْرَفُ مِنَ الثّابِتِ بِواسِطَةٍ، وثالِثُها: أنَّ مُخالَطَةَ الإنْسانِ بِالوالِدَيْنِ والأوْلادِ والأزْواجِ والزَّوْجاتِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن مُخالَطَتِهِ بِالكَلالَةِ وكَثْرَةُ المُخالَطَةِ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والشَّفَقَةِ وذَلِكَ يُوجِبُ شِدَّةَ الِاهْتِمامِ بِأحْوالِهِمْ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ وأشْباهِها أخَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذِكْرَ مِيراثِ الكَلالَةِ عَنْ ذِكْرِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ وما أشَدَّ انْطِباقَهُ عَلى قَوانِينِ المَعْقُولاتِ كَما قالَهُ الإمامُ.

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٣

﴿ تِلْكَ ﴾ أيِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ في شُؤُونِ اليَتامى والمَوارِيثِ وغَيْرِها، واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى المَوارِيثِ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أيْ شَرائِعُهُ أوْ طاعَتُهُ أوْ تَفْصِيلاتُهُ أوْ شُرُوطُهُ، وأُطْلِقَتْ عَلَيْها الحُدُودُ لِشَبَهِها بِها مِن حَيْثُ إنَّ المُكَلَّفَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَجاوَزَها إلى غَيْرِها.

﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ فِيما فَرَضَ مِنَ الفَرائِضِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ.

﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها ﴾ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وأبْنِيَتِها، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿ الأنْهارُ ﴾ أيْ ماؤُها ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ ( يُدْخِلْهُ ) لِأنَّ الخُلُودَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ يَصِيدُ بِهِ غَدًا، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ مَعْنى ( مِن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ لِمُراعاةِ لَفْظِها ﴿ وذَلِكَ ﴾ أيْ دُخُولُ الجَنّاتِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ الفَوْزُ ﴾ أيِ الفَلاحُ والظَّفَرُ بِالخَيْرِ ﴿ العَظِيمُ ﴾ في نَفْسِهِ أوْ بِالإضافَةِ إلى حِيازَةِ التَّرِكَةِ عَلى ما قِيلَ؛ والجُمْلَةُ اعْتُرِضَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٤

﴿ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ فِيما فَرَضَ مِنَ الفَرائِضِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَن لا يُؤْمِنُ بِما فَصَّلَ سُبْحانَهُ مِنَ المَوارِيثِ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.

﴿ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ الَّتِي جاءَ بِها رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن جُمْلَتِها ما قَصَّ لَنا قَبْلُ، أوْ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ في القِسْمَةِ المَذْكُورَةِ اسْتِحْلالًا كَما حُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ في المَوْضِعَيْنِ ﴿ نارًا ﴾ أيْ عَظِيمَةً هائِلَةً ﴿ خالِدًا فِيها ﴾ حالٌ كَما سَبَقَ، وأُفْرِدَ هُنا وجُمِعَ هُناكَ لِأنَّ أهْلَ الطّاعَةِ أهْلُ الشَّفاعَةِ وإذا شَفَعَ أحَدُهم في غَيْرِهِ دَخَلَها مَعَهُ، وأهْلُ المَعاصِي لا يَشْفَعُونَ فَلا يَدْخُلُ بِهِمْ غَيْرُهم فَيَبْقَوْنَ فُرادى، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الخُلُودَ في دارِ الثَّوابِ بِصِيغَةِ الِاجْتِماعِ الَّذِي هو أجْلَبُ لِلْأُنْسِ، والخُلُودَ في دارِ العِقابِ بِصِيغَةِ الِانْفِرادِ الَّذِي هو أشَدُّ في اسْتِجْلابِ الوَحْشَةِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ والتَّبْرِيزِيُّ كَوْنَ ( خالِدِينَ ) هُناكَ و( خالِدًا ) هُنا صِفَتَيْنِ لِجَنّاتٍ أوْ نارٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ إبْرازُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُما جَرَيا عَلى غَيْرِ مَن هُما لَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الوَصْفِيَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى إبْرازِ الضَّمِيرِ إذْ لا لَبْسَ ﴿ ولَهُ عَذابٌ ﴾ أيْ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ ﴿ مُهِينٌ ﴾ أيْ مُذِلٌّ لَهُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمُرادُ جَمْعُ أمْرَيْنِ لِلْعُصاةِ المُعْتَدِينَ عَذابٍ جُسْمانِيٍّ وعَذابٍ رُوحانِيٍّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ مُخَلَّدٌ في النّارِ، والجَوابُ أنَّها لا تَصْدُقُ عَلَيْهِ إمّا لِأنَّها في الكافِرِ عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الكَلْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ وإمّا لِأنَّ المُرادَ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى جَمِيعُ حُدُودِهِ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ، والمُؤْمِنُ العاصِي واقِفٌ عِنْدَ حَدِّ التَّوْحِيدِ، وإمّا لِأنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ كَما أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ عِنْدَ الزّاعِمِ، وفي خَتْمِ آياتِ المَوارِيثِ بِهَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ أمْرِ المِيراثِ ولُزُومِ الِاحْتِياطِ والتَّحَرِّي وعَدَمِ الظُّلْمِ فِيهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: ««مَن قَطَعَ مِيراثًا فَرَضَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ قَطَعَ اللَّهُ مِيراثَهُ مِنَ الجَنَّةِ»».

وأخْرَجَ أبُو مَنصُورٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ السّاعَةَ لا تَقُومُ حَتّى لا يُقَسَّمَ مِيراثٌ ولا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةِ عَدُوٍّ، وكَأنَّ عَدَمَ القِسْمَةِ إمّا لِلتَّهاوُنِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ وكَثْرَةِ الظُّلْمِ بَيْنَ النّاسِ، وإمّا لِفُشُوِّ الجَهْلِ وعَدَمِ مَن يَعْرِفُ الفَرائِضَ، فَقَدْ ورَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««إنَّ عِلْمَ الفَرائِضِ أوَّلُ ما يُنْزَعُ مِنَ الأُمَّةِ»»، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ وعَلِّمُوهُ النّاسَ فَإنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وإنَّ العِلْمَ سَيُقْبَضُ وتَظْهَرُ الفِتَنُ حَتّى يَخْتَلِفَ الِاثْنانِ في الفَرِيضَةِ لا يَجِدانِ مَن يَقْضِي بِها»» ولَعَلَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أظْهَرُ.

هَذا وقَدْ سَدَّدْنا بابَ الإشارَةِ في الآياتِ لِما في فَتْحِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقَدْ تَرَكْناهُ لِأهْلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا ١٥

﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّجالِ والنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، و( اللّاتِي ) جَمْعُ الَّتِي عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِيلَ: هي صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والفاحِشَةُ ما اشْتَدَّ قُبْحُهُ، واسْتُعْمِلَتْ كَثِيرًا في الزِّنا لِأنَّهُ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ، وهو المُرادُ هُنا عَلى الصَّحِيحِ، والإتْيانُ في الأصْلِ المَجِيءُ، وفي «الصَّحّاحِ» يُقالُ: أتَيْتُهُ أتْيًا قالَ الشّاعِرُ: فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أتْيِ العَسْكَرِ وأتَوْتُهُ أتْوَةً لُغَةٌ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: كُنْتُ إذا أتَوْتُهُ مِن غَيْبِ وفِي «القامُوسِ» أتَوْتُهُ أتْوَةً وأتَيْتُهُ أتْيًا وإتْيانًا وإتْيانَةً بِكَسْرِهِما، ومَأْتاةً وإتِيًّا كَعِتِيٍّ، ويُكْسَرُ جِئْتُهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ كالمَجِيءِ والرَّهَقِ والغِشِيِّ عَنِ الفِعْلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وهو المُرادُ هُنا فالمَعْنى يَفْعَلْنَ الزِّنا أيْ يَزْنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّهْجِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( يَأْتِينَ ) بِالفاحِشَةِ - فالإتْيانُ عَلى أصْلِهِ المَشْهُورِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( يَأْتِينَ ) والمُرادُ مِنَ النِّساءِ كَما قالَ السُّدِّيُّ وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ - النِّساءَ اللّاتِي قَدْ أُنْكِحْنَ وأُحْصِنَّ ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ﴿ فاسْتَشْهِدُوا ﴾ أيْ فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ ﴿ عَلَيْهِنَّ ﴾ بِإتْيانِهِنَّ الفاحِشَةَ ﴿ أرْبَعَةً مِنكُمْ ﴾ أيْ أرْبَعَةً مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ قالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ  والخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ أنْ لا تُقْبَلَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ»، واشْتَرَطَ الأرْبَعَةُ في الزِّنا تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقِيلَ: لِيَقُومَ نِصابُ الشَّهادَةِ كامِلًا عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الزّانِيَيْنِ كَسائِرِ الحُقُوقِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ مَزِيدَةٌ فِيهِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجازَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ صارَ في حُكْمِ الشَّرْطِ حَيْثُ وصَلَتِ اللّاتِي بِالفِعْلِ قالَهُ أبُو البَقاءِ وذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ النَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ لِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ، وتَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصِّلَةِ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ غَيْرِ فاسْتَشْهِدُوا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ النَّصْبُ في اللّاتِي، وذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الِابْتِداءِ وأجازَ قَوْمٌ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اقْصِدُوا اللّاتِي أوْ تَعَمَّدُوا، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ اللّاتِي، فالجارُّ والمَجْرُورُ هو الخَبَرُ وحُكْمٌ هو المُبْتَدَأُ فَحُذِفا لِدَلالَةِ فاسْتَشْهَدُوا لِأنَّهُ الحُكْمُ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْحُكّامِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ.

﴿ فَإنْ شَهِدُوا ﴾ عَلَيْهِنَّ بِالإتْيانِ.

﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ ﴾ أيْ فاحْبِسُوهُنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ ﴿ فِي البُيُوتِ ﴾ واجْعَلُوها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ﴿ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ ﴾ المُرادُ بِالتَّوَفِّي أصْلُ مَعْناهُ أيِ الِاسْتِيفاءُ وهو القَبْضُ تَقُولُ: تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ واسْتَوْفَيْتُهُ إذا قَبَضْتَهُ.

وإسْنادُهُ إلى المَوْتِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَقْبِضَ أرْواحَهُنَّ المَوْتُ ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ التَّوَفِّي مَعْناهُ المَشْهُورُ إذْ يَصِيرُ الكَلامُ بِمَنزِلَةِ حَتّى يُمِيتَهُنَّ المَوْتُ ولا مَعْنى لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ يُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ أيْ مَلائِكَةُ المَوْتِ، أوْ يُجْعَلَ الإسْنادُ مَجازًا مِن إسْنادِ ما لِلْفاعِلِ الحَقِيقِيِّ إلى أثَرِ فِعْلِهِ.

﴿ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ أيْ مَخْرَجًا مِنَ الحَبْسِ بِما يَشْرَعُهُ مِنَ الحَدِّ لَهُنَّ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأخْرَجَ الإمامانِ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وارْبَدَّ وجْهُهُ»، وفي لَفْظٍ لِابْنِ جَرِيرٍ «يَأْخُذُهُ كَهَيْئَةِ الغِشِيِّ لِما يَجِدُ مِن ثِقَلِ ذَلِكَ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذاتَ يَوْمٍ فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: ”خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ والبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ»“ ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ أوَّلَ الإسْلامِ إذا شَهِدَ عَلَيْها أرْبَعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ بِالزِّنا حُبِسَتْ في السَّجْنِ فَإنْ كانَ لَها زَوْجٌ أخَذَ المَهْرَ مِنها ولَكِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْها مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولَيْسَ عَلَيْها حَدٌّ ولا يُجامِعُها.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ كانَتِ المَرْأةُ في بَدْءِ الإسْلامِ إذا زَنَتْ حُبِسَتْ في البَيْتِ وأخَذَ زَوْجُها مَهْرَها حَتّى جاءَتِ الحُدُودُ فَنَسَخَتْها، وحِكايَةُ النَّسْخِ قَدْ ورَدَتْ في غَيْرِ ما طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والنّاسِخُ عِنْدَ بَعْضِ آيَةِ الجَلَدِ عَلى ما في سُورَةِ النُّورِ وعِنْدَ آخَرِينَ إنَّ آيَةَ الحَبْسِ نُسِخَتْ بِالحَدِيثِ، والحَدِيثُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ الجَلَدِ، وآيَةُ الجَلَدِ بِدَلائِلِ الرَّجْمِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «مِنَ الجائِزِ أنْ لا تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِأنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، ويُوصِي بِإمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ بَعْدَ أنْ يَحْدُدْنَ صِيانَةً لَهُنَّ عَنْ مَثَلِ ما جَرى عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ الخُرُوجِ مِنَ البُيُوتِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ، ويَكُونُ السَّبِيلُ عَلى هَذا النِّكاحِ المُغْنِي عَنِ السِّفاحِ» وقالَ الشَّيْخُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ في «مَعالِمِ السُّنَنِ»: إنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ في الآيَةِ ولا في الحَدِيثِ وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ إمْساكَهُنَّ في البُيُوتِ مَمْدُودٌ إلى غايَةِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ سَبِيلًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ كانَ مُجْمَلًا فَلَمّا قالَ  : «خُذُوا عَنِّي» إلى آخِرِ ما في الحَدِيثِ صارَ ذَلِكَ بَيانًا لِما في تِلْكَ الآيَةِ لا ناسِخًا لَهُ، وصارَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ آيَةِ الجَلْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ما يَنْفَعُكَ في تَحْقِيقِ هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا ١٦

﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، أرادَ بِهِما البِكْرانِ اللَّذانِ لَمْ يُحَصَّنا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُ عُقُوبَتِهِما أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ لَكِنْ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ غَيْرِ ظاهِرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ واللَّذانِ ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالألِفِ كَما قِيلَ بَلْ يَكُونُ مَعَ الياءِ أيْضًا وهو عِوَضٌ عَنْ ياءِ الَّذِي المَحْذُوفِ إذْ قِياسُهُ اللَّذِيانِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ هُنا عَلى حَدِّهِ كَما في دابَّةٍ وشابَّةٍ ﴿ فَآذُوهُما ﴾ أيْ بَعْدَ اسْتِشْهادِ أرْبَعَةِ شُهُودٍ عَلَيْهِما بِالإتْيانِ، وتَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًا، واخْتُلِفَ في الإيذاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والضَّرْبِ بِالنِّعالِ، وعَنِ السُّدِّيِّ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ فَقَطْ ﴿ فَإنْ تابا ﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ الإيذاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿ وأصْلَحا ﴾ أيِ العَمَلَ.

﴿ فَأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ أيِ اصْفَحُوا عَنْهُما وكُفُّوا عَنْ أذاهُما ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا ﴾ مُبالِغًا في قَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ والجُمْلَةُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ، والخِطابُ هُنا لِلْحُكّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى فِعْلَتِهِما، ويُرادُ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى القُضاةِ والجَرِّ إلى الوُلاةِ وفَتْحِ بابِ الشَّرِّ عَلَيْهِما، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِذَلِكَ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والحُكْمُ عَلَيْهِ مَنسُوخٌ بِالحَدِّ المَفْرُوضِ في سُورَةِ النُّورِ أيْضًا عِنْدَ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ والطَّبَرِيُّ وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وهَذا مِمّا لا يَتَمَشّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ البِكْرانِ كَما لا يَخْفى، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ لِحُكْمِ الآيَتَيْنِ بَلِ الآيَةُ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهُنَّ النِّساءُ اللّاتِي يَسْتَمْتِعُ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ وحَدُّهُنَّ الحَبْسُ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في اللّائِطَيْنِ وحْدَهُما الإيذاءُ، وأمّا حُكْمُ الزُّناةِ فَسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ، وزُيِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وبِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ اللُّوطِيِّ ولَمْ يَتَمَسَّكْ أحَدٌ مِنهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وعَدَمُ تَمَسُّكِهِمْ بِها مَعَ شِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَصٍّ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في ذَلِكَ، وأيْضًا جَعَلَ الحَبْسَ في البَيْتِ عُقُوبَةَ السِّحاقِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى الخُرُوجِ كالزِّنا، فَلَوْ كانَ المُرادُ السَّحّاقاتِ لَكانَتِ العُقُوبَةُ لَهُنَّ عَدَمَ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ لا الحَبْسُ والمَنعُ مِنَ الخُرُوجِ، فَحَيْثُ جُعِلَ هو عُقُوبَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ الزّانِياتُ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وهو مِن أكابِرِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ عَلى أنَّهُ تَبَيَّنَ في الأُصُولِ أنَّ اسْتِنْباطَ تَأْوِيلٍ جَدِيدٍ في الآيَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ المُتَقَدِّمُونَ جائِزٌ، وبِأنَّ مَطْلُوبَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْرِفَةُ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكَمِّيَّةُ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ، ومُطْلَقُ الإيذاءِ لا يَصْلُحُ حَدًّا ولا بَيانًا لِلْكَمِّيَّةِ فَلِذا اخْتَلَفُوا، وبِأنَّ المُرادَ مِن إمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ حَبْسُهُنَّ فِيها واتِّخاذُها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ومِن حالِ المَسْجُونِ مُنِعَ مَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ وعَدِمَ تَمْكِينَهُ مِنَ الِاخْتِلاطِ، فَكانَ الكَلامُ في قُوَّةِ فامْنَعُوهُنَّ عَنِ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ عَلى أنَّ الحَبْسَ المَذْكُورَ حَدٌّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا الزَّجْرَ والتَّنْكِيلَ، وأُيِّدَ مَذْهَبُهُ بِتَمْحِيضِ التَّأْنِيثِ في الآيَةِ الأُولى والتَّذْكِيرِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ، والتَّغْلِيبُ خِلافُ الأصْلِ، ويُبْعِدُهُ أيْضًا لَفْظُ مِنكم فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ مِن رِجالِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرْبَعَةً مِنكُمْ ﴾ وأيْضًا لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآيَتَيْنِ وارِدًا في الزِّنا يَلْزَمُ أنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ الواحِدُ في المَوْضِعِ الواحِدِ مَرَّتَيْنِ وأنَّهُ تَكْرِيرٌ لا وجْهَ لَهُ، وأيْضًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْتاجُ إلى التِزامِ النَّسْخِ في شَيْءٍ مِنَ الآيَتَيْنِ بَلْ يَكُونُ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُقَرَّرًا عَلى حالِهِ، وعَلى ما قالَهُ الغَيْرُ يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ وهو خِلافُ الأصْلِ، وأيْضًا عَلى ما قالُوهُ يَكُونُ الكِتابُ خالِيًا عَنْ بَيانِ حُكْمِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ، وعَلى ما قُلْناهُ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِذَلِكَ وهو الأنْسَبُ بِحالِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، و ﴿ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا قَوْلٌ لِمُجاهِدٍ، فَفي «مُجْمَعِ البَيانِ» أنَّهُ حَمَلَ اللَّذانِ يَأْتِيانِها عَلى الرَّجُلَيْنِ الزّانِيَيْنِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُما الفاعِلانِ وهو لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أنَّهُما اللّائِطانِ عَلى أنَّ حَمْلَ ( اللّاتِي ) في الآيَةِ الأُولى عَلى السَّحّاقاتِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ عَنْهُ رِوايَةً صَحِيحَةً بَلْ قَدْ أخْرَجُوا عَنْهُ ما هو ظاهِرٌ في خِلافِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ آدَمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْهُ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّهُ كانَ أمَرَ أنْ يُحْبَسَ ثُمَّ نَسَخَتْها ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا ﴾ وما ذُكِرَ مِنَ العِلاوَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ يَبْعُدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّثْنِيَةِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ إنَّما عُهِدا بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَعُمَّ الآحادَ أوْ بِلَفْظِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الجِنْسِ ولا نُكْتَةَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ هُنا عَلى تَقْرِيرِ أبِي مُسْلِمٍ بَلْ كانَ المُناسِبُ عَلَيْهِ الجَمْعَ لِتَكُونَ آيَةِ اللِّواطَةِ كَآيَةِ السِّحاقِ، ولا يَرُدُّ هَذا عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى عِنْدَهم لِلْإناثِ الثَّيِّباتِ إذا زَنَيْنَ، والآيَةَ الثّانِيَةَ لِلذَّكَرِ البِكْرِ والأُنْثى البِكْرِ إذا زَنَيا فَغُويِرَ بَيْنَ التَّعْبِيرَيْنِ لِقُوَّةِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَوْرِدَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُغايِرَةُ عَلى رَأْيِهِمْ لِلْإيذانِ بِعِزَّةِ وُقُوعِ زِنا البِكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى وُقُوعِ زِنا الثَّيِّبِ لِأنَّ البِكْرَ مِنَ النِّساءِ تَخْشى الفَضِيحَةَ أكْثَرَ مِن غَيْرِها مِن جِهَةِ ظُهُورِ أثَرِ الزِّنا، وهو زَوالُ البَكارَةِ فِيها ولا كَذَلِكَ الثَّيِّبُ، ولا يُمْكِنُ اعْتِبارُ مِثْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ في المُغايَرَةِ عَلى رَأْيِ أبِي مُسْلِمٍ إذْ لا نُسَلِّمُ أنَّ وُقُوعَ اللِّواطَةِ مِنَ الرِّجالِ أقَلُّ مِن وُقُوعِ السِّحاقِ مِنَ النِّساءِ بَلْ لَعَلَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وكَوْنُ مَطْلُوبِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْرِفَةَ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكَمِّيَّةِ ذَلِكَ والإيذاءُ لا يَصْلُحُ حَدًّا ولا بَيانًا لِلْكَمِّيَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّ مِنهم مَن لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وقالَ: تُؤَخَّرُ عُقُوبَتُهُ إلى الآخِرَةِ، وبِهِ أخَذَ الأئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن أنْ يُعْتَبَرَ الإيذاءُ حَدًّا بَعْدَ أنْ ذُكِرَ في مَعْرِضِ الحَدِّ وتَفَوُّضِ كَيْفِيَّتِهِ إلى رَأْيِ الإمامِ فَيَفْعَلُ مَعَ اللُّوطِيِّ ما يَنْزَجِرُ بِهِ مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ؛ وكَوْنُ الكَلامِ في قُوَّةِ فامْنَعُوهُنَّ عَنِ اخْتِلاطٍ بِعَضِّهِنَّ بِبَعْضٍ في غايَةِ الخَفاءِ كَما لا يَخْفى.

نَعَمْ ما في حَيِّزِ العِلاوَةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ التَّغْلِيبَ خِلافُ الأصْلِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، واعْتِبارُهُ في مِنكم تَبَعَ لِاعْتِبارِهِ في اللَّذانِ وذِكْرُ مِثْلِهِ قَبْلُ بِلا تَغْلِيبٍ فِيهِ رُبَّما يُؤَيِّدُ اعْتِبارَ التَّغْلِيبِ فِيهِ لِيُغايِرَ الأوَّلَ فَيَكُونُ لِذِكْرِهِ بَعْدَهُ أتَمُّ فائِدَةٍ ألا تَرى كَيْفَ أُسْقِطَ مِنَ الآيَةِ الثّانِيَةِ الِاسْتِشْهادُ مَعَ اشْتِراطِهِ إجْماعًا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى لِاتِّحادِ الِاسْتِشْهادَيْنِ في المَسْألَتَيْنِ، ودَعْوى لُزُومِ التَّكْرارِ في المَوْضِعِ الواحِدِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ لَيْسَتْ في مَحَلِّها عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ودَعْوى الِاحْتِياجِ إلى التِزامِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ لا تَضُرُّ لِأنَّ النَّسْخَ أمْرٌ مَأْلُوفٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ هُنا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى أنَّ في كَوْنِ فَرْضِيَّةِ الحَدِّ نَسْخًا في الآيَةِ الأُولى مَقالًا يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ، وإذا جُعِلَ ﴿ أوْ يَجْعَلَ ﴾ إلَخْ مُعْتَبَرًا في الآيَةِ الثّانِيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مِنها اكْتِفاءً بِما في الأُولى كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ خَبَرُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جَرى المَقالُ في الآيَتَيْنِ ولُزُومُ خُلُوِّ الكِتابِ عَنْ بَيانِ حُكْمِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ دُونَ رَأْيِهِ في حَيِّزِ المَنعِ أمّا عَلى تَقْدِيرِ تَسْمِيَةِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ زِنًا فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَلِأنَّ ذِكْرَ ما يُمْكِنُ قِياسُهُما عَلَيْهِ في حُكْمِ البَيانِ لِحُكْمِهِما، وكَمْ حُكْمٍ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ في الكِتابِ اعْتِمادًا عَلى القِياسِ كَحُكْمِ النَّبِيذِ، وكَحُكْمِ الجَدِّ وغَيْرِهِما اعْتِمادًا عَلى بَيانِ ما يُمْكِنُ القِياسُ عَلَيْهِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ ما فَرَّطَ فِيهِ مِن شَيْءٍ، ومَنِ ادَّعى أنَّ جَمِيعَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ صَرِيحًا مِن غَيْرِ اعْتِبارِ قِياسٍ، فَقَدِ ارْتَكَبَ شَطَطًا وقالَ غَلَطًا، وبِالجُمْلَةِ: المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، ومَذْهَبُ أبِي مُسْلِمٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَسادِ بِمَحَلٍّ إلّا أنَّهُ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ ولَمْ تَحُطَّ رِحالُ القَبُولِ لَدَيْهِ، وهَذا ما عِنْدِي في تَحْقِيقِ المَقامِ وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ الِاعْتِصامُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١٧

ولَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِالتَّوّابِ الرَّحِيمِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانَ شَرْطِ قَبُولِ التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

﴿ إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ إنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ، وعَلى وإنِ اسْتُعْمِلَتْ لِلْوُجُوبِ حَتّى اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ الواجِبَةِ عَلَيْهِ، فالمُرادُ أنَّهُ لازِمٌ مُتَحَقِّقُ الثُّبُوتِ البَتَّةَ بِحُكْمِ سَبْقِ الوَعْدِ حَتّى كَأنَّهُ مِنَ الواجِباتِ كَما يُقالُ: واجِبُ الوُجُودِ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مِن، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عِنْدَ، وعَلَيْهِ الطَّبَرَسِيُّ أيْ إنَّما التَّوْبَةُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ ﴾ أيِ المَعْصِيَةَ صَغِيرَةً كانَتْ أوْ كَبِيرَةً، والتَّوْبَةُ مُبْتَدَأٌ، ولِلَّذِينِ خَبَرُهُ، وعَلى اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ المُسْتَكِنِّ في مُتَعَلِّقِ الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى عامِلِها المَعْنَوِيِّ عِنْدَ كَوْنِها ظَرْفًا وجَعْلِهِ بَعْضَهم عَلى حَدِّ هَذا بُسْرًا أطْيَبُ مِنهُ رُطَبًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلتَّوْبَةِ أيْ إنَّما التَّوْبَةُ الكائِنَةُ عَلى اللَّهِ و( لِلَّذِينَ ) هو الخَبَرُ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ عَلى اللَّهِ هو الخَبَرُ، ولِلَّذِينِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنَّ في مُتَعَلِّقِ الخَبَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما تُعُلِّقَ بِهِ الخَبَرُ، ولا يَخْفى أنَّ سَوْقَ الآيَةِ يُؤَيِّدُ جَعْلَ لِلَّذِينِ خَبَرًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَمْ يَتَعَسَّفْ.

﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَعْمَلُونَ أيْ يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُتَلَبِّسِينَ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِيَعْمَلُونَ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ مِنَ الجَهالَةِ الجَهْلُ والسَّفَهُ بِارْتِكابِ ما لا يَلِيقُ بِالعاقِلِ لا عَدَمُ العِلْمِ خِلافًا لِلْجُبّائِيِّ فَإنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، والجَهْلُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةٌ وارِدَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا ومِن هُنا قالَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ البَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ»، وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن عَصى رَبَّهُ فَهو جاهِلٌ حَتّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُصِيَ بِهِ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كُلُّ ذَنْبِ عَمِلَهِ العَبْدُ وإنْ كانَ عالِمًا فَهو جاهِلٌ فِيهِ حِينَ خاطَرَ بِنَفْسِهِ في مَعْصِيَةِ رَبِّهِ، فَقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ فَنَسَبَهم إلى الجَهْلِ لِمُخاطَرَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِجَهالَةٍ ﴾ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كُنْهَ ما في المَعْصِيَةِ مِنَ العُقُوبَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ذَلِكَ اخْتِيارُهُمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ.

﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ أيْ مِن زَمانٍ قَرِيبٍ وهو ما قَبْلَ حُضُورِ المَوْتِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا حَضَرَ ﴾ إلَخْ يُرْوى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ في آخِرِ خِطْبَةٍ خَطَبَها: ««مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرَةٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ اليَوْمَ لَكَثِيرٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِساعَةٍ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» ثُمَّ قالَ: «وإنَّ السّاعَةَ لَكَثِيرَةٌ؛ مَن تابَ قَبْلَ مَوْتِهِ وقَدْ بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَذِهِ وأهْوى بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ إلى حَلْقِهِ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ»» وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا عِنْدَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وثَمَّ أبُو قِلابَةَ فَحَدَّثَ أبُو قِلابَةَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا لَعَنَ إبْلِيسَ سَألَهُ النَّظِرَةَ فَأنْظَرَهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ فَقالَ وعِزَّتِكَ لا أُخْرِجُ مِن قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ما دامَ فِيهِ الرُّوحُ قالَ: وعِزَّتِي لا أحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ ما دامَ فِيهِ الرُّوحُ،» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَرِيبُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرَ إلى مَلَكِ المَوْتِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: الدُّنْيا كُلُّها قَرِيبٌ وعَنِ الإمامِ القُشَيْرِيِّ: القَرِيبُ عَلى لِسانِ أهْلِ العِلْمِ قَبْلَ المَوْتِ، وعَلى لِسانِ أهْلِ المُعامَلَةِ قَبْلَ أنْ تَعْتادَ النَّفْسُ السُّوءَ ويَصِيرُ لَها كالطَّبِيعَةِ، ولَعَلَّ مُرادَهم أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ يَبْعُدُ عَنِ القَبُولِ، وإنْ لَمْ يَمْتَنِعْ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، و( مِن ) تَبْعِيضِيَّةٌ كَأنَّهُ جَعَلَ ما بَيْنَ وُجُودِ المَعْصِيَةِ وحُضُورِ المَوْتِ زَمانًا قَرِيبًا، فَفي أيِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ هَذا الزَّمانِ تابَ فَهو تائِبٌ في بَعْضِ أجْزاءِ زَمانٍ قَرِيبٍ، وجَعَلَها بَعْضُهم لِابْتِداءِ الغايَةِ.

ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ مَن إذا كانَتْ لِابْتِداءِ الغايَةِ لا تَدْخُلُ عَلى الزَّمانِ عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ، والَّذِي لِابْتِدائِيَّتِهِ مُذْ ومُنْذُ، وفي الإتْيانِ بِثَمَّ إيذانٌ بِسِعَةِ عَفْوِهِ تَعالى.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ أيِ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِمْ بِانْقِضاءِ ذِكْرِهِمْ في حُكْمِ البَعِيدِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إيذانًا بِبُعْدِ مَرْتَبَتِهِمْ ورِفْعَةِ شَأْنِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم تائِبُونَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، وهَذا وعْدٌ بِالوَفاءِ بِما وعَدَ بِهِ سُبْحانَهُ أوَّلًا فَلا تَكْرارَ، وضُمِّنَ ( يَتُوبَ ) مَعْنى يَعْطِفُ فَلِذا عُدِّيَ بِعَلى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: التَّوْبَةُ كالواجِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ما هو كالواجِبِ عَلَيْهِ تَعالى كائِنٌ لا مَحالَةَ فالتَّوْبَةُ أمْرٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ فالآيَةُ الأُولى واقِعَةٌ مَوْقِعَ الصُّغْرى والكُبْرى مَطْوِيَّةٌ، والآيَةُ الثّانِيَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ بِإخْلاصِ مَن يَتُوبُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ فَلا يُعاقِبُ التّائِبَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٔـٰنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ١٨

﴿ ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ ﴾ عَلى اللَّهِ ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ المَعاصِيَ وجُمِعَتْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها في الزَّمانِ المَدِيدِ لا لِأنَّ المُرادَ بِها جَمِيعُ أنْواعِها وبِما مَرَّ مِنَ السُّوءِ نَوْعٌ مِنها ﴿ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ ﴾ بِأنْ شاهَدَ الأحْوالَ الَّتِي لا يُمْكِنُ مَعَها الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا بِحالٍ وعايَنَ مَلَكَ المَوْتِ وانْقَطَعَ حَبْلُ الرَّجاءِ ﴿ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ﴾ أيْ هَذا الوَقْتَ الحاضِرَ، وذُكِرَ لِمَزِيدِ تَعْيِينِ الوَقْتِ، وإيثارِ قالَ عَلى تابَ لِإسْقاطِ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ والتَّحاشِي عَنْ تَسْمِيَتِهِ تَوْبَةً، ولَوْ أكَّدَهُ ورَغِبَ فِيهِ، ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ كَوْنُ تِلْكَ الحالَةِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالآخِرَةِ بَلْ هي أوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنازِلِها، والدُّنْيا دارُ عَمَلٍ ولا جَزاءَ، والآخِرَةُ دارُ جَزاءٍ ولا عَمَلَ، وحَتّى حَرْفُ ابْتِداءٍ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها أيْ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِقَوْمٍ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ إلى حُضُورِ مَوْتِهِمْ وقَوْلِهِمْ: كَيْتَ وكَيْتَ.

﴿ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ قَبْلَهُ أيْ لَيْسَ قَبُولُ التَّوْبَةِ لِهَؤُلاءِ ولا لِهَؤُلاءِ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ مَعَ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهم رَأْسًا المُبالَغَةُ في عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ المُسَوِّفِينَ والإيذانِ بِأنَّ وُجُودَها كالعَدَمِ بَلْ في تَكْرِيرِ حَرْفِ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ كَما قِيلَ إشْعارٌ خَفِيٌّ بِكَوْنِ حالِ المُسَوِّفِينَ في عَدَمِ اسْتِتْباعِ الجَدْوى أقْوى مِن حالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، والكَثِيرُ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ما يَشْمَلُ الفَسَقَةَ والكَفَرَةَ، ومِنَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ إلَخْ الكَفّارُ فَقَطْ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولَيْنِ الكَفّارُ خاصَّةً، وأنْ يُرادَ بِهِما الفَسَقَةُ وحْدَهم، وتَسْمِيَتُهم في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ كَفّارًا لِلتَّغْلِيظِ، وأنْ يُرادَ بِهِما ما يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا فالتَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ لِلتَّغْلِيبِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ الآيَةَ الأُولى: نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ والثّانِيَةَ: في المُنافِقِينَ، والثّالِثَةَ: في المُشْرِكِينَ، وفي جَعْلِ الوُسْطى في المُنافِقِينَ مَزِيدُ ذَمٍّ لَهم حَيْثُ جَعَلَ عَمَلَ السَّيِّئاتِ مِن غَيْرِهِمْ في جَنْبِ عَمَلِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَكَأنَّهم عَمِلُوها دُونَ غَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا لا يَخْفى لُطْفُ التَّعْبِيرِ بِالجَمْعِ في أعْمالِهِمْ، وبِالمُفْرِدِ في المُؤْمِنِينَ لَكِنْ ضُعِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المُرادُ بِالمُنافِقِينَ إنْ كانَ المُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ فَلا تَوْبَةَ لَهم يَحْتاجُ إلى نَفْيِها، وإلّا فَهم وغَيْرُهم سَواءٌ.

هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ تَوْبَةَ اليائِسِ كَإيمانِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ تَوْبَةَ اليائِسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إيمانِهِ لِأنَّ الرَّجاءَ باقٍ ويَصِحُّ مَعَهُ النَّدَمُ، والعَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وأيْضًا التَّوْبَةُ تَجْدِيدُ عَهْدٍ مَعَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، والإيمانُ إنْشاءُ عَهْدٍ لَمْ يَكُنْ وفَرْقٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وفِيِ «البَزّازِيَّةِ» أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها تُقْبَلُ بِخِلافِ إيمانِ اليائِسِ، وإذا قُبِلَتِ الشَّفاعَةُ في القِيامَةِ وهي حالَةُ يائِسٍ فَهَذا أوْلى، وصَرَّحَ القاضِي عَبْدُ الصَّمَدِ الحَنَفِيُّ في «تَفْسِيرِهِ» إنَّ مَذْهَبَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ الإيمانَ أيْضًا يَنْتَفِعُ بِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مَوْلانا الشَّيْخَ الأكْبَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ صَرَّحَ في «فُتُوحاتِهِ» بِصِحَّةِ الإيمانِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَوْ غَرْغَرَ المُشْرِكُ بِالإسْلامِ لَرَجَوْتُ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا.

وأيْدٍ بَعْضُهُمُ القَوْلَ بِقَبُولِ تَوْبَةِ الكافِرِ عِنْدَ المُعايَنَةِ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في «التّارِيخِ» والحاكِمُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ أوْ يَغْفِرُ لِعَبْدِهِ ما لَمْ يَقَعِ الحِجابُ قِيلَ: وما وُقُوعُ الحِجابِ؟

قالَ: تَخْرُجُ النَّفْسُ وهي مُشْرِكَةٌ“» ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَنْها بِأنَّ مُفادَها أنَّ قَبُولَ تَوْبَةِ المُسَوِّفِ والمُصِرِّ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، ونَفْيُ التَّحَقُّقِ غَيْرُ تَحَقُّقِ النَّفْيِ فَيَبْقى الأمْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما بَيْنَ بَيْنَ، وأنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ عَفا عَنْهُما وإنْ شاءَ لَمْ يَعْفُ وآيَةُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ تُبَيِّنُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ المَغْفِرَةَ لِلْكافِرِ المُصِرِّ ويَبْقى التّائِبُ عِنْدَ المَوْتِ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ تَحْتَ المَشِيئَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ الوُسْطى تَوْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِتُقْبَلَ بَلْ غايَةُ ما فِيها قَوْلُ: إنِّي تُبْتُ الآنَ وهو إشارَةٌ إلى عَدَمِ وُجُودِ تَوْبَةٍ صادِقَةٍ، ولِذا لَمْ يَقُلْ ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ تابَ وعَلى تَسْلِيمِ أنَّ التَّعْبِيرَ بِالقَوْلِ لِنُكْتَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالآنِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ اسْتِيفاءِ التَّوْبَةِ لِلشُّرُوطِ لِأنَّ فِيهِ رَمْزًا إلى عَدَمِ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذَّنْبِ فِيما يَأْتِي مِنَ الأزْمِنَةِ إنْ أمْكَنَ البَقاءُ ومِن شُرُوطِ التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُتَرامِي حالُهم إلى الغايَةِ القُصْوى في الفَظاعَةِ ﴿ أعْتَدْنا لَهُمْ ﴾ أيْ هَيَّأْنا لَهم، وقِيلَ: أعْدَدْنا فَأُبْدِلَتِ الدّالُ تاءً ﴿ عَذابًا ألِيمًا ﴾ أيْ مُؤْلِمًا مُوجِعًا، وتَقْدِيمُ الجارِّ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِ العَذابِ مُهَيِّئًا لَهم، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِما مَرَّ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ العِقابِ لِمَن ماتَ مِن مُرْتَكِبِي الكَبائِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَهْيِئَةَ العَذابِ هو خَلْقُ النّارِ الَّتِي يُعَذَّبُ بِها، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُدْخِلُهم فِيها البَتَّةَ، وكَوْنُهُ تَعالى يُدْخِلُ مَن ماتَ كافِرًا فِيها مَعْلُومٌ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا إنْ لَمْ نَعْفُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النُّصُوصُ، ويُرْوى عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .

واعْتُرِضَ بِأنَّ أعْتَدْنا خَبَرٌ ولا نَسْخَ في الأخْبارِ، وقِيلَ: إنَّ ( أُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ فَلا إشْكالَ كَما لَوْ جُعِلَ إشارَةً إلى الفَرِيقَيْنِ وأُرِيدَ بِالأوَّلِ المُنافِقُونَ، وبِالثّانِي المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ١٩

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ لَمّا نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ عَنْ عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرِ اليَتامى والأمْوالِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِنانِ بِنَوْعٍ مِن سُنَنِهِمْ في النِّساءِ أنْفُسِهِنَّ أوْ أمْوالِهِنَّ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ وتَرَكَ جارِيَةً ألْقى عَلَيْها حَمِيمُهُ ثَوْبَهُ فَمَنَعَها مِنَ النّاسِ فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَها وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَها حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وأبِي داوُدَ «كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كُبَيْشَةَ ابْنَةِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ مِنَ الأوْسِ كانَتْ عِنْدَ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ فَتُوُفِّيَ عَنْها فَجَنَحَ عَلَيْها ابْنُهُ فَجاءَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: لا أنا ورِثْتُ زَوْجِي ولا أنا تُرِكْتِ فَأُنْكَحُ فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ أهْلُ يَثْرِبَ إذا ماتَ الرَّجُلُ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ ورِثَ امْرَأتَهُ مَن يَرِثُ مالَهُ، فَكانَ يَعْضُلُها حَتّى يَتَزَوَّجَها أوْ يُزَوِّجَها مَن أرادَ فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَحْبِسُ المَرْأةَ عِنْدَهُ لا حاجَةَ لَهُ بِها ويَنْتَظِرُ مَوْتَها حَتّى يَرِثَها فالنِّساءُ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرِثُوا عَلى أنْ يَكُنَّ هُنَّ المَوْرُوثاتِ، وكَرْهًا مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النِّساءِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ ﴿ تَرِثُوا ﴾ والمَعْنى لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا نِساءَ مَوْتاكم بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما حَلَّ لَكم أخْذُ الأمْوالِ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ، أوْ أنْتُمْ مُكْرِهُونَ لَهُنَّ، وإمّا مَفْعُولٌ أوَّلُ لَهُ، والمَعْنى: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِنَ النِّساءِ المالَ بِطَرِيقِ الإرْثِ كَرْهًا والمُرادُ مِن ذَلِكَ أمْرُ الزَّوْجِ أنْ يُطَلِّقَ مَن كَرِهَ صُحْبَتَها ولا يُمْسِكَها كَرْهًا حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَ مِنها مالَها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( كُرْهًا ) بِالضَّمِّ في مَواضِعِهِ، ووافَقَهُما عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ في الأحْقافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ ذَلِكَ وهُما بِمَعْنًى كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقِيلَ: الكُرْهُ بِالضَّمِّ الإكْراهُ وبِالفَتْحِ الكَراهِيَةُ، وقُرِئَ لا تَحِلُّ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِأنَّ أنْ تَرِثُوا بِمَعْنى الوِراثَةِ كَما قُرِئَ ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَقالَةِ، وهَذا عَكْسُ تَذْكِيرٍ المَصْدَرِ المُؤَنَّثِ لِتَأْوِيلِهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَكُلٌّ مِنهُما جارٍ في اللِّسانِ الفَصِيحِ.

﴿ ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أصْلُ العَضْلِ التَّضْيِيقُ والحَبْسُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها عَسُرَ عَلَيْها كَأعْضَلَتْ فَهي مُعْضِلٌ ومُعَضِّلٌ، ويُقالُ: عَضَلَ المَرْأةَ يَعْضُلُها مُثَلَّثَةً عَضْلًا وعِضْلًا وعِضْلانًا بِكَسْرِهِما، وعَضَّلَها مَنَعَها الزَّوْجُ ظُلْمًا، وعَضَلَتِ الأرْضُ بِأهْلِها غَصَّتْ قالَ أوْسٌ: تَرى الأرْضَ مِنّا بِالفَضاءِ مَرِيضَةً ”مُعَضِّلَةً“ مِنّا بِجَيْشٍ عَرَمْرَمِ و( لا ) إمّا ناهِيَةٌ عَلى ما قِيلَ والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِناءً عَلى جَوازِ عَطْفِ جُمْلَةِ النَّهْيِ عَلى جُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ كَما نُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، أوْ بِناءً عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى في مَعْنى النَّهْيِ إذْ مَعْناها ”لا تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا“ فَإنَّهُ غَيْرُ حَلالٍ لَكم، وإمّا نافِيَةٌ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى تَرِثُوا كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَحِلُّ مِيراثُ النِّساءِ ”كَرْهًا“ ولا عَضْلَهُنَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ”ولا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ“، وأمّا جَعْلُ لا نافِيَةً غَيْرَ مَزِيدَةٍ والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ فَقَدْ رَدَّهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ إذا عُطِفَ فِعْلٌ مَنفِيٌّ بِلا عَلى مُثْبَتٍ وكانا مَنصُوبَيْنِ فالقاعِدَةُ أنَّ النّاصِبَ يُقَدَّرُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ لا بَعْدَ لا ولَوْ قَدَّرَتْهُ هُنا بَعْدَ العاطِفِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَسَدَّ المَعْنى كَما لا يَخْفى، والخِطابُ في المُتَعاطِفَيْنِ إمّا لِلْوَرَثَةِ غَيْرِ الأزْواجِ فَقَدْ كانُوا يَمْنَعُونَ المَرْأةَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها مِنَ التَّزَوُّجِ لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، أوْ تُعْطِيهِمْ صَداقًا أخَذَتْهُ كَما كانُوا يَرِثُونَهُنَّ كَرْهًا، والمُرادُ بِما آتَيْتُمُوهُنَّ عَلى هَذا ما أتاهُ جِنْسُكم وإلّا لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ لِأنَّ الوَرَثَةَ ما آتَوْهُنَّ شَيْئًا، وإمّا لِلْأزْواجِ فَإنَّهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ ما تَقَدَّمَ كانُوا يُمْسِكُونَ النِّساءَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لَهم إلَيْهِنَّ فَيُضارُّوهُنَّ ويُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ لِيَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَوْهُنَّ بِأنْ يَخْتَلِعْنَ بِمُهُورِهِنَّ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَثِيرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والِالتِئامُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ الأوَّلُ لِلْوَرَثَةِ، وهَذا الخِطابُ لِلْأزْواجِ والكَلامُ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَرْهًا ) فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ القاعِدَةِ أنَّهُ لا يُخاطَبُ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ نِداءٍ، فَلا يُقالُ: قُمْ واقْعُدْ خِطابًا لِزَيْدٍ وعَمْرٍو، بَلْ يُقالُ: قُمْ يا زَيْدُ، واقْعُدْ يا عَمْرُو، وقِيلَ: هَذا خِطابٌ لِلْأزْواجِ ولَكِنْ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ مَنكُوحاتِهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ يَنْكِحُ الرَّجُلُ مِنهُمُ المَرْأةَ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّها ما تُوافِقُهُ فَيُفارِقُها عَلى أنْ لا تَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِهِ فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيُكْتَبُ ذَلِكَ عَلَيْها فَإذا خَطَبَها خاطِبٌ فَإنْ أعْطَتْهُ وأرْضَتْهُ أذِنَ لَها وإلّا عَضَلَها.

والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتَذْهَبُوا ﴾ إلَخْ أنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَ ما آتَيْتُمُوهُنَّ وتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِعْلِهِنَّ لِكَوْنِهِ لِصُدُورِهِ عَنِ اضْطِرارٍ مِنهُنَّ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذَّهابِ بِهِ لا بِالأخْذِ، والإذْهابُ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِهِ بِبَيانِ تَضَمُّنِهِ لِأمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مَحْظُورٌ شَنِيعُ الأخْذِ والإذْهابِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذَّهابِ مُصْطَحِبًا بِهِ؛ وذَكَرَ البَعْضَ لِيُعْلَمَ مِنهُ أنَّ الذَّهابَ بِالكُلِّ أشْنَعُ شَنِيعٍ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن بَيْنِ اللّازِمِ بِمَعْنى تَبَيَّنَ أوِ المُتَعَدِّي، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ مُبَيِّنَةٍ حالَ صاحِبِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مُبَيَّنَةٍ ) عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ( مُبَيِّنَةٍ ) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن أبانَ اللّازِمِ بِمَعْنى تَبَيَّنَ أوِ المُتَعَدِّي، والمُرادُ بِالفاحِشَةِ هُنا النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ وآخَرُونَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكم، وفي «الدُّرِّ المَنثُورِ» نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ بِدُونَ عَلَيْكم إلى أُبِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها الزِّنا.

وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي قِلابَةَ وابْنِ سِيرِينَ، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: مُتَّصِلٌ وهو مِن ظَرْفِ زَمانٍ عامٍّ أيْ لا تَعْضُلُوهُنَّ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ إيتائِهِنَّ إلَخْ، أوْ مِن حالٍ عامَّةٍ أيْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في هَذِهِ الحالِ، أوْ مِن عِلَّةٍ عامَّةٍ أيْ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِإيتائِهِنَّ ولا يَأْبى هَذا ذِكْرَ العِلَّةِ المَخْصُوصَةِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ العُمُومَ أيْ لِلذَّهابِ وغَيْرِهِ، وذِكْرُ فَرْدٍ مِنهُ لِنُكْتَةٍ أوْ لِأنَّ العِلَّةَ المَذْكُورَةَ غائِيَّةٌ والعامَّةُ المُقَدَّرَةُ باعِثَةٌ عَلى الفِعْلِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ في الوُجُودِ.

وفِي الآيَةِ إباحَةُ الخُلْعِ عِنْدَ النُّشُوزِ لِقِيامِ العُذْرِ بِوُجُودِ السَّبَبِ مِن جِهَتِهِنَّ.

/ وحُكِيَ عَنِ الأصَمِّ أنَّ إباحَةَ أخْذِ المالِ مِنهُنَّ كانَ قَبْلَ الحُدُودِ عُقُوبَةً لَهُنَّ.

ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْهُ كانَ الرَّجُلُ إذا أصابَتِ امْرَأتُهُ فاحِشَةً أخَذَ ما ساقَ إلَيْها وأخْرَجَها فَنَسَخَ ذَلِكَ الحُدُودَ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِالعَضْلِ بِمَعْنى الحَبْسِ والإمْساكِ، ولا تَعَرُّضَ لَهُ بِأخْذِ المالِ فَفِيهِ إباحَةُ الحَبْسِ لَهُنَّ إذا أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ وهي الزِّنا عِنْدَ الأوَّلِ والسِّحاقُ عِنْدَ الثّانِي، فالآيَةُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ ﴾ .

﴿ وعاشِرُوهُنَّ ﴾ أيْ خالِقُوهُنَّ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهو ما لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ، والمُرادُ هَهُنا النَّصَفَةُ في القَسْمِ والنَّفَقَةِ، والإجْمالُ في القَوْلِ والفِعْلِ.

وقِيلَ: المَعْرُوفُ أنْ لا يَضْرِبَها ولا يُسِيءَ الكَلامَ مَعَها ويَكُونَ مُنْبَسِطَ الوَجْهِ لَها، وقِيلَ: هو أنْ يَتَصَنَّعَ لَها كَما تَتَصَنَّعُ لَهُ، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ مَن أوْجَبَ لَهُنَّ الخِدْمَةَ إذا كُنَّ مِمَّنْ لا يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُنَّ، والخِطابُ لِلَّذِينِ يُسِيئُونَ العِشْرَةَ مَعَ أزْواجِهِمْ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُرْتَبِطًا بِما سَبَقَ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أيْ كَرِهْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ وإمْساكَهُنَّ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِنَّ ما يُوجِبُ ذَلِكَ ﴿ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ كالصُّحْبَةِ والإمْساكِ.

﴿ ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ كالوَلَدِ أوِ الأُلْفَةِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ الكَراهَةِ، وبِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ؛ وقَدْ أُقِيمَتْ مَقامَهُ إيذانًا بِقُوَّةِ اسْتِلْزامِها إيّاهُ فَإنَّ عَسى لِكَوْنِها لِإنْشاءِ التَّرَجِّي لا تَصْلُحُ لِلْجَوابِيَّةِ وهي تامَّةٌ رافِعَةٌ لِما بَعْدَها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الخَبَرِ، والمَعْنى فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ، ولا تُفارِقُوهُنَّ لِكَراهَةِ الأنْفُسِ وحْدَها، فَلَعَلَّ ”لَكم“ فِيما تَكْرَهُونَهُ ”خَيْرًا كَثِيرًا“ فَإنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَكْرَهُ ما يُحْمَدُ وتُحِبُّ ما هو بِخِلافِهِ، فَلْيَكُنْ مَطْمَحُ النَّظَرِ ما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ، دُونَ ما تَهْوى الأنْفُسُ، ونَكَّرَ شَيْئًا وخَيْرًا ووَصَفَهُ بِما وصَفَهُ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى تَرْكِ المُفارَقَةِ وتَعْمِيمًا لِلْإرْشادِ، ولِذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الطَّلاقَ مَكْرُوهٌ، وقُرِئَ ( ويَجْعَلُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالٌ أيْ وهو أيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ ( يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا )، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واللَّهِ يَجْعَلُ اللَّهُ بِوَضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، فالواوُ حِينَئِذٍ حالِيَّةٌ.

وفي دُخُولِها عَلى المُضارِعِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الأوَّلُ: مَنعُ دُخُولِها عَلَيْهِ إلّا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، والثّانِي: جَوازُهُ مُطْلَقًا.

والثّالِثُ: التَّفْصِيلُ بِأنَّهُ إنْ تَضَمَّنَ نُكْتَةً كَدَفْعِ إيهامِ الوَصْفِيَّةِ حَسُنَ وإلّا فَلا، ولا يَخْفى أنَّ تَقْدِيرَ المُبْتَدَأِ هُنا خِلافُ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ٢٠

﴿ وإنْ أرَدْتُمُ ﴾ أيُّها الأزْواجُ ﴿ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ ﴾ إقامَةَ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ فِيها ﴿ مَكانَ زَوْجٍ ﴾ أيِ امْرَأةٍ تَرْغَبُونَ عَنْها بِأنْ تُطَلِّقُوها ﴿ وآتَيْتُمْ ﴾ أيْ أعْطى أحَدُكم ﴿ إحْداهُنَّ ﴾ أيْ إحْدى الزَّوْجاتِ، فَإنَّ المُرادَ مِنَ الزَّوْجِ هو الجِنْسُ الصّادِقُ مَعَ المُتَعَدِّدِ المُناسِبِ لِخِطابِ الجَمْعِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ كَما قالَ الكَرْخِيُّ: الِالتِزامُ والضَّمانُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ ﴾ أيْ ما التَزَمْتُمْ وضَمِنتُمْ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ غَيْرُ مُرادٍ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وإنَّما ذُكِرَ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيها الأخْذُ فَنَبِّهُوا عَلى حُكْمِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ لا مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ أيْ وقَدْ آتَيْتُمُ الَّتِي تُرِيدُونَ أنْ تُطَلِّقُوها وتَجْعَلُوا مَكانَها غَيْرَها ﴿ قِنْطارًا ﴾ أيْ مالًا كَثِيرًا وقَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ فِيهِ ﴿ فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ ﴾ أيْ مِنَ القِنْطارِ المُؤْتى ﴿ شَيْئًا ﴾ يَسِيرًا أيْ فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ.

﴿ أتَأْخُذُونَهُ ﴾ أيِ الشَّيْءَ ﴿ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والمَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الوَصْفِ أيْ أتَأْخُذُونَهُ باهِتِينَ وآثِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى العِلَّةِ ولا فَرْقَ في هَذا البابِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً وأنْ تَكُونَ عِلَّةً باعِثَةً وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي نَحْوَ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا لِأنَّ الأخْذَ بِسَبَبِ بُهْتانِهِمْ واقْتِرافِهِمُ المَآثِمَ فَقَدْ قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ جَدِيدَةً بَهَتَ الَّتِي تَحْتَهُ بِفاحِشَةٍ حَتّى يُلْجِئَها إلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِما أعْطاها لِيَصْرِفَهُ إلى تَزَوُّجِ الجَدِيدَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يَبْهَتُ المَكْذُوبَ عَلَيْهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الباطِلُ الَّذِي يَتَحَيَّرُ مِن بُطْلانِهِ، وفُسِّرَ هُنا بِالظُّلْمِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الإثْمُ فَعُطِفَ الإثْمُ عَلَيْهِ لِلتَّفْسِيرِ كَما في قَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا إنْكارُ التَّمْلِيكِ والمُبِينُ البَيْنُ الظّاهِرُ.

<div class="verse-tafsir"

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًۭا ٢١

﴿ وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ إنْكارٌ بَعْدَ إنْكارٍ، وقَدْ بُولِغَ فِيهِ عَلى ما تَقَدَّمَ في ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ ، وقِيلَ: تَعْجِيبٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أيْ إنَّ أخْذَكم لَهُ لَعَجِيبٌ ﴿ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ ﴾ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ وإنْ لَمْ يُجامِعْ واخْتارَهُ الفَرّاءُ وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْإمامِيَّةِ، وفي «تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الإفْضاءُ الحُصُولُ مَعَها في لِحافٍ واحِدٍ جامَعَها أوْ لَمْ يُجامِعْها، ورُجِّحَ القَوْلُ الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ بِلا شُبْهَةٍ، والعَرَبُ إنَّما تَسْتَعْمِلُها فِيما يُسْتَحى مِن ذِكْرِهِ كالجِماعِ، والخَلْوَةُ لا يُسْتَحى مِن ذِكْرِها فَلا تَحْتاجُ إلى الكِنايَةِ، وأيْضًا في تَعْدِيَةِ الإفْضاءِ بِإلى ما يَدُلُّ عَلى مَعْنى الوُصُولِ والِاتِّصالِ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالجِماعِ، ومَن ذَهَبَ إلى الثّانِي قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ الخُلْوَةَ إفْضاءًا لِوُصُولِ الرَّجُلِ بِها إلى مَكانِ الوَطْءِ ولا يَسْلَمُ أنَّ الخُلْوَةَ لا يُسْتَحى مِن ذِكْرِها، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ تَأْخُذُونَهُ ﴾ مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَقْرِيرِ الِاسْتِبْعادِ أيْ عَلى أيِّ حالٍ أوْ في أيِّ تَأْخُذُونَهُ، والحالُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنكم ما وقَعَ ( و) قَدْ ( أخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا ) أيْ عَهْدًا ﴿ غَلِيظًا ﴾ أيْ شَدِيدًا قالَ قَتادَةُ: هو ما أخَذَ اللَّهُ تَعالى لِلنِّساءِ عَلى الرِّجالِ ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: وقَدْ كانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ عِنْدَ عَقْدِ النِّكاحِ فَيُقالُ: اللَّهُ عَلَيْكَ لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ لِتُسَرِّحَنَّ بِإحْسانٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ ويَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ وكَثِيرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ المِيثاقُ الغَلِيظُ كَلِمَةُ النِّكاحِ الَّتِي اسْتَحَلَّ بِها فُرُوجَهُنَّ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن مَنَعَ الخُلْعَ مُطْلَقًا وقالَ: إنَّها ناسِخَةٌ لِآيَةِ البَقَرَةِ، وقالَ آخَرُ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي زَيْدٍ وقالَ جَماعَةٌ: لا ناسِخَةٌ ولا مَنسُوخَةٌ، والحُكْمُ الَّذِي فِيها هو الأخْذُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، واسْتَدَلَّ بِها كَما قالَ ابْنُ الفَرَسِ قَوْمٌ عَلى جَوازِ المُغالاةِ في المُهُورِ.

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَهى أنْ يُزادَ في الصَّداقِ عَلى أرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فاعْتَرَضَتْهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ فَقالَتْ: أما سَمِعْتَ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا ﴾ ؟

فَقالَ: اللَّهُمَّ غَفْرًا كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ المِنبَرَ، فَقالَ: إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تَزِيدُوا النِّساءَ في صَدُقاتِهِنَّ عَلى أرْبَعِمِائَةٍ دِرْهَمٍ فَمَن شاءَ أنْ يُعْطِيَ مِن مالِهِ ما أحَبَّ، وطَعَنَ الشِّيعَةُ بِهَذا الخَبَرِ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِجَهْلِهِ بِهَذِهِ المَسْألَةِ وإلْزامِ امْرَأةٍ لَهُ وقالُوا: إنَّ الجَهْلَ مُنافٍ لِلْإمامَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في جَوازِ إيتاءِ القِنْطارِ فَإنَّها عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: إنْ جاءَكَ زَيْدٌ وقَدْ قَتَلَ أخاكَ فاعْفُ عَنْهُ، وهو لا يَدُلُّ عَلى جَوازِ قَتْلِ الأخِ سَلَّمْنا أنَّها تَدُلُّ عَلى جَوازِ إيتائِهِ إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ جَوازَ إيتائِهِ مَهْرًا بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ إعْطاءَ الحُلِيِّ وغَيْرِهِ لا بِطْرِيقِ المَهْرِ بَلْ بِطَرِيقِ الهِبَةِ، والزَّوْجُ لا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ هِبَتِهِ لِزَوْجَتِهِ خُصُوصًا إذا أوْحَشَها بِالفِراقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ أفْضى ﴾ لا يُعَيَّنُ كَوْنُ المُؤْتى مَهْرًا سَلَّمْنا كَوْنَهُ مَهْرًا لَكِنْ لا نُسَلِّمُ كَوْنَ عَدَمِ المُغالاةِ أفْضَلَ مِنهُ.

فَقَدْ رَوى ابْنُ حِبّانَ في «صَحِيحِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«إنَّ مِن خَيْرِ النِّساءِ أيْسَرَهُنَّ صَداقًا“» وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يُمْنُ المَرْأةِ تَسْهِيلُ أمْرِها في صَداقِها» وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا ”«أعْظَمُ النِّساءِ بَرَكَةً أيْسَرُهُنَّ صَداقًا“»، فَنَهْيُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّغالِي يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِلتَّيْسِيرِ ومَيْلًا لِما هو الأفْضَلُ ورَغْبَةً فِيما أشارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلًا وفِعْلًا، وعُدُولُهُ عَنْ ذَلِكَ وعَدَمُ رَدِّهِ عَلى القُرَشِيَّةِ كانَ مِن بابِ التَّرْغِيبِ في تَتَبُّعِ مَعانِي القُرْآنِ واسْتِنْباطِ الدَّقائِقِ مِنهُ، وفي إظْهارِ الكَبِيرِ العالِمِ المَغْلُوبِيَّةَ لِلصَّغِيرِ الجاهِلِ تَنْشِيطٌ لِلصَّغِيرِ وإدْخالٌ لِلسُّرُورِ عَلَيْهِ وحَثٌّ لَهُ ولِأمْثالِهِ عَلى الِاشْتِغالِ بِالعِلْمِ وتَحْصِيلِ ما يَغْلِبُ بِهِ، فَقَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اللَّهُمَّ غَفْرًا كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمَرَ كانَ مِن بابِ هَضْمِ النَّفْسِ والتَّواضُعِ وحُسْنِ الخُلُقِ، وقَدْ دَعاهُ إلَيْهِ ما دَعاهُ، ومَعَ هَذا لَمْ يَأْمُرْهم بِالمُغالاةِ بَلْ قُصارى أمْرِهِ أنَّهُ رَفَعَ النَّهْيَ عَنْهم وتَرَكَهم واخْتِيارَهم بَيْنَ فاضِلٍ ومَفْضُولٍ ولا إثْمَ عَلَيْهِمْ في ارْتِكابِ أيِّ الأمْرَيْنِ شاءُوا، سَلَّمْنا أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدْ غابَتْ عَنْ أُفُقِ ذِهْنِهِ الشَّرِيفِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ يَضُرُّ بِمَنصِبِ الإمامَةِ فَقَدْ وقَعَ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِثْلُ ذَلِكَ وهو إمامُ الفَرِيقَيْنِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ.

وابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ مَسْألَةٍ فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، فَقالَ الأمِيرُ: أصَبْتَ وأخْطَأْنا ﴿ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ ، وقَدْ وقَعَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا في كِتابِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ ﴾ إلى أنْ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ﴾ فَحَيْثُ لَمْ يُنْقِصْ ذَلِكَ مِن مَنصِبِ النُّبُوَّةِ والخِلافَةِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ ﴾ لا يَنْقُصُ مِن مَنصِبِ الإمامَةِ كَما لا يَخْفى، فَمَن أنْصَفَ جَعَلَ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن فَضائِلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا مِن مَطاعِنِهِ، ولَكِنْ لا عِلاجَ لِداءِ البُغْضِ والعِنادِ، ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَـٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢

﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَن يَحْرُمُ نِكاحُها مِنَ النِّساءِ ومَن لا يَحْرُمُ بَعْدَ بَيانِ كَيْفِيَّةِ مُعاشَرَةِ الأزْواجِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ وإنَّما خُصَّ هَذا النِّكاحُ بِالنَّهْيِ ولَمْ يُنَظَّمْ في سِلْكِ نِكاحِ المُحَرَّماتِ الآتِيَةِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْهُ حَيْثُ كانَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهم في الجاهِلِيَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا تُوُفِّيَ عَنِ امْرَأتِهِ كانَ ابْنُهُ أحَقَّ بِها أنْ يَنْكِحَها إنْ شاءَ إنْ لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، أوْ يَنْكِحُها مَن شاءَ فَلَمّا ماتَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ قامَ ابْنُهُ حِصْنٌ فَوَرِثَ نِكاحَ امْرَأتِهِ ولَمْ يُنْفِقْ عَلَيْها ولَمْ يُورِثْها مِنَ المالِ شَيْئًا فَأتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «ارْجِعِي لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ فِيكِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿ ولا تَنْكِحُوا ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ أيْضًا ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ إلَخْ»» وذَكَرَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ أنَّها نَزَلَتْ في حِصْنِ المَذْكُورِ، وفي الأسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ، وفي صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي مَنظُورِ بْنِ رَيّانَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مُلَيْكَةَ بِنْتَ خارِجَةٍ، واسْمُ الآباءِ يَنْتَظِمُ الأجْدادَ كَيْفَ كانُوا بِاعْتِبارِ مَعْنًى يَعُمُّهُما لُغَةً لا بِاعْتِبارِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وفي «النِّهايَةِ» إنَّ دَلالَةَ الأبِ عَلى الجِدِّ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأبِ الأصْلَ وإمّا بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الدَّلالَةِ بِالإجْماعِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ، نَعَمْ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ مَن نَكَحَها الجَدُّ بِالإجْماعِ مَعْنًى لا خَفاءَ فِيهِ فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ ما نَكَحُوها نَصًّا وإجْماعًا، ويَسْتَقِلُّ في إثْباتِ هَذِهِ الحُرْمَةِ نَفْسُ النِّكاحِ أعْنِي العَقْدَ إنْ كانَ صَحِيحًا ولا يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ أنَّهُ قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ أبِي رَباحٍ، وإنْ كانَ النِّكاحُ فاسِدًا فَلا بُدَّ في إثْباتِ الحُرْمَةِ مِنَ الوَطْءِ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ التَّقْبِيلِ والمَسِّ بِشَهْوَةٍ مَثَلًا بَلْ هو المُحَرَّمُ في الحَقِيقَةِ حَتّى لَوْ وقَعَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وبِالوَجْهِ المُحَرَّمِ ثَبَتَتْ بِهِ الحُرْمَةُ عِنْدَنا، وإلَيْهِ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ، وخالَفَتِ الشّافِعِيَّةُ في المُحَرَّمِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في مَفْهُومِ النِّكاحِ لُغَةً فَقِيلَ: هو مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ بَيْنَ الوَطْءِ والعَقْدِ وهو ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ، وقِيلَ: حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ أصْحابُنا، ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في الضَّمِّ لِأنَّ الوَطْءَ مِن أفْرادِهِ، والمَوْضُوعُ لِلْأعَمِّ حَقِيقَةً في كُلٍّ مِن أفْرادِهِ عَلى ما أطْلَقَهُ الأقْدَمُونَ، وقَدْ تَحَقَّقَ اسْتِعْمالُ النِّكاحِ في كُلٍّ مِن هَذِهِ المَعانِي، فَفي الوَطْءِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ لا مِن سِفاحٍ“» أيْ مِن وطْءٍ حَلالٍ لا مِن وطْءٍ حَرامٍ، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأتِهِ الحائِضِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ»، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ومِن أيِّمٍ قَدْ ”أنَكَحَتْها“ رِماحُنا وأُخْرى عَلى خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ وقَوْلُ الآخَرِ: ”ومَنكُوحَةٍ“ غَيْرِ مَمْهُورَةٍ وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إذْ سَقى اللَّهُ قَوْمًا صَوْبَ عادِيَةٍ ∗∗∗ فَلا سَقى اللَّهُ أرْضَ الكُوفَةِ المَطَرا التّارِكِينَ عَلى طُهْرٍ نِساءَهُمُ ∗∗∗ ”والنّاكِحِينَ“ بِشَطَّيْ دِجْلَةَ البَقَرا وفِي «العَقْدِ» قَوْلُ الأعْشى: فَلا تَقْرَبَنَّ جارَةً إنَّ سِرَّها ∗∗∗ عَلَيْكَ حَرامٌ ”فانْكِحَنْ“ أوْ تَأبَّدا وفِي المَعْنى الأعَمِّ قَوْلُ القائِلِ: ضَمَمْتُ إلى صَدْرِي مُعَطَّرَ صَدْرِها ∗∗∗ كَما ”نَكَحَتْ“ أُمُّ الغُلامِ صَبِيَّها وقَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ: ” أنْكَحْتُ“ صُمَّ حَصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ ∗∗∗ تَغَشْمَرَتْ بِي إلَيْكَ السَّهْلُ والجَبَلا فَمُدَّعِي الِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ يَقُولُ: تَحَقَّقَ الِاسْتِعْمالُ والأصْلُ الحَقِيقَةُ، والثّانِي يَقُولُ: كَوْنُهُ مَجازًا في أحَدِهِما حَقِيقَةً في الآخَرِ حَيْثُ أمْكَنَ أوْلى مِنَ الِاشْتِراكِ، ثُمَّ يَدَّعِي تَبادُرَ العَقْدِ عِنْدَ إطْلاقِ لَفْظِ النِّكاحِ دُونَ الوَطْءِ ويُحِيلُ فَهْمَ الوَطْءِ مِنهُ حَيْثُ فُهِمَ عَلى القَرِينَةِ، فَفي الحَدِيثِ الأوَّلِ هي عَطْفُ السِّفاحِ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُ النِّكاحِ فِيهِ عَلى العَقْدِ، وإنْ كانَتِ الوِلادَةُ بِالذّاتِ مِنَ الوَطْءِ، وفي الثّانِي إضافَةُ المَرْأةِ إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ فَإنَّ امْرَأتَهُ هي المَعْقُودُ عَلَيْها فَيَلْزَمُ إرادَةُ الوَطْءِ مِنَ النِّكاحِ المُسْتَثْنى وإلّا فَسَدَ المَعْنى إذْ يَصِيرُ: يَحِلُّ مِنَ المَعْقُودِ عَلَيْها كُلُّ شَيْءٍ إلّا العَقْدَ، وفي الأبْياتِ الإضافَةُ إلى البَقَرِ ونَفْيُ المُهُورِ، والإسْنادُ إلى الرِّماحِ إذْ يُسْتَفادُ أنَّ المُرادَ وطْءُ البَقْرِ والمَسْبِيّاتِ، والجَوابُ مَنعُ تَبادُرِ العَقْدِ عِنْدَ الإطْلاقِ لُغَةً بَلْ ذَلِكَ في المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ الفِقْهِيِّ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ فَهْمَ الوَطْءِ فِيما ذُكِرَ مُسْنَدٌ إلى القَرِينَةِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً إذْ وُجُودُ قَرِينَةٍ تُؤَيِّدُ إرادَةَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِمّا يُثْبِتُ مَعَ إرادَةِ الحَقِيقِيِّ فَلا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ المَعْنى مَجازِيًّا بَلِ المُعْتَبَرُ مُجَرَّدُ النَّظَرِ إلى القَرِينَةِ إنْ عُرِفَ أنَّهُ لَوْلاها لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ عَلى ما عَنَيْتُهُ فَهو مَجازٌ وإلّا فَلا، ونَحْنُ في هَذِهِ المَوادِّ المَذْكُورَةِ نَفْهَمُ الوَطْءَ قَبْلَ طَلَبِ القَرِينَةِ، والنَّظَرُ في وجْهِ دَلالَتِها فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وإنْ كانَ مَقْرُونًا بِما إذا نُظِرَ فِيهِ اسْتَدْعى إرادَةَ ذَلِكَ المَعْنى، ألا يَرى أنَّ ما ادَّعَوْا فِيهِ الشَّهادَةَ عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الوَطْءِ مِن بَيْتِ الأعْشى فِيهِ قَرِينَةٌ تُفِيدُ العَقْدَ أيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: فَلا تَقْرَبَنَّ جارَةً نَهْيٌ عَنِ الزِّنا بِدَلِيلِ أنَّ سِرَّها عَلَيْكَ حَرامٌ فَيَلْزَمُ أنَّ قَوْلَهُ: فانْكِحَنَّ أمْرٌ بِالعَقْدِ أيْ فَتَزَوَّجَ ∗∗∗ إنْ كانَ الزِّنا عَلَيْكَ حَرامًا أوْ تَأبَّدَ أيْ تَوَحَّشَ أيْ كُنْ كالوَحْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيّاتِ فَلا يَكُنْ مِنكَ قُرْبانٌ لَهُنَّ كَما لا يَقْرَبَهُنَّ وحْشٌ، ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً في العَقْدِ عِنْدَهم في البَيْتِ إذْ هم لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ مَجازٌ فِيهِ، وأمّا ادِّعاءُ أنَّهُ في الحَدِيثِ لِلْعَقْدِ فَيَسْتَلْزِمُ التَّجَوُّزَ في نِسْبَةِ الوِلادَةِ إلَيْهِ لِأنَّ العَقْدَ إنَّما هو سَبَبُ السَّبَبِ، فَفِيهِ دَعْوى حَقِيقَةٌ بِالخُرُوجِ عَنْ حَقِيقَةٍ وهو تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ لَوْ كانا سَواءً، فَكَيْفَ والأنْسَبُ كَوْنُهُ في الوَطْءِ لِيَتَحَقَّقَ التَّقابُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السِّفاحِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى عَنْ وطْءٍ حَلالٍ لا وطْءٍ حَرامٍ فَيَكُونُ عَلى خاصٍّ مِنَ الوَطْءِ، والدّالُّ عَلى الخُصُوصِيَّةِ لَفْظُ السِّفاحِ أيْضًا فَثَبَتَ إلى هُنا أنّا لَمْ نَزِدْهُ عَلى ثُبُوتِ مُجَرَّدِ الِاسْتِعْمالِ شَيْئًا يَجِبُ اعْتِبارُهُ، وقَدْ عُلِمَ أيْضًا ثُبُوتُ الِاسْتِعْمالِ في الضَّمِّ فَبِاعْتِبارِهِ حَقِيقَةً فِيهِ يَكُونُ مُشْتَرَكًا مَعْنَوِيًّا مِن أفْرادِهِ الوَطْءُ والعَقْدُ إنِ اعْتَبَرْنا الضَّمَّ أعَمَّ مِن ضَمِّ الجِسْمِ إلى الجِسْمِ والقَوْلِ إلى القَوْلِ، أوِ الوَطْءِ فَقَطْ فَيَكُونُ مَجازًا في العَقْدِ لِأنَّهُ إذا دارَ بَيْنَ المَجازِ والِاشْتِراكِ اللَّفْظِيِّ كانَ المَجازُ أوْلى ما لَمْ يَثْبُتْ صَرِيحًا خِلافَهُ ولَمْ يَثْبُتْ نَقْلُ ذَلِكَ بَلْ قالُوا: نَقَلَ المُبَرِّدُ عَنِ البَصْرِيِّينَ، وغُلامُ ثَعْلَبٍ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ الجَمْعُ والضَّمُّ، ثُمَّ المُتَبادَرُ مِن لَفْظِ الضَّمِّ تَعَلُّقُهُ بِالأجْسامِ لا الأقْوالِ لِأنَّها أعْراضٌ يَتَلاشى الأوَّلُ مِنها قَبْلَ وُجُودِ الثّانِي فَلا يُصادِفُ الثّانِيَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَجازًا في العَقْدِ كَذا في «فَتْحِ القَدِيرِ» .

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: حَمَلَ الشّافِعِيَّةُ النِّكاحَ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها عَلى العَقْدِ دُونَ الوَطْءِ، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى حُرْمَةِ المَعْقُودِ عَلَيْها وإنْ لَمْ تُوطَأْ، وذَهَبُوا إلى عَدَمِ ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بِالزِّنا وحَمَلَهُ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى العَقْدِ فِيها، واسْتَدَلُّوا بِها عَلى حُرْمَةِ نِكاحِ نِساءِ الآباءِ والأجْدادِ، وثُبُوتِ حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ بِالزِّنا وجَعَلُوا حُرْمَةَ العَقْدِ ثابِتَةً بِالإجْماعِ ثُمَّ قالُوا: ولَوْ حُمِلَ عَلى العَقْدِ تَكُونُ حُرْمَةُ الوَطْءِ ثابِتَةً بِطَرِيقِ الأوْلى.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: ثَبَتَ حُرْمَةُ المَوْطُوأةِ بِالآيَةِ، والمَعْقُودِ عَلَيْها بِلا وطْءٍ بِالإجْماعِ لِأنَّهُ إذا كانَ الحُكْمُ الحُرْمَةَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ ولَفْظُ الدَّلِيلِ الصّالِحِ لَهُ كانَ مُرادًا مِنهُ بِلا شُبْهَةٍ؛ فَإنَّ الإجْماعَ تابِعٌ لِلنَّصِّ إذِ القِياسُ عَنْ أحَدِهِما يَكُونُ، ولَوْ كانَ عَنْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يَخْلُقُ لَهم ثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مُرادٌ مِن كَلامِ الشّارِعِ إذا احْتَمَلَهُ، وحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلى الوَطْءِ والعَقْدِ مَعًا فَقَدْ قالَ الزَّيْلَعِيُّ: الآيَةُ تَتَناوَلُ مَنكُوحَةَ الأبِ وطْءً وعَقْدًا صَحِيحًا، ولا يَضُرُّ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ لِأنَّ الكَلامَ نَفْيٌ، وفي النَّفْيِ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما كَما يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَعُمَّ المُشْتَرَكُ جَمِيعَ مَعانِيهِ، وقَدْ نَقَلَ أيْضًا سَعْدِي أفَنْدِي عَنْ وصايا «الهِدايَةِ» جَوازَ الجَمْعِ بَيْنَ مَعانِي المُشْتَرَكِ في النَّفْيِ وحِينَئِذٍ لا إشْكالَ في كَوْنِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى حُرْمَةِ المَوْطُوأةِ والمَعْقُودِ عَلَيْها كَما لا يَخْفى.

واعْتُرِضَ ما قالَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ في الأُصُولِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ لا في النَّفْيِ ولا في الإثْباتِ، ولا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ مُطْلَقًا، وفي «الأكْمَلِ» والحَقُّ أنَّ النَّفْيَ كَما اقْتَضاهُ الإثْباتُ فَإنِ اقْتَضى الإثْباتُ الجَمْعَ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ فالنَّفْيُ كَذَلِكَ وإلّا فَلا.

ومَسْألَةُ اليَمِينِ المَذْكُورَةُ في «المَبْسُوطِ» حَلَفَ لا يُكَلِّمُ مُوالِيَهُ ولَهُ أعْلَوْنَ وأسْفَلُونَ فَأيُّهم كَلَّمَ حَنِثَ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ عُمُومِ المُشْتَرَكِ في النَّفْيِ كَما تَوَهَّمَ البَعْضُ، وإنَّما هو لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَلامِ مَتْرُوكَةٌ بِدَلالَةِ اليَمِينِ إلى مَجازٍ يَعُمُّها، وفي «البَحْرِ» إنَّ الأوْلى أنَّ النِّكاحَ في الآيَةِ لِلْعَقْدِ كَما هو المَجْمَعُ عَلَيْهِ، ويَسْتَدِلُّ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ المُصاهَرَةِ بِالوَطْءِ الحَرامِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَلْيُفْهَمْ، وما مَوْصُولٌ اسْمِيٌّ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ ولا كَلامَ في ذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وكَذا عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ إذا أُرِيدَ مَعْنى صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ مِنهُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ عَلى إرادَةِ المَفْعُولِ مِنَ المَصْدَرِ أيْ مَنكُوحاتُ آبائِكم، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ إبْقاءَ المَصْدَرِ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ ويَكُونُ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ نِكاحٍ كانَ لَهم فاسِدَ أيْ لا تَنْكِحُوا مِثْلَ نِكاحِ آبائِكم ولَيْسَ بِالوَجِيهِ.

﴿ مِنَ النِّساءِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( ما ) أوْ مِنَ العائِدِ عَلَيْها، وعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَكَحَ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها بَيانٌ لِما عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، وظاهِرُهُ أنَّها بَيانِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً والبَيانُ مَعْنَوِيٌّ، ونُكْتَتُهُ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ إذِ المَنكُوحاتُ لا يَكُنَّ إلّا نِساءً التَّعْمِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ امْرَأةٍ كانَتْ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ رَفَعَ تَوَهُّمَ التَّغْلِيبِ في آبائِكم وجَعَلَهُ أعَمَّ مِنَ الأُمَّهاتِ حَتّى يُفِيدَ أنَّهُ نُهِيَ لِلْبِنْتِ عَنْ نِكاحِ مَنكُوحٍ أُمُّها لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.

﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ أيْ ماتَ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى المُخْتارِ مِمّا نَكَحَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْرِيمِ والتَّعْمِيمِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ مِن بابِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ نَقِيضَهُ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ ”بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ “ والمَعْنى لا تَنْكِحُوا حَلائِلَ آبائِكم إلّا مَن ماتَ مِنهُنَّ.

والمَقْصُودُ سَدُّ بابِ الإباحَةِ بِالكُلِّيَّةِ لِما فِيهِ مِن تَعْلِيقِ الشَّيْءِ بِالمُحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ ﴾ والمُعَلَّقُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِمّا يَسْتَلْزِمُهُ النَّهْيُ وتَسْتَلْزِمُهُ مُباشَرَةُ المَنهِيِّ عَنْهُ مِنَ العِقابِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِنِكاحِ ما نَكَحَ آباؤُكم إلّا ما قَدْ سَلَفَ ومَضى فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وبِهَذا التَّأْوِيلِ يَنْدَفِعُ الِاسْتِشْكالُ بِأنَّ النَّهْيَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وما قَدْ سَلَفَ ماضٍ فَكَيْفَ يُسْتَثْنى مِنهُ، وجَعَلَ بَعْضُ مُحَقِّقِي النُّحاةِ الِاسْتِثْناءَ مِمّا دَخَلَ في حُكْمِ دَلالَةِ المَفْهُومِ مُنْقَطِعًا فَحُكِمَ عَلى ما هُنا بِالِانْقِطاعِ أيْ لَكِنْ ما سَلَفَ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ فَلا تُلامُونَ بِهِ لِأنَّ الإسْلامَ يُهْدَمُ ما قَبْلَهُ فَتَثْبُتُ بِهِ أحْكامُ النِّسَبِ وغَيْرِهِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ زِنًا، وقَدْ ذَكَرَ البَلْخِيُّ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نِكاحٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى يَكُونُ زِنًا لِأنَّ الزِّنا فِعْلٌ مَخْصُوصٌ لا يَجْرِي عَلى طَرِيقَةٍ لازِمَةٍ وسُنَّةٍ جارِيَةٍ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِلْمُشْرِكِينَ في الجاهِلِيَّةِ أوْلادُ زِنًا، ولا لِأوْلادِ أهْلِ الذِّمَّةِ مَثَلًا إذا كانَ ذَلِكَ عَنْ عَقْدٍ بَيْنَهم يَتَعارَفُونَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ أنَّ المَعْنى لَكِنْ ما سَلَفَ أنْتُمْ مُقِرُّونَ عَلَيْهِ، وحُكِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقَرَّهم عَلى مَنكُوحاتِ آبائِهِمْ مُدَّةً ثُمَّ أمَرَ بِمُفارَقَتِهِنَّ، وفَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ إخْراجُهم عَنْ هَذِهِ العادَةِ الرَّدِيئَةِ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، قالَ البَلْخِيُّ: وهَذا خِلافُ الإجْماعِ، وما عُلِمَ مِن دِينِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فالقَوْلُ بِهِ خَطَأٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِ الأقْوالِ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إنَّهُ ) أيِ نِكاحَ ما نَكَحَ الآباءُ ﴿ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وبَيانٌ لِكَوْنِ المَنهِيِّ عَنْهُ في غايَةِ القُبْحِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ فاحِشَةٌ مَبْغُوضًا بِاسْتِحْقارٍ جِدًّا حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُ البُغْضِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ مَقْتٌ، وإنَّهُ لَمْ يَزَلْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ ما رُخِّصَ فِيهِ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ كَما يَقْتَضِيهِ كانَ عَلى ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وغَيْرُهُ، وهَذا لا يُلائِمُ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما ما يُهَوِّنُ أمْرَهُ مِن تَرْكِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وارْتَضاهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَظْهَرَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ خَبَرًا عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الفاحِشَةَ هُنا بِالزِّنا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ كانَ هَذا النِّكاحُ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ نِكاحَ المَقْتِ، ويُسَمّى الوَلَدُ مِنهُ مَقْتِيًّا، ويُقالُ لَهُ أيْضًا: مَقِيتٌ أيْ مَبْغُوضٌ مُسْتَحْقِرٌ، وكانَ مِن هَذا النِّكاحِ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرَسِيُّ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ومُعَيْطٌ جَدُّ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ﴿ وساءَ سَبِيلا ﴾ أيْ بِئْسَ طَرِيقًا طَرِيقُ ذَلِكَ النِّكاحِ، فَفي ساءَ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وذَمَّ الطَّرِيقَ مُبالَغَةً في ذَمِّ سالِكِها وكِنايَةً عَنْهُ، ويَجُوزُ -واخْتارَهُ اللَّيْثُ- أنْ تَكُونَ ساءَ كَسائِرِ الأفْعالِ فَفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ بِهِ.

وسَبِيلًا تَمْيِيزٌ مُحَوِّلٌ عَنِ الفاعِلِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ كانَ مَحْكِيَّةٌ بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ هو المَعْطُوفُ في الحَقِيقَةِ أيْ ومَقُولًا في حَقِّهِ ذَلِكَ في سائِرِ الأعْصارِ.

قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: «مَراتِبُ القُبْحِ ثَلاثٌ: القُبْحُ العَقْلِيُّ والقُبْحُ الشَّرْعِيُّ والقُبْحُ العادِيُّ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا النِّكاحَ بِكُلِّ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فاحِشَةً ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ العَقْلِيِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَقْتًا ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ الشَّرْعِيِّ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وساءَ سَبِيلا ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ العادِيِّ، وما اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ المَراتِبُ فَقَدْ بَلَغَ أقْصى مَراتِبِ القُبْحِ»، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومَقْتًا ﴾ إشارَةً إلى مَرْتَبَةِ قُبْحِهِ الشَّرْعِيِّ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”ومَقْتًا“ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”ومَقْتًا“ عِنْدَ ذَوِي المُرُوآتِ فَلَيْسَ بِظاهِرٍ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ( فاحِشَةً ) إشارَةٌ إلى القُبْحِ الشَّرْعِيِّ ﴿ ومَقْتًا ﴾ إشارَةٌ إلى العَقْلِيِّ بِمَعْنى المُنافَرَةِ ﴿ وساءَ سَبِيلا ﴾ إلى العُرْفِيِّ، وعِنْدِي أنَّ لِكُلٍّ وجْهًا، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الإمامِ أوْلى مِن بَعْضِ الحَيْثِيّاتِ كَما لا يَخْفى، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَظاعَةِ أمْرِهِ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَقِيتُ خالِي ومَعَهُ الرّايَةُ قُلْتُ: أيْنَ تُرِيدُ؟

قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مِن بَعْدِهِ فَأمَرَنِي أنْ أضْرِبَ عُنُقَهُ وآخُذَ مالَهُ».

<div class="verse-tafsir"

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٢٣

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذاتِهِنَّ لِأنَّ الحُرْمَةَ وأخَواتِها إنَّما تَتَعَلَّقُ بِأفْعالِ المُكَلَّفِينَ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِدَلالَةِ العَقْلِ، والمُرادُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنهُنَّ ولِأنَّهُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في النِّكاحِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هَذا كَأنْ تَخَلَّلَ أجْنَبِيٌّ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ فَلا إجْمالَ في الآيَةِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، والجُمْلَةُ إنْشائِيَّةٌ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإخْبارَ عَنِ التَّحْرِيمِ في الزَّمانِ الماضِي؛ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن كَوْنِها إخْبارِيَّةً والفِعْلُ الماضِي فِيها مِثْلُهُ في التَّعارِيفِ نَحْوَ الِاسْمِ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِأحَدِ الأزْمِنَةِ، والفِعْلُ ما دَلَّ واقْتَرَنَ، فَإنَّهم صَرَّحُوا أنَّ الجُمْلَةَ الماضَوِيَّةَ هُناكَ خَبَرِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ كَوْنُها صِلَةَ المَوْصُولِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مِنَ الفِعْلِ فِيها الدَّلالَةَ عَلى الزَّمانِ الماضِي فَقَطْ، وإلّا لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ المُعَرَّفِ في الزَّمانِ الحالَ والمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ ذَلِكَ الحالَ، وبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِأنَّهُ لا يُشْتَبَهُ أنَّ المُحَرَّمَ هو اللَّهُ تَعالى.

و ﴿ أُمَّهاتُكُمْ ﴾ تَعُمُّ الجَدّاتِ كَيْفَ كُنَّ إذِ الأُمُّ هي الأصْلُ في الأصْلِ كَأُمِّ الكِتابِ وأُمِّ القُرى فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الجَدّاتِ بِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وحَقِيقَتِهِ لِأنَّ الأُمَّ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُشَكِّكِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ إطْلاقَ الأُمِّ عَلى الجَدَّةِ مَجازٌ، وأنَّ إثْباتَ حُرْمَةِ الجَدّاتِ بِالإجْماعِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَّ مُرادٌ بِهِ الأصْلُ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ إنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ، وإلّا فَيَجِبُ أنْ يُحْكُمَ بِإرادَتِهِ مَجازًا فَتَدْخُلُ الجَدّاتُ في عُمُومِ المَجازِ والمُعَرِّفُ لِإرادَةِ ذَلِكَ في النَّصِّ الإجْماعُ عَلى حُرْمَتِهِنَّ.

/ والمُرادُ بِالبَناتِ مَن ولَدَتْها أوْ ولَدَتْ مَن ولَدَها؛ وتَسْمِيَةُ الثّانِيَةِ بِنْتًا حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ أنَّ البِنْتَ يُرادُ بِهِ الفَرْعُ كَما قِيلَ بِهِ فَيَتَناوَلُها النَّصُّ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا عِنْدَ البَعْضِ، أوْ عِنْدَ الكُلِّ، ومَن مَنَعَ إطْلاقَ البِنْتِ عَلى الفَرْعِ مُطْلَقًا قالَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ بَناتِ الأوْلادِ بِالإجْماعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى تَحْرِيمِ الجَدّاتِ وبَناتِ الأوْلادِ بِدَلالَةِ النَّصِّ المُحَرِّمِ لِلْعَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَفي الأوَّلِ: لِأنَّ الأشِقّاءَ مِنهُنَّ أوْلادُ الجَدّاتِ فَتَحْرِيمُ الجَدّاتِ وهُنَّ أقْرَبُ أوْلى، وفي الثّانِي: لِأنَّ بَناتَ الأوْلادِ أقْرَبُ مِن بَناتِ الإخْوَةِ، ثُمَّ ظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُحَرَّمُ لِلرَّجُلِ بِنْتُهُ مِنَ الزِّنا لِأنَّها بِنْتُهُ، والخِطابُ إنَّما هو بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ما لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ كَلَفْظِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ فَيَصِيرُ مَنقُولًا شَرْعِيًّا، وفي ذَلِكَ خِلافُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ قالَ: إنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ الزِّنا تَحِلُّ لِلزّانِي لِأنَّها أجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ إذْ لا يَثْبُتُ لَها تَوارُثٌ ولا غَيْرُهُ مِن أحْكامِ النِّسَبِ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الوَلَدُ لِلْفِراشِ»» وهو يَقْتَضِي حَصْرَ النَّسَبِ في الفِراشِ.

وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: تَحْرُمُ إنْ أخْبَرَهُ نَبِيٌّ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ نُزُولِهِ بِأنَّها مِن مائِهِ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الشّارِعَ قَطَعَ نَسَبَها عَنْهُ كَما تَقَرَّرَ فَلا نَظَرَ لِكَوْنِها مِن ماءِ سِفاحِهِ، واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِالحُرْمَةِ بِأنَّهم إمّا أنْ يُثْبِتُوا كَوْنَها بِنْتًا لَهُ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ لِكَوْنِها مَخْلُوقَةً مِن مائِهِ، أوْ بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ، والأوَّلُ: باطِلٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَوِ اشْتَرى بِكْرًا وافْتَضَّها وحَبَسَها إلى أنْ تَلِدَ فَهَذا الوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ بِلا شُبْهَةٍ مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلّا عِنْدَ الِاسْتِلْحاقِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ المَشْرِقِيَّ لَوْ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً وحَصَلَ هُناكَ ولَدٌ مِنها مَعَ عَدَمِ اجْتِماعِها مَعَ زَوْجِها وحَيْلُولَةِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بَيْنَهُما فَإنَّهُ يُثْبِتُ النَّسَبَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن مائِهِ، والثّانِي: باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ لا نَسَبَ لِوَلَدِ الزِّنا مِنَ الزّانِي ولَوِ انْتَسَبَ إلَيْهِ وجَبَ عَلى القاضِي مَنعُهُ، وأُجِيبُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ إذْ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللِّسانِ في أنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ إنْسانٍ بِنْتُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الماءُ ماءَ حَلالٍ أوْ سِفاحٍ والجُزْئِيَّةُ ثابِتَةٌ في الصُّورَتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّها هي مَبْدَأُ حُرْمَةِ النِّكاحِ، ألا تَرى كَيْفَ حُرِّمَ عَلى المَرْأةِ ولَدُها مِنَ الزِّنا إجْماعًا، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ بِأنَّ الوَلَدَ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ بَعْضُها، وانْفَصَلَ مِنها إنْسانًا، ولا كَذَلِكَ البِنْتُ في المَسْألَةِ الأُولى لِأنَّها انْفَصَلَتْ مِنهُ مَنِيًّا لا تُفِيدُ سِوى أنَّ البَعْضِيَّةَ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ أظَهَرُ، وأمّا إنَّها تَنْفِي البَعْضِيَّةَ في المَسْألَةِ الأُولى فَلا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ البُضْعَةَ وهي تَقْتَضِي البَعْضِيَّةَ عَلى الوَلَدِ المُنْفَصِلِ مَنِيًّا مِن أبِيهِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ بُضْعَةٌ وفُلانَةٌ بُضْعَةٌ مِن فُلانٍ، وإنْكارُ وُجُودِ الجُزْئِيَّةِ في المَسْألَتَيْنِ مُكابَرَةٌ، وعَدَمُ ثُبُوتِ التَّوارُثِ مَثَلًا بَيْنَ المَخْلُوقَةِ مِن ماءِ الزِّنا وصاحِبِ الماءِ لَيْسَ لِعَدَمِ الجُزْئِيَّةِ وكَوْنِها لَيْسَتْ بِنْتَهُ حَقِيقَةً بَلْ لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، ولَوْلاهُ لَوَرِثَتْ كَما يَرِثُ ولَدُ الزِّنا أُمَّهُ.

وما ذُكِرَ في بَيانِ إبْطالِ الطَّرْدِ مِن أنَّهُ لَوِ اشْتَرى بِكْرًا فافْتَضَّها وحَبَسَها فَوُلِدَتْ فالوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ قَطْعًا مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلّا بِالِاسْتِلْحاقِ أخَذَهُ مِن قَوْلِ الفُقَهاءِ في الأُمَّةِ إذا وُلِدَتْ عِنْدَ المَوْلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُ ولَدِها مِنهُ إلّا أنْ يَعْتَرِفَ بِهِ، ولا يَكْفِيَ أنَّهُ وطَأها فَوَلَدَتْ، لَكِنْ في «الهِدايَةِ» وغَيْرِها إنَّ هَذا حُكْمٌ، فَأمّا الدِّيانَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فالمُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إنْ كانَ حِينَ وطِئَها لَمْ يُعْزَلْ عَنْها وحَصَنَها عَنْ مَظانِّ رِيبَةِ الزِّنا يَلْزَمُهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى أنَّ يَدَّعِيَهُ بِالإجْماعِ لِأنَّ الظّاهِرَ والحالَ هَذِهِ كَوْنُهُ مِنهُ، والعَمَلُ بِالظّاهِرِ واجِبٌ، وإنْ كانَ عَزَلَ عَنْها حَصَنَها أوَّلًا أوْ لَمْ يَعْزِلْ.

ولَكِنْ لَمْ يُحْصِنْها فَتَرَكَها تَدْخُلُ وتَخْرُجُ بِلا رَقِيبٍ مَأْمُونٍ جازَ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ لِأنَّ هَذا الظّاهِرَ وهو كَوْنُهُ مِنهُ بِسَبَبِ أنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ زِنا المُسْلِمَةِ يُعارِضُهُ ظاهِرٌ آخَرُ وهو كَوْنُهُ مِن غَيْرِهِ لِوُجُودِ أحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهُما العَزْلُ أوْ عَدَمُ التَّحْصِينِ، وفِيهِ رِوايَتانِ أُخْرَيانِ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ ذَكَرَهُما في «المَبْسُوطِ» فَقالَ: وعَنْ أبِي يُوسُفَ إذا وطِئَها ولَمْ يَسْتَبْرِئَها بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى جاءَتْ بِوَلَدٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَدَّعِيَهُ سَواءٌ عَزَلَ عَنْها أوْ لَمْ يَعْزِلْ حَصَنَها أوْ لَمْ يُحْصِنْها تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِها وحَمْلًا لِأمْرِها عَلى الصَّلاحِ ما لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلافُهُ، وهَذا كَمَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأنَّ ما ظَهَرَ بِسَبَبِهِ يَكُونُ حالًا بِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ خِلافُهُ وعَنْ مُحَمَّدٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ ولَدَها إذا لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مِنهُ ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْتِقَ الوَلَدَ، وفي «الإيضاحِ» ذِكْرُهُما بِلَفْظِ الِاسْتِحْبابِ، فَقالَ: قالَ أبُو يُوسُفَ: أُحِبُّ أنْ يَدَّعِيَهُ، وقالَ مُحَمَّدٌ: أُحِبُّ أنْ يُعْتِقَ الوَلَدَ، وقالَ في «الفَتْحِ» بَعْدَ كَلامٍ: وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ لَوِ اعْتَرَفَ فَقالَ: كُنْتُ أطَأُ لِقَصْدِ الوَلَدِ عِنْدَ مَجِيئِها بِالوَلَدِ أنْ يُثْبِتَ نَسَبَ ما أتَتْ بِهِ وإنْ لَمْ يَقُلْ هو ولَدِي لِأنَّ ثُبُوتَهُ بِقَوْلِهِ: هو ولَدِي بِناءً عَلى أنَّ وطْأهُ حِينَئِذٍ لِقَصْدِ الوَلَدِ، وعَلى هَذا قالَ بَعْضُ فُضَلاءِ الدَّرْسِ: يَنْبَغِي أنَّهُ لَوْ أقَرَّ أنَّهُ كانَ لا يَعْزِلُ عَنْها وحَصَنَها أنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفِ دَعْواهُ، وإنْ كُنّا نُوجِبُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالَةِ الِاعْتِرافَ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ نُوجِبَ عَلَيْهِ الِاعْتِرافَ لِيَعْتَرِفَ فَيَثْبُتَ نَسَبُهُ بَلْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ ابْتِداءً، وأظُنُّ أنْ لا بُعْدَ في أنْ يُحْكَمَ عَلى المَذْهَبِ بِذَلِكَ انْتَهى، وفي «المَبْسُوطِ» أنَّهُ إذا تَطاوَلَ الزَّمانُ أُلْحِقَ بِهِ لِأنَّ التَّطاوُلَ دَلِيلُ إقْرارِهِ لِأنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ حِينَئِذٍ ما يَدُلُّ عَلى الإقْرارِ مِن قَبُولِ التَّهْنِئَةِ ونَحْوِهِ فَيَكُونُ كالتَّصْرِيحِ بِإقْرارِهِ.

ومِن مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ يُعْلَمُ ما في كَلامِ المُعْتَرِضِ، وأنَّ لِلْخَصْمِ عَدَمَ تَسْلِيمِهِ لَكِنْ ذُكِرَ في «البَحْرِ» مُتَعَقِّبًا: ظَنَّ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُحْكَمَ عَلى المَذْهَبِ بِهِ لِتَصْرِيحِ أهْلِهِ بِخِلافِهِ، ونُقِلَ نَصُّ «البَدائِعِ» في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ فَإنْ أرادَ الثُّبُوتَ عِنْدَ القاضِي ظاهِرًا فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا، وإنْ أرادَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَرَّحَ في «الهِدايَةِ» وغَيْرِها بِأنَّ ما ذَكَرْناهُ مِنِ اشْتِراطِ الدَّعْوَةِ إنَّما هو في القَضاءِ إلى آخِرِ ما ذَكَرْناهُ لَكِنْ في «المُجْتَبى» لا يَصِحُّ إعْتاقُ المَجْنُونِ وتَدْبِيرُهُ ويَصِحُّ اسْتِيلادُهُ، فَهَذا إنْ صَحَّ يُسْتَثْنى مِنَ الحُكْمِ وهو مُشْكِلٌ انْتَهى، وعَلى هَذا يُقالُ في المَسْألَةِ الَّتِي ذَكَرَها المُعْتَرِضُ: المَوْلُودُ ولَدٌ لِلْمَوْلى في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مِائِهِ ووَلَدُ الزِّنا كَذَلِكَ وزِيادَةٌ حَيْثُ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ الإقْرارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ مَناطَ الحُرْمَةِ البُنُوَّةَ وهي مُتَحَقِّقَةٌ في مَسْألَتِنا فَكَيْفَ يَحِلُّ النِّكاحُ في نَفْسِ الأمْرِ، وعَدَمُ ثُبُوتِ التَّوارُثِ ونَحْوِهِ كَما قُلْنا كانَ إجْماعًا، وعَدَمُ الِاسْتِلْحاقِ قَضاءً إلّا بِالدَّعْوى أمْرٌ آخَرُ وراءَ تَحَقُّقِ البُنُوَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَكَمْ مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ لا يُقْضى بِهِ وكَمْ مَقْضِيٌّ بِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في خَبَرِ «الفَرَسِ الَّتِي اشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأعْرابِيِّ وشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ لَمّا أنْكَرَ الأعْرابِيُّ البَيْعَ» وقَدْ حُقِّقَ الكَلامُ في بَحْثِ الِاسْتِيلادِ في «فَتْحِ القَدِيرِ» وغَيْرِهِ مِن مَبْسُوطاتِ كُتُبِ القَوْمِ، وما ذُكِرَ في إبْطالِ العَكْسِ مِن مَسْألَةِ تَزَوُّجِ المَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ فَلا نُسَلِّمُ القَطْعَ فِيها بِأنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مَخْلُوقًا مِن مائِهِ لِثُبُوتِ كَراماتِ الأوْلِياءِ والِاسْتِخْداماتِ فَيُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صاحِبَ خُطْوَةٍ أوْ جِنِّيٌّ، وأنَّهُ ذَهَبَ إلى المَغْرِبِ فَجامَعَها، ولَوْلا قِيامُ هَذا الِاحْتِمالِ مَعَ قِيامِ النِّكاحِ لَمْ يَلْحَقِ الوَلَدُ بِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ الأصْحابُ: لَوْ جاءَتِ امْرَأةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ هُناكَ والتَّصَوُّرُ شَرْطٌ، وقِيامُ الفِراشِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ عَلى الصَّحِيحِ، ولَعَلَّ اعْتِبارَ هَذِهِ البُنُوَّةِ قَضاءًا وإلّا فَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الوَلَدُ مَخْلُوقًا مِن مائِهِ لا يُقالُ لَهُ ولَدُ الزَّوْجِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنَّما اعْتَبَرُوا ذَلِكَ مَعَ ضَعْفِ الِاحْتِمالِ سَتْرًا لِلْحَرائِرِ وصِيانَةً لِلْوَلَدِ عَنِ الضَّياعِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى في بابِ الِاسْتِيلادِ أنَّ الجارِيَةَ إذا ولَدَتْ يَثْبُتُ نَسَبُ الوَلَدِ مِنَ المَوْلى إذا أقَرَّ بِوَطْئِها مَعَ العَزْلِ كَما يَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ العَزْلِ بَلْ لَوْ وطِئَها في دُبُرِها يَلْزَمُهُ الوَلَدُ عِنْدَ مالِكٍ ومِثْلُهُ عَنْ أحْمَدَ، وهو وجْهٌ مُضْعِفٌ لِلشّافِعِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ بَيْنَ هَذِهِ المَسْألَةِ ومَسْألَةِ تَزْوِيجِ المَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ بُعْدًا كَبُعْدِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِأنَّ الوَطْءَ هُنا مُتَحَقِّقٌ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى قَطْعِ بَرارِي وقِفارٍ ولا كَذَلِكَ هُناكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والبَناتُ جَمْعُ بِنْتٍ في المَشْهُورِ وصُحِّحَ أنَّ لامَها واوٌ كَأُخْتٍ وإنَّما رُدَّ المَحْذُوفُ في أخَواتٍ ولَمْ يُرَدَّ في بَناتٍ حَمْلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَمْعَيْنِ عَلى مُذَكِّرِهِ، فَمُذَكَّرُ بَناتٍ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ المَحْذُوفُ بَلْ قالُوا فِيهِ بِنُونٍ، ومُذَكَّرُ أخَواتٍ رُدَّ فِيهِ مَحْذُوفُهُ فَقالُوا في جَمْعِ أخٍ: إخْوَةٌ وأخَواتٌ، وقَدْ نَظَّمَ الدَّنَوْشَرِيُّ السُّؤالَ فَقالَ: أيُّها الفاضِلُ اللَّبِيبُ تَفَضَّلْ بِجَوابٍ بِهِ يَكُونُ رَشادِي لَفْظُ أُخْتٍ ولَفْظُ بِنْتٍ إذا ما ∗∗∗ جُمِعا جَمْعَ صِحَّةٍ لا فَسادِ فَلِأُخْتٍ تُرَدُّ لِأُمٍّ وأمّا ∗∗∗ لَفْظُ بِنْتٍ فَلا فَأوْضِحْ مُرادِي مَعَ تَعْوِيضِهِمْ مِنَ اللّامِ تاءً ∗∗∗ فِيهِما لا بَرِحْتُ أهْلَ اعْتِمادِي وقَدْ أجابَ هو رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَفْظُ أُخْتٍ لَهُ انْضِمامٌ بِصَدْرٍ ∗∗∗ ناسَبَ الواوَ فاكْتَسى بِالمَعادِ وقالَ أبُو البَقاءِ: التّاءُ فِيها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثٍ لِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ لا يُسَكَّنُ ما قَبْلَها، وتُقْلَبُ هاءً في الوَقْفِ فَبَناتٌ لَيْسَ بِجَمْعِ بِنْتٍ بَلْ بِنْهٍ، وكُسِرَتِ الباءُ تَنْبِيهًا عَلى المَحْذُوفِ قالَهُ الفَرّاءُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها الفَتْحُ وعَلى ذَلِكَ جاءَ جَمْعُها، ومُذَكَّرُها وهو بَنُونَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ، وأمّا أُخْتٌ فالتّاءُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ لِأنَّها مِنَ الإخْوَةِ، والأخَواتُ يَنْتَظِمْنَ الأخَواتِ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ، وكَذا الباقِياتُ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الكُلَّ ويَدْخُلُ في العَمّاتِ والخالاتِ أوْلادُ الأجْدادِ والجَدّاتِ وإنْ عَلَوْا، وكَذا عَمَّةُ جَدِّهِ وخالَتِهِ وعَمَّةُ جَدَّتِهِ وخالاتِها لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ أوْ لِأُمٍّ وذَلِكَ كُلُّهُ بِالإجْماعِ، وفي «الخانِيَةِ» وعَمَّةُ العَمَّةِ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ كَذَلِكَ، وأمّا عَمَّةُ العَمَّةِ لِأُمٍّ فَلا تَحْرُمُ، وفي «المُحِيطِ»: وأمّا عَمَّةُ العَمَّةِ فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ القُرْبى عَمَّةً لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَعَمَّةُ العَمَّةِ حَرامٌ لِأنَّ القُرْبى إذا كانَتْ أُخْتَ أبِيهِ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَإنَّ عَمَّتَها تَكُونُ أُخْتَ جَدَّةِ أبِ الأبِ وأُخْتُ أبِ الأبِ حَرامٌ لِأنَّها عَمَّتُهُ وإنْ كانَتِ القُرْبى عَمَّةً لِأُمٍّ فَعَمَّةُ العَمَّةِ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأنَّ أبَ العَمَّةِ يَكُونُ زَوْجَ أُمِّ أبِيهِ فَعَمَّتُها تَكُونُ أُخْتَ زَوْجِ الجَدَّةِ أُمِّ الأبِ، وأُخْتُ زَوْجِ الأُمِّ لا تَحْرُمُ، فَأُخْتُ زَوْجِ الجَدَّةِ أوْلى أنْ لا تَحْرُمَ، وأمّا خالَةُ الخالَةِ فَإنْ كانَتِ الخالَةُ القُرْبى خالَةً لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأُمٍّ فَخالَتُها تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتِ القُرْبى خالَةً لِأبٍ فَخالَتُها لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأنَّ أُمَّ الخالَةِ القُرْبى تَكُونُ امْرَأةَ الجَدِّ أبِ الأُمِّ لا أُمِّ أُمِّهِ، فَأُخْتُها تَكُونُ أُخْتَ امْرَأةِ الأبِ وأُخْتُ امْرَأةِ الجَدِّ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ.

انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ كَما يَحْرُمُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِمَن ذُكِرَ يَحْرُمُ عَلى المَرْأةِ التَّزَوُّجُ بِنَظِيرِ مَن ذُكِرَ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ لَمْ يَثْبُتْ في جَمِيعِ المَذْكُوراتِ في سائِرِ الأدْيانِ، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ والبَناتِ كانَتْ ثابِتَةً حَتّى في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِكاحِهِنَّ في شَيْءٍ مِنَ الأدْيانِ، وقِيلَ: إنَّ زَرادُشْتَ نَبِيَّ المَجُوسِ بِزَعْمِهِمْ قالَ بِحَلِّهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كانَ كَذّابًا، وعَدَمُ إيذاءِ الصُّفْرِ المُذابِ لَهُ لِأدْوِيَةٍ كانَ يُلَطِّخُ بِها جَسَدَهُ وقَدْ شاهَدْنا مَن يَحْمِلُ النّارَ بِيَدِهِ بَعْدَ لَطْخِها بِأدْوِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ولا تُؤْذِيهِ وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً.

وأمّا حِلُّ نِكاحِ الأخَواتِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ مُباحًا في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلضَّرُورَةِ وكانَتْ حَوّاءُ عَلَيْها السَّلامُ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى فَيَأْخُذُ ذَكَرُ البَطْنِ الثّانِيَةِ أُنْثى البَطْنِ الأُولى، وبَعْضُ المُسْلِمِينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَقُولُ: إنَّهُ بَعَثَ الحُورَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى تَزَوَّجَ بِهِنَّ أبْناءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا النَّسْلَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مَحْضَ أوْلادِ آدَمَ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ.

﴿ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ والرَّضاعَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ مَصْدَرُ رَضَعَ كَسَمِعَ وضَرَبَ، ومِثْلُهُ الرِّضاعَةُ بِالكَسْرِ، والرُّضْعُ بِسُكُونِ الضاءِ وفَتْحِها، والرَّضاعُ كالسَّحابِ، والرَّضِعُ كالكَتِفِ، وحَكَوْا رَضُعَ كَكَرُمَ، ورِضاعًا كَقِتالٍ، وقَدْ تُبَدَّلُ ضادُهُ تاءًا، ورُضاعًا كَسُؤالٍ لَكِنَّ المَضْمُومَ كالمُراضَعَةِ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ، ويُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ فَهي مُرْضِعٌ إذا كانَ لَها ولَدٌ تُرْضِعُهُ فَإنْ وصَفْتَها بِإرْضاعِ الوَلَدِ قُلْتَ: مُرْضِعَةٌ، ومَعْناها لُغَةً مَصُّ الثَّدْيِ، وشَرْعًا مَصُّ الرَّضِيعِ مِن ثَدْيِ الآدَمِيَّةِ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ، وأرادُوا بِذَلِكَ وصُولَ اللَّبَنِ مِن ثَدْيِ المَرْأةِ إلى جَوْفِ الصَّغِيرِ مِن فَمِهِ أوْ أنْفِهِ في المَدَّةِ الآتِيَةِ سَواءٌ وُجِدَ مَصٌّ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنَّما ذَكَرُوا المَصَّ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ فَأطْلَقُوا السَّبَبَ وأرادُوا المُسَبَّبَ، وقَدْ صَرَّحَ في «الخانِيَةِ» أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَصِّ والسُّعُوطِ ونَحْوِهِ، وقَيَّدُوا بِالآدَمِيَّةِ لِيَخْرُجَ الرَّجُلُ والبَهِيمَةُ، وتَفَرَّدَ الإمامُ البُخارِيُّ وهو سَبَبُ فِتْنَتِهِ في قَوْلٍ فَذَهَبَ فِيما إذا ارْتَضَعَ صَبِيٌّ وصِبْيَةٌ مِن ثَدْيِ شاةٍ إلى وُقُوعِ الحُرْمَةِ بَيْنَهُما، وأًطْلِقَتْ لِتَشْمَلَ البِكْرَ والثَّيِّبَ الحَيَّةَ والمَيِّتَةَ، وقَيَّدْنا بِالفَمِ والأنْفِ لِيَخْرُجَ ما إذا وصَلَ بِالإقْطارِ في الأُذُنِ والإحْلِيلِ والجائِفَةِ والآمَّةِ بِالحُقْنَةِ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ، وخَرَجَ بِالوُصُولِ ما لَوْ أدْخَلَتِ المَرْأةُ حَلَمَةَ ثَدْيِها في فَمٍ رَضِيعٍ ولا تَدْرِي أدَخَلَ اللَّبَنُ في حَلْقِهِ أمْ لا، لا يُحَرَّمُ النِّكاحُ لِأنَّ في المانِعِ شَكًّا.

وقَدْ نَزَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا لِلرَّضِيعِ، والمُراضِعَةِ أُخْتًا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ وأبَواهُ جَدّاهُ وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرِّضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ، وأُخْتُها خالَتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، ومَن وُلِدَ لَها مَن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمِّهِ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ««يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ»» .

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كَمَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ وغَيْرِهِ إلى أنَّ الحَدِيثَ جارٍ عَلى عُمُومِهِ وأمّا أُمُّ أخِيهِ لِأبٍ وأُخْتُ ابْنِهِ لِأُمٍّ وأُمُّ أمِّ ابْنِهِ وأُمُّ عَمِّهِ وأُمُّ خالِهِ لِأبٍ فَلَيْسَتْ حُرْمَتُهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ حَتّى تَخِلَّ بِعُمُومِهِ ضَرُورَةُ حَلِّهِنَّ في صُورَةِ الرِّضاعِ بَلْ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ، ألا يَرى أنَّ الأُولى: مَوْطُوأةُ أبِيهِ.

والثّانِيَةَ: بِنْتُ مَوْطُوأتِهِ.

والثّالِثَةُ: أُمُّ مَوْطُوأتِهِ.

والرّابِعَةُ: مَوْطُوأةِ جَدِّهِ الصَّحِيحِ.

والخامِسَةُ: مَوْطُوأةُ جَدِّهِ الفاسِدِ، ووَقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِهِمُ اسْتِثْناءٌ صُوِّرَ بَعْدَ سَوْقِ الحَدِيثِ، وأنْهى في «البَحْرِ» المَسائِلَ المُسْتَثْنَياتِ إلى إحْدى وثَمانِينَ مَسْألَةً، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وأتى بِالعَجَبِ العُجابِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الرِّضاعِ وهو ما يُعْلَمُ وُصُولُهُ إلى الجَوْفِ وكَثِيرِهِ في التَّحْرِيمِ، وأمّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ» وما دَلَّ عَلى التَّقْدِيرِ فَمَنسُوخٌ صَرَّحَ بِنَسْخِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ قِيلَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّضْعَةَ لا تُحَرِّمُ فَقالَ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آلَ أمْرُ الرِّضاعِ إلى أنَّ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ القَلِيلَ يُحَرِّمُ، وعَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: لا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ والرَّضْعَتَيْنِ فَقالَ: قَضاءُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن قَضاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وتَلا الآيَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ما نَقَلَهُ أصْحابُنا عَنْهُ لا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلّا بِخَمْسِ رَضَعاتٍ مُشْبِعاتٍ في خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُتَفاصِلَةٍ عُرْفًا، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كَقَوْلِنا وكَقَوْلِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في «صَحِيحِهِ» مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قالَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ ولا الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ ”» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ بِأنَّ المَصَّةَ داخِلَةٌ في المَصَّتَيْنِ والإمْلاجَةَ في الإمْلاجَتَيْنِ، فَحاصِلُهُ لا تُحَرِّمُ المَصَّتانِ ولا الإمْلاجَتانِ فَنُفِيَ التَّحْرِيمُ عَلى أرْبَعٍ فَلَزِمَ أنْ يَثْبُتَ بِخَمْسٍ.

واعْتَرَضَهُ ابْنُ الهُمامِ «بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ لَيْسَ التَّحْرِيمَ بِخَمْسِ مَصّاتٍ بَلْ بِخَمْسٍ شَبِعاتٍ في أوْقاتٍ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ المَصَّةَ فِعْلُ الرَّضِيعِ والإمْلاجَةُ الإرْضاعَةُ فِعْلُ المُرْضِعَةِ، فَحاصِلُ المَعْنى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَفى كَوْنَ الفِعْلَيْنِ مُحَرِّمَيْنِ مِنهُ ومِنها ثُمَّ حَقَّقَ أنَّ ما في هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَدِيثًا واحِدًا بِأنَّ الإمْلاجَ لَيْسَ حَقِيقَةَ المُحَرِّمِ بَلْ لازَمَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ فَنُفِيَ تَحْرِيمُ الإمْلاجِ نَفْيَ تَحْرِيمٍ لازَمَهُ فَلَيْسَ الحاصِلُ مَن: لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَتانِ إلّا لا يُحَرِّمُ لازِمُهُما أعْنِي المَصَّتَيْنِ فَلَوْ جَمَعا في حَدِيثٍ كانَ الحاصِلُ لا تُحَرِّمُ المَصَّتانِ“ ولا المَصَّتانِ ”فَلَزِمَ أنْ لا يَصِحَّ أنْ يُرادَ إلّا المَصَّتانِ لا الأرْبَعُ، وعَلى هَذا يَجِبُ كَوْنُ الرّاوِي وهو الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ألْفاظِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي سَمِعَها مِنهُ في وقْتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ» وقالَ أيْضًا: ««لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ»» .

وقِيلَ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ طَرِيقٌ آخَرُ، وهو أنَّ الحَدِيثَ نافٍ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَيَثْبُتُ بِهِ مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ القائِلَ بِالفَصْلِ أبُو ثَوْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وداوُدُ وأبُو عُبَيْدٍ، وهَؤُلاءِ أئِمَّةُ الحَدِيثِ قالُوا: المُحَرِّمُ ثَلاثُ رَضَعاتِ، والقَوْلُ بِعَدَمِ اعْتِبارِ قَوْلِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ لِقُوَّةِ وجْهِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى وجْهِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِهِ عَلى هَذا المَطْلَبِ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ  وهي فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ.

.».

وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ كانَ في صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي فَلَمّا ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشاغَلْنا بِمَوْتِهِ فَدَخَلَتْ دَواجِنُ فَأكَلَتْها.

.».

وبِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: «جاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ امْرَأةُ أبِي حُذَيْفَةَ إلى النَّبِيِّ  فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرى في وجْهِ أبِي حُذَيْفَةَ مِن دُخُولِ سالِمٍ وهو حَلِيفُهُ فَقالَ  :“ أرْضِعِي سالِمًا خَمْسًا تَحْرُمِي بِها عَلَيْهِ ”» والجَوابُ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَنسُوخٌ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما مَرَّ.

ويَدُلُّ عَلى نَسْخِ ما في خَبَرِ عائِشَةَ الأوَّلِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا لَزِمَ ضَياعُ بَعْضِ القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ واللَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، وما في الرِّوايَةِ لا يُنافِي النَّسْخَ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: إنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أرادَتْ أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا ولَمْ يُغَسَّلْ بَعْدُ لِلْقُرْبِ حَتّى دَخَلَتِ الدَّواجِنُ فَأكْلَتْهُ، والقَوْلُ بِأنَّ ما ذُكِرَ إنَّما يَلْزَمُ مِنهُ نَسْخُ التِّلاوَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ مَنسُوخَةً مَعَ بَقاءِ الحُكْمِ كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ادِّعاءَ بَقاءِ حُكْمِ الدّالِّ بَعْدَ نَسْخِهِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ وإلّا فالأصْلُ أنَّ نَسْخَ الدّالِّ يَرْفَعُ حُكْمَهُ، وما نُظِرَ بِهِ لَوْلا ما عُلِمَ بِالسُّنَّةِ، والإجْماعُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ، ثُمَّ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ في حَدِيثِ سَهْلَةَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ أنْ يُشْبِعَ سالِمًا خَمْسَ رَضَعاتٍ في خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُتَفاصِلاتٍ جائِعًا لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُشْبِعُهُ مِنَ اللَّبَنِ رِطْلٌ ولا رِطْلانِ فَأيْنَ تَجِدُ الآدَمِيَّةُ في ثَدْيِها قَدْرَ ما يُشْبِعُهُ، هَذا مُحالٌ عادَةً، فالظّاهِرُ أنَّ مَعْدُودَ خَمْسٍ فِيهِ إنْ صَحَّ أنَّها مِنَ الخَبَرِ“ المَصّاتُ ثُمَّ كَيْفَ جازَ أنْ يُباشِرَ عَوْرَتَها بِشَفَتَيْهِ فَلَعَلَّ المُرادَ أنْ تَحْلِبَ لَهُ شَيْئًا مِقْدارُهُ مِقْدارَ خَمْسِ رَضَعاتٍ فَيَشْرَبُهُ كَما قالَ القاضِي وإلّا فَهو مُشْكِلٌ، ”وقَدْ يُقالُ“: هو مَنسُوخٌ مِن وجْهٍ آخَرَ» لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّضاعَ في الكِبَرِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ لِأنَّ سالِمًا كانَ إذْ ذاكَ رَجُلًا وهَذا مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ فَإنَّ مُدَّةَ الرَّضاعِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ثَلاثُونَ شَهْرًا عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ، وسَنَتانِ عِنْدَ صاحِبَيْهِ ومُسْتَنَدُهُما قَوِيٌّ جِدًّا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، وعَنْ مالِكٍ: سَنَتانِ وشَهْرٌ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى شَهْرانِ، وفي أُخْرى سَنَتانِ وأيّامٌ، وفي أُخْرى ما دامَ مُحْتاجًا إلى اللَّبَنِ غَيْرَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، وقالَ زُفَرُ: ثَلاثَ سِنِينَ، نَعَمْ قالَ بَعْضُهم: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ آخَرُونَ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ داوُدُ: الإرْضاعُ في الكِبَرِ مُحَرِّمٌ أيْضًا، ولا حَدَّ لِلْمُدَّةِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ إذا أرادَتْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْها أحَدٌ مِنَ الرِّجالِ أمَرَتْ أُخْتَها أُمَّ كُلْثُومٍ أوْ بَعْضَ بَناتِ أُخْتِها أنْ تُرْضِعَهُ، ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وسائِرِ أزْواجِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُنَّ خالَفْنَ عائِشَةَ في هَذا، وعُمْدَةُ مَن رَأى رَأْيَها في هَذا البابِ خَبَرُ سَهْلَةَ مَعَ أنَّ الآثارَ الصَّحِيحَةَ عَلى خِلافِهِ، فَقَدْ صَحَّ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «لا رِضاعَ إلّا ما كانَ في حَوْلَيْنِ» وفي «المُوَطَّأِ» .

و«سُنَنِ أبِي داوُدَ» عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ «أنَّ رَجُلًا سَألَ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَقالَ: إنِّي مَصَصْتُ مِنِ امْرَأتِي ثَدْيَها لَبَنًا فَذَهَبَ في بَطْنِي فَقالَ: أبُو مُوسى لا أراها إلّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ انْظُرْ ما تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ فَقالَ أبُو مُوسى: فَما تَقُولُ أنْتَ؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا رِضاعَ إلّا في حَوْلَيْنِ، فَقالَ أبُو مُوسى: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دامَ هَذا الحَبْرُ بَيْنَ أظْهُرِكم، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: كانَتْ لِي ولِيدَةٌ فَكُنْتُ أُصِيبُها فَعَمَدَتِ امْرَأتِي إلَيْها فَأرْضَعَتْها فَدَخَلَتْ عَلَيْها فَقالَتْ: دُونَكَ قَدْ واللَّهِ أرْضَعْتُها قالَ عُمَرُ: أرْجِعْها وأْتِ جارِيَتَكَ فَإنَّما الرَّضاعَةُ رَضاعَةُ الصِّغَرِ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ إلّا فَتْقُ الأمْعاءِ في الثَّدْيِ وكانَ قَبْلَ الفِطامِ» ”وفي «سُنَنِ أبِي داوُدَ» مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ ««لا يَحْرُمُ مِنَ الرِّضاعِ إلّا ما أنْبَتَ اللَّحْمَ وأنْشَزَ العَظْمَ» حَتّى إنَّ عائِشَةَ نَفْسَها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها رَوَتْ ما يُخالِفُ عَمَلَها، فَفي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْها أنَّها قالَتْ: ««دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ  وعِنْدِي رَجُلٌ فَقالَ: يا عائِشَةُ، مَن هَذا؟

فَقُلْتُ: أخِي مَنِ الرَّضاعَةِ فَقالَ: يا عائِشَةُ انْظُرْنَ مَن إخْوانُكم إنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ»» واعْتُبِرَ مَرْوِيُّها دُونَ رَأْيِها لِظُهُورِ غَفْلَتِها فِيهِ وعَدَمِ وُقُوعِ اجْتِهادِها عَلى المَحَزِّ، ولِهَذا قِيلَ: يُشْبِهُ أنَّها رَجَعَتْ كَما رَجَعَ أبُو مُوسى لَمّا تَحَقَّقَ عِنْدَها النَّسْخُ؛ وحَمَلَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ حَدِيثَ سَهْلَةَ عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِها وبِسالِمٍ، وجَعَلُوا أيْضًا العَفْوَ عَنْ مُباشَرَةِ العَوْرَةِ مِنَ الخَواصِّ.

هَذا ومِن غَرائِبِ ما وقَفَتْ عَلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ مِن مَقامَةٍ لِلْعَلّامَةِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى سَمّاها «الدَّوَرانَ الفَلَكِيَّ عَلى ابْنِ الكُرْكِيِّ» وفِيها يُخاطِبُ الفاضِلَ المَذْكُورَ بِما نَصُّهُ: ماذا صَنَعْتَ بِالسُّؤالِ المُهِمِّ الَّذِي دارَ في البَلَدِ ولَمْ يُجِبْ عَنْهُ أحَدٌ، وهو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ: واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم حَيْثُ رُتِّبَ عَلى الأوَّلِ خَمْسُ رَضَعاتٍ وارِدَةٍ، ولَوْ قِيلَ: الثّانِي لاكْتَفى بِرَضْعَةٍ واحِدَةٍ، ولَقَدْ ورَدَ عَلَيَّ وسِيقَ إلَيَّ فَلَمْ أكْتُبْ عَلَيْهِ مَعَ أنَّ جَوابَهُ نَصْبُ عَيْنِي، وعَتِيدٌ لَدَيَّ لا يَحُولُ شَيْءٌ بَيْنَهُ وبَيْنِي لِأنْظُرَ هَلْ مِن رَجُلٍ رَشِيدٍ أوْ أحَدٍ لَهُ في العِلْمِ قَصْرٌ مَشِيدٌ هَلّا أبْدَعْتَ فِيهِ جَوابًا مُسَدَّدًا، ونَوَّعَتْ فِيهِ طَرائِقَ قِدَدًا، واتَّخَذَتْ بِذَلِكَ عَلى دَعْوى العِلْمِ ساعِدًا وعَضُدًا، وها لَهُ نَحْوُ عامَيْنِ ما حَلّاهُ أحَدٌ بِحَرْفٍ، ولا رَمَقَهُ ناظِرٌ بِطَرَفٍ ولا أوْدَعَهُ ذُو ظُرْفٍ بِظُرْفٍ، ولَوْ شِئْتُ أنا لَكَتَبْتُ عَلَيْهِ عِدَّةَ مُؤَلَّفاتٍ وأسْطَرْتُ فِيهِ خَمْسَ مُصَنَّفاتٍ، بَسِيطٌ حَرِيزٌ، ووَسِيطٌ غَرِيزٌ، ومُخْتَصَرٌ وجِيزٌ، ومَنظُومَةٌ ذاتُ تَطْرِيزٍ، ومَقامَةُ إنْشاءٍ كَأنَّها ذَهَبٌ إبْرِيزٌ انْتَهى كَلامُهُ.

وأقُولُ: لَعَلَّ الفَرْقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ ( أُمَّهاتُكم ) في هَذِهِ الآيَةِ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وفِيها تَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ بَقِيَ الذِّهْنُ مُشْرَئِبًّا إلى بَيانِ الفارِقِ بَيْنَ هَذِهِ الأُمَّهاتِ وتِلْكَ الأُمَّهاتِ فَأتى سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ بَيانًا لِذَلِكَ دافِعًا لِتَوِهُّمِ التَّكْرارِ فَكانَ قَيْدَ الإرْضاعِ الواقِعِ صِلَةً مُعْتَنًا بِهِ أتَمَّ اعْتِناءٍ، ومِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى هَذا الِاعْتِناءِ اعْتِبارُهُ أيْنَما لُوحِظَ، وقَدْ لُوحِظَ في الآيَةِ خَمْسُ مَرّاتٍ الأُولى: حِينَ أتى بِهِ فِعْلًا، والثّانِيَةُ: حِينَ أُسْنِدَ إلى الفاعِلِ أعْنِي ضَمِيرَ النِّسْوَةِ، والثّالِثَةُ: حِينَ تَعَلَّقَ بِالمَفْعُولِ أعْنِي ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ، والرّابِعَةُ: حِينَ جُعِلَ جُزْءُ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ صِلَةَ المَوْصُولِ، والخامِسَةُ: حِينَ جُعِلَ اللّاتِي صِفَةَ أُمَّهاتِكم لِأنَّ وصْفِيَّتَهُ لَها بِاعْتِبارِ الصِّلَةِ بِلا شُبْهَةٍ فَهَذِهِ خَمْسُ مُلاحَظاتٍ لِلْإرْضاعِ في هَذا التَّرْكِيبِ تُشِيرُ إلى أنَّ ما بِهِ تَحْصُلُ الأُمُومَةُ خَمْسُ رَضَعاتٍ، وهَذا أحَدُ الأسْرارِ لِاخْتِيارِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعَ إمْكانِ تَراكِيبَ غَيْرِهِ لَعَلَّ بَعْضَها أخْصَرُ مِنهُ، وكَثِيرًا ما وقَعَ في القُرْآنِ تَراكِيبُ وتَعْبِيراتٌ يُشارُ بِها إلى أُمُورٍ واقِعِيَّةٍ بَيْنَها وبَيْنَ ما في تِلْكَ التَّعْبِيراتِ مُناسَبَةٌ مِثْلَ ما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ مِنَ الِاحْتِباكِ المُشِيرِ إلى ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الِائْتِلافِ، وما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ ﴾ مِنَ الإدْغامِ في يُمِلَّ المُشِيرِ إلى حالِ الفاعِلِ وهو الأخْرَسُ المَعْقُودُ اللِّسانِ في كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ، وما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ ﴾ مِن عَدَمِ الِاسْتِحالَةِ بِالِانْعِكاسِ المُشِيرِ إلى كُرِّيَّةِ الأفْلاكِ في رَأْيٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً.

ولَيْسَ هَذا مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ مِن بابِ الإشارَةِ المُقَوِّيَةِ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَسْتَدِلَّ أحَدٌ مِمَّنْ ذَهَبَ إلى اشْتِراطِ الخَمْسِ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَكِنِ اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُرُودِ الخَمْسِ في الأخْبارِ، وإلى ذَلِكَ تُشِيرُ عِبارَةُ الجَلالِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الإشارَةُ مَفْقُودَةٌ في القَوْلِ المَفْرُوضِ أعْنِي واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتُكم، لِأنَّ العَطْفَ فِيهِ لا يُوهِمُ التَّكْرارَ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ فَلا يُشْرَأبُّ الذِّهْنُ إلى ما يُذْكَرُ بَعْدُ كَما اشْرَأبَّ فِيما ذُكِرَ قَبْلُ، فَلا داعِيَ لِاعْتِبارِهِ أيْنَما لُوحِظَ كَما كانَ كَذَلِكَ هُناكَ بَلْ يَكْفِي اعْتِبارُهُ مَرَّةً واحِدَةً وهي أدْنى ما تَتَحَقَّقُ بِهِ الماهِيَّةُ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ بَعْدَ أُمَّهاتِكم عَلى أنَّهُ بَدَلٌ والبَدَلُ كَما قالُوا: هو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ المُفِيدِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ، وهَذا التَّوْكِيدُ أيْضًا مُشْعِرٌ بِوَحْدَةِ الإرْضاعِ لِأنَّ التَّحْرِيمَ بِالرَّضْعَةِ الواحِدَةِ مِمّا يَكادُ يُسْتَبْعَدُ فَيَحْتاجُ إلى تَوْكِيدِهِ بِخِلافِ الرَّضَعاتِ العَدِيدَةِ.

وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ نُسَخِ «شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ اسْتِدْلالِ الإمامِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى دَعْوى ثُبُوتِ الحُرْمَةِ بِرَضْعَةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ما نَصُّهُ: «واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى المالِكِيَّةِ فَقالُوا: إنَّما كانَتْ تَحْصُلُ الدَّلالَةُ لَكم لَوْ كانَتِ الآيَةُ واللّاتِي أرْضَعْنَكم أُمَّهاتِكم» انْتَهى، ولَمْ يُصَرِّحْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ الآيَةَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها المالِكِيَّةُ مُشْعِرَةٌ بِالخَمْسِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى الواحِدَةِ لا تَحْصُلُ بِها وأرادَ أنَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ الإشْعارِ القَوِيِّ إلى التَّعَدُّدِ يَأْبى حَمْلَ الماهِيَّةِ عَلى أقَلِّ ما تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وفي بَعْضِ نُسَخِ ذَلِكَ الشَّرْحِ واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَلى المالِكِيَّةِ فَقالُوا: إنَّما كانَتْ تَحْصُلُ لَكُمُ الدَّلالَةُ لَوْ كانَتِ الآيَةُ واللّاتِي أرْضَعْنَكم وأُمَّهاتِكم بِواوٍ بَيْنَ أرْضَعْنَكم وبَيْنَ أُمَّهاتِكم والظّاهِرُ أنَّها غَلَطٌ مِنَ النّاسِخِ، والتِزامُ تَوْجِيهِها تَعَسُّفٌ رَأيْنا تَرْكَهُ رِبْحًا.

هَذا ما ظَهَرَ لِنَظَرِي القاصِرِ وفِكْرِي الفاتِرِ، ولَقَدْ سَألْتُ بِالرِّفْقِ عَنْ هَذا الفَرْقِ جَمْعًا مِن عُلَماءِ عَصْرِي، وراجَعْتُ لِشَرْحِ ذَلِكَ المَتْنِ جَمِيعَ الفُضَلاءِ الَّذِينَ تَضَمَّنَتْهم حَواشِي مِصْرِيٍّ فَلَمْ أرَ مَن نَطَقَ بِبِنْتِ شَفَةٍ ولا مَنِ ادَّعى في حَلِّ ذَلِكَ الإشْكالِ مَعْرِفَةً مَعَ أنَّ مِنهم مَن خَضَعَتْ لَهُ الأعْناقُ، وطَبَقَتْ فَضائِلُهُ الآفاقَ، وما رَأيْتُ مِنَ المُرُوءَةِ أنْ أُمْهِلَهم حَتّى يُنْقَرَ في النّاقُورِ أوْ أنْتَظِرُ بَناتَ أفْكارِهِمْ إلى أنْ يَلِدَ البَغْلُ العاقُورُ الباقُورُ؛ فَكَتَبْتُ ما تَرى ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ الأوْلى والأحْرى فَتَأمَّلْ، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ.

﴿ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ مِن جِهَةِ الرَّضاعَةِ الَّتِي لَها لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.

والمُرادُ بِالنِّساءِ المَنكُوحاتُ عَلى الإطْلاقِ سَواءٌ كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ أوْ لا وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ صَحِيحًا أمّا إذا كانَ فاسِدًا فَلا تُحَرَّمُ الأُمُّ إلّا إذا وطِئَ بِنْتَها، أخَرَجَ البَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» .

وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «“ إذا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها دَخَلَ بِالِابْنَةِ أوْ لَمْ يَدْخُلْ وإذا تَزَوَّجَ الأُمَّ ولَمْ يَدْخُلْ بِها ثُمَّ طَلَّقَها فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِوايَتانِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «النِّساءُ مُبْهَمَةٌ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أوْ ماتَتْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها» .

وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُوَيْمِرٍ أنَّهُ قالَ: نَكَحْتُ امْرَأةً فَلَمْ أدْخُلْ بِها حَتّى تُوُفِّيَ عَمِّي عَنْ أُمِّها فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: انْكِحْ أُمَّها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أيْضًا رِوايَتانِ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَفارَقَها قَبْلَ أنْ يَمَسَّها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها؟

فَقالَ: لا الأُمُّ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ فِيها شَرْطٌ إنَّما الشَّرْطُ في الرَّبائِبِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يُخْلِفَ عَلى أُمِّها، وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كانَ يُفْتِي بِحِلِّ أُمِّ المَرْأةِ إذا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِبِنْتِها ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ عَنْهُ أنَّهُ اسْتُفْتِيَ بِالكُوفَةِ عَنْ نِكاحِ الأُمِّ بَعْدَ البِنْتِ إذا لَمْ تَكُنِ البِنْتُ مُسَّتْ فَأرْخَصَ في ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ كَما قالَ، وإنَّ الشَّرْطَ في الرَّبائِبِ فَرَجَعَ إلى الكُوفَةِ فَلَمْ يَصِلْ إلى بَيْتِهِ حَتّى أتى الرَّجُلَ الَّذِي أفْتاهُ بِذَلِكَ فَأمَرَهُ أنْ يُفارِقَها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ سُئِلَ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ثُمَّ يُطَلِّقُها أوْ تَمُوتُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها؟

فَقالَ: هي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيبَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ، ويَدْخُلُ في لَفْظِ الأُمَّهاتِ الجَدّاتُ مِن قِبَلِ الأبِ والأُمِّ وإنْ عَلَوْنَ وإنْ كانَتِ امْرَأةُ الرَّجُلِ أمَةً فَلا تَحْرُمُ أُمُّها إلّا بِالوَطْءِ أوْ دَواعِيهِ لِأنَّ لَفْظَ النِّساءِ إذا أُضِيفَ إلى الأزْواجِ كانَ المُرادُ مِنهُ الحَرائِرَ كَما في الظِّهارِ والإيلاءِ، وقُرِئَ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ.

﴿ ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ ﴾ الرَّبائِبُ جَمْعُ رَبِيبَةٍ ورَبَّ ورَبى بِمَعْنًى، والرَّبِيبُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ولَمّا أُلْحِقَ بِالأسْماءِ الجامِدَةِ جازَ لُحُوقُ التّاءِ لَهُ وإلّا فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ التّاءَ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ، والرَّبِيبُ ولَدُ المَرْأةِ مِن آخَرَ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يِرُبُّهُ غالِبًا كَما يَرُبُّ ولَدَهُ، والحُجُورُ جَمْعُ حَجْرٍ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، وهو في اللُّغَةِ حِضْنُ الإنْسانِ أعْنِي ما دُونُ إبِطِهِ إلى الكَشْحِ، وقالُوا: فُلانٌ في حَجْرِ فُلانٍ أيْ في كَنَفِهِ ومَنعَتِهِ وهو المُرادُ في الآيَةِ، ووَصْفُ الرَّبائِبِ بِكَوْنِهِنَّ في الحُجُورِ مُخْرَجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ والعادَةُ إذِ الغالِبُ كَوْنُ البِنْتِ مَعَ الأُمِّ عِنْدَ الزَّوْجِ، وفائِدَتُهُ تَقْوِيَةُ عِلَّةِ الحُرْمَةِ، كَما أنَّها النُّكْتَةُ في إيرادِهِنَّ بِاسْمِ الرَّبائِبِ دُونَ بَناتِ النِّساءِ، وقِيلَ: ذُكِرَ ذَلِكَ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ نَحْوَ ﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ ولَوْلا ما ذُكِرَ لَثَبَتَتِ الإباحَةُ عِنْدَ انْتِفائِهِ بِدَلالَةِ اللَّفْظِ في غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ عِنْدَ مَن يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ وبِالرُّجُوعِ إلى الأصْلِ وهو الإباحَةُ عِنْدَ مَن لا يَعْتَبِرُ المَفْهُومَ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْهُ إلى التَّحْرِيمِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ فَإذا انْتَفى القَيْدُ رَجَعَ إلى الأصْلِ لا بِدَلالَةِ اللَّفْظِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ يَقُولُ بِحِلِّ الرَّبِيبَةِ إذا لَمْ تَكُنْ في الحَجْرِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسٍ قالَ: «كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ فَتُوُفِّيَتْ وقَدْ ولَدَتْ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْها فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: ما لَكَ؟

فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ المَرْأةُ فَقالَ: لَها بِنْتٌ؟

قُلْتُ: نَعَمْ وهي بِالطّائِفِ قالَ: كانَتْ في حِجْرِكَ؟

قُلْتُ: لا قالَ: أنْكِحْها قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكُمْ ﴾ ؟

قالَ: إنَّها لَمْ تَكُنْ في حِجْرِكَ إنَّما ذَلِكَ إذا كانَتْ في حِجْرِكَ» وإلى هَذا ذَهَبَ داوُدُ، والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وإلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ويَدْخُلُ في الحُرْمَةِ بَناتُ الرَّبِيبَةِ والرَّبِيبِ وإنْ سَفُلْنَ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُنَّ بِخِلافِ الأبْناءِ والآباءِ لِأنَّهُ اسْمٌ خاصٌّ بِهِنَّ فَلِذا جازَ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الِابْنِ وبِنْتِها، وجازَ لِلِابْنِ التَّزَوُّجُ بِأُمِّ زَوْجَةِ الأبِ وبِنْتِها.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ المَذْكُوراتِ بِالإجْماعِ.

﴿ مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( رَبائِبُكم ) أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ أيِ اللّاتِي اسْتَقْرَرْنَ في حُجُورِكم كائِناتٍ مِن نِسائِكُمُ إلَخْ، و( اللّاتِي ) صِفَةٌ لِلنِّساءِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وهي لِلتَّقْيِيدِ إذْ رَبِيبَةُ الزَّوْجَةِ الغَيْرِ المَدْخُولِ بِها لَيْسَتْ بِحَرامٍ ولا يَجُوزُ كَوْنُ الجارِّ حالًا مِن أُمَّهاتٍ أيْضًا، أوْ مِمّا أُضِيفَتْ هي إلَيْهِ ضَرُورَةَ أنَّ الحالِيَّةَ مِن رَبائِبِكم أوْ مِن ضَمِيرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً وحالِيَّتُهُ مِن أُمَّهاتٍ، أوْ مِن نِسائِكم يَسْتَدْعِي كَوْنَها بَيانِيَّةً، وادِّعاءُ كَوْنِها اتِّصالِيَّةً كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى»» وقَوْلِهِ: إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُورًا ∗∗∗ فَلَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي وهُوَ مَعْنًى يَنْتَظِمُ الِابْتِداءُ والبَيانُ فَيَتَناوَلُ اتِّصالَ الأُمَّهاتِ بِالنِّساءِ لِأنَّهُنَّ والِداتٌ، وبِالرَّبائِبِ لِأنَّهُنَّ مَوْلُوداتٌ، أوْ جَعَلَ المَوْصُولَ صِفَةً لِلنَّسّاءَيْنِ مَعَ اخْتِلافِ عامِلَيْهِما لِأنَّ النِّساءَ المُضافَ إلَيْهِ أُمَّهاتٌ مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، والمَجْرُورُ بِمِن بِها بَعِيدٌ جِدًّا بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ ساحَةُ التَّنْزِيلِ عَنْهُ، وأمّا القِراءَةُ فَضَعِيفَةُ الرِّوايَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّسْخِ كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والباءُ مِن ( بِهِنَّ ) لِلتَّعْدِيَةِ، وفِيها مَعْنى المُصاحِبَةِ أوْ بِمَعْنى مَعَ أيْ دَخَلْتُمْ مَعَهُنَّ السِّتْرَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ كَبُنى عَلَيْها، وضَرَبَ عَلَيْها الحِجابَ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَقُولُ: بَنى بِها، ووَهَمَهُمُ الحَرِيرِيُّ وهو وهْمٌ.

واللَّمْسُ ونَظائِرُهُ في حُكْمِ الجِماعِ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: واعْتُرِضَ بِأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ لا مَجالَ لَهُ لِأنَّ صَرِيحَ الآيَةِ غَيْرُ مُرادٍ قَطْعًا بَلْ ما اشْتُهِرَ مِن مَعْناها الكِنائِيِّ فَما قالَهُ إنْ أُثْبِتَ بِالقِياسِ فَهو مُخالِفٌ لِصَرِيحِ مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ تَعالى بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ أُثْبِتَ بِالحَدِيثِ وهو غَيْرُ مَشْهُورٍ لَمْ يُوافِقْ أُصُولَهُ، ويُدْفَعُ بِأنَّهُ مِن صَرِيحِ النَّصِّ لِأنَّ باءَ الإلْصاقِ صَرِيحَةٌ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: دَخَلَ بِها إذا أمْسَكَها وأدْخَلَها البَيْتَ فَإنْ قُلْتَ: هَبْ أنَّ الكِنايَةَ لا يُشْتَرَطُ فِيها القَرِينَةُ المانِعَةُ عَنْ إرادَةِ الحَقِيقَةِ لَكِنْ تَلْزَمُ إرادَتُهُ كَما حَقَّقَ في المَعانِي فَلا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلَيْهِ أُجِيبُ: بِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَلْزَمْ إرادَتَهُ لَكِنْ لا مانِعَ مِنهُ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ عَلى إرادَتِهِ، وكَفى بِالآثارِ قَرِينَةٌ، ومِنها ما رُوِيَ مِن طَرِيقِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ في الَّذِي يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ فَيَغْمِزُ لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ لا يَتَزَوَّجُ ابْنَتَها»» وهو مُرْسَلٌ ومُنْقَطِعٌ إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ عِنْدَنا إذا كانَتِ الرِّجالُ ثِقاتٍ فَلِذا أدْرَجُوهُ في مَدْلُولِ النَّظْمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: «إذا جامَعَ الرَّجُلُ المَرْأةَ أوْ قَبَّلَها أوْ لَمَسَها بِشَهْوَةٍ أوْ نَظَرَ إلى فَرْجِها بِشَهْوَةٍ حُرِّمَتْ عَلى أبِيهِ وابْنِهِ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وبِنْتُها.

فَإنْ قُلْتَ هَبْ أنَّهُ يُدْخِلُ اللَّمْسَ في صَرِيحِهِ فَكَيْفَ يَدْخُلُ نَظِيرُهُ فِيهِ؟

أُجِيبُ بِأنَّهُ داخِلٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ، وما ذُكِرَ مِن مُخالَفَةِ صَرِيحِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ مَعَ أنَّهُ غَيْرُ عامٍّ، وبِتَقْدِيرِ عُمُومِهِ لا يَبْعُدُ القَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ فَتَدَبَّرْ.

والزِّنا في الفَرْجِ مُحَرَّمٌ عِنْدَنا فَمَن زَنى بِامْرَأةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُها خِلافًا لِلشّافِعِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلى أنَّ الزِّنا لا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ لِأنَّها نِعْمَةٌ فَلا تُنالُ بِمَحْظُورٍ، ولِقَوْلِهِ  : «لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» ولَنا أنَّ الوَطْءَ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ قِياسًا عَلى الوَطْءِ الحَلالِ، ووَصْفُ الحَلِّ لا دَخْلَ لَهُ في المَناطِ فَإنَّ وطْءَ الأمَةِ المُشْتَرِكَةِ وجارِيَةِ الِابْنِ والمُكاتَبَةِ والمُظاهَرِ مِنها وأمَتِهِ المَجُوسِيَّةِ والحائِضِ والنُّفَساءِ ووَطْءَ المُحْرِمِ والصّائِمِ كُلُّهُ حَرامٌ، وتَثْبُتُ بِهِ الحُرْمَةُ المَذْكُورَةُ، ويَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الأصْلِ هو ذاتُ اِلْوَطْءِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِكَوْنِهِ حَلالًا أوْ حَرامًا.

ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي زَنَيْتُ بِامْرَأةٍ في الجاهِلِيَّةِ أفَأنْكَحُ ابْنَتَها فَقالَ  : ”لا أرى ذَلِكَ ولا يَصْلُحُ أنْ تَنْكِحَ امْرَأةً تَطَّلِعُ مِنِ ابْنَتِها عَلى ما تَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنها“»، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ إرْسالٌ وانْقِطاعٌ لَكِنْ جِئْنا بِهِ في مُقابَلَةِ خَبَرِهِمْ وقَدْ طَعَنَ فِيهِ المُحَدِّثُونَ، وذَكَرَهُ عَبْدُ الحَقِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قالَ: في إسْنادِهِ إسْحاقُ بْنُ أبِي فَرْوَةَ وهو مَتْرُوكٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُجْرًى عَلى ظاهِرِهِ، أرَأيْتَ لَوْ بالَ أوْ صَبَّ خَمْرًا في ماءٍ قَلِيلٍ ألَمْ يَكُنْ حَرامًا مَعَ أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُهُ فَيَجِبُ كَوْنُ المُرادِ مِنهُ أنَّ الحَرامَ لا يَحْرُمُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَرامًا وحِينَئِذٍ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ إذْ لَمْ نَقُلْ بِإثْباتِ الزِّنا حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ زِنًا بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وطْءً، وأجابَ صاحِبُ «الهِدايَةِ» عَنْ قَوْلِهِمْ في تَعْلِيلِ كَوْنِ الزِّنا لا يُوجِبُ حُرْمَةَ المُصاهَرَةِ بِأنَّها نِعْمَةٌ فَلا تُنالُ بِمَحْظُورٍ «بِأنَّ الوَطْءَ يُحَرَّمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ لِلْوَلَدِ لا مِن حَيْثُ ”ذاتُهُ ولا مِن حَيْثُ“ إنَّهُ زِنًا»، وفي «فَتْحِ القَدِيرِ» أنَّ هَذا القَوْلَ «مَغْلَطَةٌ فَإنَّ النِّعْمَةَ لَيْسَتِ التَّحْرِيمَ مِن حَيْثُ هو تَحْرِيمٌ لِأنَّهُ تَضْيِيقٌ ولِذا اتَّسَعَ الحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ  ”نِعْمَةً“ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ مِن حَيْثُ هو يَتَرَتَّبُ عَلى المُصاهَرَةِ فَحَقِيقَةُ النِّعْمَةِ هي المُصاهَرَةُ لِأنَّها الَّتِي تُصَيِّرُ الأجْنَبِيَّ قَرِيبًا ”عَضُدًا وساعِدًا يُهِمُّهُ ما أهُمَّكَ ولا مُصاهَرَةَ بِالزِّنا، فالصِّهْرُ زَوْجُ البِنْتِ مَثَلًا لا مِن زِنًا بِبِنْتِ الإنْسانِ فانْتَفَتِ الصَّهْرِيَّةُ وفائِدَتُها أيْضًا إذِ الإنْسانُ يَنْفِرُ مِنَ الزّانِي بِبِنْتِهِ فَلا يَتَعَرَّفُ بِهِ بَلْ يُعادِيهِ فَأنّى يَنْتَفِعُ بِهِ،“ والمَنقُولاتُ مُتَكافِئَةٌ فالمَرْجِعُ القِياسُ، وقَدْ بَيَّنّا فِيهِ إلْغاءَ وصْفٍ زائِدٍ عَلى كَوْنِهِ وصْفًا»، وتَمامُ الكَلامِ في المَبْسُوطاتِ مِن كُتُبِ أئِمَّتِنا.

﴿ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا ﴾ أيْ فِيما قَبْلُ ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ أيْ بِأُولَئِكَ النِّساءِ أُمَّهاتِ الرَّبائِبِ ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ أيْ فَلا إثْمَ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أصْلًا في نِكاحِ بَناتِهِنَّ إذا طَلَّقْتُمُوهُنَّ أوْ مِتْنَ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمٍ أنَّ قَيْدَ الدُّخُولِ كَقَيْدِ الكَوْنِ في الحُجُورِ، والفاءُ الأُولى لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها عَلى طَرْزِ ما مَرَّ، وفي الِاقْتِصارِ في بَيانِ نَفْيِ الحُرْمَةِ عَلى نَفْيِ الدُّخُولِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الحُرْمَةِ إنَّما هو الدُّخُولُ دُونَ كَوْنِ الرَّبائِبِ في الحُجُورِ، وإلّا لَقِيلَ: فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ولَسْنَ في حُجُورِكم أوْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أوْ لَسْنَ في حُجُورِكم جَرْيًا عَلى العادَةِ في إضافَةِ نَفْيِ الحُكْمِ إلى نَفْيٍ تَمامِ العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ أوْ أحَدِ جُزْأيْها الدّائِرِ، وإنْ صَحَّ إضافَتُهُ إلى نَفْيِ جُزْئِها المُعَيَّنِ لَكِنَّهُ خِلافَ المُسْتَمِرِّ مِنَ الِاسْتِعْمالِ.

﴿ وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ ﴾ أيْ زَوْجاتُهم جَمْعُ حَلِيلَةٍ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ زَوْجِها في فِراشٍ واحِدٍ، أوْ لِأنَّها تَحِلُّ مَعَهُ حَيْثُ كانَ فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وكَذا يُقالُ لِلزَّوْجِ حَلِيلٌ.

وقِيلَ: اشْتِقاقُهُما مِنَ الحَلِّ لِحَلِّ كُلٍّ مِنهُما إزارَ صاحِبِهِ، وقِيلَ: مِنَ الحِلِّ إذْ كَلٌّ مِنهُما حَلالٌ لِصاحِبِهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والتّاءُ في حَلِيلَةٍ لِإجْرائِها مَجْرى الجَوامِدِ ولَوْ جُعِلَ فَعِيلٌ في جانِبِ الزَّوْجِ بِمَعْنى فاعِلٍ، وفي جانِبِ الزَّوْجَةِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كانَ فِيهِ نَوْعُ لَطافَةٍ لا تَخْفى، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ فَقَطْ، وأمّا حُرْمَةُ مَن وطِئَها الِابْنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِزَوْجَةٍ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ، وقالَ ابْنُ الهُمامِ: «إنِ اعْتُبِرَ الحَلِيلَةُ مِن حُلُولِ الفِراشِ أوْ حَلِّ الإزارِ تَناوَلَ المَوْطُوأةَ بِمِلْكِ اليَمِينِ أوْ شُبْهَةٍ أوْ زِنًا فَيَحْرُمُ الكُلُّ عَلى الآباءِ وهو الحُكْمُ الثّابِتُ عِنْدَنا.

.

.

ولا يَتَناوَلُ المَعْقُودَ عَلَيْها لِلِابْنِ أوْ بَنِيهِ وإنْ سَفُلُوا قَبْلَ الوَطْءِ والفَرْضِ أنَّها بِمُجَرَّدِ العَقْدِ تَحْرُمُ عَلى الآباءِ وذَلِكَ بِاعْتِبارِهِ مِنَ الحِلِّ بِالكَسْرِ، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى حُرْمَةِ المَزْنِيِّ بِها لِلِابْنِ عَلى الأبِ فَيَجِبُ اعْتِبارُهُ في أعَمَّ مِنَ الحِلِّ والحَلِّ، ثُمَّ يُرادُ بِالأبْناءِ الفُرُوعُ فَتَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ السّافِلِ عَلى الجَدِّ الأعْلى» وكَذا ابْنُ البِنْتِ وإنْ سَفُلَ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّ الحَلِيلَةَ الزَّوْجَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، واخْتارَ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الأعَمِّ الشّامِلِ لِمِلْكِ اليَمِينِ لِيَكُونَ السِّرُّ في التَّعْبِيرِ بِها هُنا دُونَ الأزْواجِ أوِ النِّساءِ أنَّ الرَّجُلَ رُبَّما يَظُنُّ أنَّ مَمْلُوكَةَ ابْنِهِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِناءًا عَلى أنَّ الوَلَدَ ومالَهُ لِأبِيهِ فَلا يُبالِي بِوَطْئِها وإنْ وطِئَها الِابْنُ فَنَبَّهُوا عَلى تَحْرِيمِها بِعُنْوانٍ صادِقٍ عَلَيْها وعَلى الزَّوْجَةِ صِدْقَ العامِّ عَلى أفْرادِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما فَتَدَبَّرْ، وحُكْمُ المَمْسُوساتِ ونَحْوِهِنَّ حُكْمُ اللّاتِي وطِئَهُنَّ الأبْناءُ.

﴿ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ ﴾ صِفَةٌ لِلْأبْناءِ، وذُكِرَ لِإسْقاطِ حَلِيلَةِ المُتَبَنّى، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ  امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إسْقاطُ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ الرِّضاعِ فَإنَّها حَرامٌ أيْضًا كَحَلِيلَةِ الِابْنِ مِنَ النَّسَبِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم فِيهِ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَشْهُورُ عَنْهُ الوِفاقُ في ذَلِكَ.

﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، والمُرادُ جَمْعُهُما في النِّكاحِ لا في مِلْكِ اليَمِينِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِما أُخْتَيْنِ مِنَ النَّسَبِ أوِ الرَّضاعَةِ حَتّى قالُوا: لَوْ كانَ لَهُ زَوْجَتانِ رَضِيعَتانِ أرْضَعَتْهُما أجْنَبِيَّةٌ فَسَدَ نِكاحُهُما.

وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَفْسُدُ نِكاحُ الثّانِيَةِ فَقَطْ ولا يَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ، نَعَمْ جَمَعَهُما في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ مُلْحَقٌ بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِاتِّحادِهِما في المَدارِ فَيَحْرُمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أُمَتانِ أُخْتانِ وطِئَ إحْداهُما ثُمَّ أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى قالَ: لا حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ،وأخْرَجا مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الأُخْتَيْنِ المَمْلُوكَتَيْنِ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ولا آمُرُ ولا أنْهى ولا أُحَلِّلُ ولا أُحَرِّمُ ولا أفْعَلُهُ أنا ولا أهْلُ بَيْتِي، ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجَمْعَ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما أُحِبُّ أنْ أُجِيزَ الجَمْعَ ونَهى السّائِلُ عَنْهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ أنَّ القائِلَ بِالحِلِّ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم رَجَعَ إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإنْ قُلْنا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ فالإجْماعُ اللّاحِقُ يَرْفَعُ الخِلافَ السّابِقَ، وإنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلافِ أهْلِ الظّاهِرِ وبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ فالمُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ المُعارَضَةِ، وإذا تَزَوَّجَ أُخْتَ أمَتِهِ المَوْطُوأةِ صَحَّ النِّكاحُ وحَرُمَ وطْءُ واحِدَةٍ مِنهُما حَتّى يُحَرِّمَ المَوْطُوأةَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ فَحِينَئِذٍ يَطَأُ المَنكُوحَةَ لِعَدَمِ الجَمْعِ -كالبَيْعِ كُلًّا أوْ بَعْضًا - والمُتَزَوِّجُ الصَّحِيحُ والهِبَةُ مَعَ التَّسْلِيمِ والإعْتاقُ كُلًّا أوْ بَعْضًا والكِتابَةُ ولَوْ تَزَوَّجَ الأُخْتَ نِكاحًا فاسِدًا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أمَتُهُ المَوْطُوأةُ إلّا إذا دَخَلَ بِالمَنكُوحَةِ فَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ المَوْطُوأةُ لِوُجُودِ الجَمْعِ بَيْنَهُما حَقِيقَةً، ولا يُؤَثِّرُ الإحْرامُ والحَيْضُ والنِّفاسُ والصَّوْمُ وكَذا الرَّهْنُ والإجارَةُ والتَّدْبِيرُ لِأنَّ فَرْجَها لا يَحْرُمُ بِهَذِهِ الأسْبابِ، وإذا عادَتِ المَوْطُوأةُ إلى مِلْكِهِ بَعْدَ الإخْراجِ سَواءٌ كانَ بِفَسْخٍ أوْ شِراءٍ جَدِيدٍ لَمْ يَحِلَّ وطْءُ واحِدَةٍ مِنهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأمَةَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ كَما كانَ أوَّلًا، وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: لا يَحِلُّ الوَطْءُ حَتّى يَحْرُمَ أنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، وقَدْ نَصُّوا عَلى ذَلِكَ وعَلَّلُوهُ بِصُدُورِهِ عَنْ أهْلِهِ مُضافًا إلى مَحَلِّهِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَنكُوحَةَ مَوْطُوأةٌ حُكْمًا بِاعْتِرافِهِمْ فَيَصِيرُ بِالنِّكاحِ جامِعًا وطْءً حُكْمًا وهو باطِلٌ، ومِن هُنا ذَهَبَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ إلى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ لُزُومَ الجَمْعِ بَيْنَهُما وطْءً حُكْمًا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّ بِيَدِهِ إزالَتَهُ فَلا يَضُرُّ بِالصِّحَّةِ ويَمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ بَعْدَها لِقِيامِهِ إذْ ذاكَ، وإسْنادُ الحُرْمَةِ إلى الجَمْعِ لا إلى الثّانِيَةِ بِأنْ يُقالَ: وأخَواتُ نِسائِكم لِلِاحْتِرازِ عَنْ إفادَةٍ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ كَما في المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ، ولِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إفادَةِ حُرْمَةِ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ، ويَشْتَرِكُ في هَذا الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها ونَظائِرُ ذَلِكَ فَإنَّ مَدارَ حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إفْضاؤُهُ خِلافًا لِما في «المَبْسُوطِ» إلى قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أرْحامَكم» وما رَواهُ أبُو داوُدَ في «مَراسِيلِهِ» عَنْ عِيسى بْنِ طَلْحَةَ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى قَرابَتِها مَخافَةَ القَطِيعَةِ»» وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الجَمْعِ بَيْنَ مَن ذَكَرْنا بَلْ أوْلى فَإنَّ العَمَّةَ والخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ فَقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُبالِغًا في بَيانِ التَّحْرِيمِ: ”«لا تَنْكِحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها ولا عَلى ابْنَةِ أُخْتِها ولا عَلى ابْنَةِ أخِيها“» مِن قَبِيلِ بَيانِ التَّفْسِيرِ لا بَيانِ التَّعْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الحَدِيثَ مَشْهُورٌ فَقَدْ ثَبَتَ في «صَحِيحَيْ مُسْلِمٍ وابْنِ حِبّانَ»، ورَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وتَلَقّاهُ الصَّدْرُ الأوَّلُ بِالقَبُولِ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، ورَواهُ الجَمُّ الغَفِيرُ مِنهم أبُو هُرَيْرَةَ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ بَلْ لَوْ كانَ مِن أخْبارِ الآحادِ جازَ التَّخْصِيصُ بِهِ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى كَوْنِهِ مَشْهُورًا، وقالَ ابْنُ الهُمامِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ادِّعاءِ الشُّهْرَةِ لِأنَّ الحَدِيثَ مَوْقِعُهُ النَّسْخُ لا التَّخْصِيصُ، وبَيْنَهُ في «فَتْحِ القَدِيرِ» فارْجِعْ إلَيْهِ.

﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

وقَصْدُ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ هُنا غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ لا يُناسِبُ تَأْكِيدَ التَّحْرِيمِ.

والمُرادُ مِمّا سَلَفَ ما مَضى قَبْلَ النَّهْيِ فَإنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ بِهِ الأُخْتَيْنِ، أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ فَيْرُزَ الدَّيْلَمِيِّ أنَّهُ أدْرَكَهُ الإسْلامُ وتَحْتَهُ أُخْتانِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ  : «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ»»، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: مَعْناهُ إلّا ما كانَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ جَمَعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، لَيّا أُمِّ يَهُودا وراحِيلَ أُمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُساعِدُهُ التَّذْيِيلُ لِما أنَّ ما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ صَحَّ كانَ حَلالًا في شَرِيعَتِهِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ وأنَّهُ قالَ: ألا يُرى أنَّهُ قَدْ عَقَّبَ النَّهْيَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ وهَذا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ يُشِيرُ إلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ فِيهِما عَلى سَنَنٍ واحِدٍ ويَأْباهُ اخْتِلافُ ما بَعْدَهُما.

الجُزْءُ الرّابِعُ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي، ويَتْلُوهُ الجُزْءُ الخامِسُ أوَّلُهُ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

۞ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۖ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٢٤

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ.

والمُرادُ بِهِنَّ عَلى المَشْهُورِ ذَواتُ الأزْواجِ، أحْصَنَهُنَّ التَّزَوُّجُ، أوِ الأزْواجُ، أوِ الأوْلِياءُ، أيْ مَنَعَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الإثِمْ، وأجْمَعَ القُرّاءُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى فَتْحِ الصّادِ هُنا، ورِوايَةُ الفَتْحِ عَنِ الكِسائِيِّ لا تَصِحُّ، والمَشْهُورُ رِوايَةُ ذَلِكَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وعَلَيْهِ يَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ، أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ.

وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلْفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، فَقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَلُّ أفْعَلَ اسْمُ فاعِلِهِ بِالكَسْرِ إلّا ثَلاثَةَ أحْرُفٍ: أحْصَنَ وألْفَجَ؛ إذا ذَهَبَ مالُهُ، وأسْهَبَ؛ إذا كَثُرَ كَلامُهُ.

وحُكِيَ عَنِ الأزْهَرِيِّ مِثْلُهُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ امْرَأةٍ عَفِيفَةٍ مُحْصَنَةٌ ومُحْصِنَةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ مُتَزَوِّجَةٍ مُحْصَنَةٌ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، ويُقالُ: حُصِنَتِ المَرْأةُ - بِالضَّمِّ - حُصْنًا أيْ عَفَّتْ، فَهي حاصِنٌ وحَصْنانُ بِالفَتْحِ وحَصْناءُ أيْضًا بَيِّنَةُ الحَصانَةِ، وفَرَسٌ حِصانٌ بِالكَسْرِ بَيِّنُ التَّحْصِينِ والتَّحَصُّنِ.

ويُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ حِصانًا؛ لِأنَّهُ ضَنَّ بِمائِهِ فَلَمْ يَنْزُ إلّا عَلى كَرِيمَةٍ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى سَمَّوْا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الخَيْلِ حِصانًا.

والإحْصانُ في المَرْأةِ ورَدَ في اللُّغَةِ، واسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِأرْبَعَةِ مَعانٍ: الإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والتَّزَوُّجُ، والعِفَّةُ، وزادَ الرّافِعِيُّ العَقْلَ؛ لِمَنعِهِ مِنَ الفَواحِشِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (المُحْصَناتِ) أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ كائِناتٍ مِنَ النِّساءِ، وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ عُمُومِها، وقِيلَ: دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِها لِلرِّجالِ، بِناءً عَلى كَوْنِها صِفَةً لِلْأنْفُسِ، وهي شامِلَةٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وفي المُرادِ بِالآيَةِ غُمُوضٌ، حَتّى قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَن يُفَسِّرُها لِي لَضَرَبْتُ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ، أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي السَّوْداءِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ والمُحْصَناتُ ﴾ إلَخْ فَقالَ: لا أدْرِي، ولِلْعُلَماءِ المُتَقَدِّمِينَ فِيها أقْوالٌ، أحُدُها: أنَّ المُرادَ بِها المُزَوَّجاتُ، كَما قَدَّمْنا.

والمُرادُ بِالمِلْكِ المِلْكُ بِالسَّبْيِ خاصَّةً؛ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لِفَسْخِ النِّكاحِ وحَلِّها لِلسّابِي دُونَ غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعُثْمانَ وجُمْهُورِ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، لَكِنْ وقْعَ الخِلافُ، هَلْ مُجَرَّدُ السَّبْيِ مُحِلٌّ لِذَلِكَ، أوْ سَبْيُها وحْدَها؟

فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - مُجَرَّدُ السَّبْيِ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ ومُحِلٌّ لِلنِّكاحِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - سَبْيُها وحْدَها، حَتّى لَوْ سُبِيَتْ مَعَهُ لَمْ تَحِلَّ لِلسّابِي، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «أصَبْنا سَبْيًا يَوْمَ أوْطاسٍ، ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فاسْتَحْلَلْناهُنَّ،» وهَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْهُ أصَحُّ مِنَ الرِّوايَةِ الأُخْرى أنَّها نَزَلَتْ في المُهاجِراتِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا مِن قَصْرِ العامِّ عَلى سَبَبِهِ، وهو مُخالِفٌ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ خُصُوصُ السَّبَبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذاكَ القَصْرِ في شَيْءٍ، وإنَّما خُصَّ لِمُعارَضَةِ دَلِيلٍ آخَرَ، وهو الحَدِيثُ المَشْهُورُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّها لَمّا اشْتَرَتْ بِرَيْرَةَ وكانَتْ مُزَوَّجَةً أعْتَقَتْها، وخَيَّرَها النَّبِيُّ  » فَلَوْ كانَ بَيْعُ الأمَةِ طَلاقًا ما خَيَّرَها، فاقْتُصِرَ بِالعامِّ حِينَئِذٍ عَلى سَبَبِهِ الوارِدِ عَلَيْهِ؛ لَمّا كانَ غَيْرُ البَيْعِ مِن أنْواعِ الِانْتِقالاتِ كالبَيْعِ في أنَّهُ مِلْكٌ اخْتِيارِيٌّ مُتَرَتِّبٌ عَلى مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، بِخِلافِ السِّباءِ فَإنَّهُ مِلْكٌ جَدِيدٌ قَهْرِيٌّ فَلا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، كَذا قِيلَ، واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ بِإطْلاقِ الآيَةِ والخَبَرِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وجَعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ، وأجابَ الشِّهابُ بِأنَّ الإطْلاقَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَفي الأحْكامِ المَرْوِيِّ أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ أوْطاسٍ لَحِقَتِ الرِّجالُ بِالجِبالِ، وأخَذَتِ النِّساءَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَصْنَعُ ولَهُنَّ أزْواجٌ؟

فَأنْزَلُ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، وكَذا في حُنَيْنٍ، كَما ذَكَرَهُ أهْلُ المَغازِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ أزْواجٌ، فَإنِ احْتَجُّوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ قِيلَ لَهُمْ: قَدِ اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِعامٍّ، وأنَّهُ لا تَجِبُ الفُرْقَةُ بِتَجَدُّدِ المِلْكِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الفُرْقَةَ لِمَعْنًى آخَرَ، وهو اخْتِلافُ الدّارَيْنِ، فَلَزِمَ تَخْصِيصُها بِالمَسْبِيّاتِ وحْدَهُنَّ، ولَيْسَ السَّبْيُ سَبَبَ الفُرْقَةِ؛ بِدَلِيلِ أنَّها لَوْ خَرَجَتْ مُسْلِمَةً أوْ ذِمِّيَّةً ولَمْ يَلْحَقْ بِها زَوْجُها وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلا خِلافٍ.

وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في المُهاجِراتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ فَلا يَرِدُ ما أُورِدَ.

وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ ما قَدَّمْنا، وبِالمِلْكِ مُطْلَقُ مِلْكِ اليَمِينِ، فَكُلُّ مَنِ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِلْكُ أمَةٍ بِبَيْعٍ أوْ هِبَةٍ أوْ سِباءٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وكانَتْ مُزَوَّجَةً كانَ ذَلِكَ الِانْتِقالُ مُقْتَضِيًا لِطَلاقِها وحِلِّها لِمَنِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الإمامِيَّةِ.

وثالِثُها: أنَّ المُحْصَناتِ أعَمُّ مِنَ العَفائِفِ والحَرائِرِ وذَواتِ الأزْواجِ، والمِلْكَ أعَمُّ مِن مِلْكِ اليَمِينِ ومِلْكِ الِاسْتِمْتاعِ بِالنِّكاحِ، فَيَرْجِعُ مَعْنى الآيَةِ إلى تَحْرِيمِ الزِّنا، وحُرْمَةِ كُلِّ أجْنَبِيَّةٍ إلّا بِعَقْدٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، واخْتارَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ.

ورابِعُها: كَوْنُ المُرادِ مِنَ المُحْصَناتِ الحَرائِرَ، ومِنَ المِلْكِ المُطْلَقَ، والمَقْصُودُ تَحْرِيمُ الحَرائِرِ بَعْدَ الأرْبَعِ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ، عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكَ أرْبَعًا في أوَّلِ السُّورَةِ، وحَرَّمَ نِكاحَ كُلِّ مُحْصَنَةٍ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ كَثِيرٍ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: المُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ ذَواتُ الأزْواجِ، والمَوْصُولُ إمّا عامٌّ حَسَبَ عُمُومِ صِلَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ لَيْسَ لِإخْراجِ جَمِيعِ الأفْرادِ مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ، بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ المُسْتَلْزِمِ لِإخْراجِ البَعْضِ، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ عَلى الإطْلاقِ إلّا المُحْصَناتِ اللّاتِي مَلَكْتُمُوهُنَّ، فَإنَّهُنَّ لَسْنَ مِنَ المُحَرَّماتِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ فِيهِنَّ مَن لا يَحْرُمُ نِكاحُهُنَّ في الجُمْلَةِ، وهُنَّ المَسْبِيّاتُ بِغَيْرِ أزْواجِهِنَّ، أوْ مُطْلَقًا عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ، وإمّا خاصٌّ بِالمَسْبِيّاتِ، فالمَعْنى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ إلّا اللّاتِي سُبَيْنَ؛ فَإنَّ نِكاحَهُنَّ مَشْرُوعٌ في الجُمْلَةِ، أيْ لِغَيْرِ مُلّاكِهِنَّ، وأمّا حِلُّهُنَّ لَهم بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ فَمَفْهُومٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِاتِّحادِ المَناطِ لا بِعِبارَتِهِ؛ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ، وإنَّما ثُبُوتُ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِثْناءُ قَطْعًا، وأمّا عَدُّهُنَّ مِن ذَواتِ الأزْواجِ مَعَ تَحَقُّقِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ قَطْعًا بِتَبايُنِ الدّارَيْنِ أوْ بِالسِّباءِ فَمَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ النّاسِ؛ حَيْثُ كانُوا غافِلِينَ عَنِ الفُرْقَةِ، كَما يُنْبِي عَنْ ذَلِكَ خَبَرُ أبِي سَعِيدٍ، ولَيْسَ في تَرَتُّبِ ما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَسُوقَةً لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى إفادَتِها لَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الدَّلالاتِ، لا عَلى إفادَتِها بِطَرِيقِ العِبارَةِ أوْ نَحْوِها.

واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ، ولا مانِعَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنْ يَكُونَ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ فَقَطْ، مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ بِاعْتِبارِ لازِمِ تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وهو تَحْرِيمُ الوَطْءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْكم نِكاحُ المُحْصَناتِ، فَلا يَجُوزُ لَكم وطْؤُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَكم وطْؤُهُنَّ، فَتَدَبَّرْ ﴿ كِتابَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ: كَتَبَ اللَّهُ تَعالى ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًا، ولا يُنافِيهِ الإضافَةُ كَما تُوُهِّمَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها و ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ وقِيلَ: ﴿ كِتابَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ و ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وقِيلَ: هو إغْراءٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِعَلَيْكُمْ، واسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في بابِ الإغْراءِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ أبُو السَّمَيْقَعِ: (كُتُبُ اللَّهِ) بِالجَمْعِ والرَّفْعِ، أيْ هَذِهِ فَرائِضُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم و(كَتَبَ اللَّهُ) بِلَفْظِ الفِعْلِ.

﴿ وأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَعْطُوفًا عَلى (حُرِّمَتْ) وعَلى الثّانِيَةِ مَعْطُوفًا عَلى (كَتَبَ) المُقَدَّرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ما اخْتارَهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ (كَتَبَ) لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وهَذِهِ غَيْرُ مُؤَكِّدَةٍ، فَلا يَنْبَغِي عَطْفُها عَلى المُؤَكَّدَةِ، بَلْ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَسَّسَةِ، خُصُوصًا مَعَ تَناسُبِهِما بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، ونَظَرِ فِيهِ الحَلَبِيُّ ولَعَلَّ وجْهَ النَّظَرِ أنَّ تَحْلِيلَ ما سِوى ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ لِتَحْرِيمِهِ مَعْنًى، وما ذُكِرَ أمْرٌ اسْتِحْسانِيٌّ؛ رِعايَةً لِمُناسَبَةٍ ظاهِرَةٍ ﴿ ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ، أيْ: أُحِلَّ لَكم نِكاحُ ما سِواهُنَّ انْفِرادًا وجَمْعًا، وفي إيثارِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى مُشارَكَةِ مَن في مَعْنى المَذْكُوراتِ لِلْمَذْكُوراتِ في حُكْمِ الحُرْمَةِ، فَلا يَرِدُ حُرْمَةُ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وكَذا الجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأتَيْنِ أيَّتُهُما فَرَضَتْ ذَكَرًا لَمْ تَحِلَّ لَها الأُخْرى، كَما بُيِّنَ في الفُرُوعِ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ مَن ذُكِرَ داخِلٌ فِيما تَقَدَّمَ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وحَدِيثُ تَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ مَشْهُورٌ.

﴿ أنْ تَبْتَغُوا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ بَيَّنَ لَكم تَحْرِيمَ المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ وإحْلالَ ما سِواهُنَّ إرادَةَ وطَلَبَ أنْ تَبْتَغُوا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَبْتَغُوا النِّساءَ، أوْ مَتْرُوكٌ، أيْ تَفْعَلُوا الِابْتِغاءَ بِأمْوالِكُمْ، بِأنْ تَصْرِفُوها إلى مُهُورِهِنَّ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ﴿ ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ بِتَقْدِيرِ المَفْعُولِ ضَمِيرًا.

وجَوَّزَ بَعْضَهم كَوْنَ (ما) عِبارَةً عَنِ الفِعْلِ، كالتَّزَوُّجِ والنِّكاحِ، وجَعَلَ هَذا بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَعْمِيمُ الكَلامِ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ صَرْفَ الأمْوالِ إلى المُهُورِ والأثْمانِ، ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (تَبْتَغُوا) والمُرادُ بِالإحْصانِ هُنا العِفَّةُ وتَحْصِينُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، ﴿ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهي في الحَقِيقَةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والسِّفاحُ الزِّنا، مِنَ السَّفْحِ، وهو صَبُّ الماءِ، وسُمِّيَ الزِّنا بِهِ؛ لِأنَّ الزّانِيَ لا غَرَضَ لَهُ إلّا صَبَّ النُّطْفَةِ فَقَطْ لا النَّسْلُ، وعَنِ الزَّجّاجِ: المُسافِحَةُ والمُسافِحُ الزّانِيانِ اللَّذانِ لا يَمْتَنِعانِ مِن أحَدٍ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا كانَتْ تَزْنِي بِواحِدٍ: ذاتُ خِدْنٍ، ومَفْعُولُ الوَصْفَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُحْصِنِينَ فُرُوجَكم أوْ نُفُوسَكم غَيْرَ مُسافِحِينَ الزَّوانِيَ، وظاهِرُ الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَهْرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مالًا كالإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقالَ بَعْضَ الشّافِعِيَّةِ: لا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ المالِ لِكَوْنِهِ الأغْلَبَ المُتَعارَفَ، فَيَجُوزُ النِّكاحُ عَلى ما لَيْسَ بِمالٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سَألَ رَجُلًا خَطَبَ الواهِبَةَ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  ماذا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟

قالَ: مَعِيَ سُورَةُ كَذا وكَذا، وعَدَّدَهُنَّ قالَ: تَقْرَأُهُنَّ عَلى ظَهْرِ قَلْبِكَ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ،» ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّهُ لَوْ كانَ في الآيَةِ حُجَّةٌ لَما خالَفَها رَسُولُ اللَّهِ  .

وأُجِيبَ بِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ مَعَهُ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ بَدَلًا، والتَّعْلِيمُ لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ في الخَبَرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: زَوَّجْتُكَ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ، ولِأجْلِ ما مَعَكَ مِنهُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولَعَلَّ في الخَبَرِ إشارَةً إلَيْهِ ﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ ﴾ (ما) إمّا عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ أوْ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ، وعَلَيْهِما فَهي إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وأيًّا ما كانَ فَهي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ فِعْلُ الشَّرْطِ أوْ جَوابُهُ أوْ كِلاهُما، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بِمَعْنى النِّساءِ بِتَقْدِيرِيَّةِ العائِدِ إلى المُبْتَدَأِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (فَآتُوهُنَّ) و(مِن) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (بِهِ)، واسْتِعْمالُ (ما) لِلْعُقَلاءِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الوَصْفُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَدْ رُوعِيَ في الضَّمِيرِ أوَّلًا جانِبُ اللَّفْظِ وأخِيرًا جانَبُ المَعْنى، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ لا لِلطَّلَبِ، والمَعْنى: فَأيُّ فَرْدٍ أوِ فالفَرْدُ الَّذِي تَمَتَّعْتُمْ بِهِ حالَ كَوْنِهِ مِن جِنْسِ النِّساءِ أوْ بِعْضِهِنَّ فَأعْطُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عِبارَةً عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ (فَمِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِمْتاعِ بِمَعْنى التَّمَتُّعِ أيْضًا، و(ما) لِما لا يَعْقِلُ، والعائِدُ إلى المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَأيُّ فِعْلٍ تَمَتَّعْتُمْ بِهِ مِن قِبَلِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ لِأجْلِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ، والمُرادُ مِنَ الأُجُورِ المُهُورُ، وسُمِّيَ المَهْرُ أجْرًا؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ المَنفَعَةِ لا عَنِ العَيْنِ، ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ، بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيتاءً مَفْرُوضًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: فُرِضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً، فَهي كالقَطِيعَةِ بِمَعْنى القَطْعِ، ﴿ ولا جُناحَ ﴾ أيْ لا إثْمَ ﴿ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ ﴾ مِنَ الحَطِّ عَنِ المَهْرِ أوِ الإبْراءِ مِنهُ أوِ الزِّيادَةِ عَلى المُسَمّى، ولا جُناحَ في زِيادَةِ الزِّيادَةِ؛ لِعَدَمِ مُساعَدَةِ (لا جُناحَ) إذا جَعَلَ الخِطابَ لِلْأزْواجِ تَغْلِيبًا؛ فَإنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ مَظِنَّةُ ثُبُوتِ المَنفِيِّ لِلزَّوْجَةِ ﴿ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ ﴾ أيِ الشَّيْءِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: ﴿ فِيما تَراضَيْتُمْ ﴾ مِن نَفَقَةٍ ونَحْوِها، وقِيلَ: مِن مَقامٍ أوْ فِراقٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ ذِكْرُ الفَرِيضَةِ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِها، إلّا أنْ يَكُونَ الفِراقُ بِطَرِيقِ المُخالَعَةِ، وقِيلَ: الآيَةُ في المُتْعَةِ وهي النِّكاحُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ مِن يَوْمٍ أوْ أكْثَرَ، والمُرادُ: ﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ ﴾ مِنِ اسْتِئْنافِ عَقْدٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ المَضْرُوبِ في عَقْدِ المُتْعَةِ، بِأنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ في الأجْرِ وتُزِيدَهُ المَرْأةُ في المُدَّةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ، والآيَةُ أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى جَوازِ المُتْعَةِ، وأيَّدُوا اسْتِدْلالَهم بِها بِأنَّها في حَرْفِ أُبَيٍّ: (فَما اسْتَمَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى) وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، ولا نِزاعَ عِنْدَنا في أنَّها أُحِلَّتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ، وذَكَرَ القاضِي عِياضٌ في ذَلِكَ كَلامًا طَوِيلًا، والصَّوابُ المُخْتارُ أنَّ التَّحْرِيمَ والإباحَةَ كانا مَرَّتَيْنِ، وكانَتْ حَلالًا قَبْلَ يَوْمِ خَيْبَرَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ أُبِيحَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو يَوْمُ أوْطاسٍ لِاتِّصالِهِما، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ ثَلاثٍ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْتَمَرَّ التَّحْرِيمُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الإباحَةَ مُخْتَصَّةٌ بِما قَبْلَ خَيْبَرَ، والتَّحْرِيمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلتَّأْبِيدِ، وإنَّ الَّذِي كانَ يَوْمَ الفَتْحِ مُجَرَّدَ تَوْكِيدِ التَّحْرِيمِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ إباحَةِ يَوْمِ الفَتْحِ، إذِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَأْبى ذَلِكَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما فِيهِ مَقْنَعٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ بِحِلِّها، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: إنَّكَ رَجُلٌ تائِهٌ؛ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  نَهى عَنِ المُتْعَةِ،» كَذا قِيلَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ حِينَ قالَ لَهُ عَلِيٌّ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قامَ بِمَكَّةَ فَقالَ: إنَّ ناسًا أعْمى اللَّهُ قُلُوبَهم كَما أعْمى أبْصارَهم يُفْتُونَ بِالمُتْعَةِ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ، يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ، كَما قالَ النَّوَوِيُّ، فَناداهُ فَقالَ: إنَّكَ لَجِلْفٌ جافٍّ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كانَتِ المُتْعَةُ تُفْعَلُ في عَهْدِ إمامِ المُتَّقِينَ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ نَفْسَكَ، فَواللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَها لَأرْجُمَنَّكَ بِأحْجارِكَ، فَإنَّ هَذا إنَّما كانَ في خِلافَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وذَلِكَ بَعْدَ وفاةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَمِرُّ القَوْلِ عَلى جَوازِها، لَمْ يَرْجِعْ إلى قَوْلِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبِهَذا قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ المِنهاجِ، فالأوْلى أنْ يُحْكَمَ بِأنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّما كانَتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإسْلامِ، كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِها مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ بِقَدْرِ ما يَرى أنَّهُ مُقِيمٌ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتاعَهُ وتَصْلُحُ لَهُ شَأْنَهُ» حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ فَكُلُّ فَرْجٍ سِواهُما حَرامٌ، ويُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الأمْرَ إنَّما كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَرَجَعَ إلَيْهِ وحَكاهُ، وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أباحَها حالَةَ الِاضْطِرارِ والعَنَتِ في الأسْفارِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَقَدْ سارَتْ بِفُتْياكَ الرُّكْبانُ، وقالَ فِيها الشُّعَراءُ، قالَ: وما قالُوا؟

قُلْتُ: قالُوا: قَدْ قُلْتُ لِلشَّيْخِ لَمّا طالَ مَجْلِسُهُ يا صاحِ هَلْ لَكَ في فَتْوى ابْنِ عَبّاسِ هَلْ لَكَ في رُخْصَةِ الأطْرافِ آنِسَةٍ ∗∗∗ تَكُونُ مَثْواكَ حَتّى مَصْدَرِ النّاسِ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ!

ما بِهَذا أفْتَيْتُ، وما هي إلّا كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، ولا تَحِلُّ إلّا لِلْمُضْطَرِّ، ومِن هُنا قالَ الحازِمِيُّ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ أباحَها لَهم وهم في بُيُوتِهِمْ وأوْطانِهِمْ، وإنَّما أباحَها لَهم في أوْقاتٍ بِحَسَبِ الضَّرُوراتِ، حَتّى حَرَّمَها عَلَيْهِمْ في آخِرِ الأمْرِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ، وأمّا ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَسْتَمْتِعُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ حَتّى نَهى عَنْها عُمَرُ فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّ الَّذِي اسْتَمْتَعَ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ النَّسْخُ، ونَهْيُ عُمَرَ كانَ لِإظْهارِ ذَلِكَ، حَيْثُ شاعَتِ المُتْعَةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلَغْهُ النَّهْيُ عَنْها، ومَعْنى: أنا مُحَرِّمُها في كَلامِهِ - إنَّ صَحَّ -: مُظْهِرٌ تَحْرِيمِها لا مُنْشِئُهُ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الحِلِّ، والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في المُتْعَةِ غَلَطٌ، وتَفْسِيرُ البَعْضِ لَها بِذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ نَظْمَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَأْباهُ؛ حَيْثُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أوَّلًا المُحَرَّماتِ، ثُمَّ قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ وفِيهِ شَرْطٌ بِحَسَبِ المَعْنى، فَيَبْطُلُ تَحْلِيلُ الفَرْجِ وإعارَتُهُ، وقَدْ قالَ بِهِما الشِّيعَةُ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى النَّهْيِ عَنْ كَوْنِ القَصْدِ مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وصَبِّ الماءِ، واسْتِفْراغِ أوْعِيَةِ المَنِيِّ، فَبَطَلَتِ المُتْعَةُ بِهَذا القَيْدِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ المُتَمَتِّعِ لَيْسَ إلّا ذاكَ، دُونَ التَّأهُّلِ والِاسْتِيلادِ، وحِمايَةِ الذِّمارِ والعِرْضِ، ولِذا تَجِدُ المُتَمَتَّعَ بِها في كُلِّ شَهْرٍ تَحْتَ صاحِبٍ، وفي كُلِّ سَنَةٍ بِحِجْرِ مُلاعِبٍ، فالإحْصانُ غَيْرُ حاصِلٍ في امْرَأةِ المُتْعَةِ أصْلًا، ولِهَذا قالَتِ الشِّيعَةَ: إنَّ المُتَمَتِّعَ الغَيْرَ النّاكِحِ إذْ زَنى لا رَجْمَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ فَرَّعَ سُبْحانَهُ عَلى حالِ النِّكاحِ قَوْلَهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (فَإذا اسْتَمْتَعْتُمْ) وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِمْتاعِ هو الوَطْءُ والدُّخُولُ، لا الِاسْتِمْتاعُ بِمَعْنى المُتْعَةِ الَّتِي يَقُولُ بِها الشِّيعَةِ، والقِراءَةُ الَّتِي يَنْقُلُونَها عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الصَّحابَةِ شاذَّةٌ.

وما دَلَّ عَلى التَّحْرِيمِ كَآيَةِ: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ قَطْعِيٌّ، فَلا تُعارِضْهُ عَلى أنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذا تَساوَيا في القُوَّةِ وتَعارَضا في الحِلِّ والحُرْمَةِ قَدِّمْ دَلِيلَ الحُرْمَةِ مِنهُما، ولَيْسَ لِلشِّيعَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ المَرْأةَ المُتَمَتَّعَ بِها مَمْلُوكَةٌ؛ لِبَداهَةِ بُطْلانِهِ، أوْ زَوْجَةٌ؛ لِانْتِفاءِ جَمِيعِ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ، كالمِيراثِ والعِدَّةِ والطَّلاقِ والنَّفَقَةِ فِيها، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عُلَماؤُهم.

ورَوى أبُو نُصَيْرٍ مِنهم في صَحِيحِهِ عَنِ الصّادِقِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةِ المُتْعَةِ، أهِيَ مِنَ الأرْبَعِ؟

قالَ: لا، ولا مِنَ السَّبْعِينَ، وهو صَرِيحٌ في أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً، وإلّا لَكانَتْ مَحْسُوبَةً في الأرْبَعِ، وبِالجُمْلَةِ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حِلِّ المُتْعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ولا خِلافَ الآنَ بَيْنَ الأئِمَّةِ وعُلَماءِ الأمْصارِ - إلّا الشِّيعَةَ - في عَدَمِ جَوازِها، ونَقَلُ الحَلِّ عَنْ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - غَلَطٌ، لا أصْلَ لَهُ، بَلْ في حَدِّ المُتَمَتِّعِ رِوايَتانِ عَنْهُ، ومَذْهَبُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ لا يُحَدُّ لِشُبْهَةِ العَقْدِ وشُبْهَةِ الخِلافِ، ومَأْخَذُ الخِلافِ عَلى ما قالَ النَّوَوِيُّ: اخْتِلافُ الأُصُولِيِّينَ في أنَّ الإجْماعَ بَعْدَ الخِلافِ هَلْ يَرْفَعُ الخِلافَ؟

وتَصِيرُ المَسْألَةُ مُجْمَعًا عَلَيْها، فَبَعْضٌ قالَ: لا يَرْفَعُهُ بَلْ يَدُومُ الخِلافُ ولا تَصِيرُ المَسْألَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْها أبَدًا، وبِهِ قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وقالَ آخَرُونَ: بِأنَّ الإجْماعَ اللّاحِقَ يَرْفَعُ الخِلافَ السّابِقَ، وتَمامُهُ في الأُصُولِ، وحَكى بَعْضُهم عَنْ زُفَرَ أنَّهُ قالَ: مَن نَكَحَ نِكاحَ مُتْعَةٍ تَأبَّدَ نِكاحُهُ، ويَكُونُ ذِكْرُ التَّأْجِيلِ مِن بابِ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في النِّكاحِ، وهي مَلْغِيَّةٌ فِيها، والمَشْهُورُ في كُتُبِ أصْحابِنا أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في النِّكاحِ المُؤَقَّتِ - وفي كَوْنِهِ عَيْنَ نِكاحِ المُتْعَةِ - بَحْثٌ، فَقَدْ قالَ بَعْضُهم بِاشْتِراطِ الشُّهُودِ في المُؤَقَّتِ وعَدَمِهِ في المُتْعَةِ، ولَفْظُ التَّزْوِيجِ أوِ النِّكاحِ في الأوَّلِ، وأسْتَمْتِعُ أوْ أتَمَتَّعُ في الثّانِي، وقالَ آخَرُونَ: النِّكاحُ المُؤَقَّتُ مِن أفْرادِ المُتْعَةِ، وذَكَرَ ابْنُ الهُمامِ أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ المُتْعَةِ، وإنْ قُصِدَ بِهِ النِّكاحَ الصَّحِيحَ المُؤَبَّدَ، وحَضَرَ الشُّهُودُ؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ مَجازًا عَنْ مَعْنى النِّكاحِ، كَما بَيَّنَهُ في المَبْسُوطِ، بَقِيَ: ما لَوْ نَكَحَ مُطْلَقًا ونِيَّتُهُ أنْ لا يَمْكُثَ مَعَها إلّا مُدَّةً نَواها، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ نِكاحًا صَحِيحًا حَلالِيًّا أمْ لا؟

الجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، بَلْ حَكى القاضِي الإجْماعَ عَلَيْهِ، وشَذَّ الأوْزاعِيُّ فَقالَ: هو نِكاحُ مُتْعَةٍ، ولا خَيْرَ فِيهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ نِيَّةِ ذَلِكَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا ﴾ بِما يُصْلِحُ أمْرَ الخَلْقِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما شَرَعَ لَهُمْ، ومِن ذَلِكَ عَقْدُ النِّكاحِ الَّذِي يَحْفَظُ الأمْوالَ والأنْسابَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٥

﴿ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ ﴾ (مَن) إمّا شَرْطِيَّةٌ وما بَعْدَها شَرْطُها، وإمّا مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها و(مِنكُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَسْتَطِعْ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ طَوْلا ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَسْتَطِعْ) وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: (لِعَدَمِ طَوْلٍ) تَطْوِيلٌ بِلا طُولٍ.

والمُرادُ بِهِ الغِنى والسَّعَةُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وأصْلُهُ الفَضْلُ والزِّيادَةُ، ومِنهُ الطّائِلُ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالِاعْتِلاءِ والنَّيْلِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: طُلْتُهُ أيْ نِلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طالَتْ فَلَيْسَ تَنالُها الأوْعالا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ ﴾ أيِ الحَرائِرَ؛ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِنَّ بِالمَمْلُوكاتِ، وعَبَّرَ عَنْهُنَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ حُرِّيَّتَهُنَّ أحْصَنَتْهُنَّ عَنْ نَقْصِ الإماءِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ(طَوْلًا) عَلى مَعْنى: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَنالَ نِكاحَ المُحْصَناتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إلى أوِ اللّامِ، والجارُّ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(طَوْلًا) أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطَعْ غِنًى مُوَصِّلًا إلى نِكاحِهِنَّ أوْ لِنِكاحِهِنَّ، أوْ عَلى، عَلى أنَّ الطَّوْلَ بِمَعْنى القُدْرَةِ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، ومَحَلُّ (أنْ) بَعْدَ الحَذْفِ جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ، وهَذا التَّقْدِيرُ قَوْلُ الخَلِيلِ، وإلَيْهِ ذَهَبٌ الكِسائِيُّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (طَوْلًا) بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ، وهُما لِشَيْءٍ واحِدٍ، بِناءً عَلى أنَّ الطَّوْلَ هو القُدْرَةُ أوِ الفَضْلُ، والنِّكاحُ قُوَّةٌ وفَضْلٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِـ(يَسْتَطِعْ) و(طَوْلًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، إذِ الِاسْتِطاعَةُ هي الطَّوْلُ، أوْ تَمْيِيزٌ، أيْ: ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمُ اسْتِطاعَةً، أوْ مِن جِهَةِ الطَّوْلِ والغِنى، أيْ: لا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ والمِزاجِ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالمَقامِ.

وقَوْلَهُ تَعالى وتَقَدَّسَ: ﴿ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ، وجاءَتِ الفاءُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، و(ما) مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرِّ بِـ(مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِقٌّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، وفي الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِذَلِكَ المَفْعُولِ، أيْ: فَلْيَنْكِحِ امْرَأةً كائِنَةً بَعْضَ النَّوْعِ الَّذِي مَلَكَتْهُ أيْمانُكُمْ، وأجازَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ (مِن) زائِدَةً أيْ، فَلْيَنْكِحْ ما مَلَكَتْهُ أيْمانُكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَتَياتِكُمُ ﴾ أيْ إمائِكُمُ ﴿ المُؤْمِناتِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ إلى (ما)، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ و(فَتَياتِكُمُ) هو المَفْعُولُ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ و(مِمّا مَلَكَتْ) مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن هَذا المَفْعُولِ و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ و(المُؤْمِناتِ) عَلى جَمِيعِ الأوْجَهِ صِفَةُ (فَتَياتِكُمُ) وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وفِيهِ بُعْدٌ.

وظاهِرُ الآيَةِ يُفِيدُ عَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْمُسْتَطِيعِ؛ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، وعَدَمَ جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ مُطْلَقًا؛ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، كَما هو رَأْيُ أهْلِ الحِجازِ، وجَوَّزَهُما الإمامُ الأعْظَمُ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ- لِإطْلاقِ المُقْتَضى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ فَلا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِما يُوجِبُ التَّخْصِيصَ، ولَمْ يَنْتَهِضْ ما ذُكِرَ حُجَّةً مُخَرَّجَةً، أمّا أوَّلًا فالمَفْهُومانِ - أعْنِي مَفْهُومَ الشَّرْطِ ومَفْهُومَ الصِّفَةِ - لَيْسا بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وأما ثانِيًا فَبِتَقْدِيرِ الحُجَّةِ مُقْتَضى المَفْهُومَيْنِ عَدَمَ الإباحَةِ الثّابِتَةِ عِنْدَ وُجُودِ القَيْدِ المُبِيحِ، وعَدَمُ الإباحَةِ أعَمُّ مِن ثُبُوتِ الحُرْمَةِ أوِ الكَراهَةِ، ولا دَلالَةَ لِلْأعَمِّ عَلى أخَصَّ بِخُصُوصِهِ، فَيَجُوزُ ثُبُوتُ الكَراهَةِ عِنْدَ وُجُودِ طَوْلِ الحُرَّةِ، كَما يَجُوزُ ثُبُوتُ الحُرْمَةِ عَلى السَّواءِ، والكَراهَةُ أقَلُّ، فَتَعَيَّنَتْ، فَقُلْنا بِها، وبِالكَراهَةِ صَرَّحَ في البَدائِعِ، وعَلَّلَ بَعْضُهم عَدَمَ حِلِّ تَزَوُّجِ الأمَةِ، حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرْطُ بِتَعْرِيضِ الوَلَدِ لِلرِّقِّ، لِتَثْبُتَ الحُرْمَةُ بِالقِياسِ عَلى أُصُولٍ شَتّى، أوْ لِيَتَعَيَّنَ أحَدُ فَرْدَيِ الأعَمِّ الَّذِي هو عَدَمُ الإباحَةِ وهو التَّحْرِيمُ مُرادًا بِالأعَمِّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهم إنْ عَنَوْا أنَّ فِيها تَعْرِيضًا مَوْصُوفًا بِالحُرِّيَّةِ لِلرِّقِّ سَلَّمْنا اسْتِلْزامَهُ لِلْحُرْمَةِ، لَكِنَّ وُجُودَ الوَصْفِ مَمْنُوعٌ؛ إذْ لَيْسَ هُنا مُتَّصِفٌ بِحُرِّيَّةِ عِرْضٍ لِلرِّقِّ، بَلِ الوَصْفانِ مِنَ الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ يُقارَنانِ وُجُودَ الوَلَدِ بِاعْتِبارِ أُمِّهِ، إنْ كانَتْ حُرَّةً فَحُرٌّ، أوْ رَقِيقَةً فَرَقِيقٌ، وإنْ أرادُوا بِهِ تَعْرِيضَ الوَلَدِ الَّذِي سَيُوجَدُ لِأنْ يُقارِنَهُ الرِّقُّ في الوُجُودِ لا إرْقاقَهُ سَلَّمْنا وُجُودَهُ ومَنَعْنا تَأْثِيرَهُ في الحُرْمَةِ، بَلْ في الكَراهَةِ وهَذا لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَحْصُلَ الوَلَدُ أصْلًا بِنِكاحِ الآيِسَةِ ونَحْوِها، فَلِأنْ يَكُونَ لَهُ أنْ يَحْصُلَ رَقِيقًا بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أوْلى، إذِ المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ التَّناسُلِ تَكْثِيرُ المُقِرِّينَ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، وما يَجِبُ أنْ يُعْتَرَفَ لَهُ بِهِ، وهَذا ثابِتٌ بِالوَلَدِ المُسْلِمِ، والحَرِيَّةُ مَعَ ذَلِكَ كَمالٌ يَرْجِعُ أكْثَرُهُ إلى أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وقَدْ جازَ لِلْعَبْدِ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَتَيْنِ بِالِاتِّفاقِ، مَعَ أنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الوَلَدِ لِلرِّقِّ في مَوْضِعِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ وعَدَمِ الضَّرُورَةِ، وكَوْنُ العَبْدِ أبًا لا أثَرَ لَهُ في ثُبُوتِ رِقِّ الوَلَدِ، فَإنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً كانَ ولَدُهُ حُرًّا، والمانِعُ إنَّما يَعْقِلُ كَوْنَهُ ذاتَ الرِّقِّ؛ لِأنَّهُ المُوجِبُ لِلنَّقْصِ الَّذِي جَعَلُوهُ مُحَرِّمًا لا مَعَ قَيْدِ حُرِّيَّةِ الأبِ، فَوَجَبَ اسْتِواءُ العَبْدِ والحُرِّ في هَذا الحُكْمِ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ التَّعْلِيلُ، قالَهُ ابْنُ الهُمامِ، وفِيهِ مُناقَشَةٌ ما، فَتَأْمَّلْ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يُشِيرُ إلى وهَنِ اسْتِدْلالِ الشِّيعَةِ بِالآيَةِ السّابِقَةِ عَلى حِلِّ المُتْعَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ فِيها بِالِاكْتِفاءِ بِنِكاحِ الإماءِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ إلى نِكاحِ الحَرائِرِ، فَلَوْ كانَ أحَلَّ المُتْعَةَ في الكَلامِ السّابِقِ لَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَهُ: ﴿ ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ ﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ المُتْعَةَ في صُورَةِ عَدَمِ الطَّوْلِ المَذْكُورِ لَيْسَتْ قاصِرَةً في قَضاءِ حاجَةِ الجِماعِ، بَلْ كانَتْ - بِحُكْمِ لِكُلِّ جَدِيدٍ لَذَّةٍ - أطْيَبَ وأحْسَنَ عَلى أنَّ المُتْعَةَ أخَفُّ مُؤْنَةً وأقَلُّ كُلْفَةً، فَإنَّها مادَّةٌ يَكْفِي فِيها الدِّرْهَمُ والدِّرْهَمانِ، فَأيَّةُ ضَرُورَةٍ كانَتْ داعِيَةً إلى نِكاحِ الإماءِ؟!

ولَعَمْرِي إنَّ القَوْلَ بِذَلِكَ أبْعَدُ بِعِيدٍ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن أُطْلِقَ مِن رَبْقَةِ قَيْدِ التَّقْلِيدِ.

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ جِيءَ بِها تَأْنِيسًا لِقُلُوبِهِمْ، وإزالَةً لِلنَّفْرَةِ عَنْ نِكاحِ الإماءِ، بِبَيانِ أنَّ مَناطَ التَّفاخُرِ الإيمانُ دُونَ الأحْسابِ والأنْسابِ، ورُبَّ أمَةٍ يَفُوقُ إيمانُها إيمانَ كَثِيرٍ مِنَ الحَرائِرِ.

والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ مِنكم بِمَراتِبِ إيمانِكُمُ الَّذِي هو المَدارُ في الدّارَيْنِ، فَلْيَكُنْ هو مَطْمَحَ نَظَرِكُمْ، وقِيلَ: جِيءَ بِها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإيمانَ الظّاهِرَ كافٍ في صِحَّةِ نِكاحِ الأمَةِ، ولا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ العِلْمُ بِالإيمانِ عِلْمًا يَقِينِيًّا؛ إذْ لا سَبِيلَ إلى الوُقُوفِ عَلى الحَقائِقِ إلّا لِعَلّامِ الغُيُوبِ ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ: أنْتُمْ وفَتَياتُكم مُتَناسِبُونَ، إمّا مِن حَيْثُ الدِّينُ، وإمّا مِن حَيْثُ النَّسَبُ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ اعْتِراضًا آخَرَ مُؤَكِّدًا لِلتَّأْنِيسِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ بَيانًا لِتُناسُبِهِمْ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ إثْرَ بَيانِ تَفاوُتِهِمْ في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَـ(بَعْضُكُمْ) مُبْتَدَأٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ (بَعْضُكُمْ) فاعِلٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ، قِيلَ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ فَلْيَنْكِحْ بَعْضُكم مِن بَعْضِ الفَتَياتِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلُ عَلى ذَلِكَ.

﴿ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ولِذا صُدِّرَ بِالفاءِ، أيْ: فَإذا وقَعْتُمْ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ ﴿ فانْكِحُوهُنَّ ﴾ إلَخْ، وأُعِيدَ الأمْرُ مَعَ فَهْمِهِ مِمّا قَبْلَهُ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في نِكاحِهِنَّ، أوْ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنهُ الإباحَةُ، وهَذا لِلْوُجُوبِ.

والمُرادُ مِنَ الأهْلِ المَوالِي، وحَمَلَ الفُقَهاءُ ذَلِكَ عَلى مَن لَهُ وِلايَةُ التَّزْوِيجِ، ولَوْ غَيْرَ مالِكٍ، فَقَدْ قالُوا: لِلْأبِ والجَدِّ والقاضِي والوَصِيِّ تَزْوِيجُ أمَةِ اليَتِيمِ، لَكِنْ في الظَّهِيرِيَّةِ: الوَصِيُّ لَوْ زَوَّجَ أمَةَ اليَتِيمِ مِن عَبْدِهِ لا يَجُوزُ، وفي جامِعِ الفُصُولِيِّينَ: القاضِي لا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ أمَةَ الغائِبِ، وفي فَتْحِ القَدِيرِ: لِلشَّرِيكِ المُفاوِضِ تَزْوِيجُ الأمَةِ، ولَيْسَ لِشَرِيكِ العِنانِ والمُضارِبِ والعَبْدِ المَأْذُونِ تَزْوِيجُها عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُحَمَّدٍ، وقالَ أبُو يُوسُفَ: يَمْلِكُونَ ذَلِكَ، وهَذا الإذْنُ شَرْطٌ عِنْدَنا لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ، فَلا يَجُوزُ نِكاحُها بِلا إذْنٍ، والمُرادُ بِعَدَمِ الجَوازِ عَدَمُ النَّفاذِ لا عَدَمَ الصِّحَّةِ، بَلْ هو مَوْقُوفٌ كَعَقْدِ الفُضُولِيِّ، وإلى هَذا ذَهَبٌ مالِكٌ، وهو رِوايَةٌ عِنْدَ أحْمَدَ، ومِثْلُ ذَلِكَ نِكاحُ العَبْدِ، واسْتَدَلُّوا عَلى عَدَمِ الجَوازِ فِيهِما بِما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ فَهو عاهِرٌ»» والعُهْرُ الزِّنا، وهو مَحْمُولٌ عَلى ما إذا وطِئَ لا بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، وهو زِنًا شَرْعِيٌّ لا فِقْهِيٌّ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ وُجُوبُ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى الزِّنا الفِقْهِيِّ كَما بُيِّنَ في الفُرُوعِ، وبِأنَّ في تَنْفِيذِ نِكاحِهِما تَعْيِيبَهُما، إذِ النِّكاحُ عَيْبٌ فِيهِما فَلا يَمْلِكانِهِ إلّا بِإذْنِ مَوْلاهُما، ونُسِبَ إلى الإمامِ مالِكٍ - ولَمْ يَصِحَّ - أنَّهُ يُجَوِّزُ نِكاحَ العَبْدِ بِلا إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأنَّها يَمْلِكُ الطَّلاقَ فَيَمْلِكُ النِّكاحَ، وأُجِيبَ بِالفَرْقِ؛ فَإنَّ الطَّلاقَ إزالَةُ عَيْبٍ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلافِ النِّكاحِ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: لا يُقالُ: يَصِحُّ إقْرارُ العَبْدِ عَلى نَفْسِهِ بِالحَدِّ والقِصاصِ، مَعَ أنَّ فِيهِ هَلاكَهُ، فَضْلًا عَنْ تَعْيِيبِهِ؛ لِأنّا نَقُولُ: لا يَدْخُلُ تَحْتَ مِلْكِ السَّيِّدِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطابُ الشَّرْعِ أمَرًا ونَهَيًا، كالصَّلاةِ والغُسْلِ، والصَّوْمِ، والزِّنا، والشُّرْبِ، وغَيْرِهِ، إلّا فِيما عُلِمَ إسْقاطُ الشّارِعِ إيّاهُ عَنْهُ، كالجُمُعَةِ والحَجِّ، ثُمَّ هَذِهِ الأحْكامُ تَجِبُ جَزاءً عَلى ارْتِكابِ المَحْظُورِ شَرَعًا، فَقَدْ أخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ في ذَلِكَ الَّذِي أدْخَلَهُ فِيهِ بِاعْتِبارٍ غَيْرِ ذَلِكَ - وهو الشّارِعُ - زَجْرًا عَنِ الفَسادِ وأعاظِمِ العُيُوبِ، انْتَهى.

وادَّعى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْإماءِ أنْ يُباشِرْنَ العَقْدَ بِأنْفُسِهِنَّ؛ لِأنَّهُ اعْتُبِرَ إذْنُ المَوالِي لا عَقْدُهُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ الِاعْتِبارِ لا يُوجِبُ اعْتِبارَ العَدَمِ، فَلَعَلَّ العاقِدَ يَكُونُ هو المَوْلى أوِ الوَكِيلَ، فَلا يَلْزَمُ جَوازُ عَقْدِهِنَّ كَما لا يَخْفى، ولَوْ كانَتِ الأمَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ مَثَلًا لا يَجُوزُ نِكاحُها إلّا بِإذْنِ الكُلِّ، وفي الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ زَوَّجَ أحَدُ المَوْلَيَيْنِ أمَتَهُ ودَخَلَ بِها الزَّوْجُ فَلِلْآخَرِ النَّقْضُ، فَإنْ نَقَضَ فَلَهُ نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، ولِلزَّوْجِ الأقَلُّ مَن نِصْفِ مَهْرِ المِثْلِ، ومِن نِصْفِ المُسَمّى، وحُكْمُ مُعْتَقِ البَعْضِ حُكْمُ كامِلِ الرِّقِّ عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعِنْدَهُما يَجُوزُ نِكاحُهُ بِلا إذْنٍ؛ لِأنَّهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ.

﴿ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ، بِإذْنِ أهْلِهِنَّ، وحُذِفَ هَذا القَيْدُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ لا لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ مُشارَكَةَ المَعْطُوفِ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ في القَيْدِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يَكُونُ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ: آتُوا أهْلَهُنَّ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ، قِيلَ: ونُكْتَةُ اخْتِيارِ (آتُوهُنَّ) عَلى (آتُوهُمْ) مَعَ تَقَدُّمِ الأهْلِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -: أنَّ في ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِإيجابِ المَهْرِ، وإشْعارًا بِأنَّهُ حَقُّهُنَّ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإنَّما تَأْخُذُهُ المَوالِي بِجِهَةِ مِلْكِ اليَمِينِ، والدّاعِي لِهَذا كُلِّهِ أنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ؛ لِأنَّهُ عِوَضُ حَقِّهِ.

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، والمَهْرُ لِلْأمَةِ، وهَذا يُوجِبُ كَوْنَ الأمَةِ مالِكَةً، مَعَ أنَّهُ لا مِلْكَ لِلْعَبْدِ، فَلا بُدَّ أنْ تَكُونَ مالِكَةً لَهُ يَدًا كالعَبْدِ المَأْذُونِ لَهُ بِالتِّجارَةِ؛ لِأنَّ جَعْلَها مَنكُوحَةً إذْنٌ لَها، فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ إلَيْهِنَّ، كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ، وإنْ حُمِلَتِ الأُجُورُ عَلى النَّفَقاتِ اسْتُغْنِيَ عَنِ اعْتِبارِ التَّقْدِيرِ أوَّلًا وآخِرًا، وكَذا إنْ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِما عُرِفَ شَرْعًا مِن إذْنِ المَوالِي، والمَعْرُوفُ فِيهِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(آتُوهُنَّ) والمُرادُ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ مُماطَلَةٍ وإضْرارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: مُتَلَبِّساتٍ بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مَمْطُولاتٍ، أوْ مُتَعَلِّقًا بِـ(أنْكِحُوهُنَّ) أيْ فانْكِحُوهُنَّ بِالوَجْهِ المَعْرُوفِ، يَعْنِي بِإذْنِ أهْلِهِنَّ ومَهْرِ مِثْلِهِنَّ، ﴿ مُحْصَناتٍ ﴾ حالٌ، إمّا مِن مَفْعُولِ (آتُوهُنَّ) فَهو بِمَعْنى مُتَزَوِّجاتٍ، أوْ مِن مَفْعُولِ (فانْكِحُوهُنَّ) فَهو بِمَعْنى عَفائِفَ، وحَمْلُهُ عَلى مُسْلِماتٍ وإنَّ جازَ خُصُوصًا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ الَّذِينَ لا يُجِيزُونَ نِكاحَ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، لَكِنَّ هَذا الشَّرْطَ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ فَلَيْسَ في إعادَتِهِ كَثِيرُ جَدْوى، والمَشْهُورُ هُنا تَفْسِيرُ المُحْصَناتِ بِالعَفائِفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ، والمُرادُ: غَيْرَ مُجاهِراتٍ بِالزِّنا، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى (مُسافَحاتٍ) (ولا) لِتَأْكِيدِ ما في (غَيْرَ) مِن مَعْنى النَّفْيِ، والأخْدانُ جَمْعُ خِدْنٍ، وهو الصّاحِبُ، والمُرادُ هُنا مَن تَتَّخِذُهُ المَرْأةُ صَدِيقًا يَزْنِي بِها، والجَمْعُ لِلْمُقابَلَةِ، والمَعْنى: ولا مُسِرّاتِ الزِّنا.

وكانَ الزِّنا في الجاهِلِيَّةِ مُنْقَسِمًا إلى سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ لُؤْمٌ، ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ، ويَقُولُونَ: لا بَأْسَ بِهِ، ولِتَحْرِيمِ القِسْمَيْنِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ﴾ .

﴿ فَإذا أُحْصِنَّ ﴾ أيْ بِالأزْواجِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: (أحْصَنَّ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّهُ قُرِئَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: إحْصانُها إسْلامُها، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الإحْصانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى الإسْلامُ أيْضًا لا التَّزَوُّجُ، وبَعْضُ مَن أرادَهُ مِنَ الآيَةِ قالَ: لا تُحَدُّ الأمَةُ إذا زَنَتْ ما لَمْ تَتَزَوَّجْ بِحُرٍّ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِابْنِ عَبّاسٍ، وحُكِيَ عَدَمُ الحَدِّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: هو فِيها بِمَعْنى التَّزَوُّجِ.

والحَدُّ واجِبٌ عَلى الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا لَمْ تَتَزَوَّجْ؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ  سُئِلَ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ قالَ: «اجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنَّ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ»» فالمُزَوَّجَةُ مَحْدُودَةٌ بِالقُرْآنِ وغَيْرُها بِالسُّنَّةِ، ورُجِّحَ هَذا الحَمْلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ شَرَطَ الإسْلامَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ ﴾ فَحَمَلُ ما هُنا عَلى غَيْرِهِ أتَمُّ فائِدَةً، وإنْ جازَ أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِطُولِ الكَلامِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ تَفْسِيرَ الإحْصانِ بِالإسْلامِ ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في التَّزَوُّجِ بِالأمَةِ أنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، وإنَّ الكُفّارَ لَيْسُوا مُخاطَبِينَ بِالفُرُوعِ، وهو مُشْكِلٌ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأمَةَ الكافِرَةَ إذا زَنَتْ لا تُجْلَدُ، ولَيْسَ مَذْهَبَهُ، كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُقِيمُ الحَدَّ عَلى الكُفّارِ، ﴿ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ﴾ أيْ فَإنْ فَعَلْنَ فاحِشَةً - وهي الزِّنا - وثَبَتَ ذَلِكَ، ﴿ فَعَلَيْهِنَّ ﴾ أيْ: فَثابِتٌ عَلَيْهِنَّ شَرْعًا ﴿ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ ﴾ أيِ: الحَرائِرِ الأبْكارِ ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ أيِ الحَدِّ، الَّذِي هو جَلْدُ مِائَةٍ، فَنِصْفُهُ خَمْسُونَ، ولا رَجْمَ عَلَيْهِنَّ؛ لِأنَّهُ لا يَتَنَصَّفُ، وهَذا دَفْعٌ لِتَوَهُّمِ أنَّ الحَدَّ لَهُنَّ يَزِيدُ بِالإحْصانِ، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، عَلى أنَّهُنَّ قَبْلَ الإحْصانِ لا حَدَّ عَلَيْهِنَّ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ.

قالَ الشِّهابُ: وعُلِمَ مِن بَيانِ حالِهِنَّ حالُ العَبِيدِ بِدَلالَةِ النَّصِّ، فَلا وجْهَ لِما قِيلَ: إنَّهُ خِلافُ المَعْهُودِ؛ لِأنَّ المَعْهُودَ أنْ يَدْخُلَ النِّساءُ تَحْتَ حُكْمِ الرِّجالِ بِالتَّبَعِيَّةِ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ دَواعِيَ الزِّنا فِيهِنَّ أقْوى، ولَيْسَ هَذا تَغْلِيبًا وذِكْرًا بِطْرِيقِ التَّبَعِيَّةِ حَتّى يَتَّجِهَ ما ذُكِرَ، ويَرِدُ عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلى حُكْمِ العَبِيدِ، بَلِ الوَجْهُ فِيهِ أنَّ الكَلامَ في تَزَوُّجِ الإماءِ، فَهو مُقْتَضى الحالِ، انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحالِ المَعْلُومِ بِدَلالَةِ النَّصِّ حالُ العَبِيدِ إذا أتَوْا بِفاحِشَةٍ لا مُطْلَقًا، فَإنَّ حالَ العَبِيدِ لَيْسَ حالَ الإماءِ في مَسْألَةِ النِّكاحِ مِن كُلِّ وجْهٍ، كَما بُيِّنَ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قُرِئَ: (فَإنَّ أتَوْا وأتَيْنَ بِفاحِشَةٍ) هَذا، والفاءُ في (فَإنْ أتَيْنَ) جَوابُ (إذا)، والثّانِيَةُ جَوابُ (إنْ) والشَّرْطُ الثّانِي مَعَ جَوابِهِ مُتَرَتِّبٌ عَلى وُجُودِ الأوَّلِ، و ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في صاحِبِها، قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن (ما) لِأنَّها مَجْرُورَةٌ بِالإضافَةِ، فَلا يَكُونُ لَها عامِلُ (ذَلِكَ) أيْ: نِكاحُ الإماءِ.

﴿ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ ﴾ أيْ لِمَن خافَ الزِّنا بِسَبَبِ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ العَنَتِ؟

فَقالَ: الإثْمُ، فَقالَ نافِعٌ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

فَقالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: رَأيْتُكَ تَبْتَغِي عَنَتِي وتَسْعى ∗∗∗ مَعَ السّاعِي عَلَيَّ بِغَيْرِ دَخَلٍ وقِيلَ: أصِلُ العَنَتِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ يَعْتَرِي الإنْسانَ بَعْدَ صَلاحِ حالِهِ، ولا ضَرَرَ أعْظَمُ مِن مُواقَعَةِ المَآثِمِ، بِارْتِكابِ أفْحَشِ القَبائِحِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الإثْمِ، وكَذا في الجَهْدِ والمَشَقَّةِ، ومِنهُ أكَمَةٌ عَنُوتٌ، أيْ: صَعْبَةُ المُرْتَقى، وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ هُنا بِالهَلاكِ، والَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ ما تَقَدَّمَ، وهو مَأْثُولٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَدُّ؛ لِأنَّهُ إذا هَوِيَها يَخْشى أنْ يُواقِعَها فَيُحَدَّ، ورُجِّحَ القَوْلُ الأوَّلُ بِكَثْرَةِ الذّاهِبِينَ إلَيْهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ اللّائِقَ بِحالِ المُؤْمِنِ الخَوْفُ مِنَ الزِّنا المُفْضِي إلى العَذابِ، وفي هَذا إيهامٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُ الحَدُّ لا ما يُوجِبُهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو شَرْطٌ آخَرُ لِجَوازِ تَزَوُّجِ الإماءِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - ومَذْهَبُ الإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وإنَّما هو إرْشادٌ لِلْأصْلَحِ، ﴿ وأنْ تَصْبِرُوا ﴾ أيْ: وصَبْرُكم عَنْ نِكاحِ الإماءِ مُتَعَفِّفِينَ.

﴿ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن نِكاحِهِنَّ، وإنْ رُخِّصَ لَكم فِيهِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَوالِي فِيهِنَّ أقْوى، فَلا يَخْلُصْنَ لِلْأزْواجِ خُلُوصَ الحَرائِرِ، إذْ هم يَقْدِرُونَ عَلى اسْتِخْدامِهِنَّ سَفَرًا وحَضَرًا، وعَلى بَيْعِهِنَّ لِلْحاضِرِ والبادِي، وفي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلى الأزْواجِ، لا سِيَّما إذا وُلِدَ لَهم مِنهُنَّ أوْلادٌ؛ ولِأنَّهُنَّ مُمْتَهَناتٌ مُبْتَذَلاتٌ خَرّاجاتٌ ولاجّاتٌ، وذَلِكَ ذُلٌّ ومَهانَةٌ سارِيَةٌ لِلنّاكِحِ، ولا يَكادُ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ غَيُورٌ؛ ولِأنَّ في نِكاحِهِنَّ تَعْرِيضَ الوَلَدِ لِلرِّقِّ.

وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «إذا نَكَحَ العَبْدُ الحُرَّةَ فَقَدْ أعْتَقَ نِصْفَهُ، وإذا نَكَحَ الحُرُّ الأمَةَ فَقَدْ أرَّقَ نِصْفَهُ» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «ما تَزَحَّفَ ناكِحُ الأمَةِ عَنِ الزِّنا إلّا قَلِيلًا» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عامِرٍ قالَ: «نِكاحُ الأمَةِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، لا يَحِلُّ إلّا لِلْمُضْطَرِّ».

وفِي مُسْنَدِ الدَّيْلَمِيِّ والفِرْدَوْسِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَرائِرُ صَلاحُ البَيْتِ، والإماءُ هَلاكُ البَيْتِ»».

وقالَ الشّاعِرُ: ومَن لَمْ تَكُنْ في بَيْتِهِ قَهْرَمانَةٌ ∗∗∗ فَذَلِكَ بَيْتٌ لا أبًا لَكَ ضائِعُ وقالَ الآخَرُ: إذا لَمْ يَكُنْ في مَنزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ ∗∗∗ تُدَبِّرُهُ ضاعَتْ مَصالِحُ دارِهِ ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْ نِكاحِهِنَّ، وإنَّما عَبَّرَ بِذَلِكَ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ حَتّى كَأنَّهُ ذَنْبٌ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ أيْ: مَبالِغٌ في الرَّحْمَةِ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم ما رَخَّصَ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ في بَعْضِ الآياتِ السّابِقَةِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ﴾ إلى النَّهْيِ عَنِ التَّصَرُّفِ في السُّفْلِيّاتِ، الَّتِي هي الأُمَّهاتُ، الَّتِي قَدْ تَصَرَّفَ فِيها الآباءُ العُلْوِيَّةُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ التَّدْبِيرِ الإلَهِيِّ في ازْدِواجِ الأرْواحِ؛ لِضَرُورَةِ الكِمالاتِ؛ فَإنَّ الرُّكُونَ إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ يُوجِبُ مَقْتَ الحَقِّ سُبْحانَهُ.

وأشارَ سُبْحانَهُ بِتَحْرِيمِ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ، أيِ: الأُمُورِ الَّتِي تَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ إلى تَحْرِيمِ طَلَبِ السّالِكِ مَقامًا نالَهُ غَيْرُهُ، ولَيْسَ لَهُ قابِلِيَّةٌ لِنَيْلِهِ، ومِن هُنا قُوبِلَ الكَلامُ بِالصَّعْقِ لَمّا سَألَ الرُّؤْيَةَ، وقالَ شاعِرُ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ: ولَسْتُ مُرِيدًا أرْجِعَنَّ بِلَنْ تَرى ولَسْتُ بِطُورٍ كَيْ يُحَرِّكَنِي الصَّدْعُ وقالَ سَيِّدِي ابْنُ الفارِضِ عَلى لِسانِها: وإذا سَألْتُكَ أنْ أراكَ حَقِيقَةً ∗∗∗ فاسْمَعْ ولا تَجْعَلْ جَوابِي لَنْ تَرى ولَقَدْ أحْسَنَ بَعْضُ المَحْجُوبِينَ حَيْثُ يَقُولُ: إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: المُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الدُّنْيا حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ، وأباحَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ تَناوُلَ الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ مِنَ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ، ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ أيْ: حَرائِرَ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ﴿ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ في الطَّلَبِ مِياهَ الوُجُوهِ، ثُمَّ أمَرَهم إذا اسْتَمْتَعُوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُؤَدُّوا حُقُوقَهُ مِنَ الشُّكْرِ والطّاعَةِ والذِّكْرِ مَثَلًا، وعَلى هَذا النَّمَطِ ما في سائِرِ الآياتِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي في البَناتِ والأخَواتِ والعَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ والمُرْضِعاتِ والأخَواتِ مِنَ الرِّضاعِ والرَّبائِبِ والجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ما يَنْشَرِحُ لَهُ الخاطِرُ، وتَبْتَهِجُ بِهِ الضَّمائِرُ، ولا شُبْهَةَ لِي في أنَّ لِلَّهِ تَعالى عِبادًا يَعْرِفُونَهُ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَكِنَّهم في الزَّوايا، وكَمْ في الزَّوايا مِن خَبايا، واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٢٦

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ قَدِيمًا، وخَرَّجَهُ النُّحاةُ - كَما قالَ الشِّهابُ - عَلى مَذاهِبَ، فَقِيلَ: مَفْعُولٌ يُرِيدُ: (مَحْذُوفٌ) أيْ: تَحْلِيلَ ما أحَلَّ وتَحْرِيمَ ما حَرَّمَ ونَحْوُهُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوِ العاقِبَةِ، أيْ: ذَلِكَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، فَتَعَلُّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ، وإنَّما فَعَلُوهُ لِئَلّا يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ بِاللّامِ، وهو مُمْتَنِعٌ أوْ ضَعِيفٌ.

قِيلَ: إنَّهُ إذا قُصِدَ التَّأْكِيدُ جازَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وقَدْ قُصِدَ هُنا تَأْكِيدُ الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وسَمّى صاحِبُ اللُّبابِ هَذِهِ اللّامَ لامَ التَّكْمِلَةِ، وجَعَلَها مُقابِلَةً لِلامِ التَّعْدِيَةِ.

وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ الفِعْلَ مُؤَوَّلُ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ سابِكٍ، كَما قِيلَ بِهِ فِي: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيْ: إرادَتِي كائِنَةٌ لِلتَّبْيِينِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ هي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ (أنْ) وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّمِ؛ لِأنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ (أنْ) في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ الجَرُّ، والنَّصْبُ بِـ(أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَها، ومَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ مَحْذُوفٌ، أيْ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمْ، أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: (لِيُبَيِّنَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَهْدِيَكُمْ ﴾ تَنازَعا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ: مَناهِجَ مَن تَقَدَّمَكم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ؛ لِتَقْتَفُوا أثَرَهُمْ، وتَتَّبِعُوا سَيْرَهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ الحُكْمَ كانَ كَذَلِكَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ، كَما قِيلَ بِهِ، بَلِ المُرادُ كَوْنُ ما ذُكِرَ مِن نَوْعِ طَرائِقِ المُتَقَدِّمِينَ الرّاشِدِينَ وجِنْسِها في بَيانِ المَصالِحِ ﴿ ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وحَيْثُ كانَتِ التَّوْبَةُ تُرِكَ الذَّنْبُ مَعَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وهو مِمّا يَسْتَحِيلُ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ارْتَكَبُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ بِأحَدِ أُمُورٍ: فَقِيلَ إنَّ التَّوْبَةَ هُنا بِمَعْنى المَغْفِرَةِ مَجازًا؛ لِتَسَبُّبِها عَنْها، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يَمْنَعُ عَنِ المَعاصِي عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ تَمْنَعُ عَنْها، كَما أنَّ إرْشادَهُ تَعالى كَذَلِكَ، أوْ مَجازٌ عَنْ حَثِّهِ تَعالى عَلَيْها؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَها عَكْسَ الأوَّلِ، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يُكَفِّرُها عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، وإلى جَمِيعِ ذَلِكَ أشارَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ.

وقَرَّرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ، وذَلِكَ لِعَطْفِ (ويَتُوبُ) عَلى (ويَهْدِيَكُمْ) إلَخْ عَلى سَبِيلِ البَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم ويُرْشِدَكم إلى الطّاعاتِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ (ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وما يَرِدُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ مِن لُزُومِ تَخالُفِ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ - وهي عِلَّةٌ تامَّةٌ - يَدْفَعُهُ كَوْنُ الخِطابِ لَيْسَ عامًّا لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، بَلْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ التَّوْبَةُ، ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ، فَيَعْلَمُ ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ، وما سَلَكَهُ المُهْتَدُونَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، وما يَنْفَعُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ وما يَضُرُّهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ مَراعٍ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ، فَيُبَيِّنُ لِمَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، ويَتُوبُ عَلى مَن يَشاءُ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ <div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا ٢٧

﴿ واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ جَعَلَهُ بَعْضُهم تَكْرارًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وهو ظاهِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِنَ التَّوْبَةِ هُناكَ وهُنا شَيْئًا واحِدًا، وأمّا إذا فُسِّرَ (يَتُوبَ) أوَّلًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والإرْشادِ مَثَلًا، وثانِيًا بِأنْ يَفْعَلُوا ما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ القَبُولَ فَلا يَكُونُ تَكْرارًا، وأيْضًا إنَّما يَتَمَشّى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) مَفْعُولًا، وإلّا فَلا تَكْرارَ أيْضًا؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِالتَّوْبَةِ في الأوَّلِ عَلى جِهَةِ العَلِيَّةِ، وفي الثّانِي عَلى جِهَةِ المَفْعُولِيَّةِ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الِاخْتِلافُ لا مَحالَةَ.

﴿ ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ﴾ يَعْنِي الفَسَقَةَ؛ لِأنَّهم يَدُورُونَ مَعَ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ تَحاشٍ عَنْها، فَكَأنَّهم بِانْهِماكِهِمْ فِيها أمَرَتْهُمُ الشَّهَواتُ بِاتِّباعِها فامْتَثَلُوا أمْرَها واتَّبَعُوها، فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وأمّا المُتَعاطِي لِما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ مِنها دُونَ غَيْرِهِ فَهو مُتَّبِعٌ لَهُ لا لَها.

ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وأخْرَجَ مُجاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُمُ الزُّناةُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: إنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً؛ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّ الأُخْتَ مِنَ الأبِ حَلالٌ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ المَجُوسُ؛ حَيْثُ كانُوا يُحِلُّونَ الأخَواتِ لِأبٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَجْمَعْهم رَحِمٌ، وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ قِياسًا عَلى بَناتِ العَمَّةِ والخالَةِ بِجامِعِ أنَّ أُمَّهُما لا تَحِلُّ، فَكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يُضِلُّوا المُؤْمِنِينَ بِما ذُكِرَ، ويَقُولُونَ: لِمَ جَوَّزْتُمْ تِلْكَ ولَمْ تُجَوِّزُوا هَذِهِ؟!

فَنَزَلَتْ، وغُويِرَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَةِ الزّائِغِينَ ﴿ أنْ تَمِيلُوا ﴾ عَنِ الحَقِّ بِمُوافَقَتِهِمْ، فَتَكُونُوا مِثْلَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنْ تَزْنُوا كَما يَزْنُونَ.

وقُرِئَ بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ﴿ مَيْلا عَظِيمًا ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً عَلى نُدْرَةٍ، واعْتَرَفَ بِأنَّها خَطِيئَةٌ، ولَمْ يَسْتَحِلَّ.

<div class="verse-tafsir"

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًۭا ٢٨

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ أيْ في التَّكْلِيفِ في أمْرِ النِّساءِ والنِّكاحِ بِإباحَةِ نِكاحِ الإماءِ، قالَهُ طاوُسٌ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: يُخَفِّفُ في التَّكْلِيفِ عَلى العُمُومِ، فَإنَّهُ تَعالى خَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ما لَمْ يُخَفِّفْ عَنْ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وقِيلَ: يُخَفِّفُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ والتَّوْفِيقِ لَها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ أيْ في أمْرِ النِّساءِ، لا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ، قالَهُ طاوُسٌ، وفي الخَبَرِ: ««لا خَيْرَ في النِّساءِ، ولا صَبْرَ عَنْهُنَّ، يَغْلِبْنَ كَرِيمًا، ويَغْلِبُهُنَّ لَئِيمٌ، فَأُحِبُّ أنْ أكُونَ كَرِيمًا مَغْلُوبًا، ولا أُحِبُّ أنْ أكُونَ لَئِيمًا غالِبًا»» وقِيلَ: يَسْتَمِيلُهُ هَواهُ وشَهْوَتُهُ ويَسْتَشِيطُهُ خَوْفُهُ وحُزْنُهُ، وقِيلَ: عاجِزٌ عَنْ مُخالَفَةِ الهَوى وتَحَمُّلِ مَشاقِّ الطّاعَةِ، وقِيلَ: ضَعِيفُ الرَّأْيِ، لا يُدْرِكُ الأسْرارَ والحِكَمَ إلّا بِنُورٍ إلَهِيٍّ.

وعَنِ الحَسَنِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المُرادَ ضَعِيفُ الخِلْقَةِ، يُؤْلِمُهُ أدْنى حادِثٍ نَزَلَ بِهِ، ولا يَخْفى ضَعْفُ مُساعَدَةِ المَقامِ لَهُما؛ فَإنَّ الجُمْلَةَ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّخْفِيفِ بِالرُّخْصَةِ في نِكاحِ الإماءِ، ولَيْسَ لِضَعْفِ الرَّأْيِ ولا لِضَعْفِ البِنْيَةِ مُدْخَلٌ في ذَلِكَ، وكَوْنُهُ إشارَةً إلى تَجْهِيلِ المَجُوسِ في قِياسِهِمْ عَلى أوَّلِ القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

ونُصِبَ (ضَعِيفًا) عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ مِن ضَعِيفٍ، وأُرِيدَ بِهِ الطِّينَ أوِ النُّطْفَةُ، وكَلاهُما كَما تَرى، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وخَلَقَ الإنْسانَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشَّعْبِ) عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ثَمانِي آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هي خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتِ: الأُولى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

والثّانِيَةُ: ﴿ واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى آخِرِها.

والثّالِثَةُ: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ إلى آخِرِها.

والرّابِعَةُ: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾ .

والخامِسَةُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ .

والسّادِسَةُ: ﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .

والسّابِعَةُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ إلى آخِرِها.

والثّامِنَةُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا ٢٩

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ إثْرَ بَيانِ تَحْرِيمِ النِّساءِ عَلى غَيْرِ الوُجُوهِ المَشْرُوعَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِنايَةِ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ، والمُرادُ مِنَ الأكْلِ سائِرُ التَّصَرُّفاتِ، وعَبَّرَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَنافِعِ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ، والمُرادُ ﴿ بِالباطِلِ ﴾ ما يُخالِفُ الشَّرْعَ كالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، .وهُوَ المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَنِ الحَسَنِ: هو ما كانَ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ مِن طَرِيقِ الأعْواضِ.

وأخْرَجَ عَنْهُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ، ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: كانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ النُّورِ: ﴿ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ الآيَةَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنَّ ما أُكِلَ عَلى وجْهِ مَكارِمِ الأخْلاقِ لا يَكُونُ أكْلًا بِالباطِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّها مُحْكَمَةٌ، ما نُسِخَتْ، ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، و(بَيْنَكُمْ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ مِن (أمْوالِكُمْ).

﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ونَقَلَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ وضَعَّفَهُ و(عَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(تِجارَةً) و(مِنكُمْ) صِفَةُ (تَراضٍ) أيْ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ كائِنٍ مِنكُمْ، أوْ إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ أمْوالَ تِجارَةٍ، والنَّصْبُ قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةً.

وحاصِلُ المَعْنى: لا تَقْصِدُوا أكْلَ الأمْوالِ بِالباطِلِ، لَكِنِ اقْصُدُوا كَوْنَ أيْ: وُقُوعَ تِجارَةٍ (عَنْ تَراضٍ)، أوْ لا تَأْكُلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، لَكِنَّ وُجُودَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ أسْبابِ المِلْكِ لِكَوْنِها أغْلَبَ وُقُوعًا، وأوْفَقَ لِذَوِي المُرُوءاتِ، وقَدْ أخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أطْيَبُ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجّارِ، الَّذِينَ إذا حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا، وإذا وعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وإذا اشْتَرَوْا لَمْ يَذُمُّوا، وإذا باعُوا لَمْ يَمْدَحُوا، وإذا كانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وإذا كانَ لَهم لَمْ يُعَسِّرُوا»».

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأزْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««تِسْعَةُ أعْشارِ الرِّزْقِ في التِّجارَةِ، والعُشْرُ في المَواشِي»».

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها انْتِقالُ المالِ مِنَ الغَيْرِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، سَواءٌ كانَ تِجارَةً أوْ إرْثًا أوْ هِبَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، مِنِ اسْتِعْمالِ الخاصِّ وإرادَةِ العامِّ، وقِيلَ: المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ المَنعُ عَنْ صَرْفِ المالِ فِيما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى، وبِالتِّجارَةِ صَرْفُهُ فِيما يَرْضاهُ، وهَذا أبْعَدُ مِمّا قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّراضِي مُراضاةُ المُتَبايِعَيْنِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ في حالِ المُبايَعَةِ وقْتَ الإيجابِ والقَبُولِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الإمامِ مالِكٍ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ حالَةَ الِافْتِراقِ عَنْ مَجْلِسِ العَقْدِ، وقِيلَ: التَّراضِي التَّخْيِيرُ بَعْدَ البَيْعِ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي زُرْعَةَ أنَّهُ باعَ فَرَسًا لَهُ فَقالَ لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَخَيَّرَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ لَهُ: خَيِّرْنِي، فَخَيَّرَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَقُولُ: «هَذا البَيْعُ عَنْ تَراضٍ».

﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وعَبَّرَ عَنِ البَعْضِ المَنهِيِّ عَنْ قَتْلِهِمْ بِالأنْفُسِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: ««المُؤْمِنُونَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ»» وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ، والجُبّائِيُّ، وقِيلَ: المَعْنى لا تُهْلِكُوا أنْفُسَكم بِارْتِكابِ الآثامِ، كَأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، وغَيْرِهِ، مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَسْتَحِقُّونَ بِها العِقابَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ في حالِ غَضَبٍ أوْ ضَجَرٍ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ البَلْخِيِّ.

وقِيلَ: المَعْنى: لا تُخاطِرُوا بِنُفُوسِكم في القِتالِ، فَتُقاتِلُوا مَن لا تُطِيقُونَهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: المُرادُ لا تَتَّجِرُوا في بِلادِ العَدُوِّ فَتُفْرِدُوا بِأنْفُسِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ مالِكٌ عَلى كَراهَةِ التِّجارَةِ إلى بِلادِ الحَرْبِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُلْقُوا بِأنْفُسِكم إلى التَّهْلُكَةِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «لَمّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ  عامَ ذاتِ السَّلاسِلِ احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصْحابِي صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: «يا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحابِكَ وأنْتَ جُنُبٌ»؟

قُلْتُ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أهْلَكَ، وذَكَرْتُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ الآيَةَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا».

وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: (ولا تُقَتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، ولا يَخْفى ما في الجَمْعِ بَيْنَ التَّوْصِيَةِ بِحِفْظِ المالِ والوَصِيَّةِ بِحِفْظِ النَّفْسِ مِنَ المُلائِمَةِ لِما أنَّ المالَ شَقِيقُ النَّفْسِ، مِن حَيْثُ أنَّهُ سَبَبٌ لِقِوامِها، وتَحْصِيلِ كَمالاتِها، واسْتِيفاءِ فَضائِلِها، والمُلائِمَةُ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ - عَلى قَوْلِ مالِكٍ - أتَمُّ، وقَدَّمَ النَّهْيَ الأوَّلَ لِكَثْرَةِ التَّعَرُّضِ لِما نَهى عَنْهُ فِيهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ، ومِن رَحْمَتِهِ بِكم نَهْيُكم عَنْ أكْلِ الحَرامِ وإهْلاكِ الأنْفُسِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنَّهُ كانَ بِكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحِيمًا، إذْ لَمْ يُكَلِّفْكم قَتْلَ الأنْفُسِ في التَّوْبَةِ، كَما كَلَّفَ بَنِي إسْرائِيلَ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠

﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيْ: قَتْلَ النَّفْسِ فَقَطْ، أوْ هو وما قَبْلَهُ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، أوْ مَجْمُوعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ أوْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أقْوالٌ: رُوِيَ الأوَّلُ مِنها عَنْ عَطاءٍ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، وما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ إيذانٌ بِفَظاعَةِ قَتْلِ النَّفْسِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَسادِ، وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ المُشارِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِما سَبَقَ.

﴿ عُدْوانًا ﴾ أيْ: إفْراطًا في التَّجاوُزِ عَنِ الحَدِّ، وقُرِئَ (عِدْوانًا) بِكَسْرِ العَيْنِ ﴿ وظُلْمًا ﴾ أيْ: إيتاءً بِما لا يَسْتَحِقُّهُ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنًى، فالعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالعُدْوانِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، وبِالظُّلْمِ الظُّلْمُ عَلى النَّفْسِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وأيًّا ما كانَ فَهُما مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ، أوْ عَلى العِلِّيَّةِ، وقِيلَ: وخَرَجَ بِهِما السَّهْوُ والغَلَطُ والخَطَأُ وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ، ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا ﴾ أيْ نُدْخِلُهُ إيّاها، ونُحَرِّقُهُ بِها، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ.

وقُرِئَ: (نُصَلِّيهِ) بِالتَّشْدِيدِ و(نَصْلِيهِ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ) لُغَةٌ كَـ(أصْلاهُ) و(يُصْلِيهِ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لِذَلِكَ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ.

﴿ وكانَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ هَيِّنًا، لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دافِعٌ، ولا يَشْفَعُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ شافِعٌ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا ٣١

﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا ﴾ أيْ: تَتْرُكُوا جانِبًا ﴿ كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  -عَنْهُ، أيْ: عَنِ ارْتِكابِهِ مِمّا ذُكِرَ، ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ، وقُرِئَ: (كَبِيرَ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، فَيُطابِقُ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكَ ﴿ نُكَفِّرْ ﴾ أيْ: نَغْفِرُ ونَمْحُو، واخْتِيارُ ما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ الغُفْرانِ، وقُرِئَ: (يُغْفَرْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ﴿ عَنْكُمْ ﴾ أيُّها المُجْتَنِبُونَ ﴿ سَيِّئاتِكُمْ ﴾ أيْ: صَغائِرَكُمْ، كَما قالَ السُّدِّيُّ، واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها ما لَحِقَ صاحِبَها عَلَيْها بِخُصُوصِها وعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ أوْجَبَتِ الحَدَّ، وبِهِ قالَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ.

والثّالِثُ: أنَّها كُلُّ ما نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ وجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ.

والرّابِعُ: أنَّها كُلُّ جَرِيرَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ، ورِقَّةِ الدِّيانَةِ، وبِهِ قالَ الإمامُ.

والخامِسُ: أنَّها ما أوْجَبَ الحَدَّ، أوْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الوَعِيدُ، وبِهِ قالَ الماوَرْدِيُّ في فَتاوِيهِ.

والسّادِسُ: أنَّها كُلُّ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ لِمَعْنًى في نَفْسِهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ مَذْكُورٍ في مَحَلِّهِ عَنِ الحَلِيمِيِّ.

والسّابِعُ: أنَّها كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الكِتابُ عَلى تَحْرِيمِهِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ.

وقالَ الواحِدِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّ الكَبِيرَةَ لَيْسَ لَها حَدٌّ يَعْرِفُها العِبادُ بِهِ، وإلّا لاقْتَحَمَ النّاسُ الصَّغائِرَ واسْتَباحُوها، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أخْفى ذَلِكَ عَنِ العِبادِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في اجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ رَجاءَ أنْ تُجْتَنَبَ الكَبائِرُ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ إخْفاءُ الصَّلاةِ الوُسْطى ولَيْلَةِ القَدْرِ، وساعَةِ الإجابَةِ، انْتَهى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ البارِزَيُّ: التَّحْقِيقُ أنَّ الكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، أوْ عُلِمَ أنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ ما قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ أوْ حَدٌّ أوْ لَعْنٌ، أوْ أكْثَرُ مِن مَفْسَدَتِهِ، أوْ أشْعَرَ بِتَهاوُنِ مُرْتَكِبِهِ في دِينِهِ إشْعارَ أصْغَرِ الكَبائِرِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِذَلِكَ، كَما لَوْ قَتَلَ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ، أوْ وطِئَ امْرَأةً ظانًّا أنَّهُ زانٍ بِها فَإذا هي زَوْجَتُهُ أوْ أمَتُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ الحُدُودِ إنَّما قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَطْ، وإلّا فَهي لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جامِعَةٍ، وكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ ما لا مَطْمَعَ في ضَبْطِهِ؟!

وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى ضَبْطِها بِالعَدِّ مِن غَيْرِ ضَبْطِها بِحَدٍّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مَن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى هُنا، وقِيلَ: هي سَبْعٌ، ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: ««اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا بِالحَقِّ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ»» وفي رِوايَةِ لَهُما: ««الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، والسِّحْرُ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ» زادَ البُخارِيُّ: «واليَمِينُ الغَمُوسُ»، ومُسْلِمٌ بَدَّلَها: «وقَوْلُ الزُّورِ»» والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَكَرَهُ قَصْدًا لِبَيانِ المُحْتاجِ مِنها وقْتَ الذِّكْرِ، لا لِحَصْرِهِ الكَبائِرَ فِيهِ.

ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وعَطاءٌ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وقِيلَ: تِسْعٌ؛ لِما أخْرَجَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّهُ قالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «هُنَّ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ تَعالى، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وقَتْلُ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والإلْحادُ بِالبَيْتِ الحَرامِ قِبْلَتِكم أحْياءً وأمْواتًا»».

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها ثَلاثٌ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها عَشَرَةٌ، وقِيلَ: أرْبَعَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلِ الكَبائِرُ سَبْعٌ؟

فَقالَ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ، ورَوى ابْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: هي إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ، غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ ولا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، وأنْكَرَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ أنَّ في الذُّنُوبِ صَغِيرَةً، وقالُوا: بَلْ سائِرُ المَعاصِي كَبائِرُ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وإمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ، وابْنُ القُشَيْرِيِّ في المُرْشِدِ، بَلْ حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الأشاعِرَةِ، واخْتارَهُ في تَفْسِيرِهِ، فَقالَ: مَعاصِي اللَّهِ تَعالى كُلُّها عِنْدَنا كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ بِالإضافَةِ، وأوَّلَ الآيَةَ بِما يَنْبُو عَنْهُ ظاهِرُها، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الذُّنُوبُ عَلى ضَرْبَيْنِ: صَغائِرُ وكَبائِرُ، وهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، انْتَهى.

ورُبَّما ادَّعى في بَعْضِ المَواضِعِ اتِّفاقَ الأصْحابِ عَلى ما ذَكَرَهُ، واعْتَمَدَ ذَلِكَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ، وقالَ القاضِي عَبْدُ الوَهّابِ: لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في مَعْصِيَةٍ: إنَّها صَغِيرَةٌ، إلّا عَلى مَعْنى أنَّها تَصْغُرُ عِنْدَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، ويُوافِقُ هَذا القَوْلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - لَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ - أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الكَبائِرُ فَقالَ: «كُلُّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ»، وفي رِوايَةٍ: «كُلُّ ما عُصِيَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ» قالَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ، وذَكَرَ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى الِانْقِسامِ، وأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في المَعْنى، وإنَّما الخِلافُ في التَّسْمِيَةِ، والإطْلاقُ لِإجْماعِ الكُلِّ عَلى أنَّ المَعاصِيَ ما يَقْدَحُ في العَدالَةِ، ومِنها ما لا يَقْدَحُ فِيها، وإنَّما الأوَّلُونَ فَرُّوا مِنَ التَّسْمِيَةِ، فَكَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى صَغِيرَةً؛ نَظَرًا إلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وشِدَّةِ عِقابِهِ، وإجْلالًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ تَسْمِيَةِ مَعْصِيَتِهِ صَغِيرَةً؛ لِأنَّها إلى باهِرِ عَظَمَتِهِ تَعالى كَبِيرَةٌ، وأيُّ كَبِيرَةٍ، ولَمْ يَنْظُرِ الجُمْهُورُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، بَلْ قَسَّمُوها إلى قِسْمَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ صَرائِحُ الآياتِ والأخْبارِ، لا سِيَّما هَذِهِ الآيَةُ، وكَوْنُ المَعْنى ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ المَناكَحِ الحَرامِ، وأكْلِ الأمْوالِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ ﴾ ما كانَ مِنِ ارْتِكابِها فِيما سَلَفَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ التَّنْزِيلِ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولِذَلِكَ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: لا يَلِيقُ إنْكارُ الفَرْقِ بَيْنَ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ، وقَدْ عُرِفَتا مِن مَدارِكِ الشَّرْعِ، نَعَمْ، قَدْ يُقالُ لِذَنْبٍ واحِدٍ: كَبِيرٌ وصَغِيرٌ بِاعْتِبارَيْنِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ تَتَفاوَتُ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأشْخاصِ والأحْوالِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ: لا يَحْقِرُ الرَّجُلُ الرَّفِيعُ دَقِيقَةً في السَّهْوِ فِيها لِلْوَضِيعِ مَعاذِرُ فَكَبائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرِ صَغائِرُ ∗∗∗ وصَغائِرُ الرَّجُلِ الكَبِيرِ كَبائِرُ قالَ سَيِّدِي ابْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وأشارَ إلى التَّفاوُتِ مَن قالَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، هَذا، وقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الصَّلَواتُ الخَمْسُ مُكَفِّرَةٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ»» ووَجْهُهُ أنَّ الصَّلَواتِ إذا كَفَّرَتْ لَمْ يَبْقَ ما يُكَفِّرُهُ غَيْرُها، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَضْمُونُ الآيَةِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأجْوِبَةٍ أصَحِّها - عَلى ما قالَهُ الشِّهابُ-: إنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ: ««ما اجْتُنِبَتْ»» إلَخْ دالٌّ عَلى بَيانِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُصَلِّ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وأيَّ كَبِيرَةٍ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ ونُدْخِلْكم مُدْخَلا ﴾ الجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِفَتْحِها، وهو عَلى الضَّمِّ إمّا مَصْدَرٌ، ومَفْعُولُ (نُدْخِلْكُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ: نُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ إدْخالًا، أوْ مَكانٌ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عِنْدَ الأخْفَشِ، وهَكَذا كُلُّ مَكانٍ مُخْتَصٍّ بَعْدَ دَخَلَ فِيهِ الخِلافُ، وعَلى الفَتْحِ قِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ: (نُدْخِلْكُمْ) فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ونُصْبُهُ كَما مَرَّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ورُجِّحَ حَمْلُهُ عَلى المَكانِ لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ كَرِيمًا ﴾ أيْ: حَسَنًا، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ العَظِيمِ وصْفُ المَكانِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَقامٍ كَرِيمٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا ٣٢

﴿ ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ قالَ القَفّالُ: لَمّا نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ، عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ في أمْوالِهِمْ، وقِيلَ: نَهاهم أوَّلًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ بِالجَوارِحِ، ثُمَّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ، لِتَطْهُرَ أعْمالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فالمَعْنى: (ولا تَتَمَنَّوْا) ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى (بَعْضَكُمْ)، ومَيَّزَهُ (بِهِ) عَلَيْكُمْ، مِنَ المالِ والجاهِ، وكُلِّ ما يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ صادِرَةٌ مِن حَكِيمِ خَبِيرٍ، وعَلى كُلٍّ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْضى بِما قُسِمَ لَهُ، ولا يَتَمَنّى حَظَّ المُفَضَّلِ ولا يَحْسُدْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْبَهُ بِالِاعْتِراضِ عَلى مَن أتْقَنَ كَلَّ شَيْءٍ، وأحْكَمَهُ، ودَبَّرَ العالَمَ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، ونَظَمَهُ.

وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُما في الآيَةِ: لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: لَيْتَ ما أُعْطِيَ فُلانٌ مِنَ المالِ والنِّعْمَةِ والمَرْأةِ الحَسْناءِ كانَ عِنْدِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَدًا، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ التَّمَنِّيَ المَذْكُورَ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَدِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المُقْتَضى لِلْمَنعِ عَنْهُ كَوْنَهُ ذَرِيعَةً لِلْحَسَدِ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ.

وزَعَمَ البَلْخِيُّ أنَّ المَعْنى: لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ امْرَأةً، ولا لِلْمَرْأةِ أنْ لَوْ كانَتْ رَجُلًا؛ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ إلّا ما هو الأصْلَحُ، فَيَكُونُ قَدْ تَمَنّى ما لَيْسَ بِأصْلَحَ، ونَقَلَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ لَمّا جَعَلَ اللَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ لِأنْ يَكُونَ لَنا سَهْمانِ ولِلرِّجالِ سَهْمٌ واحِدٌ؛ لِأنّا ضُعَفاءُ وهم أقْوِياءُ، وأقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الأنْسَبُ بِتَعْلِيلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في جَرَيانِ التَّمَنِّي بَيْنَ فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُذَكَّرِ في النَّهْيِ لِما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالبَعْضِ، والمَعْنى: لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيراثِ نَصِيبٌ مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِمّا أصابَهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاكْتِسابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهٍ اقْتَضاهُ حالُهُ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ؛ تَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما لِنَصِيبِهِ، وتَقْوِيَةً لِاخْتِصاصِهِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِانْتِهاءَ عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ، انْتَهى.

وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ لِلْآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَكِنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ لَمْ نَقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ، والَّذِي ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أخْبارٍ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».

والثّانِي: ما أخْرَجَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ النِّساءَ سَألْنَ الجِهادَ، فَقُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ.

والثّالِثُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ قالا: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ بِالمِيراثِ، فَيَكُونَ أجْرُنا عَلى الضِّعْفِ مِن أجْرِ النِّساءِ، وقالَتِ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ في الآخِرَةِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَتَمَنَّوْا ﴾ إلى آخِرِها.

وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في «الدُّرِّ المَنثُورِ» نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّمَنِّي المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى الحَسَدِ، والخَبَرُ الأوَّلُ والثّانِي مِمّا أخْرَجَهُ الواحِدِيُّ لَيْسا كَذَلِكَ؛ إذْ عَلَيْهِما يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الحَسَدِ، أوْ عَلى ما هو ذَرِيعَةٌ لَهُ، ورُبَّما يَتَراءى أنَّ حَمْلَهُ عَلى الثّانِي نَظَرًا إلَيْهِما أظْهَرُ، وأمّا الخَبَرُ الثّالِثُ فَيَأْباهُ مَعْنى الآيَةِ، سَواءٌ كانَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الحَسَدِ أوْ ذَرِيعَةً إلّا بِتَكَلُّفٍ بَعِيدٍ جِدًّا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلَيْنِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ حَظًّا مِنَ الثَّوابِ عَلى حَسَبِ ما كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ هَذا التَّدْبِيرِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ الِاكْتِسابِ في الخَيْرِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في الشَّرِّ، واسْتُعْمِلَ الكَسْبُ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ وعَنْ مُقاتِلٍ وأبِي جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: المُرادُ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الإثْمِ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ اللّامِ مَعَ الشَّرِّ دُونَ (عَلى) وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِكُلٍّ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِقْدارٌ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ حَسْبَما رَتَّبَهُ الحَكِيمُ عَلى أفْعالِهِ، إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِاللّامِ عَنْ (عَلى) وبِالِاكْتِسابِ عَنِ الكَسْبِ، وهو كَما تَرى، ويَرُدُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي أنَّهُ لا يُساعِدُها النَّظْمُ الكَرِيمُ المُتَعَلِّقُ بِالمَوارِيثِ وفَضائِلِ الرِّجالِ، ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلَيْها يَجْعَلُ الآيَةَ مُعْتَرِضَةَ في البَيْنِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المَرْوِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مُقَدَّرًا في أزَلِ الآزالِ، مِن نَعِيمِ الدُّنْيا بِالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَكاسِبِ، فَلا يَتَمَنَّ خِلافَ ما قُسِمَ لَهُ.

﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِانْتِهاءِ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَمَنَّوْا نَصِيبَ غَيْرِكُمْ، ولا تَحْسُدُوا مَن فُضِّلَ عَلَيْكُمْ، واسْألُوا اللَّهَ تَعالى مِن إحْسانِهِ الزّائِدِ وإنْعامِهِ المُتَكاثِرِ، فَإنَّ خَزائِنَهُ مَمْلُوءَةٌ لا تَنْفَدُ أبَدًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ إفادَةً لِلْعُمُومِ، أيْ: واسْألُوا ما شِئْتُمْ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيكُمُوهُ إنْ شاءَ، أوْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ، أيْ: واسْألُوا مِثْلَهُ، ويُقالُ لِذَلِكَ: غِبْطَةٌ، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، أيْ: واسْألُوا اللَّهَ تَعالى فَضْلَهُ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ: ««لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكم مالَ أخِيهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ»» وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ - كَما في البَحْرِ - إلى المَنعِ عَنْ تَمَنِّي مِثْلِ نِعْمَةِ الغَيْرِ، ولَوْ بِدُونِ تَمَنِّي زَوالِها؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً لَهُ في دِينِهِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في دُنْياهُ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُونُ صَلاحًا لِي في دِينِي ودُنْيايَ ومَعادِي ومَعاشِي، ولا يَتَعَرَّضُ لِمَن فُضِّلَ عَلَيْهِ.

ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْمُحَقِّقِينَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالخَبَرِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا لَمْ يُسَلِّمُوا صِحَّتَهُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَمَنَّوُا الدُّنْيا، بَلِ اسْألُوا اللَّهَ تَعالى العِبادَةَ الَّتِي تُقَرِّبُكم إلَيْهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الثّانِي أنَّهُ إذا سَمِعَ الرَّجُلَ يَتَمَنّى الدُّنْيا يَقُولُ: قَدْ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا ويَتْلُو الآيَةَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَلُوا اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُسْألَ، وإنَّ مِن أفْضَلِ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ»» وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ سُبْحانَهُ بِالمَسْألَةِ إلّا لِيُعْطِيَ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ولِذَلِكَ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمْ، وتَفاوُتِ قابِلِيّاتِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ عَلِيمًا بِكُلٍّ شَيْءٍ، فَيَعْلَمُ ما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الحَسَدِ ويُجازِيكم عَلَيْهِ،

وَلِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدًا ٣٣

﴿ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ، أيْ: لِكُلِّ إنْسانٍ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ، أوْ لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ، وفِيهِ عَلى هَذا وجُوهٌ ذَكَرَها الشِّهابُ - نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ-: الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مَعْناهُ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: وراثًا مِمّا تَرَكَ، وهُنا تَمَّ الكَلامُ، فَيَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) مُتَعَلِّقًا بِـ(مَوالِيَ) أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ و(مَوالِيَ) مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ(جَعَلَ) بِمَعْنى صَيَّرَ، و(لِكُلٍّ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ ودَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الجَعْلِ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وفاعِلُ (تَرَكَ) ضَمِيرُ كُلٍّ، ويَكُونُ (الوالِدانِ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنِ الوارِثُ؟

فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ.

والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا وراثًا مِمّا تَرَكَهُ ذَلِكَ الإنْسانُ، ثُمَّ بُيِّنَ ذَلِكَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (الوالِدانِ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هَذا الإنْسانُ المَوْرُوثُ؟

فَقِيلَ: (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) وإعْرابُهُ كَما قَبْلَهُ غَيْرَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) في الأوَّلِ وارِثُونَ، وفي الثّانِي مَوْرُوثُونَ، وعَلَيْهِما فالكَلامُ جُمْلَتانِ.

والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولِكُلِّ إنْسانٍ وارِثٍ مِمّا تَرَكَهُ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: مَوْرُوثِينَ، فالمَوْلى المَوْرُوثُ، (والوالِدانِ) مَرْفُوعٌ بِـ(تَرَكَ) و(ما) بِمَعْنى مِن، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ (ما) أُضِيفَتْ إلَيْهِ (كُلٍّ) والكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي مَعْناهُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَهُ والِداهم وأقْرَبُوهُمْ، فَـ(لِكُلٍّ) خَبَرُ (نَصِيبٌ) المُقَدَّرِ مُؤَخَّرًا، وجَعَلْناهم صِفَةُ (قَوْمٍ)، والعائِدُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ الَّذِي هو مَفْعُولُ (جَعَلَ) و(مَوالِيَ): إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ حالٌ و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةُ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ الباقِي صِفَتُهُ كَصِفَةِ المُضافِ إلَيْهِ، وحُذِفَ العائِدُ مِنها.

ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا نَصِيبٌ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى.

والخامِسُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّالِثِ مَعْناهُ: لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ (مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلَنا مَوالِيَ، أيْ وراثًا يَلُونَهُ ويَحُوزُونَهُ، ويَكُونُ (لِكُلٍّ) مُتَعَلِّقًا بِـ(جَعَلَ) و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةَ كَلٍّ.

واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي بِأنَّ فِيهِما تَفْكِيكَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ أنَّ المَوْلى يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ اسْمَ مَكانٍ لا صِفَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ (مِن) صِلَةً لَهُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، عَلى أنَّ كَوْنَ المَوْلى لَيْسَ صِفَةً مُخالِفٌ لِكَلامِ الرّاغِبِ؛ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ بِمَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيِ المَوالِي والمَوالى، لَكِنْ وزْنُ مَفْعَلٍ في الصِّفَةِ أنْكَرَهُ قَوْمٌ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ: إنَّهُ نادِرٌ، فَإمّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ النّادِرِ أوْ مِمّا عُبِّرَ عَنِ الصِّفَةِ فِيهِ بِاسْمِ المَكانِ مَجازًا؛ لِتَمَكُّنِها وقَرارِها في مَوْصُوفِها، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ المَجْلِسِ السّامِيِّ.

واعْتُرِضَ عَلى الثّالِثِ بِالبُعْدِ، وعَلى الرّابِعِ بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المُبْتَدَأِ المَوْصُوفِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ وإقامَتَهُ مَقامَهُ وهو قَلِيلٌ، وبِأنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المَوالِي جَمِيعَ ما تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لا نَصِيبَ، وإنَّما النَّصِيبُ لِكُلِّ فَرْدٍ.

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ ثابِتٌ مَعَ قِلَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، ﴿ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ .

وعَنِ الثّانِي بِأنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ القَوْمُ بَعْضُ التَّرِكَةِ؛ لِتَقَدُّمِ التَّجْهِيزِ والدَّيْنِ والوَصِيَّةِ إنْ كانا، وأمّا حَمْلُ (مِن) عَلى البَيانِ لِلْمَحْذُوفِ فَبَعِيدٌ جِدًّا.

وتَعَقَّبَ الشِّهابُ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خَلَلًا مِن وجْهَيْنِ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ ما ذُكِرَ لا شاهِدَ لَهُ فِيهِ لِما قَرَّرَهُ النُّحاةُ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جُمْلَةً أوْ ظَرْفًا تُقامُ مَقامَ مَوْصُوفِها بِشَرْطِ كَوْنِ المَنعُوتِ بَعْضَ ما قَبْلَهُ مِن مَجْرُورٍ بِـ(مِن) أوْ (فِي)، وإلّا لَمْ تَقُمْ مَقامَهُ إلّا في شِعْرٍ، وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُونَ الآيَةِ.

وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقِيامِها مَقامَهُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً حَقِيقَةً، بَلِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، وهَذا بَيانُهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في التَّقْرِيرِ، فَلا وجْهَ لِاسْتِبْعادِهِ، نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ - وإنْ كانَ مَشْهُورًا - غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّ ابْنَ مالِكٍ صَرَّحَ بِخِلافِهِ في التَّوْضِيحِ، وجَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُوفِ في السَّعَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فالحَقُّ أنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا كُلِّيٌّ.

واعْتُرِضَ عَلى الخامِسِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةٍ عامِلَةٍ في المَوْصُوفِ، نَحْوُ: بِكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تَمِيمِيٍّ، وفي جَوازِهِ نَظَرٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ جائِزٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَـ(فاطِرِ) صِفَةُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ(أتَّخِذُ) العامِلِ في (غَيْرَ) فَهَذا أوْلى، والجَوابُ بِأنَّ العامِلَ لَمْ يَتَخَلَّلْ، بَلِ المَعْمُولُ تَقَدَّمَ، فَجاءَ التَّخَلُّلُ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يَضْعُفْ، إذْ حَقُّ المَعْمُولِ التَّأخُّرُ عَنْ عامِلِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَوْصُوفُ مَقْرُونًا بِصِفَتِهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذا الخامِسَ والَّذِي قَبْلَهُ، وجَعَلُوا الجُمْلَةَ مُبْتَدَأةً مُقَرِّرَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، واعْتَرَضُوا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خُرُوجَ الأوْلادِ؛ لِأنَّهم لا يَدْخُلُونَ في الأقْرَبِينَ عُرْفًا، كَما لا يَدْخُلُ الوالِدانِ فِيهِمْ، وإذا أُرِيدَ المَعْنى اللُّغَوِيُّ شَمِلَ الوالِدَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الوُرُودِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلادِ لِظُهُورِ حالِهِمْ مِن آيَةِ المَوارِيثِ، كَما تُرِكَ ذِكْرُ الأزْواجِ لِذَلِكَ، أوْ بِأنَّ ذِكْرَ الوالِدَيْنِ لِشَرَفِهِمْ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، فَلا مَحْذُورَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، تَدَبَّرْ.

﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ هم مَوالِي المُوالاةِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ، فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَجُعِلَ لَهُ السُّدُسُ مِن جَمِيعِ المالِ في الإسْلامِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ أهْلُ المِيراثِ مِيراثَهُمْ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ في سُورَةِ الأنْفالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ ﴾ .

ورُوِيَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وكَذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ إذا أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدا عَلى أنْ يَرِثَهُ ويَعْقِلَ عَنْهُ صَحَّ، وعَلَيْهِ عَقْلُهُ ولَهُ إرْثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ أصْلًا، وخَبَرُ النَّسْخِ المَذْكُورُ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْهِ إذْ لا دَلالَةَ فِيما ادَّعى ناسِخًا عَلى عَدَمِ إرْثِ الحَلِيفِ، لا سِيَّما وهو إنَّما يَرِثُهُ عِنْدَ عَدَمِ العَصَباتِ وأُولِي الأرْحامِ، والأيْمانُ هُنا جَمْعُ يَمِينٍ، بِمَعْنى اليَدِ اليُمْنى، وإضافَةُ العَقْدِ إلَيْها لِوَضْعِهِمُ الأيْدِي في العُقُودِ، أوْ بِمَعْنى القَسَمِ، وكَوْنُ العَقْدِ هُنا عَقْدَ النِّكاحِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ إضافَتُهُ إلى اليَمِينِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (عَقَدَتْ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ (عاقَدَتْ) بِالألِفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا، والمَفْعُولُ في جَمِيعِ القِراءاتِ مَحْذُوفٌ، أيْ: عُهُودَهُمْ، والحَذْفُ تَدْرِيجِيٌّ؛ لِيَكُونَ العائِدُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، كَما هو الكَثِيرُ المُطَّرِدُ، وفي المَوْصُولِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ خَبَرُهُ، وزِيدَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ، قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُخْتارًا؛ لِئَلّا يَقَعَ الطَّلَبُ خَبَرًا، لَكِنَّهم لَمْ يَخْتارُوهُ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ قَلَّما يَقَعُ في غَيْرِ الِاخْتِصاصِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ: (زَيْدًا ضَرَبْتُهُ) إنْ قُدِّرَ العامِلُ فِيهِ مُؤَخَّرًا أفادَ الِاخْتِصاصَ، وإنْ قُدِّرَ مُقَدَّمًا فَلا يُفِيدُهُ، ولا خَفاءَ أنَّ الظّاهِرَ تَقْدِيرُهُ مُقَدَّمًا، فَلا يَلْزَمُ الِاخْتِصاصُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (الوالِدانِ) فَإنْ أُرِيدَ أنَّهم مَوْرُوثُونَ عادَ الضَّمِيرُ مِن (فَآتُوهُمْ) عَلى (مَوالِيَ) وإنْ أُرِيدَ أنَّهم وارِثُونَ جازَ عَوْدُهُ عَلى (مَوالِيَ) وعَلى (الوالِدَيْنِ) وما عُطِفَ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: ويُضَعِّفُهُ شُهْرَةُ الوَقْفِ عَلى (الأقْرَبُونَ) دُونَ (أيْمانُكُمْ).

والرّابِعُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى (مَوالِيَ) وهو تَكَلَّفٌ.

وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أخْرَجَها البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرُ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ  بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وظاهِرُ ذَلِكَ عَدَمُ جَوازِ العَطْفِ؛ إذْ مَن عَطَفَ أرادَ: (فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ الإرْثِ).

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ، مُطَّلِعًا عَلَيْها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، فَيَطَّلِعُ عَلى الإيتاءِ والمَنعِ، ويُجازِي كُلًّا مِنَ المانِعِ والمُؤْتِي حَسَبَ فِعْلِهِ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌۭ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّۭا كَبِيرًۭا ٣٤

﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ أيْ: شَأْنُهُمُ القِيامُ عَلَيْهِنَّ قِيامَ الوُلاةِ عَلى الرَّعِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ ونَحْوِ ذَلِكَ، واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلْإيذانِ بِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في الِاتِّصافِ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى سَبَبِ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ الزِّيادَةَ في المِيراثِ، كَما أنَّ فِيما تَقَدَّمَ رَمْزًا إلى تَفاوُتِ مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وعَلَّلَ سُبْحانَهُ الحُكْمَ بِأمْرَيْنِ: وهْبِيٍّ وكَسْبِيٍّ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(قَوّامُونَ) كَعَلى، ولا مَحْذُورَ أصْلًا، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًا، أيْ: قَوّامُونَ عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَلَيْهِنَّ، أوْ مُسْتَحِقِّينَ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّفْضِيلِ، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِالتَّفْضِيلِ، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ، فَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: بِما فَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ؛ لِلْإشْعارِ بِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ وعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِالمُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ بَعْضَ النِّساءِ أفْضَلُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِما بِهِ التَّفْضِيلُ رَمْزًا إلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ التَّفْصِيلِ.

وقَدْ ورَدَ أنَّهُنَّ ناقِصاتُ عَقْلٍ ودِينٍ، والرِّجالُ بِعَكْسِهِنَّ، كَما لا يَخْفى، ولِذا خُصُّوا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ عَلى الأشْهَرِ، وبِالإمامَةِ الكُبْرى والصُّغْرى، وإقامَةِ الشَّعائِرِ، كالأذانِ، والإقامَةِ، والخُطْبَةِ، والجُمُعَةِ، وتَكْبِيراتِ التَّشْرِيقِ، عِنْدَ إمامِنا الأعْظَمِ، والِاسْتِبْدادِ بِالفِراقِ وبِالنِّكاحِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وبِالشَّهادَةِ في أُمَّهاتِ القَضايا، وزِيادَةِ السَّهْمِ في المِيراثِ والتَّعْصِيبِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ الباءُ الأُولى و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، وعائِدُها مَحْذُوفٌ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أنْفَقُوا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، وأُرِيدَ بِالمُنْفَقِ - كَما قالَ مُجاهِدٌ - المَهْرُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما أنْفَقُوهُ ما يَعُمُّهُ والنَّفَقَةُ عَلَيْهِنَّ، والآيَةُ - كَما رُوِيَ «عَنْ مُقاتِلٍ - نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو - وكانَ مِنَ النُّقَباءِ - وفي امْرَأتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّها نَشَزَتْ عَلَيْهِ، فَلَطَمَها، فانْطَلَقَ أبُوها مَعَها إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أفَرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لِتَقْتَصَّ مِن زَوْجِها» فانْصَرَفَتْ مَعَ أبِيها؛ لِتَقْتَصَّ مِنهُ فَقالَ النَّبِيُّ  : «ارْجِعُوا، هَذا جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتانِي وأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَلاها  ثُمَّ قالَ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ تَعالى أمْرًا، والَّذِي أرادَهُ اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ»».

وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وامْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، وذَكَرَ القِصَّةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ في جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وزَوْجِها ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وذُكِرَ قَرِيبًا مِنهُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ، ومَنعَها مِنَ الخُرُوجِ، وأنَّ عَلَيْها طاعَتَهُ إلّا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي الخَبَرِ: ««لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِبَعْلِها»».

واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا مَن أجازَ فَسْخَ النِّكاحِ عِنْدَ الإعْسارِ عَنِ النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ إذا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ قَوّامًا عَلَيْها فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الغَرَضِ المَقْصُودِ بِالنِّكاحِ، وعِنْدَنا: لا فَسْخَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ واسْتَدَلَّ بِها أيْضًا مَن جَعَلَ لِلزَّوْجِ الحَجْرَ عَلى زَوْجَتِهِ في نَفْسِها ومالِها، فَلا تَتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الرَّجُلَ قَوّامًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهو النّاظِرُ عَلى الشَّيْءِ، الحافِظُ لَهُ.

﴿ فالصّالِحاتُ ﴾ أيْ: مِنهُنَّ، ﴿ قانِتاتٌ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِنَّ، وكَيْفِيَّةِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ بِحَسَبِ اخْتِلافِ أحْوالِهِنَّ، والمُرادُ: فالصّالِحاتُ مِنهُنَّ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى ولِأزْواجِهِنَّ، ﴿ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ أيْ: يَحْفَظْنَ أنْفُسَهُنَّ وفُرُوجَهُنَّ في حالَةِ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ، قالَ الثَّوْرِيُّ وقَتادَةُ: أوْ يَحْفَظْنَ في غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ ما يَجِبُ حِفْظُهُ في النَّفْسِ والمالِ، فاللّامُ بِمَعْنى (فِي)، والغَيْبُ بِمَعْنى الغَيْبَةِ، و(ألْ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى رَأْيٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حافِظاتٌ لِواجِبِ الغَيْبِ، أيْ: لِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ حِفْظُهُ حالَ الغَيْبَةِ، فاللّامُ عَلى ظاهِرِها، وقِيلَ: المُرادُ: حافِظاتٌ لِأسْرارِ أزْواجِهِنَّ، أيْ: ما يَقَعُ بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ في الخَلْوَةِ، ومِنهُ المُنافَسَةُ والمُنافَرَةُ، واللَّطْمَةُ المَذْكُورَةُ في الخَبَرِ، وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ في اللّامِ، ولا إلى تَفْسِيرِ الغَيْبِ بِالغَيْبَةِ إلّا أنَّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««خَيْرُ النِّساءِ الَّتِي إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها» ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ ﴾ إلى: ﴿ لِلْغَيْبِ ﴾ » يُبْعِدُ هَذا القَوْلَ، ومِنَ النّاسِ مِن زَعَمَ أنَّهُ أنْسَبُ بِسَبَبِ النُّزُولِ.

﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ أيْ: بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ تَعالى في مُهُورِهِنَّ، وإلْزامِ أزْواجِهِنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لَهُنَّ، وعِصْمَتِهِ إيّاهُنَّ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفَظَهُنَّ وعَصَمَهُنَّ لَما حَفِظْنَ، فَـ(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (بِما حَفِظَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، كَدِينِ اللَّهِ وحَقِّهِ؛ لِأنَّ ذاتَهُ تَعالى لا يَحْفَظُها أحَدٌ، و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ المَصْدَرِيَّةَ لِخُلُوِّ (حَفِظَ) حِينَئِذٍ عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: بِما حَفِظَهُنَّ اللَّهُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ضَمِيرًا مُفْرَدًا عائِدًا عَلى جَمْعِ الإناثِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِن حِفْظِ اللَّهِ، وجَعَلَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ كَقَوْلِهِ: فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وشُذُوذُ تُرْكِ التَّأْنِيثِ ومِثْلُهُ لا يَلِيقُ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ صِيغَةَ جَمْعِ السَّلامَةِ هُنا لِلْكَثْرَةِ، أمّا المُعَرَّفُ فَظاهِرٌ، وأمّا المُنَكَّرُ فَلِأنَّهُ حُمِلَ عَلَيْهِ، فَلا بُدَّ مِن مُطابَقَتِهِ لَهُ في الكَثْرَةِ، وإلّا لَمْ يُصَدَّقْ عَلى جَمِيعِ أفْرادِهِ، وقَدْ نُصَّ عَلى ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (فالصَّوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ زِيادَةَ: (فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ) فَقَطْ.

﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أيْ تَرَفُّعَهُنَّ عَنْ مُطاوَعَتِكُمْ، وعِصْيانَهُنَّ لَكُمْ، مِنَ النَّشْزِ - بِسُكُونِ الشِّينِ وفَتْحِها - وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، ويَكُونُ بِمَعْنى الِارْتِفاعِ، ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ أيْ: فانْصَحُوهُنَّ، وقُولُوا لَهُنَّ: اتَّقِينَ اللَّهَ، وارْجِعْنَ عَمّا أنْتُنَّ عَلَيْهِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَرَتُّبُ هَذا عَلى خَوْفِ النُّشُوزِ، وإنْ لَمْ يَقَعْ، وإلّا لَقِيلَ: نَشَزْنَ، ولَعَلَّهُ غَيْرُ مُرادٍ، ولِذا فَسَّرَ في التَّيْسِيرِ: (تَخافُونَ) بِتَعْلَمُونَ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الطَّبْرَسِيُّ، وجاءَ الخَوْفُ بِهَذا كَما في القامُوسِ، وقِيلَ: المُرادُ: تَخافُونَ دَوامَ نُشُوزِهِنَّ، أوْ أقْصى مَراتِبِهِ، كالفِرارِ مِنهم في المَراقِدِ.

واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ في الكَلامِ مُقَدَّرًا، وأصْلُهُ: واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ونَشَزْنَ، فَعِظُوهُنَّ، وهو خِطابٌ لِلْأزْواجِ، وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ القِيامِ عَلَيْهِنَّ، ﴿ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ ﴾ أيْ: مَواضِعِ الِاضْطِجاعِ، والمُرادُ: اتْرُكُوهُنَّ مُنْفَرِداتٍ في مَضاجِعِهِنَّ، فَلا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ اللُّحُفِ، ولا تُباشِرُوهُنَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ تَرْكِ جِماعِهِنَّ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ: اهْجُرُوهُنَّ في الفِراشِ، بِأنْ تُوَلُّوهُنَّ ظُهُورَكم فِيهِ، ولا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِنَّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَعَلَّهُ كِنايَةٌ أيْضًا عَنْ تَرْكِ الجِماعِ، وقِيلَ: المَضاجِعُ المَبايِتُ: أيِ: اهْجُرُوا حُجُرَهُنَّ ومَحَلَّ مَبِيتِهِنَّ، وقِيلَ: (فِي) لِلسَّبَبِيَّةِ أيِ: اهْجُرُوهُنَّ بِسَبَبِ المَضاجِعِ، أيْ: بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِنَّ عَنِ المُضاجَعَةِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن طَرِيقِ أبِي الضُّحى، فالهِجْرانُ عَلى هَذا بِالمَنطِقِ، قالَ عِكْرِمَةُ: بِأنْ يُغْلِظَ لَها القَوْلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعْنى: أكْرِهُوهُنَّ عَلى الجِماعِ وارْبِطُوهُنَّ، مِن (هَجَرَ البَعِيرَ) إذا شَدَّهُ بِالهِجارِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ مِن تَفْسِيرِ الثُّقَلاءِ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَعَلَّ هَذا المُفَسَّرَ يَتَأيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ إكْراهٍ في أمْرٍ ما، وقَرِينَةُ المَضاجِعِ تُرْشِدُ إلى أنَّهُ الجِماعُ، فَإطْلاقُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِما أطْلَقَهُ في حَقِّ هَذا المُفَسِّرِ مِنَ الإفْراطِ، انْتَهى.

وأظُنُّ أنَّ هَذا لَوْ عُرِضَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ لَنَظَمَ قائِلَهُ في سِلْكِ ذَلِكَ المُفَسِّرِ، ولَعَدَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّفْرِيطِ، وقُرِئَ: (فِي المُضْطَجَعِ) و(المَضْجَعِ).

﴿ واضْرِبُوهُنَّ ﴾ يَعْنِي ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وفُسِّرَ غَيْرُ المُبَرِّحِ بِأنْ لا يَقْطَعَ لَحْمًا، ولا يَكْسِرَ عَظْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الضَّرْبُ بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ.

والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والقَرِينَةُ العَقْلِيَّةُ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ مُتَرَتِّبَةٌ، فَإذا خِيفَ نُشُوزُ المَرْأةِ تُنْصَحُ، ثُمَّ تُهْجَرُ، ثُمَّ تُضْرَبُ؛ إذْ لَوْ عُكِسَ اسْتُغْنِيَ بِالأشَدِّ عَنِ الأضْعَفِ، وإلّا فالواوُ لا تَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وكَذا الفاءُ في (فَعِظُوهُنَّ) لا دَلالَةَ لَها عَلى أكْثَرَ مِن تَرْتِيبِ المَجْمُوعِ، فالقَوْلُ بِأنَّها أظْهَرُ الأدِلَّةِ عَلى التَّرْتِيبِ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وفي الكَشْفِ: التَّرْتِيبُ مُسْتَفادٌ مِن دُخُولِ الواوِ عَلى أجْزِئَةٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشِّدَّةِ والضَّعْفِ، مُتَرَتِّبَةٍ عَلى أمْرٍ مُدْرَجٍ، فَإنَّما النَّصُّ هو الدّالُّ عَلى التَّرْتِيبِ.

هَذا وقَدْ نَصَّ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَضْرِبَ المَرْأةَ عَلى أرْبَعِ خِصالٍ، وما هو في مَعْنى الأرْبَعِ: تَرْكُ الزِّينَةِ والزَّوْجُ يُرِيدُها، وتَرْكُ الإجابَةِ إذا دَعاها إلى فِراشِهِ، وتَرْكُ الصَّلاةِ - في رِوايَةٍ - والغُسْلُ، والخُرُوجُ مِنَ البَيْتِ إلّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ.

وقِيلَ: لَهُ أنْ يَضْرِبَها مَتى أغْضَبَتْهُ، فَعَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كُنْتُ رابِعَةَ أرْبَعِ نِسْوَةٍ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَإذا غَضِبَ عَلى واحِدَةٍ مِنّا ضَرَبَها بِعُودِ المِشْجَبِ حَتّى يَكْسِرَهُ عَلَيْها، ولا يَخْفى أنَّ تَحَمُّلَ أذى النِّساءِ والصَّبْرَ عَلَيْهِنَّ أفْضَلُ مِن ضَرْبِهِنَّ، إلّا لِداعٍ قَوِيٍّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَتْ: ««كانَ الرِّجالُ نُهُوا عَنْ ضَرْبِ النِّساءِ، ثُمَّ شَكُوهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَخَلّى بَيْنَهم وبَيْنَ ضَرْبِهِنَّ، ثُمَّ قالَ: ولَنْ يَضْرِبَ خِيارُكُمْ»».

وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَرَبَ زَوْجَتَهُ يَنْبَغِي أنْ لا يُسْرِعَ في جِماعِها بَعْدَ الضَّرْبِ، وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِمّا أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أيَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ كَما يُضْرَبُ العَبْدُ ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَوْمِ»؟!» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - بِلَفْظِ: ««أما يَسْتَحِي أحَدُكم أنْ يَضْرِبَ امْرَأتَهُ كَما يُضْرَبُ العَبْدُ، يَضْرِبُها أوَّلَ النَّهارِ ثُمَّ يُجامِعُها آخِرَهُ»،» ولِلْخَبَرِ مَحْمَلٌ آخَرُ لا يَخْفى.

﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ أيْ: وافَقْنَكُمْ، وانْقَدْنَ لِما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ مِن طاعَتِكم بِذَلِكَ، كَما هو الظّاهِرُ ﴿ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ أيْ: فَلا تَطْلُبُوا سَبِيلًا وطَرِيقًا إلى التَّعَدِّي عَلَيْهِنَّ، أوْ لا تَظْلِمُوهُنَّ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، بِالتَّوْبِيخِ اللِّسانِيِّ، والأذى الفِعْلِيِّ، وغَيْرِهِ، واجْعَلُوا ما كانَ مِنهُنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، فالبَغْيُ إمّا بِمَعْنى الطَّلَبِ و(سَبِيلًا) مَفْعُولُهُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ النَّكِرَةِ قُدِّمَ عَلَيْها، وإمّا بِمَعْنى الظُّلْمِ و(سَبِيلًا) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ المُرادَ: فَلا تُكَلِّفُوهُنَّ المَحَبَّةَ، وحاصِلُ المَعْنى: إذا اسْتَقامَ لَكم ظاهِرُهُنَّ فَلا تَعْتَلُوا عَلَيْهِنَّ بِما في باطِنِهِنَّ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ فاحْذَرُوهُ؛ فَإنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم أعْظَمُ مِن قُدْرَتِكم عَلى مَن تَحْتِ أيْدِيكم مِنهُنَّ، أوْ أنَّهُ تَعالى عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ وكَمالِ ذاتِهِ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِكُمْ، ويَتُوبُ عَلَيْكم إذا تُبْتُمْ، فَتَجاوَزُوا أنْتُمْ عَنْ سَيِّئاتِ أزْواجِكُمْ، واعْفُوا عَنْهُنَّ إذا تُبْنَ، أوْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الِانْتِقامِ مِنكم غَيْرُ راضٍ بِظُلْمِ أحَدٍ، أوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ عُلُوِّهِ المُطْلَقِ وكِبْرِيائِهِ لَمْ يُكَلِّفْكم إلّا ما تُطِيقُونَ فَكَذَلِكَ لا تُكَلِّفُوهُنَّ إلّا ما يُطِقْنَ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًۭا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًۭا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًۭا ٣٥

﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ الخِطابُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ وغَيْرُهُما لِلْحُكّامِ، وهو وارِدٌ عَلى بِناءِ الأمْرِ عَلى التَّقْدِيرِ المَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْإيذانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ تَحَقُّقُهُ، أعْنِي عَدَمَ الإطاعَةِ، وقِيلَ: لِأهْلِ الزَّوْجَيْنِ أوْ لِلزَّوْجَيْنِ أنْفُسِهِما، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، والمُرادُ: فَإنْ عَلِمْتُمْ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: فَإنْ ظَنَنْتُمْ كَما قِيلَ.

﴿ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ أيِ الزَّوْجَيْنِ، وهُما وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما صَرِيحًا فَقَدْ جَرى ضِمْنًا؛ لِدَلالَةِ النُّشُوزِ الَّذِي هو عِصْيانُ المَرْأةِ زَوْجَها، والرِّجالُ والنِّساءُ عَلَيْهِما، والشِّقاقُ الخِلافُ والعَداوَةُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الشِّقِّ وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ في شِقٍّ غَيْرِ شِقٍّ الآخَرِ، و(بَيْنَ) مِنَ الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، الَّتِي يَقِلُّ تَصَرُّفُها، وإضافَةُ الشِّقاقِ إلَيْها إمّا لِإجْراءِ الظَّرْفِ مَجْرى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ: يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ أوِ الفاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: صامَ نَهارُهُ، والأصْلَ (شِقاقًا بَيْنَهُما) أيْ أنْ يُخالِفَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَلِلْمُلابَسَةِ بَيْنَ الظَّرْفِ والمَظْرُوفِ نَزَلَ مَنزِلَةَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وشُبِّهَ بِأحَدِهِما، ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَتَهُ في الإضافَةِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الإضافَةُ بِمَعْنى فِي، وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا بِمَعْنى الوَصْلِ الكائِنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أعْنِي المُعاشَرَةَ، وهو لَيْسَ بِظَرْفٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ أبِي البَقاءِ، ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ.

﴿ فابْعَثُوا ﴾ أيْ: وجِّهُوا وأرْسِلُوا إلى الزَّوْجَيْنِ لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ﴿ حَكَمًا ﴾ أيْ رَجُلًا عَدْلًا عارِفًا حَسَنَ السِّياسَةِ والنَّظَرِ في حُصُولِ المُصْلِحَةِ ﴿ مِن أهْلِهِ ﴾ أيِ: الزَّوْجِ و(مِن) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(ابْعَثُوا) فَهو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، فَهي لِلتَّبْعِيضِ ﴿ وحَكَمًا ﴾ آخَرَ عَلى صِفَةِ الأوَّلِ ﴿ مِن أهْلِها ﴾ أيِ الزَّوْجَةِ، وخُصَّ الأهْلُ؛ لِأنَّهم أطْلُبُ لِلصَّلاحِ وأعْرَفُ بِباطِنِ الحالِ، وتَسْكُنُ إلَيْهِمُ النَّفْسُ، فَيَطَّلِعُونَ عَلى ما في ضَمِيرِ كُلٍّ مِن حُبٍّ، وبُغْضٍ، وإرادَةٍ، وصُحْبَةٍ أوْ فُرْقَةٍ، وهَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ، وإنْ نُصِبا مِنَ الأجانِبِ جازَ، واخْتُلِفَ في أنَّهُما هَلْ يَلِيانِ الجَمْعَ والتَّفْرِيقَ إنْ رَأيا ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: لَهُما، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الإمامِ، والبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، وغَيْرُهُما، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ وامْرَأةٌ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فِئامٌ مِنَ النّاسِ، فَأمَرَهم عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا حَكَمًا مَن أهْلِهِ، ورَجُلًا حَكَمًا مَن أهْلِها، ثُمَّ قالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟

عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تَجْمَعا، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تُفَرِّقا، قالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى بِما عَلَيَّ فِيهِ ولِي، وقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: كَذَبْتَ واللَّهِ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ إلَخْ، هَذا في الرَّجُلِ والمَرْأةِ إذا تَفاسَدَ الَّذِي بَيْنَهُما، أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثُوا رَجُلًا صالِحًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ ورَجُلًا مِثْلَهُ مِن أهْلِ المَرْأةِ، فَيَنْظُرانِ أيَّهُما المُسِيئُ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ هو المُسِيئَ حَجَبُوا عَنْهُ امْرَأتَهُ، وقَسَرُوهُ عَلى النَّفَقَةِ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ هي المُسِيئَةُ قَسَرُوها عَلى زَوْجِها ومَنَعُوها النَّفَقَةَ، فَإنِ اجْتَمَعَ أمْرُهُما عَلى أنْ يُفَرِّقا أوْ يَجْمَعا فَأمْرُهُما جائِزٌ، فَإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا فَرْضِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وكَرِهَ ذَلِكَ الآخَرُ، ثُمَّ ماتَ أحَدُهُما، فَإنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ، ولا يَرِثُ الكارِهُ الرّاضِيَ، وقِيلَ: لَيْسَ لَهُما ذَلِكَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وغَيْرُهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّما يُبْعَثُ الحَكَمانِ لِيُصْلِحا، ويَشْهَدا عَلى الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، وأمّا الفُرْقَةُ فَلَيْسَتْ بِأيْدِيهِما، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، ونُسِبَ إلى الإمامِ الأعْظَمِ، وأُجِيبَ عَنْ فِعْلِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِأنَّهُ إمامٌ، ولِلْإمامِ أنْ يَفْعَلَ ما رَأى فِيهِ المَصْلَحَةَ، فَلَعَلَّهُ رَأى المَصْلَحَةَ فِيما ذُكِرَ، فَوَكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى ما رَأى، عَلى أنَّ في كَلامِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَنْفِيذَ الأمْرِ مَوْقُوفٌ عَلى الرِّضا، حَيْثُ قالَ لِلرَّجُلِ: كَذَبْتَ حَتّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ لا يَصْلُحُ جَوابًا عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّ المَسْألَةَ اجْتِهادِيَّةٌ، وكَلامُ أحَدِ المُجْتَهِدِينَ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى الآخَرِ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ، وكَأنَّ الخَبَرَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ - لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهم.

وعَنِ الشّافِعِيِّ رِوايَتانِ في المَسْألَةِ، وعَنْ مالِكٍ أنَّ لَهُما أنْ يَتَخالَعا إنْ وجَدا الصَّلاحَ فِيهِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُلَمائِنا أنَّ الإساءَةَ إنْ كانَتْ مِنَ الزَّوْجِ فَرَّقا بَيْنَهُما، وإنْ كانَتْ مِنها فَرَّقا عَلى بَعْضِ ما أصْدَقَها، والظّاهِرُ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ بِنَفاذِ حُكْمِهِما جَعَلَهُما وكِيلَيْنِ حَكَما عَلى ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: إنَّهُما قاضِيانِ لا وكِيلانِ فَإنَّ الحَكَمَ اسْمٌ في الشَّرْعِ لَهُ.

﴿ إنْ يُرِيدا ﴾ أيِ الحَكَمانِ ﴿ إصْلاحًا ﴾ أيْ: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وتَأْلِيفًا ﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ﴾ فَتَتَّفِقُ كَلِمَتُهُما ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُما، فالضَّمِيرُ أيْضًا لِلْحَكَمَيْنِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ أرادا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ لِلْحَكَمَيْنِ والثّانِي لِلزَّوْجَيْنِ، أيْ: إنْ قَصَدا إصْلاحَ ذاتِ البَيْنِ وكانَتْ نِيَّتُهُما صَحِيحَةً وقُلُوبُهُما ناصِحَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى أوْقَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ، وألْقى في نُفُوسِهِما المُوافَقَةَ والصُّحْبَةَ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ لِلزَّوْجَيْنِ والثّانِي لِلْحَكَمَيْنِ، أيْ: إنْ يُرِدِ الزَّوْجانِ إصْلاحًا واتِّفاقًا يُوَفِّقِ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ حَتّى يَعْمَلا بِالصَّلاحِ، ويَتَحَرَّياهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ بِالظَّواهِرِ والبَواطِنِ، فَيَعْلَمُ إرادَةَ العِبادِ، ومَصالِحَهُمْ، وسائِرَ أحْوالِهِمْ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الحَبْرُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الخَوارِجِ في إنْكارِهِمُ التَّحْكِيمَ في قِصَّةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهو أحَدُ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ عَلِقَتْ في أذْهانِهِمْ فَأبْطَلَها كُلَّها- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَرَجَعَ إلى مَوْلاةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِنهم عِشْرُونَ ألْفًا.

وفِيها كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ: رَدٌّ عَلى مَن أنْكَرَ مِنَ المالِكِيَّةِ بَعْثَ الحَكَمَيْنِ في الزَّوْجَيْنِ، وقالَ: تَخْرُجُ المَرْأةُ إلى دارِ أمِينٍ أوْ يَسْكُنُ مَعَها أمِينٌ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًۭا فَخُورًا ٣٦

﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِلْإرْشادِ إلى خِلالٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى مَعالِي الأُمُورِ إثْرَ إرْشادِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ الحَسَنَةِ، وإزالَةِ الخُصُومَةِ والخُشُونَةِ إذا وقَعَتْ في البَيْنِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِرِعايَةِ حَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، وتَعْلِيمُ المُعامَلَةِ مَعَ أصْنافِ النّاسِ، وقُدِّمَ الأمْرُ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها المَدارُ الأعْظَمُ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ - أيْضًا - إلى ارْتِفاعِ شَأْنِ ما نُظِمَ في ذَلِكَ السِّلْكِ، والعِبادَةُ أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ و(شَيْئًا) إمّا مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، صَنَمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْمِيمِ.

واخْتارَ عِصامُ الدِّينِ كَوْنَهُ لِلتَّحْقِيرِ؛ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا حَقِيرًا، مَعَ عَدَمِ تَناهِي كِبْرِيائِهِ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ في جَنْبِ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ أحْقَرُ حَقِيرٍ، ونِسْبَةُ المُمْكِنِ إلى الواجِبِ أبْعَدُ مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، إذِ المَعْدُومُ إمْكانُ المَوْجُودِ، وأيْنَ الإمْكانُ مِنَ الوُجُوبِ؟

ضِدّانِ مُفْتَرِقانِ، أيَّ تَفَرُّقٍ، وإمّا مَصْدَرٌ، أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، مِنَ الإشْراكِ جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا، وعَطْفُ النَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ، مَعَ أنَّ الكَفَّ عَنِ الإشْراكِ لازِمٌ لِلْعِبادَةِ بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ غايَةُ الخُضُوعِ لِمَن لَهُ شَرِيكٌ ضَرُورَةَ أنَّ الخُضُوعَ لِمَن لا شَرِيكَ لَهُ فَوْقَ الخُضُوعِ لِمَن لَهُ شَرِيكٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ فِيما جَعَلَهُ الشَّرْعُ عَلامَةَ نِهايَةِ الخُضُوعِ، أوْ لِلتَّوْبِيخِ بِغايَةِ الجَهْلِ، حَيْثُ لا يُدْرِكُونَ هَذا اللُّزُومَ، كَذا قِيلَ، ولَعَلَّ الأوْضَحَ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا النَّهْيَ إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِالإخْلاصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (واعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ) ويَؤُولُ ذَلِكَ كَما أوْمَأ إلَيْهِ الإمامُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ أوَّلًا بِما يَشْمَلُ التَّوْحِيدَ وغَيْرَهُ مِن أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِما يُفْهَمُ مِنهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى عَمَلًا بِدُونِهِ، فالعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ.

﴿ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالمُصَدِّرِ، وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، و(أحْسَنَ) يَتَعَدّى بِالباءِ، وإلى، واللّامِ، وقِيلَ: إنَّما يَتَعَدّى بِالباءِ إذا تَضَمَّنَ مَعْنى العَطْفِ.

والإحْسانُ المَأْمُورُ بِهِ أنْ يَقُومَ بِخِدْمَتِهِما، ولا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِما، ولا يَخْشُنَ في الكَلامِ مَعَهُما، ويَسْعى في تَحْصِيلِ مَطالِبِهِما والإنْفاقِ عَلَيْهِما، بِقَدْرِ القُدْرَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِما.

﴿ وبِذِي القُرْبى ﴾ أيْ: بِصاحِبِ القَرابَةِ مِن أخٍ، وعَمٍّ، وخالٍ، وأوْلادِ كُلٍّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وأُعِيدَ الباءُ هُنا ولَمْ يُعَدْ في البَقَرَةِ، قالَ في البَحْرِ: لِأنَّ هَذا تَوْصِيَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فاعْتُنِيَ بِهِ وأُكِّدَ، وذَلِكَ في بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ واليَتامى والمَساكِينِ ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ أيِ: الَّذِي قَرُبَ جِوارُهُ ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ أيِ البَعِيدِ، مِنَ الجَنابَةِ ضِدُّ القَرابَةِ، وهي عَلى هَذا مَكانِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ(الجارِ ذِي القُرْبى) مِن لَهُ مَعَ الجِوارِ قُرْبٌ واتِّصالٌ بِنَسَبٍ أوْ دِينٍ، وبِـ(الجارِ الجُنُبِ) الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ ولَوْ مُشْرِكًا.

أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والبَزّارُ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وفِيهِ ضَعْفٌ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ««الجِيرانُ ثَلاثَةٌ: فَجارٌ لَهُ ثَلاثَةُ حُقُوقٍ: حُقُّ الجِوارِ وحَقُّ القَرابَةِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقّانِ: حَقُّ الجِوارِ، وحَقُّ الإسْلامِ، وجارٌ لَهُ حَقٌّ واحِدٌ: حَقُّ الجِوارِ، وهو المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ»».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أنَّهُ ذُبِحَتْ لَهُ شاةٌ فَجَعَلَ يَقُولُ لِغُلامِهِ: «أهْدَيْتَ لِجارِنا اليَهُودِيِّ، أهْدَيْتَ لِجارِنا اليَهُودِيِّ؟

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجارِ حَتّى ظَنَنْتُ أنْ سَيُورِّثُهُ»».

والظّاهِرُ أنَّ مَبْنى الجِوارِ عَلى العُرْفِ، وعَنِ الحَسَنِ - كَما في الأدَبِ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجارِ فَقالَ: أرْبَعِينَ دارًا أمامَهُ، وأرْبَعِينَ خَلْفَهُ، وأرْبَعِينَ عَنْ يَمِينِهِ، وأرْبَعِينَ عَنْ يَسارِهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وقِيلَ: أرْبَعِينَ ذِراعًا، ويَبْدَأُ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ؛ فَعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: «قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ لِي جارَيْنِ فَإلى أيِّهِما أُهْدِي؟

قالَ: إلى أقْرَبِهِما مِنكِ بابًا»» وقُرِئَ: (والجارَ ذا القُرْبى) بِالنَّصْبِ، أيْ وأخُصُّ الجارَ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ حَقِّ الجارِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلى جارِهِ»» وفِيما سَمِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ كِفايَةٌ، وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وأحْمَدُ، مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ وهو الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، أوِ المُنْقَطِعُ إلَيْكَ يَرْجُو نَفْعَكَ ورِفْدَكَ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: الرَّفِيقُ في أمْرٍ حَسَنٍ، كَتَعَلُّمٍ، وتَصَرُّفٍ، وصِناعَةٍ، وسَفَرٍ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ مَن قَعَدَ بِجَنْبِكَ في مَسْجِدٍ أوْ مَجْلِسٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، مِن أدْنى صُحْبَةٍ التَأمَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، واسْتَحْسَنَ جَماعَةٌ هَذا القِيلَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «الصّاحِبُ بِالجَنْبِ المَرْأةُ» والجارُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الصّاحِبِ، والعامِلُ فِيهِ الفِعْلُ المُقَدَّرُ ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ وهو المُسافِرُ أوِ الضَّيْفُ.

﴿ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مِن عَبِيدِكم وإمائِكُمْ، وكانَ كَثِيرًا ما يُوصِي بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عامَّةُ وصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حِينَ حَضَرَهُ المَوْتُ: «الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ» حَتّى جَعَلَ يُغَرْغِرُها في صَدْرِهِ، وما يَفِيضُ بِها لِسانُهُ،» ثُمَّ الإحْسانُ إلى هَؤُلاءِ الأصْنافِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، حَسْبَما يَلِيقُ بِكُلٍّ ويَنْبَغِي.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا ﴾ أيْ: ذا خُيَلاءَ وكِبْرٍ، يَأْنَفُ مَن أُقارِبِهِ وجِيرانِهِ مَثَلًا، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ ﴿ فَخُورًا ﴾ يَعُدُّ مَناقِبَهُ عَلَيْهِمْ؛ تَطاوُلًا وتَعاظُمًا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «(إنَّ اللَّهَ) إلَخْ، فَذَكَرَ الكِبْرَ وعَظَّمَهُ، فَبَكى ثابِتٌ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : ما يُبْكِيكَ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَأُحِبُّ الجَمالَ، حَتّى إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أنْ يَحْسُنَ شِراكُ نَعْلِي، قالَ: فَأنْتَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، إنَّهُ لَيْسَ بِالكِبْرِ أنْ تُحَسِّنَ راحِلَتَكَ ورَحْلَكَ، ولَكِنَّ الكِبْرَ مَن سَفَّهَ الحَقَّ وغَمَصَ النّاسَ»» والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ٣٧

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ فِيهِ أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (مَن) بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ وُقُوعَ المَوْصُولِ مَوْصُوفًا، والزَّجّاجُ يَقُولُ بِهِ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الذَّمِّ.

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَيْهِ.

الخامِسُ: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ الَّذِينَ.

السّادِسُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ مَبْغُوضُونَ، أوْ أحِقّاءُ بِكُلِّ مَلامَةٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُؤْخَذُ مِنَ السِّياقِ، وإنَّما حُذِفَ لَتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، وتَقْدِيرُهُ بَعْدَ تَمامِ الصِّلَةِ أُولى.

السّابِعُ: أنْ يَكُونَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - مُبْتَدَأً، (والَّذِينَ) الآتِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، والخَبَرُ (إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ) عَلى مَعْنى: لا يَظْلِمُهُمْ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

وفَرَّقَ الطِّيبِيُّ بَيْنَ كَوْنِهِ خَبَرًا ومُبْتَدَأً بِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ هَذا مِن جِنْسِ أوْصافِهِمُ الَّتِي عُرِفُوا بِها، وعَلى الثّانِي مُنْقَطِعٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أحْوالِهِمْ، وذُكِرَ أنَّ الوَجْهَ الِاتِّصالُ وأطالَ الكَلامَ عَلَيْهِ.

وفِي البُخْلِ أرْبَعُ لُغاتٍ: فَتْحُ الخاءِ والباءِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.

وضَمُّهُما، وبِها قَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ.

وفَتْحُ الباءِ وسُكُونُ الخاءِ، وبِها قَرَأ قَتادَةُ.

وضَمُّ الباءِ وسُكُونُ الخاءِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ.

﴿ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ: مِنَ المالِ والغِنى، أوْ مِن نُعُوتِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ أيْ: أعْدَدْنا لَهم ذَلِكَ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ إشْعارًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ فَهو كافِرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ومَن كانَ كافِرًا لِنِعَمِهِ فَلَهُ عَذابٌ يُهِينُهُ، كَما أهانَ النِّعَمَ بِالبُخْلِ والإخْفاءِ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكُفْرِ عَلى ظاهِرِهِ، وذُكِرَ ضَمِيرُ التَّعْظِيمِ لِلتَّهْوِيلِ؛ لِأنَّ عَذابَ العَظِيمِ عَظِيمٌ، وغَضَبَ الحَلِيمِ وخِيمٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها.

وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ كَرَدْمُ بْنُ زَيْدٍ حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ، وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وحُيَيُّ بْنِ أخْطَبَ، ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَتَنَصَّحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ؛ فَإنَّكم لا تُدْرِكُونَ ما يَكُونُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ .

وقِيلَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ  ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وآخَرُونَ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «هم أعْداءُ اللَّهِ تَعالى أهْلُ الكِتابِ، بَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وكَتَمُوا الإسْلامَ ومُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ».

والبُخْلُ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ ظاهِرٌ في البُخْلِ بِالمالِ، وبِهِ صَرَّحَ ابْنُ جُبَيْرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي الرِّوايَةِ الأُخْرى أنَّهُ البُخْلُ بِالعِلْمِ، وأمْرُهُمُ النّاسَ أيْ: أتْباعَهم بِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الآمِرِينَ بِذَلِكَ؛ لِعِلْمِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُۥ قَرِينًۭا فَسَآءَ قَرِينًۭا ٣٨

﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ﴾ أيْ: لِلْفَخارِ، ولِما يُقالُ، لا لِوَجْهِ اللَّهِ العَظِيمِ المُتَعالِ، والمَوْصُولُ عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ، أوْ عَلى الكافِرِينَ، وإنَّما شارَكُوهم في الذَّمِّ والوَعِيدِ؛ لِأنَّ البُخْلَ والسَّرَفَ الَّذِي هو الإنْفاقُ لا عَلى ما يَنْبَغِي مِن حَيْثُ أنَّهُما طَرَفا إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ سَواءٌ في الشَّناعَةِ واسْتِجْلابِ الذَّمِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ قَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الآتِي.

و(رِئاءَ) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُنْفِقُونَ) وإضافَتُهُ إلى (النّاسَ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ، أيْ: مُرائِينَ النّاسَ.

﴿ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ القادِرِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ ﴿ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ الَّذِي يُثابُ فِيهِ المُطِيعُ، ويُعاقَبُ العاصِي، لِيَقْصِدُوا بِالإنْفاقِ ما تُورِقُ بِهِ أغْصانُهُ، ويُجْتَنى مِنهُ ثَمَرُهُ، وهُمُ اليَهُودُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، أوْ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوِ المُنافِقُونَ، كَما قِيلَ.

﴿ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ ﴾ والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ وأعْوانُهُ الدّاخِلَةُ والخارِجَةُ مِن قَبِيلَتِهِ، والنّاسِ التّابِعِينَ لَهُ، أوْ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ والهَوى، وصُحْبَةِ الأشْرارِ، أوْ مِنَ النَّفْسِ والقُوى الحَيَوانِيَّةِ، وشَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿ لَهُ قَرِينًا ﴾ أيْ صاحِبًا وخَلِيلًا في الدُّنْيا ﴿ فَساءَ ﴾ فَبِئْسَ الشَّيْطانُ أوِ القَرِينُ.

﴿ قَرِينًا ﴾ لِأنَّهُ يَدْعُوهُ إلى المَعْصِيَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ، و(ساءَ) مَنقُولَةٌ إلى بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، فَهي مُلْحَقَةٌ بِالجامِدَةِ، فَلِذا قُرِنَتْ بِالفاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها، بِتَقْدِيرِ (قَدْ) كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ ﴾ والغَرَضُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ قَرِينُهُمْ، فَحَمَلَهم عَلى ذَلِكَ وزَيَّنَهُ لَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِأنْ يُقْرَنَ بِهِمُ الشَّيْطانُ يَوْمَ القِيامَةِ في النّارِ، فَيَتَلاعَنانِ ويَتَباغَضانِ، وتَقُومُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ساقٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ٣٩

﴿ وماذا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: ما الَّذِي عَلَيْهِمْ، أوْ أيُّ وبالٍ وضَرَرٍ يَحِيقُ بِهِمْ.

﴿ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا ﴾ عَلى مَن ذُكِرَ مِنَ الطَّوائِفِ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ تَعالى، كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ ويُفْهِمُهُ الكَلامُ ﴿ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ مِنَ الأمْوالِ، ولَيْسَ المُرادُ السُّؤالَ عَنِ الضَّرَرِ المُتَرَتِّبِ عَلى الإيمانِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، كَما هو الظّاهِرُ، إذْ لا ضَرَرَ في ذَلِكَ لِيُسْألَ عَنْهُ، بَلِ المُرادُ تَوْبِيخُهم عَلى الجَهْلِ بِمَكانِ المَنفَعَةِ والِاعْتِقادِ في الشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وتَحْرِيضُهم عَلى صَرْفِ الفِكْرِ لِتَحْصِيلِ الجَوابِ، لَعَلَّهُ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى العِلْمِ بِما في ذَلِكَ مِمّا هو أجْدى مِن تَفارِيقِ العَصا، وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّ المَدْعُوَّ إلى أمْرٍ لا ضَرَرَ فِيهِ يَنْبَغِي أنْ يُجِيبَ احْتِياطًا، فَكَيْفَ إذا تَدَفَّقَتْ مِنهُ المَنافِعُ؟!

وهَذا أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ، كَثِيرًا ما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في كَلامِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ورُبَّما مَنَّ الفَتى وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ وفِي الكَلامِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ؛ إذْ لا يُقالُ مِثْلَ ذَلِكَ لِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تَأْثِيرَ أصْلًا في الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ لِلْأعْمى: ماذا عَلَيْكَ لَوْ كُنْتَ بَصِيرًا، ولِلْقَصِيرِ: ماذا عَلَيْكَ لَوْ كُنْتَ طَوِيلًا؟

نُسِبَ إلى ما يَكْرَهُ.

واسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِجَوازِ إيمانِ المُقَلِّدِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِدْلالُ واجِبًا لَكانَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الإشْعارِ بِأنَّ الصُّعُوبَةَ في التَّفاصِيلِ، ولَيْسَتْ واجِبَةً، وأمّا الدَّلائِلُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَسَهْلَةٌ، وهي الواجِبَةُ، و(لَوْ) إمّا عَلى بابِها، والكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، أيْ: لَوْ آمَنُوا لَمْ يَضُرَّهُمْ، وإمّا بِمَعْنى أنِ المَصْدَرِيَّةِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا اسْتِئْنافَ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ حَصَلَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ ونَحْوُهُ، وإنَّما قُدِّمَ الإيمانُ ها هُنا وأُخِّرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ لِأنَّهُ ثَمَّةَ ذِكْرٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ مِن وُقُوعِ مَصارِفِهِمْ في دُنْياهم في غَيْرِ مَحَلِّها، وهُنا لِلتَّحْرِيضِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَبْدَأ فِيهِ بِالأهَمِّ فالأهَمِّ، ولَوْ قِيلَ: أُخِّرَ الإيمانُ هُناكَ وقُدِّمَ الإنْفاقُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ كانَ بِمَعْنى الإسْرافِ الَّذِي هو عَدِيلُ البُخْلِ فَأُخِرَّ الإيمانُ؛ لِئَلّا يَكُونَ فاصِلًا بَيْنَ العَدِيلَيْنِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ، لا سِيَّما إذا قُلْنا بِالعَطْفِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما أخْفَوْهُ في أنْفُسِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ بِهِ، وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى إثابَتِهِ تَعالى إيّاهم لَوْ كانُوا آمَنُوا وأنْفَقُوا، ولا بَأْسَ بِأنْ يُرادَ (كانَ عَلِيمًا بِهِمْ) وبِأحْوالِهِمُ المُحَقَّقَةِ والمَفْرُوضَةِ، فَيُعاقِبُ عَلى الأُولى ويُثِيبُ عَلى الثّانِيَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٤٠

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، ويُطْلَقُ عَلى المِقْدارِ المَعْلُومِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ - كَما قِيلَ - جاهِلِيَّةً وإسْلامًا، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، وعَلى مُطْلَقِ المِقْدارِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا قالَ السُّدِّيُّ: أيْ: وزْنَ ذَرَّةٍ، وهي النَّمْلَةُ الحَمْراءُ الصَّغِيرَةُ، الَّتِي لا تَكادُ تُرى.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وعَنِ الأوَّلِ أنَّها رَأْسُ النَّمْلَةِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ، وقِيلَ: هي الخَرْدَلَةُ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ: (مِثْقالَ نَمْلَةٍ).

ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ الذَّرَّةَ لِقَصْرِ الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأنَّها أقَلُّ شَيْءٍ مِمّا يَدْخُلُ في وهْمِ البَشَرِ، أوْ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الوَصْفِ بِالقِلَّةِ، ولَمْ يُعَبِّرْ سُبْحانَهُ بِالمِقْدارِ ونَحْوِهِ بَلْ عَبَّرَ بِالمِثْقالِ لِلْإشارَةِ بِما يُفْهَمُ مِنهُ مِنَ الثِّقَلِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَثْرَةِ والعَظْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ إلّا أنَّهُ وإنْ كانَ حَقِيرًا فَهُوَ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ عَظِيمٌ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كالمَفْعُولِ، أيْ ظُلْمًا قُدِّرَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وصِفَتُهُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُما، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَظْلِمُ) أيْ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أوْ لا يَظْلِمُهم مِثْقالَ ذَرَّةٍ.

قالَ السَّمِينُ: وكَأنَّهم ضَمَّنُوا (يَظْلِمُ) مَعْنى يَغْصِبُ أوْ يُنْقِصُ، فَعَدُّوهُ لِاثْنَيْنِ.

وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُخْتَصِّ بِهِ، إمّا بِنُقْصانٍ أوْ بِزِيادَةٍ أوْ بِعُدُولٍ عَنْ وقْتِهِ أوْ مَكانِهِ، وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَقْصَ الثَّوابِ وزِيادَةَ العِقابِ لا يَقَعانِ مِنهُ تَعالى أصْلًا، وفي ذَلِكَ حَثٌّ عَلى الإيمانِ والإنْفاقِ، بَلْ إرْشادٌ إلى أنَّ كُلَّ ما أمَرَ بِهِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ، وكُلَّ ما نَهى عَنْهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُجْتَنَبَ.

واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الظُّلْمَ مُمْكِنٌ في حَدِّ ذاتِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُهُ لِاسْتِحالَتِهِ في الحِكْمَةِ لا لِاسْتِحالَتِهِ في القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مَدَحَ نَفْسَهُ بِتَرْكِهِ، ولا مَدْحَ بِتَرْكِ القَبِيحِ ما لَمْ يَكُنْ عَنْ قُدْرَةٍ، ألا تَرى أنَّ العِنِّينَ لا يُمْدَحُ بِتَرْكِ الزِّنا، واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ فَإنَّهُ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ، مَعَ أنَّ النَّوْمَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، قالَ في الكَشْفِ: وهو غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ مَدْحٌ بِانْتِفاءِ النَّقْصِ عَنْ ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، وهو كَما تَقُولُ: البارِي عَزَّ وعَلا لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ، وأمّا ما نَحْنُ فِيهِ فَمَدْحٌ بِتَرْكِ الفِعْلِ، والتَّرْكُ المَمْدُوحُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بِالِاخْتِيارِ، نَعَمْ: لِلْمانِعِ أنْ لا يُسَلِّمَ أنَّهُ تَعالى مُدِحَ بِالتَّرْكِ، بَلْ مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى النَّقْصِ؛ لِأنَّ وُجُوبَ الوُجُودِ يُنافِي جَوازَ الِاتِّصافِ بِالظُّلْمِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ أنَّ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الحَقِيقِ بِهِ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، وقُدْرَةُ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ تَسَعُ جَمِيعَ المُمْكَناتِ، لَكِنَّ الحِكْمَةَ - وهي الإتْيانُ بِالمُمْكِنِ عَلى وجْهِ الإحْكامِ وعَلى ما يَنْبَغِي - مانِعَةٌ، وعَلى هَذا قالُوا: الحَكِيمُ لا يَفْعَلُ إلّا الحَسَنَ مِن بَيْنِ المُمْكَناتِ، إلّا إذا دَعَتْهُ حاجَةٌ، والمُنَزَّهُ عَنِ الحاجاتِ جَمْعٍ يَتَعالى عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لا يُنْقِصُ مِنَ الأجْرِ ولا يَزِيدُ في العِقابِ أيْضًا بِناءً عَلى وعْدِهِ المَحْتُومِ، فَإنَّ الحِلْفَ فِيهِ مُمْتَنِعٌ لِكَوْنِهِ نَقْصًا مُنافِيًا لِلْأُلُوهِيَّةِ وكَمالَ الغِنى، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يُسَمّى ظُلْمًا، وإنْ كانَ لا يُتَصَوَّرُ - حَقِيقَةً - الظُّلْمُ مِنهُ تَعالى؛ لِكَوْنِهِ المالِكَ عَلى الإطْلاقِ، فالزِّيادَةُ والنَّقْصُ مُمْكِنانِ لِذاتِهِما، والخُلْفُ مُمْتَنِعٌ لِذاتِهِ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الخُلْفِ مُمْتَنِعًا لِذاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الواجِبِ، تَعالى وتَقَدَّسَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ كَذَلِكَ، وهَذا عَلى نَحْوِ ما تَقَرَّرَ في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُمْتَنِعِ أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عَدَمِ إيمانِ المُصِرِّ ووُجُوبِ الصِّدْقِ اللّازِمِ لَهُ لا يُخْرِجُ الفِعْلَ عَنْ كَوْنِهِ مَقْدُورَ المُكَلَّفِ، بَلْ يُحَقِّقُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، فَلْيُحْفَظْ؛ فَإنَّهُ مُهِمٌّ.

﴿ وإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في الفِعْلِ النّاقِصِ عائِدٌ إلى المِثْقالِ، وإنَّما أُنِّثَ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى (وإنْ تَكُنْ زِنَةُ ذَرَّةٍ حَسَنَةً) وقِيلَ: لِأنَّ المُضافَ قَدْ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ جُزْأهُ، نَحْوُ: كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أوْ صِفَةٌ لَهُ، نَحْوُ: (لا تَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها) في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، ومِقْدارُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ، كَما أنَّ الإيمانَ صِفَةٌ لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: أُنِّثَ الضَّمِيرُ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْنِيثَ الخَبَرِ إنَّما يَكُونُ لِمُطابَقَةِ تَأْنِيثِ المُبْتَدَأِ، فَلَوْ كانَ تَأْنِيثُ المُبْتَدَأِ لَهُ لَزِمَ الدَّوْرُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مَقْصُودًا وصْفِيَّتُهُ، والحَسَنَةُ غَلَبَتْ عَلَيْها الِاسْمِيَّةُ، فَأُلْحِقَتْ بِالجَوامِدِ الَّتِي لا تُراعى فِيها المُطابَقَةُ، نَحْوُ: الكَلامُ هو الجُمْلَةُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُضافِ إلَيْهِ، وهو مُؤَنَّثٌ بِلا خَفاءٍ، وحُذِفَتِ النُّونُ مِن آخِرِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قِياسٍ تَشْبِيهًا لَها بِحُرُوفِ العِلَّةِ مِن حَيْثُ الغُنَّةُ والسُّكُونُ وكَوْنُها مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ، وكانَ القِياسُ عَوْدَ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بَعْدَ حَذْفِ النُّونِ، إلّا أنَّهم خالَفُوا القِياسَ في ذَلِكَ أيْضًا حِرْصًا عَلى التَّخْفِيفِ فِيما كَثُرَ دَوْرُهُ، وقَدْ أجازَ يُونُسُ حَذْفَ النُّونِ مِن هَذا الفِعْلِ أيْضًا في مِثْلِ قَوْلِهِ: فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةُ أبْدَتْ وسامَةً فَقَدْ أبْدَتِ المِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ وسِيبَوَيْهِ يَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (تَكُ) تامَّةً، أيْ: وإنْ تُوجَدْ أوْ تَقَعْ (حَسَنَةٌ) (يُضاعِفْها) أضْعافًا كَثِيرَةً، حَتّى يُوصِلَها - كَما مَرَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - إلى ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ، وعَنى التَّكْثِيرَ لا التَّحْدِيدَ، والمُرادُ: يُضاعِفُ ثَوابَها؛ لِأنَّ مُضاعِفَةَ نَفْسِ الحَسَنَةِ بِأنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ الواحِدَةَ صَلاتَيْنِ مَثَلًا مِمّا لا يُعْقَلُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وما في الحَدِيثِ مِن أنَّ تَمْرَةَ الصَّدَقَةِ يُرَبِّيها الرَّحْمَنُ حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ مَحْمُولٌ عَلى هَذا؛ لِلْقَطْعِ بِأنَّها أُكِلَتْ، واحْتِمالُ إعادَةِ المَعْدُومِ بَعِيدٌ، وكَذا كِتابَةُ ثَوابِها مُضاعَفًا، وهَذِهِ المُضاعَفَةُ لَيْسَتْ هي المُضاعَفَةُ في المُدَّةِ عِنْدَ الإمامِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وتَضْعِيفُ غَيْرِ المُتَناهِي مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُضَعِّفُهُ بِحَسَبِ المِقْدارِ، مَثَلًا يَسْتَحِقُّ عَلى طاعَتِهِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ مِنَ الثَّوابِ فَيَجْعَلُهُ عِشْرِينَ جُزْءًا أوْ ثَلاثِينَ أوْ أزْيَدَ.

وقِيلَ: هي المُضاعَفَةُ بِحَسَبِ المُدَّةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَقْطَعُ ثَوابَ الحَسَنَةِ في المُدَدِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، لا أنَّهُ يُضاعِفُ جَلَّ شَأْنُهُ مُدَّتَها، لِيَجِيءَ حَدِيثُ مُحالِيَّةِ تَضْعِيفِ ما لا نِهايَةَ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ عَلى هَذا عَطْفًا لِبَيانِ الأجْرِ المُتَفَضَّلِ بِهِ، وهو الزِّيادَةُ في المِقْدارِ إثْرَ بَيانِ الأجْرِ المُسْتَحَقِّ، وهو إعْطاءُ مِثْلِهِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلى أبَدِ الدَّهْرِ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ أجْرًا مِن مَجازِ المُجاوِرَةِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأجْرِ، مَزِيدٌ عَلَيْهِ.

وعَلى الأوَّلِ جَعَلَهُ البَعْضُ وارِدًا عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ عَلى مَعْنى: يُضاعِفُ ثَوابَ تِلْكَ الحَسَنَةِ بِإعْطاءِ الزّائِدِ عَلَيْهِ مِن فَضْلِهِ، وزَعَمُوا أنَّ القَوْلَ بِالأجْرِ المُسْتَحَقِّ مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ، ولا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ يَقُولُونَ بِالِاسْتِحْقاقِ أيْضًا، لَكِنْ بِمُقْتَضى الوَعْدِ الَّذِي لا يُخْلَفُ، وبِهِ يَكُونُ الأجْرُ المَوْعُودُ بِهِ كَأنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ، كَما أنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ أيْضًا بِمُقْتَضى الكَرَمِ، كَما قِيلَ: وعْدُ الكَرِيمِ دَيْنٌ، نَعَمْ، حَمْلُ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والدّاعِي إلَيْهِ عَدَمُ التَّكْرارِ، وقالَ الإمامُ أيْضًا: إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ يَكُونُ مِن جِنْسِ اللَّذّاتِ المَوْعُودِ بِها في الجَنَّةِ، وأمّا هَذا الأجْرُ العَظِيمُ الَّذِي يُؤْتِيهِ مِن لَدُنْهُ فَهو اللَّذَّةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ والِاسْتِغْراقِ في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ.

وبِالجُمْلَةِ، فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، وهَذا الأجْرُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ و(لَدُنْ) بِمَعْنى عِنْدَ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْضُهم بِأنَّ (مِن لَدُنْ) أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى القُرْبِ، ولِذا لا يُقالُ: لَدَيَّ مالٌ إلّا وهو حاضِرٌ، بِخِلافِ (عِنْدَ) وتَقُولُ: هَذا القَوْلُ عِنْدِي صَوابٌ، ولا تَقُولُ: لَدَيَّ ولَدُنِّي، كَما قالَهُ الزَّجّاجُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ شاعَ اسْتِعْمالُ (لَدُنْ) في غَيْرِ المَكانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن لَدُنّا عِلْمًا ﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَخْرُجَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مَخْرَجَ الغالِبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: (يُضَعِّفْها) بِتَضْعِيفِ العَيْنِ وتَشْدِيدِها، والمُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ والفارِسِيِّ أنَّهُما بِمَعْنًى، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (ضاعَفَ) يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً، و(ضَعَّفَ) يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّهُ عَكْسُ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ المُضاعَفَةَ تَقْتَضِي زِيادَةَ الثَّوابِ، فَإذا شُدِّدَتْ دَلَّتِ البِنْيَةُ عَلى التَّكْثِيرِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ المُضاعَفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ما يَنْفَعُكَ، فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا ٤١

﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ الفاءُ فَصَيْحَةٌ، و(كَيْفَ) مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وإمّا النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى التَّشْبِيهِ بِالحالِ، كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ، والعامِلُ بِالظَّرْفِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ أوِ الفِعْلِ المُصَدَّرِ، كَما قَرَّرَهُ صاحِبُ (الدُّرِّ المَصُونِ) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، أيْ: إذا كانَ كُلُّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ يُجازِي عَلَيْهِ، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ؟

أوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟

أوْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جِئْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ وطائِفَةٍ مِنَ الطَّوائِفِ بِشَهِيدٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن فَسائِدِ العَقائِدِ وقَبائِحِ الأعْمالِ، وهو نَبِيُّهُمْ، ﴿ وجِئْنا بِكَ ﴾ يا خاتَمَ الأنْبِياءِ ﴿ عَلى هَؤُلاءِ ﴾ إشارَةٌ إلى الشُّهَداءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ ﴿ شَهِيدًا ﴾ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِمْ لِعِلْمِكَ بِما أُرْسِلُوا واسْتِجْماعِ شَرْعِكَ مَجامِعَ ما فَرَّعُوا وأصَّلُوا، وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ المُسْتَفْهَمِ عَنْ حالِهِمْ، يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ؛ تَقْوِيَةً لِشَهادَةِ أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أوْ كَما يَشْهَدُونَ عَلى أُمَمِهِمْ، وقِيلَ: إلى المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ ومَتى أُقْحِمَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ في الكَلامِ وأُدْخِلَتْ (عَلى) عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ لِتَضْمِينِ الشَّهادَةِ مَعْنى التَّسْجِيلِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُمْ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟!

قالَ: نَعَمْ، إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ، حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ إلَخْ فَقالَ: حَسْبُكَ الآنَ، فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ»» فَإذا كانَ هَذا الشّاهِدُ تَفِيضُ عَيْناهُ لِهَوْلِ هَذِهِ المَقالَةِ، وعِظَمِ تِلْكَ الحالَةِ، فَماذا لَعَمْرِي يَصْنَعُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؟!

وكَأنَّهُ بِالقِيامَةِ وقَدْ أناخَتْ لَدَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا ٤٢

﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ إلى شِدَّتِها وفَظاعَتِها، وتَنْوِينُ (إذٍ) عِوَضٌ - عَلى الصَّحِيحِ - عَنِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وقِيلَ: عَنِ الأُولى، وقِيلَ: عَنِ الأخِيرَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَوَدُّ) وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِشَهِيدٍ) وجُمْلَةُ (يَوَدُّ) صِفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيهِ بِعِيدٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ ما اعْتَراهم مِنَ الحالِ الفَظِيعَةِ والأمْرِ الهائِلِ، وإيرادُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَشْرِيفِهِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ مُكَذِّبِيهِ، وإمّا جِنْسُ الكَفَرَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ (الرَّسُولَ) الجِنْسُ أيْضًا، ويُزِيدُ شَرَفَهُ انْتِظامُهُ لِلنَّبِيِّ  انْتِظامًا أوَّلِيًّا، و(عَصَوْا) مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمُرادُ عِصْيانُهم بِما سِوى الكُفْرِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطِبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (كَفَرُوا) وقَدْ مُرادَةٌ، وقِيلَ: صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ آخَرَ، أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا، فالإخْبارُ عَنْ نَوْعَيْنِ: الكَفَرَةِ والعُصاةِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إضْمارَ المَوْصُولِ كالفِراءِ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ، أيْ: يَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَزِيدِ شِدَّتِهِ ومُضاعَفِ هَوْلِهِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ في الدُّنْيا.

﴿ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ إمّا مَفْعُولُ (يَوَدُّ) عَلى أنَّ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا وتُسَوّى الأرْضُ مُلْتَبِسَةً بِهِمْ، أوْ تُسَوّى عَلَيْهِمْ كالمَوْتى، وقِيلَ: يَوَدُّونَ أنَّهم بَقُوا تُرابًا عَلى أصْلِهِمْ مِن غَيْرِ خَلْقٍ، وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا هم والأرْضُ سَواءً، وقِيلَ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: يَوَدُّونَ أنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَمْعِ يَطَئُونَهم بِأقْدامِهِمْ كَما يَطَئُونَ الأرْضَ، وقِيلَ: يَوَدُّونَ لَوْ يُعَدَّلُ بِهِمُ الأرْضَ، أيْ يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فَدِيَةً، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنْ (لَوْ) عَلى بابِها، ومَفْعُولُ (يَوَدُّ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ، وكَذا جَوابُ (لَوْ) إيذانًا بِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ (لَوْ تُسَوّى) لَسُرُّوا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ (تَسَوّى) عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَسَوّى) فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَسَوّى) بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ مَعَ الإمالَةِ، يُقالُ: سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى.

﴿ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ عَطْفٌ عَلى (يَوَدُّ) أيْ أنَّهم يَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَدِيثًا؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الكِتْمانِ، حَيْثُ إنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما صَنَعُوا، أوْ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِمْ، بَلْ يَعْتَرِفُونَ بِها، فَيُدْخَلُونَ النّارَ بِاعْتِرافِهِمْ، وإنَّما لا يَكْتُمُونَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الكِتْمانُ، وإنَّما يَقُولُونَ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ في بَعْضِ المَواطِنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وهم لا يَكْتُمُونَ مِنهُ تَعالى حَدِيثًا، ولا يَكْذِبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ إذْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهُمْ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ (تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ).

وجَعْلُها لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها مَعْطُوفٌ عَلى (تُسَوّى) عَلى مَعْنى: يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ وأنَّهم لا يَكُونُونَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  وبَعْثَهُ في الدُّنْيا، كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، بَعِيدٌ جِدًّا، وأقْرَبُ مِنهُ العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ (يَوَدُّ) عَلى مَعْنى يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ وانْتِفاءِ كِتْمانِهِمْ إذْ قالُوا ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ .

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بِأنْ يُكاشِفَكم بِأسْرارِهِ المُودَعَةِ فِيكم أثْناءَ السَّيْرِ إلَيْهِ، ﴿ ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ: مَقاماتِهِمْ وحالاتِهِمْ ورِياضاتِهِمْ، وأشارَ إلى الواصِلِينَ إلَيْهِ قَبْلَ المُخاطِبِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِالسُّنَنِ إلى التَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ والرِّضا بِالمَقْدُورِ، فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةُ الصِّدِّيقِينَ ونَشْنَشَةُ الواصِلِينَ ﴿ ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِن ذَنْبِ وجُودِكم حِينَ يُفْنِيكم فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّبْيِينُ إشارَةً إلى الإيصالِ إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والهِدايَةُ إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والتَّوْبَةُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِمَراتِبِ اسْتِعْدادِكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ومِن حِكْمَتِهِ أنْ يُفِيضَ عَلَيْكم حَسَبَ قابِلِيّاتِكم واللَّهِ ﴿ واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ تَكْرارٌ لِما تَقَدَّمَ إيذانًا بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ غايَةُ المَراتِبِ ﴿ ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ﴾ أيِ اللَّذائِذَ الفانِيَةَ الحاجِبَةَ عَنِ الوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ ﴿ أنْ تَمِيلُوا ﴾ إلى السِّوى ﴿ مَيْلا عَظِيمًا ﴾ لِتَكُوِنُوا مِثْلَهم ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ أثْقالَ العُبُودِيَّةِ في مَقامِ المُشاهِدَةِ، أوْ أثْقالَ النَّفْسِ بِفَتْحِ بابِ الِاسْتِلْذاذِ بِالعِبادَةِ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلَيْها ﴿ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ عَنْ حَمْلِ وارِداتِ الغَيْبِ وسَطَواتِ المُشاهَدَةِ، فَلا يَسْتَطِيعُ حَمْلَ ذَلِكَ إلّا بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ، أوْ ضَعِيفًا لا يُطِيقُ الحِجابَ عَنْ مَحْبُوبِهِ لَحْظَةً، ولا يَصْبِرُ عَنْ مَطْلُوبِهِ ساعَةً؛ لِكَمالِ شَوْقِهِ ومَزِيدِ غَرامِهِ.

والصَّبْرُ يُحْمَدُ في المَواطِنِ كُلِّها إلّا عَلَيْكَ فَإنَّهُ مَذْمُومُ وكانَ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ يَقُولُ: إلَهِي لا مَعَكَ قَرارٌ، ولا مِنكَ فِرارٌ، المُسْتَغاثُ بِكَ إلَيْكَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ لا تَأْكُلُوا ﴾ أيْ تَذْهَبُوا ﴿ أمْوالَكُمْ ﴾ وهو ما حَصَلَ لَكم مِن عالَمِ الغَيْبِ بِالكَسْبِ الِاسْتِعْدادِيِّ ﴿ بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ بِأنْ تُنْفِقُوا عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وتُودِعُوهُ غَيْرَ أهْلِهِ ﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ تَصَرُّفًا صادِرًا ﴿ عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ ﴾ واسْتِحْسانٍ، أُلْقِيَ مِن عالَمِ الإلْهامِ إلَيْكُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُباحٌ لَكم ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ بِالغَفْلَةِ عَنْها، فَإنَّ مَن غَفَلَ عَنْها غَفَلَ عَنْ رَبِّهِ، ومَن غَفَلَ عَنْ رَبِّهِ فَقَدْ هَلَكَ، أوْ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ، أيْ: أرْواحَكُمُ القُدْسِيَّةَ بِمُباشَرَتِكم ما لا يَلِيقُ، فَإنَّ مُباشَرَةَ ما لا يَلِيقُ يَمْنَعُ الرُّوحَ مِن طَيَرانِها في عالَمِ المُشاهِداتِ، ويَحْجُبُ عَنْها أنْوارَ المُكاشَفاتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ ﴾ في أزَلِ الآزالِ ﴿ بِكم رَحِيمًا ﴾ فَلِذا أرْشَدَكم إلى ما أرْشَدَكم ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وهي عِنْدُ العارِفِينَ رُؤْيَةُ العُبُودِيَّةِ في مَشْهَدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الأعْواضِ في الخِدْمَةِ، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى السِّوى مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى، والسُّكُونُ في مَقامِ الكَراماتِ، ودَعْوى المَقاماتِ السّامِيَةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها.

وأكْبَرُ الكَبائِرِ إثْباتُ وُجُودٍ غَيْرِ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ أيْ: نَمْحُ عَنْكم تَلَوُّناتِكم بِظُهُورِ نُورِ التَّوْحِيدِ ﴿ ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾ وهي حَضْرَةُ عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ مِنَ الكَمالاتِ التّابِعَةِ لِلِاسْتِعْداداتِ؛ فَإنَّ حُصُولَ كَمالِ شَخْصٍ لِآخَرَ مُحالٌ إذا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالتَّمَنِّي ﴿ لِلرِّجالِ ﴾ وهُمُ الأفْرادُ الواصِلُونَ ﴿ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ﴾ بِنُورِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ ولِلنِّساءِ ﴾ وهُمُ النّاقِصُونَ القاصِرُونَ ﴿ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْكم ما تَقْتَضِيهِ قابِلِيّاتُكم ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ فَيُعْطِيكم ما يَلِيقُ بِكم ﴿ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ أيْ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِنَ الِاسْتِعْدادِ، يَرِثُونَ بِهِ مِمّا تَرَكَهُ والِداهُمْ، وهُما الرُّوحُ والقَلْبُ، والأقْرَبُونَ وهُمُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ وهُمُ المُرِيدُونَ ﴿ فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ مِنَ الفَيْضِ عَلى قَدْرِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ إذْ كَلُّ شَيْءٍ مُظْهِرٌ لِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ.

﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ أيِ الكامِلُونَ شَأْنُهُمُ القِيامُ بِتَدْبِيرِ النّاقِصِينَ، والإنْفاقُ عَلَيْهِمْ مَن فُيُوضاتِهِمْ ﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ بِالِاسْتِعْدادِ ﴿ وبِما أنْفَقُوا ﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ قُواهم أوْ مَعارِفِهِمْ ﴿ فالصّالِحاتُ ﴾ لِلسُّلُوكِ مِنَ النِّساءِ بِالمَعْنى السّابِقِ ﴿ قانِتاتٌ ﴾ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى بِالعِباداتِ القالِبِيَّةِ ﴿ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ أيِ القَلْبِ عَنْ دَنَسِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى العِباداتِ القَلْبِيَّةِ ﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ لَهم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ تَرَفُّعَهُنَّ عَنِ الِانْقِيادِ إلى ما يَنْفَعُهُنَّ ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ بِذِكْرِ أحْوالِ الصّالِحِينَ ومَقاماتِهِمْ؛ فَإنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلى ما يُمْدَحُ لَها غالِبًا ﴿ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ ﴾ أيِ امْنَعُوا دُخُولَ أنْوارِ فُيُوضاتِكم إلى حُجُراتِ قُلُوبِهِنَّ لِيَسْتَوْحِشْنَ، فَرُبَّما يَرْجِعْنَ عَنْ ذَلِكَ التَّرَفُّعِ ﴿ واضْرِبُوهُنَّ ﴾ بِعَصى القَهْرِ إنْ لَمْ يَنْجَعْ ما تَقَدَّمَ فِيهِنَّ ﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ورَجَعْنَ عَنِ التَّرَفُّعِ والأنانِيَّةِ ﴿ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ بِتَكْلِيفِهِنَّ فَوْقَ طاقَتِهِنَّ، وخِلافَ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِنَّ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ ومَعَ هَذا لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا فَوْقَ طاقَتِهِ، وخِلافَ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ أيُّها المُرْشِدُونَ الكُمَّلُ ﴿ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ أيْ بَيْنَ الشَّيْخِ والمُرِيدِ ﴿ فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها ﴾ فابْعَثُوا مُتَوَسِّطَيْنِ مِنَ المَشايِخِ والسّالِكِينَ ﴿ إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ بَيْنِهِما ﴾ وهِمَّةُ الرِّجالِ تَقْلَعُ الجِبالَ.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الرِّجالُ إشارَةً إلى العُقُولِ الكامِلَةِ، والنِّساءُ إشارَةً إلى النُّفُوسِ النّاقِصَةِ، ولا شَكَّ أنَّ العَقْلَ هو القائِمُ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ وإرْشادِها إلى ما يُصْلِحُها، ويُرادُ مِنَ الحَكَمَيْنِ حِينَئِذٍ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ العَقْلِ والنَّفْسِ مِنَ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والفَناءِ فِيهِ ﴿ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ مِمّا تَحْسَبُونَهُ شَيْئًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا وُجُودَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وبِالوالِدَيْنِ ﴾ الرُّوحِ والنَّفْسِ اللَّذَيْنِ تَوَلَّدَ بَيْنَهُما القَلْبُ أحْسِنُوا ﴿ إحْسانًا ﴾ فاسْتَفِيضُوا مِنَ الأوَّلِ وتَوَجَّهُوا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وزَكُّوا الثّانِيَ، وطَهِّرُوا بُرْدَيْهِ ﴿ وبِذِي القُرْبى ﴾ وهم مَن يُناسِبُكم بِالِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ والمُشاكَلَةِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ واليَتامى ﴾ المُسْتَعِدِّينَ المُنْقَطِعِينَ عَنْ نُورِ الأبِ وهو الرُّوحُ بِالِاحْتِجابِ ﴿ والمَساكِينِ ﴾ العامِلِينَ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم مِنَ المَعارِفِ، ولِذا سَكَنُوا عَنِ السَّيْرِ، وهُمُ النّاسِكُونَ ﴿ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ القَرِيبِ مِن مَقامِكَ في السُّلُوكِ ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ البَعِيدِ عَنْ مَقامِكَ ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ الَّذِي هو في عَيْنِ مَقامِكَ ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ أيِ السّالِكِ المُتَغَرِّبِ عَنْ مَأْوى النَّفْسِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى مَقامٍ بَعْدُ ﴿ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ مِنَ المُنْتَمِينَ إلَيْكم بِالمَحَبَّةِ والإرادَةِ، وقِيلَ: (الوالِدَيْنِ) إشارَةٌ إلى المَشايِخِ وإحْسانِ المُرِيدِ إلَيْهِمْ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ إلَيْهِمْ، وامْتِثالِ أوامِرِهِمْ، فَإنَّهم أطِبّاءُ القُلُوبِ، وهم أعْرَفُ بِالدّاءِ والدَّواءِ، ولا يُداوُونَ إلّا بِما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، وإنْ خَفِيَ عَلى المُرِيدِ وجْهُهُ.

ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أمَرَنِي رَبِّي أمَرًا وأمَرَنِي السِّرِّيُّ أمْرًا فَقَدَّمْتُ أمْرَ السِّرِّيِّ عَلى أمْرِ رَبِّي، وكُلُّ ما وجَدْتُ فَهو مِن بَرَكاتِهِ، وأوَّلَ ”الجارِ ذِي القُرْبى“ بِالرُّوحِ النّاطِقَةِ العارِفَةِ العاشِقَةِ المَلَكُوتِيَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ العَدَمِ بِتَجَلِّي القِدَمِ، وانْقَدَحَتْ مِن نُورِ الأزَلِ، وهي أقْرَبُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي جارُ اللَّهِ تَعالى المَصْبُوغَةُ بِنُورِهِ، والإحْسانُ إلَيْها أنْ تُطْلِقَها مِن فِتْنَةِ الطَّبِيعَةِ، وتُقَدِّسَ مَسْكَنَها مِن حُظُوظِ البَشَرِيَّةِ لِتَطِيرَ بِجَناحِ المَعْرِفَةِ والشَّوْقِ إلى عالَمِ المُشاهِدَةِ ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ بِالصُّورَةِ الحامِلَةِ لِلرُّوحِ، والإحْسانُ إلَيْها أنْ تَفْطِمَ جَوارِحَها مَن رَضَعَ ضَرْعَ الشَّهَواتِ ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ وهو القَلْبُ الَّذِي يَصْحَبُكَ في سَفَرِ الغَيْبِ، والإحْسانُ إلَيْهِ أنْ تُفْرِدَهُ مِنَ الحَدَثانِ، وتُشَوِّقَهُ إلى جَمالِ الرَّحْمَنِ، وقِيلَ: هو النَّفْسُ الأمّارَةُ، وفي الخَبَرِ: ««أعْدى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ»» والإحْسانُ إلَيْها أنْ تَحْبِسَها في سِجْنِ العُبُودِيَّةِ، وتُحْرِقَها بِنِيرانِ المَحَبَّةِ، وأوَّلَ ”ابْنِ السَّبِيلِ“ بِالوَلِيِّ الكامِلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَنَقَّلُ مِن نُورِ الأفْعالِ إلى نُورِ الصِّفاتِ، ومِن نُورِ الصِّفاتِ إلى نُورِ الذّاتِ، والإحْسانُ إلَيْهِ كَتْمُ سِرِّهِ، وعَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ أمْرِهِ.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: وإنْ شِئْتَ أوَّلْتَ (ذا القُرْبى) بِما يَتَّصِلُ بِالشَّخْصِ مِنَ المُجَرَّداتِ (واليَتامى) بِالقُوى الرُّوحانِيَّةِ (والمَساكِينِ) بِالقُوى النَّفْسانِيَّةِ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها (والجارِ ذِي القُرْبى) بِالعَقْلِ (والجارِ الجُنُبِ) بِالوَهْمِ (والصّاحِبِ بِالجَنْبِ) بِالشَّوْقِ والإرادَةِ (وابْنِ السَّبِيلِ) بِالفِكْرِ والمَمالِيكِ بِالمَلَكاتِ المُكْتَسَبَةِ، الَّتِي هي مَصادِرُ الأفْعالِ الجَمِيلَةِ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ جِدًّا.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا ﴾ يَسْعى بِالسُّلُوكِ في نَفْسِهِ ﴿ فَخُورًا ﴾ بِأحْوالِهِ ومَقاماتِهِ، مُحْتَجِبًا بِرُؤْيَتِها ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَعْمَلُونَ بِعُلُومِهِمْ ولا يُعَلِّمُونَها ﴿ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ قالًا أوْ حالًا ﴿ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَلا يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ، أوْ يَكْتُمُونَ ما أُوتُوا مِنَ المَعارِفِ في كَتْمِ الِاسْتِعْدادِ وظُلْمَةِ القُوَّةِ حَتّى كَأنَّها مَعْدُومَةٌ ﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ ﴾ لِلْحَقِّ، السّاتِرِينَ أنْوارَ الوَحْدَةِ بِظُلْمَةِ الكَثْرَةِ ﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ يُهِينُهم في ذُلِّ وجُودِهِمْ وشَيْنِ صِفاتِهِمْ ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ ﴾ أيْ يُبْرِزُونَ كَمالاتِهِمْ ﴿ رِئاءَ النّاسِ ﴾ مُرائِينَ النّاسَ بِأنَّها لَهم ﴿ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ؛ لِيَعْلَمُوا أنْ لا كَمالَ إلّا لَهُ ﴿ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيِ الفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ، لِيَبْرُزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴿ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ ﴾ النَّفْسُ وقُواها ﴿ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا ﴾ لِأنَّهُ يُضِلُّهُ عَنِ الحَقِّ كَهَؤُلاءِ ﴿ وماذا عَلَيْهِمْ ﴾ ما كانَ يَضُرُّهم ﴿ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَصَدَّقُوا بِالتَّوْحِيدِ والفَناءِ فِيهِ ﴿ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ ولَمْ يَرَوْا كَمالًا لِأنْفُسِهِمْ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ مِقْدارَ ما يَظْهَرُ مِنَ الهَباءِ ﴿ وإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَتْ لَهُ، فَإنْ كانَتْ لَهُ يُضاعِفُها بِالتَّأْيِيدِ الحَقّانِيِّ ﴿ ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الشُّهُودُ الذّاتِيُّ أوِ العِلْمُ اللَّدُنِّيِّ ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وهو ما يَحْضُرُ كُلَّ أحَدٍ، ويَظْهَرُ لَهُ بِصُورَةِ مُعْتَقَدِهِ فَيَكْشِفُ عَنْ حالِهِ ﴿ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ ﴾ وهُمُ المُحَمَّدِيُّونَ ﴿ شَهِيدًا ﴾ ومِن لَوازِمِ الإتْيانِ بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ شَهِيدًا لِلْمُحَمَّدِيِّينَ مَعْرِفَتُهم لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ التَّحَوُّلِ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، فَلَيْسَ شَهِيدُهم في الحَقِيقَةِ إلّا الحَقَّ سُبْحانَهُ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالِاحْتِجابِ ﴿ وعَصَوُا الرَّسُولَ ﴾ بِعَدَمِ المُتابَعَةِ ﴿ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ لِتَنْطَمِسَ نُفُوسُهُمْ، أوْ تَصِيرَ ساذَجَةً لا نَقْشَ فِيها مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والرَّذائِلِ المُوبَقَةِ ﴿ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَتْمِ حَدِيثٍ مِن تِلْكَ النُّقُوشِ، وهَيْهاتَ، أنّى يُخْفُونَ شَيْئًا مِنها، وقَدْ صارَتِ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ!

سَهْمٌ أصابَ ورامِيهِ بِذِي سَلَمٍ ∗∗∗ مَن بِالعِراقِ لَقَدْ أبْعَدْتَ مَرْماكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى الحَقَّ، وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ إرْشادٌ لِإخْلاصِ الصَّلاةِ الَّتِي هي رَأْسُ العِبادَةِ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ؛ لِيَجْمَعُوا بَيْنَ إخْلاصِ عِبادَةِ الحَقِّ ومَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ الخَلْقِ المُبَيَّنَةِ فِيما تَقَدَّمَ، وبِهَذا يَحْصُلُ الرَّبْطُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَمّا نُهُوا فِيما سَلَفَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى نُهُوا ها هُنا عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: «صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - طَعامًا فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ، فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأتْ: (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) فَنَزَلَتْ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «إنَّ إمامَ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وكانَتِ الصَّلاةُ صَلاةَ المَغْرِبِ، وكانَ ذَلِكَ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ مُباحَةً» والخِطابُ لِلصَّحابَةِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ عِنْدَ الكَثِيرِ الهَيْئَةُ المَخْصُوصَةُ، وبِقُرْبِها القِيامُ بِها والتَّلَبُّسُ بِها، إلّا أنَّهُ نَهى عَنِ القُرْبِ مُبالَغَةً، وبِالسُّكْرِ الحالَةُ المُقَرَّرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِشارِبِ الخَمْرِ، ومادَّتُهُ تَدُلُّ عَلى الِانْسِدادِ، ومِنهُ: سُكِّرَتْ أعْيُنُهُمْ، أيِ: انْسَدَّتْ، والمَعْنى: لا تُصَلُّوا في حالَةِ السُّكْرِ حَتّى تَعْلَمُوا قَبْلَ الشُّرُوعِ ما تَقُولُونَهُ قَبْلَها، إذْ بِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّكم سَتَعْلَمُونَ ما سَتَقْرَءُونَهُ فِيها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ نَشاوى مِنَ الشَّرابِ؛ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقْرَءُونَهُ في صَلاتِكُمْ، ولَعَلَّ مُرادَهُ: حَتّى تَكُونُوا بِحَيْثُ تَعْلَمُونَ ما تَقْرَءُونَهُ، وإلّا فَهو يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ عَلى غايَةِ النَّهْيِ، وإذا أُرِيدَ ذَلِكَ رُجِعَ إلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ فِيهِ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ، عَلى أنَّ إيثارَ (ما تَقُولُونَ) عَلى (ما تَقْرَءُونَ) حِينَئِذٍ يَكُونُ عارِيًا عَنِ الدّاعِي.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، أنَّ المُرادَ مِنَ الصَّلاةِ مَواضِعُها، فَهو مَجازٌ مِن ذِكْرِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى فِيما يَأْتِي: ﴿ إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فالآيَةُ مَسُوقَةٌ عَنْ نَهْيِ قُرْبانِ السَّكْرانِ المَسْجِدَ تَعْظِيمًا لَهُ.

وفِي الخَبَرِ: ««جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ»» ويَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ، وعَلى مَواضِعِها؛ مُراعاةً لِلْقَوْلَيْنِ، وفي الكَلامِ حِينَئِذٍ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ.

ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والضَّحّاكِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ مِنَ السُّكْرِ سُكْرُ النُّعاسِ وغَلَبَةِ النَّوْمِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إذا نَعَسَ أحَدُكم وهو يُصَلِّي فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَنَمْ حَتّى يَعْلَمَ ما يَقُولُ»» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وفِيهِ بَعْدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ حَمْلُهُ عَلى سُكْرِ الخَمْرِ وسُكْرِ النَّوْمِ لِما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، أوْ عُمُومِ المَجازِ مَعَ عَدَمِ القَرِينَةِ الواضِحَةِ عَلى ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ مَرْجِعُ النَّهْيِ هو المُقَيَّدَ مَعَ بَقاءِ القَيْدِ مُرَخَّصًا بِحالِهِ، بَلْ إنَّما هو القَيْدُ مَعَ بَقاءِ المُقَيَّدِ عَلى حالِهِ؛ لِأنَّ القَيْدَ مَصَبُّ النَّفْيِ والنَّهْيِ في كَلامِهِمْ، ولِأنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالصَّلاةِ مَأْمُورٌ بِها، والنَّهْيُ يُنافِيهِ، نَعَمْ، لا مانِعَ عَنِ النَّهْيِ عَنْها لِلسَّكْرانِ مَعَ الأمْرِ المُطْلَقِ إلّا أنَّ مَرْجِعَهُ إلى هَذا.

والحاصِلُ كَما قالَ الشِّهابُ: إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِها في كُلِّ حالٍ، وزَوالُ عَقْلِهِ بِفِعْلِهِ لا يَمْنَعُ تَكْلِيفَهُ، ولِذا وقَعَ طَلاقُهُ ونَحْوُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِها لَمْ تَلْزَمْهُ الإعادَةُ إذا اسْتَغْرَقَ السُّكْرُ وقْتَها، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الجَصّاصُ في (الأحْكامِ) وفَصَلَّهُ، انْتَهى.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ نَفْسِها، لَكِنِ المُرادُ بِها الصَّلاةُ جَماعَةً مَعَ النَّبِيِّ  تَعْظِيمًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْقِيرًا، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ ولا عَقْلٌ، ويَأْباهُ الظّاهِرُ، وسَبَبُ النُّزُولِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا بَعْدَما أُنْزِلَتِ الآيَةُ لا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أوْقاتِ الصَّلاةِ، فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها، فَلا يُصْبِحُونَ إلّا وقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمُ السُّكْرُ، وعَلِمُوا ما يَقُولُونَ.

وقُرِئَ (سَكارى) بِفَتْحِ السِّينِ، جَمْعُ سَكْرانٍ، كَنَدْمانَ ونَدامى.

وقَرَأ الأعْمَشُ (سُكْرى) بِضَمِّ السِّينِ، عَلى أنَّهُ صِفَةٌ (كَحُبْلى) وقَعَ صِفَةً لِجَماعَةٍ، أيْ: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سُكْرى، والنَّخَعِيُّ: (سَكْرى) بِالفَتْحِ، وهو إمّا صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ صِفَةُ جَماعَةٍ كَما في الضَّمِّ، وإمّا جَمْعُ تَكْسِيرٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، واسْمُ جَمْعٍ عِنْدَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ ﴿ ولا جُنُبًا ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ فَإنَّهُ في حَيِّزِ النَّصْبِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ سُكارى ولا جُنُبًا، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

وقالَ الشِّهابُ نَقْلًا عَنِ البَحْرِ: إنَّ هَذا حُكْمُ الإعْرابِ، وأمّا المَعْنى فَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنا: جاءَ القَوْمُ سُكارى، وجاءُوا وهم سُكارى، إذا مَعْنى الأوَّلِ: جاءُوا كَذَلِكَ، والثّانِي جاءُوا وهم كَذَلِكَ بِاسْتِئْنافِ الإثْباتِ، ذَكَرَهُ عَبْدُ القاهِرِ، ويَعْنِي بِالِاسْتِئْنافِ أنَّهُ مُقَرَّرٌ في نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذِي الحالِ، وهو مَعَ مُقارَنَتِهِ لَهُ يَشْعُرُ بِتَقَرُّرِهِ في نَفْسِهِ، ويَجُوزُ تَقَدُّمُهُ واسْتِمْرارُهُ، ولِذا قالَ السُّبْكِيُّ في الأشْباهِ: لَوْ قالَ: لِلَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أعْتَكِفَ صائِمًا، لا بُدَّ لَهُ مِن صَوْمٍ يَكُونُ لِأجْلِ ذَلِكَ النَّذْرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ، فَلا يُجْزِئُهُ الِاعْتِكافُ بِصَوْمِ رَمَضانَ، ولَوْ قالَ: وأنا صائِمٌ أجْزَأهُ.

ولَعَلَّ وجْهَ الفِرَقِ أنَّ الحالَ إذا كانَتْ جُمْلَةً دَلَّتْ عَلى المُقارَنَةِ، وأمّا اتِّصافُهُ بِمَضْمُونِها فَقَدْ يَكُونُ وقَدْ لا يَكُونُ، نَحْوُ: جاءَ زَيْدٌ وقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، والحالُ المُفْرَدَةُ صِفَةُ مَعْنًى، فَإذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أعْتَكِفَ وأنا صائِمٌ، نَذَرَ مُقارَنَتَهُ لِلصَّوْمِ ولَمْ يَنْذُرْ صَوْمًا، فَيَصِحُّ في رَمَضانَ، ولَوْ قالَ: صائِمًا نَذَرَ صَوْمَهُ، فَلا يَصِحُّ فِيهِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ نَقَلَها الأسْنَوِيُّ في التَّمْهِيدِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَها، ولَمْ نَرَ لِأئِمَّتِنا فِيها كَلامًا، انْتَهى كَلامُهُ.

ولَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - السِّرَّ في مُخالَفَةِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ عَلى وجْهٍ يَتَّضِحُ بِهِ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ، وبَيَّنَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ فائِدَتَها، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذا الفَرْقِ، فَقالَ: فائِدَتُها - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى - الإشْعارُ بِأنَّ قُرْبانَ الصَّلاةِ مَعَ السُّكْرِ مُنافٍ لِحالِ المُسْلِمِينَ، ومَن يُناجِي الحَضْرَةَ الصَّمَدانِيَّةَ، دَلَّ عَلَيْهِ الخِطابُ بِأنْتُمْ، ولِهَذا قَرَنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى تَعْلَمُوا ﴾ إلَخْ.

والمُجْنِبُونَ لا يَعْدَمُونَ إحْضارَ القَلْبِ، ومِن ثَمَّ رَخَّصَ لَهم بِالإعْذارِ، فَتَأمَّلْ جِدًّا.

والجُنُبُ مَن أصابَتْهُ الجَنابَةُ، يَسْتَوِي فِيهِ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ؛ لِجَرَيانِهِ مَجْرى المَصْدَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

ومِنَ العَرَبِ مَن يَثَنِّيهِ ويَجْمَعُهُ، فَيَقُولُ: جُنُبانِ وأجْنابٌ وجُنُوبٌ، واشْتِقاقُهُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مِنَ المُجانَبَةِ، وهي المُباعَدَةُ ﴿ إلا عابِرِي ﴾ أيْ: مُجْتازِي ﴿ سَبِيلٍ ﴾ أيْ: طَرِيقٍ، والمُرادُ: إلّا مُسافِرِينَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ لا تَقْرَبُوا ﴾ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى النَّهْيِ، أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ جُنُبًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِكم مُسافِرِينَ، عَلى مَعْنى أنَّهُ في حالَةِ السَّفَرِ يَنْتَهِي حُكْمُ النَّهْيِ، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ لِجَمِيعِ صُوَرِها بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ في الجُمْلَةِ، مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى انْتِفاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ المُنْتَفى، ولا عَلى بَقاءِ خُصُوصِيَّةِ البَعْضِ الباقِي، ولا ثُبُوتِ نَقِيضِهِ لا كُلِّيًّا ولا جُزْئِيًّا، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عِبارَةً، نَعَمْ، يُشِيرُ إلى مُخالَفَةِ حُكْمِ ما بَعْدَهُ لِما قَبْلَهُ إشارَةً إجْمالِيَّةً، يُكْتَفى بِها في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ لا في إثْباتِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ مَلاكَ الأمْرِ في ذَلِكَ إنَّما هو الدَّلِيلُ، وقَدْ ورَدَ عَقِيبَهُ عَلى طَرِيقِ البَيانِ، قالَهُ المَوْلى شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ(جُنُبًا) عَلى أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مِثْلَ هَذا إنَّما يَصِحُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِثْناءِ، ولا تَعَذُّرَ هُنا لِعُمُومِ النَّكِرَةِ بِالنَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الشَّرْطَ في التَّوْصِيفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ وقَدْ خالَفَهُ فِيهِ النُّحاةُ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الوَصْفِيَّةَ هُنا بِناءً عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِثْناءِ يُفِيدُ الحَصْرَ، ولا حَصْرَ لِوُرُودِ المَرِيضِ إشْكالًا عَلَيْهِ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ، وادَّعى البَعْضُ إفادَةَ الكَلامِ لَهُ مُطْلَقًا، وأنَّ المَرِيضَ يَرِدُ إشْكالًا، إلّا أنْ يُؤَوَّلَ كَما سَتَعْرِفُهُ.

ومَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها فَسَرَّ العُبُورَ بِالِاجْتِيازِ بِها، وجُوِّزَ لِلْجُنُبِ عُبُورُ المَسْجِدِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - والمَشْهُورُ عِنْدَنا مَنعُ الجُنُبِ المَسْجِدَ مُطْلَقًا، ورَخَّصَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -كَما في خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ، عَنِ أبِي سَعِيدٍ بِناءً عَلى ما فَسَّرَهُ ضِرارُ بْنُ صُرَدَ حِينَ سَألَهُ عَنْ مَعْناهُ عَلِيُّ بْنُ المُنْذِرِ، وكَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ رَخَّصَ ثُمَّ مَنَعَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي، وإنْ نَقَلَهُ البَعْضُ، ونَقَلَ الجَصّاصُ في (الأحْكامِ) أنَّهُ لا يَجُوزُ الدُّخُولُ إلّا أنْ يَكُونَ الماءُ أوِ الطَّرِيقُ فِيهِ، وعَنِ اللَّيْثِ أنَّ الجُنُبَ لا يَمُرُّ إلّا أنْ يَكُونَ بابُهُ في المَسْجِدِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ كانَتْ أبْوابُهم في المَسْجِدِ وكانَ يُصِيبُهُمُ الجَنابَةُ ولا يَجِدُونَ مَمَرًّا إلّا فِيهِ فَرُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ.

﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ حالَ الجَنابَةِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِثْناءِ عَلَيْهِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ حُكْمَ النَّهْيِ في هَذِهِ السُّورَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ، كَما في صُورَةِ السُّكْرِ؛ تَشْوِيقًا إلى البَيانِ، ورُبَّما لِزِيادَةِ تَقَرُّبِهِ في الأذْهانِ، وقِيلَ: لَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ مَدْخَلٌ في المَقْصُودِ؛ إذِ المَقْصُودُ إنَّما هو صِحَّةُ الصَّلاةِ جُنُبًا أخَّرَهُ، وقَدَّمَ الِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ، وكانَ الظّاهِرُ عَدَمَ ذِكْرِهِ لِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الجَنابَةَ إنَّما تَرْتَفِعُ بِالِاغْتِسالِ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أنْ يَتَحَرَّزَ عَمّا يُلْهِيهِ ويَشْغَلُ قَلْبَهُ، وأنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ عَمّا يُدَنِّسُها؛ لِأنَّهُ إذا وجَبَ تَطْهِيرُ البَدَنِ فَتَطْهِيرُ القَلْبِ أُولى، أوْ لِأنَّهُ إذا صِينَ مَوْضِعُ الصَّلاةِ عَمَّنْ بِهِ حَدَثٌ فَلِأنْ يُصانَ القَلْبُ الَّذِي هو عَرْشُ الرَّحْمَنِ عَنْ خاطِرٍ غَيْرِ طاهِرٍ ظاهِرُ الأوْلَوِيَّةِ.

﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في الِاسْتِثْناءِ، وبَيانُ ما هو في حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنَ الأعْذارِ، والِاقْتِصارُ فِيما قَبْلُ عَلى اسْتِثْناءِ السَّفَرِ مَعَ مُشارَكَةِ الباقِي لَهُ في حُكْمِ التَّرْخِيصِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العُذْرُ الغالِبُ المَبْنِيُّ عَلى الضَّرُورَةِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الرُّخْصَةِ، ولِهَذا قِيلَ: المُرادُ بِغَيْرِ ﴿ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ غَيْرِ مَعْذُورِينَ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، إمّا بِطْرِيقِ الكِنايَةِ أوْ بِإيماءِ النَّصِّ ودَلالَتِهِ.

وبِهَذا يَنْدَفِعُ الإيرادُ السّابِقُ عَلى الحَصْرِ، وإنَّما لَمْ يَقِلْ: إلّا عابِرِي سَبِيلٍ أوْ مَرْضى فاقِدِي الماءَ حِسًّا أوْ حُكْمًا لِما أنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ وأوْكَدُ مِنهُ، لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ومَعْرِفَةِ تَفاضُلِ العُقُولِ والأفْهامِ.

والمُرادُ بِالمَرَضِ ما يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمالِ الماءِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ بِتَعَذُّرِ الوُصُولِ إلَيْهِ أوْ بِتَعَذُّرِ اسْتِعْمالِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «المَرِيضُ الَّذِي قَدْ أُرْخِصَ لَهُ في التَّيَمُّمِ الكَسِيرُ والجَرِيحُ، فَإذا أصابَتْهُ الجَنابَةُ لا يَحُلُّ جِراحَتَهُ إلّا جِراحَةً لا يُخْشى عَلَيْها».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (المَعْرِفَةِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: ««إذا كانَتْ بِالرَّجُلِ الجِراحَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوِ القُرُوحُ أوِ الجُدَرِيُّ فَيَجْنَبُ فَيَخافُ إنِ اغْتَسَلَ أنْ يَمُوتَ فَلْيَتَيَمَّمْ»».

والَّذِي تَقَرَّرَ في الفُرُوعِ: إنَّ المَرِيضَ الَّذِي يَخافُ إذا اسْتَعْمَلَ الماءَ أنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ يَتَيَمَّمُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ بِالتَّحَرُّكِ كالمَبْطُونِ أوْ بِالِاسْتِعْمالِ كَمَن بِهِ حَصْبَةٌ أوْ جُدَرِيٌّ، ولَمْ يَشْتَرِطْ أصْحابُنا خَوْفَ التَّلَفِ لِظاهِرِ النَّصِّ، وهو بِإطْلاقِهِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ مَرِيضٍ إلّا أنَّ في بَعْضِ الآياتِ ما أخْرَجَ مَن لا يَشْتَدُّ مَرَضُهُ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في كُتُبِ الفِقْهِ.

﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مَرْضى ﴾ أيْ: أوْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ما، طالَ أوْ قَصُرَ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ هَذا عَلى نَحْوِ مُسافِرِينَ؛ لِأنَّهُ أوْضَحُ في المَقْصُودِ مِنهُ.

وفِي الهِدايَةِ: ومَن لَمْ يَجِدِ الماءَ وهو مُسافِرٌ أوْ خارِجَ المِصْرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المِصْرِ مِيلٌ أوْ أكْثَرُ يَتَيَمَّمُ، والظّاهِرُ أنَّ حُكْمَ مَن هو خارِجَ المِصْرِ غَيْرَ مُسافِرٍ - كَما يَقْتَضِيهِ العَطْفُ - مَعْلُومٌ بِالقِياسِ لا بِالنَّصِّ، وإيرادُ المُسافِرِ صَرِيحًا مَعَ سَبْقِ ذِكْرِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ لِبِناءِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ، وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ كَما أشارَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِهِ، فَضْلًا عَنِ الدَّلالَةِ عَلى كَيْفِيَّتِهِ.

وقِيلَ: ذُكِرَ السَّفَرُ هُنا لِإلْحاقِ المَرَضِ بِهِ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِإلْحاقِ الواجِدِ بِالفاقِدِ بِجامِعِ العَجْزِ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ ظاهِرَةٌ عَلى رَأْيِ مَن حَمَلَ الصَّلاةَ عَلى مَواضِعِها، وفَسَّرَ العُبُورُ بِالِاجْتِيازِ بِها إذْ لَيْسَ فِيها حِينَئِذٍ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ شائِبَةُ التَّكْرارِ، بَلْ هي عِنْدَهُ بَيانُ حُكْمٍ آخَرَ لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ، وأُيِّدَ بِأنَّ القُرّاءَ كُلَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ ويَبْتَدِئُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ كُنْتُمْ ﴾ إلَخْ، بَلِ التَّعْبِيرُ بِالقُرْبِ يُومِئُ إلى حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ القُرْبِ والبُعْدِ في المَكانِ، وكَذا التَّعْبِيرُ بِـ ﴿ عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ هُناكَ وبِـ ﴿ عَلى سَفَرٍ ﴾ هُنا فِيهِ إيماءٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما هُنا وما هُناكَ، إلّا أنَّ الكَثِيرَ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما قُدِّمَ المَرَضُ عَلى السَّفَرِ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ واسْتِقْلالِهِ بِأحْكامٍ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: ««نالَ أصْحابَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جِراحَةٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ ابْتُلُوا بِالجَنابَةِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ ﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ الآيَةَ كُلَّها»» وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، حَيْثُ رَوَوْا أنَّ نُزُولَها في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ: ««حِينَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةً فَسَقَطَتْ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قِلادَةٌ لِأسْماءَ، فَلَمّا ارْتَحَلُوا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَبَعَثَ رَجُلَيْنِ في طَلَبِها، فَنَزَلُوا يَنْتَظِرُونَهُما فَأصْبَحُوا ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَأغْلَظَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وقالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ  والمُسْلِمِينَ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَنَزَلَتْ، فَلَمّا صَلَّوْا بِالتَّيَمُّمِ جاءَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ إلى مَضْرِبِ عائِشَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ما أكْثَرَ بَرَكَتَكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ!» وفي رِوايَةٍ: «يَرْحَمُكِ اللَّهُ تَعالى يا عائِشَةُ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا»» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ فَقْدَ الماءِ في السَّفَرِ، وهو ظاهِرٌ.

﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ وهو المَكانُ المُنْخَفِضُ، وجاءَ الغَيْطَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وسُكُونِ الياءِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو في رَأْيٍ: مَصْدَرُ يَغُوطُ، وكانَ القِياسُ غَوْطًا فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وسُكِّنَتْ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها؛ لِخِفَّتِها، ولَعَلَّ الأوْلى ما قِيلَ: إنَّهُ تَخْفِيفُ غَيِّطٍ كَهَيْنٍ وهَيِّنٍ، والغَيْطُ الغائِطُ، والمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ؛ لِأنَّ العادَةَ أنَّ مَن يُرِيدُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ لِيُوارِيَ شَخْصَهُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.

وفِي ذِكْرِ (أحَدٌ) فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ إيماءٌ إلى أنَّ الإنْسانَ يَنْفَرِدُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ كَما هو دَأْبُهُ وأدَبُهُ، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَ وأُسْنِدَ المَجِيءُ إلَيْهِ دُونَ المُخاطَبِينَ تَفادِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَتِهِمْ إلى ما يُسْتَحى مِنهُ، أوْ يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ، والفِعْلُ عَطْفٌ عَلى (كُنْتُمْ) والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ، أيْ: وإنْ جاءَ أحَدٌ كائِنٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ.

﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ يُرِيدُ سُبْحانَهُ: أوْ جامَعْتُمُ النِّساءَ إلّا أنَّهُ كَنّى بِالمُلامَسَةِ عَنِ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَهْجَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ أوْ يُسْتَحى مِنهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والحَسَنُ، فَيَكُونُ إشارَةً إلى الحَدَثِ الأكْبَرِ كَما أنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى الحَدَثِ الأصْغَرِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ أنَّ المُرادَ بِالمُلامَسَةِ ما دُونُ الجِماعِ، أيْ: ماسَسْتُمْ بَشْرَتَهُنَّ بِبَشْرَتِكُمْ، وبِهِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى أنَّ اللَّمْسَ يُنْقِضُ الوُضُوءَ، وبِهِ قالَ الزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ: إنْ كانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ نَقَضَ وإلّا فَلا، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّهُ لا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِالمَسِّ ولَوْ بِشَهْوَةٍ، قِيلَ: ما لَمْ يُحْدِثِ الِانْتِشارَ، واخْتَلَفَ قَوْلُالشّافِعِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في لَمْسِ المَحارِمِ كالأُمِّ والبِنْتِ والأُخْتِ وفي لَمْسِ الأجْنَبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، وأصَحُّ القَوْلَيْنِ: إنَّهُ لا يُنْقِضُ كَلَمْسِ نَحْوِ السَّنِّ والظُّفْرِ والشَّعَرِ، ويَنْتَقِضُ عِنْدَهُ وُضُوءُ المَلْمُوسَةِ كاللّامِسِ في الأظْهَرِ لِاشْتِراكِهِما في مَظِنَّةِ اللَّذَّةِ، كالمُشْتَرِكَيْنِ في الجِماعِ، وإنَّما لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُ المَلْمُوسِ فَرْجُهُ عَلى مَذْهَبِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنهُ مَسٌّ لِمَظِنَّةِ لَذَّةٍ أصْلًا، بِخِلافِهِ هُنا.

ودَلِيلُ القَوْلِ بِعَدَمِ نَقْضِ وُضُوءِ المَلْمُوسِ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها وضَعَتْ يَدَها عَلى قَدَمَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهو ساجِدٌ، ووَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِما في الآيَةِ عَلى ما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ هو الرّاجِحُ، لا سِيَّما في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: (أوْ لَمَسْتُمْ) إذْ لَمْ يَشْتَهِرِ اللَّمْسُ في الجِماعِ كالمُلامَسَةِ، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الجِماعِ في القِراءَتَيْنِ تَرْجِيحًا لِلْمَجازِ والمَشْهُورِ وعَمَلًا بِهِما، إذْ لا مُنافاةَ، وهو الأوْفَقُ بِمَذْهَبِنا.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المُتَّجَهَ أنَّ المُلامَسَةَ حَقِيقَةٌ في تَماسِّ البَدَنَيْنِ بِشَيْءٍ مِن أجْزائِهِما مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَدِ، وعَلى هَذا فالجِماعُ مِن أفْرادِ مُسَمّى الحَقِيقَةِ فَيَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً، وإنَّما يَكُونُ مَجازًا لَوِ اقْتُصِرَ عَلى إرادَتِهِ بِاللَّفْظِ، وادَّعى الجَلالُ المَحَلِّيُّ أنَّ المُلامَسَةَ حَقِيقَةٌ في الجَسِّ بِاليَدِ مَجازٌ في الوَطْءِ، وأنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - حَمَلَها عَلى المَعْنَيَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وظاهِرُ عِبارَةِ الأُمِّ أنَّ الشّافِعِيَّ لَمْ يَحْمِلِ المُلامَسَةَ عَلى الوَطْءِ، بَلْ عَلى ما عَداهُ مِن أنْواعِ التِقاءِ البَشْرَتَيْنِ، وأنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الجَسَّ بِاليَدِ تَمْثِيلًا لِلْمُلامَسَةِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِها لا تَفْسِيرًا لَها بِذِكْرِ كَمالِ مَعْناها الحَقِيقِيِّ، كَما بَيَّنَهُ الكَمالُ ابْنُ أبِي شَرِيفٍ، فَلْيُفْهَمْ.

ثُمَّ إنَّ نَظْمَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في سِلْكِ سَبَبَيْ سُقُوطِ الطَّهارَةِ والمَصِيرِ إلى التَّيَمُّمِ مَعَ كَوْنِهِما سَبَبَيْ وُجُوبِهِما لَيْسَ بِاعْتِبارِ أنْفُسِهِما بَلْ بِاعْتِبارِ قَيْدِهِما المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴾ بَلْ هو السَّبَبُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما ذُكِرا تَمْهِيدًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ بِقِسْمَيْها، كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ لَمْ تَكُونُوا مَرْضى أوْ مُسافِرِينَ بَلْ كُنْتُمْ فاقِدِينَ لِلْماءِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ اسْتِعْمالَهُ مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ أوِ الأكْبَرِ.

قِيلَ: وتَخْصِيصُ ذِكْرِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ أيْضًا في صُورَةِ المَرَضِ والسَّفَرِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فِيها واسْتِغْنائِهِما عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِما قَطْعًا، فَيُعْلَمُ مِن حُكْمِها حُكْمُ الحَدَثِ الأصْغَرِ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالَةِ الجَنابَةِ إلّا كَوْنَكم مُسافِرِينَ، فَإنْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى إلَخْ.

وقِيلَ: إنَّ هَذا القَيْدَ راجِعٌ لِلْكُلِّ، وقَيْدُ وُجُوبِ التَّطَهُّرِ المُكَنّى عَنْهُ بِالمَجِيءِ مِنَ الغائِطِ والمُلامَسَةِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لا يُساعِدُهُ، وفي الكَشْفِ - عَنْ بَعْضِهِمْ -: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، والتَّقْدِيرُ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ولا جُنُبًا ولا جائِيًا أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامِسًا، يَعْنِي: ولا مُحْدِثِينَ، ثُمَّ قِيلَ: وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ فَتَيَمَّمُوا، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ والمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ نَقَلَ ما اعْتَرَضَهُ: ولَعَلَّ الأوْجَهَ في تَقْرِيرِ الآيَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنْ يُجْعَلَ عَدَمُ الوِجْدانِ عِبارَةً عَنْ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ لِفَقْدِ الماءِ أوْ لِمانِعٍ؛ لِيَصِحَّ أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْكُلِّ، أوْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ ولا يُجْعَلَ قَيْدًا لِلْآخَرِينَ؛ لِأنَّ عُمُومَ الإعْوازِ في حَقِّ المُسافِرِ غالِبًا، والمَنعَ مِنَ القُدْرَةِ عَلى اسْتِعْمالِ الماءِ القائِمِ مَقامَهُ في حَقِّ المَرِيضِ مُغْنٍ عَنِ التَّقْيِيدِ لَفْظًا، وأنْ يَبْقى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِهِمْ مُحْدِثِينَ أوْ مُجْنِبِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ سَبَبِ العُدُولِ عَنِ الطَّهارَةِ بِالماءِ إلى التَّيَمُّمِ، أمّا المُشْتَرَكُ بَيْنَ الطِّهارَتَيْنِ فَلا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ قَصْدًا، وأنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ المُحْدِثِينَ مِن غَيْرِ القَبِيلَيْنِ بَيانًا لِسَبَبِ العُدُولِ وهو فَقْدُ القُدْرَةِ مِن غَيْرِ سَفَرٍ ولا مَرَضٍ، لا لِأنَّ الحَدَثَ سَبَبٌ، وإنْ أفادَ ذَلِكَ ضِمْنًا.

ولَمْ يَقُلْ: (أوْ لَمْ تَجِدُوا) دُونَ ذِكْرِ السَّبَبَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ مُرَخِّصٌ بَعْدَ انْعِقادِ سَبَبِ الطَّهارَةِ، وأُفِيدَ ضِمْنًا أنَّهُما مُعْتَبَرانِ أيْضًا في المَرِيضِ والمُسافِرِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ المَرَضِ والسَّفَرِ وبَيْنَ سائِرِ الأعْذارِ في ذَلِكَ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ الحَمْلَ عَلى الظّاهِرِ أظْهْرُ، وما ذَكَرَهُ عَلى تَقْدِيرِ الحَمْلِ عَلَيْهِ لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا قَدَّمْناهُ، نَعَمِ الآيَةُ مِن مُعْضِلاتِ القُرْآنِ، ولَعَلَّها تَحْتاجُ بَعْدُ إلى نَظَرٍ دَقِيقٍ، والفاءُ في (فَلَمْ) عاطِفَةٌ، وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ فَواقِعَةٌ في جَوابِ الشَّرْطِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى جَمِيعِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ (تَجِدُوا) فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (فَلْيَتَيَمَّمْ) جَزاءً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ ﴾ ، والتَّيَمُّمُ لُغَةً: القَصْدُ، قالَ الأعْشى: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ والصَّعِيدُ وجْهُ الأرْضِ، كَما رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وثَعْلَبٍ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا أعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في أنَّ الصَّعِيدَ وجْهُ الأرْضِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِن باطِنِ الأرْضِ، أوْ لِصُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ فَوْقَ الأرْضِ، والطَّيِّبُ الطّاهِرُ، وعَنْ سُفْيانَ: الحَلالُ، وقِيلَ: المَنبَتُ دُونَ السَّبَخَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ ﴾ والحَمْلُ عَلى الأوَّلِ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ الطَّهارَةِ، والمَعْنى: فَتَعَمَّدُوا واقْصُدُوا شَيْئًا مِن وجْهِ الأرْضِ طاهِرًا، وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ لِجَوازِ التَّيَمُّمِ بِالكُحْلِ، والآجُرِّ، والمُرْداسَنْجِ، والياقُوتِ، والفَيْرُوزَجِ، والمَرْجانِ، والزُّمُرُّدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غُبارٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ومُحَمَّدٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ - وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلّا أنْ يَعْلَقَ بِاليَدِ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ لِتَقْيِيدِ المَسْحِ بِـ(مِنهُ) في المائِدَةِ، وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وهو يَقْتَضِي التُّرابَ، والحَنَفِيَّةُ يَحْمِلُونَها عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخُرُوجِ مَخْرَجَ الأغْلَبِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَدَثِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ.

وأغْرَبَ الإمامُ مالِكٌ فَأجازَ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ، وقَدْ شَنَّعَ الشِّيعَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وقَدِ اعْتَذَرْنا عَنْهُ في كِتابِنا (الأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ) ونُصِبَ (صَعِيدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ (فَتَيَمَّمُوا بِصَعِيدٍ).

﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ أيْ: وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَةٌ، والمُرادُ اسْتِيعابُ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ بِالمَسْحِ، حَتّى إذا تَرَكَ شَيْئًا مِنهُما لَمْ يَجُزْ، كَما في الوُضُوءِ، وهو ظاهِرُ الرِّوايَةِ.

وفِي رِوايَةِ الحَسَنِ عَنِ الإمامِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الأكْثَرَ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِيعابَ في المَمْسُوحاتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَما في مَسْحِ الخُفِّ والرَّأْسِ.

ووَجْهُ الظّاهِرِ أنَّ التَّيَمُّمَ قائِمٌ مَقامَ الوُضُوءِ، ولِهَذا قالُوا: يُخَلِّلُ الأصابِعَ، ويَنْزِعُ الخاتَمَ؛ لِيُتِمَّ المَسْحَ، والِاسْتِيعابُ في الوُضُوءِ شَرْطٌ، فَكَذا فِيما قامَ مَقامَهُ، والأيْدِي جُمَعُ يَدٍ، وهي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ مَعانٍ، مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى الرُّسْغِ وإلى المِرْفَقِ وإلى الإبِطِ، وهَلْ هي حَقِيقَةٌ في واحِدٍ مِنها مَجازٌ في غَيْرِهِ أوْ حَقِيقَةٌ فِيها جَمِيعًا؟

رَجَّحَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ، ولِذا ذَهَبَ إلى كُلٍّ مِنها بَعْضُ السَّلَفِ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ التَّيَمُّمَ إلى الآباطِ.

وأخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّهُ قالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ إلى الكُوعِ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في كَيْفِيَّةِ تَيَمُّمِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  : ««أنَّهم مَسَحُوا مِنَ المَرافِقِ إلى الأكُفِّ عَلى مَنابِتِ الشَّعَرِ مِن ظاهِرٍ وباطِنٍ»» ومِن حَدِيثِ أبِي داوُدَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  -: «تَيَمَّمَ ومَسَحَ يَدَيْهِ إلى مَرْفِقَيْهِ»» وهَذا مَذْهَبُنا ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ، ويَشْهَدُ لَهُمُ القِياسُ عَلى الوُضُوءِ الَّذِي هو أصْلُهُ، وإنْ كانَ الحَدَثُ والجَنابَةُ فِيهِ كَيْفِيَّةً سَواءً، وكَذا جَوازًا عَلى الصَّحِيحِ المَرْوِيِّ عَنِ المُعْظَمِ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا يَتَيَمَّمُ الجُنُبُ والحائِضُ والنُّفَساءُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ، وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - قِيلَ: ومَنشَأُ الخِلافِ فِيما بَيْنَهم حَمْلُ المُلامَسَةِ فِيما سَبَقَ عَلى الوِقاعِ أوِ المَسِّ بِاليَدِ، فَذَهَبَ الأوَّلُونَ إلى الأوَّلِ والآخَرُونَ إلى الأخِيرِ، وقالُوا: القِياسُ أنْ لا يَكُونَ التَّيَمُّمُ طَهُورًا، وإنَّما أباحَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُحْدِثِ فَلا يُباحُ لِلْجُنُبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَعْقُولَ المَعْنى حَتّى يَصِحَّ القِياسُ، ولَيْسَتِ الجَنابَةُ في مَعْنى الحَدَثِ لِتَلْحَقَ بِهِ، بَلْ هي فَوْقَهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ كالصَّرِيحِ في جَوازِ تَيَمُّمِ الجُنُبِ، وإنْ لَمْ تُحْمَلِ المُلامَسَةُ عَلى الوِقاعِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ تَفْسِيرُها السّابِقُ، عَلى أنَّ الأحادِيثَ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «رَأى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ في القَوْمِ فَقالَ: يا فُلانُ ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصابَتْنِي جَنابَةٌ ولا ماءَ، قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ»» ورُوِيَ: ««أنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالُوا: إنّا قَوْمٌ نَسْكُنُ هَذِهِ الرِّمالَ ولَمْ نَجِدِ الماءَ شَهْرًا أوْ شَهْرَيْنِ، وفِينا الجُنُبُ والحائِضُ والنُّفَساءُ؟

فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلَيْكم بِأرْضِكُمْ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَلْ يَرْفَعُ التَّيَمُّمُ الحَدَثَ أمْ لا؟

خِلافٌ ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مَن أمْعَنَ النَّظَرَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ مِنَ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَقْرِيرٌ لَهُما؛ فَإنَّ مَن عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخاطِئِينَ ويَغْفِرَ لِلْمُذْنِبِينَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا لا مُعَسِّرًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ مِن رَوادِفِ العَفْوِ وتَوابِعِ الغُفْرانِ، وأُدْمِجَ فِيهِ أنَّ الأصْلَ الطِّهارَةُ الكامِلَةُ، وأنَّ غَيْرَها مِنَ الرُّخَصِ مِنَ العَفْوِ والغُفْرانِ.

وقِيلَ: العَفْوُ هُنا بِمَعْنى التَّيْسِيرِ، كَما في التَّيْسِيرِ، واسْتُدِلَّ عَلى وُرُودِهِ بِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««عَفَوْتُ لَكم صَدَقَةَ الخَيْلِ والرَّقِيقِ»» وذِكْرُ المَغْفِرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ غَفَرَ ذَنْبَ المُصَلِّينَ سُكارى، وما صَدَرَ عَنْهم في القِراءَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ العَفْوِ عَلى التَّيْسِيرِ في الحَدِيثِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وكَوْنُ ذِكْرِ المَغْفِرَةِ لِما ذُكِرَ بِعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ٤٤

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْجِيبِ المُؤْمِنِينَ مِن سُوءِ حالِهِمْ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُوالاتِهِمْ إثْرَ ذِكْرِ أنْواعِ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ شُهْرَةِ شَناعَةِ حالِهِمْ، وقِيلَ: لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وخِطابُ سَيِّدِ القَوْمِ في مَقامِ خِطابِهِمْ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وتَعَدِّيها بِـ(إلى) حَمْلًا لَها عَلى النَّظَرِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلَيْهِمْ، وجَعْلُها عِلْمِيَّةً وتَعَدِّيها بِـ(إلى) لِتَضْمِينِها مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ مُنْحَطٌّ في مَقامِ التَّعْجِيبِ وتَشْهِيرِ شَنائِعِهِمْ، ونَظْمِها في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ.

والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ يَهُودُ المَدِينَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّها نَزَلَتْ في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، ومالِكِ بْنِ دَخْشَمٍ، كانا إذا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَوِيا لِسانَهُما، وعاباهُ، وعَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في حَبْرَيْنِ كانا يَأْتِيانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ورَهْطَهُ يُثَبِّطانِهِمْ عَنِ الإسْلامِ.

والمُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ، وقِيلَ: الجِنْسُ، وتَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفِيهِ تَطْوِيلٌ لِلْمَسافَةِ، وقِيلَ: القُرْآنُ؛ لِأنَّ اليَهُودَ عَلِمُوا أنَّهُ كِتابٌ حَقٌّ، أتى بِهِ نَبِيٌّ صادِقٌ، لا شُبْهَةَ في نُبُوَّتِهِ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

و(بِالَّذِي أُوتُوهُ) ما بُيِّنَ لَهم فِيهِ مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي تَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِرَكاكَةِ آرائِهِمْ في الإهْمالِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ، ومِثْلُهُ ما لَوْ حُمِلَ عَلى التَّكْثِيرِ، و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَـ(نَصِيبًا) مُبَيِّنَةٌ لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ إثْرَ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أُوتُوا).

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَناطِ التَّشْنِيعِ ومَدارِ التَّعْجِيبِ المَفْهُومَيْنِ مَن صَدْرِ الكَلامِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَصْنَعُونَ حَتّى يَنْظُرَ إلَيْهِمْ؟

فَقِيلَ: يَخْتارُونَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، أوْ يَسْتَبْدِلُونَها بِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ المُنَزَّلَ مَنزِلَةَ الحُصُولِ، أوْ حُصُولُهُ لَهم بِالفِعْلِ بِإنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يَأْخُذُونَ الرِّشا، ويُحَرِّفُونَ التَّوْراةَ، فالضَّلالَةُ هو هَذا التَّحْرِيفُ، أيِ اشْتَرَوْها بِمالِ الرِّشا، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ جُمْلَةَ (يَشْتَرُونَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ (أُوتُوا) أوْ حالٌ مِنَ (الَّذِينَ) وتُعُقِّبَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ تَقْدِيرِ اشْتِرائِهِمُ المَذْكُورِ في الإيتاءِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالمَقامِ، والثّانِي بِأنَّهُ خالٍ عَنْ إفادَةِ أنَّ مادَّةَ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ هو الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ .

فالأوْجَهُ الِاسْتِئْنافُ، والمَعْطُوفُ شَرِيكٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيما سَبَقَ لَهُ، والمَعْنى أنَّهم لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن تَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَتْمِ نُعُوتِهِ النّاطِقَةِ بِها التَّوْراةُ أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ أيْضًا ضالِّينَ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ المُوصِلَ إلى الحَقِّ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِالِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، فَإنْ تَجَدَّدَ حُكْمُ اشْتِرائِهِمُ المَذْكُورُ، وتَكَرَّرَ العَمَلُ بِمُوجِبِهِ في قُوَّةِ تَجَدُّدِ نَفْسِهِ وتَكَرُّرِهِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا مِنَ التَّشْنِيعِ ما لا يَخْفى.

وقُرِئَ: (أنْ يَضِلُّوا) بِالياءِ، بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها <div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا ٤٥

﴿ واللَّهُ أعْلَمُ ﴾ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ بِأعْدائِكُمْ ﴾ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ، وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكُمْ، وما يُرِيدُونَ، فاحْذَرُوهُمْ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وبَيانِ التَّحْذِيرِ، وإلّا فَأعْلَمِيَّةُ اللَّهِ تَعالى مَعْلُومَةٌ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِمْ ومَآلِ أمْرِهِمْ، فَلا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِمْ، ولا تَكُونُوا في فِكْرٍ مِنهم ﴿ وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا ﴾ يَلِي أمْرَكم ويَنْفَعُكم بِما شاءَ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ يَدْفَعُ عَنْكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ، ولا تُبالُوا بِهِمْ، ولا تَكُونُوا في ضِيقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِأعْدائِهِمْ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، والباءُ مَزِيدَةٌ في فاعِلِ (كَفى) تَأْكِيدًا لِلنِّسْبَةِ بِما يُفِيدُ الِاتِّصالَ، وهو الباءُ الإلْصاقِيَّةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما دَخَلَتْ هَذِهِ الباءُ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى: اكْتَفُوا بِاللَّهِ و(ولِيًّا) و(نَصِيرًا) مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ في الجُمْلَتَيْنِ مَعَ إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ كِفايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ الإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٤٦

﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ قِيلَ: بَيانٌ (لِلَّذِينَ أُوتُوا) المُتَناوَلِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ، والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْهُمْ، والِاهْتِمامِ بِحَثِّهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفارِسِيَّ قَدْ مَنَعَ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ فَما ظَنُّكُ بِالثَّلاثِ؟!

وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ الخِلافَ إذا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ - والجُمَلُ هُنا مُتَعاطِفَةٌ - وبِهِ يَصِيرُ الشَّيْئانِ شَيْئًا واحِدًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَيانٌ لِأعْدائِكُمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِطائِفَةٍ مِن أعْدائِهِمْ، لا سِيَّما في مَعْرِضِ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِلَةٌ لِـ(نَصِيرٍ) أيْ: يَنْصُرُكم (مِنَ الَّذِينَ هادُوا)، وفِيهِ تَحْجِيرٌ لِواسِعِ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّهُ لا داعِيَ لِوَضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الأعْداءِ، وكَوْنُ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وصْفًا مُلائِمًا لِلنَّصْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ويَتَعَيَّنُ هَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، و(مِنَ الَّذِينَ) وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ المُبْتَدَأ إذا وُصِفَ بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ والفَرّاءُ يَجْعَلُ المُبْتَدَأ المَحْذُوفَ اسْمًا مَوْصُولًا و(يُحَرِّفُونَ) صِلَتُهُ، أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، إلّا أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها (مَن يُحَرِّفُونَ).

واعْتُرِضَ هَذا أيْضًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ كَوْنَ الفَرِيقِ السّابِقِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْرِيفِ الَّذِي هو المِصْداقُ لاشَتْرائِهِمْ في الحَقِيقَةِ و(الكَلِمُ) اسْمُ جِنْسٍ، واحِدُهُ كَلِمَةٌ، كَلَبِنَةٍ ولَبِنٍ، ونَبِقَةٍ ونَبِقٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ المُخْتارِ.

ولَعَلَّ مَن أطْلَقَهُ عَلَيْهِ أرادَ المَعْنى اللُّغَوِيَّ، أعْنِي ما يَدُلُّ عَلى ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا، وتَذْكِيرُ ضَمِيرِهِ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ لَفْظًا، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِهِ مَعْنًى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعَ (كِلْمَةٍ) تَخْفِيفَ (كَلِمَةٍ) بِنَقْلِ كَسْرَةِ اللّامِ إلى الكافِ، وقُرِئَ (يُحَرِّفُونَ) الكَلامَ، والمُرادُ بِهِ ها هُنا إمّا ما في التَّوْراةِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ الواقِعَةِ مِنهم في أثْناءِ مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والأوَّلُ هو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وغَيْرِهِما، وتَحْرِيفُ ذَلِكَ إمّا إزالَتُهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ التَّوْراةِ كَتَحْرِيفِهِمْ (رَبْعَةً) في نَعْتِ النَّبِيِّ  ووَضْعِهِمْ مَكانَهُ (طِوالٌ) وكَتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ ووَضْعِ الحَدِّ مَوْضِعَهُ، وإمّا صَرَفُهُ عَنِ المَعْنى الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى ما لا صِحَّةَ لَهُ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ والتَّمَحُّلاتِ الزّائِغَةِ، كَما تَفْعَلُهُ المُبْتَدَعَةُ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَذْهَبِهِمْ.

ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الَّذِي أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ أحْدَثُ، تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وقَدْ حَدَّثَكم أنَّ أهْلَ الكِتابِ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ تَعالى وغَيَّرُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَّنا قَلِيلًا» واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي بَلَغَتْ آحادُ حُرُوفِهِ وكَلِماتِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وانْتَشَرَتْ نُسَخُهُ شَرْقًا وغَرْبًا؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ اشْتِهارِ الكِتابِ في الآفاقِ وبُلُوغِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، وفِيهِ بَعْدٌ، وإنْ أُيِّدَ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ في نُسَخِ التَّوْراةِ الَّتِي عِنْدَ طَوائِفِ اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ فَعَلُوا ذَلِكَ في نُسَخٍ مِنَ التَّوْراةِ لِيُضِلُّوا بِها، ولَمّا لَمْ تَرُجْ عَدَلُوا إلى التَّأْوِيلِ، والمُرادُ مِن (مَواضِعِهِ) عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الأعَمِّ ما يَلِيقُ بِهِ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِهِ تَعالى صَرِيحًا كَمَواضِعَ ما في التَّوْراةِ، أوْ بِتَعْيِينِ العَقْلِ والدِّينِ كَمَواضِعِ غَيْرِهِ.

وأصْلُ التَّحْرِيفِ إمالَةُ الشَّيْءِ إلى حَرْفٍ أيْ طَرَفٍ، فَإذا كانَ (يُحَرِّفُونَ) بِمَعْنى يُزِيلُونَ كانَ كِنايَةً؛ لِأنَّهم إذا بَدَّلُوا الكَلِمَ ووَضَعُوا مَكانَهُ غَيْرَهُ لَزِمَ أنَّهم أمالُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ وحَرَّفُوهُ، والفَرْقُ بَيْنَ ما هُنا وما يَأْتِي في سُورَةِ المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ أنَّ الثّانِيَ أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ مَقارِّ الكَلِمِ واشْتِهارِها مِمّا هُنا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الظَّرْفَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَما ثَبُتَ المَوْضِعُ وتَقَرَّرَ حَرَّفُوهُ عَنْهُ، واخْتارَ ذَلِكَ هُنالِكَ لَأنَّ فِيهِ ما يَقْتَضِي الإتْيانَ بِالأدَلِّ الأبْلَغِ.

(ويَقُولُونَ) عَطْفٌ عَلى (يُحَرِّفُونَ) وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ القَوْلُ اللِّسانِيُّ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واخْتارَ البَعْضُ حَمْلَهُ عَلى ما يَعُمُّ ذَلِكَ وما يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهم لِيَنْدَرِجَ فِيهِ ما نَطَقَتْ بِهِ ألْسِنَةُ حالِهِمْ عِنْدَ تَحْرِيفِ التَّوْراةِ، ولا يُقَيَّدُ حِينَئِذٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، ولا يُخَصَّصُ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ، ويُحْتاجُ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيفِ يَقُولُونَ ويَفْهَمُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءً كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ؛ عِنادًا وتَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ.

﴿ سَمِعْنا ﴾ أيْ: فَهْمِنا ﴿ وعَصَيْنا ﴾ أيْ: لَمْ نَأْتَمِرْ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ ﴿ واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ سَمِعْنا ﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، لَكِنْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لِسانِيٌّ، وفي أثْناءِ مُخاطَبَتِهِ  وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ، مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ والخَيْرِ، ويُسَمّى في البَدِيعِ بِالتَّوْجِيهِ، كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: خاطَ لِي عَمْرٌو قَباءْ ∗∗∗ لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَواءْ واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِلا سَمِعْتَ أوِ (اسْمَعْ غَيْرَ) مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ، أوِ (اسْمَعْ) نابِي السَّمْعِ عَمّا تَسْمَعُهُ لِكَراهِيَتِهِ عَلَيْكَ، أوِ (اسْمَعْ) كَلامًا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إيّاكَ؛ لِأنَّ أُذُنَيْكَ تَنْبُو عَنْهُ، فَـ(غَيْرَ) إمّا حالٌ لا غَيْرُ، وإمّا مَفْعُولٌ بِهِ، وصَحَّتِ الحالِيَّةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ أنَّ الدُّعاءَ هو المَقْصُودُ لَهُمْ، وأنَّهم لَمّا قَدَّرُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - إجابَتَهُ صارَ كَأنَّهُ واقِعٌ مُقَرَّرٌ، واحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى (اسْمَعْ) مِنّا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مَكْرُوهًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْمَعَهُ فُلانٌ إذا سَبَّهُ، وكانَ أصْلُهُ: أُسْمِعُهُ ما يَكْرَهُ، فَحُذِفَ مَفْعُولُهُ نَسْيًا مَنسِيًّا، وتُعُورِفَ في ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - يُخاطِبُونَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  - اسْتِهْزاءً، مُظْهِرِينَ لَهُ  المَعْنى الأخِيرَ، وهم يُضْمِرُونَ سِواهُ.

﴿ وراعِنا ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ  هَذا، وهو ذُو وجْهَيْنِ كَسابِقِهِ، فاحْتِمالُهُ لِلْخَيْرِ عَلى مَعْنى (أمْهِلْنا وانْظُرْ إلَيْنا) أوِ انْتَظِرْنا نُكَلِّمْكَ، واحْتِمالُهُ لِلشَّرِّ بِحَمْلِهِ عَلى السَّبِّ، فَفي التَّيْسِيرِ: إنَّ (راعَنا) بِعَيْنِهِ مِمّا يَتَسابُّونَ بِهِ، وهو لِلْوَصْفِ بِالرُّعُونَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُشْبِهُ كَلِمَةَ سَبٍّ عِنْدِهِمْ عِبْرانِيَّةً أوْ سُرْيانِيَّةً، وهي (راعِينا) وقِيلَ: بَلْ كانُوا يُشْبِعُونَ كَسْرَ العَيْنِ، ويَعْنُونَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّهُ - وحاشاهُ  - بِمَنزِلَةِ خَدَمِهِمْ ورُعاةِ غَنَمِهِمْ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ مُظْهِرِينَ الِاحْتِرامَ والتَّوْقِيرَ، مُضْمِرِينَ ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ.

وهَذا نَوْعٌ مِنَ النِّفاقِ ولا يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِالعِصْيانِ لِما قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ يُخاطِبُونَ النَّبِيَّ  - بِالكُفْرِ، ولا يُخاطِبُونَهُ بِالسَّبِّ والذَّمِّ والدُّعاءِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِإيرادِ السَّماعِ والعِصْيانِ مَعَ التَّحْرِيفِ وإلْقاءِ الكَلامِ المُحْتَمَلِ احْتِيالًا، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ عَلى هَذا عَدُّ صِفاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، لا مُجَرَّدُ التَّحْرِيفِ والِاحْتِيالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُحَرِّفُونَ كِتابَهم ويُجاهِرُونَ بِإنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  وقِيلَ: إنْ قَوْلَهم (سَمِعْنا وعَصَيْنا) لَمْ يَكُنْ بِمَحْضَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ كانَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَلا يُنافِي نِفاقَهم في الجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: القَوْلُ نَظَرًا إلى الجُمْلَةِ الأُولى حالِيٌّ وإلى الجُمْلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِسانِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ الأُولى أيْضًا ذاتُ وجْهَيْنِ كالأخِيرَتَيْنِ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمْ: أطَعْنا أمْرَكَ وعَصَيْنا أمْرَ قَوْمِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم ما تَقَدَّمَ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يُرادَ بِتَحْرِيفِ الكَلِمِ إمالَتُها عَنْ مَواضِعِها، سَواءٌ كانَتْ مَواضِعَ وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها أوْ جَعَلَها المَقامُ والعُرْفُ مَواضِعَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هم قَوْمٌ عادَتُهُمُ التَّحْرِيفُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُونَ ﴾ إلَخْ تَعْدادًا لِبَعْضِ تَحْرِيفاتِهِمْ، والمُرادُ: إنَّهم يَقُولُونَ لَكَ: (سَمِعْنا) وعِنْدَ قَوْمِهِمْ (عَصَيْنا) ويَقُولُونَ كَذا وكَذا، فَيُظْهِرُونَ لَكَ شَيْئًا ويُبْطِنُونَ خِلافَهُ.

﴿ لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ ﴾ اللَّيُّ يَكُونُ بِمَعْنى الِانْحِرافِ والِالتِفاتِ والِانْعِطافِ عَنْ جِهَةٍ إلى أُخْرى، ويَكُونُ بِمَعْنى ضَمِّ إحْدى =نَحْوَ= طاقاتِ الحَبْلِ عَلى الأُخْرى.

والمُرادُ بِهِ هُنا إمّا صَرْفُ الكَلامِ مِن جانِبِ الخَيْرِ إلى جانِبِ الشَّرِّ، وإمّا ضَمُّ أحَدِ الأمْرَيْنِ إلى الآخَرِ، وأصْلُهُ: (لَوِيَ) فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِـ(يَقُولُونَ) بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وقِيلَ: بِالأقْوالِ جَمِيعِها، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيْ: لاوِينَ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وطَعْنًا في الدِّينِ ﴾ أيْ قَدْحًا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكُلٌّ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ﴿ ولَوْ أنَّهُمْ ﴾ عِنْدَما سَمِعُوا شَيْئًا مِن أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيهِ ﴿ قالُوا ﴾ بِلِسانِ المَقالِ، كَما هو الظّاهِرُ، أوْ بِهِ وبِلِسانِ الحالِ كَما قِيلَ ﴿ سَمِعْنا ﴾ سَماعَ قَبُولٍ مَكانَ قَوْلِهِمْ: ﴿ سَمِعْنا ﴾ المُرادُ بِهِ سَماعُ الرَّدِّ ﴿ وأطَعْنا ﴾ مَكانَ قَوْلِهِمْ: عَصَيْنا واسْمَعْ بَدَلَ قَوْلِهِمُ: اسْمَعْ غَيْر مَسْمَع.

﴿ وانْظُرْنا ﴾ بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿ راعِنا ﴾ ، ﴿ لَكانَ ﴾ قَوْلُهم هَذا ﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وأنْفَعَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ وأقْوَمَ ﴾ أيْ: أعْدَلَ في نَفْسِهِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها، واعْتِبارُ أصْلِ الفِعْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ (مِن)، وفي تَقْدِيمِ حالِ القَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حالِهِ في نَفْسِهِ إيماءٌ إلى أنَّ هِمَمَ اليَهُودِ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - طَمّاحَةٌ إلى ما يَنْفَعُهُمْ، والمُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها فاعِلُ (ثَبَتَ) المُقَدِّرِ لِدَلالَةِ أنْ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ قَوْلُهُمْ: (سَمْعُنا) إلَخْ، وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ لا خَبَرَ لَهُ، وقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ.

﴿ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أيْ ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا الأنْفَعَ والأقْوَمَ، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ، فَخَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ بَعْدُ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ .

اخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِيَ كَوْنَهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لَعَنَهُمُ) أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا فَرِيقًا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَلْعَنْهُمْ، فَلِهَذا آمَنَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: هو مُسْتَثْنًى مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ) ويَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنَّ الوَجْهَ حِينَئِذٍ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، مَعَ أنَّ القُرّاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى النَّصْبِ، ويَبْعُدُ مِنهُمُ الِاتِّفاقُ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ إيمانِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى وخَذَلَهُ، إلّا أنْ يُحْمَلَ ﴿ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ عَلى لَعْنِ أكْثَرِهِمْ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا؛ لِأنَّهم وحَّدُوا، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَرِيعَتِهِ، والإيمانُ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ كَما في قَوْلِهِ: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ ∗∗∗ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ والمُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا مَعْدُومًا، إمّا عَلى حَدِّ ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ أيْ إنْ كانَ المَعْدُومُ إيمانًا فَهم يُحْدِثُونَ شَيْئًا مِنَ الإيمانِ فَهو مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، أوْ أنَّ ما أحْدَثُوهُ مِنهُ لَمّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلى ما لا بُدَّ مِنهُ كانَ مَعْدُومًا انْعِدامَ الكُلِّ بِجُزْئِهِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ٤٧

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ السُّدِّيُّ - في زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُؤَساءَ مِن أحْبارِ يَهُودَ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ لَحَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ الآيَةَ»» ولا يَخْفى أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو شامِلٌ لِمَن حُكِيَتْ أحْوالُهم وأقْوالُهم ولِغَيْرِهِمْ، وجُعِلَ الخِطابُ لِلْأوَّلِينَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وأنَّ وصْفَهم بِإيتاءِ الكِتابِ تارَةً وبِإيتاءِ نَصِيبٍ مِنهُ أُخْرى لِتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ حَظَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، ولَمّا كانَ تَفْصِيلُ هاتِيكَ الأحْوالِ والأقْوالِ مِن مَظانِّ إقْلاعِ مَن تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالمُبادَرَةِ إلى سُلُوكِ مَحَجَّةِ الهُدى، مَشْفُوعًا بِالتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى المُخالَفَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ آمِنُوا ﴾ إيمانًا شَرْعِيًّا ﴿ بِما نَزَّلْنا ﴾ أيْ: بِالَّذِي أنْزَلْناهُ مِن عِنْدِنا عَلى رَسُولِنا مُحَمَّدٍ  مِنَ القُرْآنِ ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ الغَيْرِ المُبَدَّلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِ القُرْآنِ لِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ التَّوْراةِ بِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ وُقُوفِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لَها ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، مُفِيدٌ لِلْمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الوارِدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ وُقُوعَ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِالمُخالَفَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِوُقُوعِهِ عِنْدَها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وأنَّهُ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ المُخاطَبِينَ، وفي تَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) تَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ مَعَ لُطْفٍ وحُسْنِ اسْتِدْعاءٍ.

وأصْلُ الطَّمْسِ اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، والمُرادُ (آمِنُوا) مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ ما خَطَّهُ البارِي بِقَلَمِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الوُجُوهِ، مِن نُونِ الحاجِبِ، وصادِ العَيْنِ، وألِفِ الأنْفِ، ومِيمِ الفَمِ، فَنَجْعَلُها كَخُفِّ البَعِيرِ، أوْ كَحافِرِ الدّابَّةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وقالَ الفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، وحُسَيْنٌ المَغْرِبِيُّ: إنَّ المَعْنى: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَجْعَلَ الوُجُوهَ مَنابِتَ الشَّعَرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ ﴿ فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ أيْ: فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وأقْفائِها، مَطْمُوسَةً مِثْلَها، فَإنَّ ما خَلَفَ الوَجْهِ لا تَصْوِيرَ فِيهِ وهو مَنبَتُ الشَّعَرِ أيْضًا، والعَطْفُ بِالفاءِ إمّا عَلى إرادَةِ نُرِيدُ الطَّمْسَ، أوْ عَلى جَعْلِ العَطْفِ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ.

وعَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ أنَّ المُرادَ: نُنَكِّسَها بَعْدَ الطَّمْسِ، بِجَعْلِ العُيُونِ الَّتِي فِيها وما مَعَها في القَفا، فالعَطْفُ بِالفاءِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوُجُوهِ الوُجَهاءُ، عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبَ وجاهَتَهم وإقْبالَهم ونَكْسُوَهم صَغارًا وإدْبارًا، أوْ نَرُدَّهم مِن حَيْثُ جاءُوا مِنهُ، وهي أذْرِعاتُ الشّامِ، فالمُرادُ بِذَلِكَ إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وإلى هَذا المُرادِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ الوَعِيدِ وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ لِلْجَمِيعِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ الوَعِيدَ هَلْ كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؟

فَقالَ جَماعَةٌ: كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِيسى بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: تَذاكَرْنا عِنْدَ إبْراهِيمَ إسْلامَ كَعْبٍ فَقالَ: أسْلَمَ كَعْبٌ في زَمانِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أقْبَلَ وهو يُرِيدُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَمَرَّ عَلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: يا كَعْبُ أسْلِمْ، قالَ: ألَسْتُمْ تَقْرَءُونَ في كِتابِكُمْ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ ؟!

وأنا قَدْ حَمَلْتُ التَّوْراةَ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتّى انْتَهى إلى حِمْصَ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِن أهْلِها يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: رَبِّ آمَنتُ، رَبِّ أسْلَمْتُ؛ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ وعِيدُها، ثُمَّ رَجَعَ، فَأتى أهْلَهُ بِاليَمَنِ، ثُمَّ جاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ.

ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا قَدِمَ مِنَ الشّامِ، وقَدْ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ أتى رَسُولُ اللَّهِ  قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَأسْلَمَ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يَتَحَوَّلَ وجْهِي إلى قَفايَ».

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ، ولا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ ومَسْخٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ، وأُيِّدَ بِتَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) والتَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فِيما يَأْتِي، واعْتَرَضَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ انْصِرافَ العَذابِ المَوْعُودِ عَنْ أوائِلِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ باشَرُوا أسْبابَ نُزُولِهِ ومُوجِباتِ حُلُولِهِ حَيْثُ شاهَدُوا شَواهِدَ النُّبُوَّةِ في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَكَذَّبُوها، وفي التَّوْراةِ فَحَرَّفُوها، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وتَعَلَّقَ بِهِمْ خِطابُ المُشافَهَةِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ نُزُولُهُ عَلى مَن وُجِّهَ بَعْدَما فاتَ مِنَ السِّنِينَ مِن أعْقابِهِمُ الضّالِّينَ بِإضْلالِهِمُ العامِلِينَ بِما مَهَّدُوا مِن قَوانِينَ الغِوايَةِ بِعِيدٌ مِن حِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ.

والجَوابُ بِأنَّ عادَةَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَرَتْ مَعَ اليَهُودِ بِأنْ يَنْتَقِمَ مِن أخْلافِهِمْ بِما صَنَعَتْ أسْلافُهُمْ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يُزِيلُ البُعْدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ.

وقالَ البَرْسِيُّ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ كانَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِمْ لَوْ لَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهُمْ، وقَدْ آمَنَ جَماعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ، ورُفِعَ عَنِ الباقِينَ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ إسْلامَ البَعْضِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَأكُّدِ نُزُولِ العَذابِ عَلى الباقِينَ لِتَشْدِيدِهِمُ النَّكِيرَ والعِنادَ بَعْدَ ازْدِيادِ الحَقِّ وُضُوحًا وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ أماثِلِهِمُ العُدُولِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِهِ عَنْهم.

وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّهُ إذا جازَ أنْ يُنْزِلَ سُبْحانَهُ البَلاءُ عَلى قَوْمٍ بِسَبَبِ عِصْيانِ بَعْضٍ مِنهم كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ فَلَأنْ يَجُوزَ أنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ عَنِ الكُلِّ بِسَبَبِ طاعَةِ البَعْضِ مِن بابٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ.

وقَدْ ورَدَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، ودَعْوى الفِرَقِ مِمّا لا تَكادُ تَسْلَمُ، وقِيلَ: كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ الأوَّلُ فَلا نِزاعَ في وُقُوعِ الأمْرِ الثّانِي، فَإنَّ اليَهُودَ مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ، وفي كُلِّ زَمانٍ، فاللَّعْنُ بِمَعْناهُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ الإغْراقُ في وصْفِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّعْنَ الواقِعَ عَلَيْهِمْ ما تَداوَلَتْهُ الألْسِنَةُ، وهو بِمَعْزِلٍ مِن صَلاحِيَتِهِ أنْ يَكُونَ حُكْمًا لِهَذا الوَعِيدِ، أوْ مَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةٍ لِلْعَنِيدِ، فاللَّعْنُ هُنا الخِزْيُ بِالمَسْخِ، وجَعْلُهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ التَّشْبِيهِ، ولَيْسَ في عَطْفِهِ عَلى الطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ شائِبَةُ دَلالَةٍ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّهُ تَعْبِيرٌ مُغايِرٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى مُغايَرَةِ اللَّعْنِ بِالمَسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن لَعَنَهُ اللَّهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ﴾ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُغايَرَتِهِ لِلْمَسْخِ في تِلْكَ الآيَةِ.

وذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الوَعِيدَ إنَّما كانَ بِوُقُوعِ ما ذُكِرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحَشْرِ، وسَيَقَعُ فِيها أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ.

وأُجِيبَ عَمّا رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ: الظّاهِرُ في أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاحْتِياطِ وغَلَبَةِ الخَوْفِ اللّائِقِ بِشَأْنِها، وقَدْ ورَدَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ في الحُجُراتِ، ولا يَكادُ يَقِرُّ لَهُ قَرارٌ إذا اشْتَدَّ الهَواءُ ويَقُولُ: «أخْشى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ»» مَعَ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ قَبْلَ قِيامِها القائِمَ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّجّالَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، والدّابَّةَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَصَّهُ  - عَلَيْنا، وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الوَعِيدِ بِالوُقُوعِ في الآخِرَةِ أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ الخَتْمُ عَلى العَيْنِ والفَمِ، والطَّبْعُ عَلَيْهِما، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ و ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ وجَوَّزَ نَحْوَ هَذا بَعْضُ مَنِ ادَّعى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا فَقالَ: إنَّ المَعْنى آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا بِأنْ نُعْمِيَ الأبْصارَ عَنِ الِاعْتِبارِ، ونُصِمَّ الأسْماعَ عَنِ الإصْغاءِ إلى الحَقِّ بِالطَّبْعِ، ونَرُدَّها عَنِ الهِدايَةِ إلى الضَّلالَةِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وأخْرَجَهُ أبُو الجارُودِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في كَوْنِ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، بَلِ المُتَبادَرُ مِنها بِحَسَبِ المَقامِ كَوْنُهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ، وعَلَيْهِ مَبْنى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ.

لَكِنْ لَمّا كانَ في وُقُوعِ ذَلِكَ خَفاءٌ واحْتِمالٌ أنَّهُ وقَعَ ولَمْ يَبْلُغْنا - عَلى ما في التَّيْسِيرِ - مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ورُجِّحَ احْتِمالُ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ، وأيًّا ما كانَ فَلَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ مِن بَيْنِ العُقُوباتِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُراعاةُ المُشاكَلَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما أوْجَبَها مِن جِنايَتِهِمُ، الَّتِي هي التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، والفاعِلُ والرّاضِي سَواءٌ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (نَلْعَنَهُمْ) لِأصْحابِ الوُجُوهِ، أوْ (لِلَّذِينَ) عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ تَمامِ النِّداءِ يَقْتَضِي الظّاهِرُ الخِطابَ، وأمّا قَبْلَهُ فالظّاهِرُ الغَيْبَةُ، ويَجُوزُ الخِطابُ لَكِنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ كَقَوْلِهِ: يا مَن يَعِزُّ عَلَيْنا أنْ نُفارِقَهم وِجْدانُنا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكم عَدَمُ أوْ لِلْوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ.

﴿ وكانَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ بِإيقاعِ شَيْءٍ ما مِنَ الأشْياءِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ واحِدُ الأُمُورِ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، أيْ: كانَ وعِيدُهُ أوْ ما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ مَفْعُولًا نافِذًا واقِعًا في الحالِ، أوْ كائِنًا في المُسْتَقْبَلِ لا مَحالَةَ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا ٤٨

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ، ومُؤَكِّدٌ وُجُوبَ امْتِثالِ الأمْرِ بِالإيمانِ، حَيْثُ إنَّهُ لا مَغْفِرَةَ بِدُونِهِ كَما زَعَمَ اليَهُودُ، وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ وفِيهِ أيْضًا إزالَةُ خَوْفِهِمْ مِن سُوءِ الكَبائِرِ السّابِقَةِ إذا آمَنُوا.

والشِّرْكُ يَكُونُ بِمَعْنى اعْتِقادِ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا، إمّا في الأُلُوهِيَّةِ أوْ في الرُّبُوبِيَّةِ، وبِمَعْنى الكُفْرِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ هُنا، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُفْرُ اليَهُودِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً، وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ كَيْفَ كانُوا، ونُزُولُ الآيَةِ في حَقِّ اليَهُودِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِكُفْرِهِمْ، بَلْ يَكْفِي الِانْدِراجُ فِيما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، والمَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ مُطْلَقَةً.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَتَلاها عَلى النّاسِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ بِاللَّهِ؟

فَسَكَتْ، ثُمَّ قامَ إلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى؟

فَسَكَتْ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلَخْ».

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الحُكْمَ عَلى خُلُودِ عَذابِهِ، وحُكْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ، ولِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ، ولِذا لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا لِسَدِّهِ، وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ.

وقِيلَ: لِأنَّ ذَنْبَهُ لا يَنْمَحِي عَنْهُ أثَرُهُ فَلا يَسْتَعِدُّ لِلْعَفْوِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى تابِعٌ لِاسْتِعْدادِ المَحَلِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ، وجَمِيعُ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّ (يُشْرَكَ) في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لا يَغْفِرُ مِن أجْلِ أنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ، فَيُفِيدُ عَدَمَ غُفْرانِ الشِّرْكِ مِن بابِ أوْلى، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ هو الأوَّلُ.

﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لا مُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ، وفِيهِ إيذانٌ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في القُبْحِ، أيْ: يَغْفِرُ ما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي وإنْ عَظُمَتْ وكانَتْ كَرَمْلِ عالِجٍ، ولَمْ يَتُبْ عَنْها تَفَضُّلًا مِن لَدُنْهُ وإحْسانًا.

﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ فَقَطْ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْفِرُ) المُثْبَتِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الأوَّلَ البَتَّةَ ويَغْفِرُ الثّانِيَ لِمَن يَشاءُ، والجَماعَةُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِما جَمِيعًا ومَغْفِرَتِهِما عِنْدَها بِلا خِلافٍ مِن أحَدٍ.

وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ مِنَ الكَبائِرِ، في أنَّهُما يُغْفَرانِ بِالتَّوْبَةِ، ولا يُغْفَرانِ بِدُونِها، فَحَمَلُوا الآيَةَ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الإشْراكَ لِمَن يَشاءُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهُ وهو غَيْرُ التّائِبِ، ويَغْفِرُ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ وهو التّائِبُ، وجَعَلُوا (لِمَن يَشاءُ) مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلَيْنِ، وقَيَّدُوا المَنفِيَّ بِما قُيِّدَ بِهِ المُثْبَتُ عَلى قاعِدَةِ التَّنازُعِ، لَكِنَّ (مَن يَشاءُ) في الأوَّلِ المُصِرُّونَ بِالِاتِّفاقِ، وفي الثّانِي التّائِبُونَ قَضاءً لِحَقِّ التَّقابُلِ، ولَيْسَ هَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الواحِدِ في مَعْنَيَيْنِ مُتَضادَّيْنِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ إنَّما تَعَلَّقَ بِالثّانِي، وقُدِّرَ في الأوَّلِ مِثْلُهُ، والمَعْنى واحِدٌ، لَكِنْ يُقَدَّرُ مَفْعُولُ المَشِيئَةِ في الأوَّلِ عَدَمُ الغُفْرانِ، وفي الثّانِي الغُفْرانُ، بِقَرِينَةِ سَبْقِ الذِّكْرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ هَذا مِنَ التَّنازُعِ مَعَ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقٍ المَشِيئَةِ مِمّا لا يَكادُ يَتَفَوَّهُ بِهِ فاضِلٌ، ولا يَرْتَضِيهِ كامِلٌ، عَلى أنَّهُ لا جِهَةَ لِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ القَيْدَيْنِ بِما خُصِّصَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أيْضًا يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وما دُونَهُ لا يُغْفَرُ لِلْمُصِرِّ عِنْدَهم مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما، وسَوْقُ الآيَةِ يُنادِي بِالتَّفْرِقَةِ، وتَقْيِيدُ مَغْفِرَةِ ما دُونُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ عُمُومُ آياتِ الوَعِيدِ بِالمُحافَظَةِ أوْلى مِن آياتٍ الوَعْدِ.

وقَدْ ذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ أنَّها راجِحَةٌ عَلى آياتِ الوَعِيدِ بِالِاعْتِبارِ مِن ثَمانِيَةِ أوْجُهٍ، سَرَدَها هُناكَ، وزَعَمَ أنَّها لَوْ لَمْ تُقَيَّدْ وقِيلَ بِجَوازِ المَغْفِرَةِ لِمَن لَمْ يَتُبْ لَزِمَ إغْراءُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ بِالمَعْصِيَةِ لِسُهُولَتِها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، والإغْراءُ بِذَلِكَ قَبِيحٌ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ.

أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ أُبْطِلَ في مَحَلِّهِ.

وأمّا ثانِيًا: فَلِأنْ لَوْ سُلِّمَ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْبِيحُ العَفْوِ شاهِدًا، وهو خِلافُ إجْماعِ العُقَلاءِ.

وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِالتَّوْبَةِ فَإنَّهم قالُوا بِوُجُوبِ قَبُولِها، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَسْهُلُ عَلى العاصِي الإقْدامُ عَلى المَعْصِيَةِ أيْضًا ثِقَةً مِنهُ بِالتَّوْبَةِ حَسَبَ وُثُوقِهِ بِالمَغْفِرَةِ، بَلْ أبْلَغُ، مِن حَيْثُ إنَّ التَّوْبَةَ مَقْدُورَةٌ لَهُ بِخِلافِ المَغْفِرَةِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ لِما فِيهِ مِنَ الإغْراءِ، وهو خِلافُ الإجْماعِ، فَلَئِنْ قالُوا: هو غَيْرُ واثِقٍ بِالإمْهالِ إلى التَّوْبَةِ قُلْنا: هو غَيْرُ واثِقٍ بِالمَغْفِرَةِ لِإبْهامِ المَوْصُولِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ تُشْتَرَطِ التَّوْبَةُ لَزِمَ المُحاباةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الغُفْرانِ لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ والمُحاباةُ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلَيْهِ تَعالى ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالغُفْرانِ، ولِلْمُتَفَضِّلِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وإنْسانٍ دُونَ إنْسانٍ، وهو عادِلٌ في تَعْذِيبِ مَن يُعَذِّبُهُ، ولَيْسَ يَمْنَعُ العَقْلُ والشَّرْعُ مِنَ الفَضْلِ والعَدْلِ كَما لا يَخْفى.

ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَن قالَ: إنَّ المَغْفِرَةَ قَدْ جاءَتْ بِمَعْنى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ دُونَ إسْقاطِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ هُنا حَمْلُها عَلى إسْقاطِ العُقُوبَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ والعُقُوبَةَ غَيْرُ ساقِطَةٍ عَنْهم إجْماعًا، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المَغْفِرَةَ بِمَعْنى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ فَلْتُحْمَلْ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى ذَلِكَ بِقَرِينَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ الكُفّارَ وحَذَّرَهم تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ عَنْ تَرْكِ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلَخْ فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ بَلْ يُعَجِّلُها ويُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ، فَلا تَنْهَضُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى ما هو مَحَلُّ النِّزاعِ، عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أنَّ المَغْفِرَةَ فِيها بِمَعْنى إسْقاطِ العُقُوبَةِ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرادَ إسْقاطُ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ العُقُوبَةِ، أوْ يُرادَ إسْقاطُ جُمْلَةِ العُقُوباتِ، أوْ يُرادَ إسْقاطُ بَعْضِ أنْواعِها، لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِعَدَمِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، بَقِيَ الِاحْتِمالانِ الآخَرانِ، وعَلى الأوَّلِ مِنهُما لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ لا يُعاقِبُ بِكُلِّ أنْواعِ العُقُوباتِ أنْ لا يُعاقِبَ بِبَعْضِها، وعَلى الثّانِي لا يَلْزَمُ مِن إسْقاطِ بَعْضِ الأنْواعِ إسْقاطُ البَعْضِ الآخَرِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ حَمْلَ المَغْفِرَةِ عَلى إسْقاطِ العُقُوبَةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى التَّأْخِيرِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَعْنى المُتَبادَرُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ حُمِلَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ في الآيَةِ عَلى التَّأْخِيرِ لَزِمَ مِنهُ التَّخْصِيصُ في أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ مُؤَخَّرَةٌ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلْ رُبَّما كانُوا في أرْغَدِ عَيْشٍ وأطْيَبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْشِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، وأنْ لا يُفَرَّقَ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِخِلافِ حَمْلِها عَلى الإسْقاطِ.

الثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مِنَ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِينَ لَمْ يَزالُوا مُجْمِعِينَ عَلى حَمْلِ لِفَظِ المَغْفِرَةِ في الآيَةِ عَلى سُقُوطِ العُقُوبَةِ، وما وقَعَ عَلَيْهِ الإجْماعُ هو الصَّوابُ، وضِدُّهُ لا يَكُونُ صَوابًا.

وقَوْلُهُمْ: لا يَحْصُلُ الغَرَضُ أيْضًا لَوْ حُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرادَ إلَخْ، قُلْنا: بَلِ المُرادُ إسْقاطُ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ، وبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ سَلْبٌ لِلْغُفْرانِ، فَإذا كانَ المَفْهُومُ مِنَ الغُفْرانِ إسْقاطَ العُقُوبَةِ فَسَلْبُ الغُفْرانِ سَلْبُ السَّلْبِ، فَيَكُونُ إثْباتًا، ومَعْناهُ إقامَةُ العُقُوبَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ المَفْهُومُ إقامَةَ كُلِّ أنْواعِ العُقُوباتِ أوْ بَعْضِها لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ العُقُوباتِ المُتَضادَّةِ، ولِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ في حَقِّ الكُفّارِ إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّانِي، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الغُفْرانُ فِيما دُونَ الشِّرْكِ بِإسْقاطِ كُلِّ عُقُوبَةٍ، وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ.

ومِنهم مَن وقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ في هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى زَعَمَ أنْ و(يَغْفِرُ) عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ، والنَّفْيُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِما، والآيَةُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ لا لِلتَّفْرِقَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِن تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى ووَضْعِهِ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.

ومِنَ الجَماعَةِ مِن قالَ في الرَّدِّ عَلى المُعْتَزِلَةِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ يُنافِي وُجُوبَ التَّعْذِيبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ ووُجُوبَ الصَّفْحِ بَعْدَها، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ ثَبَتٍ؛ لِأنَّ الوُجُوبَ بِالحِكْمَةِ يُؤَكِّدُ المَشِيئَةَ عِنْدَهُمْ، وأيْضًا قَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ إلى أنَّ المَشِيئَةَ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ، وهي تَقْتَضِي الوُجُوبَ وتُؤَكِّدُهُ، فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ رَأْسًا.

ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَما يُرَدُّ بِها عَلى المُعْتَزِلَةِ يُرَدُّ بِها عَلى الخَوارِجِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ شِرْكٌ، وأنَّ صاحِبَهُ خالِدٌ في النّارِ، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ فِيها رَدًّا أيْضًا عَلى المُرْجِئَةِ القائِلِينَ: إنَّ أصْحابَ الكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يُعَذَّبُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ عَدِيٍّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا  ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآيَةَ، وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي، فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا ثُمَّ نَطَقْنا ورَجَوْنا»» وقَدِ اسْتَبْشَرَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِهَذِهِ الآيَةِ جِدًّا، حَتّى قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ: «أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .

﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِتَعْلِيلِ عَدَمِ غُفْرانِ الشِّرْكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ الإشْراكِ، وتَفْظِيعِ حالِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ، أيْ: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَمالِ والجَلالِ أيَّ شِرْكٍ كانَ ﴿ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ أيِ: ارْتَكَبَ ما يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الآثامُ، فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ قَطْعًا، وأصْلُ الِافْتِراءِ مِنَ الفِرى، وهو القَطْعُ، ولِكَوْنِ قِطْعِ الشَّيْءِ مَفْسَدَةً لَهُ غالِبًا غَلَبَ عَلى الإفْسادِ، واسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الكَذِبِ والشِّرْكِ والظُّلْمِ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، فَهو ارْتِكابُ ما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، فَيَقَعُ عَلى اخْتِلاقِ الكَذِبِ، وارْتِكابِ الإثْمِ، وهو المُرادُ هُنا.

وهَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اخْتِلاقِ الكَذِبِ وافْتِعالِ ما لا يَصْلُحُ أمْ حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ في الثّانِي؟

قَوْلانِ: أظْهَرُهُما عِنْدَ البَعْضِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أعَمُّ مِنَ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ مَعْنًى عامٌّ وهو ارْتِكابُ ما لا يَصْلُحُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ في أصْلِ المَعْنى بِأنَّهُ يُقالُ: فَرَيْتُ الأدِيمَ إذا قَطَعْتَهُ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ، وأفْرَيْتُهُ إذا قَطَعْتَهُ عَلى وجْهِ الإفْسادِ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في «رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأطْفالِهِمْ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلْ عَلى أوْلادِنا هَؤُلاءِ مِن ذَنَبٍ؟

فَقالَ: «لا» فَقالُوا: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ما نَحْنُ فِيهِ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ، ما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِالنَّهارِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِاللَّيْلِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ، فَهَذا الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى، حَيْثُ قالُوا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وقالُوا: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ﴾ والمَعْنى: انْظُرْ إلَيْهِمْ وتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرَ والإثْمِ العَظِيمِ!

أوْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُمُ اللَّيْلِيَّةَ والنَّهارِيَّةَ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِكافِرٍ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ!

وفي مَعْناهم مَن زَكّى نَفْسَهُ وأثْنى عَلَيْها لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، كالتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ ونَحْوِهِ ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ﴾ إبْطالٌ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، وإثْباتٌ لِتَزْكِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

وكَوْنُ ذَلِكَ لِلْإضْرابِ عَنْ ذَمِّهِمْ بِتِلْكَ التَّزْكِيَةِ إلى ذَمِّهِمْ بِالبُخْلِ والحَسَدِ بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: هم لا يُزَكُّونَها في الحَقِيقَةِ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ تَزْكِيَتَهُ مِمَّنْ يَسْتَأْهِلُ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، إذْ هو العَلِيمُ الخَبِيرُ، وأصْلُ التَّزْكِيَةِ التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ مِنَ القَبِيحِ قَوْلًا - كَما هو ظاهِرٌ - أوْ فِعْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ و ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها ﴾ .

﴿ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِأنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ الذِّكْرِ، أيْ يُعاقَبُونَ بِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ، ولا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ العِقابِ أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرَهُ، وهو المُرادُ بِالفَتِيلِ، وهو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ، وكَثِيرًا ما يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، كالنَّقِيرِ لِلنُّقْرَةِ الَّتِي في ظَهْرِها، والقِطْمِيرُ وهو قِشْرَتُها الرَّقِيقَةُ، وقِيلَ: الفَتِيلُ ما خَرَجَ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ وكَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ (ولا يُظْلَمُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى (مَن) حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى، أيْ: والحالُ أنَّهم لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِهِمْ أصْلًا، بَلْ يُعْطُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كامِلًا، مَعَ ما زَكّاهُمُ اللَّهُ تَعالى ومَدَحَهم في الدُّنْيا.

وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَوْصُولَيْنِ: مَن زَكّى نَفْسَهُ، ومَن زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى، أيْ: لا يُنْقَصُ هَذا مِن ثَوابِهِ ولا ذاكَ مِن عِقابِهِ، والأوَّلُ أمَسُّ بِمَقامِ الوَعِيدِ، وانْتِصابُ (فَتِيلًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ كَقَوْلِكَ: ظَلَمَتُهُ حَقَّهُ، قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، كَقَوْلِكَ: تَصَبَّبْتُ عَرَقًا.

<div class="verse-tafsir"

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا ٥٠

﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ في زَعْمِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى المُتَضَمِّنِ لِزَعْمِهِمْ قَبُولَ اللَّهِ تَعالى وارْتِضاءَهُ إيّاهُمْ، ولِشَناعَةِ هَذا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ تَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وُجِّهَ النَّظَرُ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وإلّا فَهم أيْضًا مُفْتَرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِادِّعائِهِمُ الِاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ، عَلى الخِلافِ المَشْهُورِ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ، والعامِلُ (يَفْتَرُونَ) و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكَذِبِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ، وفِعْلُ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ بِذَلِكَ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ ﴿ وكَفى بِهِ ﴾ أيْ بِافْتِرائِهِمْ، وقِيلَ: بِهَذا الكَذِبِ الخاصِّ ﴿ إثْمًا مُبِينًا ﴾ لا يَخْفى كَوْنُهُ مَأْثَمًا مِن بَيْنِ آثامِهِمْ، وهَذا عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمًا مُنْكَرًا، والجُمْلَةُ - كَما قالَ عِصامُ المُلَّةُ -: في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرٍ قَدْ، أيْ: كَيْفَ يَفْتَرُونَ الكَذِبَ، والحالُ أنَّ ذَلِكَ يُنافِي مَضْمُونَهُ؛ لِأنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ، والآثِمُ بِالإثْمِ المُبِينِ غَيْرُ المُتَحاشِي عَنْهُ مَعَ ظُهُورِهِ، لا يَكُونُ ابْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وحَبِيبَهُ، ولا يَكُونُ زَكِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وانْتِصابُ (إثْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا ٥١

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ﴾ تَعْجِيبٌ مَن حالٍ أُخْرى لَهُمْ، ووَصْفُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -فِي حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ في جَمْعٍ مِن يَهُودَ، وذَلِكَ أنَّهم خَرَجُوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحالِفُوا قُرَيْشًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ويَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلى أبِي سُفْيانَ، فَأحْسَنَ مَثْواهُ، ونَزَلَتِ اليَهُودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ أهْلُ مَكَّةَ: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، ومُحَمَّدٌ  صاحِبُ كِتابٍ، فَلا يُؤْمَنُ هَذا أنْ يَكُونَ مَكْرًا مِنكُمْ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ، وآمِن بِهِما، فَفَعَلَ.

ثُمَّ قالَ كَعْبٌ: يا أهْلَ مَكَّةَ لِيَجِئْ مِنكم ثَلاثُونَ ومِنّا ثَلاثُونَ، فَنُلْزِقَ أكْبادَنا بِالكَعْبَةِ، فَنُعاهِدَ رَبَّ البَيْتِ لَنُجْهِدَنَّ عَلى قِتالِ مُحَمَّدٍ  فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمّا فَرَغُوا قالَ أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الكِتابَ وتَعْلَمُ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نَعْلَمُ، فَأيُّنا أهْدى طَرِيقًا وأقْرَبَ إلى الحَقِّ نَحْنُ أوْ مُحَمَّدٌ؟

قالَ كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: نَحْنُ نَنْحَرُ لِلْحَجِيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ، ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بَيْتَ رَبِّنا، ونَطُوفُ بِهِ، ونَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ، ومُحَمَّدٌ  فارَقَ دِينَ آبائِهِ، وقَطَّعَ الرَّحِمَ، وفارَقَ الحَرَمَ، ودِينُنا القَدِيمُ، ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ، فَقالَ كَعْبٌ: أنْتُمْ واللَّهِ أهْدى سَبِيلًا مِمّا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ  فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ الآيَةَ.

والجِبْتُ في الأصْلِ اسْمُ صَنَمٍ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ الجِبْسُ، وهو - كَما قالَ الرّاغِبُ -: الرَّذِيلُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، فَقُلِبَتْ سِينُهُ تاءً، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ يَرْبُوعَ: شِرارُ النّاتِ، أيِ النّاسِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، والطّاغُوتُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ باطِلٍ مِن مَعْبُودٍ وغَيْرِهِ.

وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: الجِبْتُ السّاحِرُ، والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ - مِن طُرُقٍ - عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ، ومِن طَرِيقِ أبِي اللَّيْثِ عَنْهُ قالَ: الجِبْتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والطّاغُوتُ الشَّيْطانُ، كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: الجِبْتُ السّاحِرُ، بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ الكاهِنُ.

وأخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الجِبْتَ الشَّيْطانُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتَ الكاهِنُ، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.

وفِي أُخْرى: الجِبْتُ الأصْنامُ، والطّاغُوتُ الَّذِينَ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْها يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ؛ لِيُضِلُّوا النّاسَ.

ومَعْنى الإيمانِ بِهِما إمّا التَّصْدِيقُ بِأنَّهُما آلِهَةٌ وإشْراكُهُما بِالعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا طاعَتُهُما ومُوافَقَتُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وإمّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، كالتَّعْظِيمِ مَثَلًا، والمُتَبادَرُ المَعْنى الأوَّلُ، أيْ أنَّهم يُصَدِّقُونَ بِأُلُوهِيَّةِ هَذَيْنِ الباطِلَيْنِ، ويُشْرِكُونَهُما في العِبادَةِ مَعَ الإلَهِ الحَقِّ، ويَسْجُدُونَ لَهُما.

وأخْرُجُ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا وأخْرُجُ أيْ لِأجْلِهِمْ، وفي حَقِّهِمْ، فاللّامُ لَيْسَتْ صِلَةَ القَوْلِ وإلّا لَقِيلَ: (أنْتُمْ) بَدَلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (هَؤُلاءِ) أيِ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

﴿ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقَةً، قِيلَ: والظّاهِرُ أنَّهم أطْلَقُوا أفْعَلَ التَّفْضِيلِ ولَمْ يَلْحَظُوا مَعْنى التَّشْرِيكِ فِيهِ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِكُفْرِهِمْ، وإيرادُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأتْباعِهِ بِعُنْوانِ الإيمانِ لَيْسَ مِن قِبَلِ القائِلِينَ بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى؛ تَعْرِيفًا لَهم بِالوَصْفِ الجَمِيلِ، وتَخْطِئَةً لِمَن رَجَّحَ عَلَيْهِمُ المُتَّصِفِينَ بِأشْنَعِ القَبائِحِ <div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢

﴿ أُولَئِكَ ﴾ القائِلُونَ المُبْعِدُونَ في الضَّلالَةِ ﴿ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهُمْ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وإظْهارِ مَآلِهِمْ ﴿ ومَن يَلْعَنِ ﴾ أيْ: يُبْعِدْهُ ﴿ اللَّهُ ﴾ مِن رَحْمَتِهِ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ أيْ: ناصِرًا، يَمْنَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا بِشَفاعَةٍ أوْ بِغَيْرِها، وفِيهِ بَيانٌ لِحِرْمانِهِمْ ثَمَرَةَ اسْتِنْصارِهِمْ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وإيماءٌ إلى وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُمُ المَنصُورُونَ، حَيْثُ كانُوا بِضِدِّ هَؤُلاءِ، فَهُمُ الَّذِينَ قَرَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَن يُقَرِّبْهُ اللَّهُ تَعالى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ خاذِلًا.

وفِي الإتْيانِ بِكَلِمَةِ (لَنْ) وتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ يَصْلُحُ لَهُ وتَوْحِيدِ النَّصِيرِ مُنَكَّرًا والتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِهِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ المُؤْذِنِ بِسَبْقِ الطَّلَبِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ العامِّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمُ الأبَدِيِّ عَنِ الظَّفَرِ بِما أمَّلُوا بِالكُلِّيَّةِ ما لا يَخْفى، وإنِ اعْتُبِرَتِ المُبالَغَةُ في (نَصِيرٍ) مُتَوَجِّهَةً لِلنَّفْيِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ ﴾ قَوِيَ أمْرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣

﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ(بَلْ) والهَمْزَةِ أيْ: بَلْ آلَهُمْ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، وجُحِدَ لِما تَدَّعِيهِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ يَعُودُ إلَيْهِمْ في آخِرِ الزَّمانِ.

وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالمُلْكِ ها هُنا النُّبُوَّةُ، أيْ: لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ النُّبُوَّةِ حَتّى يَلْزَمَ النّاسُ اتِّباعَهم وإطاعَتَهُمْ، والأوَّلُ أظْهَرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ ﴾ أيْ: أحَدًا، أوِ الفُقَراءَ، أوْ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأتْباعَهُ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ نَقِيرًا ﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: هَذا النَّقِيرُ، فَوَضَعَ طَرَفَ الإبْهامِ عَلى باطِنِ السَّبّابَةِ ثُمَّ نَقَرَها، وحاصِلُ المَعْنى عَلى ما قِيلَ: إنَّهم لا نَصِيبَ لَهم مِنَ المُلْكِ لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ بَلْ لِاسْتِحْقاقِهِمْ حِرْمانَهُ بِسَبَبِ أنَّهم لَوْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ لَما أعْطَوُا النّاسَ أقَلَّ قَلِيلٍ مِنهُ، ومِن حَقِّ مَن أُوتِيَ المُلْكَ الإيتاءُ، وهم لَيْسُوا كَذَلِكَ، فالفاءُ في (فَإذًا) لِلسَّبَبِيَّةِ والجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، هُوَ: إنْ حَصَلَ لَهم نَصِيبٌ لا، لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ - كَما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - لَأنَّ الفاءَ لا تَقَعُ في جَوابِ لَوْ، سِيَّما مَعَ إذًا والمُضارِعِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ المَجْمُوعِ مِنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنَّ يَكُونَ هَذا الَّذِي وقَعَ، وهو أنَّهم قَدْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ، حَيْثُ كانَتْ لَهم أمْوالٌ وبَساتِينُ وقُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ كالمُلُوكِ، ويَعْقُبُهُ مِنهُمُ البُخْلُ بِأقَلِّ قَلِيلٍ، وفائِدَةُ (إذًا) زِيادَةُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ الَّذِي هو سَبَبُ الإعْطاءِ سَبَبًا لِلْمَنعِ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ الإنْكارَ في الأوَّلِ مُتَوَجِّهٌ إلى الجُمْلَةِ الأوْلى وهو بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي مُتَوَجِّهٌ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وهو بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ، و(إذًا) في الوَجْهَيْنِ مُلْغاةٌ ويَجُوزُ إعْمالُها؛ لِأنَّهُ قَدْ شُرِطَ في إعْمالِها الصَّدارَةُ، فَإذا نُظِرَ إلى كَوْنِها في صَدْرِ جُمْلَتِها أُعْمِلَتْ، وإنْ نُظِرَ إلى العَطْفِ وكَوْنِها تابِعَةً لِغَيْرِها أُهْمِلَتْ، ولِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: (فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ) بِالنَّصْبِ عَلى الإعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا ٥٤

﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ انْتِقالٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِالبُخْلِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ، الَّذِي هو أقْبَحُ الرَّذائِلِ المُهْلِكَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِها دُنْيا وأُخْرى، وذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ بَعْدَها لِإنْكارِ الواقِعِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ سَيِّدُهُمْ، بَلْ سَيِّدُ الخَلِيقَةِ عَلى الإطْلاقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإلى هَذا ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، ولَيْسَ هَمُّهُ إلّا النِّكاحُ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلَ مِن هَذا؟» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

وذَهَبَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ العَرَبُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُمُ النَّبِيُّ وآلِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ السَّلامِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ  مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أيْ: بَلْ أيَحْسُدُونَهم ﴿ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ وإباحَةَ تِسْعِ نِسْوَةٍ، أوْ بِعْثَةَ النَّبِيِّ  - مِنهُمْ، ونُزُولَ القُرْآنِ بِلِسانِهِمْ، أوْ جَمْعَهم كِمالاتٍ تَقْصُرُ عَنْها الأمانِيُّ، أوْ تَهْيِئَةَ سَبَبِ رَشادِهِمْ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ  -إلَيْهِمْ، والحَسَدُ عَلى هَذا مَجازٌ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا نازَعُوهُ في نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّتِي هي إرْشادٌ لِجَمِيعِ النّاسِ فَكَأنَّما حَسَدُوهم جَمْعٌ ﴿ فَقَدْ آتَيْنا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ، وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، والفاءُ كَما قِيلَ فَصِيحَةٌ، أيْ: إنْ يَحْسُدُوا النّاسَ عَلى ما أُوتُوا فَقَدْ أخْطَئُوا؛ إذْ لَيْسَ الإيتاءُ بِبِدْعٍ مِنّا؛ لِأنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا ﴿ آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ ﴾ أيْ: جِنْسَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ أيِ: النُّبُوَّةَ، أوْ إتْقانَ العِلْمِ والعَمَلِ، أوِ الأسْرارَ المُودَعَةَ في الكِتابِ، أقْوال.

﴿ وآتَيْناهُمْ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الحَسَدِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا هَؤُلاءِ ما آتَيْنا مَعَ كَثْرَةِ الحُسّادِ الجَبابِرَةِ مِن نَمْرُودَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَنْتَفِعِ الحاسِدُ ولَمْ يَتَضَرَّرِ المَحْسُودُ، وأنْ يُرادَ أنَّ حَسَدَهم هَذا في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلُ أسْلافَ هَذا النَّبِيِّ المَحْسُودِ  وأبْناءَ عَمِّهِ ما آتَيْناهُمْ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُّوتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها؟!

وتَكْرِيرُ الإيتاءِ لِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّفْصِيلِ مَعَ الإشْعارِ بِما بَيْنَ المُلْكِ وما قَبْلَهُ مِنَ المُغايَرَةِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ إمّا الإيتاءُ بِالذّاتِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الإيتاءِ بِالواسِطَةِ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ مِن آلِ إبْراهِيمَ أنْبِياءُ ذُرِّيَّتِهِ، ومِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ مِن (آتَيْناهُمْ) بَعْضُهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: «المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وخَصَّهُ السُّدِّيُّ بِما أُحِلَّ لِداوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ كانَ لِلْأوَّلِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، ولِوَلَدِهِ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ، ومِثْلُها سُرِّيَّةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وعَلى الثّانِي فالمُرادِ بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُ كُلُّها، فَإنَّ تَشْرِيفَ البَعْضِ بِما ذُكِرَ تَشْرِيفٌ لِلْكُلِّ لِاغْتِنامِهِمْ بِآثارِ ذَلِكَ، واقْتِباسِهِمْ مِن أنْوارٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحِكْمَةَ بِالعِلْمِ، والمُلْكَ العَظِيمَ بِالنُّبُوَّةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ولا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ المُلْكِ العَظِيمِ عَلى النُّبُوَّةِ في غايَةِ البُعْدِ، والحَمْلُ عَلى المُتَبادَرِ أوْلى <div class="verse-tafsir"

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥

﴿ فَمِنهُمْ ﴾ أيْ: مِن جِنْسِ هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ ﴿ مَن آمَنَ بِهِ ﴾ أيْ بِما أُوتِيَ آلَ إبْراهِيمَ ﴿ ومِنهم مَن صَدَّ ﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿ عَنْهُ ﴾ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ، وهَذا في رَأْيٍ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ عَقِيبَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في الإلْزامِ، وقِيلَ: لَهُ دَخَلَ في ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ الحَسَدَ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا لَأجْمَعَ عَلَيْهِ أسْلافُهم فَلَمْ يُؤْمِن مِنهم أحَدٌ، كَما أجَمَعُوهم عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ، فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ، فَضَمِيرُ (بِهِ) و(عَنْهُ) عَلى هَذا لِإبْراهِيمَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُجُوعُ الضَّمِيرَيْنِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وجَعْلُ الكَلامِ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ ﴾ إلَخْ في غايَةِ البُعْدِ.

وكَذا جَعْلُ الضَّمِيرَيْنِ لِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ ﴿ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ أيْ نارًا مُسَعَّرَةً مُوقَدَةً إيقادًا شَدِيدًا، أيْ: إنِ انْصَرَفَ عَنْهم بَعْضُ العَذابِ في الدُّنْيا فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سُعَيْرِ جَهَنَّمَ في العُقْبى.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ٥٦

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ  وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِمَّنْ كَفَرَ بِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالآياتِ إمّا القُرْآنُ أوْ ما يَعُمُّ كُلُّهُ وبَعْضُهُ، أوْ ما يَعُمُّ سائِرَ مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِها ما يَعُمُّ المَذْكُوراتِ وسائِرَ الشَّواهِدِ الَّتِي أتى بِها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مُدَعّاهُمْ، و(سَوْفَ) كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وتَنُوبُ عَنْها السِّينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ وقَدْ تُذْكَرُ لِلْوَعْدِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ﴾ ، ”وسَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي“ وكَثِيرًا ما تُفِيدُ هي والسِّينُ تَوْكِيدَ الوَعِيدِ، وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: يَدْخُلُونَ - ولا بُدَّ - نارًا هائِلَةً.

﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ أيِ احْتَرَقَتْ وتَهَرَّتْ وتَلاشَتْ، مِن نَضِجَ الثَّمَرُ واللَّحْمُ نَضَجًا ونُضْجًا إذا أدْرَكَ، و(كُلَّما) ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ أيْ أعْطَيْناهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ عِنْدَ احْتِراقِهِ جِلْدًا جَدِيدًا مُغايِرًا لِلْمُحْتَرِقِ صُورَةً وإنْ كانَتْ مادَّتُهُ الأصْلِيَّةُ مَوْجُودَةً، بِأنْ يُزالَ عَنْهُ الإحْراقُ، فَلا يَرِدُ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ يُعَذَّبُ؟!

وذَلِكَ لِأنَّهُ هو العاصِي بِاعْتِبارِ أصْلِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُبَدَّلْ إلّا صِفَتُهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا السُّؤالَ مِمّا لا يَكادُ يَسْألُهُ عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عِصْيانَ الجِلْدِ وطاعَتَهُ وتَألُّمَهُ وتَلَذُّذَهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الجَماداتِ مِن جِهَةِ عَدَمِ الإدْراكِ والشُّعُورِ، وهو أشْبَهُ الأشْياءِ بِالآلَةِ، فَيَدُ قاتِلِ النَّفْسِ ظُلْمًا - مَثَلًا - آلَةٌ لَهُ كالسَّيْفِ الَّذِي قَتَلَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِأنَّ اليَدَ حامِلَةٌ لِلرُّوحِ والسَّيْفَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وهَذا لا يَصْلُحُ وحْدَهُ سَبَبًا لِإعادَةِ اليَدِ بِذاتِها وإحْراقِها دُونَ إعادَةِ السَّيْفِ وإحْراقِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الحَمْلَ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ، فالحَقُّ أنَّ العَذابَ عَلى النَّفْسِ الحَسّاسَةِ بِأيِّ بَدَنٍ حَلَّتْ، وفي أيِّ جِلْدٍ كانَتْ، وكَذا يُقالُ في النَّعِيمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ مِن أهْلِ النّارِ مَن يَمْلَأُ زاوِيَةً مِن زَوايا جَهَنَّمَ، وأنَّ سِنَّ الجَهَنَّمِيِّ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَها عَلى طُولِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سِتِّينَ ذِراعًا في عَرْضِ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ولا شَكَّ أنَّ الفَرِيقَيْنِ لَمْ يُباشِرُوا الشَّرَّ والخَيْرَ بِتِلْكَ الأجْسامِ، بَلْ مَن أنْصَفَ رَأى أنَّ أجْزاءَ الأبْدانِ في الدُّنْيا لا تَبْقى عَلى كِمِّيَّتِها كُهُولَةً وشُيُوخَةً، وكَوْنُ الماهِيَّةِ واحِدَةً لا يُفِيدُ؛ لِأنّا لَمْ نَدَّعِ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنَّ الجِلْدَ الثّانِيَ يُغايِرُ الجِلْدَ الأوَّلَ كَمُغايَرَةِ العَرَضِ لِلْجَوْهَرِ أوِ الإنْسانِ لِلْحَجَرِ، بَلْ كَمُغايَرَةِ زَيْدٍ المُطِيعِ لِعَمْرٍو العاصِي مَثَلًا، عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يُعَذَّبُ أوَّلًا بِبَدَنٍ مِن حَدِيدٍ تُحِلُّهُ الرُّوحُ وثانِيًا بِبَدَنٍ مِن غَيْرِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الحَدِيدَ لَمْ يَعْصِ فَكَيْفَ أُحْرِقَ بِالنّارِ؟!

ولَوْلا ما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِنَ المَعادِ الجُسْمانِيِّ بِحَيْثُ صارَ إنْكارُهُ كُفْرًا لَمْ يُبْعَدْ عَقْلًا القَوْلُ بِالنَّعِيمِ والعَذابِ الرُّوحانِيَّيْنِ فَقَطْ.

ولَما تَوَقَّفَ الأمْرُ عَقْلًا عَلى إثْباتِ الأجْسامِ أصْلًا، ولا يُتَوَهَّمُ مِن هَذا أنِّي أقُولُ بِاسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ - مَعاذَ اللَّهِ تَعالى - ولَكِنِّي أقُولُ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعادَتِهِ وإنْ أُمْكِنَتْ.

والنُّصُوصُ في هَذا البابِ مُتَعارِضَةٌ، فَمِنها ما يَدُلُّ عَلى إعادَةِ الأجْسامِ بِعَيْنِها بَعْدَ إعْدامِها، ومِنها ما يَدُلُّ عَلى خَلْقِ مِثْلِها وفَناءِ الأوْلى، ولا أرى بَأْسًا بَعْدَ القَوْلِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ في اعْتِقادِ أيِّ الأمْرَيْنِ كانَ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الكَلامُ في الآياتِ الَّتِي يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى إعادَةِ العَيْنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وما في شَرْحِ البُخارِيِّ لِلسَّفِيرِيِّ مِن أنَّهُ لا تَزالُ الخُصُومَةُ بَيْنَ النّاسِ حَتّى تَخْتَصِمَ الرُّوحُ والجَسَدُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَتَقُولُ الرُّوحُ لِلْجَسَدِ: أنْتَ فَعَلْتَ، وإنِّي كُنْتُ رِيحًا، ولَوْلاكَ لَمْ أسْتَطِعْ أنْ أعْمَلَ شَيْئًا، ويَقُولُ الجَسَدُ لِلرُّوحِ: أنْتِ أمَرْتِ وأنْتِ سَوَّلْتِ ولَوْلاكِ لَكُنْتُ بِمَنزِلَةِ الجِذْعِ المُلْقى، لا أُحَرِّكُ يَدًا ولا رِجْلًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا يَقْضِي بَيْنَهُما، فَيَقُولُ لَهُما: إنَّ مَثَلَكُما كَمَثَلِ رَجُلٍ مُقْعَدٍ بَصِيرٍ وآخَرَ ضَرِيرٍ، دَخَلا بُسْتانًا، فَقالَ المُقْعَدُ لِلضَّرِيرِ: إنِّي أرى ها هُنا ثِمارًا لَكِنْ لا أصِلُ إلَيْها، فَقالَ لَهُ الضَّرِيرُ: ارْكَبْنِي فَتَناوْلَها، فَأيُّهُما المُتَعَدِّي؟

فَيَقُولانِ: كِلاهُما، فَيَقُولُ لَهُما المَلَكُ: فَإنَّكُما قَدْ حَكَمْتُما عَلى أنْفُسِكُما، لا أُراهُ صَحِيحًا لِظُهُورِ الفِرَقِ بَيْنَ المِثالِ والمُمَثَّلِ لَهُ، فَإنَّ الحامِلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا شُعُورَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ هُناكَ شُعُورٌ لَكِنْ لا شُعُورَ لَنا بِهِ، ولَعَلَّ لَنا عَوْدَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِتَحْقِيقِ هَذا المَقامِ، ثُمَّ إنْ هَذا التَّبْدِيلَ كَيْفَما كانَ يَكُونُ في السّاعَةِ الواحِدَةِ مَرّاتٍ كَثِيرَةً.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««قُرِئَ عِنْدَ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ كَعْبٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها، قَرَأْتُها قَبْلَ الإسْلامِ، فَقالَ هاتِها يا كَعْبُ فَإنْ جِئْتَ بِها سُمِعَتْ كَما سُمِعَتْ مِن رَسُولِ اللَّهِ  -صَدَّقْناكَ، قالَ: إنِّي قَرَأْتُها قَبْلُ: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناها جُلُودًا غَيْرَها في السّاعَةِ الواحِدَةِ عِشْرِينَ ومِائَةَ مَرَّةٍ) فَقالَ عُمَرُ: هَكَذا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُحْرَقُ أحَدُهم في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، كُلَّما نَضَّجَتْهُمُ النّارُ وأكَلَتْ لُحُومَهُمْ، قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَعادُوا.

﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أيْ: لِيَدُومَ ذَوْقُهُ ولا يَنْقَطِعَ، كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ إدْراكِ العَذابِ بِالذَّوْقِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يَدْخُلُهُ نُقْصانٌ بِدَوامِ المُلابَسَةِ، أوْ لِلْإشْعارِ بِمَرارَةِ العَذابِ مَعَ إيلامِهِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِهِ مِن حَيْثُ أنَّ القُوَّةَ الذّائِقَةَ أشَدُّ الحَواسِّ تَأْثِيرًا، أوْ عَلى سَرايَتِهِ لِلْباطِنِ، ولَعَلَّ السِّرَّ في تَبْدِيلِ الجُلُودِ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى إبْقاءِ إدْراكِ العَذابِ وذَوْقِهِ بِحالٍ مَعَ الِاحْتِراقِ أوْ مَعَ بَقاءِ أبْدانِهِمْ عَلى حالِها مَصُونَةً عَنْهُ أنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَتَوَهَّمُ زَوالَ الإدْراكِ بِالِاحْتِراقِ، ولا تَسْتَبْعِدُ كُلَّ الِاسْتِبْعادِ أنْ تَكُونَ مَصُونَةً عَنِ التَّألُّمِ والعَذابِ صِيانَةَ بَدَنِها عَنِ الِاحْتِراقِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: السِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ في النُّضْجِ والتَّبْدِيلِ نَوْعُ إياسٍ لَهُمْ، وتَجْدِيدُ حُزْنٍ عَلى حُزْنٍ، وأنْكَرَ بَعْضُهم نُضْجَ الجُلُودِ بِالمَعْنى المُتَبادَرِ وتَبْدِيلَها زاعِمًا أنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما هو لِلسَّرابِيلِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ ﴾ وسُمِّيَتِ السَّرابِيلُ جُلُودًا لِلْمُجاوِرَةِ، وفِيهِ أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ خِلافَ المَعْلُومِ ضَرُورَةً، وأنَّ السَّرابِيلَ لا تُوصَفُ بِالنُّضْجِ، وكَأنَّهُ ما دَعاهُ إلى هَذا الزَّعْمِ سِوى اسْتِبْعادِ القَوْلِ بِالظّاهِرِ، ولَيْسَ هو بِالبَعِيدِ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا ﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ مَنِيعًا لا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ، وقِيلَ: إنَّهُ قادِرٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ مِمّا تَواعَدَ أوْ وعَدَ بِهِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في تَدْبِيرِهِ وتَقْدِيرِهِ وتَعْذِيبِ مَن يُعَذِّبُهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الإصْلاءِ والتَّبْدِيلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ مَعَ ما مَرَّ مِرارًا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا ٥٧

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ عَقَّبَ بَيانَ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ؛ تَكْمِيلًا لِلْمَساءَةِ والمَسَرَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ حالِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنا  وإمّا ما يَعُمُّهم وسائِرَ مَن آمَنَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وعَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .

قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وفي السِّينِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، وفي اخْتِبارِها هُنا واخْتِيارِ (سَوْفَ) في آيَةِ الكُفْرِ ما لا يَخْفى.

﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ إعْظامًا لِلْمِنَّةِ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (سَنُدْخِلُهُمْ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أيْ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ المَعايِبِ والأدْناسِ والأخْلاقِ الدَّنِيئَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، لا يَفْعَلْنَ ما يُوحِشُ أزْواجَهُنَّ، ولا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُنَفِّرُ عَنْهُنَّ، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (جَنّاتٍ) أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(جَنّاتٍ) بَعْدَ صِفَةٍ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِلْمَوْصُولِ بَعْدَ خَبَرٍ.

والمُرادُ: أزْواجٌ كَثِيرَةٌ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ ﴿ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ أيْ: فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ ولا قُرَّ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى التَّفَيُّؤَ فِيهِ بِرَحْمَتِهِ، إنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا حَقِيقَتُهُ ولا يَمْنَعُ مِنهُ عَدَمُ الشَّمْسِ، وإمّا أنَّهُ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ، والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو عادَتُهم في نَحْوِ: (يَوْمٌ أُيْوَمُ ولَيْلٌ ألْيَلُ).

وقالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ مُجَرَّدُ لَفْظٍ تابِعٍ لِما اشْتُقَّ مِنهُ، ولَيْسَ لَهُ مَعْنًى وضْعِيٌّ بَلْ هو كَـ(بَسَنٍ) في قَوْلِكَ: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقُرِئَ: (يُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ عَطْفًا عَلى (سَيُدْخِلُهُمْ) لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ الإدْخالِ الأوَّلِ بِالذّاتِ بَلْ بِالعُنْوانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ .

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ العِلْمِيِّ، ونَهْيٌ لَهم أنْ يُناجُوا رَبَّهم أوْ يَقْرَبُوا مَقامَ الحُضُورِ والمُناجاةِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في حالِ كَوْنِهِمْ سُكارى خَمْرِ الهَوى ومَحَبَّةِ الدُّنْيا، أوْ نَوْمِ الغَفْلَةِ حَتّى يَصْحُوا ولا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِ مَوْلاهُمْ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ إشْغالِ القَلْبِ بِسِوى الرَّبِّ.

وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ المَحَبَّةِ والعِشْقِ الَّذِينَ أسْكَرَهم شَرابُ لَيْلِي ومُدامُ مَيٍّ فَبَقُوا حَيارى مَبْهُوتِينَ، لا يُمَيِّزُونَ الحَيَّ مِنَ اللَّيِّ، ولا يَعْرِفُونَ الأوْقاتِ ولا يَقْدِرُونَ عَلى أداءِ شَرائِطِ الصَّلَواتِ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: يا أيُّها العارِفُونَ بِي وبِصِفاتِي وأسْمائِي، السُّكارى مِن شَرابِ مَحَبَّتِي، وسَلْسَبِيلِ أُنْسِي، وتَسْنِيمِ قَدَمِي، وزَنْجَبِيلِ قُرْبِي، ومُدامِ عِشْقِي، وعَقارِ مُشاهَدَتِي، إذا كَشَفْتُ لَكم جِمالِي وآنَسْتُكم في مَقامِ رُبُوبِيَّتِي فَلا تُكَلِّفُوا نُفُوسَكم أداءَ الرُّسُومِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّكم في جَنانِ مُشاهَدَتِي، ولَيْسَ في الجَنانِ تَقْيِيدٌ، وإذا سَكَنْتُمْ مِن سُكْرِكم وصِرْتُمْ صاحِينَ بِنَعْتِ التَّمْكِينِ فَأدُّوا ما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْكم ﴿ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ .

وحاصِلُهُ رَفْعُ التَّكْلِيفِ عَنِ المَجْذُوبِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ المُشاهَدَةِ إلى أنْ يَعْقِلُوا ويَصْحُوا، فالإيمانُ عَلى هَذا مَحْمُولٌ عَلى الإيمانِ العَيْنِيِّ، والمَعْنى الأوَّلُ أوْلى بِالإشارَةِ ﴿ ولا جُنُبًا ﴾ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالِ كَوْنِكم بُعَداءَ عَنِ الحَقِّ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلى النَّفْسِ ولَذّاتِها ﴿ إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ أيْ: سالِكِي طَرِيقٍ مِن طُرُقٍ تَمَتُّعاتِها بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، كَعُبُورِ طَرِيقِ الِاغْتِذاءِ بِالمَأْكَلِ والمُشْرَبِ لِسَدِّ الرَّمَقِ، أوِ الِاكْتِساءِ لِدَفْعِ ضَرُورَةِ الحَرِّ والقُرِّ وسَتْرِ العَوْرَةِ، أوِ المُباشَرَةِ لِحِفْظِ النَّسْلِ ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ وتَتَطَهَّرُوا بِمِياهِ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ وحُسْنِ التَّنَصُّلِ والِاعْتِذارِ ﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ بِأدْواءِ الرَّذائِلِ ﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ في بَيْداءِ الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لِطَلَبِ الشَّهَواتِ ﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ أيِ: الِاشْتِغالِ بِلَوْثِ المالِ مُلَوَّثًا بِمَحَبَّتِهِ ﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ أيْ: لازَمْتُمُ النُّفُوسَ وباشَرْتُمُوها في قَضاءِ وطَرِها ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴾ عِلْمًا يَهْدِيكم إلى التَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ أيْ: فاقْصُدُوا صَعِيدَ اسْتِعْدادِكم أوِ ارْجِعُوا إلى المُرْشِدِينَ أرْبابِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ أيِ: امْسَحُوا ذَواتِكم وصِفاتِكم بِما يَتَصاعَدُ مِن أنْوارِ اسْتِعْدادِهِمْ، وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِمْ، واسْلُكُوا مَسالِكَهم حَتّى تُمْحى عَنْكم تِلْكَ الهَيْئاتُ المُهْلِكَةُ، وتَبْقى أنْفُسُكم صافِيَةً ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا ﴾ يَعْفُو عَمّا صَدَرَ مِنكم بِمُقْتَضى تِلْكَ الهَيْئاتِ ﴿ غَفُورًا ﴾ يَسْتُرُ الشَّيْنَ بِالزَّيْنِ.

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا ﴾ أيْ بَعْضًا ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ وهو اعْتِرافُهم بِالحَقِّ مَعَ احْتِجابِهِمْ بِرُؤْيَةِ الخَلْقِ ﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ﴾ ويَتْرُكُونَ التَّوْحِيدَ الحَقِيقِيَّ ﴿ ويُرِيدُونَ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ الحَقَّ وهو التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ، وعَدَمُ رُؤْيَةِ الأغْيارِ فَتَكُونُوا مِثْلَهم ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ ﴾ بِأعْدائِكُمْ، وعَنى بِهِمْ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ، وسَبَبُ عَداوَتِهِمْ لَهُمُ اخْتِلافُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ فِيهِمْ، ولِهَذا ودُّوا تَكْفِيرَهم ﴿ وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا ﴾ يَلِي أُمُورَكم بِالتَّوْفِيقِ لِطَرِيقِ التَّوْحِيدِ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ إيذاءَكم ورَدَّكم عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.

﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ رَجَعُوا عَنْ مُقْتَضى الِاسْتِعْدادِ مِن نَفْيِ السِّوى إلى ما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ، واسْتَنْتَجَتْهُ أفْكارُهُمْ، وأيَّدَتْهُ أنْظارُهُمْ، ودَعَتْ إلَيْهِ عُلُومُهُمُ الرَّسْمِيَّةُ ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمِ مَعْناها الظّاهِرَ، أيْ أنَّهم يُؤَوِّلُونَ جَمِيعَ ما يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِالوَحْدَةِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِمْ، زاعِمِينَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى لا قَصْدًا ولا تَبَعًا، لا عِبارَةً ولا إشارَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها هَذِهِ المُمْكَناتُ، فَإنَّها كَلِمُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الدَّوالِّ عَلَيْهِ، أوْ كَلِمَهُ بِمَعْنى آثارِ كَلِمِهِ، أعْنِي (كُنِ) المُتَعَدِّدَةَ حَسَبَ تَعَدُّدِ تَعَلُّقاتِ الإرادَةِ.

ومَعْنى تَحْرِيفِها عَنْ مَواضِعِها إمالَتُها عَمّا وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن كَوْنِها مَظاهِرَ أسْمائِهِ، فَيُثْبِتُونَ لَها وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ويَقُولُونَ سَمِعْنا ﴾ ما يُشْعِرُ بِالوَحْدَةِ أوْ سَمِعْنا ما يُقالُ في هَذِهِ المُمْكَناتِ ﴿ وعَصَيْنا ﴾ فَلا نَقُولُ بِما تَقُولُونَ، ولا نَعْتَقِدُ ما تَعْتَقِدُونَ، ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِمْ لِلْعارِفِ مُسْتَخِفِّينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ ﴿ واسْمَعْ ﴾ ما يُعارِضُ ما تَدَّعِيهِ ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أيْ: لا أسْمَعَكَ اللَّهُ ﴿ وراعِنا ﴾ يَعْنُونَ رَمْيَهُ بِالرُّعُونَةِ، وهي الحَماقَةُ ﴿ لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ﴾ الَّذِي عَلَيْهِ العارِفُ بِرَبِّهِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ: فَهِمُوا عَلَيْهِ الظّاهِرَ، ولَمْ يَفْهَمُوا ما أشارَ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الباطِنِ ﴿ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ﴾ عَلى قُلُوبِ أوْلِيائِي مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ إذْ كَلُّ باطِنٍ يُخالِفُ الظّاهِرَ فَهو باطِلٌ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ وهي وُجُوهُ القُلُوبِ بِالعَمى ﴿ فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ ناظِرَةً إلى الدُّنْيا وزَخارِفَها، بَعْدَ أنْ كانَتْ في أصْلِ الفِطْرَةِ مُتَوَجِّهَةً إلى ما في المِيثاقِ الأوَّلِ ﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ فَنَمْسَخُ صُوَرَهُمُ المَعْنَوِيَّةَ كَما مَسَخْنا صُوَرَ اليَهُودِ الحِسِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا لِمَن أُوتِيَ كِتابَ الِاسْتِعْدادِ، أمَرَهم بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ وهَدَّدَهم بِإزالَةِ اسْتِعْدادِهِمْ ورَدِّهِمْ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ وإبْعادِهِمْ بِالمَسْخِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ لِشِدَّةِ غَيْرَتِهِ ««لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»» ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الشِّرْكَ ثَلاثُ مَراتِبَ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ تَوْبَةٌ: فَشِرْكٌ جَلِيٌّ بِالأعْيانِ، وهو لِلْعَوامِّ كَعَبَدَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ مَثَلًا، وتَوْبَتُهُ إظْهارُ العُبُودِيَّةِ في إثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ مُصَدَّقًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ.

وشِرْكٌ خَفِيٌّ بِالأوْصافِ، وهو لِلْخَواصِّ، وفُسِّرَ بِشَوْبِ العُبُودِيَّةِ بِالِالتِفاتِ إلى غَيْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْبَتُهُ الِالتِفاتُ عَنْ ذَلِكَ الِالتِفاتِ.

وشِرْكٌ أخْفى لِخَواصِّ الخَواصِّ، وهو الأنانِيَّةُ، وتَوْبَتُهُ بِالوَحْدَةِ، وهي فَناءُ النّاسُوتِيَّةِ في بَقاءِ اللّاهُوتِيَّةِ.

﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ أيَّ شِرْكٍ كانَ مِنَ المَراتِبِ ﴿ فَقَدِ افْتَرى ﴾ وارْتَكَبَ حَسَبَ مَرْتَبَتِهِ ﴿ إثْمًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ كَعُلَماءِ السُّوءِ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، الَّذِينَ لَمْ يُحَصِّلُوا مِن عُلُومِهِمْ سِوى العُجْبِ والكِبْرِ والحَسَدِ والحِقْدِ وسائِرِ الصِّفاتِ الرَّذِيلَةِ ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ﴾ كالعارِفِينَ بِهِ، الَّذِينَ لا يَرَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ فِعْلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْجِيبًا مِمَّنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، ويَسَلُكُ في مَسالِكِ القَوْمِ عَلى رَأْيِهِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى مُرَبٍّ مُرْشِدٍ لَهُ مِن ولِيٍّ كامِلٍ أوْ أثارَةٍ مَن عِلْمٍ إلَهِيٍّ كَبَعْضِ المُتَفَلْسِفِينَ مِن أهْلِ الرِّياضاتِ.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ بِادِّعاءِ تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ مِن صِفاتِها وما تَزَكَّتْ، أوْ بِانْتِحالِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ وُجُودِها ﴿ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا ﴾ ظاهِرًا لا خَفاءَ فِيهِ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا ﴾ بَعْضًا ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ الجامِعِ، وأُشِيرُ بِهِ إلى عِلْمِ الظّاهِرِ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ ﴾ أيْ بِجِبْتِ النَّفْسِ ﴿ والطّاغُوتِ ﴾ أيْ طاغُوتِ الهَوى، فَيَمِيلُونَ مَعَ أنْفُسِهِمْ وهَواهم ﴿ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ ﴿ هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ سَبِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ أبْعَدَهم عَنْ مَعْرِفَتِهِ وقُرْبِهِ ﴿ ومَن يَلْعَنِ ﴾ أيْ: يُبْعِدُهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ.

﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ﴾ ذَمٌّ لَهم بِالبُخْلِ، الَّذِي هو الوَصْمَةُ الكُبْرى عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِنَ المَعْرِفَةِ وإعْزازِهِمْ بَيْنَ خَلْقِهِ وإرْشادِهِمْ لِمَنِ اسْتَرْشَدَهم ﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ ﴾ وهُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلى مِلَّتِهِ مِن أهْلِ المَحَبَّةِ والخَلَّةِ ﴿ الكِتابَ ﴾ أيْ عِلْمَ الظّاهِرِ أوِ الجامِعَ لَهُ ولِعِلْمِ الباطِنِ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ عِلْمَ الباطِنِ، أوْ باطِنِ الباطِنِ ﴿ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ وهو الوُصُولُ إلى العَيْنِ، وعَدَمُ الوُقُوفِ عِنْدَ الأثَرِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا ﴾ أيْ حَجَبُوا عَنْ تَجَلِّياتِ صِفاتِنا وأفْعالِنا، أوْ أنْكَرُوا عَلى أوْلِيائِنا الَّذِينَ هم مَظاهِرُ الآياتِ ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ عَظِيمَةً، وهي نارُ القَهْرِ والحِجابِ، أوْ نارُ الحَسَدِ ﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ وتَقَطَّعَتْ أمانِيُّ نُفُوسِهِمُ الأمارَةِ ومُقْتَضَياتُ هَواها ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ بِتَجَدُّدِ نَوْعٍ آخَرَ مِن تَجَلِّياتِ القَهْرِ، أوْ بِتَجَدُّدِ نِعَمٍ أُخْرى تَظْهَرُ عَلى أوْلِيائِنا الَّذِينَ حَسَدُوهم وأنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ ما دامُوا مُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ الرَّذائِلِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات ﴾ أيِ الأعْمالَ الَّتِي يَصْلُحُونَ بِها لِقَبُولِ التَّجَلِّياتِ ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ مِن ماءِ الحِكْمَةِ، ولَبَنِ الفِطْرَةِ، وخَمْرِ الشُّهُودِ، وعَسَلِ الكَشْفِ ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ لِبَقاءِ أرْواحِهِمُ المُفاضَةِ عَلَيْها ما يُرَوِّحُها ﴿ لَهم فِيها أزْواجٌ ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ الَّتِي يَلْتَذُّونَ بِها ﴿ مُطَهَّرَةٌ ﴾ مَن لَوَثِ النَّقْصِ ﴿ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ وهو ظِلُّ الوُجُودِ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ بِمَحْوِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُمْ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ، فَلا فَضْلَ إلّا فَضْلُهُ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ بِأبْلَغِ وجْهٍ إلى بَعْضِ أُمَّهاتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: <div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا ٥٨

﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ دَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَلَمّا أتاهُ قالَ: أرِنِي المِفْتاحَ، فَأتاهُ بِهِ، فَلَمّا بَسَطَ يَدَهُ إلَيْهِ، قامَ العَبّاسُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْعَلْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أرِنِي المِفْتاحَ يا عُثْمانُ، فَبَسَطَ يَدَهُ يُعْطِيهِ، فَقالَ العَبّاسُ مِثْلَ كَلِمَتِهِ الأُولى، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: يا عُثْمانُ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَهاتِنِي المِفْتاحَ، فَقالَ: هاكَ بِأمانَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقامَ فَفَتَحَ الكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيها تِمْثالَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُ قِداحٌ يَسْتَقْسِمُ بِها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما لِلْمُشْرِكِينَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وما شَأْنُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشَأْنُ القِداحِ، وأزالَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ في الكَعْبَةِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ هَذِهِ القِبْلَةُ، ثُمَّ خَرَجَ فَطافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما ذُكِرَ لَنا بِرَدِّ المِفْتاحِ، فَدَعا عُثْمانَ بْنَ أبِي طَلْحَةَ فَأعْطاهُ المِفْتاحَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةَ».

وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ حِينَ أُعْطِيَ المِفْتاحَ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةَ لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» يَعْنِي سِدانَةَ الكَعْبَةِ».

وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ: أنَّ عُثْمانَ دَفَعَ المِفْتاحَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أخِيهِ شَيْبَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَهو في يَدِ ولَدِهِ إلى اليَوْمِ، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ والبَغْوِيُّ والواحِدِيُّ «أنَّ عُثْمانَ امْتَنَعَ عَنْ إعْطاءِ المِفْتاحِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ، فَلَوى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -يَدَهُ وأخَذَهُ مِنهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الكَعْبَةَ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يَجْمَعَ لَهُ السِّدانَةَ والسِّقايَةَ فَنَزَلَتْ، فَأمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنْ يَرُدَّ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِ، ونُزُولِ الوَحْيِ بِأنَّ السِّدانَةَ في أوْلادِهِ أبَدًا»» وما ذَكَرْناهُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ.

أمّا أوَّلًا: فَلِما قالَ الأشْمُونِيُّ: إنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ أهْلِ السِّيَرِ أنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ في هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ، والنَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِهِ، والذَّهَبِيُّ وغَيْرُهم.

وأمّا ثانِيًا: فَلِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِما ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّهُ هو الصَّحِيحُ.

وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ المِفْتاحَ عَلى هَذا لا يُعَدُّ أمانَةً؛ لِأنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أخَذَهُ مِنهُ قَهْرًا، وما هَذا شَأْنُهُ هو الغَصْبُ لا الأمانَةُ، والقَوْلُ بِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ أمانَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُرِدْ نَزْعَهُ مِنهُ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الغاصِبَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كالمُؤْتَمَنِ في قَصْدِ الرَّدِّ، أوْ إلى أنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - لَمّا قَصَدَ بِأخْذِهِ الخَيْرَ - وكانَ أيْضًا بِأمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - جُعِلَ كالمُؤْتَمَنِ في أنَّهُ لا ذَنْبَ عَلَيْهِ، لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ يَعُمُّ كُلَّ أحَدٍ، كَما أنَّ الأماناتِ - وهي جُمَعُ أمانَةٍ - مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ، نَعَمِ، الحُقُوقُ المُتَعَلِّقَةُ بِذِمَمِهِمْ مِن حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وحُقُوقِ العِبادِ سَواءٌ كانَتْ فِعْلِيَّةً أوْ قَوْلِيَّةً أوِ اعْتِقادِيَّةً، وعُمُومُ الحُكْمِ لا يُنافِي خُصُوصَ السَّبَبِ، وقَدْ رُوِيَ ما يَدُلُّ عَلى العُمُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأكْثَرُونَ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ الأمْرِ أنْ يَقُومُوا بِرِعايَةِ الرَّعِيَّةِ، وحَمْلِهِمْ عَلى مُوجِبِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ، وعَدُّوا مِن ذَلِكَ تَوْلِيَةَ المَناصِبِ مُسْتَحِقِّيها، وجَعَلُوا الخِطابَ الآتِيَ لَهم أيْضًا.

وفِي تَصْدِيرِ الكَلامِ بِـ(إنَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ، وإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وإيرادِ الأمْرِ عَلى صُورَةِ الإخْبارِ مِنَ الفَخامَةِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ، والدَّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولِهَذا ورَدَ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: ««لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ»».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««أرْبَعٌ إذا كُنَّ فِيكَ فَلا عَلَيْكَ فِيما فاتَكَ مِنَ الدُّنْيا: حِفْظُ أمانَةٍ، وصِدْقُ حَدِيثٍ، وحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وعِفَّةُ طُعْمَةٍ»».

وأخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ: «ثَلاثٌ تُؤَدَّيْنَ إلى البَرِّ والفاجِرِ: الرَّحِمُ تُوصَلُ بَرَّةً كانَتْ أوْ فاجِرَةً، والأمانَةُ تُؤَدّى إلى البَرِّ والفاجِرِ، والعَهْدُ يُوَفّى بِهِ لِلْبَرِّ والفاجِرِ».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ»،» والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وقُرِئَ: (الأمانَةَ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ لا المَعْهُودُ، أيْ يَأْمُرُكم بِأداءِ أيِّ أمانَةٍ كانَتْ.

﴿ وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ ﴾ أمْرٌ بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِ الغَيْرِ إلى أصْحابِها إثْرَ الأمْرِ بِإيصالِ الحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِذِمَمِهِمْ، فالواوُ لِلْعَطْفِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ (أنْ) وهو مَعْطُوفٌ عَلى (أنْ تُؤَدُّوا) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: ويَأْمُرُكم (أنْ تَحْكُمُوا) بِالإنْصافِ والسَّوِيَّةِ، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِذَلِكَ إذا قَضَيْتُمْ بَيْنَ النّاسِ مِمَّنْ يَنْفُذُ عَلَيْهِ أمْرُكم أوْ يَرْضى بِحُكْمِكُمْ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى جَوازَ تَقَدُّمِ الظَّرْفِ المَعْمُولِ لِما في حَيِّزِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ عَلَيْهِ، والفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، وفي التَّسْهِيلِ: الفَصْلُ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بِالظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ جائِزٌ ولَيْسَ ضَرُورَةً خِلافًا لِأبِي عَلِيٍّ، ولِقِيامِ الخِلافِ في المَسْألَةِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، أيْ: وأنْ تَحْكُمُوا إذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا لِيَسْلَمَ مِمّا تَقَدَّمَ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ تَأْدِيَةَ الأمانَةِ لَيْسَتْ وقْتَ الحُكُومَةِ، والمُرادُ بِالحُكْمِ ما كانَ عَنْ وِلايَةٍ عامَّةٍ أوْ خاصَّةٍ، وأدْخَلُوا في ذَلِكَ ما كانَ عَنْ تَحْكِيمٍ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ صَبِيَّيْنِ ارْتَفَعا إلى الحَسَنِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ابْنِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في خَطٍّ كَتَباهُ، وحَكَّماهُ في ذَلِكَ لِيَحْكُمَ أيُّ الخَطَّيْنِ أجْوَدُ، فَبَصُرَ بِهِ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: يا بُنَيَّ انْظُرْ كَيْفَ تَحْكُمُ؛ فَإنَّ هَذا حُكْمٌ، واللَّهُ تَعالى سائِلُكَ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، مُتَضَمِّنَةٌ لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِالمُخاطَبِينَ، وحَسَنِ اسْتِدْعائِهِمْ إلى الِامْتِثالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الأعْظَمِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةَ، وهو اسْمُ (إنَّ) وجُمْلَةُ (نِعِمّا يَعِظُكُمْ) خَبَرُها و(ما) إمّا بِمَعْنى الشَّيْءِ مَعْرِفَةً تامَّةً و(يَعِظُكُمْ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وهو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ، أيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ، ويَجُوزُ نِعْمَ هو أيِ الشَّيْءُ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ، وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، وما بَعْدَها صِلَتُها، وهو فاعِلٌ (نِعْمَ) والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْضًا، أيْ: نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ تَأْدِيَةُ الأمانَةِ والحُكْمُ بِالعَدْلِ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ فاعِلَ نِعْمَ إذا كانَ مُظْهَرًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُحَلّى بِلامِ الجِنْسِ، أوْ مُضافًا إلَيْهِ، كَما في المُفَصَّلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سِيبَوَيْهِ جَوَّزَ قِيامَ (ما) إذا كانَتْ مَعْرِفَةً تامَّةً مَقامُهُ، وابْنُ السَّرّاجِ أيْضًا جَوَّزَ قِيامَ المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها في مَعْنى المُعَرَّفِ بِاللّامِ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِوُقُوعِ (ما) تَمْيِيزًا بِأنَّها مُساوِيَةٌ لِلْمُضْمَرِ في الإبْهامِ فَلا تُمَيِّزُهُ؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ لِبَيانِ جِنْسِ المُمَيَّزِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِها مُساوِيَةً لَهُ؛ لِأنَّ المُرادَ بِها شَيْءٌ عَظِيمٌ، والضَّمِيرُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ (ما) كافَّةٌ، فَتَدَبَّرْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيما في (نِعِمّا) مِنَ القِرَءاتِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا ﴾ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ ومِنها أقْوالُكم ﴿ بَصِيرًا ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن ذَلِكَ أفْعالُكُمْ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «سَوِّ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ في لِحْظِكَ ولَفْظِكَ»».

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ٥٩

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَعْدَما أمَرَ سُبْحانَهُ وُلاةَ الأُمُورِ بِالعُمُومِ أوِ الخُصُوصِ بِأداءِ الأمانَةِ والعَدْلِ في الحُكُومَةِ أمَرَ النّاسَ بِإطاعَتِهِمْ في ضِمْنِ إطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإطاعَةِ رَسُولِهِ  حَيْثُ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ أطِيعُوا اللَّهَ ﴾ أيِ: الزَمُوا طاعَتَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ المَبْعُوثَ لِتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْكم في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ أيْضًا.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ وأطِيعُوا الرَّسُولَ في السُّنَنِ، والأوَّلُ أوْلى، وأعادَ الفِعْلَ - وإنْ كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ مُقْتَرِنَةً بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى - اعْتِناءً بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَطْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ لا يَجِبُ امْتِثالُ ما لَيْسَ في القُرْآنِ، وإيذانًا بِأنَّ لَهُ  اسْتِقْلالًا بِالطّاعَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ، ومِن ثَمَّ لَمْ يُعَدْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ إيذانًا بِأنَّهم لا اسْتِقْلالَ لَهم فِيها اسْتِقْلالَ الرَّسُولِ  واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِمْ فَقِيلَ: أُمَراءُ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِ  -وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والقُضاةُ وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ وفِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ فَسارُوا قِبَلَ القَوْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ، فَلَمّا بَلَغُوا قَرِيبًا مِنهم عَرَّسُوا، وأتاهم ذُو العُيَيْنَتَيْنِ، فَأخْبَرَهُمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ هَرَبُوا غَيْرَ رَجُلٍ أمَرَ أهْلَهُ فَجَمَعُوا مَتاعَهُمْ، ثُمَّ أقْبَلُ يَمْشِي في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَتّى أتى عَسْكَرَ خالِدٍ يَسْألُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وشَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ قَوْمِي لَمّا سَمِعُوا بِكم هَرَبُوا وإنِّي بَقِيتُ، فَهَلْ إسْلامِي نافِعِي غَدًا وإلّا هَرَبْتُ؟

فَقالَ عَمّارٌ: بَلْ هو يَنْفَعُكَ، فَأقِمْ، فَأقامَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا غَيْرَ الرَّجُلِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَبَلَغَ عَمّارًا الخَبَرُ فَأتى خالِدًا فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَّجُلِ؛ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وهو في أمانٍ مِنِّي، قالَ خالِدٌ: وفِيمَ أنْتَ تُجِيرُ؟

فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَشْتُمُنِي؟!

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا؛ فَإنَّ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى» فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى أخَذَ بِثَوْبِهِ فاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَرَضِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلى هَذا أنَّ في عَدَمِ إطاعَتِهِمْ ولا سُلْطانَ ولا حاضِرَةَ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ العِلْمِ، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وجَماعَةٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أبُو العالِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ فَإنَّ العُلَماءَ هُمُ المُسْتَنْبِطُونَ المُسْتَخْرِجُونَ لِلْأحْكامِ، وحَمَلَهُ ْكَثِيرٌ - ولَيْسَ بِبَعِيدٍ - عَلى ما يَعُمُّ الجَمِيعَ؛ لِتَناوُلِ الِاسْمِ لَهُمْ؛ لِأنَّ لِلْأُمَراءِ تَدْبِيرَ أمْرِ الجَيْشِ والقِتالِ، ولِلْعُلَماءِ حِفْظُ الشَّرِيعَةِ وما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ.

واسْتُشْكِلَ إرادَةُ العُلَماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، والشَّيْءُ خاصٌّ بِأمْرِ الدِّينِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، والمَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ مِنكم في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ فارْجِعُوا فِيهِ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: إلى كِتابِهِ ﴿ والرَّسُولِ ﴾ أيْ: إلى سُنَّتِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا إنَّما يُلائِمُ حَمْلَ أُولِي الأمْرِ عَلى الأُمَراءِ دُونَ العُلَماءِ؛ لِأنَّ لِلنّاسِ والعامَّةِ مُنازَعَةَ الأُمَراءِ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَيْسَ لَهم مُنازَعَةُ العُلَماءِ، إذِ المُرادُ بِهِمُ المُجْتَهِدُونَ، والنّاسِ مِمَّنْ سِواهم لا يُنازِعُونَهم في أحْكامِهِمْ.

وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطابَ فِيهِ لِأُولِي الأمْرِ عَلى الِالتِفاتِ؛ لِيَصِحَّ إرادَةُ العُلَماءِ؛ لِأنَّ لِلْمُجْتَهِدِينَ أنْ يُنازِعَ بَعْضُهم بَعْضًا مُجادَلَةً ومُحاجَّةً، فَيَكُونُ المُرادُ: أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ الأعَمِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكُونَ المُنازَعَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولِي الأمْرِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأفْرادِ وهُمُ الأُمَراءُ، ثُمَّ إنَّ وُجُوبَ الطّاعَةِ لَهم ما دامُوا عَلى الحَقِّ، فَلا يَجِبُ طاعَتُهم فِيما خالَفَ الشَّرْعَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا طاعَةَ لِبَشَرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى»» وأخْرَجَ هو وأحْمَدُ، والشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْهُ أيْضًا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  - سَرِيَّةً واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَأمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْمَعُوا لَهُ ويُطِيعُوا، فَأغْضَبُوهُ في شَيْءٍ فَقالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا، قالَ: أوْقِدُوا نارًا، فَأوْقَدُوا نارًا، قالَ: ألَمْ يَأْمُرْكُمْ  أنْ تَسْمَعُوا لِي وتُطِيعُوا؟

قالُوا: بَلى، قالَ: فادْخُلُوها، فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وقالُوا: إنَّما فَرَرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ النّارِ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وطُفِئَتِ النّارُ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ دَخَلُوها ما خَرَجُوا مِنها، إنَّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ»».

وهَلْ يَشْمَلُ المُباحَ أمْ لا؟

فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: إنَّهُ لا يَجِبُ طاعَتُهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا أنْ يُحَلِّلَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: تَجِبُ أيْضًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الحَصْكَفِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الشّافِعِيَّةِ: يَجِبُ طاعَةُ الإمامِ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِمُحَرَّمٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما أمَرَّ بِهِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لا يَجِبُ امْتِثالُهُ إلّا ظاهِرًا فَقَطْ، بِخِلافِ ما فِيهِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجِبُ باطِنًا أيْضًا، وكَذا يُقالُ في المُباحِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ هَلِ العِبْرَةُ بِالمُباحِ والمَندُوبِ المَأْمُورِ بِهِ بِاعْتِقادِ الآمِرِ؟

فَإذا أمَرَ بِمُباحٍ عِنْدَهُ سُنَّةٍ عِنْدَ المَأْمُورِ يَجِبُ امْتِثالُهُ ظاهِرًا فَقَطْ، أوِ المَأْمُورِ فَيَجِبُ باطِنًا أيْضًا، وبِالعَكْسِ فَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وظاهِرُ إطْلاقِهِمْ في مَسْألَةِ أمْرِ الإمامِ النّاسَ بِالصَّوْمِ لِلِاسْتِسْقاءِ الثّانِي؛ لِأنَّهم لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ كَوْنِ الصَّوْمِ المَأْمُورِ بِهِ هُناكَ مَندُوبًا عِنْدَ الآمِرِ أوْ لا، وأُيِّدَ بِما قَرَّرُوهُ في بابِ الِاقْتِداءِ مِن أنَّ العِبْرَةَ بِاعْتِقادِ المَأْمُومِ لا الإمامِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قالَهُ أصْحابُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَلْيُراجَعْ.

هَذا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أنْكَرَ القِياسَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الرَّدَّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ القِياسِ، بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ المُرادَ بِإطاعَةِ اللَّهِ العَمَلُ بِالكِتابِ، وبِإطاعَةِ الرَّسُولِ العَمَلُ بِالسُّنَّةِ، وبِالرَّدِّ إلَيْهِما القِياسُ؛ لِأنَّ رَدَّ المُخْتَلَفِ فِيهِ الغَيْرِ المَعْلُومِ مِنَ النَّصِّ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ القِياسُ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ، وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ ﴾ أنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّزاعِ يُعْمَلُ بِما اتُّفِقَ عَلَيْهِ، وهو الإجْماعُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ الأخِيرِ الوارِدِ في مَحَلِّ النِّزاعِ، إذْ هو المُحْتاجُ إلى التَّحْذِيرِ عَنِ المُخالَفَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والكَلامُ عَلى حَدِّ (إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي) فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى يُوجِبُ امْتِثالَ أمْرِهِ، وكَذا الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِما فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى المُخالَفَةِ (ذَلِكَ) أيِ الرَّدُّ المَأْمُورُ بِهِ العَظِيمُ الشَّأْنِ، ولَوْ حُمِلَ كَما قِيلَ عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ عَلى التَّفْرِيعِ لَحَسُنَ.

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ، أيْ: طاعَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُولِي الأمْرِ، ورَدُّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (خَيْرٌ) لَكم وأصْلَحُ (وأحْسَنُ) أيْ: أحْمَدُ في نَفْسِهِ (تَأْوِيلًا) أيْ: عاقِبَةً، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِالكَمالِ عَلى خِلافِ المَوْضُوعِ لَهُ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي أنَّ الأغْلَبَ تَعَلُّقُ أنْظارِ النّاسِ بِما يَنْفَعُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ (خَيْرٌ) لَكم في الدُّنْيا، (وأحْسَنُ) عاقِبَةً في الآخِرَةِ، ووَجْهُ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ أظْهَرُ.

وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ (أحْسَنُ تَأْوِيلًا) مِن تَأْوِيلِكم أنْتُمْ إيّاهُ مِن غَيْرِ رَدٍّ إلى أصْلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ  فالتَّأْوِيلُ إمّا بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى المَآلِ والعاقِبَةِ، وإمّا بِمَعْنى بَيانِ المُرادِ مِنَ اللَّفْظِ الغَيْرِ الظّاهِرِ مِنهُ، وكُلاهُما حَقِيقَةٌ، وإنْ غَلَبَ الثّانِي في العُرْفِ، ولِذا يُقابِلُ التَّفْسِيرَ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًۭا ٦٠

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَعْجِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ ﴿ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ مِنَ الزَّعْمِ وهو كَما في القامُوسِ مُثَلَّثُ القَوْلِ: الحَقُّ والباطِلُ والكَذِبُ ضِدٌّ، وأكْثَرُ ما يُقالُ فِيما يُشَكُّ فِيهِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى القَوْلِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««زَعَمَ جِبْرِيلُ»» وفي حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «زَعَمَ رَسُولُكَ» وقَدْ أكْثَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ مِن قَوْلِهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ كَذا في أشْياءَ يَرْتَضِيها، وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: أنَّ زَعَمَ في كُلِّ هَذا بِمَعْنى القَوْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الِادِّعاءِ، أيْ يَدَّعُونَ ﴿ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيِ: القُرْآنِ: ﴿ وما أُنْزِلَ ﴾ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ وهو التَّوْراةُ، ووُصِفُوا بِهَذا الِادِّعاءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والِاسْتِقْباحِ، وقُرِئَ: (أنْزَلَ) و(أنْزَلَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ بَيانٌ لِمَحَلِّ التَّعْجِيبِ عَلى قِياسِ نَظائِرِهِ.

أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ««أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ - يُقالُ لَهُ بِشْرٌ - خاصَمَ يَهُودِيًّا، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ  ودَعاهُ المُنافِقُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ثُمَّ إنَّهُما احْتَكَما إلى النَّبِيِّ  فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ: تَعالَ نَتَحاكَمْ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: قَضى لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: مَكانَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ عُمَرُ فاشْتَمَلَ عَلى سَيْفِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ عُنُقَ المُنافِقِ حَتّى بَرَدَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا أقْضِي لِمَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  -فَنَزَلَتْ».

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ: وقالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ عُمَرَ فَرَقَّ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وسَمّاهُ النَّبِيُّ،  الفارُوقَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ».

والطّاغُوتُ عَلى هَذا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى كَثِيرِ الطُّغْيانِ، أوْ أنَّهُ عَلَمٌ لُقِّبَ لَهُ كالفارُوقِ لَعُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ولَعَلَّهُ في مُقابَلَةِ الطّاغُوتِ، وفي مَعْناهُ كُلُّ مَن يَحْكُمُ بِالباطِلِ ويُؤْثِرُ لِأجْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطّاغُوتُ بِمَعْنى الشَّيْطانِ، وإطْلاقُهُ عَلى الأخَسِّ بْنِ الأشْرَفِ إمّا اسْتِعارَةٌ أوْ حَقِيقَةٌ، والتَّجَوُّزُ في إسْنادِ التَّحاكُمِ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ بِالواسِطَةِ.

وقِيلَ: إنَّ التَّحاكُمَ إلَيْهِ تَحاكُمٌ إلى الشَّيْطانِ مِن حَيْثُ إنَّهُ الحامِلُ عَلَيْهِ، فَنَقْلُهُ عَنِ الشَّيْطانِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: كانَ أُناسٌ مَن يَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَدْ أسْلَمُوا، ونافَقَ بَعْضُهُمْ، وكانَتْ بَيْنَهم خُصُومَةٌ في قَتِيلٍ، فَأبى المُنافِقُونَ مِنهم إلّا التَّحاكُمَ إلى أبِي بَرْزَةَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَسَألُوهُ فَقالَ: أعْظِمُوا اللُّقْمَةَ، فَقالُوا: لَكَ عَشَرَةُ أوْساقٍ، فَقالَ: لا، بَلْ مِائَةُ وسْقٍ، فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ فَوْقَ العَشَرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ما تَسْمَعُونَ.

وعَلى هَذا فَفي الآيَةِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَفْظِيعِ التَّحاكُمِ نَفْسِهِ ما لا يَخْفى، وهو أيْضًا أنْسَبُ بِوَصْفِ المُنافِقِينَ بِادِّعاءِ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ خَبَرِ الطَّبَرانِيِّ عَلَيْهِ بِحَمْلِ المُسْلِمِينَ فِيهِ عَلى المُنافِقِينَ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.

﴿ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُرِيدُونَ) وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّعْجِيبِ كالوَصْفِ السّابِقِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى الطّاغُوتِ، وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنهُ الشَّيْطانُ، وإلّا فَهو عائِدٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ لا الذّاتِ، أيْ: أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِمَن هو كَثِيرُ الطُّغْيانِ أوْ شَبِيهٌ بِالشَّيْطانِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلتَّحاكُمِ المَفْهُومِ مِن (يَتَحاكَمُوا) وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ عَبّاسُ بْنُ المُفَضَّلِ (بِها)، وقُرِئَ (بِهِنَّ)، والضَّمِيرُ أيْضًا لِلطّاغُوتِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وإذا أُرِيدَ الثّانِي أُنِّثَ بِاعْتِبارِ مَعْنى الجَماعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ.

﴿ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، داخِلَةٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، وفِيها عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ عَلى مَعْنى (يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الشَّيْطانِ) وهو بِصَدَدِ إرادَةِ إضْلالِهِمْ، ولا يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ وأنْتَ بِصَدَدِ إرادَةِ هِدايَتِهِمْ و(ضَلالًا) إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ وإمّا مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ، أيْ (فَيَضِلُّونَ ضَلالًا) ووَصْفُهُ بِالبُعْدِ الَّذِي هو نَعْتُ مَوْصُوفِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا ٦١

﴿ وإذا قِيلَ لَهُمْ ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ الزّاعِمِينَ ﴿ تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ ﴿ وإلى الرَّسُولِ ﴾ المَبْعُوثِ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ ﴿ رَأيْتَ ﴾ أيْ: أبْصَرْتَ، أوْ عَلِمْتَ ﴿ المُنافِقِينَ ﴾ وهُمُ الزّاعِمُونَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ وذَمِّهِمْ بِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: رَأيْتَهم لِنِفاقِهِمْ ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ ﴿ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ أيْ: إعْراضًا، أيُّ إعْراضٍ، فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الصَّدُّ، وعُزِيَ إلى الخَلِيلِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ(صَدَّ) اللّازِمِ، والصَّدُّ مَصْدَرٌ لِلْمُتَعَدِّي.

ودَعْوى أنَّ (يَصُدُّونَ) هُنا مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، أيْ يَصُدُّونَ المُتَحاكِمِينَ أيْ يَمْنَعُونَهم مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: (تَعالُوا) بِضَمِّ اللّامِ، عَلى أنَّهُ حُذِفَ لامُ الفِعْلِ اعْتِباطًا، كَما قالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، وأصْلُها بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ، وكَما قالَ الكِسائِيُّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها آيِيَةٌ كَفاعِلَةٍ، فَصارَتِ اللّامُ كاللّامِ فَضُمَّتْ لِلْواوِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ، وهو لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ، أثْبَتَها ابْنُ جِنِّيٍّ، فَلا عِبْرَةَ بِمَن لَحَنَ كابْنِ هِشامٍ الحَمْدانِيِّ فِيها حَيْثُ يَقُولُ: أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (تَعالَيِ) الأُولى مَفْتُوحَةُ اللّامِ، والثّانِيَةُ مَكْسُورَتُها لِلْقافِيَةِ كَما لا يَخْفى.

وأصْلُ مَعْنى هَذا الفِعْلِ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ عالٍ، <div class="verse-tafsir"

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًۭا وَتَوْفِيقًا ٦٢

ثُمَّ عُمِّمَ، ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يَكُونُ حالُهم ﴿ إذا أصابَتْهُمْ ﴾ نالَتْهم ﴿ مُصِيبَةٌ ﴾ نَكْبَةٌ تُظْهِرُ نِفاقَهم ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الجِناياتِ، كالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ والإعْراضِ عَنْ حُكْمِكَ ﴿ ثُمَّ جاءُوكَ ﴾ لِلِاعْتِذارِ، وهو عَطْفٌ عَلى (أصابَتْهُمْ) والمُرادُ تَهْوِيلُ ما دَهاهُمْ، وقِيلَ: عَلى (يَصُدُّونَ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ﴿ يَحْلِفُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (جاءُوكَ) أيْ: حالِفِينَ لَكَ بِاللَّهِ ﴿ إنْ أرَدْنا ﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ ﴿ إلا إحْسانًا ﴾ إلى الخُصُومِ ﴿ وتَوْفِيقًا ﴾ بَيْنَهُمْ، ولَمْ نُرِدْ بِالمُرافَعَةِ إلى غَيْرِكَ عَدَمَ الرِّضا بِحُكْمِكَ فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا.

وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ويَعْتَذِرُونَ ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ، وقِيلَ: جاءَ أصْحابُ القَتِيلِ طالِبِينَ بِدَمِهِ، وقالُوا: إنْ أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحِبِنا، ويُوَفِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، فَإذا عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ دُونَ الِاسْتِقْبالِ.

وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والمُصِيبَةُ ما أصابَهُ وأصْحابَهُ مِنَ الذُّلِّ بِرُجُوعِهِمْ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهي غَزْوَةُ مُرَيْسِيعٍ حِينَ نَزَلَتْ سُورَةُ (المُنافِقِينَ) فاضْطَرُّوا إلى الخُشُوعِ والِاعْتِذارِ عَلى ما سُيَذْكَرُ في مَحَلِّهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقالُوا: ما أرَدْنا بِالكَلامِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُتَنازِعَيْنِ في تِلْكَ الغَزْوَةِ إلّا الخَيْرَ، أوْ مُصِيبَةُ المَوْتِ لَمّا تَضَرَّعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  في الإقالَةِ والِاسْتِغْفارِ، واسْتَوْهَبَهُ ثَوْبَهُ لِيَتَّقِيَ بِهِ النّارَ.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا ٦٣

﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المُنافِقُونَ المَذْكُورُونَ ﴿ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ المُنافِيَةِ لِما أظْهَرُوا لَكَ مِن (بَناتِ غَيْرٍ) وجاءُوا بِهِ مِن أُذُنَيْ عَناقٍ.

﴿ فَأعْرِضْ ﴾ حَيْثُ كانَتْ حالُهم كَذَلِكَ ﴿ عَنْهُمْ ﴾ أيْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ الإعْراضُ عَنْ طَلَبِهِمْ دَمَ القَتِيلِ؛ لِأنَّهُ هَدَرٌ، وقِيلَ: عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ، ولا تُظْهِرْ لَهم عِلْمَكَ بِما في بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ حَتّى يَبْقُوا عَلى نِيرانِ الوَجِلِ.

﴿ وعِظْهُمْ ﴾ بِلِسانِكَ وكُفَّهم عَنِ النِّفاقِ ﴿ وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ قُلْ لَهم خالِيًا لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ؛ لِأنَّهُ أدْعى إلى قَبُولِ النَّصِيحَةِ، ولِذا قِيلَ: النُّصْحُ بَيْنَ المَلَأِ تَقْرِيعٌ، أوْ قُلْ لَهم في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ ومَعْناها ﴿ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ مُؤَثِّرًا واصِلًا إلى كُنْهِ المُرادِ، مُطابِقًا لِما سِيقَ لَهُ مِنَ المَقْصُودِ، فالظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ.

وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(بَلِيغًا) وهو ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ عِنْدَهم لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ المَعْمُولَ إنَّما يَتَقَدَّمُ حَيْثُ يَصِحُّ تَقَدُّمُ عامِلِهِ.

وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ ظَرْفًا، وقَوّاهُ البَعْضُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، وفِيهِ بُعْدٌ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ: (قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ) مُؤَثِّرًا فِيها يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، والإيذانُ بِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمُ الخَبِيثَةُ مِنَ الشَّرِّ والنِّفاقِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِما تَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي، وإنَّما هَذِهِ المَكافَّةُ والتَّأْخِيرُ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ وإضْمارِهِمُ الكُفْرَ، ولَئِنْ أظْهَرُوا الشِّقاقَ وبَرَزُوا بِأشْخاصِهِمْ مَن نَفَقِ النِّفاقِ لَتُسامِرَنَّهُمُ السُّمْرَ والبِيضَ، ولَيَضِيقَنَّ عَلَيْهِمْ رَحْبُ الفَلا بِالبَلاءِ العَرِيضِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ الأوْلى عَلى أنَّهُ قَدْ تُصِيبُ المُصِيبَةُ بِما يَكْتَسِبُ العَبْدُ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقالَ الجُبّائِيُّ: لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عُقُوبَةً في التّائِبِ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: يَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا.

وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَدْ يَكُونُ لُطْفًا، وقَدْ يَكُونُ جَزاءً، وهو مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا ٦٤

﴿ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ بِاشْتِغالِهِمْ بِسَتْرِ نارِ جِنايَتِهِمْ بِهَشِيمِ اعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وعَدَمِ إطْفائِها بِماءِ التَّوْبَةِ، أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُطاعَ بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى وأمْرِهِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ؛ لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ عَزَّ شَأْنُهُ، فَطاعَتُهُ طاعَتُهُ، ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ.

واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ إلّا الخَيْرَ، والشَّرُّ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ التَّيْسِيرِ بِأنَّ المَعْنى: إلّا لِيُطِيعَهُ مَن أذِنَ لَهُ في الطّاعَةِ وأرادَها مِنهُ، وأمّا مَن لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَيُرِيدُ عَدَمَ طاعَتِهِ، فَلِذا لا يُطِيعُهُ، ويَكُونُ كافِرًا، أوْ بِأنَّ المُرادَ إلْزامُ الطّاعَةِ، أيْ: وما أرْسَلَنا رَسُولًا إلّا لِإلْزامِ طاعَتِهِ النّاسَ لِيُثابَ مَنِ انْقادَ ويُعاقَبَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ العِنادِ، فَلا تَنْتَهِضُ دَعْواهُمُ الِاحْتِجاجُ بِها عَلى مُدَعّاهم.

واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن أثْبَتَ الغَرَضَ في أفْعالِهِ تَعالى، وهو ظاهِرٌ، ولا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غايَةً لا غَرَضًا؛ لِأنَّ طاعَةَ الجَمِيعِ لا تَتَرَتَّبُ عَلى الإرْسالِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الغايَةَ كَوْنُهُ مُطاعًا بِالإذْنِ لا لِلْكُلِّ؛ إذْ مَن لا إذْنَ لَهُ لا يُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

﴿ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ وعَرَّضُوها لِلْبَوارِ بِالنِّفاقِ، والتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ ﴿ جاءُوكَ ﴾ عَلى إثْرِ ظُلْمِهِمْ بِلا رَيْثٍ، مُتَوَسِّلِينَ بِكَ، تائِبِينَ عَنْ جِنايَتِهِمْ - غَيْرَ جامِعِينَ حَشَفًا وسُوءَ كِيلَةٍ - بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وأيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ ﴿ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، ونَزَعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا.

﴿ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، ويَغْفِرَ ذُنُوبَهُمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ(اسْتَغْفَرَ) إلَخْ دُونَ (اسْتَغْفَرْتَ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى ما هو مِن عَظِيمِ صِفاتِهِ عَلى طَرِيقِ (حَكَمَ الأمِيرُ بِكَذا) مَكانَ (حَكَمْتَ)، وتَعْظِيمٌ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ أسْنَدَهُ إلى لَفْظٍ مُنْبِئٍ عَنْ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ.

﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ أيْ: لَعَلِمُوهُ قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ، مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجاوُزِ عَمّا سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِمْ، ومَن فَسَّرَ الوِجْدانَ بِالمُصادَفَةِ كانَ الوَصْفُ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي بَدَلًا مِنهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِثْلَهُ، وفي وضْعِ الِاسْمِ الجامِعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إيذانٌ بِفَخامَةِ القَبُولِ والرَّحْمَةِ <div class="verse-tafsir"

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا ٦٥

﴿ فَلا ورَبِّكَ ﴾ أيْ فَوَرَبِّكَ و(لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في جَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّها تُزادُ في الإثْباتِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ﴾ وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ في (لا) الَّتِي تُذْكَرُ قَبْلَ القَسَمِ.

وقِيلَ: إنَّها رَدٌّ لِمُقَدَّرٍ، أيْ لا يَكُونُ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في الجَوابِ، ولِتَأْكِيدِ القَسَمِ إنْ لَمْ يَكُنْ نَفِيٌ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّها ها هُنا لِتَوْطِئَةِ النَّفْيِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مانِعًا مِن ذَلِكَ سِوى مَجِيئِها لِغَيْرِ هَذا المَعْنى في الإثْباتِ، وهو لا يَأْبى مَجِيئَها في النَّفْيِ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ مِنَ التَّوْطِئَةِ، عَلى أنَّها لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مَعَ صَرِيحِ فِعْلِ القَسَمِ، ومَعَ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ: ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ ﴾ ، ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ، ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ قَصْدًا إلى تَأْكِيدِ القَسَمِ وتَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِالشَّيْءِ إلّا إعْظامًا لَهُ، فَكَأنَّهُ بِدِخُولِها يَقُولُ: إنَّ إعْظامِي لِهَذِهِ الأشْياءِ بِالقَسَمِ بِها - كَلا إعْظامٍ - يَعْنِي أنَّها تَسْتَوْجِبُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَوْقَ ذَلِكَ، وهو لا يُحْسَنُ في القَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى، إذْ لا تَوَهُّمَ لِيُزاحَ، ولَمْ تُسْمَعْ زِيادَتُها مَعَ القَسَمِ بِاللَّهِ إلّا إذا كانَ الجَوابُ مَنفِيًّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها مَعَهُ زائِدَةٌ مُوطِئَةٌ لِلنَّفْيِ الواقِعِ في الجَوابِ، ولا تَكادُ تَجِدُها في غَيْرِ الكِتابِ العَزِيزِ داخِلَةً عَلى قَسَمٍ مُثْبَتٍ، وإنَّما كَثُرَ دُخُولُها عَلى القَسَمِ وجَوابُهُ نَفْيٌ كَقَوْلِهِ: فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيْ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ وقَوْلِهِ: ألا نادَتْ أُمامَةُ بِارْتِحالٍ ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا بِكِ ما أُبالِي وقَوْلِهِ: رَأى بَرْقًا فَأوْضَعَ فَوْقَ بَكْرٍ ∗∗∗ فَلا بِكَ ما أسالَ ولا أغاما إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، ومِن هَذا يُعْلَمُ الفَرْقُ بَيْنَ المَقامَيْنِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما فَتَأمَّلْ ذَلِكَ، فَهو حَقِيقٌ بِالتَّأمُّلِ.

﴿ حَتّى يُحَكِّمُوكَ ﴾ أيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا أوْ حاكِمًا، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ ويَتَرافَعُوا، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّحْكِيمِ مَعَ أنَّهُ  حاكِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ؛ إيذانًا بِأنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكَمًا فِيما بَيْنَهُمْ، ويَرْضُوا بِحُكْمِهِ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ كَوْنِهِ حاكِمًا عَلى الإطْلاقِ ﴿ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم مِنَ الأُمُورِ واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِتَداخُلِ أغْصانِهِ، وقِيلَ لِلْمُنازَعَةِ تَشاجُرٌ؛ لِأنَّ المُتَنازِعِينَ تَخْتَلِفُ أقْوالُهم وتَتَعارَضُ دَعاوِيهِمْ، ويَخْتَلِطُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿ ثُمَّ لا يَجِدُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَتَحْكُمُ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا ﴿ فِي أنْفُسِهِمْ ﴾ وقُلُوبِهِمْ ﴿ حَرَجًا ﴾ أيْ: شَكًّا كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ ضِيقًا كَما قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ إثْمًا كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَفْسِيرَهُ بِضِيقِ الصَّدْرِ لِشائِبَةِ الكَراهَةِ والإباءِ لِما أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ كانُوا يَسْتَيْقِنُونَ الآياتِ بِلا شَكٍّ ولَكِنْ يَجْحَدُونَ ظُلْمًا وعُتُوًّا فَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ يُمْكِنُ إرْجاعُهُ إلى أيِّ الأمْرَيْنِ شِئْتَ، ونَفْيُ وِجْدانِ الحَرَجِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ كَما لا يَخْفى، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَجِدُوا) والظَّرْفُ قِيلَ: حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا قَضَيْتَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(حَرَجًا) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ، و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ونَكِرَةً مَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: مِنَ الَّذِي قَضَيْتَهُ، أيْ قَضَيْتَ بِهِ، أوْ مِن شَيْءٍ قَضَيْتَ، أوْ مِن قَضائِكَ.

﴿ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ أيْ يَنْقادُوا لِأمْرِكَ ويُذْعِنُوا لَهُ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّأْكِيدُ، ولَعَلَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ قَضاءَ شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضاؤُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصّادِقِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «لَوْ أنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى وأقامُوا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، وصامُوا رَمَضانَ، وحَجُّوا البَيْتَ، ثُمَّ قالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ألا صَنَعَ خِلافَ ما صَنَعَ أوْ وجَدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا لَكانُوا مُشْرِكِينَ» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وسَبَبُ نُزُولِها كَما قالَ الشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ: ما مَرَّ مِن قِصَّةِ بِشْرٍ واليَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ قَضى بَيْنَهُما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِما قَضى.

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، «عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، أنَّهُ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ كانَ يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ، فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصارِيَّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟

فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ»» واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ  لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ السَّعَةَ لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿ فَلا ورَبِّكَ ﴾ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا ٦٦

﴿ ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: فَرَضْنا وأوْجَبْنا ﴿ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: كَما أمَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ بِالجِهادِ بَعِيدٌ ﴿ أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ ﴾ كَما أمَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ.

والمُرادُ: إنَّما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ إطاعَةَ الرَّسُولِ والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ والرِّضا بِهِ، ولَوْ كَتَبْنا عَلَيْهِمُ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ كَما كَتَبْنا ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُخْلِصُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَأبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أمَرْتَنِي أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ فَقالَ: «صَدَقْتَ يا أبا بَكْرٍ»» وكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ أشارَ  إلَيْهِ بِيَدِهِ فَقالَ: «لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ هَذا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ»» وكابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ فِيهِ: ««لَوْ نَزَلَتْ كانَ مِنهُمْ»» وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أُناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ  فَقالَ: «لَلْإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِ أهْلِهِ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: واللَّهِ لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ  فَقالَ: «إنَّ مِن أُمَّتِي لَرِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»».

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الزُّبَيْرَ وصاحِبَهُ لَمّا خَرَجا بَعْدَ الحُكْمِ مِن رَسُولِ اللَّهِ  مَرّا عَلى المِقْدادِ فَقالَ: لِمَنِ القَضاءُ؟

فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِابْنِ عَمَّتِهِ ولَوى شِدْقَهُ، فَفَطِنَ يَهُودِيٌّ كانَ مَعَ المِقْدادِ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ويَتَّهِمُونَهُ في قَضاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وايْمُ اللَّهِ تَعالى لَقَدْ أذْنَبْنا ذَنْبًا مَرَّةً في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَدَعانا إلى التَّوْبَةِ مِنهُ، وقالَ ﴿ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فَفَعَلْنا، فَبَلَغَ قَتْلانا سَبْعِينَ ألْفًا في طاعَةِ رَبِّنا حَتّى رَضِيَ عَنّا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ، لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌ  أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَقَتَلْتُها.

ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُوَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْهم فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ أثْبَتُ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»» وإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ.

وفِي رِوايَةِ البَغَوِيِّ الِاقْتِصارُ عَلى ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وعَلى هَذا الأثَرِ وجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لا يَخْفى، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في مَعْناها: لَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أوْ خُرُوجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُرادَ أنَّنا قَدْ خَفَّفْنا عَلَيْهِمْ حَيْثُ اكْتَفَيْنا مِنهم في تَوْبَتِهِمْ بِتَحْكِيمِكَ والتَّسْلِيمِ لَهُ، ولَوْ جَعَلْنا تَوْبَتَهم كَتَوْبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتُوبُوا، والَّذِي يُفْهَمُ مِن فَحْوى الأخْبارِ المُعَوَّلِ عَلَيْها أنَّ هَذِهِ الكِتابَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِالِاسْتِتابَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ عَلى قُصُورِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ووَهَنِ إسْلامِهِمْ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إيمانُهم إلّا بِأنْ يُسَلِّمُوا حَقَّ التَّسْلِيمِ.

وظاهِرُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أُمِرُوا بِالخُرُوجِ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، إذا أُرِيدَ بِالدِّيارِ الدِّيارُ المِصْرِيَّةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِتابَةَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ إنَّما كانَتْ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها، وبَعْدَ انْفِلاقِ البَحْرِ، وهَذا مِمّا لا امْتِراءَ فِيهِ، عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهم أُمِرُوا بِالخُرُوجِ اسْتِتابَةً في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وحَمْلُ الذِّلَّةِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ ﴾ لا يُفِيدُ؛ إذِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِهِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ في كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ في التّائِبِينَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ نِزاعًا.

وقَدْ حَقَّقَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها في المِصْرِيِّينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى عِبادَتِهِ، كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشْفِ كَيْفَ لَمْ يَتَعَقَّبْ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ بِأكْثَرَ مِن أنَّهُ لَيْسَ مَنصُوصًا في القُرْآنِ، ثُمَّ نَقَلَ كَلامَهُ في الآيَةِ.

هَذا، والكَلامُ في لَوْ هُنا أشْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ، وحَقُّها كَما قالُوا أنْ يَلِيَها فِعْلٌ، ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ: التَّقْدِيرُ: لَوْ وقَعَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها وإنْ كانَ حَقُّها ذَلِكَ إلّا أنَّ (إنَّ) الشَّدِيدَةَ تَقَعُ بَعْدَها لِأنَّها تَنُوبُ عَنِ الِاسْمِ والخَبَرِ، فَنَقُولُ: ظَنَنْتُ أنَّكَ عالِمٌ، كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُكَ عالِمًا، أيْ ظَنَنْتُ عِلْمَكَ ثابِتًا، فَهي هُنا نائِبَةٌ عَنِ الفِعْلِ والِاسْمِ كَما أنَّها هُناكَ نائِبَةٌ عَنِ الِاسْمِ والخَبَرِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ في (عَلَيْهِمْ) وما بَعْدَهُ قِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ القَلِيلِ مِنهم غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، إذْ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ لا تَطِيبُ أنْفُسُهم بِما دُونَ القَتْلِ بِمَراتِبَ، وكُلُّ شَيْءٍ دُونَ المَنِيَّةِ سَهْلٌ، فَكَيْفَ تَطِيبُ بِالقَتْلِ ويَمْتَثِلُونَ الأمْرَ بِهِ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ: لَوْ كَتَبْنا عَلى المُنافِقِينَ ذَلِكَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ويَنْكَشِفُ كُفْرُهُمْ، فَإذْ لَمْ نَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهُمُ الأشْياءَ السَّهْلَةَ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ، ولْيَلْزَمُوا الإخْلاصَ، ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْبَلْخِيِّ.

ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ  في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ««لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ مِنهُمْ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ السّالِفَةِ تَأْبى هَذا التَّوْجِيهَ غايَةَ الإباءِ؛ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمَدْحِ، ولا مَدْحَ في كَوْنِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِنَ القَلِيلِ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ الأمْرَ رِياءً وسُمْعَةً، بَلْ ذَلِكَ غايَةٌ في الذَّمِّ لَهم وحاشاهُمْ، وقِيلَ: لِلنّاسِ مُطْلَقًا، والقِلَّةُ إضافِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنُونَ، وهم - وإنْ كَثُرُوا - قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ والكَفَرَةِ والمُتَمَرِّدِينَ ﴿ وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوى إيمانًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ حَتّى بَلَغَ قَتْلاهم سَبْعِينَ ألْفًا، ولا يَمْتَثِلُهُ لَوْ كانَ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ إلّا قَلِيلٌ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ بَيانًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، حَيْثُ إنَّهُ لا يَقْبَلُ القَتْلَ مِنهم إلّا القَلِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْهم بِقَتْلِ قَلِيلٍ، ولا يَدْعُهم أنْ يَقْتُلَ الكَثِيرُ كَبَنِي إسْرائِيلَ، لا أنَّهم لا يَفْعَلُونَ كَما فَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ فِيهِمْ وكَثْرَةِ المُخْلِصِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، لِيَلْزَمَ التَّفْضِيلُ.

وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قُتِلَ كَثِيرٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَنْقادُوا لَأهْلَكَهم عَذابُ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الأُمَّةُ مَأْمُونُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا يَقْدَمُونَ كَما أقْدَمُوا لِعَدَمِ خَوْفِ الِاسْتِئْصالِ، لا لِأنَّهم دُونٌ وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوى مِنهم إيمانًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ بِمَراحِلَ عَنْ إفادَتِها كَمالِ اللُّطْفِ، والسِّباقُ والسِّياقُ لا يُشْعِرانِ بِهِ أصْلًا، وأنَّ خَوْفَ الِاسْتِئْصالِ وعَدَمَهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَرَفَ الرِّجالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بِالرِّجالِ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فَعَلُوهُ) لِلْمَكْتُوبِ الشّامِلِ لِلْقَتْلِ والخُرُوجِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى القَتْلِ والخُرُوجِ، ولِلْعَطْفِ بِـ(أوْ) لَزِمَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلَيْهِما مَعًا بِالتَّأْوِيلِ تَنْبُو عَنْهُ الصِّناعَةُ، و(قَلِيلٌ) لِكَوْنِ الكَلامِ غَيْرَ مُوجِبٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في (فَعَلُوهُ).

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، أيْ: ما فَعَلُوهُ إلّا فِعْلًا قَلِيلًا، و(مِن) في (مِنهُمْ) حِينَئِذٍ لِلِابْتِداءِ عَلى نَحْوِ: (ما ضَرَبْتُهُ إلّا ضَرْبًا مِنكَ مُبَرِّحًا).

وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّها بَيانٌ لِلضَّمِيرِ في (فَعَلُوا) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ ﴾ عَلى التَّجْرِيدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى هَذا والعُدُولِ عَنِ القَوْلِ بِنَصْبِهِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أنَّ النَّصْبَ عَلَيْهِ في غَيْرِ المُوجَبِ غَيْرُ مُخْتارٍ، فَلا يُحْمَلُ القُرْآنُ عَلَيْهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ، حَيْثُ قالَ: النَّصْبُ جائِزٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، لَكِنْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ: لا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ أقَلُّ القُرّاءِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى، وحَقَّقَهُ الحِمِّصِيُّ، وقِيلَ: بَلْ يَكُونُ إجْماعُهم دَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ هو القَوِيُّ؛ لِأنَّهم هُمُ المُتَفَنِّنُونَ الآخِذُونَ عَنْ مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ تَعْلِيلَ النُّحاةِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.

ورَجَّحَ بَعْضُهم - أيْضًا - النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا بِأنَّ فِيهِ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، وهو مِمّا يُهْتَمُّ بِهِ، وبِأنَّ تَوْجِيهَ الكَلامِ عَلى غَيْرِهِ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ودَغْدَغَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: (أنِ اقْتُلُوا) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الأصْلِ في التَّخَلُّصِ مِنَ السّاكِنِينَ، و(أوُ اخْرُجُوا) بِضَمِّ الواوِ لِلِاتِّباعِ والتَّشْبِيهِ بِواوِ الجَمْعِ في نَحْوٍ ﴿ ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ).

﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِكَسْرِهِما عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِضَمِّهِما، وهو ظاهِرٌ و(أنْ) كَيْفَما كانَتْ نُونُها إمّا مُفَسِّرَةٌ لِـ(أنّا كَتَبْنا) في مَعْنى (أمَرْنا) ولا يَضُرُّ تَعَدِّيهِ بِـ(عَلى)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْناهُ، ولَوْ خَرَجَ فَتَعَدِّيهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الأصْلِيِّ جائِزٌ، كَما في (نَطَقَتِ الحالُ بِكَذا) حَيْثُ تَعَدّى الفِعْلُ بِالباءِ، مَعَ أنَّهم قَدْ يُرِيدُونَ بِهِ (دَلَّ) وهو يَتَعَدّى بِـ(عَلى).

وإنَّ أبَيْتَ هَذا - ولا أظُنُّ - قُلْنا: إنَّهُ بِمَعْنى أوْحَيْنا، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وهو الظّاهِرُ، ولا يَضُرُّ زَوالُ الأمْرِ بِالسَّبْكِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ.

﴿ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما ﴾ أيْ: ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مَقْرُونًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والِانْقِيادِ إلى حُكْمِهِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿ لَكانَ ﴾ فِعْلُهم ذَلِكَ ﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ عاجِلًا وآجِلًا ﴿ وأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ لَهُمُ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ، وأمْنَعَ لَهم مِنَ الضَّلالِ، وأبْعَدَ مِنَ الشُّبَهاتِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ .

وقِيلَ: مَعْناهُ: أكْثَرَ انْتِفاعًا؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَقِّ يَدُومُ ولا يَبْطُلُ لِاتِّصالِهِ بِثَوابِ الآخِرَةِ، والِانْتِفاعَ بِالباطِلِ يَبْطُلُ ويَضْمَحِلُّ، ويَتَّصِلُ بِعِقابِ الآخِرَةِ، <div class="verse-tafsir"

وَإِذًۭا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٦٧ وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا ٦٨

﴿ وإذًا لآتَيْناهُمْ ﴾ لَأعْطَيْناهم ﴿ مِن لَدُنّا ﴾ مِن عِنْدِنا ﴿ أجْرًا ﴾ ثَوابًا ﴿ عَظِيمًا ﴾ لا يَعْرِفُ أحَدٌ مَبْدَأهُ، ولا يَبْلُغُ مُنْتَهاهُ، وإنَّما ذَكَرَ (مِن لَدُنّا) تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(آتَيْناهُمْ).

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرًا) والواوُ لِلْعَطْفِ و(لَآتَيْناهُمْ) مَعْطُوفٌ عَلى (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) لَفْظًا، و(إذًا) مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الجَزاءَ الأخِيرَ بَعْدَ تَرَتُّبِ التّالِي السّابِقِ عَلى المُقَدَّمِ، ولِإظْهارِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: (وإذًا) لَوْ ثَبَتُوا (لَآتَيْناهُمْ) ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِاقْتِرانِهِ بِالواوِ وجْهٌ، وإظْهارُ (لَوْ) لَيْسَ لِأنَّها مَقْدِرَةٌ، بَلْ لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبارِ جَوابِهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالجَوابِ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا: إنَّ (إذًا) حَرْفُ جَوابٍ دائِمًا أنَّها تَكُونُ في كَلامٍ مُبْتَدَأٍ، بَلْ هو في كَلامٍ مَبْنِيٍّ عَلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ مَلْفُوظٌ، أوْ مُقَدَّرٌ، سَواءٌ كانَ شَرْطًا أوْ كَلامَ سائِلٍ أوْ نَحْوَهُ، كَما أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالجَزاءِ اللّازِمَ لَها أوِ الغالِبَ، إلّا ما يَكُونُ مُجازاةً لِفِعْلِ فاعِلٍ، سَواءٌ السّائِلُ وغَيْرُهُ، وبِهَذا تَنْدَفِعُ الشُّبَهُ المُورَدَةُ في هَذا المَقامِ.

وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنْ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ تَكَلُّفٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وهو تَوَهُّمٌ مَنشَأهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ كالَّذِي زَعَمَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، فَتَدَبَّرْ.

﴿ ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وهو المَراتِبُ بَعْدَ الإيمانِ الَّتِي تَفْتَحُ أبْوابَها لِلْعامِلِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِيلَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ أوْرَثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»،» وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى: ولَهَدَيْناهم في الآخِرَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًۭا ٦٩

﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ﴾ بِالِانْقِيادِ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿ والرَّسُولَ ﴾ المُبَلِّغَ ما أُوحِي إلَيْهِ مِنهُ بِاتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرِّضا بِحُكْمِهِ، والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ، فِيهِ فَضْلُ تَرْغِيبٍ في الطّاعَةِ، ومَزِيدُ تَشْوِيقٍ إلَيْها، بِبَيانِ أنَّ نَتِيجَتَها أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأُمَمِ، وأرْفَعُ ما تَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ أمانِيهِمْ، وتَشْرَئِبُّ إلَيْهِ أعْيُنُ عَزائِمِهِمْ مِن مُجاوَرَةِ أعْظَمِ الخَلائِقِ مِقْدارًا، وأرْفَعِهِمْ مَنارًا، ومُتَضَمِّنٌ لِتَفْسِيرِ ما أُبْهِمَ، وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في جَوابِ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ.

و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، وإفْرادُ ضَمِيرِ (يُطِعْ) مُراعاةً لِلَّفْظِ، والجَمْعُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَأُولَئِكَ) مُراعاةً لِلْمَعْنى، أيْ: فالمُطِيعُونَ الَّذِينَ عَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وبَعُدَتْ مَنزِلَتُهم شَرَفًا وفَضْلًا.

﴿ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِما تَقْصُرُ العِبارَةُ عَنْ تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ بَيانٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، فَهو حالٌ إمّا مِنَ (الَّذِينَ) أيْ مُقارَنِيهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ (مِنَ النَّبِيِّينَ) وإمّا مِن ضَمِيرِهِ، والتَّعَرُّضُ لِمَعِيَّةِ الأنْبِياءِ دُونَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خاصَّةً، مَعَ أنَّ الكَلامَ في بَيانِ حُكْمِ طاعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِمْ في سَبَبِ النُّزُولِ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ طاعَتَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِطاعَتِهِمْ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ وحَسَّنَهُ قالَ: ««جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتى ومَوْتَكَ عَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وأنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ» فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْئًا حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ﴾ إلَخْ،» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الكَلْبِيُّ: ««إنَّ ثَوْبانِ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، وقَدْ نُحِلَ جِسْمُهُ، وتَغَيَّرَ لَوْنُهُ خَوْفَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ المَوْتِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»».

وعَنْ مَسْرُوقٍ: ««إنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالُوا: ما يَنْبَغِي أنْ نُفارِقَكَ في الدُّنْيا، فَإنَّكَ إذا فارَقَتْنا رُفِعْتَ فَوْقَنا، فَنَزَلَتْ»» وبَدَأ بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وارْتِفاعِهِمْ عَلى مَن عَداهم.

وقَدْ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْ مَوْلانا الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِّيًا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ» ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّدَلِّي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ ﴾ فالمَنازِلُ أرْبَعَةٌ، بَعْضُها دُونَ بَعْضٍ: الأوَّلُ: مَنازِلُ الأنْبِياءِ، وهُمُ الَّذِينَ تَمُدُّهم قُوَّةٌ إلَهِيَّةٌ، وتَصْحَبُهم نَفْسٌ في أعْلى مَراتِبِ القُدْسِيَّةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن قَرِيبٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ﴾ .

والثّانِي: مَنازِلُ الصِّدِّيقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَتَأخَّرُونَ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في المَعْرِفَةِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ عِيانًا مِن بَعِيدٍ، وإيّاهُ عَنى عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - حَيْثُ قِيلَ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: ما كُنْتُ لِأعْبُدَ رَبًّا لَمْ أرَهُ، ثُمَّ قالَ: لَمْ تَرَهُ العُيُونُ بِشَواهِدِ العِيانِ، ولَكِنْ رَأتْهُ القُلُوبُ بِحَقائِقِ الإيمانِ.

والثّالِثُ: مَنازِلُ الشُّهَداءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الشَّيْءَ بِالبَراهِينِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ في المِرْآةِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، كَحالِ مَن قالَ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي بارِزًا، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ»».

والرّابِعُ: مَنازِلُ الصّالِحِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ بِالتَّقْلِيدِ الجازِمِ، ومَثَلُهم كَمَن يَرى الشَّيْءَ مِن بَعِيدٍ في مِرْآةٍ، وإيّاهُ قَصَدَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ««فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» قالَهُ الرّاغِبُ، ونَقَلَهُ الطِّيِبِيُّ وغَيْرُهُ.

ونَقَلَ بَعْضُ تَلامِذَةِ مَوْلانا الشَّيْخِ خالِدٍ النَّقْشَبَنْدِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قَرَّرَ يَوْمًا أنَّ مَراتِبَ الكُمَّلِ أرْبَعَةٌ: نُبُوَّةٌ وقُطْبٌ مَدارُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ صِدِّيقِيَّةٌ وقُطْبٌ مَدارُاها أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - ثُمَّ شَهادَةٌ وقُطْبٌ مَدارُها عُمَرُ الفارُوقُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - ثُمَّ وِلايَةٌ وقُطْبٌ مَدارُها عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وأنَّ الصَّلاحَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الوِلايَةِ، فَسَألَهُ بَعْضُ الحاضِرِينَ عَنْ عُثْمانَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أيِّ مَرْتَبَةٍ هو مِنَ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؟

فَقالَ: إنَّهُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - قَدْ نالَ حَظًّا مِن رُتْبَةِ الشَّهادَةِ، وحَظًّا مِن رُتْبَةِ الوِلايَةِ، وأنَّ مَعْنى كَوْنِهِ ذا النُّورَيْنِ هو ذَلِكَ عِنْدَ العارِفِينَ، انْتَهى.

وأنا - مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعالى ومُسْتَمِدًّا مِنَ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - أقُولُ: إنَّ الوِلايَةَ هي المُحِيطَةُ العامَّةُ، والفَلَكُ الدّائِرُ، والدّائِرَةُ الكُبْرى، وأنَّ الوَلِيَّ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ في حالِهِ، فَعَرَفَ ما لَهُ بِإخْبارِ الحَقِّ إيّاهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّصْدِيقُ عِنْدَهُ، ويَصْدُقُ عَلى أصْنافٍ كَثِيرَةٍ، إلّا أنَّ المَذْكُورَ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةٌ: الصِّنْفُ الأوَّلُ: الأنْبِياءُ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا الرُّسُلُ، أهْلُ الشَّرْعِ سَواءٌ بُعِثُوا أوْ لَمْ يُبْعَثُوا، أعَنى بِطَرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا بَحْثَ لِأهْلِ اللَّهِ تَعالى عَنْ مَقاماتِهِمْ وأحْوالِهِمْ إذْ لا ذَوْقَ لَهم فِيها، وكُلُّهم مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، غَيْرَ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ النُّبُوَّةَ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، والَّتِي لا ذَوْقَ لَهم فِيها هي الخاصَّةُ، أعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ، وهى مَقامٌ خاصٌّ في الوِلايَةِ.

وأمّا النُّبُوَّةُ العامَّةُ فَهي مُسْتَمِرَّةٌ سارِيَةٌ في أكابِرِ الرِّجالِ، غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ دُنْيا وأُخْرى، لَكِنَّ بابَ الإطْلاقِ قَدِ انْسَدَّ، وعَلى هَذا يَخْرُجُ ما رَواهُ البَدْرُ التَّماسُكِيُّ البَغْدادِيُّ، عَنِ الشَّيْخِ بَشِيرٍ، عَنِ القُطْبِ عَبْدِ القادِرِ الجِيلِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهُ قالَ: مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أُوتِيتُمُ اللَّقَبَ وأُوتِينا مالَمْ تُؤْتَوْا، فَإنَّ مَعْنى قَوْلَهُ: أُوتِيتُمُ اللَّقَبَ أنَّهُ حُجِرَ عَلَيْنا إطْلاقُ لَفْظِ النَّبِيِّ، وإنْ كانَتِ النُّبُوَّةُ العامَّةُ أبَدِيَّةً، وقَوْلُهُ: وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْا عَلى حَدِّ قَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أفْضَلُ مِنهُ: يا مُوسى أنا عَلى عِلْمٍ عَلَّمَنِيهُ اللَّهُ تَعالى لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وهَذا وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ ما أسْلَفْناهُ مِن قَبْلِ تَوْجِيهِ هَذا الكَلامِ.

والصِّنْفُ الثّانِي: الصِّدِّيقُونَ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ عَنْ قَوْلِ المُخْبِرِ لا عَنْ دَلِيلٍ سِوى النُّورِ الإيمانِيِّ الَّذِي أُعِدَّ في قُلُوبِهِمْ قَبْلَ وُجُودِ المُصَدَّقِ بِهِ، المانِعِ لَها مِن تَرَدُّدٍ أوْ شَكٍّ يَدْخُلُها في قَوْلِ المُخْبِرِ الرَّسُولِ، ومُتَعَلِّقُهُ في الحَقِيقَةِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ، ويَكُونُ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ لا عَلى إثْباتِهِ؛ إذْ كانَ بَعْضُ الصَّدِّيقِينَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهم وُجُودُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا ضَرُورَةً أوْ نَظَرًا، لَكِنْ ثَبَتَ ما كَوْنُهُ قُرْبَةً، ولَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقِيَّةِ - كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ وغَيْرُهُ - مَقامٌ، ومَن تَخَطّى رِقابَ الصِّدِّيقِينَ وقَعَ في النُّبُوَّةِ، وهي بابٌ مُغْلَقٌ.

وأثْبَتَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مَقامًا بَيْنَهُما سَمّاهُ مَقامَ القُرْبَةِ، وهو السِّرُّ الَّذِي وقَرَ في قَلْبِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ «فَلَيْسَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - رَجُلٌ أصْلًا» لا أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الصِّدِّيقِيَّةِ والنُّبُوَّةِ مَقامٌ، ولَها أجْزاءٌ عَلى عَدَدِ شُعَبِ الإيمانِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِأنَّهُ نُورٌ أخْضَرُ بَيْنَ نُورَيْنِ، يَحْصُلُ بِهِ شُهُودُ عَيْنِ ما جاءَ بِهِ المُخْبِرُ مِن خَلْفِ حِجابِ الغَيْبِ بِنُورِ الكَرَمِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِما يَطُولُ.

والصِّنْفُ الثّالِثُ: الشُّهَداءُ، تَوَلّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالشَّهادَةِ، وجَعَلَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ، وهم مِن أهْلِ الحُضُورُ مَعَ اللَّهِ تَعالى عَلى بِساطِ العِلْمِ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ فَجَمَعَهم مَعَ المَلائِكَةِ في بِساطِ الشَّهادَةِ، فَهم مُوَحِّدُونَ عَنْ حُضُورٍ إلَهِيٍّ وعِنايَةٍ أزَلِيَّةٍ، فَإنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا وآمَنُوا بِهِ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ العُلَماءُ، ولَهُمُ الأجْرُ التّامُّ يَوْمَ القِيامَةِ، وإلّا فَلَيْسَ هُمُ الشُّهَداءُ المُنْعَمُ عَلَيْهِمْ، وإيمانُهم بَعْدَ العِلْمِ بِما قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: إنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ إلَيْهِ - مِن حَيْثُ قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أوْ قالَهُ الرَّسُولُ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِهِ - فَقَدَّمَ الصِّدِّيقَ عَلى الشَّهِيدِ، وجُعِلَ بِإزاءِ النَّبِيِّ؛ فَإنَّهُ واسِطَةٌ بَيْنَهُما لِاتِّصالِ نُورِ الإيمانِ بِنُورِ الرِّسالَةِ، والشُّهَداءُ لَهم نُورُ العِلْمِ مُساوِقٌ لِنُورِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ هو شاهِدٌ لِلَّهِ تَعالى بِتَوْحِيدِهِ لا مِن حَيْثُ هو رَسُولٌ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَعَ المُساوَقَةِ؛ لِئَلّا تَبْطُلَ، ولا أنْ يَكُونَ مَعَهُ لِكَوْنِهِ رَسُولًا، والشّاهِدُ لَيْسَ بِهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَتَأخَّرَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ في الرُّتْبَةِ الَّتِي تَلِي الصِّدِّيقِيَّةَ، فَإنَّ الصِّدِّيقَ أتَمُّ نُورًا مِنهُ في الصِّدِّيقِيَّةِ لِأنَّهُ صِدِّيقٌ مِن وجْهَيْنِ: وجْهِ التَّوْحِيدِ ووَجْهِ القُرْبَةِ، والشَّهِيدُ مِن وجْهِ القُرْبَةِ خاصَّةً؛ لِأنَّ تَوْحِيدَهُ عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ إيمانٍ، فَنَزَلَ عَنِ الصِّدِّيقِ في مَرْتَبَةِ الإيمانِ، وهو فَوْقَهُ في مَرْتَبَةِ العِلْمِ، فَهو المُتَقَدِّمُ في مَرْتَبَةِ العِلْمِ، المُتَأخِّرُ بِرُتْبَةِ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ مِنَ العالِمِ أنْ يَكُونَ صِدِّيقًا، وقَدْ تَقَدَّمَ العِلْمُ مَرْتَبَةَ الخَبَرِ، فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ في تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى إذا بَلَّغَ رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، والصِّدِّيقُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِنُورِ الإيمانِ المُعَدِّ في قَلْبِهِ، فَعِنْدَما جاءَ الرَّسُولُ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ظاهِرٍ.

والصِّنْفُ الرّابِعُ: الصّالِحُونَ، تَوَلّاهُمُ اللَّهُ بِالصَّلاحِ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَدْخُلُ في عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى ولا إيمانِهِمْ بِهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ خَلَلٌ، فَإذا دَخَلَهُ بَطَلَ كَوْنُهُ صالِحًا، وكُلُّ مَن لَمْ يَدْخُلْهُ خَلَلٌ في صِدِّيقِيَّتِهِ فَهو صالِحٌ، وفي شَهادَتِهِ فَهو صالِحٌ، وفي تَوْبَتِهِ فَهو صالِحٌ، ولِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَدْعُوَ بِتَحْصِيلِ الصَّلاحِ لَهُ في المَقامِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ لِجَوازِ دُخُولِ الخَلَلِ عَلَيْهِ في مَقامِهِ؛ لِأنَّ الأمْرَ اخْتِصاصٌ إلَهِيٌّ ولَيْسَ بِذاتِيٍّ، فَيَجُوزُ دُخُولُ الخَلَلِ فِيهِ ويَجُوزُ رَفْعُهُ، فَصَحَّ أنْ يَدْعُوَ الصّالِحُ بِأنْ يُجْعَلَ مِنَ الصّالِحِينَ، أيِ الَّذِينَ يَدْخُلُ صَلاحَهم خَلَلٌ في زَمانٍ ما.

وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ ما مِن نَبِيٍّ إلّا وذَكَرَ أنَّهُ صالِحٌ، أوْ أنَّهُ دَعا أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مَرْتَبَةَ الصَّلاحِ خُصُوصٌ في النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَحْصُلُ لِمَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولا صِدِّيقٍ، ولا شَهِيدٍ.

هَذا ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن كَلامِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، ولَمْ أظْفَرْ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَوْلانا الشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ، فَتَدَبَّرْ.

وقَدْ ذَكَرَ أصْحابُنا الرَّسْمِيُّونَ أنَّ الصِّدِّيقَ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ كالسِّكِّيرِ، بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ في التَّصْدِيقِ، المُبالَغِ في الصِّدْقِ والإخْلاصِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن أفاضِلِ أصْحابِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأماثِلِ خَواصِّهِمْ كَأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأنَّ الشُّهَداءَ جَمْعُ شَهِيدٍ، والمُرادُ الَّذِينَ بَذَلُوا أرْواحَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وهُمُ المَقْتُولُونَ بِسَيْفِ الكُفّارِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ المُرادُ بِهِمْ ها هُنا ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ -  - ما تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟

قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: إنَّ شُهَداءَ أُمَّتِي إذًا لَقَلِيلٌ، مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في الطّاعُونِ فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ مَبْطُونًا فَهو شَهِيدٌ»» وعَدَّ بَعْضُهُمُ الشُّهَداءَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وقِيلَ: الشَّهِيدُ هو الَّذِي يَشْهَدُ لِدِينِ اللَّهِ تَعالى تارَةً بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ.

وزَعَمَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَدْخُلَ كُلُّ هَذِهِ الأُمَّةِ في الشُّهَداءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وأنَّ المُرادَ بِالصّالِحِينَ الصّارِفِينَ أعْمارَهم في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمْوالَهم في مَرْضاتِهِ سُبْحانَهُ، ويُقالُ: الصّالِحُ هو الَّذِي صَلُحَتْ حالُهُ، واسْتَقامَتْ طَرِيقَتُهُ.

والمُصْلِحُ هو الفاعِلُ لِما فِيهِ الصَّلاحُ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: ولِذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مُصْلِحٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى دُونَ صالِحٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالمَعِيَّةِ اتِّحادَ الدَّرَجَةِ ومُطْلَقَ الِاشْتِراكِ في دُخُولِ الجَنَّةِ، بَلْ كَوْنَهم فِيها بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن رُؤْيَةِ الآخَرِ وزِيارَتِهِ مَتى أرادَ، وإنْ بَعُدَتِ المَسافَةُ بَيْنَهُما.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُرْفَعَ الأدْنى إلى مَنزِلَةِ الأعْلى مَتى شاءَ تَكْرِمَةً لَهُ، ثُمَّ يَعُودَ، ولا يُرى أنَّهُ أرْغَدُ مِنهُ عَيْشًا، ولا أكْمَلُ لَذَّةً؛ لِئَلّا يَكُونَ حَسْرَةً في قَلْبِهِ، وكَذا لا مانِعَ مِن أنْ يَنْحَدِرَ الأعْلى إلى مَنزِلَةِ الأدْنى، ثُمَّ يَعُودَ، مِن غَيْرِ أنْ يُرى ذَلِكَ نَقْصًا في مُلْكِهِ أوْ حَطًّا مِن قَدْرِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ، وادَّعى بَعْضُهم أنْ لا تَزاوُرَ مَعَ رُؤْيَةِ كُلِّ واحِدٍ الآخَرَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الأنْوارِ لا تَمانُعَ فِيها ولا تَدافُعَ، فَيَنْعَكِسُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كالمَرايا المَجْلُوَّةِ المُتَقابِلَةِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ وزَعَمَ أنَّهُ التَّحْقِيقُ وهو بَعِيدٌ عَنْهُ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ بِمَراحِلَ ما قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ مَعْنى كَوْنِ المُطِيعِ مَعَ هَؤُلاءِ أنَّهُ مَعَهم في سُلُوكِ طَرِيقِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ مَأْمُونًا مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ، مَحْفُوظَ الطّاعَةِ عَنِ النَّهْبِ.

﴿ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أيْ صاحِبًا، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، واللَّطافَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، والإشارَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى النَّبِيِّينَ ومَن بَعْدَهُمْ، وما فِيها مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا (ورَفِيقًا) حِينَئِذٍ إمّا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِالحُسْنِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لِلْمُطِيعِينَ، أوْ حالَ كَوْنِهِمْ رُفَقاءَ لَهُمْ، ولَمْ يُجْمَعْ؛ لِأنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ، أوِ اكْتِفاءً بِالواحِدِ عَنِ الجَمْعِ في بابِ التَّمْيِيزِ لِفَهْمِ المَعْنى، وحَسَّنَهُ وُقُوعُهُ في الفاصِلَةِ، أوْ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلٍ حَسُنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ قُصِدَ بَيانُ الجِنْسِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأنْواعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى (مَن يُطِعْ) والجَمْعُ عَلى المَعْنى، فَـ(رَفِيقًا) حِينَئِذٍ تَمْيِيزٌ عَلى مَعْنى أنَّهم وُصِفُوا بِحُسْنِ الرَّفِيقِ مِنَ الفِرْقِ الأرْبَعِ لا بِنَفْسِ الحُسْنِ، فَلا يَجُوزُ دُخُولُ (مِن) عَلَيْهِ كَما يَجُوزُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.

والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرُ لِما قَبْلَهُ، مُؤَكِّدٌ لِلتَّرْغِيبِ والتَّشْوِيقِ، وفي الكَشّافِ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أحْسَنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، ولِاسْتِقْلالِهِ بِمَعْنى التَّعْجِيبِ قُرِئَ (وحُسْنُ) بِسُكُونِ السِّينِ، يَقُولُ المُتَعَجِّبُ: حُسْنُ الوَجْهِ وجْهُكَ بِالفَتْحِ والضَّمِّ مَعَ التَّسْكِينِ، انْتَهى.

وفِي الصِّحاحِ يُقالُ: حَسُنَ الشَّيْءُ، وإنْ شِئْتَ خَفَّفَتَ الضَّمَّةَ فَقُلْتَ: حُسْنَ الشَّيْءِ، ويَجُوزُ أنْ تُنْقَلَ الضَّمَّةُ إلى الحاءِ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ، وإنَّما يَجُوزُ النَّقْلُ إذا كانَ بِمَعْنى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يُشَبَّهُ في جَوازِ النَّقْلِ بِنِعْمَ وبِئْسَ، وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ فِيهِما (نَعِمَ وبَئِسَ) فَسُكِّنَ ثانِيهِما، ونُقِلَتْ حَرَكَتُهُ إلى ما قَبْلَهُ، وكَذَلِكَ كَلُّ ما كانَ في مَعْناهُما، قالَ الشّاعِرُ: لَمْ يَمْنَعِ النّاسُ مِنِّي ما أرَدْتُ وما أُعْطِيهِمْ ما أرادُوا حُسْنَ ذا أدَبًا أرادَ حَسُنَ ذا أدَبًا، فَخُفِّفَ ونُقِلَ، وأرادَ أنَّهُ لَمّا نُقِلَ إلى الإنْشاءِ حَسُنَ أنْ يُغَيَّرَ تَنْبِيهًا عَلى مَكانِ النَّقْلِ.

وفِي الِارْتِشافِ: إنَّ فَعُلَ المُحَوَّلَ ذَهَبَ الفارِسِيُّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ نِعْمَ وبِئْسَ فَقَطْ، وإجْراءُ أحْكامِهِ عَلَيْهِ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والمُبَرِّدُ إلى إلْحاقِهِ بِبابِ التَّعَجُّبِ، وحَكى الأخْفَشُ الِاسْتِعْمالَيْنِ عَنِ العَرَبِ، ويَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ العَيْنِ وتَسْكِينُها، ونَقْلُ حَرَكَتِها إلى الفاءِ، وظاهِرُهُ تَغايُرُ المَذْهَبَيْنِ.

وفِي التَّسْهِيلِ أنَّهُ مِن بابِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهو يَقْتَضِي أنْ لا تَغايُرَ بَيْنَهُما، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الشَّيْخَيْنِ، فافْهَمْ.

والحُسْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُبْهِجٍ مَرْغُوبٍ، إمّا عَقْلًا أوْ هَوًى أوْ حِسًّا، وأكْثَرُ ما يُقال في مُتَعارَفِ العامَّةِ في المُسْتَحْسَنِ بِالبَصَرِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ لَهُ ولِلْمُسْتَحْسَنِ مِن جِهَةِ البَصِيرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا ٧٠

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ لِلْمُطِيعِينَ مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ أوْ إلى فَضْلِ هَؤُلاءِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ومَزِيَّتِهِمْ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الفَضْلُ ﴾ صِفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: ذَلِكَ الفَضْلُ العَظِيمُ كائِنٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِن غَيْرِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ هو الخَبَرَ، و(مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، والعامِلِ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ الفَضْلُ - كائِنًا أوْ كائِنٌ - مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنَّ أعْمالَ العِبادِ تُوجِبُهُ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ بِثَوابِ مَن أطاعَهُ، وبِمَقادِيرِ الفَضْلِ واسْتِحْقاقِ أهْلِهِ بِمُقْتَضى الوَعْدِ، فَثِقُوا بِما أخْبَرَكم بِهِ، ﴿ ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ .

وقِيلَ: وكَفى بِهِ سُبْحانَهُ عَلِيمًا بِالعُصاةِ والمُطِيعِينَ والمُنافِقِينَ والمُخْلِصِينَ، ومَن يَصْلُحُ لِمُرافَقَةِ هَؤُلاءِ ومَن لا يَصْلُحُ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا ٧١

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ أيْ عُدَّتَكم مِنَ السِّلاحِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: الحِذْرُ مَصْدَرٌ كالحَذَرِ، وهو الِاحْتِرازُ عَمّا يُخافُ، فَهُناكَ الكِنايَةُ والتَّخْيِيلُ بِتَشْبِيهِ الحِذْرِ بِالسِّلاحِ وآلَةِ الوِقايَةِ، ولَيْسَ الأخْذُ مَجازًا لِيَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ إذِ التَّجَوُّزُ في الإيقاعِ.

وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُونَ بِجَوازِ الجَمْعِ فِيهِ، والمَعْنى: اسْتَعِدُّوا لِأعْدائِكِمُ، أوْ تَيَقَّظُوا، واحْتَرِزُوا مِنهُمْ، ولا تُمَكِّنُوهم مِن أنْفُسِكم ﴿ فانْفِرُوا ﴾ بِكَسْرِ الفاءِ، وقُرِئَ بِضَمِّها، أيِ اخْرُجُوا إلى قِتالِ عَدُوِّكم والجِهادِ مَعَهُ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ، وأصْلُ مَعْنى النَّفْرِ الفَزَعُ كالنَّفْرَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ذُكِرَ ﴿ ثُباتٍ ﴾ جُمَعُ ثُبَةٍ، وهي الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ فَوْقَ العَشَرَةِ، وقِيلَ: فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: فَأمّا يَوْمَ خَشِيتَنا عَلَيْهِمْ فَتُصْبِحُ خَيْلُنا عَصَبًا ثُباتًا ووَزْنُها في الأصْلِ فَعْلَةٌ كَحَطْمَةٍ، حُذِفَتْ لامُها، وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، وهَلْ هي واوٌ مِن (ثَبا يَثِبُو) كَـ(عَدى يَعْدُو) أيِ اجْتَمَعَ، أوْ ياءٌ مِن (ثَبَيْتُ) عَلى فُلانٍ بِمَعْنى أثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَحاسِنِهِ وجَمْعِها قَوْلانِ.

وثُبَةُ الحَوْضِ وسَطُهُ، واوِيَّةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، وقَدْ جُمِعَ جَمْعَ المُؤَنَّثِ، وأُعْرِبَ إعْرابَهُ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ، وفي لُغَةٍ يُنْصَبُ بِالفَتْحِ، وقَدْ جُمِعَ أيْضًا جَمْعَ المُذَكَّرِ السّالِمِ فَيُقالُ: ثَبُونَ، وقَدِ اطَّرَدَ ذَلِكَ فِيما حُذِفَ آخِرُهُ إنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ جَبْرًا لَهُ، وفي ثائِهِ حِينَئِذٍ لُغَتانِ: الضَّمُّ والكَسْرُ، والجَمْعُ هُنا في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً جَماعَةً بَعْدَ جَماعَةٍ.

﴿ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَماعَةً واحِدَةً، ويُسَمّى الجَيْشُ إذا اجْتَمَعَ ولَمْ يَنْتَشِرْ كَتِيبَةً، ولِلْقِطْعَةِ المُنْتَخَبَةِ المُقْتَطَعَةِ مِنهُ سَرِيَّةٌ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها الَّتِي تَخْرُجُ لَيْلًا وتَعُودُ إلَيْهِ، وهي مِائَةٌ إلى خَمْسِمِائَةٍ، أوْ مِن خَمْسَةِ أنْفُسٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ وأرْبَعِمِائَةٍ، وما زادَ عَلى السَّرِيَّةِ (مَنسِرٌ) كَمَجْلِسٍ ومِنبَرٍ إلى الثَّمانِمِائَةِ، فَإنْ زادَ يُقالُ لَهُ: جَيْشٌ إلى أرْبَعَةِ آلافٍ، فَإنْ زادَ يُسَمّى (جَحْفَلًا)، ويُسَمّى الجَيْشُ العَظِيمُ (خَمِيسًا)، وما افْتَرَقَ مِنَ السَّرِيَّةِ (بَعْثًا) وقَدْ تُطْلَقُ السَّرِيَّةُ عَلى مُطْلَقِ الجَماعَةِ.

الآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في الحَرْبِ لَكِنْ فِيها إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ كُلِّها كَيْفَما أمْكَنَ قَبْلَ الفَواتِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا ٧٢

﴿ وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ ولَيَتَأخَّرَنَّ عَنِ الجِهادِ، مِن (بَطَّأ) بِمَعْنى أبْطَأ، كَعَتَّمَ بِمَعْنى أعْتَمَ، إذا أبْطَأ، والخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُؤْمِنِيهِمْ ومُنافِقِيهِمْ، والمُبَطِّئُونَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا لَفْظًا ومَعْنًى مِن بَطُؤَ نَحْوُ ثَقُلَ مِن ثَقَّلَ، فَيُرادُ لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ ولَيُثَبِّطَنَّهُ عَنِ الجِهادِ، كَما ثَبَّطَ ابْنُ أبِي ناسا يَوْمَ أُحُدٍ، والأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، واللّامُ الأُولى لامُ التَّأْكِيدِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ إنَّ أوِ اسْمِها إذا تَأخَّرَ، والثّانِيَةُ جَوابُ قَسَمٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ رابِطَةٌ في جُمْلَةِ القَسَمِ، كَما لا يَرِدُ أنَّها إنْشائِيَّةٌ فَتَقَعُ صِلَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الجَوابُ وهو خَبَرِيٌّ فِيهِ عائِدٌ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ (أقْسَمَ) عَلى صِيغَةِ الماضِي لِيَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى المُبَطِّئِ، بَلْ هو خِلافُ الظّاهِرِ.

وجُوِّزَ في (مَن) أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً، والكَلامُ في الصِّفَةِ كالكَلامِ في الصِّلَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: إنَّها مُعْتَرِضَةٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيُقاتِلْ ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ خُذُوا)، ﴾ وقُرِئَ (لَيُبْطِئْنَ) بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ مِنَ العَدُوِّ كَقَتْلٍ وهَزِيمَةٍ قالَ أيِ المُبَطِّئُ فَرِحًا بِما فَعَلَ وحامِدًا لِرَأْيِهِ ﴿ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ﴾ بِالقُعُودِ ﴿ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا ﴾ حاضِرًا مَعَهم في المَعْرَكَةِ، فَيُصِيبُنِي مِثْلُ الَّذِي أصابَهم مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إذْ لَمْ أكُنْ مَعَ شُهَدائِهِمْ شَهِيدًا، أوْ لَمْ أكُنْ مَعَهم في مَعْرِضِ الشَّهادَةِ، فالإنْعامُ هو النَّجاةُ عَنِ القَتْلِ وخَوْفِهِ، عُبِّرَ عَنْهُ بِالشَّهادَةِ تَهَكُّمًا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

والفاءُ في الشَّرْطِيَّةِ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ ذِكْرَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، كَما أنَّ نَفْسَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَدْعِيَةٌ لِشَيْءٍ يَنْتَظِرُ المُبَطِّئُ وُقُوعَهُ <div class="verse-tafsir"

وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا ٧٣

﴿ ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ ﴾ كَفَتْحٍ وغَنِيمَةٍ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(أصابَكُمْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(فَضْلٌ) وفي نِسْبَةِ إضافَةِ الفَضْلِ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى دُونَ إضافَةِ المُصِيبَةِ تَعْلِيمٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَتِ المُصِيبَةُ فَضْلًا في الحَقِيقَةِ، وتَقْدِيمُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِما أنَّ مَضْمُونَها لِمَقْصِدِهِمْ أوْفَقُ، وأثَرُ نِفاقِهِمْ فِيها أظْهَرُ ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ نَدامَةً عَلى تَثَبُّطِهِ، وتَهالُكًا عَلى حُطامِ الدُّنْيا، وحَسْرَةً عَلى فَواتِهِ، وفي تَأْكِيدِ القَوْلِ دَلالَةٌ عَلى فَرْطِ التَّحَسُّرِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، ولَمْ يُؤَكَّدِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأتى بِهِ ماضِيًا إمّا لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّأْكِيدِ أوْ لِأنَّ العُدُولَ عَنِ المُضارِعِ لِلْماضِي تَأْكِيدٌ، وقَرَأ الحَسَنُ (لَيَقُولُنَّ) بِضَمِّ اللّامِ مُراعاةً لِمَعْنى (مَن) وذَلِكَ شائِعٌ سائِغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ مِن كَلامِهِ تَعالى اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ ومِقْوَلِهِ الَّذِي هو ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن مَطْلَعِ كَلامِهِ أنَّ تَمَنِّيَهُ المَعِيَّةَ لِلنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ما في البَيْنِ مِنَ المَوَدَّةِ، بَلْ هو لِلْحِرْصِ عَلى حُطامِ الدُّنْيا كَما يَنْطِقُ بِهِ آخِرُهُ، فَإنَّ الفَوْزَ العَظِيمَ الَّذِي عَناهُ هو ذَلِكَ، ولَيْسَ إثْباتُ المَوَدَّةِ في البَيْنِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَقُولَنَّ) أيْ لَيَقُولَنَّ مُشَبَّهًا بِمَن لا مَوَدَّةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ حَيْثُ لَمْ يَتَمَنَّ نُصْرَتَكم ومُظاهَرَتَكُمْ، وقِيلَ: هي مِن كَلامٍ المُبَطِّئِ، داخِلَةٌ كَجُمْلَةِ التَّمَنِّي في المَقُولِ، أيْ: لَيَقُولَنَّ المُبَطِّئُ لِمَن يُثَبِّطُهُ مِنَ المُنافِقِينَ وضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ -  - مَوَدَّةٌ، حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحَبْكم مَعَهُ في الغَزْوِ حَتّى تَفُوزُوا بِما فازَ بِهِ المُسْتَصْحَبُونَ ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ﴾ إلَخْ، وغَرَضُهُ إلْقاءُ العَداوَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَأْكِيدُها، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ الماتُرِيدِيُّ إلى أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قالَ: (قَدْ أنْعَمَ) إلَخْ، أيْ قالَ ذَلِكَ (كَأنْ لَمْ يَكُنْ) إلَخْ، ورَدَّهُ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ بِأنَّها إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الأُولى فَكَيْفَ يُفْصَلُ بِها بَيْنَ أبْعاضِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، ومِثْلُهُ مُسْتَقْبَحٌ، واعْتُذِرَ بِأنَّ مُرادَهم أنَّها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَعْناها صَرِيحًا مُتَعَلِّقٌ بِالأُولى وضِمْنًا بِهَذِهِ، و(كَأنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وهو مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنَّها لا تَعْمَلُ إذا خُفِّفَتْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تَكُنْ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ المَوَدَّةِ، والباقُونَ (يَكُنْ) بِالياءِ لِلْفَصْلِ، ولِأنَّها بِمَعْنى الوُدِّ، والمُنادى في (يا لَيْتَنِي) عِنْدَ الجُمْهُورِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يا قَوْمِي، وأبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في نَحْوِ هَذا: لَيْسَ في الكَلامِ مُنادًى مَحْذُوفٌ، بَلْ تَدْخُلُ (يا) خاصَّةً عَلى الفِعْلِ والحَرْفِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، ونُصِبَ (أفُوزَ) عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، وعَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ والحَسَنِ (فَأفُوزُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: (فَأنا أفُوزُ) في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوِ العَطْفِ عَلى خَبَرِ (لَيْتَ) فَيَكُونُ داخِلًا في التَّمَنِّي.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٧٤

﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ المَوْصُولُ فاعِلُ الفِعْلِ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحُ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، و(يَشْرُونَ) مُضارِعُ شَرى، ويَكُونُ بِمَعْنى باعَ، واشْتَرى مِنَ الأضْدادِ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى (يَشْتَرُونَ) فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المُنافِقُونَ، أُمِرُوا بِتَرْكِ النِّفاقِ، والمُجاهَدَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: يَنْبَغِي بَعْدَما صَدَرَ مِنهم مِنَ التَّثْبِيطِ والنِّفاقِ تَرْكُهُ وتَدارُكُ ما فاتَ مِنَ الجِهادِ بَعْدُ.

وإنْ كانَ بِمَعْنى (يَبِيعُونَ) فالمُرادُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ تَرَكُوا الدُّنْيا واخْتارُوا الآخِرَةَ، أُمِرُوا بِالثَّباتِ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى تَثْبِيطِ المُبَطِّئِينَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إنْ صَدَّهُمُ المُنافِقُونَ فَلْيُقاتِلُوا ولا يُبالُوا.

﴿ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ ولا بُدَّ، وفي الِالتِفاتِ مَزِيدُ التِفاتٍ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ لا يَكادُ يُعْلَمُ كِمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً، وفي تَعْقِيبِ القِتالِ بِما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُجاهِدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَمُّهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، إمّا إكْرامُ نَفْسِهِ بِالقَتْلِ والشَّهادَةِ، أوِ إعْزازُ الدِّينِ وإعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، ولا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالهَرَبِ بِوَجْهٍ، ولِذا لَمْ يَقِلْ: (فَيُغْلَبْ)، (أوْ يَغْلِبْ) وتَقْدِيمُ القَتْلِ لِلْإيذانِ بِتَقَدُّمِهِ في اسْتِتْباعِ الأجْرِ، وفي الآيَةِ تَكْذِيبٌ لِلْمُبَطِّئِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

﴿ وما لَكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورَيْنِ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ و(ما) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ لَكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ، والمُرادُ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتِلَةِ ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم عَنِ الأسْرِ، وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ،ِ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَخْلِيصَهم سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى لا سَبِيلُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ كانَ سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ لَهُ نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِهِمْ فَلا مانِعَ مِن إضافَتِهِ إلْيَهِمْ.

واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُقاتَلَةِ في سَبِيلِهِمُ المُقاتِلَةُ في فَتْحِ طَرِيقِ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ودَفْعِ سَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ لِيَتَهَيَّأ خُرُوجُ المُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَضْعَفٌ جِدًّا، وإمّا عَطْفٌ عَلى (سَبِيلِ) بِحَذْفِ مُضافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، أيْ: وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أعَنِي أوْ أخُصُّ، فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ مِن أعَظَمِها وأخَصِّها، ومَعْنى المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ طَلَبَ المُشْرِكُونَ ضَعْفَهم وذُلَّهُمْ، أوِ الضُّعَفاءُ مِنهُمْ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ لِمَنعِ المُشْرِكِينَ لَهم مِنَ الخُرُوجِ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» وقَدْ ذُكِرَ مِنهم سَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، وإنَّما ذُكِرَ الوِلْدانُ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ، والتَّنْبِيهِ عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، والإيذانِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي، واقْتِرابِ زَمانِ الخَلاصِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى القِتالِ.

ومِن ها يُعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيٍّ بِناءً عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَما وجَبَ تَخْلِيصُهُمْ، عَلى أنَّ في انْحِصارِ وُجُوبِ التَّخْلِيصِ في المُسْلِمِ نَظَرًا؛ لَأنَّ صَبِيَّ المُسْلِمِ يُتَوَقَّعُ إسْلامُهُ، فَلا يَبْعُدُ وُجُوبُ تَخْلِيصِهِ لِيَنالَ مَرْتَبَةَ السُّعَداءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، وهو عَلى الأوَّلِ جَمْعُ ولِيدٍ ووَلِيدَةٍ، بِمَعْنى صَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلالٍ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الوَلِيدَ والوَلِيدَةَ بِمَعْنى العَبْدِ والجارِيَةِ.

وفِي الصِّحاحِ: الوَلِيدُ الصَّبِيُّ والعَبْدُ، والجَمْعُ وِلْدانٌ، والوَلِيدَةُ الصَّبِيَّةُ والأمَةُ، والجَمْعُ ولائِدُ، فالتَّعْبِيرُ بِالوِلْدانِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ والإناثَ ﴿ الَّذِينَ ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِما في حَيِّزِ البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أعْنِي أوْ أخَصُّ الَّذِينَ.

﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُؤْمِنِينَ، ومَنعِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، والوَصْفُ صِفَةُ قَرْيَةٍ، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ عَلى حَسَبِ الِاسْمِ الظّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، ولَمْ يُنْسَبِ الظُّلْمُ إلَيْها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ”وكَأيْنٍ مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها“ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِها مَكَّةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَوُقِّرَتْ عَنْ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها؛ تَشْرِيفًا لَها، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.

﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ يَلِي أمْرَنا حَتّى يُخَلِّصَنا مِن أيْدِي الظَّلَمَةِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(اجْعَلْ) لِاخْتِلافِ مَعْنَيْهِما، وتَقْدِيمُهُما عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ، وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى (مِن) لِلْمُسارَعَةِ إلى إبْرازِ كَوْنِ المَسْؤُولِ نافِعًا لَهم مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيًّا) وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ أيْ حُجَّةً ثابِتَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المُرادُ ولِّ عَلَيْنا والِيًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا، ويَقُومُ بِمَصالِحِنا، ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، ويَنْصُرُنا عَلى أعْدائِنا، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ دُعاءَهُمْ، حَيْثُ يَسَّرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّ نُصْرَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وكانَ ابْنَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، وقِيلَ: المُرادُ: اجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ كُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ أمْرٌ لِلْعارِفِينَ أنْ يُظْهِرُوا ما كُوشِفُوا بِهِ مِنَ الأسْرارِ الآلِهِيَّةِ لِأمْثالِهِمْ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ عَنِ الجاهِلِينَ، أوْ أنْ يُؤَدُّوا حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ، فَيُعْطُوا الِاسْتِعْدادَ حَقَّهُ، و(ألْقَوْا) حَقَّها، وآخِرُ الأماناتِ أداءً أمانَةُ الوُجُودِ، فَلْيُؤَدِّهِ العَبْدُ إلى سَيِّدِهِ سُبْحانَهُ، ولْيَفْنَ فِيهِ عِزَّ وجَلَّ.

﴿ وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ ﴾ بِالإرْشادِ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى البَقاءِ ”فاحْكُمُوا بِالعَدْلِ“ وهو الإفاضَةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ﴾ بِتَطْهِيرِ كَعْبَةِ تَجَلِّيهِ، وهو القَلْبُ عَنْ أصْنامِ السِّوى ﴿ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ بِالمُجاهَدَةِ، وإتْعابِ البَدَنِ بِأداءِ رُسُومِ العِبادَةِ الَّتِي شَرَعَها لَكم ﴿ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ وهُمُ المَشايِخُ المُرْشِدُونَ، بِامْتِثالِ أمْرِهِمْ فِيما يَرَوْنَهُ صَلاحًا لَكم وتَهْذِيبًا لِأخْلاقِكم.

ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الطّاعَةَ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، وهي في الأصْلِ تَرْجِعُ إلى واحِدَةٍ: فَمَن كانَ أهْلًا لِبِساطِ القُرْبَةِ وفَهَمَ خِطابَ الحَقِّ بِلا واسِطَةٍ، كالقائِلِ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَلْيُطْلِعِ اللَّهَ تَعالى بِمُرادِهِ، ولْيَتَمَثَّلْ ما فَهَمَهُ مِنهُ، ومَن لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلْيَرْجِعْ إلى بَيانِ الواسِطَةِ العُظْمى، وهو الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنْ فَهَمَ بَيانَهُ أوِ اسْتَطاعَ الأخْذَ مِنهُ، كَبَعْضِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَعالى، ولْيُطِعْهُ فِيما أمَرَ ونَهى، ومَن لَمْ يُبْلُغْ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَرْجِعْ إلى أكابِرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ولْيَتَقَيَّدْ بِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ، ولْيَقِفْ عِنْدَهُ في الأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ ﴾ أنْتُمْ والمَشايِخُ، وذَلِكَ في مُبادِئِ السُّلُوكِ حَيْثُ النَّفْسُ قَوِيَّةٌ ﴿ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ ﴾ تَعالى ﴿ والرَّسُولِ ﴾ فارْجِعُوا إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ فِيهِما ما يُزِيلُ النِّزاعَ عِبارَةً أوْ إشارَةً، أوْ إذا وقَعَ عَلَيْكم حُكْمٌ مِن أحْكامِ الغَيْبِ المُتَشابِهَةِ، وظَهَرَ في أسْرارِكم مُعارَضاتُ الِامْتِحانِ فارْجِعُوا إلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ فِيهِ بِحارَ عُلُومِ الحَقائِقِ، فَكُلُّ خاطِرٍ لا يُوافِقُ خِطابَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  فَهو مَرْدُودٌ.

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مِن عِلْمِ التَّوْحِيدِ ﴿ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ مَن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ الحاكِمَةُ بِما تُؤَدِّي إلَيْهِ أفْكارُها، الغَيْرُ المُسْتَنِدَةُ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ﴿ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ ويُخالِفُوهُ ﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ .

﴿ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ ﴾ وهو الطّاغُوتُ ﴿ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا ﴾ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ ﴿ فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ ﴾ وهي مُصِيبَةُ التَّحَيُّرِ وفَقْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ مِن تَقْدِيمِ أفْكارِهِمُ الفاسِدَةِ، وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلَيْكَ ﴿ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا ﴾ بِأنْفُسِنا لِتُمَرِّنَها عَلى التَّفَكُّرِ حَتّى يَكُونَ لَها مَلَكَةُ اسْتِنْباطِ الأسْرارِ والدَّقائِقِ مِن عِباراتِكَ وإشاراتِكَ ﴿ وتَوْفِيقًا ﴾ أيْ جَمْعًا بَيْنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أوْ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَتَكَ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ مِن رَيْنِ الشُّكُوكِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تَقْبَلْ عُذْرَهم ﴿ وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ مُؤَثِّرًا؛ لِيَرْتَدِعُوا، أوْ كَلِّمْهم عَلى مَقادِيرِ عُقُولِهِمْ ومُتَحَمَّلِ طاقَتِهِمْ ﴿ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِاشْتِغالِهِمْ بِحُظُوظِها ﴿ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ طَلَبُوا مِنهُ سَتْرَ صِفاتِ نُفُوسِهِمُ الَّتِي هي مَصادِرُ تِلْكَ الأفْعالِ ﴿ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ بِإمْدادِهِ إيّاهم بِأنْوارِ صِفاتِهِ ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ مُطَهِّرًا لِنُفُوسِهِمْ، مُفِيضًا عَلَيْها الكَمالَ اللّائِقَ بِها.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: لَوْ جَعَلُوكَ الوَسِيلَةَ لَدَيَّ لَوَصَلُوا إلَيَّ.

﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حَبِيبِهِ خُلْعَةً مِن خُلَعِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَجَعَلَ الرِّضا بِحُكْمِهِ ساءَ أمْ سَتَرَ سَبَبًا لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما جَعَلَ الرِّضا بِقَضائِهِ سَبَبًا لِإيقانِ المُوقِنِينَ، فَأسْقَطَ عَنْهُمُ اسْمَ الواسِطَةِ؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الحَقِّ، مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ حَسّانُ: وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ وقالَ آخَرُونَ: سَدَّ سُبْحانَهُ الطَّرِيقَ إلى نَفْسِهِ عَلى الكافَّةِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ بِحَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن لَمْ يَمْشِ تَحْتَ قِبابِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، ثُمَّ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ مِن شَرْطِ الإيمانِ زَوالُ المُعارَضَةِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِن تَلَقِّي المَهالِكِ بِقَلْبٍ راضٍ ووَجْهٍ ضاحِكٍ.

﴿ ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ لِتَحْيا حَياةً طَيِّبَةً ﴿ أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ ﴾ وهي المَلاذُّ الَّتِي رَكَنْتُمُ إلَيْها، وخَيَّمْتُمْ فِيها، وعَكَفْتُمْ عَلَيْها، أوْ لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْمَعُوا الهَوى، أوِ اخْرُجُوا مِن مَقاماتِكُمُ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِها عَنِ التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ كالصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ مَثَلًا ﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ ﴾ وهم أهْلُ التَّوْفِيقِ والهِمَمِ العالِيَةِ.

وأُيِّدَ الِاحْتِمالُ الثّانِي بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ سَألَ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ عَنْ حالِهِ فَقالَ إبْراهِيمُ: أدُورُ في الصَّحارى، وأطُوفُ في البَرارِي، حَيْثُ لا ماءٌ، ولا شَجَرٌ، ولا رَوْضٌ، ولا مَطَرٌ، فَهَلْ يَصِحُّ حالِي في التَّوَكُّلِ؟

فَقالَ لَهُ: إذا أفْنَيْتَ عُمُرَكَ في عُمْرانِ بَطْنِكَ فَأيْنَ الفَناءُ في التَّوْحِيدِ؟!

﴿ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ﴿ وأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ بِالدِّينِ ﴿ وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو كَشْفُ الجَمالِ ﴿ ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ﴾ بِما لا يَدْخُلُ في حَيْطَةِ الفِكْرِ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ أرْبابِ التَّشْرِيعِ، الَّذِينَ ارْتَفَعُوا قَدْرًا، فَلا يُدْرَكُ شَأْوُهُمْ، ﴿ والصِّدِّيقِينَ ﴾ الَّذِينَ قادَهم نُورُهُمُ إلى الِانْخِلاعِ عَنْ أنْواعِ الرَّبُوبِ والشُّكُوكِ، فَصَدَّقُوا بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَوَقُّفٍ ﴿ والشُّهَداءِ ﴾ أهْلِ الحُضُورِ ﴿ والصّالِحِينَ ﴾ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ مِن أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّها أعْدى أعْدائِكم ﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ اسْلُكُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَماعاتٍ، كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى طَرِيقَةٍ شَيْخٍ كامِلٍ ﴿ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ في طَرِيقِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، واتَّبِعُوا أفْعالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ ﴿ وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ أيْ: لَيُثَبِّطَنَّ المُجاهِدِينَ المُرْتاضِينَ ﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ شِدَّةٌ في السَّيْرِ ﴿ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ﴾ حَيْثُ لَمْ أفْعَلْ كَما فَعَلُوا ﴿ ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ مَواهِبُ غَيْبِيَّةٌ، وعُلُومٌ لَدُنِّيَّةٌ، ومَراتِبُ سُنِّيَّةٌ، وقَبُولٌ عِنْدَ الخَواصِّ والعَوّامِ ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ أيْ حَسَدًا لَكم ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ ﴾ دُونَهم ﴿ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ وأنالَ ذَلِكَ وحْدِي ﴿ ومَن يُقاتِلْ ﴾ نَفْسَهُ ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ ﴾ بِسَيْفِ الصِّدْقِ ﴿ أوْ يَغْلِبْ ﴾ عَلَيْها بِالظَّفَرِ لِتُسْلِمَ عَلى يَدِهِ ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الوُصُولُ إلَيْنا ﴿ وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وخَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ ﴿ مِنَ الرِّجالِ ﴾ العُقُولِ ﴿ والنِّساءِ ﴾ الأرْواحِ ﴿ والوِلْدانِ ﴾ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ ﴾ وهي قَرْيَةُ البَدَنِ ﴿ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ وهي النَّفْسُ الأمّارَةُ ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ يَلِي أُمُورَنا ويُرْشِدُنا ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُنا عَلى مَن ظَلَمَنا، وهو الفَيْضُ الأقْدَسُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، سِيقَ لِتَشْجِيعِ المُؤْمِنِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الجِهادِ، أيِ المُؤْمِنُونَ إنَّما يُقاتِلُونَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى المُوصِلِ لَهم إلْيَهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي إعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهم لا مَحالَةَ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ ﴾ فِيما يَبْلُغُ بِهِمْ إلى الشَّيْطانِ، وهو الكُفْرُ، فَلا ناصِرَ لَهم سِواهُ ﴿ فَقاتِلُوا ﴾ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ﴿ أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴾ جَمِيعَ الكُفّارِ، فَإنَّكم تَغْلِبُونَهم.

﴿ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى؟!

الَّذِي يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ، وهو سُبْحانُهُ ولِيُّكُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيانِ قُوَّةِ جَنابِهِ تَعالى إيذانًا بِظُهُورِها، وفائِدَةُ (كانَ) التَّأْكِيدُ بِبَيانِ أنَّ كَيْدَهُ مُذْ كانَ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى صارَ، أيْ: صارَ ضَعِيفًا بِالإسْلامِ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

« ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ الكَلْبِيُّ - في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، والمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ الكِنْدِيِّ، وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانَ يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا وهم بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَيَشْكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ في قِتالِ هَؤُلاءِ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا، والنَّبِيُّ  يَقُولُ: «كُفُّوا أيْدِيَكم وأمْسِكُوا عَنِ القِتالِ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ» وفي رِوايَةٍ: «إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ»».

﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ واشْتَغِلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ، ولَعَلَّ أمْرَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ تَنْبِيها عَلى أنَّ الجِهادَ مَعَ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ،وما لَمْ يَتَمَكَّنِ المُسْلِمُ في الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِالجُودِ بِالمالِ لا يَكادُ يَتَأتّى مِنهُ الجُودُ بِالنَّفْسِ، والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ، وبِناءُ القَوْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ أنَّ القائِلَ هو النَّبِيُّ  ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ والمُعْتَبَرَ في التَّعْجِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الكَلامِ إنَّما هو كَمالُ رَغْبَتِهِمْ في القِتالِ، وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ احْتاجُوا إلى النَّهْيِ عَنْهُ، وإنَّما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأمْرُ بِكَفِّ الأيْدِي لِتَحْقِيقِهِ وتَصْوِيرِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ خُصُوصِيَّةِ الآمِرِ غَرَضٌ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ﴾ وأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى المَدِينَةِ ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ ﴾ أيِ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهُمْ، وذَلِكَ رُكِزَ في طِباعِ البَشَرِ مِن خَوْفِ الهَلاكِ ﴿ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ أيْ كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَأْسُهُ، والفاءُ عاطِفَةٌ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ، إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّبايُنُ بَيْنَ مَدْلُولَيِ المَعْطُوفَيْنِ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ كانُوا حِراصًا عَلى القِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ كَرِهَهُ - بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ - جَماعَةٌ مِنهُمْ، وتَوْجِيهُ التَّعْجِيبِ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ تِلْكَ الكَراهَةَ إنَّما كانَتْ مِنَ البَعْضِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن أحَدِهِمْ ما يُنافِي حالَتَهُ الأُولى، و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ، وهي ظَرْفُ مَكانٍ، وقِيلَ: زَمانٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفِيها تَأْكِيدٌ لِأمْرِ التَّعْجِيبِ، و(فَرِيقٌ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنهُمْ) صِفَتُهُ، و(يَخْشَوْنَ) خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْضًا أوْ حالًا، والخَبَرُ (إذا) و(كَخَشْيَةِ اللَّهِ) في مَوْقِعِ المَصْدَرِ، أيْ: خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلٍ (يَخْشَوْنَ) ويُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِأهْلِ خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ - وفِيهِ بَعْدٌ -: إنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَها النّاسُ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴿ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَهُ حالًا، أيْ أنَّهم أشَدُّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ، بِمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، ويُعْطَفُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ (خَشْيَةً) مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وعَلى أنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَلِّقُ الفاعِلِيَّةِ، وأنَّ المَجْرُورَ بِمِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ يَكُونُ مُقابِلًا لِلْمَوْصُوفِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَةِ غَيْرِهِمْ، ويَؤُولُ إلى أنَّ خَشْيَةَ خَشْيَتِهِمْ أشَدُّ، وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ويَكُونُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ جَدَّ جِدًّا بِنَصْبِ (جِدًّا) عَلى التَّمْيِيزِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، بَلْ يُعْطَفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ فَهو مَجْرُورٌ بِالفَتْحَةِ لِمَنعِ صَرْفِهِ، والمَعْنى: يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً كَخَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِنهُ تَعالى، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لا أشَدَّ خَشْيَةً عِنْدِ المُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَؤُولُ هَذا إلى تَفْضِيلِ خَشْيَتِهِمْ عَلى سائِرِ الخَشْياتِ إذا فُصِّلَتْ واحِدَةً واحِدَةً، وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، أيْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ النّاسِ، أوْ يَخْشَوْنَ أشَدَّ خَشْيَةً، عَلى أنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ، والثّانِي حالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ حَذْفَ المُضافِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ وأوْفى بِمُقْتَضى المُقابَلَةِ وحُسْنِ المُطابَقَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (خَشْيَةً) مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، و(أشَدَّ) صِفَةٌ لِما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فانْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّمْيِيزَ بَعْدَ اسْمِ التَّفْضِيلِ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ ما انْتَصَبَ عَنْهُ، نَحْوُ: (اللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) فَإنَّ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى، كَما لَوْ قُلْتَ: (اللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) بِالجَرِّ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ نَفْسَ المَوْصُوفِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْخَشْيَةِ خَشْيَةٌ، بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: أشَدُّ خَشْيَةٍ بِالجَرِّ، والقَوْلُ بِأنَّ جَوازَ هَذا فِيما إذا كانَ التَّمْيِيزُ نَفْسَ المَوْصُوفِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ واللَّفْظِ مَحَلُّ نَظَرٍ، مَحَلُّ نَظَرٍ، إذِ اتِّحادُ اللَّفْظِ مَعَ حَذْفِ الأوَّلِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَحْذُورٍ.

وهَذا إيرادٌ قَوِيٌّ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنِيرِ عَنِ الكِتابِ ما يُعَضِّدُهُ، فَتَأمَّلْ، و(أوْ) قِيلَ: لِلتَّنْوِيعِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: لِلتَّخْبِيرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ، ﴿ وقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ بَعْضُهم بِألْسِنَتِهِمْ أوْ بِقُلُوبِهِمْ، وحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سَبِيلِ تَمَنِّي التَّخْفِيفِ لا الِاعْتِراضِ عَلى حُكْمِهِ تَعالى، والإنْكارِ لِإيجابِهِ، ولِذا لَمْ يُوَبَّخُوا عَلَيْهِ ﴿ رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ في هَذا الوَقْتِ.

﴿ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو الأجَلُ المُقَدَّرُ، ووُصِفَ بِالقَرِيبِ لِلِاسْتِعْطافِ، أيْ أنَّهُ قَلِيلٌ لا يُمْنَعُ مِن مِثْلِهِ، والجُمْلَةُ كالبَيانِ لِما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تَعْطَفْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بَأنَّهُما مَقُولانِ مُسْتَقِلّانِ لَهُمْ، فَتارَةً قالُوا الجُمْلَةَ الأُولى، وتارَةً الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، ولَوْ عُطِفَتْ لَتَبادَرَ أنَّهم قالُوا مَجْمُوعَ الكَلامَيْنِ بِعَطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى ﴿ قُلْ ﴾ أيْ تَزْهِيدًا لَهم فِيما يُؤَمِّلُونَهُ بِالقُعُودِ عَنِ القِتالِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُقَدَّرِ مِنَ المَتاعِ الفانِي، وتَرْغِيبًا فِيما يَنالُونَهُ بِالقِتالِ مِنَ النَّعِيمِ الباقِي ﴿ مَتاعُ الدُّنْيا ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ، ويُنْتَفَعُ في الدُّنْيا ﴿ قَلِيلٌ ﴾ في نَفْسِهِ، سَرِيعُ الزَّوالِ، وهو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في الآخِرَةِ ﴿ والآخِرَةُ ﴾ أيْ ثَوابُها المَنُوطُ بِالأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ ﴿ خَيْرٌ ﴾ لَكم مِن ذَلِكَ المَتاعِ القَلِيلِ؛ لِكَثْرَتِهِ، وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، وصَفائِهِ عَنِ الكُدُوراتِ، وفي اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ ما لا يَخْفى، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ حَثًّا لَهم وتَرْغِيبًا عَلى الِاتِّقاءِ والإخْلالِ بِمُوجَبِ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ نَفْسَ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَكِنْ لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّ لِلْكافِرِ والعاصِي هُنالِكَ نِيرانًا وأهْوالًا، ولِذا قِيلَ: الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالسِّياقِ.

﴿ ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُجْزُونَ فِيها ولا تُبْخَسُونَ هَذا المِقْدارَ اليَسِيرَ فَضْلًا عَمّا زادَ مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، فَلا تَرْغَبُوا عَنِ القِتالِ الَّذِي هو مِن غُرُورِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ: (ولا يُظْلَمُونَ) بِالياءِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى ظاهِرِ (مَن).

<div class="verse-tafsir"

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا ٧٨

﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مَسُوقٍ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ سَيِّدِ المُخاطَبِينَ  - إلى مَن ذَكَرَ أوَّلًا اعْتِناءً بِإلْزامِهِمْ أثَرَ بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا وفَخامَةِ الآخِرَةِ بِواسِطَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فَمَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ ما تَقَدَّمَ جَوابًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا جَوابًا لِلثّانِيَةِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قالُوا: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ أُجِيبُوا بِبَيانِ الحِكْمَةِ بِأنَّهُ كُتِبَ عَلَيْكم لِيَكْثُرَ تَمَتُّعُكُمْ، ويَعْظُمَ نَفْعُكُمْ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ تَمَتُّعَ الآخِرَةِ، ولَمّا قالُوا: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنا ﴾ إلَخْ أُجِيبُوا بِأنَّهُ: ﴿ أيْنَما تَكُونُوا ﴾ في السَّفَرِ أوْ في الحَضَرِ ﴿ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ)؛ ﴾ لِأنَّ الأجَلَ مُقَدَّرٌ فَلا يَمْنَعُ عَنْهُ الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالإدْراكِ إشْعارٌ بِأنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ تَباعُدِهِمْ عَنْ أسْبابِ المَوْتِ وقُرْبِ وقْتِ حُلُولِهِ إلَيْهِمْ بِمَمَرِّ الأنْفاسِ والآناتِ كَأنَّهم في الهَرَبِ مِنهُ، وهو مُجِدٌّ في طَلَبِهِمْ، لا يُفَتَّرُ نَفَسًا واحِدًا في التَّوَجُّهِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (يُدْرِكُكُمْ) بِالرَّفْعِ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ عَلى ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ الِاكْتِفاءُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُبْتَدَأً مَعَها أيْ: (فَأنْتُمْ يُدْرِكُكُمْ) وقِيلَ: هو مُؤَخَّرٌ مِن تَقْدِيمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ فِيما إذا كانَ ما قَبْلَهُ طالِبًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ: يا أقْرَعُ بْنَ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ أوْ فِيما إذا لَمْ تَكُنِ الأداةُ اسْمَ شَرْطٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّرْطَ الأوَّلَ - وإنْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ - إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أيْضًا الإطْلاقُ، والشَّرْطُ الثّانِي لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى تَوَهُّمِ كَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ ظُهُورُ الجَزْمِ في الجَوابِ؛ لِأنَّ الأداةَ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها في القَرِيبِ لَمْ يَجِبْ ظُهُورُهُ في البَعِيدِ، وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ ماضِيًا والجَزاءِ مُضارِعًا إنَّما يَحْسُنُ في كَلِمَةٍ (أنْ) لِقَلْبِها الماضِيَ إلى مَعْنى الِاسْتِقْبال، فَلا يَحْسُنُ (أيْنَما كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ) إلّا عَلى حِكايَةِ الماضِي، وقَصْدُ الِاسْتِحْضارِ فِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ، يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا إذًا؛ لِتَوَهُّمِ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ - أنْ يَكُونَ ما يُتَوَهَّمُ هو الأصْلَ، أوْ مِمّا كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ كالأصْلِ، وما تُوُهِّمَ هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وقِيلَ: (إنْ يُدْرِكْكُمُ) كَلامٌ مُبْتَدَأٌ و(أيْنَما تَكُونُوا) مُتَّصِلٌ بِـ(تُظْلَمُونَ) واعْتُرِضَ - كَما قالَ الشِّهابُ -: بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ مَعْنًى وصِناعَةً، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا يُناسِبُ اتِّصالَهُ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ (لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) المُرادُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فَلا يُناسِبُهُ التَّعْمِيمُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَمَلُ ما قَبْلَ اسْمِ الشَّرْطِ فِيهِ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِصَدارَتِهِ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعْمِيمِ (ولا تُظْلَمُونَ) لِلدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن مُدَّةِ الأجَلِ المَعْلُومِ، لا مِنَ الأجْوَدِ، وبِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَهُ - كَما قالَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ - اتِّصالُهُ بِهِ مَعْنًى لا عَمَلًا عَلى أنَّ (أيْنَما تَكُونُوا) شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ (لا تُظْلَمُونَ) وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ - وإنِ التُزِمَ الذَّبُّ عَنْهُ بِما تَرى - خِلافُ الظّاهِرِ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ، وأوْلى التَّخْرِيجاتِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والقَوْلُ بِأنَّ الحَذْفَ ضَرُورَةٌ في حَيِّزِ المَنعِ.

﴿ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ ﴾ أيْ قُصُورٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المُرادُ بِها بُرُوجُ السَّماءِ المَعْلُومَةُ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ أنَّها البُيُوتُ الَّتِي فَوْقَ القُصُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها الحُصُونُ والقِلاعُ، وهي جُمَعٌ، ج، وأصْلُهُ مِنَ التَّبَرُّجِ وهو الإظْهارُ، ومِنهُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أظْهَرَتْ حُسْنَها ﴿ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أيْ: مَطْلِيَّةٍ بِالشِّيدِ وهو الجِصُّ قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مُطَوَّلَةٍ بِارْتِفاعٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَهو مِن شَيَّدَ البِناءَ إذا رَفَعَهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: (مَشِيدَةٍ) بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ وقَرَأ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَيْسَرَةَ: (مُشَيِّدَةٍ) بِكَسْرِ الياءِ عَلى التَّجَوُّزِ، كَـ(عِيشَةٍ راضِيَةٍ) وقَصِيدَةٍ شاعِرَةٍ، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى أُخْرى مِثْلِها، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُونُوا في بُرُوجٍ ولَوْ كُنْتُمُ إلَخْ، وقَدِ اطَّرَدَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ.

﴿ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ في اليَهُودِ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ  المَدِينَةَ فَدَعاهُمُ إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، أُمْسِكَ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ، فَقالُوا: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ،» فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ أوْ رَخاءٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ مِن جَدْبٍ وغَلاءٍ أضافُوها إلَيْكَ مُتَشائِمِينَ، كَما حُكِيَ عَنْ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، والجُبّائِيُّ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا لِلَّذِينَ قُتِلُوا: ﴿ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم غَنِيمَةٌ قالُوا: هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم هَزِيمَةٌ قالُوا: هي مِن سُوءِ تَدْبِيرِكَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ، ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ جَمِيعًا، لَمّا تَشاءَمُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، وقُحِطُوا، وعَلى هَذا فالمُتَبادَرُ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وأُيَّدَ بِإسْنادِ الإصابَةِ إلَيْهِما، بَلْ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشْفِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِذِكْرِ المَوْتِ والسَّلامَةِ قَبْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أمْرٌ لَهُ  بِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ، واعْتِقادَهُمُ الفاسِدَ، ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ، أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا وإيجادًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في قَوْعٍ شَيْءٍ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ - كَما تَزْعُمُونَ - بَلْ وُقُوعُ الأوْلى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًا، ووُقُوعُ الثّانِيَةِ بِواسِطَةِ ذُنُوبِ مَنِ ابْتُلِيَ بِها عُقُوبَةً، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.

وهَذا الجَوابُ المُجْمَلُ في مَعْنى ما قِيلَ رَدًّا عَلى أسْلافِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ إنَّما سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدَ غَيْرِهِ، حَتّى يَسْتَنِدَ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَطَّيَّرُوا بِهِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ النَّبِيَّ  فاعِلُ السَّيِّئَةِ كَما اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلُ الحَسَنَةِ، بَلْ تَشاءَمُوا بِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا رَدًّا عَلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى ما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي مِن أنَّ الجَوابَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ بَلْ هو إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ إلَخْ.

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ أيِ: اليَهُودِ والمُنافِقِينَ والمُحْتَقِرِينَ ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ أيْ يَفْهَمُونَ ﴿ حَدِيثًا ﴾ .

أيْ كَلامًا يُوعَظُونَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ كَلامًا ما، أوْ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ وقَرُبَ عَهْدُهُ، كَلامٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُبَيَّنِ وبَيانِهِ، مَسُوقٌ لِتَعْيِيرِهِمْ بِالجَهْلِ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن كَمالِ غَباوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ، والمَعْنى حَيْثُ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ حالَ كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْقَهُوا نُصُوصَ القُرْآنِ النّاطِقَةَ بِأنَّ الكُلَّ فائِضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْهَمُوا (حَدِيثًا) مُطْلَقًا، حَتّى عُدُّوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا أفْهامَ لَها، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَعْقِلُوا صُرُوفَ الدَّهْرِ وتَغَيُّرَهُ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَها فاعِلًا حَقِيقِيًّا بِيَدِهِ جَمِيعُ الأُمُورِ، ولا مَدْخَلَ لِأحَدٍ مَعَهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وهو ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في عَدَمِ فَهْمِهِمْ، فَلا يُنافى اعْتِقادَهم أنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَدِيثِ هو ما تَفَوَّهُوا بِهِ آنِفًا، حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَعَدُّدُ الخالِقِ، المُسْتَلْزِمُ لِلشِّرْكِ، المُؤَدِّي إلى فَسادِ العالَمِ، وأنَّ (ما) في حَيِّزِ الأمْرِ رَدٌّ لِهَذا اللّازِمِ، وقُدِّمَ لِكَوْنِهِ أهَمَّ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بِما هو حَقِيقَةُ الجَوابِ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ ﴾ وعَلى ما ذَكَرْنا - ولَعَلَّهُ الأوْلى - يَكُونُ هَذا بَيانًا لِلْجَوابِ المُجْمَلِ المَأْمُورِ بِهِ، والخِطابُ فِيهِ -كَما قالَ الجُبّائِيُّ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ -: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ لا لِلنَّبِيِّ  كَقَوْلِهِ: إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي إجْراءِ الجَوابِ أوَّلًا عَلى لِسانِ النَّبِيِّ  وسَوْقِ البَيانِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ثانِيًا بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والِالتِفاتِ إيذانٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والِاهْتِمامِ بِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ، وزَعْمِهِمُ الفاسِدِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مَبْنِيٌّ عَلى حِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ حَرِيَّةٍ بِأنْ يَتَوَلّى بَيانَها عَلّامُ الغُيُوبِ عَزَّ وجَلَّ، والعُدُولُ عَنْ خِطابِ الجَمِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْقِيقِ بِقَطْعِ احْتِمالِ سَبَبِيَّةِ بَعْضِهِمْ لِعُقُوبَةِ الآخَرِينَ.

و(ما) - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - شَرْطِيَّةٌ و(أصابَ) بِمَعْنى يُصِيبُ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِما مِن قَبْلُ، أيْ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ مِن نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ تُفَضُّلًا وإحْسانًا مِن غَيْرِ اسْتِيجابٍ لَها مَن قِبَلِكَ، كَيْفَ لا وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي يُرْجى كَوْنُها ذَرِيعَةً إلى إصابَةِ نِعْمَةٍ ما فَهي بِحَيْثُ لا تَكادُ تُكافِئُ نِعْمَةَ الوُجُودِ أوْ نِعْمَةَ الإقْدارِ عَلى أدائِها مَثَلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَسْتَوْجِبَ نِعْمَةً أُخْرى، ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ»».

(وما أصابَكَ مِن) بَلِيَّةٍ مِنَ البَلايا فَهي بِسَبَبِ اقْتِرافِ نَفْسِكَ المَعاصِي والهَفَواتِ المُقْتَضِيَةِ لَها، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادُ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى، نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ ما دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «ما كانَ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ، وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ عَلَيْكَ».

وعَنْ أبِي صالِحٍ، مِثْلَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  والمَقْصُودُ مِنهُ الأُمَّةُ، وقِيلَ: لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ، بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ خِطابِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ، لاسِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَنا ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّ إحْداهُما بِظاهِرِها لَنا والأُخْرى لَهُمْ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، ولِأنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ لا الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، والخِلافُ في الثّانِي، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما أيْضًا لِظُهُورِ اخْتِلافِ جِهَتَيِ النَّفْيِ والإثْباتِ.

وقَدْ أطْنَبَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا المَقامِ كُلَّ الإطْنابِ بِتَعْدِيدِ الأقْوالِ والتَّراجِيحِ، واخْتارَ تَفْسِيرَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ بِما يَعُمُّ النِّعَمَ والطّاعاتِ والمَعاصِيَ والبَلِيّاتِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمّا جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ ناسَبَ أنْ تُحْمَلَ الحَسَنَةُ الأُولى عَلى النِّعْمَةِ، والسَّيِّئَةُ عَلى البَلِيَّةِ، * * * ولَمّا أُرْدِفَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (وما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ) بِما سَيَأْتِي ناسَبَ أنْ يُحْمَلا عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ مِنَ المَعْصِيَةِ والطّاعَةِ، كَما رُوِي ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ولِهَذا غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُبِّرَ بِالماضِي بَعْدَ أنْ عُبِّرَ بِالمُضارِعِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلِكَ: هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، بِأنَّ (مِن عِنْدِ اللَّهِ) أعَمُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُقالُ فِيما كانَ بِرِضاهُ سُبْحانَهُ وبِسُخْطِهِ، وفِيما يَحْصُلُ وقَدْ أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، ولا يُقالُ: مِنَ اللَّهِ إلّا فِيمَ كانَ بِرِضاهُ وبِأمْرِهِ، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ أخْطَأْتُ فَمِنَ الشَّيْطانِ» فَتَدَبَّرْ.

ونَقَلَ أبُو حَيّانَ، عَنْ طائِفَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ (ما أصابَكَ) إلَخْ عَلى تَقْرِيرِ القَوْلِ أيْ ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ يَقُولُونَ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ ﴾ إلَخْ، والدّاعِي لَهم عَلى هَذا التَّمَحُّلِ تَوَهُّمُ التَّعارُضِ، وقَدْ دَعا آخَرِينَ إلى جَعْلِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن ﴿ حَدِيثًا ﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذا الحَدِيثَ، أعْنِي ﴿ ما أصابَكَ ﴾ إلَخْ، فَيَقُولُونَهُ غَيْرَ مُتَحاشِينَ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن تَعَدُّدِ الخالِقِ، وآخَرِينَ إلى تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ أيْ ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ وزَعَمُوا أنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا تَعارُضَ أصْلًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ارْتِكابِ ما لا يَكادُ يَسُوغُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.

وكَذا لاحُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (حَدِيثًا) عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُحْدَثًا لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في القُرْآنِ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّهُ نَصٌّ لا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ والنِّزاعِ فِيهِ، ثُمَّ وجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ المُسْلِمِينَ ما حَكى ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ ما رَدَّهُ عَلَيْهِمْ أيْضًا، وبَيْنَ المَحْكِيَّيْنِ مُناسِبَةٌ مِن حَيْثُ اشْتِمالُها عَلى إسْنادِ ما يُكْرَهُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ، وكَوْنُ الكَراهَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وهو كَما تَرى.

وفِي الكَشْفَ أنَّ جُمْلَةَ (وإنْ تُصِبْهُمْ) إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ)، ﴾ ﴿ ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَحْقِيقِ التَّبْطِئَةِ والتَّثْبِيطِ، أمّا دَلالَةُ الأوَّلَتَيْنِ فَلا خَفاءَ بِهِما، وأمّا الثّانِيَةُ فَلِأنَّهم إذا اعْتَقَدُوا في الدّاعِي إلى الجِهادِ  ذَلِكَ الِاعْتِقادَ الفاسِدَ قَطَعُوا أنَّ في اتِّباعِهِ - لا سِيَّما فِيما يَجُرُّ إلى ما عَدُّوهُ سَيِّئَةً - الخَبالَ والفَسادَ، ولِهَذا قَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ لِيَصِيرَ ذَلِكَ كافًّا لَهم عَنِ التَّثْبِيطِ إلى التَّنْشِيطِ، وأرْدَفَهُ ذِكْرَ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعْكِيسِ في شَأْنِ مَن هو رَحْمَةٌ مُرْسَلَةٌ لِلنّاسِ كافَّةً، وأكَّدَ أمْرَ اتِّباعِهِ بِأنْ جَعَلَ طاعَتَهُ  طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما أمَدَّهُ بِهِ مِنَ التَّهْدِيدِ البالِغِ، المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن تَوَلّى).

﴾ ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى أنَّ ما وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وأنَّ (فَلْيُقاتِلْ) شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِسابِقِهِ، ولَمّا لَزِمَ مِن هَذا النَّسَقِ تَقْسِيمُ المُرْسَلِ إلْيَهِمْ إلى كافِرٍ مُبَطِّئٍ ومُؤْمِنٍ قَوِيٍّ وضَعِيفٍ اسْتَنْأفَ تَقْسِيمَهم مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ الآتِي: (ويَقُولُونَ) أيِ النّاسُ المُرْسَلُ إلْيَهِمْ إلى مُبَيِّتٍ هو الأوَّلُ، ومُذِيعٍ هو الثّالِثُ، ومَن يَرْجِعُ إلَيْهِ هو الثّانِي، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ والِارْتِباطِ بَيْنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ كَما لا يَخْفى.

هَذا ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عَنْهُ - عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (فَما هَؤُلاءِ) وجَماعَةٌ عَلى لامِ الجَرِّ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّمِينُ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ كِلا الوَقْفَيْنِ؛ إذِ الأوَّلُ وقْفٌ عَلى المُبْتَدَأِ دُونَ خَبَرِهِ، والثّانِي عَلى الجارِّ دُونَ مَجْرُورِهِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبَتُها عَلَيْكَ).

<div class="verse-tafsir"

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا ٧٩

﴿ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا ﴾ بَيانٌ لِجَلالَةِ مَنصِبِهِ  ومَكانَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، بَعْدَ الذَّبِّ عَنْهُ بِأتَمِّ وجْهٍ، وفِيهِ رَدٌّ أيْضًا لِمَن زَعَمَ اخْتِصاصَ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالعَرَبِ، فَتَعْرِيفُ (لِلنّاسِ) لِلِاسْتِغْراقِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَسُولًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصاصِ النّاظِرِ إلى قَيْدِ العُمُومِ، أيْ: مُرْسَلًا لِكُلِّ النّاسِ لا لِبَعْضِهِمْ فَقَطْ كَما زَعَمُوا، و(رَسُولًا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِما عِنْدَهُ، وأنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (رَسُولًا) وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا، إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَما في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِشَيْءٍ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ وإمّا عَلى أنَّ الصِّفَةَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَصْدَرِ مَفْعُولًا مُطْلَقًا، كَما اسْتَعْمَلَ الشّاعِرُ خارِجًا بِمَعْنى خُرُوجًا في قَوْلِهِ: عَلَيَّ حِلْفَةً لا أشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ∗∗∗ ولا (خارِجًا) مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ حَيْثُ أرادَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: ولا يَخْرُجُ خُرُوجًا.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى رِسالَتِكَ، أوْ عَلى صِدْقِكَ في جَمِيعِ ما تَدَّعِيهِ، حَيْثُ نَصَبَ المُعْجِزاتِ، وأنْزَلَ الآياتِ البَيِّناتِ، وقِيلَ: المَعْنى: كَفى اللَّهُ تَعالى شَهِيدًا عَلى عِبادِهِ بِما يَعْمَلُونَ مَن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

<div class="verse-tafsir"

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ٨٠

﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ رِسالَتِهِ  إثْرَ بَيانِ تَحَقُّقِها، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الآمِرَ والنّاهِيَ في الحَقِيقَةِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، والرَّسُولُ إنَّما هو مُبَلِّغٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، فَلَيْسَتِ الطّاعَةُ لَهُ بِالذّاتِ، إنَّما هي لِمَن بَلَّغَ عَنْهُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يَقُولُ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ تَعالى، ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ تَعالى» فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ؟!

لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ، وهو نُهِيَ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَنَزَلَتْ».

فالمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا  والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ ووَضْعُهُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِالعَلِيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ويَدْخُلُ فِيهِ نَبِيُّنا  دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَأْباهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ وجَعْلُهُ مِن بابِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ خِلافُ الظّاهِرِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، والمَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لَهُ قائِمٌ مَقامَهُ، أيْ: ومَن أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ فَأعْرِضْ عَنْهُ؛ لِأنّا إنَّما أرْسَلْناكَ رَسُولًا مُبَلِّغًا لا حَفِيظًا مُهَيْمِنًا تَحْفَظُ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ وتُحاسِبُهم عَلَيْها، ونُفِيَ - كَما قِيلَ - كَوْنُهُ حَفِيظًا - أيْ: مُبالِغًا في الحِفْظِ - دُونَ كَوْنِهِ حافِظًا؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحِفْظِ؛ لِأنَّ تَبْلِيغَ الأحْكامِ نَوْعُ حِفْظٍ عَنِ المَعاصِي والآثامِ، وانْتِصابُ الوَصْفِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكافِ، وجَعْلُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ(أرْسَلْناكَ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى جَعَلْنا مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ، و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، وفي إفْرادِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ وجَمْعِ ضَمِيرِ الجَرِّ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) ومَعْناها، وفي العُدُولِ عَنْ (ومَن تَوَلّى فَقَدْ عَصاهُ) الظّاهِرِ في المُقابَلَةِ إلى ما ذُكِرَ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

﴿ ويَقُولُونَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حُكِيَ عَنْهم أنَّهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أيْ: ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ ﴿ طاعَةٌ ﴾ أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، وتَقْدِيرُ (طاعَتُكَ طاعَةٌ) خِلافُ الظّاهِرِ، أوْ عِنْدَنا أوْ مِنّا طاعَةٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وكانَ أصْلُهُ النَّصْبَ، كَما يَقُولُ المُحِبُّ: سَمْعًا وطاعَةً، لَكِنَّهُ يَجُوزُ في مِثْلِهِ الرَّفْعُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ ثابِتٌ لَهم قَبْلَ الجَوابِ.

﴿ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن مَجْلِسِكَ وفارَقُوكَ ﴿ بَيَّتَ طائِفَةٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ ﴿ مِنهُمْ ﴾ وهم رُؤَساؤُهُمْ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ؛ لِأنَّهُ تَدْبِيرُ الفِعْلِ لَيْلًا والعَزْمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ تَبْيِيتُ نِيَّةِ الصِّيامِ، ويُقالُ: هَذا أمْرٌ تَبَيَّتَ بِلَيْلٍ، وإمّا مِن بَيْتِ الشِّعْرِ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُهُ ويُسَوِّيهِ، وإمّا مِنَ البَيْتِ المَبْنِيِّ؛ لِأنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ، وفي هَذا بَعْدٌ، وإنْ أثْبَتَهُ الرّاغِبُ لُغَةً.

والمُرادُ: زَوَّرَتْ وسَوَّتْ ﴿ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ أيْ: خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والعُدُولُ عَنِ الماضِي لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ، والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ، لا لِأنَّهم ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ، وتَذْكِيرُهُ أوَّلًا لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: (بَيَّتْ طائِفَةٌ) بِالِادِّغامِ لِقُرْبِهِما في المُخْرِجِ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الِادِّغامَ هُنا عَلى خِلافِ الأصْلِ والقِياسِ، ولَمْ تُدْغَمْ تاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ غَيْرُ هَذِهِ.

﴿ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ، أوْ فِيما يُوحِيهِ إلَيْكَ فَيُطْلِعُكَ عَلى أسْرارِهِمْ ويَفْضَحُهُمْ، كَما قالَ الزَّجّاجُ، والقَصْدُ عَلى الأوَّلِ لِتَهْدِيدِهِمْ، وعَلى الثّانِي لِتَحْذِيرِهِمْ.

﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: تَجافَ عَنْهُمْ، ولا تَتَصَدَّ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، أوْ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةٍ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها ﴿ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ: فَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ، وثِقْ بِهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، لاسِيَّما في شَأْنِهِمْ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ قائِمًا بِما فُوِّضَ إلَيْهِ مِنَ التَّدْبِيرِ، فَيَكْفِيكَ مَضَرَّتَهُمْ، ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهُمْ، والإظْهارُ لِما سَبَقَ، ولِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ واسْتِغْنائِها عَمّا عَداها مِن كُلِّ وجْهٍ <div class="verse-tafsir"

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًۭا كَثِيرًۭا ٨٢

﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ لَعَلَّهُ جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِن جَعْلِ اللَّهِ تَعالى شَهِيدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى لا شُبْهَةَ فِيها، ولَكِنْ مِن أيْنَ يُعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرْتَهُ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى مَحْكِيَّةُ عَنْهُ، فَأجابَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) وأصْلُ التَّدَبُّرِ التَّأمُّلُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ سَواءٌ كانَ نَظَرًا في حَقِيقَةٍ الشَّيْءِ وأجْزائِهِ، أوْ سَوابِقِهِ وأسْبابِهِ، أوْ لَواحِقِهِ وأعْقابِهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: أيَشُكُّونَ في أنَّ ما ذُكِرَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ الَّذِي جاءَ بِهِ هَذا النَّبِيُّ  المَشْهُودُ لَهُ، لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ حُجَّةً، وأيُّ حُجَّةٍ عَلى المَقْصُودِ!

وقِيلَ: المَعْنى أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَأمَّلُونَ فِيهِ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ، والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمُ، المَحْكِيُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ.

﴿ ولَوْ كانَ ﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﴾ كَما يَزْعُمُونَ ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ إخْباراتِهِ الغَيْبِيَّةِ كالإخْبارِ عَمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَحَيْثُ اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ ولَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى ومِن عِنْدِهِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الأصَمِّ والزَّجّاجِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ: لَوَجَدُوا فِيهِ تَناقُضًا كَثِيرًا، وذَلِكَ لِأنَّ كَلامَ البَشَرِ إذا طالَ لَمْ يَخْلُ - بِحُكْمِ العادَةِ - مِنَ التَّناقُضِ، وما يُظَنُّ مِنَ الِاخْتِلافِ، كَما في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ ما سَبَقَ آنِفًا لَيْسَ مِنَ الِاخْتِلافِ عِنْدَ المُتَدَبِّرِينَ، وقِيلَ - وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خِلافًا لِزاعِمِهِ - المُرادُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا مُتَناقِضًا، قَدْ تَفاوَتَ نَظْمُهُ وبَلاغَتُهُ، فَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، وبَعْضُهُ قاصِرًا عَنْهُ يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا بِغَيْبٍ قَدْ وافَقَ المُخْبَرَ عَنْهُ، وبَعْضُهُ إخْبارًا مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى صَحِيحٍ عِنْدَ عُلَماءِ المُعانِي، وبَعْضُهُ دالًّا عَلى مَعْنًى فاسِدٍ غَيْرِ مُلْتَئِمٍ، فَلَمّا تَجاوَبَ كُلُّهُ بَلاغَةً مُعْجِزَةً فائِقَةً لِقُوى البُلَغاءِ، وتَناصَرَ صِحَّةَ مَعانٍ وصِدْقَ أخْبارٍ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ قادِرٍ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، عالِمٍ بِما لا يَعْلَمُهُ سِواهُ، انْتَهى.

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ وجْهِ الإعْجازِ عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ كَوْنَ القُرْآنِ في مَرْتَبَةِ الأعْلى مِنَ البَلاغَةِ، وكَوْنَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ إثْباتَ القُرْآنِ كُلِّهِ وبَعْضِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ وصْفَ الِاخْتِلافِ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ إلّا بِأنْ يَكُونَ البَعْضُ مِنهُ مُعْجِزًا والبَعْضُ غَيْرَ مُعْجِزٍ، وهو اخْتِلافٌ واحِدٌ، فَلِذا جُعِلَ (وجَدُوا) مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلِهِما (كَثِيرًا) وثانِيهِما (اخْتِلافًا) بِمَعْنى مُخْتَلَفًا، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ: لَكانَ الكَثِيرُ مِنهُ مُخْتَلِفًا، وإنَّما جُعِلَ اللّازِمُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَوْنَ الكَثِيرِ مُخْتَلَفًا، مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُخْتَلَفًا اقْتِصارًا عَلى الأقَلِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ وهو مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما أُورِدَ مِن أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافَ صِفَةٌ لِلْكُلِّ في النَّظْمِ، وقَدْ جُعِلَ صِفَةَ الكَثْرَةِ، والكَثْرَةُ صِفَةُ الكَثِيرِ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَثْرَةَ صِفَةُ الِاخْتِلافِ، بَلْ هُما مَفْعُولا (وجَدُوا) وكَذا ما أُورِدَ مِن أنَّهُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: لَكانَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ ثُبُوتُ قُدْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى عَلى الكَلامِ المُعْجِزِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَإنَّ المَقْصُودَ أنَّ القُرْآنَ كُلًّا وبَعْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيِ: البَعْضُ الَّذِي وقَعَ بِهِ التَّحَدِّي - وهو مِقْدارُ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ - ولَوْ كانَ بَعْضٌ مِن أبْعاضِهِ مِن غَيْرِهِ تَعالى لَوَجَدُوا فِيهِ الِاخْتِلافَ المَذْكُورَ، وهو أنْ لا يَكُونَ بَعْضُهُ بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مَحِيصَ عَنِ الإيرادِ الأخِيرِ سِوى أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: لَوْ كانَ فِيهِ مَرْتَبَةُ الإعْجازِ فَفي البَعْضِ خاصَّةً، عَلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القَدْرُ مَأْخُوذًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، كَما في الِاقْتِباسِ ونَحْوِهِ، إلّا أنَّهُ لا يَخْفى بُعْدُهُ، وإلى تَفْسِيرِ الِاخْتِلافِ بِالتَّفاوُتِ بَلاغَةً وعَدَمَ بَلاغَةٍ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ إلى هَذا.

ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ في الآيَةِ فَوائِدَ: وُجُوبُ النَّظَرِ في الحُجَجِ والدَّلالاتِ، وبُطْلانُ التَّقْلِيدِ، وبُطْلانُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ، والدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ لَيْسَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لِوُجُودِ التَّناقُضِ فِيها، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ دَلالَتَها عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الجُمْلَةِ وبُطْلانِ التَّقْلِيدِ لِلْكُلِّ، وقَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ المَعارِفَ الدِّينِيَّةَ كُلَّها ضَرُورِيَّةٌ إمّا عَلى صِحَّةِ القِياسِ عَلى المُصْطَلَحِ الأُصُولِيِّ فَلا، وإمّا تَقْرِيرُ الأخِيرِ - عَلى ما في الكَشْفِ - فَلِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى قَوْلِهِمْ: أنْ لَوْ عُكِسَ لَوْلا، ولَوْ كانَ أفْعالُ العِبادِ مِن خَلْقِهِ لَكانَتْ مِن عِنْدِهِ بِالضَّرُورَةِ، وكَذَبَتِ القَضِيَّةُ أوْ بَعْضُ المُخْتَلَفِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ، والمَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ الِاسْتِدْلالِ، فَيَكُونُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ لَهُ تَعالى، ويَكْفِي ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ بَعْضٍ وبَعْضٍ إذا كانَ اخْتِيارِيًّا، وأجابَ فِيهِ بِأنَّ اللّازِمَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ هو قُرْآنٌ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.

وذُكِرَ أنَّ مَعْنى (ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) تَعالى عِنْدَ الجَماعَةِ: ولَوْ كانَ قائِمًا بِغَيْرِهِ تَعالى، ولا مَدْخَلَ لِلْخَلْقِ في هَذِهِ المُلازَمَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ غَيْرُ ظاهِرِ الإرادَةِ هُنا، وكَذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ لا يُفْهَمُ مَعْناهُ إلّا بِتَفْسِيرِ الرَّسُولِ -  - أوِ الإمامِ المَعْصُومِ كَما قالَ بَعْضُ الشِّيعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٨٣

﴿ وإذا جاءَهُمْ ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والضَّحّاكِ وأبِي مُعاذٍ، أوْ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، أوِ الطّائِفَتَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ ﴾ أيْ: مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ والخَوْفَ ﴿ أذاعُوا بِهِ ﴾ أيْ: أفْشَوْهُ، والباءُ مَزِيدَةٌ، وفي الكَشّافِ يُقالُ: أذاعَ الشَّرَّ وأذاعَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَعَلُوا بِهِ الإذاعَةَ، وهو أبْلَغُ مِن (أذاعُوهُ) لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ نَفْسَ الحَقِيقَةِ، كَما في نَحْوِ: (فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ) ولِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، وقِيلَ: الباءُ لِتُضَمُّنِ الإذاعَةِ مَعْنى التَّحْدِيثِ، وجَعْلُها بِمَعْنى مَعَ والضَّمِيرُ لِلْمَجِيءِ مِمّا لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ عَلَيْهِ.

والكَلامُ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِ المُنافِقِينَ، أوْ لِبَيانِ جِنايَةِ الضُّعَفاءِ إثْرَ بَيانِ جِنايَةِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خُبِّرَ النّاسُ عَنْها فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُّوِهم كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ  هو الَّذِي يُخْبِرُهم بِهِ، ولا يَكادُ يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ مَفْسَدَةٍ، وقِيلَ: كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ فَيُذِيعُونَهُ، فَيُنْشَرُ فَيَبْلُغُ الأعْداءَ، فَتَعُودُ الإذاعَةُ مَفْسَدَةً، وقِيلَ: الضُّعَفاءُ يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونً غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ قَبْلَ أنْ يُحَقِّقُوهُ، فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًا عَلى المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ إنْكارٌ عَلى مَن يُحَدِّثُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ تَحْقِيقِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلٍّ ما سَمِعَ»» والجُمْلَةُ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (ويَقُولُونَ طاعَةٌ).

وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ) اعْتِراضٌ، تَحْذِيرًا لَهم عَنِ الإضْمارِ لِما يُخالِفُ الظّاهِرَ، فَإنَّ في تَدَبُّرِ القُرْآنِ جارًّا إلى طاعَةِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أيَّ جارٍّ!

وقِيلَ: الكَلامُ مَسُوقٌ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ في بَعْضِ المَوادِّ مِن شائِبَةِ الِاخْتِلافِ بِناءً عَلى عَدَمِ فَهْمِ المُرادِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى مَعْنى الكَلامِ، لا لِتَخَلُّفِ مَدْلُولِهِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن ضَعْفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا خِبْرَةَ لَهم بِالأحْوالِ كانُوا إذا أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ  بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ يُذِيعُونَهُ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِمَعْناهُ ولا ضَبْطِ لِفَحْواهُ عَلى حَسَبِ ما كانُوا يَفْهَمُونَهُ ويَحْمِلُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ المُحامِلِ، وعَلى تَقْدِيرِ الفَهْمِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِأُمُورٍ تَفُوتُ بِالإذاعَةِ، فَلا يَظْهَرُ أثَرُهُ المُتَوَقَّعُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنشَأً لِتَوَهُّمِ الِاخْتِلافِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، غَيْرَ أنَّ رِواياتِ السَّلَفِ عَلى خِلافِهِ.

وأيّا ما كانَ فَقَدْ نَعى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ رَدُّوهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي جاءَهم ﴿ إلى الرَّسُولِ ﴾  ﴿ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وهم كَبائِرُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ - البُصَراءُ في الأُمُورِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وقَتادَةُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا والوُلاةُ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أيْ: لَعَلِمَ تَدْبِيرَ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي أُخْبِرُوا بِهِ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطْنَتِهِمْ وتَجارِبِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ ومَكايِدِهِ، أوْ لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ  ومَن ذُكِرَ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ وما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، أوْ (لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ)  ، وإلى كِبارِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم ونَعْلَمَهُ هَلْ مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ لَعُلِمَ صِحَّتُهُ، وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا، هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ، أيْ: يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهُمْ، ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، أوْ لَوْ عَرَضُوهُ عَلى رَأْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَكْشِفِينَ لِمَعْناهُ، وما يَنْبَغِي لَهُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وإلى أجِلَّةِ صَحْبِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَعَلِمَ الرّادُّونَ مَعْناهُ وتَدْبِيرَهُ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ وتَدْبِيرَهُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومَن تَشَرَّفَ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ بِالرِّسالَةِ لِما أنَّها مِن مُوجِباتِ الرَّدِّ.

وكَلِمَةُ (مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ، والظَّرْفُ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَنْبِطُونَهُ)، وإمّا تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ تَجْرِيدِيَّةٌ، والظَّرْفُ حالٌ، ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ القَصْدُ بِالرَّدِّ اسْتِكْشافُ المَعْنى واسْتِيضاحُ الفَحْوى، والِاسْتِنْباطُ في الأصْلِ اسْتِخْراجُ الشَّيْءِ مِن مَأْخَذِهِ، كالماءِ مِنَ البِئْرِ، والجَوْهَرِ مِنَ المَعْدِنِ، ويُقالُ لِلْمُسْتَخْرَجِ: نَبَطٌ بِالتَّحْرِيكِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ أخْذٍ وتَلَقٍّ.

﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ خِطابٌ لِلطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا، بِناءً عَلى أنَّهم ضَعْفَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ شَيْءٌ واحِدٌ، أيْ: لَوْلا فَضْلُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإرْشادِكم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ، الَّذِي هو الرَّدُّ إلى الرَّسُولِ  وإلى أُولِي الأمْرِ ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ﴾ وعَمِلْتُمْ بِآرائِكُمُ الضَّعِيفَةِ، أوْ أخَذْتُمْ بِآراءِ المُنافِقِينَ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ، ولَمْ تَهْتَدُوا إلى صَوْبِ الصَّوابِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهم أُولُو الأمْرِ المُسْتَنِيرَةِ عُقُولُهم بِأنْوارِ الإيمانِ الرّاسِخِ، الواقِفُونَ عَلى الأسْرارِ، الرّاسِخُونَ في مَعْرِفَةِ الأحْكامِ بِواسِطَةِ الِاقْتِباسِ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أوِ الخِطابُ لِلنّاسِ، أيْ: ﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ﴾ تَعالى بِالنَّبِيِّ  ﴿ ورَحْمَتُهُ ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، كَما فَسَّرَهُما السُّدِّيُّ والضَّحّاكُ، وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ، ولا يَبْعُدُ العَكْسُ ﴿ لاتَّبَعْتُمُ ﴾ كُلُّكُمُ ﴿ الشَّيْطانَ ﴾ وبَقَيْتُمْ عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ مِنكم قَدْ تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ، فاهْتَدى بِهِ إلى الطَّرِيقِ الحَقِّ، وسَلِمَ مِن مَهاوِي الضَّلالَةِ، وعُصِمَ مِن مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ مِن غَيْرِ إرْسالِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وإنْزالِ الكِتابِ، كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ الإيادِيِّ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وأضْرابِهِمْ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأنْبارِيُّ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ النُّصْرَةُ والمَعُونَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والمَعْنى: لَوْلا حُصُولُ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ لَكم عَلى سَبِيلِ التَّتابُعِ (لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ) فِيما يُلْقِي إلَيْكم مِنَ الوَساوِسِ والخَواطِرِ المُؤَدِّيَةِ إلى الجُبْنِ والفَشَلِ والرُّكُونِ إلى الضَّلالِ وتَرْكِ الدِّينَ (إلّا قَلِيلًا) وهم مِن أهْلِ البَصائِرِ النّافِذَةِ، والعَزائِمِ المُتَمَكِّنَةِ، والنِّيّاتِ الخالِصَةِ، مَن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطُ كَوْنِ الدِّينِ حَقًّا حُصُولُ الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا، أوْ باطِلًا حُصُولُ الِانْكِسارِ والِانْهِزامِ، بَلْ مَدارُ الأمْرِ في كَوْنِهِ حَقًّا وباطِلًا عَلى الدَّلِيلِ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي ولِيَها جَوازُ أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ إلى عِصْيانِهِ وخِزْيِهِ، ولَيْسَ لِلَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في ذَلِكَ فَضْلٌ، ومَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْتَقِدَ هَذا مُسْلِمٌ مُوَحِّدٌ سُنِّيًّا كانَ أوْ مُعْتَزِلِيًّا، وذَلِكَ لِأنَّ لَوْلا حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، وقَدْ أنْبَأتْ أنَّ امْتِناعَ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ لِلشَّيْطانِ في الكُفْرِ وغَيْرِهِ إنَّما كانَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، فالفَضْلُ هو السَّبَبُ المانِعُ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ، فَإذا جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مِمّا ذُكِرَ فَقَدْ سَلَبْتَ تَأْثِيرَ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى في امْتِناعِ الِاتِّباعِ عَنِ البَعْضِ المُسْتَثْنى ضَرُورَةً، وجَعْلُهم مُسْتَبِدِّينَ بِالإيمانِ وعِصْيانِ الشَّيْطانِ الدّاعِي إلى الكُفْرِ بِأنْفُسِهِمْ لا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ لِمَن تُذَكِّرُهُ بِحَقِّكَ عَلَيْهِ: لَوْلا مُساعَدَتِي لَكَ لَسُلِبْتَ أمْوالَكَ إلّا قَلِيلًا، كَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ لِمُساعَدَتِكَ أثَرًا في بَقاءِ القَلِيلِ لِلْمُخاطِبِ، وإنَّمًا مَنَنْتَ عَلَيْهِ في تَأْثِيرِ مُساعَدَتِكَ في بَقاءِ أكْثَرِ مالِهِ لا في كُلِّهِ، لِأنّا نَقُولُ هَذا إذا عَمَّ الفَضْلُ لا إذا خَصَّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الِاتِّباعِ إذا لَمْ يَكُنْ بِهَذا الفَضْلِ المَخْصُوصِ يُنافِي أنْ يَكُونَ بِفَضْلٍ آخَرَ، نَعَمْ، ظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ مُشْكِلٌ، حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وزادَ التَّوْفِيقَ في البَيانِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: أرادَ بِهِ تَوْفِيقًا خاصًّا نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، وهَذا أوْلى مِنَ الإطْلاقِ ودَفْعِ الإشْكالِ بَأنَّ عَدَمَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى الجَمِيعِ لا يَلْزَمُ مِنهُ العَدَمُ عَلى البَعْضِ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ.

وذَهَبَ بَعْضُهم لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الإيرادِ إلى الِاسْتِثْتاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أذاعُوا بِهِ)، ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ المُبَرِّدِ، والكِسائِيِّ، والفَرّاءِ، والبَلْخِيِّ، والطَّبَرِيِّ، واتَّخَذَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الآيَةَ دَلِيلًا في الرَّدِّ عَلى مَن جَزَمَ بِعَوْدِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الجُمَلِ إلى الأخِيرَةِ.

وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ وعَنْ أكْثَرِهِمْ أنَّهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ واعْتَرَضَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ بِأنَّ ما يُعْلَمُ بِالِاسْتِنْباطِ فالأقَلُّ يَعْلَمُهُ والأكْثَرُ يَجْهَلُهُ، وصَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى ما ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِأنَّهُ غَلَطٌ؛ لِأنَّهُ لا يُرادُ بِهَذا الِاسْتِنْباطِ ما يُسْتَخْرَجُ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، وإذا كانَ ذَلِكَ فالأكْثَرُونَ يَعْرِفُونَهُ ولا يَجْهَلُهُ إلّا البالِغُ في البَلادَةِ، وفِيهِ نَظَرٌ، وبَعْضُهم إلى جَعْلِ الِاسْتِثْناءِ مُفَرَّغًا مِنَ المَصْدَرِ فَما بَعْدَ (إلّا) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، أيْ: لاتَّبَعْتُمُوهُ كُلَّ اتِّباعٍ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا، بِأنْ تَبْقَوْا عَلى إجْراءِ الكُفْرِ وآثارِهِ إلّا البَقاءَ القَلِيلَ النّادِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الطَّبْعِ والعادَةِ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ عِنْدَ الإمامِ ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وأُيِّدَ التَّخْصِيصُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الأنْبارِيُّ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ يَشْهَدانِ لَهُ، وفي الَّذِي بَعْدَهُ بِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ ﴾ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا ٨٤

وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ يَشْهَدُ لَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ بِهِما غَيْرُ ظاهِرَةٍ، والفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما حُكِيَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ وتَقْصِيرِ الآخَرِينَ في مُراعاةِ أحْكامِ الإسْلامِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما فَعَلُوا.

ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ في اتِّصالِ الآيَةِ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ والمَعْنى: فَإنْ أرَدْتَ الأجْرَ العَظِيمَ فَقاتِلْ، ونُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ.

وثانِيهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ والمَعْنى: إنْ لَمْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴾ ومَعْنى ﴿ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ لا تُكَلَّفُ إلّا فِعْلَها؛ إذْ لا تَكْلِيفَ بِالذَّواتِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ تَكْلِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ مِن مُوجِباتِ مُباشَرَتِهِ  لِلْقِتالِ وحْدَهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ ما فَعَلُوهُ مِنَ التَّثْبِيطِ والتَّقاعُدِ لا يَضُرُّهُ  ، ولا يُؤاخَذُ بِهِ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الكَلامَ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَكْلِيفِ النّاسِ، فَكَيْفَ هَذا ولا حاجَةَ إلى ما قِيلَ، بَلْ في ثُبُوتِهِ فَقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كانَ مَأْمُورًا بِأنْ يُقاتِلَ وحْدَهُ أوَّلًا، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أهْلِ الرِّدَّةِ: أُقاتِلُهم وحْدِي، ولَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَقاتَلْتُها بِشِمالِي.

وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قاتِلْ) أيْ: فَقاتِلْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ إلّا نَفْسَكَ، وقُرِئَ (لا تُكَلِّفْ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّ (لا) ناهِيَةٌ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها، أيْ: لا تُكَلِّفْ أحَدًا الخُرُوجَ إلّا نَفْسَكَ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ وهو بِعِيدٌ، (ولا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ، فَـ(نَفْسَكُ) مَفْعُولٌ ثانٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، ولَيْسَ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، أيْ: لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، لا أنا لا نُكَلِّفُ أحَدًا إلّا نَفْسَكَ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، عَلى مَعْنى: لا نُكَلِّفُ أحَدًا هَذا التَّكْلِيفَ إلّا نَفْسَكَ، والمُرادُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ مُقاتَلَتُهُ وحْدَهُ.

﴿ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: حُثَّهم عَلى القِتالِ، ورَغِّبْهم فِيهِ، وعِظْهم لِما أنَّهم آثِمُونَ بِالتَّخَلُّفِ لِفَرْضِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ هَذا بِسِنِينَ، وأصْلُ التَّحْرِيضِ إزالَةُ الحَرَضِ، وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ ولا يُعْتَدُّ بِهِ، فالتَّفْعِيلُ لِلسَّلْبِ والإزالَةِ، كَقَذَيْتُهُ وجَلَدْتُهُ، ولَمْ يُذْكَرِ المُحَرَّضُ عَلَيْهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ.

﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ ﴾ نِكايَةَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ومِنهم قُرَيْشٌ، و(عَسى) مِنَ اللَّهِ تَعالى - كَما قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ - تَحْقِيقٌ، وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ما وعَدَ بِهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «واعَدَ  أبا سُفْيانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى في ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا بَلَغَ المِيعادُ، دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَتْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  مَعَ جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - حَتّى أتى مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَكَفاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَأْسَ العَدُوِّ، ولَمْ يُوافِقْهم أبُو سُفْيانَ، وألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ، ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ يَوْمَئِذٍ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ  بِمَن مَعَهُ سالِمِينَ».

﴿ واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا ﴾ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ وأشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ أيْ: تَعْذِيبًا، وأصْلُهُ التَّعْذِيبُ بِالنِّكْلِ، وهو القَيْدُ، فَعُمِّمَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ التَّهْدِيدُ والتَّشْجِيعُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ، وتَذْكِيرُ الخَبَرِ لِتَأْكِيدِ التَّشْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ ﴾ أيْ: حَظٌّ وافِرٌ ﴿ مِنها ﴾ أيْ: مِن ثَوابِها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما أُمِرَ بِهِ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ حَظًّا مَوْفُورًا مِنَ الثَّوابِ، وبِهِ تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها كَما قالَ القاضِي.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ مُشِيرًا بِهِ إلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كانَ مَظِنَّةً لِتَوَهُّمِ أنَّهُ كَما لا يُؤاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لا يَزِيدُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ أيْضًا، فَدُفِعَ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ بِذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، و(الشَّفاعَةُ) هي التَّوَسُّطُ بِالقَوْلِ في وصُولِ الشَّخْصِ ولَوْ كانَ أعْلى قَدْرًا مِنَ الشَّفِيعِ إلى مَنفَعَةٍ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ أوْ خَلاصُهُ عَنْ مَضَرَّةٍ ما كَذَلِكَ، مِنَ الشَّفْعِ، ضِدُّ الوِتْرِ، كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ وِتْرًا فَجَعَلَهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا، ومِنهُ الشَّفِيعُ في المُلْكِ؛ لِأنَّهُ يَضُمُّ مُلْكَ غَيْرِهِ إلى نَفْسِهِ أوْ يَضُمُّ نَفْسَهُ إلى مَن يَشْتَرِيهِ ويَطْلُبُهُ مِنهُ، و(الحَسَنَةُ) مِنها ما كانَتْ في أمْرٍ مَشْرُوعٍ رُوعِيَ بِها حَقُّ مُسْلِمٍ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الدُّعاءُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ شَفاعَةُ مَعْنًى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

رَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ  : ««مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ»» وفِيهِ بَيانٌ لِمِقْدارِ النَّصِيبِ المَوْعُودِ، ولا أرى حَسَنًا إطْلاقَ الشَّفاعَةِ عَلى الدُّعاءِ لِلنَّبِيِّ  بَلْ لا أكادُ أُسَوِّغُهُ، وإنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ لَهُ  كَما أنَّ فِيهِ مَنفَعَةً لَنا عَلى الصَّحِيحِ.

وتَفْسِيرُها بِالدُّعاءِ - كَما نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ - أوْ بِالصُّلْحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ - كَما رَوى الكَلْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَعَلَّهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ، وكَوْنُ التَّحْرِيضِ الَّذِي فَعَلَهُ  مِن بابِ الشَّفاعَةِ ظاهِرٌ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ تَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِن مَضَرَّةِ التَّثَبُّطِ وتَعْيِيرِ العَدُوِّ، واحْتِمالِ الذُّلِّ، وفازُوا بِالأجْرِ الجَزِيلِ المَخْبُوءِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ورَبِحُوا أمْوالًا جَسِيمَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا وافى بِجَيْشِهِ بَدْرًا ولَمْ يَرَ بِها أحَدًا مِنَ العَدُوِّ أقامَ ثَمانِيَ لَيالٍ، وكانَ مَعَهم تِجاراتٌ فَباعُوها وأصابُوا خَيْرًا كَثِيرًا.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الشَّفاعَةَ هُنا بَأنْ يَصِيرَ الإنْسانُ شَفْعَ صاحِبِهِ في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، والحَسَنَةُ مِنها ما كانَ في طاعَةٍ، فالجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الجِهادِ والتَّرْهِيبِ عَنِ التَّخَلُّفِ والتَّقاعُدِ، وأمْرُ الِارْتِباطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ولا بَأْسَ بِهِ، غَيْرَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ.

<div class="verse-tafsir"

مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا ٨٥

﴿ ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ﴾ وهي ما كانَتْ بِخِلافِ الحَسَنَةِ، ومِنها الشَّفاعَةُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، فَفي الخَبَرِ: ««مَن حالَتْ شَفاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى فَقَدَ ضادَّ اللَّهَ في مُلْكِهِ، ومَن أعانَ عَلى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ في سُخْطِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَنْزِعَ»» واسْتُثْنِي مِنَ الحُدُودِ القِصاصُ، فالشَّفاعَةُ في إسْقاطِهِ إلى الدِّيَةِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ السُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالنَّصِيبِ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ وبِالكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ لِلتَّفَنُّنِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ النَّصِيبَ يَشْمَلُ الزِّيادَةَ، والكِفْلَ هو المِثْلُ المُساوِي، فاخْتِيارُ النَّصِيبِ أوَّلًا؛ لِأنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ يُضاعَفُ، والكِفْلِ ثانِيًا لِأنَّ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ لا يُجْزى إلّا مِثْلَها، فَفي الآيَةِ إشارَةُ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِعِبادِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكِفْلَ - وإنْ كانَ بِمَعْنى النَّصِيبِ - إلّا أنَّهُ غَلَبَ في الشَّرِّ، ونَدَرَ في غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ فَلِذا خُصَّ بِالسَّيِّئَةِ تَطْرِيَةً وهَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ أيْ: مُقْتَدِرًا، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَألَهُ عَنْهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُحَيْحَةَ الأنْصارِيِّ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ (مُقِيتًا) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ الحَفِيظُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ، فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهُ المُجازِي، أيْ: يُجازِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وأصْلُهُ مَقُوتٌ، فَأُعِلَّ، كَمُقِيمٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها عَلى سائِرِ التَّفاسِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ٨٦

﴿ وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ﴾ تَرْغِيبٌ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - في فَرْدٍ شائِعٍ مِنَ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ إثْرَ ما رُغِّبَ فِيها عَلى الإطْلاقِ، وحُذِّرَ عَمّا يُقابِلُها مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَإنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ مِنَ المُسْلِمِ شَفاعَةٌ مِنهُ لِأخِيهِ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا أوْلى في الِارْتِباطِ مِمّا قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِالسَّلامِ المُسالِمَةُ الَّتِي هي ضِدُّ الحَرْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِتالِ عَقَّبَهُ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى الكَفِّ عَمَّنْ ألْقى إلى المُؤْمِنِينَ السَّلَمَ وحَيّاهم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ.

والتَّحِيَّةُ مَصْدَرُ حَيَّ، أصْلُها تَحْيِيَةٌ كَتَتْمِيَةٍ وتَزْكِيَةٍ، وأصْلُ الأصْلِ تَحْيِيَيٌ بِثَلاثٍ ياءاتٍ، فَحُذِفَتِ الأخِيرَةُ وعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ، ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ الأُولى إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وهي في الأصْلِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: الدُّعاءُ بِالحَياةِ وطُولِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ دُعاءٍ، وكانَتِ العَرَبُ إذا لَقى بَعْضُهم بَعْضًا تَقُولُ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ اسْتَعْمَلَها الشَّرْعُ في السَّلامِ، وهو تَحِيَّةُ الإسْلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وفِيهِ عَلى ما قالُوا: مَزِيَّةٌ عَلى قَوْلِهِمْ: حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى؛ لِما أنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ، ورُبَّما تَسْتَلْزِمُ طُولَ الحَياةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سِوى الدُّعاءِ بِطُولِ الحَياةِ، أوْ بِهِ وبِالمُلْكِ، ورَبَّ حَياةٍ المَوْتُ خَيْرٌ مِنها.

ألا مَوْتٌ يُباعُ فَأشْتَرِيهِ فَهَذا العَيْشُ ما لا خَيْرَ فِيهِ ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حُرٍّ ∗∗∗ تَصَدَّقَ بِالمَماتِ عَلى أخِيهِ وقالَ آخَرُ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ إنَّما المَيْتُ مَن يَعِيشُ كَئِيبًا ∗∗∗ كاسِفًا بالُهُ قَلِيلَ الرَّجاءِ ولِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى، والبَداءَةُ بِذِكْرِهِ مِمّا لا رَيْبَ في فَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ، أيْ: إذا سُلِّمَ عَلَيْكم مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ كَما قالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ، أوْ مُطْلَقًا كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

﴿ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها ﴾ أيْ: بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنَ التَّحِيَّةِ الَّتِي حُيِّيتُمْ بِها، بِأنْ تَقُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، إنِ اقْتَصَرَ المُسْلِمُ عَلى الأوَّلِ، وبِأنْ تَزِيدُوا (وبَرَكاتُهُ) إنْ جَمَعَهُما المُسْلِمُ وهي النِّهايَةُ.

فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ عُرْوَةُ: ما تَرَكَ لَنا فَضْلًا، إنَّ السَّلامَ قَدِ انْتَهى إلى (وبَرَكاتُهُ)، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ مَرْفُوعًا، وذَلِكَ لِانْتِظامِ تِلْكَ التَّحِيَّةِ لِجَمِيعِ فُنُونِ المَطالِبِ الَّتِي هي السَّلامَةُ عَنِ المَضارِّ، ونَيْلُ المَنافِعِ ودَوامُها ونَمائُها، وقِيلَ: يَزِيدُ المُحَيّا إذا جَمَعَ المُحَيِّي الثَّلاثَةَ لَهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، عَنْ سالِمٍ، مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرْدٌ زادَ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أتَيْتُهُ مَرَّةً أُخْرى فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ وطِيبُ صَلَواتِهِ.

ولا يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ لِلزِّيادَةِ، فَقَدْ ورَدَ خَبَرٌ رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ زِيادَةُ: (ومَغْفِرَتُهُ) فَما في الدُّرِّ مِن أنَّ المُرادَ لا يَزِيدُ عَلى (وبَرَكاتُهُ) غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ.

﴿ أوْ رُدُّوها ﴾ أيْ: حَيُّوا بِمِثْلِها، و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الزِّيادَةِ وتَرْكِها، والظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ هو الأفْضَلُ في الجَوابِ، بَلْ لَوْ زادَ المُسَلِّمُ عَلى (السَّلامُ عَلَيْكُمْ) كانَ أفْضَلَ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ، فَإنْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، فَإنْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ثَلاثِينَ حَسَنَةً»» ووَرَدَ في مَعْناهُ غَيْرُ ما خَبَرٍ.

وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ جَوابَ السَّلامِ المَسْنُونِ واجِبٌ، ووُجُوبُهُ عَلى الكِفايَةِ، ولا يُؤَثِّرُ فِيهِ إسْقاطُ المُسَلِّمِ لِأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ تَعالى، ودَلِيلُ الوُجُوبِ الكِفائِيِّ خَبَرُ أبِي داوُدَ، وفي مَعْناهُ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ولَمْ يُضَعِّفْهُ: «يُجْزِئُ عَنِ الجَماعَةِ إذا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ» فَبِهِ يُسْقِطُ الوُجُوبَ عَنِ الباقِينَ، ويَخْتَصُّ بِالثَّوابِ، فَلَوْ رَدُّوا كُلُّهم - ولَوْ مُرَتَّبًا - أُثِيبُوا ثَوابَ الواجِبِ، وفي المُبْتَغى: يَسْقُطُ عَنِ الباقِينَ بِرَدِّ صَبِيٍّ يَعْقِلُ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ إقامَةِ الفَرْضِ في الجُمْلَةِ بِدَلِيلِ حِلِّ ذَبِيحَتِهِ، وقِيلَ: لا، وظاهِرُ النِّهايَةِ تَرْجِيحُهُ، وعَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، قالُوا: ولَوْ رَدَّ صَبِيٌّ أوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهم لَمْ يَسْقُطْ بِخِلافِ نَظِيرِهِ في الجِنازَةِ؛ لِأنَّ القَصْدَ ثَمَّ الدُّعاءُ، وهو مِنهُ أقْرَبُ لِلْإجابَةِ، وهُنا الأمْنُ، وهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ، وقَضِيَّتُهُ أنَّهُ يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الصَّبِيِّ عَنْ جَمْعٍ؛ لِأنَّ القَصْدَ التَّبَرُّكُ والدُّعاءُ كَصَلاةِ الجِنازَةِ، ويَسْقُطُ بِرَدِّ العَجُوزِ.

وفِي رَدِّ الشّابَّةِ قَوْلانِ، عِنْدَنا وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: لَوْ رَدَّتِ امْرَأةٌ عَنْ رَجُلٍ أجْزَأ إنْ شُرِعَ السَّلامُ عَلَيْها وعَلَيْهِ، فَلا يَخْتَصُّ بِالعَجُوزِ، بَلِ المُحْرِمُ، وأمَةُ الرَّجُلِ وزَوْجَتُهُ كَذَلِكَ، وفي تُحْفَتِهِمْ: ويَدْخُلُ في المَسْنُونِ سَلامُ امْرَأةٍ عَلى امْرَأةٍ أوْ نَحْوُ مُحْرِمٍ أوْ سَيِّدٍ أوْ زَوْجٍ، وكَذا عَلى أجْنَبِيٍّ وهي عَجُوزٌ لا تُشْتَهى، ويَلْزَمُها في هَذِهِ الصُّورَةِ رَدُّ سَلامِ الرَّجُلِ، أمّا مُشْتَهاةٌ لَيْسَ مَعَها امْرَأةٌ أُخْرى فَيَحْرُمُ عَلَيْها رَدُّ سَلامِ أجْنَبِيٍّ، ومِثْلُهُ ابْتِداؤُهُ، ويَكْرَهُ لَهُ رَدُّ سَلامِها ومِثْلُهُ ابْتِداؤُهُ أيْضًا، والفَرْقُ أنَّ رَدَّها وابْتِداءَها يُطَمِّعُهُ فِيها أكْثَرَ بِخِلافِ ابْتِدائِهِ ورَدِّهِ، والخُنْثى مَعَ رَجُلٍ كامْرَأةٍ ومَعَ امْرَأةٍ كَرَجُلٍ في النَّظَرِ فَكَذا هُنا، ولَوْ سُلِّمَ عَلى جَمْعِ نِسْوَةٍ وجَبَ رَدُّ إحْداهُنَّ، إذْ لا يُخْشى فِتْنَةٌ حِينَئِذٍ، ومِن ثَمَّ حَلَّتِ الخَلْوَةُ بِامْرَأتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ هُنا كالرَّجُلِ ابْتِداءً ورَدًّا.

وفِي الدُّرِّ المُخْتارِ: لَوْ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا زَيْدُ لَمْ يَسْقُطْ بَرَدِّ غَيْرِهِ، ولَوْ قالَ: يا فُلانُ أوْ أشارَ لِمُعَيَّنٍ سَقَطَ، ولَوْ سَلَّمَ جَمْعٌ مُتَرَتِّبُونَ عَلى واحِدٍ فَرَدَّ مَرَّةً قاصِدًا جَمِيعَهُمْ، وكَذا لَوْ أطْلَقَ عَلى الأوْجُهِ أجْزَأهُ ما لَمْ يَحْصُلْ فَصْلٌ ضارٌّ، ولا بُدَّ في الِابْتِداءِ والرَّدِّ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ بِقَدْرٍ ما يَحْصُلُ بِهِ السَّماعُ بِالفِعْلِ، ولَوْ في ثَقِيلِ السَّمْعِ، نَعَمْ، إنْ مَرَّ عَلَيْهِ سَرِيعًا بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ صَوْتُهُ فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّفْعُ وُسْعَهُ، ولا يُجْهَرُ بِالرَّدِّ الجَهْرَ الكَثِيرَ، والمُرْوِيُّ عَنِ الإمامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ العَدْوِ خَلْفَهُ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن سَماعِ جَمِيعِ الصِّيغَةِ ابْتِداءً ورَدًّا، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ أذانٍ سُمِعَ بَعْضُهُ ظاهِرٌ، ولَوْ سَلَّمَ يَهُودِيٌّ أوْ نَصْرانِيٌّ أوْ مَجُوسِيٌّ فَلا بَأْسَ بِالرَّدِّ، ولَكِنْ لا يَزِيدُ في الجَوابِ عَلى قَوْلِهِ (وعَلَيْكَ) كَما في الخانِيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا في الصَّحِيحِ، ولا يُسَلَّمُ ابْتِداءً عَلى كافِرٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ والنَّصارى بِالسَّلامِ فَإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في طَرِيقٍ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»» رَواهُ البُخارِيُّ.

وأوْجَبَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ رَدَّ سَلامِ الذِّمِّيِّ بِـ(عَلَيْكَ) فَقَطْ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الرَّوْضَةِ، لَكِنْ قالَ البَلْقِينِيُّ والأذْرَعِيُّ والزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ يُسَنُّ ولا يَجِبُ، وعَنِ الحَسَنِ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا يَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ (حَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها) لِلْمُسْلِمِينَ، (أوْ رُدُّوها) لِأهْلِ الكِتابِ، ووَرَدَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، ورَخَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ ابْتِداءَهم بِهِ إذا دَعَتْ إلَيْهِ داعِيَةٌ، ويُؤَدّى حِينَئِذٍ بِالسَّلامِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ لِلذِّمِّيِّ - والظّاهِرُ عِنْدَ الحاجَةِ -: السَّلامُ عَلَيْكَ، ويُرِيدُ - كَما قالَ اللَّهُ تَعالى - عَلَيْكَ أيْ: هو عَدُوُّكَ.

ولا مانِعَ عِنْدِي إنْ لَمْ يُقْصَدْ ذَلِكَ مِن أنْ يُقْصَدَ الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، بِمَعْنى البَقاءِ حَيًّا؛ لِيُسْلِمَ أوْ يُعْطِيَ الجِزْيَةَ ذَلِيلًا، وفي الأشْباهِ النَّصُّ عَلى ذَلِكَ في الدُّعاءِ لَهُ بِطُولِ البَقاءِ.

بَقِيَ الخِلافُ في الإتْيانِ بِالواوِ عِنْدَ الرَّدِّ لَهُ، وعامَّةُ المُحَدِّثِينَ - كَما قالَ الخَطّابِيُّ - بِإثْباتِها في الخَبَرِ غَيْرَ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَإنَّهُ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ واوٍ، واسْتُصْوِبَ لِأنَّ الواوَ تَقْتَضِي الِاشْتِراكَ مَعَهُ والدُّخُولَ فِيما قالَ، وهو قَدْ يَقُولُ: السّامُ عَلَيْكُمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ووَجَّهَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ إثْباتَها بِأنَّ مَدْخُولَها قَدْ يُقْطَعُ عَمّا عُطِفَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ العُمُومِ بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ، فَيُقَدَّرُ هُنا عَلَيْكُمُ اللَّعْنَةُ أوِ الغَضَبُ، وعَلَيْكم ما قُلْتُمْ، ولا يَخْفى خَفاءُ ذَلِكَ وإنْ أيَّدَهُ بِما ظَنَّهُ شَيْئًا، فالأوْلى ما في الكَشْفِ مِن أنَّ رِوايَةَ الجُمْهُورِ هو الصَّوابُ، وهُما مُشْتَرِكانِ في أنَّهُما عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ، ولَكِنْ يُسْتَجابُ دُعاءُ المُسْلِمِ عَلى الكافِرِ، ولا يُسْتَجابُ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ  «لَمّا قالَتْ عائِشَةُ في رَهْطِ اليَهُودِ القائِلِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: السّامُ عَلَيْكَ، بَلْ عَلَيْكُمُ السّامُ واللَّعْنَةُ، أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا تَكُونِي فاحِشَةً، قالَتْ: أوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالُوا؟!

قالَ: رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجابُ لِي فِيهِمْ ولا يُسْتَجابُ لَهم فِيَّ»».

ويَجِبُ في الرَّدِّ عَلى الأصَمِّ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ والإشارَةِ لِيَعْلَمَ، بَلِ العِلْمُ هو المَدارُ، ولا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إلّا إنْ جَمَعَ لَهُ المُسْلِمُ عَلَيْهِ بَيْنَهُما، وتَكْفِي إشارَةُ الأخْرَسِ ابْتِداءً ورَدًّا، ويَجِبُ رَدُّ جَوابِ كِتابِ التَّحِيَّةِ كَرَدِّ السَّلامِ.

وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ: يَكْفِي جَوابُهُ كِتابَةً ويَجِبُ فِيها - إنْ لَمْ يَرُدَّ لَفْظًا - الفَوْرُ فِيما يَظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ خِلافُهُ، ولَوْ قالَ لِآخَرَ: أقْرِئْ فَلانًا السَّلامَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبَلِّغَهُ، وعَلَّلُوهُ بِأنَّ ذَلِكَ أمانَةٌ ويَجِبَ أداؤُها، ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ مَحَلَّهُ ما إذا رَضِيَ بِتَحَمُّلِ تِلْكَ الأمانَةِ، أمّا لَوْ رَدَّها فَلا، وكَذا إنْ سَكَتَ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ: لا يُنْسَبُ لِساكِتٍ قَوْلٌ.

ويُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ تَظْهَرَ مِنهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى الرِّضا وعَدَمِهِ، وإذا قُلْنا بِالوُجُوبِ فالظّاهِرُ عِنْدَ بَعْضٍ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ قَصْدُ المُوصى لَهُ، بَلْ إذا اجْتَمَعَ بِهِ وذَكَرَ بَلَّغَهُ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الَّذِي يَتَّجِهُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ قَصْدُ مَحَلِّهِ حَيْثُ لا مَشَقَّةَ شَدِيدَةٌ عُرْفًا عَلَيْهِ لِأنَّ أداءَ الأمانَةِ ما أمْكَنَ واجِبٌ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ أنْ يَقُولَ المُرْسِلُ: قُلْ لَهُ فُلانٌ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، وبَيْنَ ما لَوْ قالَ لَهُ: سَلِّمْ لِي، والظّاهِرُ عَدَمُ الفَرْقِ وِفاقًا لَما نُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ، فَيَجِبُ فِيهِما الرَّدُّ، ويُسَنُّ الرَّدُّ عَلى المَبَلِّغِ والبُداءَةُ، فَيَقُولُ: وعَلَيْكَ وعَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخَبَرِ المَشْهُورِ فِيهِ.

وأوْجَبُوا رَدَّ سَلامِ صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ مُمَيِّزٍ، وكَذا سَكْرانٍ مُمَيِّزٍ، لَمْ يَعْصِ بِسُكْرِهِ، وقَوْلُ المَجْمُوعِ: لا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ مَجْنُونٍ وسَكْرانٍ يُحْمَلُ عَلى غَيْرِ المُمَيِّزِ، وزَعَمَ أنَّ الجُنُونَ والسُّكْرَ يُنافِيانِ التَّمْيِيزَ غَفْلَةً عَمّا صَرَّحُوا بِهِ مِن عَدَمِ التَّنافِي، ولا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ فاسِقٍ أوْ مُبْتَدِعٍ زَجْرًا لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، وإنْ شُرِعَ سَلامُهُ، وكَذا لا يَجِبُ رَدُّ سَلامِ السّائِلِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّحِيَّةِ بَلْ لِأجْلِ أنْ يُعْطى، ولا رَدُّ سَلامِ المُتَحَلِّلِ مِنَ الصَّلاةِ إذا نَوى الحاضِرُ عِنْدَهُ عَلى الأوْجُهِ؛ لِأنَّ المُهِمَّ لَهُ التَّحَلُّلُ، وقُصِدَ الحاضِرُ بِهِ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ، وذَلِكَ حاصِلٌ، وإنْ لَمْ يَرُدَّ، وإنَّما حَنِثَ بِهِ الحالِفُ عَلى تَرْكِ الكَلامِ والسَّلامِ؛ لِأنَّ المَدارَ فِيهِما عَلى صِدْقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ عُلَماءُ الشّافِعِيَّةِ، ولَمْ أرَ لِأصْحابِنا سِوى التَّصْرِيحِ بِالحِنْثِ فِيمَن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَسَلَّمَ عَلى جَماعَةٍ هو فِيهِمْ، وأمّا التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ المَسْألَةِ فَلَمْ أرَهُ، وصَرَّحَ في الضِّياءِ بِعَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ لَوْ قالَ المُسَلِّمُ: (السَّلامْ عَلَيْكُمْ) بِجَزْمِ المِيمِ، وكَأنَّهُ - عَلى ما في تُحْفَتِنا - لِمُخالَفَةِ السُّنَّةِ، وعَلَيْهِ لَوْ رَفَعَ المِيمَ بِلا تَنْوِينٍ ولا تَعْرِيفٍ كانَ كَجَزْمِ المِيمِ في عَدَمِ وُجُوبِ الرَّدِّ؛ لِمُخالَفَتِهِ السُّنَّةَ أيْضًا.

وجَزَمَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ أنَّ صِيغَةَ السَّلامِ ابْتِداءً وجَوابًا (عَلَيْكَ السَّلامُ) وعَكْسَهُ، وأنَّهُ يَجُوزُ تَنْكِيرُ لَفْظِهِ وإنْ حُذِفَ التَّنْوِينُ، وأنَّهُ يُجْزِئُ (سَلامًا عَلَيْكُمْ) وكَذا (سَلامُ اللَّهِ تَعالى) بَلْ وسَلامِي عَلَيْكَ وعَكْسُهُ، واسْتَظْهَرَ أجْزاءَ (سَلَّمْتُ عَلَيْكَ) و(أنا مُسَلِّمٌ عَلَيْكَ) ونَحْوُ ذَلِكَ، أخْذًا مِمّا ذَكَرُوهُ أنَّهُ يُجْزِئُ في التَّشَهُّدِ: صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ، والصَّلاةُ عَلى مُحَمَّدٍ  - ونَحْوُهُما، ولا بَأْسَ فِيما قالُوهُ عِنْدِي، ولَعَلَّ تَفْسِيرَ تَحِيَّةٍ في الآيَةِ لِتَشْمَلَ كُلَّ هَذِهِ الصِّيَغِ، وقالَ بَعْضُ الجَماعَةِ: السَّلامُ (مَعْرِفَةً) تَحِيَّةُ الأحْياءِ، و(نَكِرَةً) تَحِيَّةُ المَوْتى، ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا، والشِّيعَةُ يُنْكِرُونَ مُطْلَقًا، ويُنْكِرُونَ.

وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، أنَّ السَّلامَ في السَّلامِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَقْتَضِي أوْلَوِيَّةَ التَّعْرِيفِ أيْضًا، فافْهَمْ.

والأفْضَلُ في الرَّدِّ الواوُ قَبْلَهُ، ويُجْزِئُ بِدُونِهِ عَلى الصَّحِيحِ، ويَضُرُّ في الِابْتِداءِ كالِاقْتِصارِ في أحَدِهِما عَلى أحَدِ جُزْئَيِ الجُمْلَةِ، وإنْ نَوى إضْمارَ الآخَرِ، وفي الكَشْفَ ما يُؤَيِّدُهُ، والخَبَرُ الَّذِي فِيهِ الِاكْتِفاءُ بِـ(وعَلَيْكَ) في الجَوابِ لا يُرادُ مِنهُ الِاكْتِفاءُ عَلى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أجابَ بِمِثْلِ ما سُلِّمَ بِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَزِدْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ آخِرُهُ.

وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ المُسْتَحَبَّ الرَّدُّ عَلى طَهارَةٍ أوْ تَيَمُّمٍ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي الجَهْمِ قالَ: ««أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الغائِطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى أقْبَلَ عَلى الحائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى الرَّجُلِ السَّلامَ»،» والظّاهِرُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الرَّدِّ والِابْتِداءِ في ذَلِكَ، ويُسَنُّ السَّلامُ عَيْنًا لِلْواحِدِ، وكِفايَةً لِلْجَماعَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ابْتِداءً عِنْدَ إقْبالِهِ وانْصِرافِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ الحَسَنِ: ««إنَّ أوْلى النّاسِ بِاللَّهِ تَعالى مَن بَدَأهم بِالسَّلامِ»» وفارِقُ الرَّدِّ بِأنَّ الإيحاشَ والإخافَةَ في تَرْكِ الرَّدِّ أعْظَمُ مِنهُما في تَرْكِ الِابْتِداءِ.

وأفْتى غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ الِابْتِداءَ أفْضَلُ، كَإبْراءِ المُعْسِرِ أفْضَلُ مِن إنْظارِهِ، ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِمُ: (ابْتِداءً) أنَّهُ لَوْ أتى بِهِ بَعْدَ تَكَلُّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، نَعَمْ، يُحْتَمَلُ في تَكَلُّمٍ سَهْوًا أوْ جَهْلًا، وعُذِرَ بِهِ أنَّهُ لا يَفُوتُ الِابْتِداءُ فَيَجِبُ جَوابُهُ، ومِثْلُ ذَلِكَ بَلْ أوْلى لِمَشْرُوعِيَّتِهِ الكَلامُ لِلِاسْتِئْذانِ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ إذا أتى دارَ إنْسانٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَأْذِنَ قَبْلَ السَّلامِ، ويُسَنُّ إظْهارُ البِشْرِ عِنْدَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««إنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ أنْ تُسَلِّمَ عَلى النّاسِ وأنْتَ مُنْطَلِقُ الوَجْهِ»،» وعَنْ عُمَرَ: «إذا التَقى المُؤْمِنانِ فَسَلَّمَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ وتَصافَحا كانَ أحَبُّهُما إلى اللَّهِ تَعالى أحْسَنَهُما بِشْرًا لِصاحِبِهِ».

ويُسَنُّ عَلَيْكم في الواحِدِ - وإنْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ بِالإفْرادِ - نَظَرًا لِمَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ويَقْصِدُهم لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ فَيَنالُ بِرْكَةَ دُعائِهِمْ، ولَوْ دَخَلَ بَيْتًا ولَمْ يَرَ أحَدًا يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ، فَإنَّ السَّكَنَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ، وفي الآكامِ: إنَّ في كُلِّ بَيْتٍ سَكَنَةٌ مِنَ الجِنِّ، ويُسَنُّ عِنْدَ التَّلاقِي سَلامُ صَغِيرٍ عَلى كَبِيرٍ، وماشٍ عَلى واقِفٍ أوْ مُضْطَجِعٍ، وراكِبٍ عَلَيْهِمْ، وراكِبِ فَرَسٍ عَلى راكِبِ حِمارٍ، وقَلِيلِينَ عَلى كَثِيرِينَ؛ لِأنَّ نَحْوَ الماشِي يَخافُ مِن نَحْوِ الرّاكِبِ، ولِزِيادَةِ نَحْوِ مَرْتَبَةِ الكَبِيرِ عَلى نَحْوِ الصَّغِيرِ، وخَرَجَ بِالتَّلاقِي الجالِسُ والواقِفُ والمُضْطَجِعُ، فَكُلُّ مَن ورَدَ عَلى أحَدِهِمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، ولَوْ سَلَّمَ كُلٌّ عَلى الآخَرِ فَإنْ تَرَتَّبا كانَ الثّانِي جَوابًا، أيْ: ما لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِابْتِداءُ وحْدَهُ، كَما قِيلَ، وإلّا لَزِمَ كُلًّا الرَّدُّ، وكَرِهَ أصْحابُنا السَّلامَ في مَواضِعَ، وفي النَّهْرِ عَنْ صَدْرِ الدِّينِ الغُزِّيِّ: سَلامُكَ مَكْرُوهٌ عَلى مَن سَتَسْمَعُ ∗∗∗ ومِن بَعْدِ ما أُبْدِيَ يُسَنُّ ويُشْرَعُ مُصَلٍّ وتالٍ ذاكِرٌ ومُحَدِّثٌ ∗∗∗ خَطِيبٌ ومَن يُصْغِي إلَيْهِمْ ويَسْمَعُ مُكَرِّرُ فِقْهٍ جالِسٌ لِقَضائِهِ ∗∗∗ ومَن بَحَثُوا في الفِقْهِ دَعْهم لِيَنْفَعُوا مُؤَذِّنٌ أيْضًا مَعَ مُقِيمٍ مُدَرِّسٌ ∗∗∗ كَذا الأجْنَبِيّاتُ الفَتَياتُ أمْنَعُ ولُعّابُ شَطْرَنْجٍ وشُبَّهٌ بِخَلْقِهِمْ ∗∗∗ ومَن هو مَعَ أهْلٍ لَهُ يَتَمَتَّعُ ودَعْ كافِرًا أيْضًا ومَكْشُوفَ عَوْرَةٍ ∗∗∗ ومَن هو في حالِ التَّغَوُّطِ أشْنَعُ ودَعْ آكِلًا إلّا إذا كُنْتَ جائِعًا ∗∗∗ وتَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُ كَذَلِكَ أُسْتاذٌ مُغَنٍّ مُطَيِّرٌ ∗∗∗ فَهَذا خِتامٌ والزِّيادَةُ تَنْفَعُ فَلَوْ سُلِّمَ عَلى هَؤُلاءِ لا يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وأوْجَبَ بَعْضٌ الرَّدِّ في بَعْضِها، وذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّ مُسْتَمِعَ الخَطِيبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وعِنْدَنا يَحْرُمُ كَسائِرِ الكَلامِ بِلا فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ عَلى الأصَحِّ، وكَرِهُوهُ لَقاضِي الحاجَةِ ونَحْوِهِ كالمُجامِعِ، وسَنُّوهُ لِلْآكِلِ كَسَنِّ السَّلامِ عَلَيْهِ بَعْدَ البَلْعِ وقَبْلَ وضْعِ اللُّقْمَةِ بِالفَمِ، ويَلْزَمُهُ الرَّدُّ حِينَئِذٍ ولِمَن بِالحَمّامِ ونَحْوِهِما بِاللَّفْظِ.

ورَجَّحُوا أنَّهُ يُسَلَّمُ عَلى مَن بِمَسْلَخِهِ، ولا يَمْنَعُ كَوْنُهُ مَأْوى الشَّياطِينِ، فالسُّوقُ كَذَلِكَ والسَّلامُ عَلى مَن فِيهِ مَشْرُوعٌ، وإنِ اشْتَغَلَ بِمُساوَمَةٍ، ومُعامَلَةٍ، ومُصَلٍّ، ومُؤَذِّنٍ بِالإشارَةِ، وإلّا فَبَعْدَ الفَراغِ إنْ قَرُبَ الفَصْلُ، وحَرَّمُوا الرَّدَّ عَلى مَن سَلَّمَ عَلَيْهِ نَحْوُ مُرْتَدٍّ وحَرْبِيٍّ، ونَدَبَهُ بَعْضُهم عَلى القارِئِ وإنِ اشْتَغَلَ بِالتَّدَبُّرِ، وأوْجَبَ الرَّدَّ عَلَيْهِ، ومَحَلُّهُ في مُتَدَبِّرٍ لَمْ يَسْتَغْرِقِ التَّدَبُّرُ قَلْبَهُ وإلّا لَمْ يُسَنُّ ابْتِداءً ولا جَوابًا كالدّاعِي المُسْتَغْرِقِ؛ لِأنَّهُ الآنَ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المُمَيِّزِ، بَلْ يَنْبَغِي فِيمَنِ اسْتَغْرَقَهُ الهَمُّ كَذَلِكَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ ذَلِكَ، وصَرَّحُوا أيْضًا بِعَدَمِ السَّلامِ عَلى فاسِقٍ، بَلْ يُسَنُّ تَرْكُهُ عَلى مُجاهِرٍ بِفِسْقِهِ، ومُرْتَكِبِ ذَنْبٍ عَظِيمٍ لَمْ يَتُبْ عَنْهُ، ومُبْتَدَعٍ، إلّا لِعُذْرٍ أوْ خَوْفِ مَفْسَدَةٍ، وعَلى مُلَبٍّ، وساجِدٍ، وناعِسٍ، ومُتَخاصِمِينَ بَيْنَ يَدَيْ قاضٍ.

وأفْتى بَعْضُهم بِكَراهَةِ حَنْيِ الظَّهْرِ، وقالَ كَثِيرُونَ: حَرامٌ لِلْحَدِيثِ الحَسَنِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَهى عَنْهُ، وعَنِ التِزامِ الغَيْرِ وتَقْبِيلِهِ، وأمَرَ بِمُصافَحَتِهِ ما لَمْ يَكُنْ ذِمِّيًّا، وإلّا فَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ مُصافَحَتَهُ، بَلْ يَكْفُرُ إنْ قَصَدَ التَّبْجِيلَ، كَما يَكْفُرُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.

وأفْتى البَعْضُ أيْضًا بِكَراهَةِ الِانْحِناءِ بِالرَّأْسِ، وتَقْبِيلِ نَحْوِ الرَّأْسِ أوْ يَدٍ أوْ رِجْلٍ، لاسِيَّما لِنَحْوِ غَنِيٍّ؛ لِحَدِيثِ««مَن تَواضَعَ لِغَنِيٍّ ذَهَبَ ثُلُثا دِينِهِ»» ونُدِبَ ذَلِكَ لِنَحْوِ صَلاحٍ، أوْ عِلْمٍ، أوْ شَرَفٍ؛ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَبَّلَ يَدَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

ولا يُعَدُّ نَحْوُ (صَبَّحَكَ اللَّهُ تَعالى بِالخَيْرِ) أوْ (قَوّاكَ اللَّهُ تَعالى) تَحِيَّةً، ولا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدَأٌ بِهِ جَوابًا، والدُّعاءُ لَهُ بِنَظِيرِهِ حَسَنٌ إلّا أنْ يُقْصَدَ بِإهْمالِهِ لَهُ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلامِ، ونَحْوُ مَرْحَبًا مِثْلُ ذَلِكَ في ذَلِكَ.

وذُكِرَ أنَّهُ لَوْ قالَ المُسَلِّمُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى وبَرَكاتُهُ، فَقالَ الرّادُّ: عَلَيْكَ السَّلامُ فَقَطْ أجْزَأهُ، لَكِنَّهُ خِلافُ الأوْلى، وظاهِرُ الآيَةِ خِلافُهُ، إذِ الإمْرُ فِيها دائِرٌ بَيْنَ الجَوابِ بِالأحْسَنِ والجَوابِ بِالمِثْلِ، ولَيْسَ ما ذُكِرَ شَيْئًا مِنهُما.

وحَمْلُ التَّحِيَّةِ عَلى السَّلامِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ وأئِمَّةِ الدِّينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الهَدِيَّةُ والعَطِيَّةُ، وأوْجَبَ القائِلُ العِوَضَ أوِ الرَّدَّ عَلى المُتَّهِبِ، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ، ونُسِبَ أيْضًا لِإمامِنا الأعْظَمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَلَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ السَّلامَ قَدْ وقَعَ فَلا يُرَدُّ بِعَيْنِهِ، فَلِذا حُمِلَ عَلى الهَدِيَّةِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُها عَلَيْها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَجازٌ كَقَوْلِ المُتَنَبِّي: قِفِي تُغْرَمِ الأُولى مِنَ اللَّحْظِ مُقْلَتِي ∗∗∗ بِثانِيَةٍ والمُتْلِفُ الشَّيْءَ غارِمُهْ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أتَرَوْنَ هَذا في السَّلامِ وحْدَهُ؟!

هَذا في كُلِّ شَيْءٍ، مَن أحْسَنَ إلَيْكَ فَأحْسِنْ إلَيْهِ وكافِهِ، فَإنْ لَمْ تَجِدْ فادْعُ لَهُ، واثْنِ عَلَيْهِ عِنْدَ إخْوانِهِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قِياسُ غَيْرِ السَّلامِ مِن أنْواعِ الإحْسانِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ التَّحِيَّةِ ما يَعُمُّ السَّلامَ وغَيْرَهُ لِخَفاءِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ مَن أرادَ الأعَمَّ فَسَّرَها بِما يُسْدى إلى الشَّخْصِ مِمّا تَطِيبُ بِهِ حَياتُهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ فَيُحاسِبُكم عَلى كُلٍّ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمْ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

هَذا ومِن بابٍ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ ﴾ أنْفُسَهم ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فَيُهْلِكُونَها بِسُيُوفِ المُجاهِدَةِ لِيَصِلُوا إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ ﴾ عُقُولَهم ويُنازِعُونَها ﴿ فِي سَبِيلِ ﴾ طاغُوتِ أنَفُسِهِمْ لِيُحَصِّلُوا اللَّذّاتِ ويَغْنَمُوا في هَذِهِ الدّارِ الفانِيَةِ أمْتِعَةَ الشَّهَواتِ ﴿ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ ﴾ وهي القُوى النَّفْسانِيَّةَ أوِ النَّفْسَ وقُواها ﴿ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا ﴾ فَوَلِيُّهُ ضَعِيفٌ، عاذَ بِقَرْمَلَةٍ.

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ أيْ: قالَ لَهُمُ المُرْصِدُونَ ﴿ كُفُّوا أيْدِيَكُمْ ﴾ عَنْ خارِبَةِ الأنْفُسِ الآنَ قَبْلَ أداءِ رُسُومِ العِباداتِ ﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ والمُرادُ بِها إتْعابُ البَدَنِ بِأداءِ العِبادَةِ البَدَنِيَّةِ ﴿ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ والمُرادُ بِها إتْعابُ القَلْبِ بِأداءِ العِبادَةِ المالِيَّةِ، فَإذا تَمَّ لَكم ذَلِكَ فَتَوَجَّهُوا إلى مُحارَبَةِ النَّفْسِ، فَإنَّ مُحارَبَتَها قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ سِلاحٍ، فَإنَّ هَذِهِ العِباداتِ الرَّسْمِيَّةَ سِلاحُ السّالِكِينَ، فَلا يَتِمُّ لِأحَدٍ تَهْذِيبُ الباطِنِ قَبْلَ إصْلاحِ الظّاهِرِ ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ﴾ حِينَ أداءِ ما أُمِرُوا بِأدائِهِ ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ لِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً ﴾ فَلا يَسْتَطِيعُونَ هَجْرَهُمْ، ولا ارْتِكابَ ما فِيهِ ذُلُّ نُفُوسِهِمْ خَشْيَةَ اعْتِراضِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ إعْراضِهِمْ عَنْهم ﴿ وقالُوا ﴾ بِلِسانِ الحالِ ﴿ رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ ﴾ الآنَ ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو المَوْتُ الِاضْطِرارِيُّ، فالمَنِيَّةُ ولا الدَّنِيَّةُ، وها حالُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِكِينَ يَرْغَبُونَ عَنِ السُّلُوكِ وتَحَمُّلِ مَشاقِّهِ مِمّا فِيهِ إذْلالُ نُفُوسِهِمْ وامْتِهانِها خَوْفًا مِنَ المَلامَةِ واعْتِراضِ النّاسِ عَلَيْهِمْ، فَيَبْقَوْنَ في حِجابِ أعْمالِهِمْ، ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ﴾ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُلاحِظُوا النّاسَ في تَرْكِهِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ ﴿ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ﴾ فَيَنْبَغِي أنْ يَتَحَمَّلُوا المَلامَةَ في تَحْصِيلِها ﴿ ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ مِمّا كُتِبَ لَكُمْ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ خَشْيَةِ سِوى اللَّهِ تَعالى.

﴿ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ﴾ وتُفارِقُونَ ولا بُدَّ مَن تَخْشَوْنَ فِراقَهُ، إنْ سَلَكْتُمْ فَفارِقُوهم بِالسُّلُوكِ وهو المَوْتُ الِاخْتِيارِيُّ قَبْلَ أنْ تُفارِقُوهم بِالهَلاكِ وهو المَوْتُ الِاضْطِرارِيُّ ﴿ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أيْ: أجْسادٍ قَوِيَّةٍ: فَمَن يَكُ ذا عَظْمٍ صَلِيبٍ رَجا بِهِ ∗∗∗ لِيَكْسِرَ عُودَ الدَّهْرِ فالدَّهْرُ كاسِرُهُ ﴿ وإنْ تُصِبْهُمْ ﴾ أيِ: المَحْجُوبِينَ ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: شَيْءٍ يُلائِمُ طِباعَهم ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فَيُضِيفُونَها إلى اللَّهِ تَعالى مِن فَرَحِ النَّفْسِ ولَذَّةِ الشَّهْوَةِ لاتُّبِعَتِ المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ ﴿ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ ﴾ أيْ: شَيْءٌ تَنْفِرُ عَنْهُ طِباعُهُمْ، وإنْ كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ يَقُولُوا ﴾ لِضِيقِ أنْفُسِهِمْ ﴿ هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ﴾ فَيُضِيفُونَها إلى غَيْرِهِ تَعالى، ويَرْجِعُونَ إلى الأسْبابِ لِعَدَمِ رُسُوخِ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ في قُلُوبِهِمْ ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وهَذا دُعاءٌ لَهم إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَفْيِ التَّأْثِيرِ عَنِ الأغْيارِ، والإقْرارُ بِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ خالِقُ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِصِفاتِ النُّفُوسِ، وارْتِياجِ آذانِ قُلُوبِهِمُ الَّتِي هي أوْعِيَةُ السَّماعِ والوَعْيِ، ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في البَيانِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ ﴾ صَغُرَتْ أوْ عَظُمَتْ ﴿ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ تَعالى أفاضَها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ ﴿ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ ﴾ حَقُرَتْ أوْ جَلَّتْ ﴿ فَمِن نَفْسِكَ ﴾ أيْ: مِن قِبَلِها بِسَبَبِ الِاسْتِعْدادِ الحادِثِ بِسَبَبِ ظُهُورِ النَّفْسِ بِالصِّفاتِ والأفْعالِ الحاجِبَةِ لِلْقَلْبِ، المُكَدِّرَةِ لِجَوْهَرِهِ، حَتّى احْتاجَ إلى الصَّقْلِ بِالرَّزايا والمَصائِبِ والبَلايا والنَّوائِبِ، لا مِن قِبَلِ الرَّسُولِ  أوْ غَيْرِهِ ﴿ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا ﴾ فَأنْتَ الرَّحْمَةُ لَهُمْ، فَلا يَكُونُ مِن عِنْدِكَ شَرٌّ عَلَيْهِمْ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى ذَلِكَ ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ)؛ ﴾ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ، يَتَجَلّى مِنهُ لِلْخَلْقِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ باطِنَ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ﴾ لِيُرْشِدَهم إلى أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ إطاعَتَكَ إطاعَتُهُ سُبْحانَهُ، حَيْثُ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الفَرْقِ والجَمْعِ، وقِيلَ: ألا يَتَدَبَّرُونَهُ فَيَتَّعِظُونَ بِكَرِيمِ مَواعِظِهِ ويَتْبَعُونَ مَحاسِنَ أوامِرِهِ، أوْ أفَلا يَتَدَبَّرُونَهُ لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ تَجَلّى لَهم فِيهِ.

﴿ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ أيْ: لَوَجَدُوا الكَثِيرَ مِنهُ مُخْتَلِفًا بَلاغَةً وعَدَمَها، فَيَكُونُ مِثْلَ كَلامِ المَخْلُوقِينَ، فَيَكُونُ لَهم مَساغٌ إلى تَكْذِيبِهِ وعَدَمِ قَبُولِ شَهادَتِهِ، أوِ القَوْلِ بِأنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَجْلًى لِلَّهِ تَعالى ﴿ وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ﴾ إخْبارٌ عَمَّنْ في مُبادِي السُّلُوكِ، أيْ: إذا ورَدَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن آثارِ الجَمالِ أوِ الجَلالِ أفْشَوْهُ وأشاعُوهُ ﴿ ولَوْ رَدُّوهُ ﴾ أيْ: عَرَضُوهُ ﴿ إلى الرَّسُولِ ﴾ إلى ما عُلِمَ مِن أحْوالِهِ وما كانَ عَلَيْهِ ﴿ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُرْشِدُونَ الكامِلُونَ، الَّذِينَ نالُوا مَقامَ الوِراثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ﴿ لَعَلِمَهُ ﴾ أيْ: لَعَلِمَ مَآلَهُ، وأنَّهُ مِمّا يُذاعُ أوْ أنَّهُ لا يُذاعُ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ﴾ ويَتَلَقَّوْنَهُ مِنهم أيْ: مِن جِهَتِهِمْ وواسِطَةِ فُيُوضاتِهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الرّادُّونَ أنْفُسُهُمْ، وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ إذا عَرَضَ لَهُ في أثْناءِ سَيْرِهِ وسُلُوكِهِ شَيْءٌ مِن آثارِ الجَمالِ أوِ الجَلالِ أنْ يُفْشِيَهُ لَأحَدٍ قَبْلَ أنْ يَعْرِضَهُ عَلى شَيْخِهِ، فَيُوقِفُهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَإنَّ في إفْشائِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ضَرَرًا كَثِيرًا.

﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيُّها النّاسُ بِالواسِطَةِ العُظْمى رَسُولِ اللَّهِ  - ﴿ ورَحْمَتُهُ ﴾ بِالمُرْشِدِينَ الوارِثِينَ ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ﴾ والنَّفْسَ أعْظَمَ جُنُودِهِ إنْ لَمْ تَكُنْهُ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهُمُ السّالِكُونَ بِواسِطَةِ نُورٍ إلَهِيٍّ أُفِيضَ عَلَيْهِمْ فاسْتَغْنَوْا بِهِ كَبَعْضِ أهْلِ الفَتْرَةِ، قِيلَ: وهم عَلى قَدَمِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ أيْ: قاتِلْ مَن يُخالِفُكَ وحْدَكَ ﴿ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ عَلى أنْ يُقاتِلُوا مَن يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: سَتَرُوا أوْصافَ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ واللَّهُ أشَدُّ ﴾ مِنهم بَأْسًا أيْ: نِكايَةً ﴿ وأشَدُّ ﴾ مِنهم ﴿ تَنْكِيلا ﴾ أيْ: تَعْذِيبًا.

﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ أيْ: مَن يُرافِقْ نَفْسَهُ عَلى الطّاعاتِ ﴿ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ﴾ أيْ: حَظٌّ وافِرٌ مِن ثَوابِها ﴿ ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ﴾ أيْ: مَن يُرافِقْ نَفْسَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ أيْ: مِثْلٌ مُساوٍ مِن عِقابِها ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ فَيُوصِلُ الثَّوابَ والعِقابَ إلى مُسْتَحِقَّيْهِما ﴿ وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ تَعْلِيمٌ لِنَوْعٍ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِعَطِيَّةٍ فابْذُلُوا الأحْسَنَ مِن عَطاياهُ، أوْ تَصَدَّقُوا بِما أعْطاكُمْ، ورُدُّوهُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى يَدِ المُسْتَحِقِّينَ، واللَّهُ تَعالى خَيْرُ المُوَفِّقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا ٨٧

﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هي الخَبَرُ و(لا إلَهَ إلّا هُوَ) اعْتِراضٌ، واحْتِمالُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لَكانَ، وجُمْلَةُ (اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ) مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْدِيدٍ قُصِدَ بِما قَبْلَها وما بَعْدَها، بِعِيدٌ، ثُمَّ الخَبَرُ وإنْ كانَ هو القَسَمَ وجَوابَهُ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ الجَوابُ، فَلا يَرِدُ وُقُوعُ الإنْشاءِ خَبَرًا، ولا أنَّ جَوابَ القَسَمِ مِنَ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَكَيْفَ يَكُونُ خَبَرًا مَعَ أنَّهُ لا امْتِناعَ مِنِ اعْتِبارِ المَحَلِّ وعَدَمِهِ بِاعْتِبارَيْنِ؟!

والجَمْعُ بِمَعْنى الحَشْرِ، ولِهَذا عُدِّيَ بِـ(إلى) كَما عُدِّيَ الحَشْرُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّما عُدِّيَ بِها لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإفْضاءِ المُتَعَدِّي بِها أيْ: لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مُفْضِينَ إلَيْهِ، وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أثْبَتَهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم في ذَلِكَ اليَوْمِ.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ في الجَمْعِ، فالجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِنَ اليَوْمِ أوَصِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَمْعًا (لا رَيْبَ فِيهِ) والقِيامَةُ بِمَعْنى القِيامِ، ودَخَلَتِ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، وسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ بِذَلِكَ لِقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلْحِسابِ مَعَ شِدَّةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ تَعالى ﴿ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ تَلاهُ بِالإعْلامِ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ، والحَشْرِ، والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ لِلْحِسابِ بَيْنَ يَدَيْهِ.

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: وجْهُ النُّظُمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ ونَهى فِيما قَبْلُ بَيَّنَ بَعْدُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ؛ لِيَعْلَمُوا عَلى حَسَبِ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّ لِهَذا العَمَلِ جَزاءُ بِبَيانِ وقْتِهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِيَجِدُّوا فِيهِ ويَرْغَبُوا ويَرْهَبُوا.

﴿ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ الكَمِّيَّةِ في الأخْبارِ الصّادِقَةِ لا الكَيْفِيَّةِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ فِيها تَفاوُتٌ لِما أنَّ الصِّدْقَ المُطابَقَةُ لِلْواقِعِ وهي تَزِيدُ، فَلا يُقالُ لِحَدِيثٍ مُعَيَّنٍ: إنَّهُ أصْدَقُ مِن آخَرَ إلّا بِتَأْوِيلٍ وتَجَوُّزٍ، والمَعْنى: لا أحَدَ أكْثَرَ صِدْقًا مِنهُ تَعالى في وعْدِهِ وسائِرِ أخْبارِهِ، ويُفِيدُ نَفْيَ المُساواةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِمْ: لَيْسَ في البَلَدِ أعْلَمُ مِن زَيْدٍ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ نِسْبَةِ الكَذِبِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يُعْرَفُ خِلافٌ بَيْنَ المُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ في تِلْكَ الِاسْتِحالَةِ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُهم في الِاسْتِدْلالِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِ الرَّبِّ تَعالى بِأنَّ الكَلامَ مِن فِعْلِهِ تَعالى، والكَذِبُ قَبِيحٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَوْلِهِمْ بِالحُسْنِ والقُبْحِ الذّاتِيَّيْنِ، وإيجابِهِمْ رِعايَةَ الصَّلاحِ والأصْلَحِ، وأمّا الأشاعِرَةُ فَلَهم - كَما قالَ الآمِدِيُّ - في بَيانِ اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في كَلامِهِ تَعالى القَدِيمِ النَّفْسانِيِّ مَسْلَكانِ: عَقْلِيٌّ وسَمْعِيٌّ، أمّا المَسْلَكُ الأوَّلُ: فَهو أنَّ الصِّدْقَ والكَذِبَ في الخَبَرِ مِنَ الكَلامِ النَّفْسانِيِّ القَدِيمِ لَيْسَ لِذاتِهِ ونَفْسِهِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ كانَ الخَبَرُ صِدْقًا، وإنْ كانَ عَلى خِلافِهِ كانَ كَذِبًا، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ تَعَلَّقَ مِنَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ كَلامُهُ القائِمُ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ لَمْ يَخْلُ إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ العِلْمِ بِهِ أوْ لا، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ الثّانِي، وإلّا لَزِمَ الجَهْلُ المُمْتَنَعُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ فَمَن كانَ عالِمًا بِالشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ لا يَقُومَ بِهِ الإخْبارُ عَنْهُ عَلى ما هو بِهِ، وهو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَوْ قامَ بِنَفْسِهِ الإخْبارَ عَنْهُ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ عالِمًا بِهِ مُخْبِرًا عَنْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ لَقامَ بِالنَّفْسِ الخَبَرُ الصّادِقُ والكاذِبُ بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وبُطْلانُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً مِن أنْفُسِنا إنّا حالَ ما نَكُونُ عالِمَيْنِ بِالشَّيْءِ يُمْكِنُنا أنْ نُخْبِرَ بِالخَبَرِ الكاذِبِ، ونَعْلَمَ كَوْنَنا كاذِبِينَ، ولَوْلا إنّا عالِمُونَ بِالشَّيْءِ المُخْبَرِ عَنْهُ لَما تُصُوِّرُ عِلْمُنا بِكَوْنِنا كاذِبِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الخَبَرَ الَّذِي نَعْلَمُ مِن أنْفُسِنا كَوْنَنا كاذِبِينَ فِيهِ إنَّما هو الخَبَرُ اللِّسانِيُّ، وأمّا النَّفْسانِيُّ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّةَ عِلْمِنا بِكَذِبِهِ حالَ الحُكْمِ بِهِ.

وأمّا المَسْلَكُ الثّانِي: فَهو أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صِدْقُ الرَّسُولِ  بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ القاطِعَةِ فِيما هو رَسُولٌ فِيهِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ.

وقَدْ نُقِلَ عَنْهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ، وأنَّ الكَذِبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، ونَظَرَ فِيهِ الآمِدِيُّ بِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: صِحَّةُ السَّمْعِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ  وصِدْقُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ تَحَدِّيهِ بِالرِّسالَةِ نازِلٌ مَنزِلَةَ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ في دَعَواهُ، فَلَوْ جازَ الكَذِبُ عَلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا في تَصْدِيقِهِ لَهُ، ولا يَكُونُ الرَّسُولُ صادِقًا، وإذا تَوَقَّفَ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ كانَ دَوْرًا.

لا يُقالُ إثْباتُ الرِّسالَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ دَوْرًا، فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ إثْباتُ الرِّسالَةِ عَلى الإخْبارِ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَتّى يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ والكَذِبُ، بَلْ عَلى إظْهارِ المُعْجِزَةِ عَلى وفْقِ تَحَدِّيهِ، وهو مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الإنْشاءِ، وإثْباتُ الرِّسالَةِ وجَعْلُهُ رَسُولًا في الحالِ كَقَوْلِ القائِلِ: وكَّلْتُكَ في أشْغالِي، واسْتَنَبْتُكَ في أُمُورِي، وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي تَصْدِيقًا ولا تَكْذِيبًا إذْ يُقالُ حِينَئِذٍ: فَلَوْ ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِ شَخْصٍ لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ التَّحَدِّي بِناءً عَلى جِوارِهِ عَلى أُصُولِ الجَماعَةِ لَمْ تَكُنِ المُعْجِزَةُ دالَّةً عَلى ثُبُوتِ رِسالَتِهِ إجْماعًا، ولَوْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ مُنَزَّلٍ مَنزِلَةَ الإنْشاءِ لِرِسالَتِهِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولًا مُتَّبَعًا بَعْدَ ظُهُورِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ الإنْشاءِ مَشْرُوطًا بِالتَّحَدِّي بَعِيدٌ بِالنَّظَرِ إلى حُكْمِ الإنْشاءاتِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ غايَتُهُ ثُبُوتُ الرِّسالَةِ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صادِقًا في كُلٍّ ما يُخْبِرُ بِهِ دُونَ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُخْبِرُ بِهِ، أوْ تَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لَهُ في ذَلِكَ، ولا دَلِيلَ عَقْلِيٍّ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وتَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى لَهُ تَوَقَّفَ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِ، عادَ ما سَبَقَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَذا المَسْلَكَ السَّمْعِيَّ في بَيانِ اسْتِحالَةِ الكَلامِ اللِّسانِيِّ، وهو صَحِيحٌ فِيهِ.

والسُّؤالُ الوارِدُ ثَمَّ مُنْقَطِعٌ هُنا؛ فَإنَّ صِدْقَ الكَلامِ اللِّسانِيِّ وإنْ تَوَقَّفَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ لَكِنَّ صِدْقَ الرَّسُولِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلى صِدْقِ الكَلامِ اللِّسانِيِّ، بَلْ عَلى الكَلامِ اللِّسانِيِّ نَفْسِهِ، فامْتَنَعَ الدَّوْرُ المُمْتَنَعُ.

وفِي المَواقِفِ: الِاسْتِدْلالُ عَلى امْتِناعِ الكَذِبِ عَلَيْهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ نَقْصٌ، والنَّقْصُ مَمْنُوعٌ إجْماعًا، وأيْضًا فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَحْنُ أكْمَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، أعْنِي وقْتَ صِدْقِنا في كَلامِنا.

والثّانِي: أنَّهُ لَوِ اتَّصَفَ بِالكَذِبِ سُبْحانَهُ لَكانَ كَذِبًا قَدِيمًا، إذْ لا يَقُومُ الحادِثَ بِذاتِهِ تَعالى، فَيَلْزَمُ أنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الصِّدْقُ، فَإنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحالَ عَدَمُهُ، واللّازِمُ باطِلٌ، فَإنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا أمْكَنَ لَهُ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، وهَذانِ الوَجْهانِ إنَّما يَدُلّانِ عَلى أنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ الَّذِي هو صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى يَكُونُ صادِقًا.

ثُمَّ أتى بِالوَجْهِ الثّالِثِ دَلِيلًا عَلى اسْتِحالَةِ الكَذِبِ في الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والنَّفْسِيِّ عَلى طِرْزِ ما في المَسْلَكِ الثّانِي، وقَدْ عَلِمْتَ ما لِلْآمِدِيِّ فِيهِ، فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ لَكَ الحَقُّ.

<div class="verse-tafsir"

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا ٨٨

﴿ فَما لَكُمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والنَّفْيُ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْبِيخِ لِبَعْضِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي المُنافِقِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ - كَما قالَ السَّمِينُ - أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾ أيْ: فَما لكم تَفْتَرِقُونَ في المُنافِقِينَ، وأنْ يَكُونُ حالًا مِن (فِئَتَيْنِ) أيْ: فِئَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ في المُنافِقِينَ، فَلَمّا قُدِّمَ نُصِبَ عَلى الحالِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وفي انْتِصابِ (فِئَتَيْنِ) وجْهانِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكُمْ) المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِنِيابَتِهِ عَنْهُ، وهَذِهِ الحالُ لازِمَةٌ لا يَتِمُّ الكَلامُ بِدُونِها، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ في هَذا التَّرْكِيبِ وما شابَهَهُ.

وثانِيهُما: وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ خَبَرُ كانَ مَقْدِرَةً، أيْ: ما لكم في شَأْنِهِمْ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ، ورُدَّ بِالتِزامِ تَنْكِيرِهِ في كَلامِهِمْ، نَحْوُ: ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ).

﴾ وأمّا ما قِيلَ عَلى الأوَّلِ مِن أنَّ كُونَ ذِي الحالِ بَعْضًا مِن عامِلِهِ غَرِيبٌ، لا يَكادُ يَصِحُّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ فَلا يَكُونُ مَعْمُولًا لَهُ، ولا يَجُوزُ اخْتِلافُ العامِلِ في الحالِ وصاحِبِها، فَمِن فَلْسَفَةِ النَّحْوِ كَما قالَ الشِّهابُ، والمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِلْمُخاطَبِينَ شَيْءٌ مُصَحِّحٌ لِاخْتِلافِهِمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ، وبَيانِ وُجُوبِ قَطْعِ القَوْمَ بِكُفْرِهِمْ وإجْرائِهِمْ مَجْرى المُجاهِرِينَ في جَمِيعِ الأحْكامِ، وذِكْرُهم بِعُنْوانِ النِّفاقِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِمُ السّابِقِ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ««هم قَوْمٌ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ حَتّى جاءُوا المَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهاجِرِينَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، فاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ  إلى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضائِعَ لَهم يَتَّجِرُونَ فِيها، فاخْتَلَفَ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ فَقائِلٌ يَقُولُ: هم مُنافِقُونَ، وقائِلٌ يَقُولُ: هم مُؤْمِنُونَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهُمْ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَ بِقَتْلِهِمْ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «هم ناسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وأقامُوا بِمَكَّةَ، وأعْلَنُوا الإيمانَ ولَمْ يُهاجِرُوا، فاخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَوَلّاهم ناسٌ، وتَبَرَّأ مِن ولايَتِهِمْ آخَرُونَ، وقالُوا: تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يُهاجِرُوا، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مُنافِقِينَ، وبَرَّأ المُؤْمِنِينَ مِن ولايَتِهِمْ، وأمَرَهم أنْ لا يَتَوَلَّوْهم حَتّى يُهاجِرُوا».

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأحْمَدُ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  «خَرَجَ إلى أُحُدٍ فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  فِيهِمْ (فِئَتَيْنِ) فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ فَما لَكم في المُنافِقِينَ ﴾ الآيَةَ كُلَّها».

ويُشْكَلُ عَلى هَذا ما سَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن جَعْلِ هِجْرَتِهِمْ غايَةً لِلنَّهْيِ عَنْ تَوْلِيَتِهِمْ إلّا أنْ يُصْرَفَ عَنِ الظّاهِرِ كَما سَتَعْلَمُهُ.

وقِيلَ: هُمُ العُرَنِيُّونَ، الَّذِينَ أغارُوا عَلى السَّرْحِ، وأخَذُوا يَسارًا راعِيَ رَسُولِ اللَّهِ  ومَثَّلُوا بِهِ، فَقَطَعُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وغَرَزُوا الشَّوْكَ في لِسانِهِ وعَيْنَيْهِ حَتّى ماتَ، ويَرُدُّهُ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِكَيْفِيَّةِ المُعامَلَةِ مَعَهم في السِّلْمِ والحَرْبِ، وهَؤُلاءِ قَدْ أُخِذُوا وفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ مِنَ المُثْلَةِ والقَتْلِ، ولَمْ يُنْقَلْ في أمْرِهِمُ اخْتِلافُ المُسْلِمِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا ﴾ حالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، مُفِيدٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ السّابِقِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والرّابِطُ الواوُ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا مَوْصُولَةٌ.

وأرْكَسَ ورَكَسَ بِمَعْنًى، واخْتُلِفَ في مَعْنى الرَّكْسِ لُغَةً، فَقِيلَ: الرَّدُّ كَما قِيلَ في قَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: فَأُرْكِسُوا في جَحِيمِ النّارِ أنَّهم كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والمَعْنى حِينَئِذٍ: واللَّهُ تَعالى رَدَّهم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الِارْتِدادِ واللُّحُوقِ بِالمُشْرِكِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أوْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وقِيلَ: هو قَرِيبٌ مِنَ النَّكْسِ، وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى رَماهم مُنَكَّسِينَ، فَهو أبْلَغُ مِنَ التَّنْكِيسِ؛ لِأنَّ مَن يَرْمِي مُنَكَّسًا في هُوَّةٍ قَلَّما يَخْلُصُ مِنها، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ بِكَسْبِهِمُ الكُفْرَ أوْ بِما كَسَبُوهُ مِنهُ قَلَبَ حالَهم ورَماهم في حُفَرِ النِّيرانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّهُ فَسَّرَ (أرْكَسَهُمْ) بِـ(أضَلَّهُمْ) وقَدْ جاءَ الإرْكاسُ بِمَعْنى الإضْلالِ، ومِنهُ: وأرْكَسَتْنِي عَنْ طَرِيقِ الهُدى ∗∗∗ وصَّيْرَتْنِي مَثَلًا لِلْعِدا.

وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: المَعْنى: حَبَسَهم في جَهَنَّمَ، والبُخارِيُّ عَنْهُ أنَّ المَعْنى بَبَّدَهُمْ، أيْ: فَرَّقَهم وفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: أهْلَكَهُمْ، ولَعَلَّها مَعانٍ تَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ (رُكِسُوا) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَدْ قُرِئَ (رَكَّسَهُمْ) مُشَدَّدًا.

﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ تَوْبِيخٌ لِلْفِئَةِ القائِلَةِ بِإيمانِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ عَلى زَعْمِهِمْ ذَلِكَ، وإشْعارٌ بِأنْ يُؤَدِّي إلى مُحاوَلَةِ المُحالِ الَّذِي هو هِدايَةُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ بِإيمانِهِمْ وادِّعاءَ اهْتِدائِهِمْ مَعَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ سَعْيٌ في هِدايَتِهِمْ وإرادَةٌ لَها، فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ (المُنافِقُونَ) إلّا أنْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ، وتَأْكِيدِ اسْتِحالَةِ الهِدايَةِ بِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وحِمْلِهِ عَلى العُمُومِ، والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا - كَما زَعَمَهُ أبُو حَيّانَ - لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ بِبَيانِ أنَّ إرادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ فَضْلًا عَنْ إمْكانِ نَفْسِهِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ الجَماعَةِ، وحَمْلُ الهِدايَةِ والإضْلالِ عَلى الحُكْمِ بِها خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ الخَلْقُ، أيْ: مَن يُخْلَقُ فِيهِ الضَّلالُ كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ هُنا مَن تَقَدَّمَ دُخُولًا أوَّلِيًّا (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) مِنَ السُّبُلِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ في (تَجِدَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ لِلْكُلِّ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، ونَفْيُ وِجْدانِ السَّبِيلِ أبْلَغُ مَن نَفْيِ الهادِي، وحَمْلُ إضْلالِهِ تَعالى عَلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ بِالضَّلالِ مُخِلٌّ بِحُسْنِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وجَعْلُ السَّبِيلِ بِمَعْنى الحُجَّةِ، وأنَّ المَعْنى: مَن يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى في حُكْمِهِ ضالًّا فَلَنْ تَجِدَ لَهُ في ضَلالَتِهِ حُجَّةً - كَما قالَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ - لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

والجُمْلَةُ إمّا اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ، مُؤَكِّدٌ لِاسْتِحالَةِ الهِدايَةِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُرِيدُونَ) أوْ (تَهْدُوا) والرّابِطُ الواوُ.

<div class="verse-tafsir"

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

﴿ ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ بَيانٌ لِغُلُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ، وتَصَدِّيهِمْ لِإضْلالِ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ و(لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ لا جَوابَ لَها، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَما كَفَرُوا ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَلِكَ المَصْدَرِ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، ولا دَلالَةَ فِي نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُمُ اسْتِقْلالًا لا دَخْلَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى صَرْفِ ما تَقَدَّمَ عَنْ ظاهِرِهِ كَما زَعَمَهُ ابْنُ حَرْبٍ؛ لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ لَها نِسْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الخَلْقِ، ونِسْبَةٌ إلى العِبادِ بِاعْتِبارِ الكَسْبِ، بِالمَعْنى الَّذِي حَقَّقْناهُ فِيما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَكُونُونَ سَواءً ﴾ عَطْفٌ عَلى (لَوْ تَكْفُرُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّمَنِّي، أيْ: ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ فَتَكُونُونَ مُسْتَوِينَ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وجُوَّزَ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (لَوْ) عَلى بابِها، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، كَمَفْعُولِ (ودَّ) أيْ: ودُّوا كُفْرَكم لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا (فَتَكُونُونَ سَواءً) فَسُرُّوا بِذَلِكَ.

﴿ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، وجُمِعَ (أوْلِياءَ) مُراعاةً لِجَمْعِ المُخاطَبِينَ، فَإنَّ المُرادَ نَهْيُ كُلٍّ مِنَ المُخاطَبِينَ عَنِ اتِّخاذِ كُلٍّ مِنَ المُنافِقِينَ ولِيًّا، أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ مِنَ الوِدادَةِ فَلا تُوالُوهم.

﴿ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: حَتّى يُؤْمِنُوا، وتُحَقِّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ هي لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  - لا لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، وأصْلُ السَّبِيلِ الطَّرِيقُ، واسْتُعْمِلَ كَثِيرًا في الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ تَعالى، وهي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ.

وقَدْ نُصَّ في التَّيْسِيرِ عَلى أنَّها كانَتْ فَرْضًا في صَدْرِ الإسْلامِ، ولِلْهِجْرَةِ ثَلاثُ اسْتِعْمالاتٍ: أحُدُها: الخُرُوجُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، وهو الِاسْتِعْمالُ المَشْهُورُ.

وثانِيها: تَرْكُ المَنهِيّاتِ.

وثالِثُها: الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وعَلَيْهِ حَمَلَ الهِجْرَةَ مَن قالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن رَجَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، عَلى ماحَكاهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، وجَزَمَ بِهِ الخازِنُ.

﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ مِنَ الحِلِّ والحَرَمِ، فَإنَّ حُكْمَهم حُكْمُ سائِرِ المُشْرِكِينَ أسْرًا وقَتْلًا، وقِيلَ: المُرادُ القَتْلُ لا غَيْرُ، إلّا أنَّ الأمْرَ بِالأخْذِ لِتَقَدُّمِهِ عَلى القَتْلِ عادَةً.

﴿ ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ أيْ: جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً، ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ونُصْرَةً أبَدًا، كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ المُضارِعُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ أوِ التَّكْرِيرِ المُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ <div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا ٩٠

﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ ﴾ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكم ولَمْ يُحارِبُوكُمْ، وهم بَنُو مُدْلِجٍ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ المُدْلِجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: ««لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى أهْلِ بَدْرٍ وأُحُدٍ وأسْلَمَ مَن حَوْلَهم قالَ سُراقَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -يُرِيدُ أنْ يَبْعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى قَوْمِي مِن بَنِي مُدْلِجٍ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أنْشُدُكَ النِّعْمَةَ، فَقالُوا: مَهْ!

فَقالَ: دَعُوهُ، ما تُرِيدُ؟

قُلْتُ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَبْعَثَ إلى قَوْمِي، وأنا أُرِيدُ أنْ تُوادِعَهم فَإنْ أسْلَمَ قَوْمُكَ أسْلَمُوا ودَخَلُوا في الإسْلامِ، وإنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ تَخْشَ بِقُلُوبِ قَوْمِكَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ  بِيَدِ خالِدٍ فَقالَ: اذْهَبْ مَعَهُ فافْعَلْ ما يُرِيدُ، فَصالَحَهم خالِدٌ عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وإنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا مَعَهُمْ، ومَن وصَلَ إلَيْهِمْ مِنَ النّاسِ كانُوا عَلى مِثْلِ عَهْدِهِمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ودُّوا ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ ﴾ فَكانَ مَن وصَلَ إلَيْهِمْ كانُوا مَعَهم عَلى عَهْدِهِمْ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وسُراقَةَ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي جَذِيمَةَ بْنِ عامِرٍ.

ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ في (لا تَتَّخِذُوا) وإنْ كانَ أقْرَبَ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلِيِّ مِنهم حَرامٌ مُطْلَقًا.

﴿ أوْ جاءُوكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ: والَّذِينَ (جاءُوكُمْ) كافِّينَ مِن قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمْ، فَقَدِ اسْتُثْنِي مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَرِيقانِ: مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ ولَحِقَ بِالمُعاهَدِينَ، ومَن أتى المُؤْمِنِينَ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَطْفٌ عَلى صِفَةِ القَوْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهَدِينَ أوْ إلى قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم وعَلَيْكم.

والأوَّلُ أرْجَحُ رِوايَةً ودِرايَةً؛ إذْ عَلَيْهِ يَكُونُ لِمَنعِ القِتالِ سَبَبانِ: الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ السَّبَبانِ: الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، لَكِنْ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي: ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ إلَخْ يُقَرِّرُ أنَّ أحَدَ السَّبَبَيْنِ هو الكَفُّ عَنِ القِتالِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ مُسَبَّبٌ عَنِ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْعَطْفِ عَلى الصِّلَةِ، إذْ لَوْ عُطِفَ عَلى الصِّفَةِ كانَ أحَدَ السَّبَبَيْنِ الِاتِّصالُ بِالكافِّينَ لا الكَفُّ عَنِ القِتالِ، فَإنْ قِيلَ: لَوْ عُطِفَ عَلى الصِّفَةِ تَحَقَّقَتِ المُناسِبَةُ أيْضًا؛ لَأنَّ سَبَبَ مَنعِ التَّعَرُّضِ حِينَئِذٍ الِاتِّصالُ بِالمُعاهَدِينَ والِاتِّصالُ بِالكافِّينَ، والِاتِّصالُ بِهَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ سَبَبٌ لِلدُّخُولِ في حُكْمِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ يُبَيِّنُ حُكْمَ الكافِّينَ لِسَبْقِ حُكْمِ المُتَّصِلِينَ بِهِمْ أُجِيبَ: بِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ أظْهَرُ، وأُجْرِي عَلى أُسْلُوبِ كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم إذا اسْتَثْنَوْا بَيَّنُوا حُكْمَ المُسْتَثْنى تَقْرِيرًا وتَوْكِيدًا.

وقالَ الإمامُ: جَعْلُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ أوْلى مِن جَعْلِ الِاتِّصالِ بِمَن يَكُفُّ عَنِ القِتالِ سَبَبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ بَعِيدٌ، عَلى أنَّ المُتَّصِلِينَ بِالمُعاهَدِينَ لَيْسُوا مُعاهَدِينَ، لَكِنْ لَهم حُكْمُهُمْ، بِخِلافِ المُتَّصِلِينَ بِالكافِّينَ فَإنَّهم إنْ كَفُّوا فَهم هُمْ، وإلّا فَلا أثَرَ لَهُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ (جاءُوكُمْ) بِغَيْرٍ (أوْ) عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ المِيثاقُ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ؟

فَقِيلَ: (جاءُوكُمْ)، إلَخْ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ السُّؤالُ: كَيْفَ وصَلُوا إلى المُعاهَدِينَ ومِن أيْنَ عُلِمَ ذَلِكَ؟

ولَيْسَ بِشَيْءٍ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِـ(قَوْمٍ)، أوَ بِيانٌ لِـ(يَصِلُونَ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وضَعَّفَ أبُو حَيّانَ البَيانَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ في الأفْعال، والبَدَلَ بِأنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ، ولا بَعْضَهُ، ولا مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الِانْتِهاءَ إلى المُعاهَدِينَ والِاتِّصالَ بِهِمْ حاصِلُهُ الكَفُّ عَنِ القِتالِ، فَصَحَّ جَعْلُ مَجِيئِهِمْ إلى المُسْلِمِينَ - بِهَذِهِ الصِّفَةِ وعَلى هَذِهِ العَزِيمَةِ - بَيانًا لِاتِّصالِهِمْ بِالمُعاهَدِينَ، أوْ بَدَلًا مِنهُ، كُلًّا أوْ بَعْضًا أوِ اشْتِمالًا، وكَوْنُ ذَلِكَ لا يَجْرِي في الأفْعال لا يَقُولُ بِهِ أهْلُ المَعانِي، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى حَذْفِ العاطِفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ: (حَصِرَةٌ صُدُورُهُمْ) وكَذا قِراءَةُ: (حَصِراتٌ) و(حاصِراتٌ) واحْتِمالُ الوَصْفِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ لِـ(قَوْمٍ) لِاسْتِواءِ النَّصْبِ والجَرِّ بِعِيدٌ.

وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ (جاءُوا) أيْ: جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وما قِيلَ: إنَّ المَقْصُودَ بِالحالِيَّةِ هو الوَصْفُ لِأنَّها حالٌ مُوَطِّئَةٌ فَلا بُدَّ مِن قَدْ، سِيَّما عِنْدَ حَذْفِ المَوْصُوفِ، فَما ذُكِرَ التِزامٌ لِزِيادَةِ الإضْمارِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

وقِيلَ: بَيانٌ لِـ(جاءُوكُمْ) وذَلِكَ كَما الطِّيِبِيُّ؛ لِأنَّ مَجِيئَهم غَيْرَ مُقاتِلِينَ و(حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكُمْ) بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: مِن جِهَةِ أنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الِاتِّصالُ وتَرْكُ المُعانَدَةِ والمُقاتَلَةِ لا حَقِيقَةُ المَجِيءِ، أوْ مِن جِهَةِ أنَّهُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةٍ المَجِيءِ، وقِيلَ: يَدُلُّ اشْتِمالُ مَن (جاءُوكُمْ) لِأنَّ المَجِيءَ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَصْرِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: إنَّها جُمْلَةٌ دُعائِيَّةٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلدُّعاءِ عَلى الكُفّارِ بِأنْ لا يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، بَلْ بِأنْ يَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ وقَتْلٌ، والحَصَرُ بِفُتْحَتَيْنِ الضِّيقُ والِانْقِباضُ.

﴿ أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يُقاتِلُوكُمْ، أوْ لِأنْ، أوْ كَراهَةَ أنْ، ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ ﴾ بِأنْ قَوّى قُلُوبَهُمْ، وبَسَطَ صُدُورَهُمْ، وأزالَ الرُّعْبَ عَنْهم ﴿ فَلَقاتَلُوكُمْ ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكُمْ، واللّامُ جَوابِيَّةٌ لِعَطْفِهِ عَلى الجَوابِ، ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ لَوْ، وسَمّاها مَكِّيٌّ وأبُو البَقاءِ لامَ المُجازاةِ والِازْدِواجِ، وهي تَسْمِيَةٌ غَرِيبَةٌ، وفي الإعادَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ جَوابٌ مُسْتَقِلٌّ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ.

وقُرِئَ (فَلَقَتَلُوكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ ولَمْ يَعْتَرِضُوا لَكم ﴿ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ مَعَ ما عَلِمْتُمْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ أيِ: الصُّلْحَ فانْقادُوا واسْتَسْلِمُوا، وكانَ إلْقاءُ السَّلَمِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ مَن سَلَّمَ شَيْئًا ألْقاهُ وطَرَحَهُ عِنْدَ المُسَلَّمِ لَهُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها ﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وفي نَفْيِ جَعْلِ السَّبِيلِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ؛ لِأنَّ مِن لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لَهُ.

وهَذِهِ الآياتُ مَنسُوخَةُ الحُكْمِ بِآيَةِ بَراءَةَ ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًۭا ٩١

﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾ هم أُناسٌ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ  فَيُسْلِمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا نَبِيَّ اللَّهِ تَعالى  ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، فَأبى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: الآيَةُ في حَقِّ المُنافِقِينَ ﴿ كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ ﴾ أيْ: دُعُوا إلى الشِّرْكِ - كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وقِيلَ: إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ ﴿ أُرْكِسُوا فِيها ﴾ أيْ: قُلِّبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ وأشْنَعَهُ.

يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ: بِماذا آمَنتَ؟

بِهَذا القِرْدِ والعَقْرَبِ والخُنْفُساءِ ﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ بِالكَفِّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَكم بِوَجْهٍ ما ﴿ ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ أيْ: ولَمْ يُلْقُوا إلَيْكُمُ الصُّلْحَ والمُهادَنَةَ ﴿ ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُفُّوا أنْفُسَهم عَنْ قِتالِكم.

﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهم وأصَبْتُمُوهُمْ، أوْ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهُمْ، وعَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِلْآيَةِ الأُولى، وبَيْنَهُما تَقابُلٌ إمّا بِالإيجابِ والسَّلْبِ وإمّا بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ؛ لِأنَّ إحْداهُما عَدَمِيَّةٌ والأُخْرى وُجُودِيَّةٌ، ولَيْسَ بَيْنَهُما تَقابُلُ التَّضادِّ ولاَ تَقابُلُ التَّضايُفِ؛ لِأنَّهُما عَلى ما قَرَّرُوا لا يُوجَدانِ إلّا بَيْنَ أمْرَيْنِ وُجُودِيَّيْنِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ويُلْقُوا ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وألْقَوْا ﴾ وقَوْلُهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ ويَكُفُّوا ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فالمُقَدَّمُ مُرَكَّبٌ مِن ثَلاثَةِ أجْزاءٍ في الآيَتَيْنِ، وهي في الآيَةِ الأُولى الِاعْتِزالُ وعَدَمُ القِتالِ وإلْقاءُ السَّلَمِ، فَبِهَذِهِ الأجْزاءِ تَمَّ الشَّرْطُ، وجَزاؤُهُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهم بِالأخْذِ والقَتْلِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ عَدَمُ الِاعْتِزالِ وعَدَمُ إلْقاءِ السَّلَمِ وعَدَمُ الكَفِّ عَنِ القِتالِ، فَبِهَذِهِ الأجْزاءِ الثَّلاثَةِ تَمَّ الشَّرْطُ، وجَزاؤُهُ الأخْذُ والقَتْلُ المُصَرَّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ).

﴾ ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ (ويَكُفُّوا) بِمَعْنى (لَمْ يَكُفُّوا) عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ لا عَلى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ سُقُوطِ النُّونِ الَّذِي هو عَلامَةُ الجَزْمِ، وعَطْفُهُ عَلى النَّفْيِ والجَزْمُ بِـ(أنِ) الشَّرْطِيَّةِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّناقُضَ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ﴾ إنْ لَمْ يَكُفُّوا، وإذا عُطِفَ و(يَكُفُّوا) عَلى النَّفْيِ يَلْزَمُ اجْتِماعُ عَدَمِ الكَفِّ والكَفِّ، وكَلامُ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وكَذا لا يَصِحُّ كَوْنُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و(يَكُفُّوا) جُمْلَةً حالِيَّةً، أوِ اسْتِئْنافِيَّةً بَيانِيَّةً، أوْ نَحْوِيَّةً، لِاسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما التَّناقُضَ، مَعَ أنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ النُّونِ في (يَكُفُّوا) عَلى ما هو المَعْهُودُ في مِثْلِهِ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ الجَزاءَ في الأوَّلِ مُرَتَّبًا عَلى شَيْئَيْنِ، وفي الثّانِيَةِ عَلى ثَلاثَةٍ، والسِّرُّ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى مَزِيدِ خَباثَةِ هَؤُلاءِ الآخَرِينَ، وكَلامُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ - بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - في هَذا المَقامِ لا يَخْلُو عَنْ تَعْقِيدٍ، ورُبَّما لا يُوجَدُ لَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ إلّا بَعْدَ عِنايَةٍ وتَكَلُّفٍ، فَتَأمَّلْ جِدًّا ﴿ وأُولَئِكُمْ ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ.

﴿ جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً فِيما أمَرْناكم بِهِ في حَقِّهِمْ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ ووُضُوحِ كُفْرِهِمْ وخَباثَتِهِمْ، أوْ تَسَلُّطًا لا خَفاءَ فِيهِ حَيْثُ أذِنّا لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ٩٢

﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وقِيلَ: لَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ في قِتالِ الكُفّارِ ذَكَرَ إثْرَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمُحارَبَةِ في الجُمْلَةِ أيْ: ما صَحَّ لَهُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ ﴿ أنْ يَقْتُلَ ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿ مُؤْمِنًا ﴾ فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ ﴿ إلا خَطَأً ﴾ فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وقَلَّما يَخْلُو المُقاتِلُ عَنْهُ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ: ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، فالِاسْتِثْناءُ في جَمِيعِ ذَلِكَ مُفَرَّغٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى ما يُفْهِمُهُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، ولا يَلْزَمُ جَوازُ القَتْلِ خَطَأً شَرْعًا، حَيْثُ كانَ المَعْنى: إنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ لا يَقْتُلَ إلّا خَطَأً.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يُذْكَرُ، وقِيلَ: (إلّا) بِمَعْنى (ولا)، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا عَمْدًا ولا خَطَأً، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن مُؤْمِنٍ أيْ: إلّا خاطِئًا، والمُخْتارُ مَعَ الفَصْلِ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّصْبُ، والخَطَأُ ما لا يُقارِنُهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوِ الشَّخْصِ، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًا، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، وقُرِئَ (خَطاءً) بِالمَدِّ، و(خَطًا) بِوَزْنِ عَمًى بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ، «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيَّ - وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ والحَرْثِ بْنِ هِشامٍ لِأُمِّهِما - أسْلَمَ وهاجَرَ إلى النَّبِيِّ  وكانَ أحَبَّ ولَدِ أُمِّهِ إلَيْها فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْها، فَحَلَفَتْ أنْ لا يَظِلَّها سَقْفُ بَيْتٍ حَتّى تَراهُ، فَأقْبَلَ أبُو جَهْلٍ والحَرْثُ حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَأخْبَرا عَيّاشًا بِما لَقِيَتْ أُمُّهُ، وسَألاهُ أنْ يَرْجِعَ مَعَهُما فَتَنْظُرَ إلَيْهِ، ولا يَمْنَعاهُ أنْ يَرْجِعَ، وأعْطَياهُ مَوْثِقًا أنْ يُخَلِّيا سَبِيلَهُ بَعْدَ أنْ تَراهُ أُمُّهُ، فانْطَلَقَ مَعَهُما، حَتّى إذا خَرَجا مِنَ المَدِينَةِ عَمَدا إلَيْهِ فَشَدّاهُ وِثاقًا، وجَلَداهُ نَحْوًا مِن مِائَةِ جِلْدَةٍ، وأعانَهُما عَلى ذَلِكَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ، فَحَلَفَ عِياشٌ لَيَقْتُلَنَّ الكِنانِيَّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَقَدِما بِهِ مَكَّةَ فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتّى فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ  - مَكَّةَ، فَخَرَجَ عِياشٌ فَلَقِيَ الكِنانِيَّ وقَدْ أسْلَمَ، وعِياشٌ لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ، فَأُخْبِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ فَنَزَلَتْ،» ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، كانَ في سَرِيَّةٍ فَعَدَلَ أبُو الدَّرْداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجَةً لَهُ، فَوَجَدَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ في غَنَمٍ لَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَبَدَرَ، فَضَرَبَهُ ثُمَّ جاءَ بِغَنَمِهِ إلى القَوْمِ، ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَأتى إلى النَّبِيِّ  فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ألا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ، وقَدْ أخْبَرَكَ بِلِسانِهِ فَلَمْ تُصَدِّقْهُ!

فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: فَكَيْفَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ»!

وتَكَرَّرَ ذَلِكَ، قالَ أبُو الدَّرْداءِ: فَتَمَنَّيْتُ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مُبْتَدَأ إسْلامِي، ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ».

﴿ ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ، أيْ: فَواجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ الإعْتاقُ، وأصْلُ مَعْناهُ: جَعَلَهُ حُرًّا أيْ: كَرِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُكَرَّمٍ: حُرٌّ، ومِنهُ حُرُّ الوَجْهِ (لِلْخَدِّ) وأحْرارُ الطَّيْرِ، وكَذا تَحْرِيرُ الكِتابِ مِن هَذا أيْضًا.

والمُرادُ بِالرَّقَبَةِ النَّسَمَةُ تَعْبِيرًا عَنِ الكُلِّ بِالجُزْءِ، قالَ الرّاغِبُ: إنَّها في المُتَعارَفِ لِلْمَمالِيكِ، كَما يُعَبَّرُ بِالرَّأْسِ والظَّهْرِ عَنِ المَرْكُوبِ فَيُقالُ: فُلانٌ يَرْبُطُ كَذا رَأْسًا، وكَذا ظَهْرًا.

﴿ مُؤْمِنَةٍ ﴾ مَحْكُومٌ بِإيمانِها، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، والحَسَنِ: لا يُجْزِئُ في كَفّارَةِ القَتْلِ الطِّفْلُ ولا الكافِرُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يُجْزِئُ فِيها صَبِيٌّ) وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ جَوازَ عِتْقِ كِتابِيٍّ صَغِيرٍ أوْ مَجُوسِيٍّ كَبِيرٍ أوْ صَغِيرٍ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى عَدَمِ إجْزاءِ نِصْفِ رَقَبَةٍ ونِصْفِ أُخْرى ﴿ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ أيْ: مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَةِ القَتِيلِ، يَقْتَسِمُونَها بَيْنَهم عَلى حَسَبِ المِيراثِ، فَقَدْ أخْرَجَ أصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ قالَ: ««كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ  يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها»» ويُقْضى مِنها الدَّيْنُ، وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ، ولا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ التَّرِكَةِ، وعَنْ شَرِيكٍ: لا يُقْضى مِنَ الدِّيَةِ دِينٌ، ولا تُنَفَّذُ وصِيَّةٌ.

وعَنْ رَبِيعَةَ: الغُرَّةُ لِأُمِّ الجَنِينِ وحْدَها، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ الجَماعَةِ، وتَجِبُ الرَّقَبَةُ في مالِ القاتِلِ، والدِّيَةُ تَتَحَمَّلُها عَنْهُ العاقِلَةُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ فَهي في بَيْتِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مالِهِ ﴿ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ أيْ: يَتَصَدَّقُ أهْلُهُ عَلَيْهِ، وسَمّى العَفْوَ عَنْها صَدَقَةً حَثًّا عَلَيْهِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، عَنِ النَّبِيِّ  : ««كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»» وهو مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْهِ المُقَدَّرِ قَبْلُ، أوْ بِـ(مُسَلَّمَةٌ) أيْ: فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها في جَمِيعِ الأحْيانِ إلّا حِينَ أنَّ يَتَصَدَّقُ أهْلُهُ بِها، فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ، ولا يَلْزَمُ تَسْلِيمُها، ولَيْسَ فِيهِ - كَما قِيلَ - دَلالَةٌ عَلى سُقُوطِ التَّحْرِيرِ حَتّى يَلْزَمَ تَقْدِيرٌ عَلَيْهِ آخَرُ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ﴾ فالمُنْسَبِكُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ المُنْسَبِكَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ القاتِلِ، أوِ الأهْلِ، أوِ الظَّرْفِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ كِلا التَّخْرِيجَيْنِ خَطَأٌ؛ لِأنَّ (أنْ) والفِعْلَ لا يَجُوزُ وُقُوعُهُما حالًا، ولا مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهُمُ اسْتَشْهَدَ عَلى وُقُوعِ (أنْ) وصِلَتِها مَوْقِعَ ظَرْفِ الزَّمانِ بِقَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَها لا تَنْكِحِيهِ فَإنَّهُ لِأوَّلِ سَهْمٍ أنْ يُلاقِيَ مَجْمَعا أيْ: لِأوَّلِ سَهْمٍ زَمانَ مُلاقاتِهِ، وابْنُ مالِكٍ - كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ - يُقَدِّرُ في الآيَةِ والبَيْتِ حَرْفَ الجَرِّ، أيْ بِأنْ يَصَّدَّقُوا، وبِأنْ يُلاقِيَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا).

﴿ فَإنْ كانَ ﴾ أيِ: المَقْتُولُ خَطَأً ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارٌ يُناصِبُوكُمُ الحَرْبَ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ القاتِلُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ بِأنْ أتاهم بَعْدَ أنْ أسْلَمَ لِمُهِمٍّ، أوْ بِأنْ أسْلَمَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُفارِقْهُمْ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ في مِرْداسِ بْنِ عَمْرٍو لَمّا قَتَلَهُ خَطَأً أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ، إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ ﴿ وإنْ كانَ ﴾ أيِ: المَقْتُولُ المُؤْمِنُ - كَما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ﴿ مِن قَوْمٍ ﴾ كُفّارٍ ﴿ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ أيْ: عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ ﴿ فَدِيَةٌ ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ ﴿ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ مِن أهْلِ الإسْلامِ إنْ وجَدُوا، ولا تُدْفَعُ إلى ذَوِي قَرابَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، وإنَّ كانُوا مُعاهَدِينَ؛ إذْ لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذا الحُكْمِ - كَما قِيلَ - مَعَ تَأْخِيرِ نَظِيرِهِ فِيما سَلَفَ لِلْإشْعارِ بِالمُسارَعَةِ إلى تَسْلِيمِ الدِّيَةِ؛ تَحاشِيًا عَنْ تَوَهُّمِ نَقْضِ المِيثاقِ ﴿ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ كَما هو حُكْمُ سائِرِ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّ إفْرادَهُ بِالذِّكْرِ - كَما قِيلَ - أيْضًا مَعَ انْدِراجِهِ في حُكْمِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً) إلَخْ لِبَيانِ أنَّ كَوْنَهُ فِيما بَيْنَ المُعاهَدِينَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الدِّيَةِ كَما مَنَعَهُ كَوْنُهُ بَيْنَ المُحارِبِينَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَقْتُولِ هُنا أحَدُ أُولَئِكَ القَوْمِ المُعاهَدِينَ، فَيَلْزَمُ قاتِلَهُ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وأداءُ الدِّيَةِ إلى أهْلِهِ المُشْرِكِينَ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي مالِكٍ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ دِيَةَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ سَواءٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلٍّ الكَفّارَةَ والدِّيَةَ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ دِيَتُهُما سِواءً، كَما أنَّ الكَفّارَةَ عَنْهُما سَواءٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ دِيَةَ المُعاهَدِ كانَتْ كَدِيَةِ المُسْلِمِ، ثُمَّ نُقِصَتْ بَعْدُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَجُعِلَتْ مِثْلَ نِصْفِ دِيَةِ المُسْلِمِ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أنَّ دِيَةَ أهْلِ الكِتابِ كانَتْ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ  النِّصْفَ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ،» وبِذَلِكَ أخَذَ مالِكٌ.

وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ، ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثُلُثا عُشْرِها، وزَعَمَ بَعْضُهم وُجُوبَ الدِّيَةِ أيْضًا فِيما إذا كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنا وهو مُؤْمِنٌ لِعُمُومِ الآيَةِ الأُولى، وأنَّ السُّكُوتَ عَنِ الدِّيَةِ في آيَتِهِ لا يُنْفِيها، وإنَّما سُكِتَ عَنْها؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ تُسَلَّمُ إلى أهْلِهِ؛ لِأنَّهم كُفّارٌ، بَلْ تَكُونُ لِبَيْتِ المالِ، فَأرادَ أنْ يُبَيِّنَ بِالسُّكُوتِ أنَّ أهْلَهُ لا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ في المُؤْمِنِ إذا كانَ مِن قَوْمٍ مُعاهَدِينَ، وتُدْفَعُ إلى أهْلِهِ الكُفّارِ، وهم أحَقُّ بِدِيَتِهِ لِعَهْدِهِمْ، ولَعَلَّ هَؤُلاءِ لا يَعُدُّونَ ذَلِكَ إرْثًا؛ إذْ لا يَرِثُ الكافِرُ - ولَوْ مُعاهَدًا - المُسْلِمَ، كَما بُرْهِنَ عَلَيْهِ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ رَقَبَةً يُحَرِّرُها، بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها مِنَ الثَّمَنِ ﴿ فَصِيامُ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ ﴿ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: لا يُفْطِرُ فِيهِما، ولا يَقْطَعُ صِيامَهُما، فَإنْ فَعَلَ - مِن غَيْرِ مُرْضٍ ولا عُذْرٍ - اسْتَقْبَلَ صِيامَهُما جَمِيعًا، فَإنْ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ أوْ عُذْرٌ صامَ ما بَقِيَ مِنهُما، فَإنْ ماتَ ولَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

وأُخْرِجَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: فَمَن لَمْ يَجِدْ دِيَةً أوْ عَتاقَةً فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، وبِهِ أخَذَ مَن قالَ: إنَّ الصَّوْمَ لِفاقِدِ الدِّيَةِ والرَّقَبَةِ يَجْزِيهِ عَنْهُما، والِاقْتِصارُ عَلى تَقْدِيرِ الرَّقَبَةِ مَفْعُولًا هو المُرْوِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: الصِّيامُ لِمَن لَمْ يَجْدِ رَقَبَةً، وأمّا الدِّيَةُ فَواجِبَةٌ لا يُبْطِلُها شَيْءٌ، ثُمَّ قالَ: وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ الدِّيَةَ في الخَطَأِ عَلى العاقِلَةِ، والكَفّارَةَ عَلى القاتِلِ فَلا يُجْزِئُ صَوْمُ صائِمٍ عَمّا لَزِمَ غَيْرَهُ في مالِهِ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لا إطْعامَ في هَذِهِ الكَفّارَةِ، ومَن قالَ: يُنْتَقَلُ إلَيْهِ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الصَّوْمِ، قاسَهُ عَلى الظِّهارِ، وهو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وبِذِكْرِ الكَفّارَةِ في الخَطَأِ دُونَ العَمْدِ مَن قالَ: أنْ لا كَفّارَةَ في العَمْدِ، والشّافِعِيُّ يَقُولُ: هو أوْلى بِها مِنَ الخَطَأِ.

﴿ تَوْبَةً ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: شُرِعَ لَكم ذَلِكَ تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًا لَها، مِن تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّقْصِيرِ بِتَرْكِ الِاحْتِياطِ.

وقِيلَ: التَّوْبَةُ بِمَعْنى التَّخْفِيفِ، أيْ: شُرِعَ لَكم هَذا تَخْفِيفًا عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في عَلَيْهِ بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ حالَ كَوْنِهِ ذا تَوْبَةٍ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، أيْ: تَوْبَةً كائِنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ هَذا القاتِلِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في كَلِّ ما شَرَعَ وقَضى مِنَ الأحْكامِ، الَّتِي مَن جُمْلَتِها ما شَرَعَ وقَضى في شَأْنِهِ <div class="verse-tafsir"

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا ٩٣

﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ بِأنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ بِما يُفَرِّقُ الأجْزاءَ، أوْ بِما لا يُطِيقُهُ البَتَّةَ عالِمًا بِإيمانِهِ، وهو نُصِبَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (يَقْتُلْ).

ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ سَكَّنَ التّاءَ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ ﴿ فَجَزاؤُهُ ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجِنايَتِهِ ﴿ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ﴾ أيْ: ماكِثًا إلى الأبَدِ، أوْ مُكْثًا طَوِيلًا إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَزاؤُهُ أنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ خالِدًا.

وقالَ أبُو البَقاءِ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ أوِ المَنصُوبِ في يُجْزاها المُقَدَّرِ، وقِيلَ: هو مِنَ المَنصُوبِ لا غَيْرُ ويُقَدَّرُ جازاهُ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ صِيغَةً، ومُنِعَ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فَجَزاؤُهُ) لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.

وثانِيهُما: أنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ دَلالَةً واضِحَةً، كَأنَّهُ قِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ، (وغَضِبَ عَلَيْهِ) أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ عَلى ما عَلَيْهِ الأشاعِرَةُ ﴿ ولَعَنَهُ ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ بِجَعْلِ جَزائِهِ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: هو وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ (أنْ) وحُمِلَ الماضِي عَلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ أيْ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وأنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، إلَخْ.

﴿ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: ««نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ ضُبابَةَ الكِنانِيِّ أنَّهُ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ، وكانا بِالمَدِينَةِ، فَوَجَدَ مِقْيَسٌ أخاهُ هِشامًا ذاتَ يَوْمٍ قَتِيلًا في الأنْصارِ في بَنِي النَّجّارِ، فانْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ  فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ ومَعَهُ مِقْيَسٌ إلى بَنِي النَّجّارِ، ومَنازِلُهم يَوْمَئِذٍ بِقُباءٍ، أنِ ادْفَعُوا إلى مِقْيَسٍ قاتِلَ أخِيهِ إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، وإلّا فادْفَعُوا إلَيْهِ الدِّيَةَ، فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ قالُوا: السَّمْعُ والطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِلرَّسُولِ  واللَّهِ تَعالى ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًا، ولَكِنْ نُؤَدِّي الدِّيَةَ، فَدَفَعُوا إلى مِقْيَسٍ مِائَةً مِنَ الأبْلِ دِيَةَ أخِيهِ، فَلَمّا انْصَرَفَ مِقْيَسٌ والفِهْرِيُّ راجِعِينَ مِن قُباءٍ إلى المَدِينَةِ وبَيْنَهُما ساعَةٌ، عَمَدَ مِقْيَسٌ إلى الفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَتَلَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ».

وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ ضَرَبَ بِهِ الأرْضَ، وفَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ورَكِبَ جَمَلًا مِنَ الدِّيَةِ وساقَ مَعَهُ البَقِيَّةَ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، وهو يَقُولُ في شِعْرٍ لَهُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُشْتَمِلَةً عَلى إبْراقٍ وإرْعادٍ وتَهْدِيدٍ شَدِيدٍ وإبْعادٍ، وقَدْ تَأيَّدَتْ بِغَيْرِما خَبَرٍ ورَدَ عَنْ سَيِّدِ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ««كُلُّ ذَنْبٍ عَسى اللَّهُ تَعالى أنْ يَغْفِرَهُ إلّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كافِرًا أوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا»».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَدِّيٍّ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن أعانَ عَلى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ»».

وأخْرَجا عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّ النَّبِيَّ  - قالَ: ««لَزَوالُ الدُّنْيا وما فِيها أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ، ولَوْ أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ لَأدْخَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى النّارَ»».

وفِي رِوايَةِ الأصْبَهانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -قالَ: ««لَوْ أنَّ الثَّقَلَيْنِ اجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِ مُؤْمِنٍ لَأكَبَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَناخِرِهِمْ في النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلى القاتِلِ والآمِرِ»».

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ - ونَحْوِهِ مِنَ القَوارِعِ - المُعْتَزِلَةُ عَلى خُلُودِ مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في النّارِ، وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ في الزَّجْرِ، لا سِيَّما الآيَةُ؛ لِاقْتِضاءِ النَّظْمِ لَهُ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ في آيَةِ الحَجِّ، «وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ - كَما في الصَّحِيحَيْنِ - حِينَ سَألَهُ عَنْ قَتْلِ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ قَطَعَ يَدَهُ في الحَرْبِ: «لا تَقْتُلْهُ؛ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وإنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ»».

وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««نازَلْتُ رَبِّي في قاتِلِ المُؤْمِنِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ تَوْبَةً فَأبى عَلَيَّ»».

وما أخْرَجَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِينا أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا بِجَنْبِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ قاتِلِ المُؤْمِنِ: هَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟

فَقالَ: لا والَذى لا إلَهَ إلّا هو لا يَدْخُلُ الحَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ».

وشاعَ القَوْلُ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْهُ، وهو مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْنا.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حُمَيْدٍ والنَّحّاسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: «لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ» فَجاءَهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ: ألِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ؟

قالَ: «لا إلّا النّارُ» فَلَمّا قامَ الرَّجُلُ قالَ لَهُ جُلَساؤُهُ: ما كُنْتَ هَكَذا تُفْتِينا، كُنْتَ تُفْتِينا أنَّ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةً مَقْبُولَةً، فَما شَأْنُ هَذا اليَوْمِ؟

قالَ: إنِّي أظُنُّهُ رَجُلًا مُغْضَبًا يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، فَبَعَثُوا في أثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ.

وكانَ هَذا أيْضًا شَأْنَ غَيْرِهِ مِنَ الأكابِرِ، فَقَدْ قالَ سُفْيانُ: كانَ أهْلُ العِلْمِ إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ، فَإذا ابْتُلِيَ رَجُلٌ قالُوا لَهُ: تُبْ.

وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخُلُودِ في الآيَةِ المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّوامُ؛ لِتَظاهُرِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ: ﴿ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ إنْ هو جازاهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  - قِيلَ: وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يَزْجُرُهُ عَنْ أمْرٍ: إنْ فَعَلْتَهُ فَجَزاؤُكَ القَتْلُ والضَّرْبُ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُجازِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ كَذِبًا، والأصْلُ في هَذا عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ الوَعِيدَ، وإنِ امْتَنَعَ أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، وبِهَذا ورَدَّتِ السُّنَّةُ.

فَفِي حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««مَن وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَمَلِهِ ثَوابًا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ، ومَن أوْعَدَهُ عَلى عَمَلِهِ عِقابًا فَهو بِالخِيارِ»».

ومِن أدْعِيَةِ الأئِمَّةِ الصّادِقِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: يا مَن إذا وعَدَ وفا، وإذا تَوَعَّدُ عَفا، وقَدِ افْتَخَرَتِ العَرَبُ بِخُلْفِ الوَعِيدِ ولَمْ تَعُدَّهُ نَقْصًا، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ قِسْمٌ مِن أقْسامِ الخَبَرِ، وإذا جازَ الخُلْفُ فِيهِ وهو كَذِبٌ لِإظْهارِ الكَرَمِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في القِصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وفَتْحُ ذَلِكَ البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في الشَّرائِعِ كُلِّها.

والقائِلُونَ بِالعَفْوِ عَنْ بَعْضِ المُتَوَعِّدِينَ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ آياتِ الوَعِيدِ إنْشاءٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها إخْبارٌ، إلّا أنَّ هُناكَ شَرْطًا مَحْذُوفًا لِلتَّرْهِيبِ، فَلا خُلْفَ بِالعَفْوِ فِيها وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى تَفْرِيعِ ما نَحْنُ فِيهِ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ لا بِأنَّهُ يَجْزِيهِ كَيْفَ لا وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ ولَوْ كانَ هَذا إخْبارًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لَعارَضَهُ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ أبِي صالِحٍ، وبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، واعْتَرَضَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ ما لا يُفْعَلُ لا يُسَمّى جَزاءً، ألا تَرى أنَّ الأجِيرَ إذا اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ فالدَّراهِمُ الَّتِي عِنْدَ مُسْتَأْجِرِهِ لا تُسَمّى جَزاءً ما لَمْ تُعْطَ لَهُ وتَصِلْ إلَيْهِ!

وتَعَقَّبَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَحَقِّ سَواءٌ فُعِلَ أمْ لَمْ يُفْعَلْ، ولِهَذا يُقالُ: جَزاءُ المُحْسِنِ الإحْسانُ وجَزاءُ المُسِئُ الإساءَةُ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ المُحْسِنُ والمُسِئُ حَتّى يُقالَ: فُعِلَ ذَلِكَ مَعَهُما أوْ لَمْ يُفْعَلْ، ويُقالُ لِمَن قَتَلَ غَيْرَهُ: جَزاءُ هَذا أنْ يُقْتَلَ، وهو كَلامٌ صادِقٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلِ القَتْلَ، وإنَّما لا يُقالُ لِلدَّراهِمِ: إنَّها جَزاءُ الأجِيرِ؛ لِأنَّ الأجِيرَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ في الذِّمَّةِ لا في الدَّراهِمِ المُعَيَّنَةِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أنْ يُعْطِيَهُ مِنها ومِن غَيْرِها.

واعْتُرِضَ بِأنّا سَلَّمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ في الجَزاءِ أنْ يُفْعَلَ إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى المُسْتَحِقِّينَ البَتَّةَ، وفي الآيَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ الآياتِ الَّتِي فِيها أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى مُسْتَحَقِّهِ كُلَّها في حُكْمِ آياتِ الوَعِيدِ، والعَفْوُ فِيهِ جائِزٌ، فَلا مَعْنى لِلْقَوْلِ بِالبَتِّ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .

وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ قُرَيْشِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ في بَيْتِهِ فَأنْشَأ يَقُولُ: يُؤْتى بِي يَوْمَ القِيامَةِ فَأُقامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَقُولُ لِي: لِمَ قُلْتَ: إنَّ القاتِلَ في النّارِ؟!

فَأقُولُ: أنْتَ قُلْتَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا ﴾ إلَخْ، فَقُلْتُ لَهُ: وما في البَيْتِ أصْغَرُ مِنِّي: أرَأيْتَ إنْ قالَ لَكَ: فَإنِّي قَدْ قُلْتُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ فَمِن أيْنَ عَلِمْتَ أنِّي لا أشاءُ أنْ أغْفِرَ لِهَذا؟

قالَ: فَما اسْتَطاعَ أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا».

ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: «جالَسْتُ النّاسَ قَبْلَ الدّاءِ الأعْظَمِ في المَسْجِدِ الأكْبَرِ فَسَمِعْتُهم يَقُولُونَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا ﴾ الآيَةَ، قالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: وجَبَتْ لِمَن فَعَلَ هَذا النّارُ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلَخْ، فَقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: يَصْنَعُ اللَّهُ تَعالى ما شاءَ».

وبِآيَةِ المَغْفِرَةِ رَدَّ ابْنُ سِيرِينَ عَلى مَن تَمَسَّكَ بِآيَةِ الخُلُودِ، وغَضِبَ عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِن عِنْدِهِ، وكَوْنُ آيَةِ الخُلُودِ بَعْدَ تِلْكَ الآيَةِ نُزُولًا بِسِتَّةِ أشْهُرٍ أوْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - لا يُفِيدُ شَيْئًا، ودَعْوى النَّسْخِ في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، كَما لا يَخْفى.

وأجابَ بَعْضُ النّاسِ بِأنَّ حُكْمَ الآيَةِ إنَّما هو لِلْقاتِلِ المُسْتَحِلِّ، وكُفْرُهُ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّها نَزَلَتْ في الكِنانِيِّ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وجَماعَةٍ أنَّهم فَسَّرُوا (مُتَعَمِّدًا) بِـ(مُسْتَحِلًّا) واعْتُرِضَ بِأنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وبِأنَّ تَفْسِيرَ المُتَعَمِّدِ بِالمُسْتَحِلِّ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ؛ إذْ لَيْسَ هو مَعْناهُ لُغَةً ولا شَرْعًا، فَإنِ التَزَمَ المَجازَ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِما عَلِمْتَ الآنَ، عَلى أنَّهُ يَفُوتُ التَّقابُلُ بَيْنَ هَذا القَتْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ والقَتْلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهو الخَطَأُ الصِّرْفُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِحْلالَ يُفْهَمُ مِن تَعْلِيقِ القَتْلِ بِالمُؤْمِنِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَةَ مَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا لِأجَلِ إيمانِهِ - ولا شَكَّ أنْ مَن يَقْتُلُهُ لِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مُسْتَحِلًّا - فَلا يَكُونُ إلّا كافِرًا، فَيَخْرُجُ هَذا القاتِلُ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ سَبَبُ النُّزُولِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُؤْمِنَ - وإنْ كانَ مُشْتَقًّا في الأصْلِ - إلّا أنَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوامِدِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: كَلَّمْتُ مُؤْمِنًا مَثَلًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّكَ كَلَّمْتَهُ لِأجَلٍ إيمانِهِ؟!

ولَوْ أفادَ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُؤْمِنِ العِلِّيَةَ لَكانَ ضَرْبُ المُؤْمِنِ وتَرْكُ السَّلامِ عَلَيْهِ والقِيامُ لَهُ كَقَتْلِهِ كُفْرًا، ولا قائِلَ بِهِ، واعْتِبارُ الِاشْتِقاقِ تارَةً وعَدَمُ اعْتِبارِهِ أُخْرى خارِجٌ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، فَلْيُفْهَمْ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرُ هَنا حُكْمَ القَتْلِ العَمْدِ الأُخْرَوِيَّ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ٩٤

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شُرُوعٌ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُوجِبُ النَّدَمَ مِن قَتْلِ مَن لا يَنْبَغِي قَتْلُهُ.

﴿ إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ لِلْغَزْوِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ والسِّياقُ ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ أيْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وخَلَفٌ (فَتَثَبَّتُوا) أيْ: فاطْلُبُوا ثَباتَ الأمْرِ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في (إذا) مِن مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ غَزَوْتُمْ فَتَبَيَّنُوا، ﴿ ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ ﴾ أيْ: حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، ومُقابِلُها تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَأنْعَمِ صَباحًا، وحَيّاكَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، وأهْلُ الشّامِ (السَّلَمَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (السِّلْمَ) بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وبِهِ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّلامَ أيْضًا في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، واللّامُ - عَلى ما قالَ السَّمِينُ -: لِلتَّبْلِيغِ، والماضِي بِمَعْنى المُضارِعِ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُرادُ النُّهْيُ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَعْيِينُ مادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينِ والتَّثْبِيتِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ عَدَمَ التَّبْيِينِ كانَ فِيهِ لا لِأنَّهُ لا يَجِبُ إلّا فِيهِ، والمَعْنى لا تَقُولُوا لِمَن أظْهَرَ لَكم ما يَدُلُّ عَلى إسْلامِهِ: ﴿ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ وإنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ خَوْفَ القَتْلِ، بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأبِي جَعْفَرٍ القارِّي أنَّهم قَرَءُوا (مُؤَمَّنًا) بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ أيْ: مَبْذُولًا لَكَ الأمانُ ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ الزَّوالِ، وشِيكُ الِانْتِقالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَقُولُوا) مُشْعِرًا بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ، والنَّهْيُ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَيْدِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا ذَلِكَ العَرَضَ القَلِيلَ الزّائِلَ؛ فَإنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وفي مَقْدُورِهِ (مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يُغَنِّمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُقَيَّدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنهُ رَدُّ إيمانِ المُلْقِي لِظَنِّهِمْ أنَّ الإيمانَ العاصِمَ ما ظَهَرَتْ عَلى صاحِبِهِ دَلائِلُ تُواطِئُ الباطِنَ والظّاهِرَ، ولَمْ تَظْهَرْ فِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والفاءُ في فَـ(مَنَّ) لِلْعَطْفِ عَلى (كُنْتُمْ) وقُدِّمَ خَبَرُها لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابِهَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَرُدُّوا إيمانَ مَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، و(تَقُولُوا): إنَّهُ لَيْسَ بِإيمانٍ عاصِمٍ، ولا يُعَدُّ المُتَّصَفُ بِهِ مُؤْمِنًا مَعْصُومًا لِظَنِّكُمُ اشْتِراطَ التَّواطُؤِ في العِصْمَةِ، ومُجَرَّدُ التَّحِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّكم كُنْتُمْ أنْتُمْ في مُبادِئِ إسْلامِكم مِثْلَ هَذا المُلْقِي في عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ لِلنّاسِ مِنكم غَيْرَ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِنَ التَّحِيَّةِ ونَحْوِها، ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم ما تَظُنُّونَهُ شَرْطًا مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّواطُؤِ، ومُجَرَّدُ أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنكُمْ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالفَحْصِ عَنْ تَواطُؤِ ألْسِنَتِكم وقُلُوبِكُمْ، وعَصَمَ بِذَلِكَ دِمائَكم وأمْوالَكُمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ (فَتَبَيَّنُوا) هَذا الأمْرَ، ولا تَعْجَلُوا، وتَدَبَّرُوا؛ لِيَظْهَرَ لَكم أنَّ ظاهِرَ الحالِ كافٍ في الإيمانِ العاصِمِ، حَيْثُ كَفى فِيكم مِن قَبْلُ، وأُخِّرَ هَذا التَّعْلِيلُ -عَلى ما قِيلَ -: لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ، أوْ لِأنَّ في تَقْدِيمِ الأوَّلِ إشارَةٌ ما إلى مَيْلِ القَوْمِ نَحْوَ ذَلِكَ العَرَضِ، وأنَّ سُرُورَهم بِهِ أقْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ تَعْجِيلٌ لِمَسَرَّتِهِمْ، وفِيهِ نَوْعُ حَطٍّ عَلَيْهِمْ، رَفَعَ اللَّهُ تَعالى قَدْرَهم ورَضِيَ المَوْلى عَزَّ شَأْنُهُ عَنْهُمْ، أوْ لِأنَّهُ أوْضَحُ في التَّعْلِيلِ الأخِيرِ، وأسْبَقُ لِلذِّهْنِ مِنهُ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ التَّعْلِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّهُما تَعْلِيلا شَيْءٍ واحِدٍ، أوْ أنَّ مَجْمُوعَهُما عِلَّةٌ، وقِيلَ: مُوافَقَةً لِما عُلِّلَ بِهِما مِنَ القَيْدِ والمُقَيَّدِ حَيْثُ لَمْ يَتَمايَزا بِالعَطْفِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُعْطَفْ لِأنَّ الأوَّلَ تَعْلِيلٌ لِلنِّهْيِ الثّانِي بِالوَعْدِ بِأمْرٍ أُخْرَوِيٍّ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ثَوابًا كَثِيرًا في الآخِرَةِ، أعَدَّهُ لِمَن لَمْ يَبْتَغِ ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الثَّوابِ بِالمَغانِمِ مُناسِبَةً لِلْمَقامِ، والتَّعْلِيلُ الثّانِي لِلنَّهْيِ الأوَّلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ في الآيَةِ ما رَدَّهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِما يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ فِيها: إنَّ المَعْنى كَما كانَ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ مُسْتَخْفِيًا بِدِينِهِ في قَوْمِهِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهم كُنْتُمْ أنْتُمْ مُسْتَخِفِينَ بِدِينِكم حَذَرًا مِن قَوْمِكم عَلى أنْفُسِكُمْ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِإظْهارِ دِينِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ الإسْلامَ بَعْدَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم أوْ (تَبَيَّنُوا) أمْرَ مَن تَقْتُلُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ - غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ.

عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْتَخِفِينَ بِدِينِهِمْ حَذَرًا مِن قَوْمِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ البَعْضِ كانَ مُسْتَخْفِيًا كافٍ في الخِطابِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى القَوْمَ عَنْ قَتْلِ مَن ذُكِرَ أخْبَرَهم بَعْدُ بِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، أوْ أمَرَ بِتَبْيِينِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا لِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وهو كَما تَرى.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ الآيَةِ، فَأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ حُمَيْدٍ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  وهو يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَمَدُوا لَهُ فَقَتَلُوهُ، وأتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ  - فَنَزَلَتْ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  سَرِيَّةً عَلَيْها أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ إلى بَنِي ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رَجُلًا مِنهم يُدْعى مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ مَعَهُ غُنَيْمَةٌ لَهُ وجَمَلٌ أحْمَرُ، فَآوى إلى كَهْفِ جَبَلٍ، واتَّبَعَهُ أُسامَةُ، فَلَمّا بَلَغَ مِرْداسٌ الكَهْفَ وضَعَ فِيهِ غَنَمَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ أُسامَةُ فَقَتَلَهُ مِن أجْلِ جَمَلِهِ وغُنَيْمَتِهِ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسُلِّمَ - إذا بَعَثَ أُسامَةَ أحَبَّ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، ويَسْألَ عَنْ أصْحابِهِ، فَلَمّا رَجَعُوا لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ، فَجَعَلَ القَوْمُ يُحَدِّثُونَ النَّبِيَّ  ويَقُولُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ رَأيْتَ أُسامَةَ وقَدْ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وهو مُعْرِضٌ عَنْهُمْ، فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى أُسامَةَ فَقالَ: كَيْفَ أنْتَ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟!

فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا يَتَعَوَّذُ بِها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ فَنَظَرْتَ إلَيْهِ؟!

ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ».

وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، وذَكَرَ مِن قِصَّتِهِ مِثْلَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ أُسامَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ عَلى هَذا مَعَ أنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ في المَكافَّةِ والِانْجِزارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها، فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ وسِياقِها عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ، وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ، وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ، وجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ مَعَ ظَنِّ القاتِلِينَ أنَّ إسْلامَ مَن ذُكِرَ لِخَوْفِ القَتْلِ، وهو إكْراهُ مَعْنًى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتَلَهُ فَلَوْلا صِحَّةُ إسْلامِهِ لَمْ يُنْكِرْ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّانِي أنَّهُ أمَرَ فِيها بِالتَّبْيِينِ المُشْعِرِ بِأنَّ العَجَلَةَ خَطَأٌ.

ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّالِثِ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّياقِ وعَدَمِ الوَعِيدِ عَلى تَرْكِ التَّبْيِينِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا عُذْرَ في تَرْكِ التَّثَبُّتِ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، وأنَّ المُخْطِئَ آثِمٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ذَهَبُوا يَتَطَرَّقُونَ، فَلَقُوا ناسًا مِنَ العَدُوِّ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنهم فَتَبِعَهُ رَجُلٌ يُرِيدُ مَتاعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهُ بِالسِّنانِ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، إنِّي مُسْلِمٌ، فَأوْجَرَهُ بِالسِّنانِ فَقَتَلَهُ، وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِلْقاتِلِ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؟!

قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا، قالَ: أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!

قالَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: لِتَعْلَمَ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ، قالَ: كُنْتُ عالِمَ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّما كانَ يُبَيِّنُ عَنْهُ لِسانُهُ، إنَّما كانَ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسانُهُ» قالَ: فَما لَبِثَ القاتِلُ أنْ ماتَ، فَحَفَرَ لَهُ أصْحابُهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ، ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ، قالَ الحَسَنُ: فَلا أدْرِي كَمْ قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  : دَفَنّاهُ؟

مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ لا تَقْبَلُهُ الأرْضُ، فَلَمّا رَأيْنا الأرْضَ لا تَقْبَلُهُ أخَذْنا بِرِجْلِهِ فَألْقَيْناهُ في بَعْضِ تِلْكَ الشِّعابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ».

وفِي رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««إنَّ الأرْضَ أبَتْ أنْ تَقْبَلَهُ، فَألْقُوهُ في غارٍ مِنَ الغِيرانِ،» ووَجْهُ الدَّلالَةِ في هَذا عَلى الإثْمِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا القاتِلَ لَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِكَوْنِ المَقْتُولِ غَيْرَ مَقْبُولٍ في الإسْلامِ عِنْدَهُ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، واعْتَذَرَ بِما اعْتَذَرَ كاذِبًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ  ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ  إلى إضَمٍ، فَخَرَجْتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ الحَرْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ إضَمٍ مَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ عَلى قَعُودٍ مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ، فَلَمّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ عَلَيْنا بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَأمْسَكْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَيْءٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَتَلَهُ وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَلَمّا قَدِمْنا رَسُولَ اللَّهِ  وأخْبَرْناهُ الخَبَرَ نَزَلَ فِينا القُرْآنُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ».

والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ في خَبَرِ الحَسَنِ هو هَذا الرَّجُلُ المُصَرَّحُ بِهِ في هَذا الخَبَرِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ كانَ لِشَيْءٍ كانَ في القَلْبِ مِن ضَغائِنَ قَدِيمَةٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو الظّاهِرُ لِما في خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثّامَةَ لَمّا رَجَعَ جاءَ النَّبِيَّ  في بُرْدَيْنِ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقالَ: غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، فَقامَ وهو يَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَما مَضَتْ ساعَةٌ حَتّى ماتَ، ودَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَجاءُوا النَّبِيَّ  فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «إنَّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحِبِكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يَعِظَكُمْ» ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ، وألْقَوْا عَلَيْهِ الحِجارَةَ،» فَإنَّ الَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ اتِّحادُ القِصَّةِ.

واعْتُرِضَ عَلى القَبُولِ بِعَدَمِ الوَعِيدِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ يُسْتَفادُ مِنهُ الوَعِيدُ، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ وبِكَيْفِيّاتِها، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التَّثْبِيتُ وتَرْكُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا مُطَّلِعًا أتَمَّ اطِّلاعٍ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (أنَّ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ(تَبَيَّنُوا) أوْ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٩٥

﴿ لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ ﴾ شُرُوعٌ في الحَثِّ عَلى الجِهادِ لِيَأْنَفُوا عَنْ تَرْكِهِ، ولْيَرْغَبُوا عَمّا يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ، ورَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ» وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِلتّارِيخِ عَلى ما قِيلَ.

وقالَ أبُو حَمْزَةَ: إنَّهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَنْ تَبُوكَ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَن بَنِي سَلِمَةَ، ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ، حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في تِلْكَ الغَزْوَةِ.

﴿ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ حالٌ مِنَ القاعِدِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُعُودَ عَنِ الجِهادِ لا يَقْعُدُ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيِأْتِي مِنَ الحُسْنى أيْ: لا يَعْتَدِلُ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الجِهادِ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ (لِلْقاعِدُونَ) وهو إنْ كانَ مَعْرِفَةً و(غَيْرُ) لا تَتَعَرَّفُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنهُ قاعِدُونَ بِعَيْنِهِمْ، بَلِ الجِنْسُ، فَأشْبَهَ الجِنْسَ فَصَحَّ وصْفُهُ بِها.

وزَعَمَ عِصامُ الدِّينِ أنَّ (غَيْرُ) هُنا مَعْرِفَةٌ و(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بِمَعْنى مَن لا ضَرَرَ لَهُ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ، وبِهِ ضُعِّفَ ما تَقَدَّمَ أنَّ المُعَرَّفَ بِاللّامِ المُبْهَمَ وإنْ كانَ في حُكْمِ النَّكِرَةِ لَكِنَّهُ لا يُوصَفُ بِما تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ صِفَتُهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُضارِعٌ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَأصُدُّ ثُمَّ أقُولُ ما يَعْنِينِي واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم جَعْلَهُ بَدَلًا مِنَ (القاعِدُونَ) لِأنَّ (ألْ) فِيهِ مَوْصُولَةٌ، والمَعْرُوفُ إرادَةُ الجِنْسِ في المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ الرَّفْعَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وتَبِعَهُ الواحِدِيُّ فِيهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ، وهو نَكِرَةٌ لا مَعْرِفَةٌ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ ظَهَرَ إعْرابُ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.

وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وكَوْنُ النَّكِرَةِ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا مَوْصُوفَةً أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ و(الضَّرَرِ): المَرَضُ والعِلَلُ الَّتِي لا سَبِيلَ مَعَها إلى الجِهادِ، وفي مَعْناها أوْ هو داخِلٌ فِيها العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ، وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ.

فَقَدْ رَوى مالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: ««كُنْتُ أكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ  في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنُينَ والمُجاهِدُونَ) وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ عِنْدَ النَّبِيِّ  فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في فَضْلِ الجِهادِ ما أنْزَلَ وأنا رَجُلٌ ضَرِيرٌ فَهَلْ لِي مِن رُخْصَةٍ؟

فَقالَ النَّبِيُّ  : لا أدْرى، قالَ زَيْدٌ: وقَلَمِي رَطْبٌ ما جَفَّ، حَتّى غَشى النَّبِيَّ  - الوَحْيُ، ووَقَعَ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي، حَتّى كادَتْ تَدِقُّ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْهُ فَقالَ لِي: اكْتُبْ يا زَيْدُ ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ).

﴾ » ﴿ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في مِنهاجِ دِينِهِ ﴿ بِأمْوالِهِمْ ﴾ إنْفاقًا فِيما يُوهِنُ كَيْدَ الأعْداءِ ﴿ وأنْفُسِهِمْ ﴾ حَمْلًا لَها عَلى الكِفاحِ عِنْدَ اللِّقاءِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(المُجاهِدُونَ) وأُورِدُوا بِهَذا العُنْوانِ دُونَ عُنْوانِ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وقَيَّدَهُ بِما قَيَّدَهُ؛ مَدْحًا لَهم وإشْعارًا بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ كَما قِيلَ.

وقِيلَ: إنَّما أُورِدُوا بِعُنْوانِ الجِهادِ؛ إشْعارًا بِأنَّ القُعُودَ كانَ عَنْهُ، ولَكِنْ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ هُناكَ رِعايَةً لَهم في الجُمْلَةِ، وقُدِّمَ (القاعِدُونَ) عَلى (المُجاهِدِينَ) ولَمْ يُؤَخَّرْ عَنْهم لِيَتَّصِلَ التَّصْرِيحُ بِتَفْضِيلِهِمْ بِهِمْ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَةِ القاعِدِينَ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا - وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ - لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمُ الفاضِلِ فِيهِ؛ لِأنَّ صِلَتَهُ مَلِكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَزاحُمَ في النِّكاتِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في شَيْءٍ واحِدٍ جِهَةُ تَقْدِيمٍ وجِهَةُ تَأْخِيرٍ، فَتُعْتَبَرُ هَذِهِ تارَةً وتِلْكَ أُخْرى، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا ذِكْرَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ وعَكَسَ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فَقَدَّمَ المُشْتَرى النَّفْسَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، وأخَّرَ البائِعَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُماسَكَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في فائِدَةٍ، وعَلى ذَلِكَ النَّمَطِ جاءَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ ﴾ في سَبِيلِهِ ﴿ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴿ دَرَجَةً ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُها، ولا يُبْلَغُ كُنْهُها، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفْهَمَهُ نَفْيُ المُساواةِ، فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِما فُهِمَ اعْتِناءً بِهِ، ولِيَتَمَكَّنَ أشَدَّ تَمَكُّنٍ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ مُبَيِّنَةً ومُوَضِّحَةً لِما تَقَدَّمَ لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَ ذَلِكَ التَّفْضِيلُ؟

فَقِيلَ: (فَضَّلُ اللَّهُ) إلَخْ، واللّامُ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - في الجَمْعَيْنِ لِلْعَهْدِ، ولا يَأْباهُ كَوْنُ مَدْخُولِها وصْفًا - كَما قِيلَ - إذْ كَثِيرًا ما تَرِدُ (ألْ) فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ و(دَرَجَةً) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِتَضَمُّنِها التَّفْضِيلَ لِأنَّها المَنزِلَةُ والمَرْتَبَةُ، وهي تَكُونُ في التَّرَقِّي والفَضْلِ، فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلَةً، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، أيْ: ضَرْبَةً، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ، أيْ: بِدَرَجَةٍ، وقِيلَ: هو واقِعٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، أيْ: في دَرَجَةٍ ومَنزِلَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُلا ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِما يَعْقُبُهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ، وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ ﴿ وعَدَ اللَّهُ ﴾ المَثُوبَةَ ﴿ الحُسْنى ﴾ وهي الجَنَّةُ، كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، لا أحَدَهُما فَقَطْ.

وقَرَأ الحَسَنُ (وكُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ - وهو العائِدُ في جُمْلَةِ الخَبَرِ - مَحْذُوفٌ أيْ: وعْدُهُ، وكَأنَّ التِزامَ النَّصْبِ في المُتَواتِرَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وبِذَلِكَ خالَفَ ما في الحَدِيدِ، و(الحُسْنى) عَلى القِراءَتَيْنِ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًا لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وأغْنَتْ (ألْ) عَنْ ذِكْرِ ما تُرِكَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ مِنَ القُيُودِ، وإنَّما لَمْ يُعْتَبَرِ التَّدْرِيجُ في تَرْكِ ما ذُكِرَ مَعَ القاعِدِينَ أوَّلًا بِأنْ يَتْرُكَ (مِنَ المُؤْمِنِينَ) فَقَطْ ويَذْكُرَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) في الآيَةِ الأُولى، ويَتْرُكَهُما مَعًا في الآيَةِ الثّانِيَةِ بَلْ تَرَكَهُما دُفْعَةً واحِدَةً عِنْدَ أوَّلِ قَصْدِ التَّدْرِيجِ قِيلَ: لِأنَّ قَيْدَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) كانَ بَعْدَ السُّؤالِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.

وفِي بَعْضِ أخْبارِهِ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جَعَلَ يَقُولُ: أيْ رَبِّ أيْنَ عُذْرِي؟

أيْ رَبِّ: أيْنَ عُذْرِي؟

فَنَزَلَ ذَلِكَ، فانْسَدَّتْ بابُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَنِعَ السّائِلُ بِذِكْرِهِ مَرَّةً فَأُسْقِطَ مَعَ ما مَعَهُ السّاقِطُ لِذَلِكَ القَصْدِ دُفْعَةً، ولا كَذَلِكَ ما ذُكِرَ مَعَ المُجاهِدِينَ، فَإنَّ الإتْيانَ بِهِ كانَ عَنْ مَحْضِ الفَضْلِ والِامْتِنانِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ سُؤالٍ، فَلَمّا فُتِحَتْ بابُ الإسْقاطِ اعْتُبِرَ فِيهِ التَّدْرِيجُ؛ فَرْقًا بَيْنَ المَقامَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ(فَضَّلَ) وهو - وإنْ كانَ بِمَعْنى أعْطى الفَضْلِ وهو أعَمُّ مِنَ الأجْرِ لِأنَّهُ ما يَكُونُ في مُقابَلَةِ أمْرٍ - لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ هُنا الأخَصَّ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ الجِهادِ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى مَعْناهُ، و(أجْرًا) مَفْعُولٌ بِهِ، ولِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ نَصَبَ المَفْعُولَ، أيْ: أعْطاهم زِيادَةً (عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا) وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: فَضَّلَهم بِأجْرٍ.

وجَعْلُهُ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

دَرَجَـٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا ٩٦

﴿ دَرَجاتٍ ﴾ قُدِّمَ عَلَيْها فانْتُصِبَ عَلى الحالِ، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ جازَ نَعْتُ الجَمْعِ بِهِ بِعِيدٌ.

وجُوِّزَ في (دَرَجاتٍ) أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ أجْرًا ﴾ بَدَلَ الكُلِّ مُبَيِّنًا لِكِمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ، وأنْ يَكُونَ حالًا أيْ: ذَوِي دَرَجاتٍ، وأنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ الظَّرْفِ، أيْ: في دَرَجاتٍ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٍ) دالَّةً عَلى فَخامَتِها وعُلُوِّ شَأْنِها.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِزٍ أنَّهُ قالَ: «هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ أبِي سَعِيدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ««مَن رَضِيَ بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -رَسُولًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» فَعَجِبَ لَها أبُو سَعِيدٍ فَقالَ: أعِدْها عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعادَها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وأُخْرى يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بِها العَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، قالَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى»» وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها سَبْعُمِائَةٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ (دَرَجاتٍ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، كَما في قَوْلِكَ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا، أيْ: ضَرَباتٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى بابِهِ.

والمُرادُ بِالدَّرَجاتِ ما ذُكِرَ في آيَةِ (بَراءَةَ ﴿ ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، ونُسِبَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ.

وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومَغْفِرَةً ﴾ عَطْفٌ عَلى (دَرَجاتٍ) الواقِعِ بَدَلًا مِن (أجْرًا) بَدَلَ الكُلِّ إلّا أنَّ هَذا بَدَلُ البَعْضِ مِنهُ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأجْرِ لَيْسَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ، أيْ: ومَغْفِرَةً عَظِيمَةً لِما يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ، الَّتِي لا يُكَفِّرُها سائِرُ الحَسَناتِ الَّتِي يِأْتِي بِها القاعِدُونَ، فَحِينَئِذٍ تُعَدُّ مِن خَصائِصِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَحْمَةً ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وهو بَدَلُ الكُلِّ مِن (أجْرًا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً، ورَحِمَهم رَحْمَةً.

هَذا ولَعَلَّ تَكْرِيرُ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ وتَقْيِيدُهُ تارَةً بِـ(دَرَجَةً) وأُخْرى بِـ(دَرَجاتٍ) مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ حَسْبَما يَسْتَدْعِيهِ الظّاهِرُ إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ تَمْهِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرِ، وإمّا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ فَضْلَ المُجاهِدِينَ بِمَحَلٍّ لا تَسْتَطِيعُ طَيْرُ الأفْكارِ الخُضْرُ أنْ تَصِلَ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَكادُ أنْ يُتَوَهَّمَ مِنهُ حَرَمانُ القاعِدِينَ اعْتَنى سُبْحانَهُ بِدَفْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿ وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى ﴾ ثُمَّ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ تَفْسِيرَ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ بِطَرِيقِ الإبْهامِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِهِ لِلْوَحْدَةِ، فَقالَ ما قالَ وسَدَّ بابَ الِاحْتِمالِ.

ولا يَخْفى ما في الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ مِنَ العَطْفِ، وأمّا ما قِيلَ مِن إفْرادِ الدَّرَجَةِ أوَّلًا؛ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ تَفْضِيلُ كُلِّ مُجاهِدٍ والجَمْعِ ثانِيًا؛ لِأنَّ المُرادَ فِيهِ تَفْضِيلُ الجَمْعِ فَفي الدَّرَجاتِ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَلِكُلِّ مُجاهِدٍ دَرَجَةٌ، ومَآلُ العِبارَتَيْنِ واحِدٌ، والِاخْتِلافُ تَفَنُّنٌ فَمِنَ الكَلامِ المَلْفُوظِ، لا مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

وإمّا لِلِاخْتِلافِ بِالذّاتِ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ، وفي هَذا رَغِبَ الرّاغِبُ، واسْتَطْيَبَهُ الطِّيبِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّفْضِيلِ الأوَّلِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عاجِلًا في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ الحَقِيقِيِّ بِكَوْنِهِ دَرَجَةً واحِدَةً، وبِالتَّفْضِيلِ الثّانِي ما ادَّخَرَهُ سُبْحانَهُ لَهم مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ المُتَعالِيَةِ عَنِ الحَصْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الأوَّلُ وتَأْخِيرُ الثّانِي وتَوْسِيطُ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ بَيْنَهُما، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم في الدُّنْيا دَرَجَةً واحِدَةً وفي الأُخْرى دَرَجاتٍ لا تُحْصى، وقَدْ وسَّطَ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ ما هو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما في الوُجُودِ - أعْنِي الوَعْدَ بِالجَنَّةِ - تَوْضِيحًا لِحالِهِما، ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَةِ المَفْضُولِ، كَذا قَرَّرَهُ الفاضِلُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ التَّفْضِيلِ الأوَّلِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ونَعِيمُهُ الرُّوحانِيُّ، ومِنَ التَّفْضِيلِ الثّانِي نَعِيمُ الجَنَّةِ المَحْسُوسُ، وفِيهِ أنَّ عَطْفَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ يُبْعِدُ هَذا التَّخْصِيصَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المُجاهِدِينَ الأوَّلِينَ مَن جاهَدَ الكُفّارَ، ومِنَ المُجاهِدِينَ الآخَرِينَ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ، وزِيدَ لَهم في الأجْرِ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»» وفِيهِ أنَّ السِّياقَ وسَبَبَ النُّزُولِ يَأْبَيانِ ذَلِكَ، والحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ لا أصْلَ لَهُ كَما قالَ المُحَدِّثُونَ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ القاعِدِينَ في الأوَّلِ الأضِرّاءُ، وفي الثّانِي غَيْرُهُمْ، كَما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وفِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ ما لا يَخْفى.

بَقِيَ أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ نَصًّا عَلى حُكْمِ أُولِي الضَّرَرِ بِناءً عَلى التَّفْسِيرِ المَقْبُولِ عِنْدَنا، نَعَمْ، في بَعْضِ الأحادِيثِ ما يُؤْذِنُ بِمُساواتِهِمْ لِلْمُجاهِدِينَ، فَقَدْ صَحَّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا رَجَعَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنا مِنَ المَدِينَةِ قالَ: «إنَّ في المَدِينَةِ لَأقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن سَيْرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا كانُوا مَعَكم فِيهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهم بِالمَدِينَةِ؟!

قالَ: نَعَمْ، وهم بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ»» وعَلَيْهِ دَلالَةُ مَفْهُومِ الصِّفَةِ والِاسْتِثْناءِ في ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: إلّا أُولُو الضَّرَرِ؛ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذِهِ المُساواةَ مَشْرُوطَةٌ بِشَرِيطَةٍ أُخْرى غَيْرِ الضَّرَرِ قَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ والعَقْلُ أنَّ الأضِرّاءَ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً، كَما أنَّهم دُونَ المُجاهِدِينَ في الدَّرَجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأما أنَّهم مُساوُونَ لَهم في الدَّرَجَةِ الأُخْرَوِيَّةِ فَلا قَطْعَ بِهِ، والآيَةُ - عَلى ما قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ - تَدُلُّ عَلى أنَّهم دُونَهم في ذَلِكَ أيْضًا.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كانَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ يَغْزُو ويَقُولُ: «ادْفَعُوا إلَيَّ اللِّواءَ، وأقِيمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَإنِّي لَنْ أفِرَّ».

وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ رَأيْتُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بَعْدَ ذَلِكَ في بَعْضِ مَشاهِدِ المُسْلِمِينَ ومَعَهُ اللِّواءُ».

ويُعْلَمُ مَن نَفْيِ المُساواةِ في صَدْرِ الآيَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّفْضِيلِ المُصَرَّحِ بِهِ بَعْدُ بَيْنَ المُجاهِدِ بِالمالِ والنَّفْسِ والقاعِدِ نَفْيُها بَيْنَ المُجاهِدِ بِأحَدِهِما والقاعِدِ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ بِالمالِ والمُجاهِدِ بِهِ، وبَيْنَ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ بِالنَّفْسِ والمُجاهِدِ بِها بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمُ المُجاهِدِينَ فِيهِ بِأمْوالِهِمْ، والمُجاهِدِينَ فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ، وبِالقاعِدِينَ - أيْضًا - قِسْمَيِ القاعِدِ، ويَكُونَ المُرادُ نَفْيُ المُساواةِ بَيْنَ كُلِّ قِسْمٍ مِنَ القاعِدِ ومُقابِلِهِ بَعِيدُ جِدًّا.

واحْتَجَّ بِها - كَما قالَ ابْنُ الغَرْسِ - مَنَّ فَضَّلَ الغِنى عَلى الفَقْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ فَضَّلَ المُجاهِدَ بِمالِهِ عَلى المُجاهِدِ بِغَيْرِ مالِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الدَّرَجَةَ الزّائِدَةَ مِنَ الفَضْلِ لِلْمُجاهِدِ بِمالِهِ إنَّما هي مِن جِهَةِ المالِ، واسْتَدَلُّوا بِها أيْضًا عَلى تَفْضِيلِ المُجاهِدِ بِمالِ نَفْسِهِ عَلى المُجاهِدِ بِمالٍ يُعْطاهُ مِنَ الدِّيوانِ ونَحْوِهِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرُ لِما وعَدَ سُبْحانَهُ مِن قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ٩٧

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ إثْرَ بَيانِ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ، أوْ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  والجِهادِ مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ عَقِبَ بَيانِ حالِ القاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ و(تَوَفّاهُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، وتُرِكَتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِأنَّ الفاعِلَ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلَهُ (تَتَوَفّاهُمْ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وهو لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ (تَوَفَّتْهُمْ) والثّانِيَ قِراءَةُ إبْراهِيمَ (تُوفاهُمْ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (وفَيْتُ) بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها، أيْ: يُمَكِّنُهم مِنِ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها، وإلى ذَلِكَ أشارَ ابْنُ جِنِّيٍّ، والمُرادُ مِنَ التَّوَفِّي قَبْضُ الرُّوحِ، وهو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ الحَشْرُ إلى النّارِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، وهم كَما في البَحْرِ سِتَّةٌ: ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ، وعَنِ الجُمْهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَلَكُ المَوْتِ فَقَطْ، وهو مِن إطْلاقِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ الواحِدَ؛ تَفْخِيمًا لَهُ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اطِّلاقَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن نِسْبَةِ التَّوَفِّي إلى اللَّهِ تَعالى وإلى مَلَكِ المَوْتِ وإلى أعْوانِهِ، والوَجْهُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الآمِرُ، بَلْ هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ، والأعْوانُ هُمُ المُزاوِلُونَ لِإخْراجِ الرُّوحِ مِن نَحْوِ العُرُوقِ والشَّرايِينِ والعَصَبِ، والقاطِعُونَ لِتَعَلُّقِها بِذَلِكَ، والمَلَكُ هو القابِضُ المُباشِرُ لِأخْذِها بَعْدَ تَهْيِئَتِها، وفي القُرْآنِ ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ ﴾ ، و ﴿ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ ، و ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ ومِثْلُهُ ﴿ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ واخْتِيارِ مُجاوِرَةِ الكُفّارِ المُوجِبَةِ لِلّاخِلالِ بِأُمُورِ الدِّينِ، أوْ بِنِفاقِهِمْ وتَقاعُدِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  وإعانَتِهِمُ الكَفَرَةَ.

فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ  كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا، وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: «إنَّ هَؤُلاءِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  بِمَكَّةَ فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إلى المَدِينَةِ، وخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا فِيمَن أُصِيبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ».

ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحَرْثِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ فَقُتِلُوا هُناكَ كُفّارًا»، ورَواهُ أبُو الجارُودِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

و ”ظالمي“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (تَوَفّاهُمْ) وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ فَلا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا، والأصْلُ (ظالِمِينَ أنْفُسَهُمْ).

﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِلْمُتَوَفِّينَ تَوْبِيخًا لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ إسْلامِهِمْ وإقامَةِ أحْكامِهِ وشَعائِرِهِ، أوْ قالُوا تَقْرِيعًا لَهم وتَوْبِيخًا بِما كانُوا فِيهِ مِن مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ وانْتِظامِهِمْ في عَسْكَرِهِمْ وتَقاعُدِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكُمْ، وحُذِفَتْ ألِفُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ المَجْرُورَةِ وفاءً بِالقاعِدَةِ، وتُكْتَبُ مُتَّصِلَةً تَنْزِيلًا لَها مَعَ ما قَبْلَها مَنزِلَةَ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولِهَذا تُكْتَبُ: إلى وعَلى وحَتّى فِي إلامَ وعَلا مَ وحَتّى مَ بِالألِفِ ما لَمْ يُوقَفْ عَلى مَ بِالهاءِ.

ولَكِنَّ السُّؤالَ كَما عَلِمْتَ طابَقَهُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ ﴾ وإلّا فالظّاهِرُ في الجَوابِ كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ أُولَئِكَ المُتَوَفَّوْنَ في الجَوابِ؟

فَقِيلَ: قالُوا في جَوابِهِمْ: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في أرْضِ مَكَّةَ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ الأقْرِباءِ.

والمُرادُ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ الإسْلامِ، وإدْخالِهِمُ الخَلَلَ فِيهِ بِالِاسْتِضْعافِ والعَجْزِ عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ الدِّينِ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ، فَلِذا قَعَدُوا ونامُوا، أوْ تَعَلَّلُوا عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُمْ، والِانْتِظامُ في ذَلِكَ الجَمْعِ المُكَسَّرِ بِأنَّهم كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ، وأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ كارِهِينَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ تَقْبَلِ المَلائِكَةُ ذَلِكَ مِنهُمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ أيْ: إنَّ عُذْرَكم عَنْ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ بِحُلُولِكم بَيْنَ أهْلِ تِلْكَ الأرْضِ أبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، إذْ يُمْكِنُكم حَلُّ عُقْدَةٍ هَذا الأمْرِ الَّذِي أحَلَّ بِدِينِكم بِالرَّحِيلِ إلى قُطْرٍ آخَرَ مِنَ الأرْضِ، تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ، كَما فَعَلَ مَن هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ، وإلى المَدِينَةِ، أوْ إنَّ تَعَلُّلَكم عَنِ الخُرُوجِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى لِما يَغِيظُ رَسُولَهُ  بِأنَّكم مَقْهُورُونَ بَيْنَ أُولَئِكَ الأقْوامِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّكم بِسَبِيلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنْ قَهْرِهِمْ، مُتَمَكِّنُونَ مِنَ المُهاجَرَةِ عَنْ مُجاوَرَتِهِمْ والخُرُوجِ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ الَّذِينَ شُرِحَتْ حالُهُمُ الفَظِيعَةُ ﴿ مَأْواهُمْ ﴾ أيْ: مَسْكَنُهم في الآخِرَةِ ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ لِتَرْكِهِمُ الفَرِيضَةَ المَحْتُومَةَ، فَقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ.

وعَنِ السُّدِّيِّ كانَ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، والأصَحُّ الأوَّلُ، أوْ لِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى عَلى سَيِّدِ أحِبّائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالتَّأْيِيدِ لَيْسَ نَصًّا في العِصْيانِ بِما دُونَ الكُفْرِ، وإنَّما النَّصُّ التَّقْيِيدُ بِعَدَمِهِ، واسْمُ الإشارَةُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، و(مَأْواهُمْ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(جَهَنَّمُ) خَبَرُ الثّانِي وهُما خَبَرُ الأوَّلِ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ (إنَّ)، والفاءُ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، و(قَدْ) مَعَهُ مَقْدِرَةٌ في المَشْهُورِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوَّلا ولَهم آخِرًا بِعِيدٌ، أوْ هو الخَبَرُ والعائِدُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ مُسْتَنْتَجَةٌ مِنهُ ومِمّا في خَبَرِهِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُ شَيْءٍ مَن قالُوا الثّانِي والثّالِثِ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ جَوابٌ ومُراجَعَةٌ، فَمَن قالَ: لَوْ جُعِلَ قالُوا الثّانِي خَبَرًا لَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ فَقَدْ وهِمَ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ هَلَكُوا ونَحْوُهُ، و(تُهاجِرُوا) مَنصُوبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (وساءَتْ) مِن بابِ بِئْسَ أيْ: بِئْسَتْ (مَصِيرًا)، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ، أيْ: مَصِيرُهم أوْ جَهَنَّمُّ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ، ونَقَلَ ابْنُ العَرَبِيِّ وُجُوبَ الهِجْرَةِ مِنَ البِلادِ الوَبِيئَةِ أيْضًا، وفي كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ أنَّها كانَتْ فَرْضًا في صَدْرِ الإسْلامِ فَنُسِخَتْ، وبَقِيَ نَدْبُها.

وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ،  »».

وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا ٩٨

﴿ إلا المُسْتَضْعَفِينَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ وضَمائِرَهُ والإشارَةَ إلَيْهِ بِأُولَئِكَ لِمَن تَوَفَّتْهُ المَلائِكَةُ ظالِمًا لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِيهِمُ المُسْتَضْعَفُونَ المَذْكُورُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ ﴿ أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، أيْ: إلّا الَّذِينَ عَجَزُوا عَنِ الهِجْرَةِ وضَعُفُوا ﴿ مِنَ الرِّجالِ ﴾ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ ﴿ والنِّساءِ ﴾ كَأُمِّ الفَضْلِ لُبابَةِ بِنْتِ الحَرْثِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِها ﴿ والوِلْدانِ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ المَذْكُورِ، وغَيْرِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والجارُّ حالٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، أيْ: كائِنِينَ مِن هَؤُلاءِ، وذِكْرُ الوِلْدانِ لِلْقَصْدِ إلى المُبالَغَةِ في وُجُوبِ الهِجْرَةِ والأمْرِ بِها، حَتّى كَأنَّها مِمّا كُلِّفَ بِها الصِّغارُ، أوْ يُقالُ: إنَّ تَكْلِيفَهم عِبارَةٌ عَنْ تَكْلِيفِ أوْلِيائِهِمْ بِإخْراجِهِمْ مِن دِيارِ الكُفْرِ، وأنَّ المُرادَ بِهِمُ المُراهِقُونَ أوْ مَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالصِّغَرِ مَجازًا كَما في اليَتامى، أوْ أنَّ المُرادَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَؤُلاءِ في عَدَمِ الإثْمِ والتَّكْلِيفِ، أوْ أنَّ العَجْزَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَعَجْزِ الوِلْدانِ، أوِ المُرادُ بِهِمُ العَبِيدُ والإماءُ.

﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ أيْ: لا يَجِدُونَ أسْبابَ الهِجْرَةِ ومَبادِيها ﴿ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ أيْ: ولا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ المَوْضِعِ المُهاجَرِ إلَيْهِ بِأنْفُسِهِمْ أوْ بِدَلِيلٍ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِما بَعْدَ (مِن) أوْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، سَواءٌ كانَتْ (ألْ) مَوْصُولَةً أوْ حَرْفَ تَعْرِيفِ، وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِضْعافِ المُرادِ هُنا <div class="verse-tafsir"

فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا ٩٩

فَـ (أُولَئِكَ) أيِ: المُسْتَضْعَفُونَ ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ خَطِيرٌ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ الَّذِي تَحَقَّقَ عَدَمُ وُجُوبِها عَلَيْهِ يَنْبَغِي أنْ يَعُدَّ تَرْكَها ذَنْبًا، ولا يَأْمَنَ، ويَتَرَصَّدَ الفُرْصَةَ، ويُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِها.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ بِأتَمِّ وجْهٍ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٠٠

﴿ ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا ﴾ تَرْغِيبٌ في المُهاجِرَةِ وتَأْنِيسٌ لَها، والمُرادُ مِنَ المُراغَمِ المُتَحَوَّلُ والمُهاجَرُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ، فَهو اسْمُ مَكانٍ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلتَّرْغِيبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُتَحَوَّلِ الَّذِي يَجِدُهُ يَصِلُ فِيهِ المُهاجِرُ إلى ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ المَعْنى يَجِدُ فِيها مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ، وقِيلَ: مُتَّسَعًا مِمّا كانَ فِيهِ مِن ضِيقِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: طَرِيقًا يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، والرَّغْمُ الذُّلُّ والهَوانُ، وأصْلُهُ لُصُوقُ الأنْفِ بِالرِّغامِ وهو التُّرابُ، وقُرِئَ (مُرْغَمًا ﴿ وسَعَةً ﴾ أيْ: مِنَ الرِّزْقِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنْ مالِكٍ: سَعَةً مِنَ البِلادِ.

﴿ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ ﴾ أيْ: يُحِلُّ بِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى المَقْصِدِ ويَحُطَّ رِحالَ التَّسْيارِ، بَلْ وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجَ بابِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الخُرُوجِ مِن بَيْتِهِ عَلى المُهاجَرَةِ، وثُمَّ لا تَأْبى ذَلِكَ كَما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وقُرِئَ (يُدْرِكُهُ) بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ - كَما قالَ السَّمِينُ - عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ لِلتَّجَرُّدِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، والمَوْتُ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ يُونُسُ قَوْلَ الأعْشى: إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ أيْ: أوْ أنْتُمْ تَنْزِلُونَ، وتَكُونُ الِاسْمِيَّةُ حِينَئِذٍ - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -: في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ وُقُوعُها شَرْطًا؛ لِأنَّهم يَتَسامَحُونَ في التّابِعِ، وإنَّما قَدَّرُوا المُبْتَدَأ لِيَصِحَّ رَفْعُهُ مَعَ العَطْفِ عَلى الشَّرْطِ المُضارِعِ.

وقالَ عِصامٌ المُلَّةُ: يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ يَجِبُ جَعْلُ (مَن) مَوْصُولَةً؛ لِأنَّ الشَّرْطَ لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ويَكُونُ (يَخْرُجُ) أيْضًا مَرْفُوعًا، ويَرِدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، فالأوْلى أنَّ الرَّفْعَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ رَفْعِ (يَخْرُجُ) لِأنَّ المَقامَ مِن مَظانِّ المَوْصُولِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خَبْطٌ وغَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرُوا، وقِيلَ: إنَّ ضَمَّ الكافِ مَنقُولٌ مِنَ الهاءِ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقِفَ عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَتَها إلى الكافِ كَقَوْلِهِ: عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ ∗∗∗ مِن عَنْزِي يَسُبُّنِي لَمْ أضْرِبُهْ وهُوَ كَما في الكَشْفِ ضَعِيفٌ جِدًّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ والنَّقْلِ أيْضًا، ثُمَّ تَحْرِيكُ الهاءِ بَعْدَ النَّقْلِ بِالضَّمِّ وإجْراءُ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ مَجْرى الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ، والبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ إلّا النَّقْلُ وإجْراءُ الضَّمِيرِ مَجْرى الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ (يُدْرِكَهُ) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ (أنْ) نَظِيرُ ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لَبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقَ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا ووَجْهُهُ فِيهِ أنَّ (سَأتْرُكُ) مُسْتَقْبَلٌ مَطْلُوبٌ فَجَرى مَجْرى الأمْرِ ونَحْوِهِ، والآيَةُ لِكَوْنِ المَقْصُودِ مِنها الحَثُّ عَلى الخُرُوجِ وتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو شَدِيدُ الشَّبَهِ بِغَيْرِ المُوجَبِ كانَتْ أقْوى مِنَ البَيْتِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النَّصْبَ في الآيَةِ جَوَّزَهُ الكُوفِيُّونَ لِما أنَّ الفِعْلَ الواقِعَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَزْمُ عِنْدَهم إذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ كَقَوْلِهِ: ومَن لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطَمْئِنَةً ∗∗∗ فَيُثْبِتَها في مُسْتَوى القاعِ يَزْلَقِ وقاسُوا عَلَيْهِما ثَمَّ، فَلَيْسَ ما ذُكِرَ في البَيْتِ نَظِيرَ الآيَةِ، وقِيلَ: مِن عَطْفِ المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِثْلُ: أكْرِمْنِي وأُكْرِمَكَ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ إكْرامٌ ومِنِّي، والمَعْنى: مَن يَكُنْ مِنهُ خُرُوجٌ مِن بَيْتِهِ وإدْراكُ المَوْتِ لَهُ.

﴿ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ: وجَبَ بِمُقْتَضى وعْدِهِ وفَضْلِهِ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ، وفي مُقارَنَةِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ الشَّرْطِ السّابِقِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُهاجِرَ لَهُ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ إمّا أنْ يُرْغِمَ أنْفَ أعْداءِ اللَّهِ ويُذِلَّهم بِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لَهم واتِّصالِهِ بِالخَيْرِ والسَّعَةِ، وإمّا أنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ ويَصِلَ إلى السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ.

وفِي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، فَقَدْ قِيلَ: كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (ومَن يُهاجِرْ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ويَمُتْ يُثِبْهُ) إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ (ومَن يَخْرُجْ مُهاجِرًا مِن بَيْتِهِ) عَلى و(مَن يُهاجِرْ) لِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ووَضْعُ (يُدْرِكْهُ المَوْتُ) مَوْضِعَ (يَمُتْ) إشْعارًا بِمَزِيدِ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ المَوْتَ كالهَدِيَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يُنالُ إلّا بِالمَوْتِ، وجِيءَ بِـ(ثُمَّ) بَدَلَ الواوِ تَتْمِيمًا لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ، وأنَّ مَرْتَبَةَ الخُرُوجِ دُونَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وأُقِيمَ (فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ) مَقامَ (يُثِبْهُ) لِما أنَّهُ مُؤْذِنٌ بِاللُّزُومِ والثُّبُوتِ، وأنَّ الأجْرَ عَظِيمٌ، لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ؛ لِأنَّهُ عَلى الذّاتِ الأقْدَسِ المُسَمّى بِذَلِكَ الِاسْمِ الجامِعِ.

وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ فائِدَةَ (ثُمَّ يُدْرِكْهُ) بَيانُ أنَّ الأجْرَ إنَّما يَسْتَقِرُّ إذا لَمْ يُحْبِطِ العَمَلَ المَوْتُ.

واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ، وكانَ بَلَغَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ وهو بِمَكَّةَ حِينَ بَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  إلى مُسْلِمِيها، فَقالَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي الطَّرِيقَ، وإنِّي لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ، ولَمّا أدْرَكَهُ المَوْتُ أخَذَ يُصَفِّقُ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ  أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، ولَمّا بَلَغَ خَبَرُ مَوْتِهِ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - قالُوا: لَيْتَهُ ماتَ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ.

ورَوى الشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في أكْتَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ لَمّا أسْلَمَ وماتَ وهو مُهاجِرٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ في خالِدِ بْنِ حِزامٍ، وقَدْ كانَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ في الطَّرِيقِ فَماتَ.

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى العِلّاتِ فالمُرادُ عُمُومُ اللَّفْظِ لا خُصُوصُ السَّبَبِ، وقَدْ ذَكَرَ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ أنَّ مَن سارَ لِأمْرٍ فِيهِ ثَوابٌ كَطَلَبِ عِلْمٍ، وحَجٍّ، وكَسْبِ حَلالٍ، وزِيارَةِ صِدِّيقٍ، وصالِحٍ، وماتَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ»».

واحْتَجَّ أهْلُ المَدِينَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا ماتَ في الطَّرِيقِ وجَبَ سَهْمُهُ في الغَنِيمَةِ، والصَّحِيحُ ثُبُوتُ الأجْرِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لَهُ ما فَرَطَ مِنهُ في الذُّنُوبِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُعُودُ عَنِ الهِجْرَةِ إلى وقْتِ الخُرُوجِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ، فَيَرْحَمُهُ سُبْحانَهُ بِإكْمالِ ثَوابِ هِجْرَتِهِ ونِيَّتِهِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ: ﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ أيْ: وما يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ مِنَ الرُّوحِ ﴿ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ﴾ وهو مُؤْمِنُ القَلْبِ، إلّا أنْ يَكُونَ قَتْلًا خَطَأً، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا خَلُصَتِ الرُّوحُ مِن حُجُبِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ، فَإذا أرادَتْ أنْ تَتَوَجَّهَ إلى النَّفْسِ أنْوارُها لِتُمِيتَها وقَعَ تَجَلِّيها عَلى القَلْبِ فَخَرَّ صَعِقًا مِن ذَلِكَ التَّجَلِّي، ودُكَّ جَبَلُ النَّفْسِ دَكًّا، فَكانَ قَتْلُهُ خَطَأً؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا ﴿ ومَن قَتَلَ ﴾ قَلْبًا ﴿ مُؤْمِنًا ﴾ خَطَأً ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ السِّرِّ الرَّوْحانِيِّ، وتَحْرِيرُها إخْراجُها عَنْ رِقِّ المَخْلُوقاتِ ﴿ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ﴾ إلى أهْلِهِ تُسَلِّمُها العاقِلَةُ وهي الألْطافُ الإلَهِيَّةُ إلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنهُما مِن حَظِّ الأخْلاقِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ وذَلِكَ وقْتَ غِنائِهِمْ بِالفَناءِ بِاللَّهِ تَعالى ﴿ فَإنْ كانَ ﴾ المَقْتُولُ بِالتَّجَلِّي ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾ بِأنْ كانَ مِن قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ القَلْبِ، فَيُطْلِقُهُ مِن وثاقِ رَقِّ حُبِّ الدُّنْيا والمَيْلِ إلَيْها، ولا دِيَةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِأهْلِ القَتِيلِ ﴿ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ بِأنْ كانَ مِن قُوى النَّفْسِ القابِلَةِ لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ظاهِرًا والمُهادَنَةِ لِلْقَلْبِ ﴿ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ﴾ واجِبَةٌ عَلى عاقِلَةِ الرَّحْمَةِ ﴿ إلى أهْلِهِ ﴾ أيْ: أهْلِ تِلْكَ النَّفْسِ مِنَ الصِّفاتِ الأُخَرِ ﴿ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ الرُّوحِ، وتَحْرِيرُها إفْناؤُها وإطْلاقُها عَنْ سائِرِ القُيُودِ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ رَقَبَةً كَذَلِكَ بِأنْ كانَتْ رُوحُهُ مُحَرَّرَةً قَبْلُ ﴿ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ الإمْساكُ عَنِ العادِياتِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ سِتِّينَ يَوْمًا، وهي مِقْدارُ مُدَّةِ المِيقاتِ المُوسَوِيِّ ونِصْفُها رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا قَتَلَتِ القَلْبَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ بَقِيَتْ مُعَذَّبَةً بِنِيرانِ الطَّبِيعَةِ، مُبْعَدَةً عَنِ الرَّحْمَةِ، مَظْهَرًا لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِإرْشادِ عِبادِهِ ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ حالَ المُرِيدِ في الرَّدِّ والقَبُولِ ﴿ ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ: لا تُنَفِّرُوا مَنِ اسْتَسْلَمَ لَكم وأسْلَمَ نَفْسَهُ بِأيْدِيكم لِتُرْشِدُوهُ، فَتَقُولُوا لَهُ: لَسْتَ مُؤْمِنًا صادِقًا لِتَعَلُّقِ قَلْبِكَ بِالدُّنْيا، فَسَلِّمْ ما عِنْدَكَ مِن حُطامِها لِيَخْلُوَ قَلْبُكُ لِرَبِّكَ، وتَصْلُحَ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ لِلسّالِكِينَ إلَيْهِ، فَإذا حَظى بِها السّالِكُ تَرَكَ لَها ما في يَدِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأعْرَضَ قَلْبُهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا المُرِيدِ كُنْتُمْ أنْتُمْ في مَبادِئِ طَلَبِكم وتَسْلِيمِ أنْفُسِكم لِلْمَشايِخِ، حَيْثُ كانَ لَكم تَعَلُّقٌ بِالدُّنْيا ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بَعْدَ السُّلُوكِ بِتِلْكَ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَأنْساكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكُمْ، وفَطَمَ قُلُوبَكم عَنِ الدُّنْيا بِأسْرِها، فَقِيسُوا حالَ مَن يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلَيْكم بِحالِكم لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى ما عَوَّدَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ الطّالِبِينَ لَهُ سَيَمُنُّ عَلى هَؤُلاءِ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ، ويُخْرِجُ حُبَّ الدُّنْيا مِن قُلُوبِهِمْ بِأحْسَنِ وجْهٍ كَما أخْرَجَهُ مِن قُلُوبِكم.

والحاصِلُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لِمَن أرادَ التَّوَجُّهَ إلى الحَقِّ - جَلَّ وعَلا - مِن أرْبابِ الدُّنْيا في مَبادِئِ الأمْرِ: اتْرُكْ دُنْياكَ واسْلُكْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُنَفِّرُهُ ويَسُدُّ بابَ التَّوَجُّهِ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ تَرْكِ المَحْبُوبِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَكِنْ يُؤْمَرُ بِالسُّلُوكِ ويُكَلَّفُ مِنَ الأعْمالِ ما يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ قَلْبِهِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ يَمْنَعُها عَنْ حُقُوقِها الَّتِي اقْتَضَتْها اسْتِعْداداتُهم مِنَ الكَلِماتِ المُودَعَةِ فِيها ﴿ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ حَيْثُ قَعَدْتُمْ عَنِ السَّعْيِ وفَرَّطْتُمْ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى وقَصَّرْتُمْ عَنْ بُلُوغِ الكَمالِ الَّذِي نُدِبْتُمْ إلَيْهِ ﴿ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: أرْضِ الِاسْتِعْدادِ بِاسْتِيلاءِ قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ، وغَلَبَةِ سُلْطانِ الهَوى، وشَيْطانِ الوَهْمِ، قالُوا: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ أيْ: ألَمْ تَكُنْ سَعَةُ اسْتِعْدادِكم بِحَيْثُ تُهاجِرُوا فِيها مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِكم إلى نِهايَةِ كَمالِكُمْ، وذَلِكَ مَجالٌ واسِعٌ، فَلَوْ تَحَرَّكْتُمْ وسِرْتُمْ بِنُورِ فِطْرَتِكم خُطُواتٍ يَسِيرَةً بِحَيْثُ ارْتَفَعَتْ عَنْكم بَعْضُ الحُجُبِ انْطَلَقْتُمْ عَنْ أسْرِ القُوى، وتَخَلَّصْتُمْ عَنْ قُيُودِ الهَوى، وخَرَجْتُمْ عَنِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها الَّتِي هي مَكَّةُ النَّفْسِ الأمّارَةِ إلى البَلْدَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي هي مَدِينَةُ القَلْبِ، وإنَّما نَسَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا التَّوَفِّيَ إلى المَلائِكَةِ لِأنَّ التَّوَفِّيَ وهو اسْتِيفاءُ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ بِقَبْضِها عَنْهُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: تَوَفِّي المَلائِكَةِ، وتَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ، وتَوَفِّي اللَّهِ تَعالى؛ فَأمّا تَوَفِّي المَلائِكَةِ فَهو لِأرْبابِ النُّفُوسِ، وهُمُ إمّا سُعَداءُ وإمّا أشْقِياءُ، وأمّا تَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ فَهو لِأرْبابِ القُلُوبِ الَّذِينَ بَرَزُوا عَنْ حِجابِ النَّفْسِ إلى مَقامِ القَلْبِ، وأمّا تَوَفِّي اللَّهِ تَعالى فَهو لِلْمُوَحِّدِينَ، الَّذِينَ عُرِجَ بِهِمْ عَنْ مَقامِ القَلْبِ إلى مَحِلِّ الشُّهُودِ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ حِجابٌ، فَهو سُبْحانُهُ يَتَوَلّى قَبْضَ أرْواحِهِمْ بِنَفْسِهِ، ويَحْشُرُهم إلى نَفْسِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَمّا لَمْ يَكُنِ الظّالِمِينَ مِن أحَدِ الصِّنْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ نَسَبَ سُبْحانَهُ تَوَفِّيهِمْ إلى المَلائِكَةِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِحالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمْ ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الطَّبِيعَةُ ﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ لِما أنَّ نارَ البُعْدِ والحِجابِ بِها مُوقَدَةٌ ﴿ إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ ﴾ وهم - كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ -: أقْوِياءُ الِاسْتِعْدادِ، الَّذِينَ قَوِيَتْ قُواهُمُ الشَّهَوِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ مَعَ قُوَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى قَمْعِها في سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ، ولَمْ يُذْعِنُوا لِقُواهُمُ الوَهْبِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَيَبْطُلُ اسْتِعْدادُهم بِالعَقائِدِ الفاسِدَةِ في أسْرِ قُواهُمُ البَدَنِيَّةِ مَعَ تَنُّورِ اسْتِعْدادِهِمْ بِنُورِ العِلْمِ، وعَجْزِهِمْ عَنِ السُّلُوكِ بِرَفْعِ القُيُودِ ﴿ والنِّساءِ ﴾ أيِ: القاصِرِينَ الِاسْتِعْدادَ عَنْ دَرْكِ الكَمالِ العِلْمِيِّ وسُلُوكِ طَرِيقِ التَّحْقِيقِ، الضُّعَفاءِ القُوى، قِيلَ: وهُمُ البُلْهُ المَذْكُورُونَ في خَبَرِ: ««أكْثَرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ»» ﴿ والوِلْدانِ ﴾ أيِ: القاصِرِينَ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الكَمالِ لِفَتْرَةٍ تَلْحَقُهم مِن قِبَلِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ كَسْرِ النَّفْسِ، وقَمْعِ الهَوى ﴿ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ ﴿ فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ بِمَحْوِ تِلْكَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ لِعَدَمِ رُسُوخِها وسَلامَةِ عَقائِدِهِمْ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا ﴾ عَنِ الذُّنُوبِ ما لَمْ تَتَغَيَّرِ الفِطْرَةُ ﴿ غَفُورًا ﴾ يَسْتُرُ بِنُورِ صَفائِهِ صِفاتِ النُّفُوسِ القابِلَةِ لِذَلِكَ ﴿ ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عَنْ مَقارِّ النَّفْسِ المَأْلُوفَةِ ﴿ يَجِدْ في الأرْضِ ﴾ أيْ: أرْضِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ مُراغَمًا كَثِيرًا ﴾ أيْ: مَنازِلًا كَثِيرَةً، يُرْغِمُ فِيها أُنُوفَ قُوى نَفْسِهِ ﴿ وسَعَةً ﴾ أيِ: انْشِراحًا في الصَّدْرِ، لِسَبَبِ الخَلاصِ مِن مَضايِقِ صِفاتِ النَّفْسِ وأسْرِ الهَوى ﴿ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ﴾ أيْ: مَقامِهِ الَّذِي هو فِيهِ ﴿ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ ورَسُولِهِ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى طَلَبِ الِاسْتِقامَةِ في تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ ﴾ أيِ: الِانْقِطاعُ، ﴿ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ حَسْبَما تَوَجَّهَ إلَيْهِ ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَيَسْتُرُ بِصِفاتِهِ صِفاتِ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ، ويَرْحَمُ مَنِ انْقَطَعَ دُونَ الوُصُولِ بِما هو أهْلُهُ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا ١٠١

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ في الهِجْرَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ مِن تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ ما يُؤَكِّدُ العَزِيمَةَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ أيَّ سَفَرٍ كانَ، ولِذا لَمْ يُقَيَّدْ بِما قُيِّدَ بِهِ المُهاجِرَةُ، والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَخُصُّ السَّفَرَ بِالمُباحِ كَسَفَرِ التِّجارَةِ، والطّاعَةِ كَسَفَرِ الحَجِّ، ويُخْرِجُ سَفَرَ المَعْصِيَةِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ والإباقِ، فَلا يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ الآتِي؛ لِأنَّهُ رُخْصَةٌ، وهي إنَّما تَثْبُتُ تَخْفِيفًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِما يُوجِبُ التَّغْلِيظَ؛ لِأنَّ إضافَةَ الحُكْمِ إلى وصْفٍ يَقْتَضِي خِلافُهُ فَسادٌ في الوَضْعِ، ولَنا إطْلاقُ النُّصُوصِ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ في بَعْضِها تُشْعِرُ بِإرادَةِ المُطْلَقِ، وزِيادَةُ قَيْدِ عَدَمِ المَعْصِيَةِ نُسِخَ عَلى ما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ، ولِأنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ خُرُوجٍ مَدِيدٍ ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، وإنَّما المَعْصِيَةُ ما يَكُونُ بَعْدَهُ كَما في السَّرِقَةِ، أوْ مُجاوِرَهُ كَما في الإباقِ فَيَصْلُحُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُتَعَلِّقُ الرُّخْصَةِ لا مَكانُ الِانْفِكاكِ عَمّا يُجاوِرُهُ، كَما إذا غَصِبَ خُفًّا ولَبِسَهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُوجَبَ سَتْرُ قَدَمِهِ ولا مَحْظُورَ فِيهِ، وإنَّما هو في مُجاوَرِهِ وهو صِفَةُ كَوْنِهِ مَغْضُوبًا، وتَمامُهُ في الأُصُولِ.

والمُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ، والمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ، أيْ: إذا سافَرْتُمْ في أيِّ مَكانٍ يُسافَرُ فِيهِ مِن بَرٍّ أوْ بَحْرٍ ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ أيْ: حَرَجٌ وإثْمٌ ﴿ أنْ تَقْصُرُوا ﴾ أيْ: في أنْ تَقْصُرُوا، والقَصْرُ خِلافُ المَدِّ، يُقالُ: قَصَّرْتُ الشَّيْءَ إذا جَعَلْتَهُ قَصِيرًا بِحَذْفِ بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ أوْصافِهِ، فَمُتَعَلِّقُ القَصْرِ إنَّما هو ذَلِكَ الشَّيْءُ لا بَعْضُهُ فَإنَّهُ مُتَعَلِّقُ الحَذْفِ دُونَ القَصْرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الصَّلاةِ ﴾ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لـ(تَقْصُرُوا) و(مِن) زائِدَةٌ حَسْبَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ، عَنِ الأخْفَشِ القائِلِ بِزِيادَتِها في الإثْباتِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً ويَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - عَلى ما نَقَلَهُ الفاضِلُ المَذْكُورُ عَنْ سِيبَوَيْهِ - أيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُصارَ إلى وصْفِ الجُزْءِ بِوَصْفِ الكُلِّ، أوْ يُرادَ بِالقَصْرِ الحَبْسُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ أوْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الجِنْسُ؛ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بَعْضًا مِنها، وهي الرُّباعِيَّةُ أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَقْصُرُوا بَعْضَ الصَّلاةِ بِتَنْصِيفِها، وقُرِئَ (تُقْصِرُوا) مِن أقْصَرَ، ومَصْدَرُهُ الإقْصارُ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُقَصِّرُوا) بِالتَّشْدِيدِ، ومَصْدَرُهُ التَّقْصِيرُ، والكُلُّ بِمَعْنًى.

وأدْنى مُدَّةِ السَّفَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْرُ في المَشْهُورِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامِ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ، ومَشْيِ الأقْدامِ بِالِاقْتِصادِ في البَرِّ، وجَرْيِ السَّفِينَةِ - والرِّيحُ مُعْتَدِلَةٌ - في البَحْرِ، ويُعْتَبَرُ في الجَبَلِ كَوْنُ هَذِهِ المَسافَةِ مِن طَرِيقِ الجَبَلِ بِالسَّيْرِ الوَسَطِ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - التَّقْدِيرُ بِالمَراحِلِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَشْهُورِ.

وقَدَّرَ أبُو يُوسُفَ بِيَوْمَيْنِ وأكْثَرِ الثّالِثِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في قَوْلٍ: بِيَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وقَدَّرَ عامَّةُ المَشايِخِ ذَلِكَ بِالفَراسِخِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا.

فَقالَ بَعْضُهُمْ: أحَدٌ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا، وقالَ آخَرُونَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وآخَرُونَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، والصَّحِيحُ عَدَمُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ كُلَّ مَن قَدَّرَ بِقَدْرٍ مِمّا ذُكِرَ اعْتَقَدَ أنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها، والدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَمْسَحُ المُقِيمُ كَمالَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها»» لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمَّمَ الرُّخْصَةَ الجِنْسَ، ومِن ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ، والقَوْلُ بِكَوْنِ ثَلاثَةِ أيّامٍ ظَرْفًا لِلْمُسافِرِ لا لِـ(يَمْسَحُ) يَأْباهُ أنَّ السَّوْقَ لَيْسَ إلّا لِبَيانِ كَمِّيَّةِ مَسْحِ المُسافِرِ لا لِإطْلاقِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِلْمُسافِرِ يَكُونُ (يُمْسَحُ) مُطْلَقًا ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وأيْضًا يَبْطُلُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ أنَّ المُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا ولَيْلَةً إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحادُ حُكْمِ السَّفَرِ والإقامَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ، وهي صُورَةُ مُسافِرٍ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَمْسَحُ يَوْمًا ولَيْلَةً وهو مَعْلُومُ البُطْلانِ لِلْعِلْمِ بِفَرْقِ الشَّرْعِ بَيْنَ المُسافِرِ والمُقِيمِ عَلى أنَّ ظَرْفِيَّةَ (ثَلاثَةَ) لِلْمُسافِرِ تَسْتَدْعِي ظَرْفِيَّةَ اليَوْمِ لِلْمُقِيمِ لِيَتَّفِقَ طَرَفا الحَدِيثِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ لا يَكادُ يُنْسَبُ إلى أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ لِلْقَصْرِ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «يا أهْلَ مَكَّةَ لا تَقْصُرُوا في أدْنى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ مِن مَكَّةَ إلى عُسْفانَ» فَإنَّهُ يُفِيدُ القَصْرَ في الأرْبَعَةِ بُرُدٍ، وهي تُقْطَعُ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ راوِيَ الحَدِيثِ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ، وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ جِدًّا، حَتّى كانَ سُفْيانُ يُزْرِيهِ بِالكَذِبِ فَلْيُفْهَمْ.

واحْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ القَصْرِ وأفْضَلِيَّةِ الإتْمامِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَزّارُ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  «كانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ ويُتِمُّ»» وما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ، أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - ««لَمّا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتُ وأتْمَمْتُ، وصُمْتُ وأفْطَرْتُ فَقالَ: أحْسَنْتِ يا عائِشَةُ»» وبِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّهُ كانَ يُتِمُّ ويَقْصُرُ».

وعِنْدَنا يَجِبُ القَصْرُ لا مَحالَةَ خَلا أنَّ بَعْضَ مَشايِخِنا سَمّاهُ عَزِيمَةً، وبَعْضَهم رُخْصَةَ إسْقاطٍ، بِحَيْثُ لا مَساغَ لِلْإتْمامِ لا رُخْصَةَ تَوْفِيَّةٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأخَفِّ والأثْقَلِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جابِرٍ، وجَمِيعِ أهْلِ البَيْتِ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكُمْ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ»».

ورَوى الشَّيْخانِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها قالَتْ: «أوَّلَ ما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ في السَّفَرِ، وزِيدَتْ في الحَضَرِ» وأمّا ما رُوِيَ عَنْها مِنَ الإتْمامِ فَقَدِ اعْتَذَرَتْ عَنْهُ، وقالَتْ: أنا أُمُّ المُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ حَلَلْتُ فَهي دارِي، كَما اعْتَذَرَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ إتْمامِهِ بِأنَّهُ تَأهَّلَ بِمَكَّةَ وأزْمَعَ الإقامَةَ بِها، كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَلا يَرِدُ أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خالَفَ رَأْيُها رِوايَتَها، وإذا خالَفَ الرّاوِي رِوايَتَهُ في أمْرٍ لا يُعْمَلُ بِرِوايَتِهِ فِيهِ، والقَوْلُ أنَّ حَدِيثَها غَيْرُ مَرْفُوعٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَشْهَدْ فَرْضَ الصَّلاةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِجَوازِ أنَّها سَمِعَتْهُ مِنَ النَّبِيِّ  - نَعَمْ، ذَكَرَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الخَبَرَ مُؤَوَّلٍ بِأنَّ الفَرْضَ في قَوْلِها: «فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ» بِمَعْنى البَيانِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا المَعْنى كَـ ﴿ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ .

وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ: فُرِضَتْ لِمَنِ اخْتارَ ذَلِكَ مِنَ المُسافِرِينَ، وهَذا كَما قِيلَ في الحاجِّ: إنَّهُ مُخَيَّرٌ في النَّفْرِ فِي اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ، وأيًّا فَعَلَ فَقَدْ قامَ بِالفَرْضِ وكانَ صَوابًا.

وقالَ النَّوَوِيُّ: المَعْنى فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ لِمَن أرادَ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِما، فَزِيدَ في الحَضَرِ رَكْعَتانِ عَلى سَبِيلِ التَّحَتُّمِ، وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلى جَوازِ الإتْمامِ، وحَيْثُ ثَبَتَتْ دَلائِلُ الإتْمامِ وجَبَ المَصِيرُ إلى ذَلِكَ جَمَعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ.

وقالَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي في جَمْعِ الأدِلَّةِ أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ عَقِبَ الهِجْرَةِ إلّا الصُّبْحَ، كَما رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، وفِيهِ: «وتُرِكَتِ الفَجْرُ لِطُولِ القِراءَةِ، والمَغْرِبُ؛ لِأنَّها وِتْرُ النَّهارِ» ثُمَّ بَعْدَما اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّباعِيَّةِ خُفِّفَ مِنها في السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ الأثِيرِ: إنَّ القَصْرَ كانَ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ: إنَّ نُزُولَ آيَةِ الخَوْفِ فِيها، وقِيلَ: القَصْرُ كانَ في رَبِيعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ، كَما ذَكَرَهُ الدُّولابِيِّ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِعامٍ أوْ نَحْوِهِ، وقِيلَ: بَعْدَ الهِجْرَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا، فَعَلى هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، أيْ: بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ لا أنَّها اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ عَزِيمَةٌ، انْتَهى.

واسْتُبْعِدَ هَذا الجَمْعُ بِأنَّها لَوْ كانَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ رَكْعَتَيْنِ لاشْتُهِرَ ذَلِكَ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في عَدَمِ وُجُوبِ الإتْمامِ، وما ذُكِرَ خَبَرٌ واحِدٌ، فَلا يُعارِضُ النَّصَّ الصَّرِيحَ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، وحُجِّيَّةُ العامِّ المَخْصُوصِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وذَكَرَ أصْحابُنا أنَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ وعَمَلَ الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وجَمِيعِ العِتْرَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - بِها يُقَوِّي القَوْلَ بِالوُجُوبِ، ووُرُودُهُ بِنَفْيِ الجُناحِ؛ لِأنَّهم ألِفُوا الإتْمامَ، فَكانُوا مَظِنَّةَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصانًا في القَصْرِ، فَصَرَّحَ بِنَفْيِ الجُناحِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَطِيبَ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وتَطْمَئِنَّ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الطَّوافَ واجِبٌ عِنْدَنا، رُكْنٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ لِمَنِ اسْتَبْعَدَ الوُجُوبَ بِنَفْيِ الجُناحِ.

﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ: إنْ خِفْتُمْ أنْ يَعْتَرِضُوا لَكم بِما تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ أوْ غَيْرِهِ (فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ) إلَخْ، وقَدْ أخَذَ بَعْضُهم بِظاهِرِ هَذا الشَّرْطِ فَقَصَرَ القَصْرَ عَلى الخَوْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - والَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ أنَّ القَصْرَ مَشْرُوعٌ في الأمْنِ أيْضًا، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأخْبارُ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونَحْنُ آمِنُونَ لا نَخافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ»».

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن أصْحابِ السُّنَنِ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ وهْبٍ الخُزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: ««صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ  الظُّهْرَ والعَصْرَ بِمِنًى أكْثَرَ ما كانَ النّاسُ وآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ؛ لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وأمّا عَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَساكِتٌ عَنْهُ، فَإنْ وُجِدَ لَهُ دَلِيلٌ ثَبَتَ عِنْدَهُ أيْضًا، وإلّا يَبْقى عَلى حالِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ دَلِيلِهِ لا لِتَحَقُّقِ دَلِيلِ عَدَمِهِ.

وناهِيكَ ما سَمِعْتَ مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ، وأمّا عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ؛ فَلِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى، وقَدْ خَرَجَ الشَّرْطُ ها هُنا مَخْرَجَ الأغْلَبِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ بَلْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُجْمَلَةٌ فِي حَقِّ مِقْدارِ النَّصْرِ وكَيْفِيَّتِهِ، وفي حَقِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نِيطَ بِهِ القَصْرُ، فَكُلُّ ما ورَدَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ القَصْرِ في حالِ الأمْنِ وتَخْصِيصِهِ بِالرُّباعِيّاتِ عَلى وجْهِ التَّنْصِيفِ وبِالضَّرْبِ في المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ بَيانٌ لِإجْمالِ الكِتابِ، كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القَصْرَ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى قَصْرِ الأحْوالِ مِنَ الإيماءِ وتَخْفِيفِ التَّسْبِيحِ والتَّوَجُّهِ إلى أيِّ وجْهٍ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الشَّرْطُ عَلى ظاهِرِ مُقْتَضاهُ المُتَبادَرِ إلى الأذْهانِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى طاوُسٍ والضَّحّاكِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَصْرُ الصَّلاةِ إنْ لَقِيتَ العَدُوَّ وقَدْ حانَتْ أنْ تُكَبِّرَ اللَّهَ تَعالى وتَخْفِضَ رَأْسَكَ إيماءً راكِبًا كُنْتَ أوْ ماشِيًا، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنْ خِفْتُمْ) إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ مِن صَلاةِ الخَوْفِ، مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ  فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ، هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في إثْرِها، فَأنَزَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ»».

ولَعَلَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ أيْضًا عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ القَصْرَ في الآيَةِ بِمَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وقَرَأ أُبَيٌّ - كَما قالَ ابْنُ المُنْذِرِ -: (فَأقْصِرُوا مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ) والمَشْهُورُ أنَّهُ كَعَبْدِ اللَّهِ أسْقَطَ (إنْ خِفْتُمْ) فَقَطْ.

وأيّا ما كانَ فَإنَّ (أنْ يَفْتِنَكُمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: شُرِعَ لَكم ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ يَفْتِنَكم إلَخْ، فَإنَّ اسْتِمْرارَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ مَظِنَّةٌ لِاقْتِدارِ الكافِرِينَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ إمّا تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّلِهِ بِما ذُكِرَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن كَوْنِ فِتْنَتِهِمْ مُتَوَقَّعَةً، فَإنَّ كَمالَ العَداوَةِ مِن مُوجِباتِ التَّعَرُّضِ بِالسُّوءِ و(عَدُوًّا) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ أعْداءٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ عَلى فَعُولٍ مِثْلُ الوَلُوعِ والقَبُولِ، و(لَكُمْ) حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(كانَ).

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًۭى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ١٠٢

﴿ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّصِّ المُجْمَلِ في مَشْرُوعِيَّةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ، وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ التّامَّةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَن خَصَّ صَلاةَ الخَوْفِ بِحَضْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كالحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، ونُسِبَ ذَلِكَ أيْضًا لَأبِي يُوسُفَ، ونَقَلَهُ عَنِ الجَصّاصِ في كِتابِ الأحْكامِ، والنَّوَوِيِّ في المُهَذَّبِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ، فَإنَّ الأئِمَّةَ بَعْدَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُوّابُهُ، وقُوّامٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ فَيَتَناوَلُهم حُكْمُ الخِطابِ الوارِدِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ .

وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  صَلاةَ الخَوْفِ؟

فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا، ثُمَّ وصَفَ لَهُ ذَلِكَ، فَصَلُّوا كَما وصَفَ، ولَمْ يَقْضُوا، وكانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - ولَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ مِنهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ» وهَذا يَحِلُّ مَحَلَّ الإجْماعِ، ويَرُدُّ ما زَعَمَهُ المُزَنِيُّ مِن دَعْوى النَّسْخِ أيْضًا.

﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيْ: أرَدْتَ أنْ تُقِيمَ بِهِمُ الصَّلاةَ ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ مَعَكَ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَهم طائِفَتَيْنِ، ولْتَقِفِ الطّائِفَةُ الأُخْرى تُجاهَ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ، ولِظُهُورِ ذَلِكَ تُرِكَ ﴿ ولْيَأْخُذُوا ﴾ أيِ: الطّائِفَةُ المَذْكُورَةُ القائِمَةُ مَعَكَ أسْلِحَتَهم مِمّا لا يَشْغَلُ عَنِ الصَّلاةِ كالسَّيْفِ والخِنْجَرِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآخِذَةَ هي الطّائِفَةُ الحارِسَةُ، فَلا يُحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى التَّقْيِيدِ، إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ الأخْذِ عَدَمُ الوَضْعِ، وإنَّما عُبِّرَ بِذَلِكَ عَنْهُ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِاسْتِصْحابِ الأسْلِحَةِ، حَتّى كَأنَّهم يَأْخُذُونَها ابْتِداءً ﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ أيِ: القائِمُونَ مَعَكَ، أيْ: إذا فَرَغُوا مِنَ السُّجُودِ وأتَمُّوا الرَّكْعَةَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ ﴾ أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا لِلْحِراسَةِ مِنَ العَدُوِّ.

﴿ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا ﴾ بَعْدُ، وهي الَّتِي كانَتْ تَحْرُسُ، ونَكَّرَها لِأنَّها لَمْ تُذْكَرْ مِن قَبْلُ ﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ مِن صَلاتِكَ، والتَّأْنِيثُ والتَّذْكِيرُ مُراعاةً لِلَّفْظِ والمَعْنى، ولَمْ يُبَيَّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالُ الرَّكْعَةِ الباقِيَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وغَيْرُهُمْ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ هي صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ  بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ  فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ فَصَلُّوا رَكْعَةً رَكْعَةً، فَتَمَّ لِرَسُولِ اللَّهِ  - رَكْعَتانِ، ولِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَتانِ، رَكْعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ورَكْعَةٌ بَعْدَ سَلامِهِ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««أنَّ النَّبِيَّ  حِينَ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً، وبِالطّائِفَةِ الأُخْرى رَكْعَةً كَما في الآيَةِ، فَجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُولى وذَهَبَتْ هَذِهِ إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ حَتّى قَضَتِ الأُولى الرَّكْعَةَ الأُخْرى بِلا قِراءَةٍ، وسَلَّمُوا، ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى وقَضَوُا الرَّكْعَةَ الأوْلى بِقِراءَةٍ، حَتّى صارَ لِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ»».

وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وإنَّما سَقَطَتِ القِراءَةُ عَنِ الطّائِفَةِ الأُولى في صَلاتِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ بَعْدَ سَلامِ رَسُولِ اللَّهِ  لِأنَّهم - وإنْ كانُوا في ثانِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ - إلّا أنَّهم في الصَّلاةِ، وفي حُكْمِ المُتابَعَةِ، فَكانَتْ قِراءَةُ الإمامِ قائِمَةً مَقامَ قِراءَتِهِمْ، كَما هو حُكْمُ الِاقْتِداءِ، ولا كَذَلِكَ الطّائِفَةُ الأُخْرى؛ لِأنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِالإمامِ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ، وأتَمَّ الإمامُ صَلاتَهُ فَلا بُدَّ لَهم مِنَ القِراءَةِ في رَكْعَتِهِمُ الثّانِيَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا مُقْتَدِينَ بِالإمامِ حِينَئِذٍ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ هي ما في الآيَةِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّحّاسُ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّكم  في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً»».

وأخْرَجَ الأوَّلانِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ قالَ: ««سَألَتْ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ أقَصْرٌ هُما؟

فَقالَ: الرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ، إنَّما القَصْرُ واحِدَةٌ عِنْدَ القِتالِ، بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في قِتالٍ إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  فَصَفَّتْ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ وُجُوهُها قِبَلَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا إلى أُولَئِكَ فَقامُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  - جَلَسَ فَسَلَّمَ، وسَلَّمَ الَّذِينَ خَلَفَهُ، وسَلَّمَ الأوَّلُونَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ  - رَكْعَتانِ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ»».

وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى أنَّ كَيْفِيَّةَ صَلاةِ الخَوْفِ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً، فَإذا قامَ لِلثّانِيَةِ فارَقَتْهُ وأتَمَّتْ، وذَهَبَتْ إلى وجْهِ العَدُوِّ، وجاءَ الواقِفُونَ في وجْهِهِ والإمامُ يَنْتَظِرُهُمْ، فاقْتَدَوْا بِهِ، وصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَإذا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قامُوا فَأتَمُّوا ثانِيَتَهُمْ، ولَحِقُوهُ وسَلَّمَ بِهِمْ.

وهَذِهِ - كَما رَواهُ الشَّيْخانِ - صَلاةُ النَّبِيِّ  بِذاتِ الرِّقاعِ، وهي أحَدُ الأنْواعِ الَّتِي اخْتارَها الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واسْتُشْكِلَ مِن سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا، ويُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ الصَّلاةُ، والمَعْنى: فَإذا فَرَغُوا مِنَ الصَّلاةِ (فَلْيَكُونُوا) إلَخْ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا قُصُورَ في البَيانِ عَلَيْهِ، وبِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أنَّ الطّائِفَةَ الأخِيرَةَ تُتِمُّ الصَّلاةَ مَعَ الإمامِ، ولَيْسَ فِيهِ إشْعارٌ بِحِراسَتِها مَرَّةً ثانِيَةً وهي في الصَّلاةِ البَتَّةَ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - بَلْ قِيلَ: إنَّها ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ - أنَّ الإمامَ يُصَلِّي مَرَّتَيْنِ كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وهي صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ  كَما رَواهُ الشَّيْخانِ أيْضًا بِبَطْنِ نَخْلٍ، واحْتِمالُها لِلْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فَعَلَها رَسُولُ اللَّهِ  بِعُسْفانَ بَعِيدٌ جِدًّا، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورَواهُ عَنْهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما - ««صَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا جَلَسَ الآخَرُونَ، فَسَجَدُوا في مَكانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، ثُمَّ رَكَعَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا، ثُمَّ سَجَدَ هو والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» وتَمامُ الكَلامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ».

﴿ ولْيَأْخُذُوا ﴾ أيِ: الطّائِفَةُ الأُخْرى ﴿ حِذْرَهُمْ ﴾ أيِ: احْتِرازَهُمْ، وشَبَّهَهُ بِما يُتَحَصَّنُ بِهِ مِنَ الآلاتِ، ولِذا أثْبَتَ لَهُ الأخْذَ تَخْيِيلًا، وإلّا فَهو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَتَّصِفُ بِالأخْذِ ولا يَضُرُّ عَطْفُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ عَلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ التَّجَوُّزَ في التَّخْيِيلِ في الإثْباتِ والنِّسْبَةِ لا في الطَّرَفِ عَلى الصَّحِيحِ، ومِثْلُهُ لا بَأْسَ فِيهِ بِالجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِنَ المُشاكَلَةِ لِما يَلْزَمُ عَلى الكِنايَةِ التَّصْرِيحُ بِطَرَفَيْها، وإنْ دُفِعَ بِأنَّ المُشَبَّهَ بِهِ أعَمُّ مِنَ المَذْكُورِ، وإنْ فُسِّرَ الحَذَرُ بِما يُدْفَعُ بِهِ فَلا كَلامَ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الأمْرِ بِالحَذَرِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - في هَذِهِ المَرَّةِ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِوُقُوفِ الكَفَرَةِ، عَلى كَوْنِ الطّائِفَةِ القائِمَةِ مَعَ النَّبِيِّ  في شُغُلٍ شاغِلٍ، وأمّا قَبْلَها فَرُبَّما يَظُنُّونَهم قائِمِينَ لِلْحِرابِ.

﴿ ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ بَيانٌ لِما لِأجْلِهِ أُمِرُوا بِأخْذِ السِّلاحِ، والخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا مِنكم غِرَّةً في صَلاتِكم فَيَحْمِلُونَ عَلَيْكم جُمْلَةً واحِدَةً، والمُرادُ بِالأمْتِعَةِ ما يُمَتَّعُ بِهِ في الحَرْبِ لا مُطْلَقًا، وقُرِئَ (أمْتِعاتِكُمْ) والأمْرُ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ ﴾ حَيْثُ رَخَّصَ لَهم في وضْعِها إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ حَمْلُها واسْتِصْحابُها بِسَبَبِ مَطَرٍ أوْ مَرَضٍ، وأُمِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّيَقُّظِ والِاحْتِياطِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ إلْقاءِ السِّلاحِ لِلْعُذْرِ؛ لِئَلّا يَهْجِمَ عَلَيْكُمُ العَدُوُّ غِيلَةً.

واخْتارَ بَعْضُ أئِمَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ، وقَيَّدُوهُ بِما إذا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِتَرْكِ الحِمْلِ، أمّا لَوْ خافَ وجَبَ الحَمْلُ عَلى الأوْجُهِ، ولَوْ كانَ السِّلاحُ نَجِسًا ومانِعًا لِلسُّجُودِ، وفي شَرْحِ المِنهاجِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ: ولَوِ انْتَفى خَوْفُ الضَّرَرِ وتَأذّى غَيْرُهُ بِحَمْلِهِ كُرِهَ إنْ خَفَّ الضَّرَرُ بِأنِ احْتُمِلَ عادَةً، وإلّا حَرُمَ، وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ إطْلاقِ كَراهَتِهِ وإطْلاقِ حُرْمَتِهِ.

والآيَةُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وكانَ جَرِيحًا.

وذَكَرَ أبُو ضَمْرَةَ، ورَواهُ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  «غَزا مُحارِبًا وبَنِي أنِمارٍ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأحْرَزَهُمُ الذَّرارِيَّ والمالَ، فَنَزَلَ رَسُولٌ  والمُسْلِمُونَ ولا يَرَوْنَ مِنَ العَدُوِّ واحِدًا، فَوَضَعُوا أسْلِحَتَهم وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  لِحاجَةٍ لَهُ، وقَدْ وضَعَ سِلاحَهُ، حَتّى قَطَعَ الوادِيَ، والسَّماءُ تَرُشُّ، فَحالَ الوادِي بَيْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ أصْحابِهِ، فَجَلَسَ في ظِلِّ سَمُرَةٍ فَبَصُرَ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الحَرْثِ المُحارِبِيُّ فَقالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ تَعالى إنْ لَمْ أقْتُلْهُ، وانْحَدَرَ مِنَ الجَبَلِ، ومَعَهُ السَّيْفُ، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  إلّا وهو قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ ومَعَهُ السَّيْفُ، قَدْ سَلَّهُ مَن غِمْدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَعْصِمُكَ مِنِّي الآنَ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي غَوْرَثَ بْنَ الحَرْثِ بِما شِئْتَ، فانْكَبَّ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى لِوَجْهِهِ، وقامَ رَسُولُ اللَّهِ  فَأخَذَ سَيْفَهُ فَقالَ: يا غَوْرَثُ مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي الآنَ؟

فَقالَ لا أحَدَ، قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ؟

قالَ: لا، ولَكِنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ أنْ لا أُقاتِلَكَ أبَدًا، ولا أُعِينَ عَلَيْكَ عَدُوًّا، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ  - سَيْفَهُ، فَقالَ لَهُ غَوْرَثٌ: لَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  إنِّي أحَقُّ بِذَلِكَ» فَرَجَعَ غَوْرَثٌ إلى أصْحابِهِ فَقالُوا: يا غَوْرَثُ لَقَدْ رَأيْناكَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ فَما مَنَعَكَ مِنهُ؟

قالَ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أهْوَيْتُ لَهُ بِالسَّيْفِ لِأضْرِبَهُ فَما أدْرِي مَن لَزَجَنِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي، وخَرَّ سَيْفِي، وسَبَقَنِي، إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -فَأخَذَهُ، وأتَمَّ لَهُمُ القِصَّةَ، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ، ولَمْ يَلْبَثِ الوادِي أنْ سَكَنَ، فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى أصْحابِهِ، فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الآيَةَ».

﴿ إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ، أيْ: أعَدَّ لَهم عَذابًا مُذِلًّا، وهو عَذابُ المَغْلُوبِيَّةِ لَكم ونُصْرَتِكم عَلَيْهِمْ، فاهْتَمُّوا بِأُمُورِكُمْ، ولا تُهْمِلُوا مُباشَرَةَ الأسْبابِ كَيْ يُعَذِّبَهم بِأيْدِيكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ مُوهِمًا لِغَلَبَتِهِ واعْتِزازِهِ نَفى ذَلِكَ الإيهامَ بِالوَعْدِ بِالنَّصْرِ وخِذْلانِ العَدُوِّ؛ لِتَقْوى قُلُوبُ المَأْمُورَيْنِ، ويَعْلَمُوا أنَّ التَّحَرُّزَ في نَفْسِهِ عُبادَةٌ، كَما أنَّ النَّهْيَ عَنْ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ لِذَلِكَ، لا لِلْمَنعِ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَرْبِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ المُهِينِ شَرْعُ صَلاةِ الخَوْفِ فَيَكُونُ لِخَتْمِ الآيَةِ بِهِ مُناسَبَةٌ تامَّةٌ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًۭا مَّوْقُوتًۭا ١٠٣

﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيْ: فَإذا أدَّيْتُمْ صَلاةَ الخَوْفِ عَلى الوَجْهِ المُبَيَّنِ وفَرَغْتُمْ مِنها ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ: فَداوِمُوا عَلى ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ الأحْوالِ، حَتّى في حالِ المُسابَقَةِ والمُقارَعَةِ والمُراماةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ عَقِبَ تَفْسِيرِها: لَمْ يُعْذِرِ اللَّهُ تَعالى أحَدًا في تَرْكِ ذِكْرِهِ إلّا المَغْلُوبَ عَلى عَقْلِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: وإذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ واشْتَدَّ الخَوْفُ أوِ التَحَمَ القِتالُ فَصَلُّوا كَيْفَما كانَ، وهو المُوافِقُ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ مِن وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُحارِبَةِ وعَدَمِ جَوازِ تَأْخِيرِها عَنِ الوَقْتِ، ويُعْذَرُ المُصَلِّي حِينَئِذٍ في تَرْكِ القِبْلَةِ لِحاجَةِ القِتالِ لا لِنَحْوِ جِماحِ دابَّةٍ وطالَ الفَصْلُ، وكَذا الأعْمالُ الكَثِيرَةُ لِحاجَةٍ في الأصَحِّ لا الصِّياحُ أوِ النُّطْقُ بِدُونِهِ، ولَوْ دَعَتِ الحاجَّةُ إلَيْهِ كَتَنْبِيهِ مَن خُشِيَ وُقُوعُ مَهْلَكٍ بِهِ، أوْ زَجْرُ الخَيْلِ، أوِ الإعْلامُ بِأنَّهُ فُلانٌ المَشْهُورُ بِالشَّجاعَةِ لِنُدْرَةِ الحاجَةِ، ولا قَضاءَ بَعْدَ الأمْنِ فِيهِ، نَعَمْ، لَوْ صَلُّوا كَذَلِكَ لِسَوادٍ ظَنُّوهُ ولَوْ بِإخْبارِ عَدْلٍ عَدُوًّا فَبانَ أنْ لا عَدُوَّ وأنَّ بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما يَمْنَعُ وُصُولَهُ إلَيْهِمْ كَخَنْدَقٍ، أوْ أنَّ بِقُرْبِهِمْ عُرْفًا حِصْنًا يُمْكِنُهُمُ التَّحَصُّنُ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحاصِرَهم فِيهِ قَضَوْا في الأظْهَرِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ.

﴿ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾ أيْ: أقَمْتُمْ، كَما قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وهو راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ ولَمّا كانَ الضَّرْبُ اضْطِرابًا وكُنِّيَ بِهِ عَنِ السَّفَرِ ناسَبَ أنْ يُكَنّى بِالِاطْمِئْنانِ عَنِ الإقامَةِ، وأصْلُهُ السُّكُونُ والِاسْتِقْرارُ، أيْ: إذا اسْتَقْرَرْتُمْ مِنَ السَّيْرِ والسَّفَرِ في أمْصارِكم ﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ أيْ: أدُّوا الصَّلاةَ الَّتِي دَخَلَ وقْتُها، وأتِمُّوها، وعَدِّلُوا أرْكانَها، وراعُوا شُرُوطَها، وحافِظُوا عَلى حُدُودِها.

وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا أمِنتُمْ فَأتِمُّوا الصَّلاةَ، أيْ: جِنْسَها، مُعَدَّلَةَ الأرْكانِ، ولا تُصَلُّوها ماشِينَ أوْ راكِبِينَ أوْ قاعِدِينَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ في الجُمْلَةِ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي حالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ، ونُسِبَ إلى الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ لِما عَلِمْتَ مِن مَذْهَبِهِ (ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).

﴿ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا ﴾ أيْ: مَكْتُوبًا مَفْرُوضًا ﴿ مَوْقُوتًا ﴾ مَحْدُودَ الأوْقاتِ، لا يَجُوزُ إخْراجُها عَنْ أوْقاتِها في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ، فَلا بُدَّ مِن إقامَتِها سَفَرًا أيْضًا، وقِيلَ: المَعْنى: كانَتْ عَلَيْهِمْ أمْرًا مَفْرُوضًا مُقَدَّرًا في الحَضَرِ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ وفي السَّفَرِ بِرَكْعَتَيْنِ، فَلا بُدَّ أنْ تُؤَدّى في كُلِّ وقْتٍ حَسْبَما قُدِّرَ فِيهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن حَمَلَ الذِّكْرَ فِيما تَقَدَّمَ عَلى الصَّلاةِ، وأوْجَبَها في حالِ القِتالِ، عَلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

﴿ ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ أيْ: لا تَضْعُفُوا ولا تَتَوانَوْا في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ.

﴿ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، وتَشْجِيعٌ لَهم أيْ: لَيْسَ ما يَنالُكم مِنَ الآلامِ مُخْتَصًّا بِكُمْ، بَلِ الأمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَما لَكم أنْتُمْ لا تَصْبِرُونَ؟!

مَعَ أنَّكم أوْلى بِالصَّبْرِ مِنهُمْ، حَيْثُ إنَّكم تَرْجِعُونَ وتَطْمَعُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْطُرُ لَهم بِبالٍ مِن ظُهُورِ دِينِكُمُ الحَقِّ عَلى سائِرِ الأدْيانِ الباطِلَةِ، ومِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخِرَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ الرَّجاءُ عَلى الخَوْفِ، فالمَعْنى إنَّ الألَمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَكُمْ؛ لِأنَّ لَكم خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ فَوْقَ الِاحْتِرازِ عَنِ الألَمِ، ولَيْسَ لَهم خَوْفٌ يُلْجِئُهم إلى الألَمِ، وهم يَخْتارُونَهُ لِإعْلاءِ دِينِهِمُ الباطِلِ فَما لكم ولِلْوَهَنِ؟!

ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّ الألَمَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وأنَّكم تَعْبُدُونَ الإلَهَ العالِمَ القادِرَ السَّمِيعَ البَصِيرَ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُرْجى مِنهُ، وأنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ الَّتِي لا خَيْرُهُنَّ يُرْجى ولاشَرُّهُنَّ يُخْشى.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ (أنْ تَكُونُوا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أيْ: لا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَهْنِ لِأجْلِهِ، وقُرِئَ (تَئْلِمُونَ كَما يَئْلِمُونَ) بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ، والآيَةُ - قِيلَ -: نَزَلَتْ في الذَّهابِ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ في الذَّهابِ خَلْفَ أبِي سُفْيانَ وعَسْكَرِهِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ، فَيَعْلَمُ مَصالِحَكم وأعْمالَكُمْ، ما تُظْهِرُونَ مِنها وما تُسِرُّونَ ﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى، فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ لِذَلِكَ، فَإنَّ فِيهِ عَواقِبَ حَمِيدَةٌ، وفَوْزًا بِالمَطْلُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا ١٠٥

﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهُمْ: بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ، يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ويَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ النَّبِيِّ -  - ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ، فَقالَ: أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ طَعامُ النّاسِ بِالمَدِينَةِ التَّمْرَ والشَّعِيرَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ مِنهُ فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ فَنَقَبَ المَشْرَبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، فَقالَ بَنُو أُبَيْرِقٍ: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لُبَيْدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لُبَيْدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقالَ: أنا أسْرِقُ فَواللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها.

فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ  فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلُ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانَ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنّى خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ  في ذَلِكَ.

فَأتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ؟

فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: اللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ إلَخْ، فَلَمّا نَزَلَ أتى رَسُولُ اللَّهِ  - بِالسِّلاحِ، فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَمِيَ في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا - قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، ثُمَّ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ إنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - هَجا سُلافَةَ فَقالَ: فَقَدْ أنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ وأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنازِعُها جِلْدَ إسْتِها وتُنازِعُهْ ظَنَنْتُمْ بِأنْ يَخْفى الَّذِي صَنَعْتُمُ ∗∗∗ وفِينا نَبِيٌّ عِنْدَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ فَلَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ حَمَلَتْ رَحْلَهُ عَلى رَأْسِها فَألْقَتْهُ بِالأبْطَحِ، فَقالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ!

ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ - ««أنَّ يَهُودِيًّا اسْتَوْدَعَ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا، فانْطَلَقَ بِها إلى دارِهِ، فَحَفَرَ لَها اليَهُودِيُّ ودَفَنَها، فَخالَفَ إلَيْها طُعْمَةُ فاحْتَفَرَ عَنْها فَأخَذَها، فَلَمّا جاءَ اليَهُودِيُّ يَطْلُبُ دِرْعَهُ كافَرَهُ عَنْها، فانْطَلَقَ إلى أُناسٍ مِنَ اليَهُودِ مِن عَشِيرَتِهِ فَقالَ: انْطَلِقُوا مَعِيَ فَإنِّي أعْرِفُ مَوْضِعَ الدِّرْعِ، فَلَمّا عَلِمَ بِهِ طُعْمَةُ أخَذَ الدِّرْعَ فَألْقاها في دارِ أبِي مُلَيْكٍ الأنْصارِيِّ، فَلَمّا جاءَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُ الدِّرْعَ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْها وقَعَ بِهِ طُعْمَةُ وأُناسٌ مِن قَوْمِهِ، فَسَبُّوهُ، وقالَ طُعْمَةُ: أتَخُونُونِي؟!

فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَها في دارِهِ، فَأشْرَفُوا عَلى دارِ أبِي مُلَيْكٍ فَإذا هم بِالدِّرْعِ، فَقالَ طُعْمَةُ: أخَذَها أبُو مُلَيْكٍ، وجادَلَتِ الأنْصارُ دُونَ طُعْمَةَ، وقالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقُولُوا لَهُ يَنْضَحُ عَنِّي ويُكَذِّبُ حُجَّةَ اليَهُودِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، فَلَمّا فَضَحَ اللَّهُ تَعالى طُعْمَةَ بِالقُرْآنِ هَرَبَ حَتّى أتى مَكَّةَ، فَكَفَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ، ونَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ السُّلَمِيِّ، فَنَقَبَ بَيْتَهُ وأرادَ أنْ يَسْرِقَهُ، فَسَمِعَ الحَجّاجُ خَشْخَشَةً في بَيْتِهِ وقَعْقَعَةَ جُلُودٍ كانَتْ عِنْدَهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِطُعْمَةَ فَقالَ: ضَيْفِي وابْنُ عَمِّي أرَدْتَ أنْ تَسْرِقَنِي؟!

فَأخْرَجَهُ، فَماتَ بِحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ كافِرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ ومَن يُشاقِقِ ﴾ » إلَخْ».

وعَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ طُعْمَةَ لَمّا نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ، ورَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وعَدا عَلى مَشْرَبَةٍ لِلْحَجّاجِ سَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلُحِجَ، فَلَمّا أصْبَحَ أخْرَجُوهُ مِن مَكَّةَ، فَخَرَجَ، فَلَقِيَ رَكْبًا مِن قُضاعَةَ فَعَرَضَ لَهُمْ، فَقالُوا: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ، فَحَمَلُوهُ، حَتّى إذا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عَدا عَلَيْهِمْ فَسَرَقَهُمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَرَجَعُوا في طَلَبِهِ فَأدْرَكُوهُ، فَقَذَفُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى ماتَ.

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ بَعْدَ أنْ لَحِقَ بِمَكَّةَ نَقَبَ بَيْتًا يَسْرِقُهُ فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ أُخْرِجَ فَرَكِبَ سَفِينَةً إلى جُدَّةَ فَسَرَقَ فِيها كِيسًا فِيهِ دَنانِيرُ، فَأُخِذَ وأُلْقِيَ في البَحْرِ.

هَذا، وفي تَأْكِيدِ الحُكْمِ إيذانٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كَما في إسْنادِ الإنْزالِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ المُسْنَدِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ والتَّشْوِيقِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ القُرْآنَ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ ﴿ بِما أراكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ(أرى) وهي مِن رَأى بِمَعْنى عَرَفَ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ، وقَدْ تَعَدَّتْ لِاثْنَيْنِ بِالهَمْزَةِ، وقِيلَ: إنَّها مِنَ الرَّأْيِ مِن قَوْلِهِمْ: رَأْيُ الشّافِعِيِّ كَذا، وجَعْلُها عِلْمِيَّةً يَقْتَضِي التَّعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ وحَذْفَ اثْنَيْنِ مِنها، أيْ: بِما أراكَهُ اللَّهَ تَعالى حَقًّا، وهو بَعِيدٌ، وأمّا جَعْلُها مِن رَأى البَصَرِيَّةِ مَجازًا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.

﴿ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ ﴾ وهم بَنُو أُبَيْرِقٍ، أوْ طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ، أوْ هو ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وقِيلَ: بِمَعْنى عَنْ، أيْ: لا تَكُنْ لِأجْلِهِمْ، أوْ عَنْهم ﴿ خَصِيمًا ﴾ أيْ: مُخاصِمًا لِلْبُرَآءِ، والنَّهْيُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ الكِتابَ فاحْكم بِهِ ولا تَكُنْ إلَخْ.

وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (أنْزَلَنا) بِتَقْدِيرِ (قُلْنا) وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى الكِتابِ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٠٦

﴿ واسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، أوْ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ في أمْرِ طُعْمَةَ وبَراءَتِهِ لِظاهِرِ الحالِ، وما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَتادَةَ، وكَذا الهَمُّ بِالشَّيْءِ خُصُوصًا إذْ يُظَنُّ أنَّهُ الحَقُّ لَيْسَ بِذَنْبٍ حَتّى يُسْتَغْفَرَ مِنهُ، لَكِنْ لِعَظَمِ النَّبِيِّ  وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوهِمُ النَّقْصَ - وحاشاهُ - أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ؛ لِزِيادَةِ الثَّوابِ، وإرْشادِهِ إلى التَّثَبُّتِ، وأنَّ ما لَيْسَ بِذَنْبٍ مِمّا يَكادُ يُعَدُّ حَسَنَةً مِن غَيْرِهِ إذا صَدَرَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالنِّسْبَةِ لِعَظْمَتِهِ ومَقامِهِ المَحْمُودِ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، فَلا مُتَمَسَّكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ في عَدَمِ العِصْمَةِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ (واسْتَغْفِرْ) لِأُولَئِكَ الَّذِينَ بَرَّءُوا ذَلِكَ الخائِنَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، وقِيلَ: لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ <div class="verse-tafsir"

وَلَا تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًۭا ١٠٧

﴿ ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: يَخُونُونَها، وجُعِلَتْ خِيانَةُ الغَيْرِ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ وبالَها وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جُعِلَتِ المَعْصِيَةُ خِيانَةً فَمَعْنى (يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ) يَظْلِمُونَها بِاكْتِسابِ المَعاصِي وارْتِكابِ الآثامِ، وقِيلَ: الخِيانَةُ مَجازٌ عَنِ المَضَرَّةِ، ولا بُعْدَ فِيهِ.

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا السّارِقُ أوَ المُودِعُ المُكافِرُ وأمْثالُهُ، وإمّا مَن عاوَنَهُ، فَإنَّهُ شَرِيكٌ في الإثْمِ والخِيانَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ مُرْتَكِبًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُجادِلْ أيُّها الإنْسانُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا ﴾ كَثِيرَ الخِيانَةِ، مُفْرِطًا فِيها ﴿ أثِيمًا ﴾ مُنْهَمِكًا في الإثْمِ، وتَعْلِيقُ عَدَمِ المَحَبَّةِ المُرادُ مِنهُ البُغْضُ والسُّخْطُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بَلْ لِبَيانِ إفْراطِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وقَوْمِهِمْ في الخِيانَةِ والإثْمِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِما؛ لِيَخْرُجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ الإثْمُ والخِيانَةُ مَرَّةً، ومَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وإرْدافُ الخَوّانِ بِالأثِيمِ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ السَّرِقَةِ أوْ إنْكارِ الوَدِيعَةِ، والثّانِيَ بِاعْتِبارِ تُهْمَةِ البَرِئِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقُدِّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ الإثْمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لَهُ، أوْ لِأنَّ وُقُوعَهُما كانَ كَذَلِكَ، أوْ لِتَواخِي الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨

﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ﴾ أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم حَياءً وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ، وأصْلُ ذَلِكَ طَلَبُ الخَفاءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ عَلى الأظْهَرِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مِن) و ﴿ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: ولا يَسْتَحْيَوْنَ مِنهُ سُبْحانَهُ، وهو أحَقُّ بِأنْ يُسْتَحى مِنهُ، ويُخافَ مِن عِقابِهِ، وإنَّما فُسِّرَ الِاسْتِخْفاءُ مِن تَعالى بِالِاسْتِحْياءِ لِأنَّ الِاسْتِتارَ مِنهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - مُحالٌ لا فائِدَةَ في نَفْيِهِ، ولا مَعْنى لِلذَّمِّ في عَدَمِهِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ ﴿ وهُوَ مَعَهُمْ ﴾ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ فَلا طَرِيقَ إلى الِاسْتِخْفاءِ مِنهُ تَعالى سِوى تَرْكِ ما يُؤاخِذُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَخِفُّونَ).

﴿ إذْ يُبَيِّتُونَ ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ التَّدْبِيرِ مِمّا يُبَيَّتُ عُبِّرَ بِهِ عَنْهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَخِفُّونَ).

﴿ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ ﴾ مِن رَمْيِ البَرِئِ وشَهادَةِ الزُّورِ، قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وتَسْمِيَةُ التَّدْبِيرِ - وهو مَعْنًى في النَّفْسِ - قَوْلًا لا إشْكالَ فِيها عِنْدَ القائِلِينَ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، وأمّا عِنْدُ غَيْرِهِمْ فَمَجازٌ، أوْ لَعَلَّهُمُ اجْتَمَعُوا في اللَّيْلِ ورَتَّبُوا كَيْفِيَّةَ المَكْرِ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ المُبَيَّتِ الَّذِي لا يَرْضاهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ ها هُنا، فَتَذَكَّرْ.

﴿ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخافِيَةِ ﴿ مُحِيطًا ﴾ أيْ: حَفِيظًا، كَما قالَ الحَسَنُ، أوْ عالِمًا لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا يَفُوتُ كَما قالَ غَيْرُهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ الإحاطَةُ هُنا مَجازٌ، ونَظَمَها البَعْضُ في سِلْكِ المُتَشابَهِ.

<div class="verse-tafsir"

هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا ١٠٩

﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ خِطابٌ لِلذّابِّينَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ تَعْدِيدَ جِناياتِهِمْ يُوجِبُ مُشافَهَتَهم بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ جُمْلَةٌ مَبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ (أُولاءِ) خَبَرًا، فَهو بِمَعْنى المُجادِلِينَ، وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُولاءِ) اسْمًا مَوْصُولًا كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ في كُلِّ اسْمٍ إشارَةٍ، و(جادَلْتُمْ) صِلَتُهُ، فالحَمْلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، والمُجادَلَةُ أشَدُّ المُخاصَمَةِ، وأصْلُها مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ القَتْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم بَذَلْتُمُ الجُهْدَ في المُخاصَمَةِ عَمَّنْ أشارَتْ إلَيْهِ الأخْبارُ في الدُّنْيا.

﴿ فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: فَمَن يُخاصِمُهُ سُبْحانَهُ عَنْهم يَوْمَ لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا، ولا يُغْنِي عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿ وكِيلا ﴾ أيْ: حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ، وأصْلُ مَعْنى الوَكِيلِ الشَّخْصُ الَّذِي تُوكَلُ الأُمُورُ لَهُ وتُسْنَدُ إلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالحافِظِ المُحامِي مَجازٌ مِن بابِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في لازِمِ مَعْناهُ.

و(أمْ) هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ كَما قالَ السَّمِينُ، وقِيلَ: عاطِفَةٌ كَما نَقَلَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، والِاسْتِفْهامُ - كَما قالَ الكَرْخِيُّ -: في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يُجادِلُ عَنْهُمْ، ولا أحَدَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١١٠

﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا ﴾ أيْ: شَيْئًا يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ كَما فَعَلَ بُشَيْرٌ بِرِفاعَةَ أوْ طُعْمَةُ بِاليَهُودِيِّ ﴿ أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالإنْكارِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما دُونَ الشِّرْكِ، والظُّلْمُ الشِّرْكُ، وقِيلَ: السُّوءُ الصَّغِيرَةُ، والظُّلْمُ الكَبِيرَةُ.

﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِيَسِيرٍ ﴿ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا ﴾ لِما اسْتَغْفَرَهُ مِنهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ رَحِيمًا ﴾ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن فِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ مِنَ المُذْنِبِينَ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، قِيلَ: وتَخْوِيفٌ لِمَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ ولَمْ يَتُبْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ حُرِمَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وابْتُلِيَ بِغَضَبِهِ <div class="verse-tafsir"

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١١١

﴿ ومَن يَكْسِبْ ﴾ أيْ: يَفْعَلْ ﴿ إثْمًا ﴾ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَعَدّى ضَرَرُهُ إلى غَيْرِها، فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ والوَبالِ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ الكَسْبُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في كَلِّ ما قَدَّرَ وقَضى ومِن ذَلِكَ لا تَحْمِلُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقِيلَ: (عَلِيمًا) بِالسّارِقِ (حَكِيمًا) في إيجابِ القَطْعِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا ١١٢

﴿ ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ أيْ: صَغِيرَةً، أوْ ما لا عَمْدَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (يَكِسِّبُ) بِكَسْرِ الكافِ والسِّينِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ (يَكْتَسِبُ ﴿ أوْ إثْمًا ﴾ أيْ: كَبِيرَةً، أوْ ما كانَ عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الشِّرْكُ، والإثْمُ ما دُونَهُ.

وفِي الكَشّافِ: الإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العِقابَ، والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمال أيْ: يَكْسِرُها بِإحْباطِهِ، وفي الكَشْفِ: كَأنَّ هَذا أصِلُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الذَّنْبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ”كَبائِرُ الإثم“ ومِن هَذا يُعْلَمُ ضَعْفُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ القِيلِ ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ويُسْنِدُهُ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى (إثْمًا) فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنِ بِـ(أْوْ) يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُما عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، نَحْوُ: ﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وعَلى المَعْطُوفِ نَحْوُ: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها ﴾ .

وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى الكَسْبِ عَلى حَدِّ ﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: يَرْمِ بِها وبِهِ، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وقُرِئَ بِهِما ﴿ بَرِيئًا ﴾ مِمّا رَماهُ بِهِ لِيُحَمِّلَهُ عُقُوبَةَ العاجِلَةِ، كَما فَعَلَ مَن عِنْدَهُ الدِّرْعُ بِلُبَيْدِ بْنِ سَهْلٍ، أوْ بِأبِي مُلَيْكٍ ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ ﴾ بِما فَعَلَ مِن رَمْيِ البَرِئِ، وقَصْدِهِ تَحْمِيلَ جَرِيرَتِهِ عَلَيْهِ، وهو أبْلَغُ مِن (حَمَلَ) وقِيلَ: افْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، فاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿ بُهْتانًا ﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ويُتَحَيَّرُ عِنْدَ سَماعِهِ لِفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: هو الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ في عِظَمِهِ، والماضِي بَهَتَ كَمَنَعَ، ويُقالُ في المَصْدَرِ: بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتًا ﴿ وإثْمًا مُبِينًا ﴾ أيْ: بَيِّنًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا خَفاءَ، وهو صِفَةٌ لِـ(إثْمًا) وقَدِ اكْتُفِيَ في بَيانِ عِظَمِ البُهْتانِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ عَلى أنَّ وصْفَ الإثْمِ بِما ذُكِرَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ البُهْتانِ بِهِ؛ لِأنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ أمْرٍ واحِدٍ هُوَ رَمِيُ البَرِئِ بِجِنايَةِ نَفْسِهِ.

وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِما تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْظِيعًا لِحالِهِ، فَمَدارُ العِظَمِ والفَخامَةِ كَوْنُ المَرْمِيِّ بِهِ لِلَّرامِي، فَإنَّ رَمْيَ البَرِئِ بِجانِيَةٍ ما خَطِيئَةً كانَتْ أوْ إثْمًا بُهْتانٌ وإثْمٌ في نَفْسِهِ، أمّا كَوْنُهُ بُهْتانًا فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ إثْمًا فَلِأنَّ كَوْنَ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن فَعَلَهُ خَطِيئَةً لا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن نَسَبَهُ إلى البَرِئِ مِنهُ أيْضًا كَذَلِكَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ قَطْعًا، كَيْفَ لا وهو كَذِبٌ مُحَرَّمٌ في سائِرِ الأدْيانِ، فَهو في نَفْسِهِ بُهْتانٌ وإثْمٌ لا مَحالَةَ، وبِكَوْنِ تِلْكَ الجِنايَةِ لِلَّرامِيِّ يَتَضاعَفُ ذَلِكَ شِدَّةً ويَزْدادُ قُبْحًا، لَكِنْ لا لِانْضِمامِ جِنايَتِهِ المَكْسُوبَةِ إلى رَمْيِ البَرِئِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ، ولا لِمُجَرَّدِ اشْتِمالِهِ عَلى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الخاطِئَةِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مَعَ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى قَصْدِ تَحْمِيلِ جِنايَتِهِ عَلى البَرِئٍ، وإجْراءِ عُقُوبَتِها عَلَيْهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الِاحْتِمالِ عَلى الِاكْتِسابِ ونَحْوِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِثِقَلِ الوِزْرِ وصُعُوبَةِ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ.

نَعَمْ، بِما ذُكِرَ مِنِ انْضِمامِ كَسْبِهِ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ إلى رَمْيِ البَرِئِ تَزْدادُ الجِنايَةَ قُبْحًا، لَكِنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ وصْفٌ لِلْمَجْمُوعِ لا لِلْإثْمِ فَقَطْ، كَذا قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولا يَخْفى أنَّهُ أوْلى مِمّا يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الكَشّافِ مِن أنَّ في التَّنْزِيلِ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرُ مُرَتَّبٍ حَيْثُ قالَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: (فَقَدِ احْتَمَلَ) إلَخْ: لِأنَّهُ بِكَسْبِهِ الإثْمَ آثِمٌ، وبِرَمْيِهِ البَرِئِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِخُلُوِّهِ عَمّا يَلْزَمُهُ، وإنْ أُجِيبَ عَنْهُ، فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا ١١٣

﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ ﴾ بِإعْلامِكَ بِما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ، وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ بِالنُّبُوَّةِ ورَحْمَتُهُ بِالعِصْمَةِ، وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ بِالنُّبُوَّةِ ورَحْمَتُهُ بِالوَحْيِ، وقِيلَ: المُرادُ لَوْلا حِفْظُهُ لَكَ وحِراسَتُهُ إيّاكَ.

﴿ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ (يَخْتانُونَ) والمُرادُ بِهِمْ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ وأصْحابُهُ، أوِ الذّابُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، المُطَّلِعُونَ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ، العالِمُونَ بِحَقِيقَتِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى النّاسِ، والمُرادُ بِالطّائِفَةِ الَّذِينَ انْتَصَرُوا لِلسّارِقِ، أوِ المُودِعِ الخائِنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ وفْدُ ثَقِيفٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّهم قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا: يا مُحَمَّدُ، جِئْناكَ نُبايِعُكَ عَلى أنْ لا نَكْسِرَ أصْنامَنا بِأيْدِينا، وعَلى أنْ نَتَمَتَّعَ بِالعُزّى سَنَةً، فَلَمْ يُجِبْهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ».

وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ (هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) مِن إهْلاكِ النَّبِيِّ  فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، وحَرَسَهُ بِعَيْنِ عِنايَتِهِ ﴿ أنْ يُضِلُّوكَ ﴾ أيْ: بِأنْ يُضِلُّوكَ عَنِ القَضاءِ بِالحَقِّ، أوْ عَنِ اتِّباعِ ما جاءَكَ في أمْرِ الأصْنامِ، أوْ بِأنْ يُهْلِكُوكَ، وقَدْ جاءَ الإضْلالُ بِهَذا المَعْنى، ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ لَوْلا، وإنَّما نُفِيَ هَمُّهم مَعَ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو ثَأْثِيرُهُ فَقَطْ إيذانًا بِانْتِفاءِ تَأْثِيرِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ هو الهَمُّ المُؤَثِّرُ، ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ حَقِيقَةً.

وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْلِمِينَ، ولَمْ يُهِمُّوا بِإضَلالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ صَوابًا عِنْدَهم وفي ظَنِّهِمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَأضَلُّوكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (لَهَمَّتْ) أيْ: لَقَدْ هَمَّتْ بِذَلِكَ ﴿ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: ما يُزِيلُونَ عَنِ الحَقِّ إلّا أنْفُسَهُمْ، أوْ ما يُهْلِكُونَ إلّا إيّاها لِعَوْدِ وبالِ ذَلِكَ وضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وعَطْفُهُ عَلى (أنْ يُضِلُّوكَ) وهْمٌ مَحْضٌ و(مِن) صِلَةٌ، والمَجْرُورُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِما أنَّهُ تَعالى عاصِمُكَ عَنِ الزَّيْغِ في الحُكْمِ.

وأمّا ما خَطَرَ بِبالِكَ فَكانَ عَمَلًا مِنكَ بِظاهِرِ الحالِ ثِقَةً بِأقْوالِ القائِلِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ لَكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، أوْ لِما أنَّهُ سُبْحانَهُ عاصِمُكَ عَنِ المُداهَنَةِ والمَيْلِ إلى آراءِ المُلْحِدِينَ، والأمْرُ بِخِلافِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ، أوْ لِما أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَكَ العِصْمَةَ مِنَ النّاسِ، وحَجَبَهم عَنِ التَّمَكُّنِ مِنكَ.

﴿ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ أيِ: القُرْآنَ الجامِعَ بَيْنَ العُنْوانَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِكْمَةِ السُّنَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ - عَلى ما قالَهُ الأجْهُورِيُّ: - في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وإلى ذَلِكَ أشارَ الطَّبَرْسِيُّ، وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُسْلِمٍ.

﴿ وعَلَّمَكَ ﴾ بِأنْواعِ الوَحْيِ ﴿ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ وضَمائِرِ الصُّدُورِ، ومِن جُمْلَتِها وُجُوهُ إبْطالِ كَيْدِ الكائِدِينَ، أوْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا وأحْكامِ الشَّرْعِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ - كَما قالَ الضَّحّاكُ - أوْ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ - كَما قِيلَ - أوْ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ كَما يُقالُ.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المَوْصُولَ بِأسْرارِ الكِتابِ والحِكْمَةِ أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ عَلَيْكَ ذَلِكَ، وأطْلَعَكَ عَلى أسْرارِهِ، وأوْقَفَكَ عَلى حَقائِقِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّتِمَّةِ لِلْجُمْلَةِ الأوْلى، واسْتَظْهِرْ في البَحْرِ العُمُومَ.

﴿ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ لا تَحْوِيهِ عِبارَةٌ، ولا تُحِيطُ بِهِ إشارَةٌ، ومِن ذَلِكَ النُّبُوَّةُ العامَّةُ، والرِّياسَةُ التّامَّةُ، والشَّفاعَةُ العُظْمى يَوْمَ القِيامَةِ <div class="verse-tafsir"

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١١٤

﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخْتانُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ و(نَجْوى) في الكَلامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ: ما يَتَفَرَّدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ سِرًّا أمْ لا؟

قَوْلانِ، وتَكُونُ بِمَعْنى التَّناجِي، وتُطْلَقُ عَلى القَوْمِ المُتَناجِينَ، كَـ(إذْ هم نَجْوى) وهو إمّا مِن بابِ (رَجُلٍ عَدْلٍ) أوْ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَجِيٍّ كَما نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ.

والظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرُ (لا) والثّانِي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلنَّكِرَةِ أيْ: كائِنٌ (مِن نَجْواهم ﴿ إلا مَن أمَرَ ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ ﴿ بِصَدَقَةٍ ﴾ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وبِهِ يَتَّصِلُ الِاسْتِثْناءُ، وكَذا إنْ أُرِيدَ بِالنَّجْوى المُتَناجُونَ عَلى أحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاتِّصالِ صِحَّةُ الدُّخُولِ، وإنْ لَمْ يُجْزَمْ بِهِ، فَلا يَرِدُ ما تَوَهَّمَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ (جاءَنِي كَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا زَيْدًا) لا يَصِحُّ فِيهِ الِاتِّصالُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِدُخُولِ زَيْدٍ في الكَثِيرِ ولا الِانْقِطاعُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِخُرُوجِهِ، ولا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ في دَفْعِهِ بِأنَّ المُرادَ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْوى واحِدٍ مِنهم إلّا نَجْوى مَن أمَرَ إلَخْ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُ خَيْرٌ، فَإنَّهُ عَلى ما فِيهِ لا يَتَأتّى مِثْلُهُ عَلى احْتِمالِ الجَمْعِ.

وجَوَّزَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - بَلْ زَعَمَ - أنَّهُ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ (إلّا مَن أمَرَ) مُتَعَلِّقًا بِما أُضِيفَ إلَيْهِ النَّجْوى بِالِاسْتِثْناءِ أوِ البَدَلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ لَهُ مَعْنًى خِلافُ الظّاهِرِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى: لَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ وإنْ قَلَّتْ، فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ ﴿ أوْ مَعْرُوفٍ ﴾ وهو كُلُّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ واسْتَحْسَنَهُ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أصْنافِ البِرِّ؛ كَقَرْضٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وإرْشادِ ضالٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُرادُ بِهِ هُنا ما عَدا الصَّدَقَةَ، وما عَدا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ﴾ وتَخْصِيصُهُ بِالقَرْضِ وإغاثَةُ المَلْهُوفِ وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وتَخْصِيصُ الصَّدَقَةِ - فِيما تَقَدَّمَ - بِالصَّدَقَةِ الواجِبَةِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وخَصَّ الصَّدَقَةَ والإصْلاحَ بَيْنَ النّاسِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما شَمِلَهُ هَذا العامُّ؛ إيذانًا بِالِاعْتِناءِ بِهِما؛ لِما في الأوَّلِ مِن بَذْلِ المالِ الَّذِي هو شَقِيقُ الرُّوحِ، وما في الثّانِي مِن إزالَةِ فَسادِ ذاتِ البَيْنِ، وهي الحالِقَةُ لِلدِّينِ كَما في الخَبَرِ.

وقَدَّمَ الصَّدَقَةَ عَلى الإصْلاحِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ بِها أشَقُّ؛ لِما فِيهِ مِن تَكْلِيفِ بَذْلِ المَحْبُوبِ، والنَّفْسُ تَنْفِرُ عَمَّنْ يُكَلِّفُها ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ.

وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ السِّرَّ في إفْرادِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ أنَّ عَمَلَ الخَيْرِ المُتَعَدِّي إلى النّاسِ إمّا لِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، والمَنفَعَةُ إمّا جُسْمانِيَّةٌ كَإعْطاءِ المالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ) وإمّا رُوحانِيَّةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وأمّا رَفْعُ الضُّرِّ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (أوْ إصْلاحٌ بَيْنَ النّاسِ) ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِنَ الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ التَّأْلِيفُ بَيْنَهم بِالمَوَدَّةِ إذا تَفاسَدُوا، مِن غَيْرِ أنْ يُجاوِزَ في ذَلِكَ حُدُودَ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.

نَعَمْ، أُبِيحَ الكَذِبُ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ««لَيْسَ الكَذّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيُنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا»» وقالَتْ: ««لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها»».

وعَدَّ غَيْرُ واحِدٍ الإصْلاحَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُ: ««يا أبا أيُّوبَ، ألا أدُلَّكَ عَلى صَدَقَةٍ يَرْضى اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مَوْضِعَها؟

قالَ: بَلى، قالَ: تُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا»».

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««أفْضَلُ الصَّدَقَةِ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» وهَذا الخَبَرُ ظاهِرٌ في أنَّ الإصْلاحَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِالمالِ.

ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّرْغِيبِ، ولَيْسَ المُرادُ ظاهِرَهُ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّ الصِّيامَ المَفْرُوضَ والصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ والصَّدَقَةُ كَذَلِكَ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ إصْلاحٌ يَتَرَتَّبُ عَلى عَدَمِهِ شَرٌّ عَظِيمٌ، وفَسادٌ بَيْنَ النّاسِ كَبِيرٌ.

﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ: المَذْكُورَ مِنَ الصَّدَقَةِ وأخَوَيْها، والكَلامُ تَذْيِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ، وكانَ الظّاهِرُ: (ومَن يَأْمُرْ) بِذَلِكَ؛ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِلْمُذَيَّلِ، إلّا أنَّهُ رَتَّبَ الوَعْدَ عَلى الفِعْلِ إثْرَ بَيانِ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ لِما أنَّ المَقْصُودَ التَّرْغِيبُ في الفِعْلِ، وبَيانُ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى خَيْرِيَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عُبِّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ إذْ هو يُكَنّى بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، كَما إذا قِيلَ: حَلَفْتُ عَلى زَيْدٍ وأكْرَمْتُهُ، وكَذا وكَذا، فَتَقُولُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنْ (يَأْمُرْ) إلى (يَفْعَلْ) حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ التَّسَبُّبَ لِفِعْلِ الغَيْرِ؛ الصَّدَقَةِ، والإصْلاحِ، والمَعْرُوفِ بَأيِّ وجْهٍ كانَ كافٍ في تَرْتِيبِ الثَّوابِ، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى اللَّفْظِ، ويَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ إشارَةً إلى الأمْرِ فَيَكُونُ مَعْنى (مَن أمَرَ) (ومَن يَفْعَلِ) الأمْرَ واحِدًا.

وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ تَذْيِيلًا لِيَحْتاجَ إلى التَّأْوِيلِ تَحْصِيلًا لِلْمُطابَقَةِ، بَلْ لَمّا ذَكَرَ الآمِرَ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ مُمْتَثِلِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَمْتَثِلْ.

﴿ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِأجْلِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقُتَيْبَةُ، عَنِ الكِسائِيِّ، وسَهْلٌ وخَلَفٌ بِالياءِ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الوَصْفِ، قِيلَ: وإنَّما قَيَّدَ الفِعْلَ بِالِابْتِغاءِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وأنَّ مِن فَعَلَ خَيْرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ غَيْرَ الحِرْمانِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا ظاهِرٌ في أنَّ الرِّياءَ مُحْبِطٌ لِثَوابِ الأعْمالِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ، والنَّوَوِيُّ.

وقالَ الغَزالِيُّ: إذا غَلَبَ الإخْلاصُ فَهو مُثابٌ وإلّا فَلا، وقِيلَ: هو مُثابٌ غَلَبَ الإخْلاصُ أمْ لا، عَلى قَدْرِ الإخْلاصِ، وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ المُخْلِصِ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الحِرْمانِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ فِيها لِلْمُخْلِصِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ ما دُونَهُ، وكَوْنُ العَظْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمُورِ الدُّنْيا خِلافُ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ١١٥

﴿ ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ أيْ: يُخالِفُهُ - مِنَ الشِّقِّ - فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ، ولِظُهُورِ الِانْفِكاكِ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُخالِفِهِ فُكَّ الإدْغامُ هُنا، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الأنْفالِ: ﴿ ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْطُوفِ، ولَمْ يُفَكَّ في قَوْلِهِ تَعالى في الحَشْرِ: ﴿ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ ﴾ .

وقالَ الخَطِيبُ في حِكْمَةِ الفَكِّ والإدْغامِ أنَّ (ألْ) في الِاسْمِ الكَرِيمِ لازِمَةٌ بِخِلافِها في الرَّسُولِ، واللُّزُومُ يَقْتَضِي الثِّقَلَ، فَخُفِّفَ بِالإدْغامِ فِيما صَحِبَتْهُ الجَلالَةُ بِخِلافِ ما صَحِبَهُ لَفْظُ الرَّسُولِ، وفي آيَةِ الأنْفالِ صارَ المَعْطُوفُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا إلَيْهِ مِنَ المُشاقَّةِ والمُخالَفَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ الآتِي بِذَلِكَ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قَدَّمْناهُ في سارِقِ الدِّرْعِ أوْ مُودِعِها، وقِيلَ: في قَوْمِ طُعْمَةَ لَمّا ارْتَدُّوا بَعْدَ أنْ أسْلَمُوا، وأيّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ وغَيْرُهُ مِنَ المُشاقِّينَ.

﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ فِيما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ  أوْ فِيما يَدَّعِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالوُقُوفِ عَلى المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﴿ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: غَيْرَ ما هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، فَيَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ والكُلَّ والبَعْضَ ﴿ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ﴾ أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ، ويُؤُولُ إلى أنّا نُضِلُّهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ نُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: نَكِلْهُ في الآخِرَةِ إلى ما اتَّكَلَ عَلَيْهِ وانْتَصَرَ بِهِ في الدُّنْيا مِنَ الأوْثانِ ﴿ ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ: نُدْخِلْهُ إيّاها، وقَدْ تَقَدَّمَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ).

﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ، أوِ التَّوْلِيَةُ، واسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى حُجِّيَّةٍ الإجْماعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَعَنِ المُزَنِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ يَوْمًا فَجاءَهُ شَيْخٌ عَلَيْهِ لِباسُ صُوفٍ وبِيَدِهِ عَصًا، فَلَمّا رَآهُ ذا مَهابَةٍ اسْتَوى جالِسًا، وكانَ مُسْتَنِدًا لِأُسْطُوانَةٍ، وسَوّى ثِيابَهُ، فَقالَ لَهُ: ما الحُجَّةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى؟

قالَ: كِتابُهُ، قالَ: وماذا؟

قالَ: سُنَّةُ نَبِيِّهِ  قالَ: وماذا؟

قالَ: اتِّفاقُ الأُمَّةِ، قالَ: مِن أيْنَ هَذا الأخِيرُ أهُوَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟

فَتَدَبَّرَ ساعَةً ساكِتًا، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: أجَّلْتُكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ فَإنْ جِئْتَ بِآيَةٍ وإلّا فاعْتَزِلِ النّاسَ، فَمَكَثَ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَخْرُجُ، وخَرَجَ في اليَوْمِ الثّالِثِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجاءَهُ الشَّيْخُ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وجَلَسَ، وقالَ: حاجَتِي؟

فَقالَ: نَعَمْ، أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿ ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ إلَخْ لَمْ يَصِلْهُ جَهَنَّمَ عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ إلّا واتِّباعُهم فَرْضٌ، قالَ: صَدَقْتَ، وقامَ وذَهَبَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ القُرْآنَ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى ظَفِرْتُ بِها.

ونَقَلَ الإمامُ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ.

واعْتَرَضَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ الإيمانُ، كَما إذا قِيلَ: اسْلُكْ سَبِيلَ الصّائِمِينَ والمُصَلِّينَ أيْ: في الصَّوْمِ والصَّلاةِ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةٍ الإجْماعِ ووُجُوبِ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ في غَيْرِ الإيمانِ، ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِما يَأْباهُ الشَّرْطُ الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّهُ إذا كانَ مَأْلُوفُ الصّائِمِينَ الِاعْتِكافُ مَثَلًا تَناوَلَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِمْ ذَلِكَ أيْضًا، فَكَذَلِكَ يَتَناوَلُ ما هو مُقْتَضى الإيمانِ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَسَبِيلُ المُؤْمِنِينَ هُنا عامٌّ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُقَيَّدٌ بِـ(تَبَيَّنَ الهُدى) فَيَلْزَمُ في المَعْطُوفِ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ في الإجْماعِ فائِدَةٌ لِأنَّ الهُدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِدايَةِ، ومِنها دَلِيلُ الإجْماعِ، وإذا حَصَلَ الدَّلِيلُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْلُولِ فائِدَةٌ، وأُجِيبَ بِمَنعِ لُزُومِ القَيْدِ في المَعْطُوفِ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فالمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلِيلُ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ مُخالَفَةَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ حَرامٌ، فَيَكُونُ الإجْماعُ مُفِيدًا في الفُرُوعِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأُصُولِ، وأوْضَحَ القاضِي وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ وحُرْمَةِ مُخالَفَتِهِ بِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ فِيها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى المُشاقَّةِ واتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ إمّا لِحُرْمَةِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما أوْ أحَدِهِما أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، والثّانِي باطِلٌ؛ إذْ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ وأكَلَ الخُبْزَ اسْتَوْجَبَ الحَدَّ، وكَذا الثّالِثُ؛ لِأنَّ المُشاقَّةَ مُحَرَّمَةٌ ضُمَّ إلَيْها غَيْرُها أوْ لَمْ يُضَمَّ، وإذا كانَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ مُحَرَّمًا كانَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا؛ لِأنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ - مِمَّنْ عَرَفَ سَبِيلَهُمُ - اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ لا يُتَّبَعَ سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ ولا غَيْرُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، أُجِيبَ بِأنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ، فَإذا كانَ مِن شَأْنِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَقْتَدُوا في أفْعالِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ فَكُلُّ مَن لَمْ يَتَّبِعْ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أتى بِفِعْلِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، واقْتَفى أثَرَهُمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لَهم.

وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يَخْلُو مِنِ اتِّباعِ سَبِيلٍ البَتَّةَ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ غَيْرُ قاطِعٍ؛ لِأنَّ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّخْصِيصِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ سَبِيلُهم في مُتابَعَةِ الرَّسُولِ أوْ في مُناصَرَتِهِ أوْ في الِاقْتِداءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أوْ فِيما صارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وإذا قامَ الِاحْتِمالُ كانَ غايَتُهُ الظُّهُورَ، والتَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ إنَّما يَثْبُتُ بِالإجْماعِ، ولَوْلاهُ لَوَجَبَ العَمَلُ بِالدَّلائِلِ المانِعَةِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ، فَيَكُونُ إثْباتًا لِلْإجْماعِ بِما لا يَثْبُتُ حُجِّيَّتُهُ إلّا بِهِ فَيَصِيرُ دَوْرًا، واسْتُصْعِبَ التَّفَصِّي عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ في المُخْتَصَرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْفَهانِيِّ في اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ لَمّا احْتُمِلَ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ صارَ عامًّا، ودَلالَتُهُ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ لِاحْتِمالِ تَخْصِيصِهِ بِما يُخْرِجُهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ.

وأجابَ عَنِ الدَّوْرِ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ، وعَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مَظْنُونٌ يَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ؛ لِأنّا إنْ لَمْ نَعْمَلْ بِهِ وحْدَهُ فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِهِ وبِمُقابِلِهِ أوْ لا نَعْمَلَ بِهِما أوْ نَعْمَلَ بِمُقابِلِهِ، وعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وعَلى الثّانِي ارْتِفاعُهُما، وعَلى الثّالِثِ العَمَلُ بِالمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرّاجِحِ، والكُلُّ باطِلٌ، فَيَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا، واعْتُرِضَ أيْضًا بِمَنعِ حُرْمَةِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ المُشاقَّةِ، وأجابَ عَنْهُ القَوْمُ بِما لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وبِأنَّ الِاسْتِدْلالَ يَتَوَقَّفُ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في كُلِّ عَصْرٍ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وبِأُمُورٍ أُخْرى ذَكَرَها الآمِدِيُّ والتِّلْمَسانِيُّ وغَيْرُهُما، وأجابُوا عَمّا أجابُوا عَنْهُ مِنها.

وبِالجُمْلَةِ لا يَكادُ يَسْلَمُ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِن قِيلَ وقالَ، ولَيْسَتْ حُجِّيَّةُ الإجْماعِ مَوْقُوفَةً عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١١٦

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِيما سَبَقَ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وخُصَّ هَذا المَوْضِعُ بِهِ لِيَكُونَ كالتَّكْمِيلِ لِقِصَّةِ مَن سَبَقَ بِذِكْرِ الوَعْدِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعِيدِ في ضِمْنَ الآياتِ السّابِقَةِ، فَلا يَضُرُّ بَعْدَ العَهْدِ، أوْ لِأنَّ لِلْآيَةِ سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ شَيْخًا مِنَ العَرَبِ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: «إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ فِي الذُّنُوبِ إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المُعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنّى أُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى»؟

فَنَزَلَتْ».

”ومَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا“ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ، وفي مَعْنى الشِّرْكِ بِهِ تَعالى نَفْيُ الصّانِعِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن أفْرادِهِ.

﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوِ عَنِ الوُقُوعِ مِمَّنْ لَهُ أدْنى عَقْلٍ، وإنَّما جُعِلَ الجَزاءُ عَلى ما قِيلَ هُنا (فَقَدْ ضَلَّ) إلَخْ، وفِيما تَقَدَّمَ ﴿ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ لِما أنَّ تِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ  ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ أشْرَكُوا وكَفَرُوا فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا، وجَراءَةً عَظِيمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في أُناسٍ لَمْ يَعْلَمُوا كِتابًا، ولا عَرَفُوا مِن قَبْلُ وحْيًا، ولَمْ يَأْتِهِمْ سِوى رَسُولِ اللَّهِ  بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وكَفَرُوا، وضَلُّوا مَعَ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ، فَكانَ ضَلالُهم بَعِيدًا، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًۭا مَّرِيدًۭا ١١٧

وجاءَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ أيْ: ما يَعْبُدُونَ أوْ ما يُنادُونَ لِحَوائِجِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلّا أصْنامًا، والجُمْلَةَ مَبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ ما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ، وعُبِّرَ عَنِ الأصْنامِ بِالإناثِ لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، ويُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ الحُلِيَّ وأنْواعَ الزِّينَةِ، كَما يَفْعَلُونَ بِالنِّسْوانِ، أوْ لِما أنَّ أسْماءَها مُؤَنَّثَةٌ كَما قِيلَ، وهم يُسَمُّونَ ما اسْمُهُ مُؤَنَّثٌ أُنْثى كَما في قَوْلِهِ: وما ذَكَرٌ فَإنْ يَكْبُرْ فَأُنْثى شَدِيدُ اللَّزْمِ لَيْسَ لَهُ ضُرُوسُ فَإنَّهُ عَنى القُرادَ، وهو ما دامَ صَغِيرًا يُسَمّى قُرادًا، فَإذا كَبَرَ سُمِّيَ حَلَمَةً كَثَمَرَةٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ مِنَ الأصْنامِ ما اسْمُهُ مُذَكَّرٌ كَهُبَلَ، ووَدٍّ، وسُواعٍ، وذِي الخَلَصَةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقِيلَ: إنَّها جَماداتٌ وهي كَثِيرًا ما تُؤَنَّثُ لِمُضاهاتِها الإناثَ لِانْفِعالِها، فَفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِهَذا الِاسْمِ تَنْبِيهٌ عَلى تَناهِي جَهْلِهِمْ وفَرْطِ حَماقَتِهِمْ، حَيْثُ يَدْعُونَ ما يَنْفَعِلُ، ويَدَعُونَ الفَعّالَ لِما يُرِيدُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ الأمْواتُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ: «أنَّ الأُنْثى كُلُّ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ مِثْلُ الخَشَبَةِ اليابِسَةِ، والحَجَرِ اليابِسِ» فَفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ دُونَ (أصْنامًا) التَّنْبِيهُ السّابِقُ أيْضًا، إلّا أنَّ وصْفَ الأصْنامِ بِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَجازٌ.

وقِيلَ: سَمّاها اللَّهُ تَعالى إناثًا لِضَعْفِها، وقِلَّةِ خَيْرِها، وعَدَمِ نَصْرِها، وقِيلَ: لِاتِّضاعِ مَنزِلَتِها، وانْحِطاطِ قَدْرِها بِناءً عَلى أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الأُنْثى عَلى كُلِّ ما اتَّضَعَتْ مَنزِلَتُهُ مِن أيِّ جِنْسٍ كانَ.

وقِيلَ: كانَ في كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانَةٌ تَتَراءى لِلسَّدَنَةِ وتُكَلِّمُهم أحْيانًا، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقِيلَ: المُرادُ المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وهو جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ ورُبّى في لُغَةِ مَن كَسَرَ الرّاءَ.

وقُرِئَ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ (وإلّا أُنُثى) بِضَمَّتَيْنِ كَـ(رُسُلٍ) وهو إمّا صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ مِثْلُ امْرَأةٍ جُنُبٍ، وإمّا جَمْعُ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ، وقَدْ جاءَ: حَدِيدٌ أنِيثٌ، وإمّا جَمْعُ إناثٍ كَثِمارٍ وثَمَرٍ.

وقُرِئَ وثَنًا وأثَنًا بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ وتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ جَمْعُ (وثَنٍ) كَقَوْلِكَ: أسَدٌ، وأُسْدٌ، وأُسُدٌ، ووُسْدٌ، وقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا كَـ(أُجُوهٍ) في وُجُوهٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - (إلّا أوْثانًا).

﴿ وإنْ يَدْعُونَ ﴾ أيْ وما يَعْبُدُونَ بِعِبادَةِ تِلْكَ الأوْثانِ ﴿ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا ﴾ إذْ هو الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِها، وأغْراهم فَكانَتْ طاعَتُهم لَهُ عِبادَةً، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ، فَلا يُنافِي الحَصْرَ السّابِقَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن يَدْعُونَ يُطِيعُونَ، فَلا مُنافاةَ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ مِن صَنَمٍ إلّا فِيهِ شَيْطانٌ» والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ هَنا إبْلِيسُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وغَيْرِهِ.

والمَرِيدُ والمارِدُ والمُتَمَرِّدُ: العاتِي الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وأصْلُ مادَّةِ (م ر د) لِلْمُلامَسَةِ والتَّجَرُّدِ، ومِنهُ ﴿ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ﴾ وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لِلَّتِي تَناثَرَ ورَقُها، ووُصِفَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إمّا لِتَجَرُّدِهِ لِلشَّرِّ أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالأمْلَسِ الَّذِي لا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: لِظُهُورِ شَرِّهِ كَظُهُورِ ذَقَنِ الأمْرَدِ، وظُهُورِ عِيدانِ الشَّجَرَةِ المَرْداءِ.

<div class="verse-tafsir"

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ١١٨

﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ: طَرَدَهُ وأبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنَةِ فِعْلُ ما يَسْتَحِقُّها بِهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ، كَقَوْلِهِمْ: أبَيْتَ اللَّعْنَ أيْ: ما فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّهُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِشَيْطانٍ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى الدُّعاءِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمُرادُ شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ مِنهُ عِنْدَ اللَّعْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أيْ: وقَدْ قالَ، وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مُسْتَطْرَدَةً، كَما أنَّ ما قَبْلَها اعْتِراضِيَّةٌ في رَأْيٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ وإمّا حالٌ مِمّا بَعْدَهُ، واخْتارَهُ البَعْضُ.

والِاتِّخاذُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ، وأصْلُ مَعْنى الفَرْضِ القَطْعُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ لِاقْتِطاعِهِ عَمّا سِواهُ، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ: «مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ».

والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ نُطْقًا مِنَ اللَّعِينِ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - لَمّا نالَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما نالَ طَمَعَ في ولَدِهِ، وقالَ ذَلِكَ ظَنًّا، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ فَهِمَ طاعَةَ الكَثِيرِ لَهُ مِمّا فَهِمَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ حِينَ قالُوا: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ .

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا القَوْلَ حالِيٌّ كَما في قَوْلِهِ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قِطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بِطْنِي وفِي هَذِهِ الجُمَلِ ما يُنادِي عَلى جَهْلِ المُشْرِكِينَ، وغايَةِ انْحِطاطِ دَرَجَتِهِمْ عَنِ الِانْخِراطِ في سِلْكِ العُقَلاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وفِيها تَوْبِيخٌ لَهم كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا ١١٩

﴿ ولأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الأمانِيَّ الباطِلَةَ، وأقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ وراءَكم بَعْثٌ، ولا نَشْرٌ، ولا جَنَّةٌ، ولا نارٌ، ولا ثَوابٌ، ولا عِقابٌ، فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وقِيلَ: أُمَنِّيهِمْ بِطُولِ البَقاءِ في الدُّنْيا، فَيُسَوِّفُونَ العَمَلَ، وقِيلَ: أُمَنِّيهِمْ بِالأهْواءِ الباطِلَةِ الدّاعِيَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وأُزَيِّنُ لَهم شَهَواتِ الدُّنْيا وزِهْراتِها، وأدْعُو كُلًّا مِنهم إلى ما يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْهِ فَأصُدُّهُ بِذَلِكَ عَنِ الطّاعَةِ، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ الكَلْبِيِّ.

﴿ ولآمُرَنَّهُمْ ﴾ بِالتَّبْتِيكِ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أوْ بِالضَّلالِ كَما قالَ غَيْرُهُ ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ: فَلُيَقْطَعُنَّها مَن أصْلِها كَما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ لَيَشُقُّنَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ، بِمُوجَبٍ أمْرِي مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ ولا تَأْخِيرٍ، كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاءُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مَن شَقِّ أُذُنِ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وتَحْرِيمِ رُكُوبِها، والحَمْلِ عَلَيْها، وسائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِها ﴿ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ ﴾ مُمْتَثِلِينَ بِلا رَيْثٍ ﴿ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ عَنْ نَهْجِهِ، صُورَةً أوْ صِفَةً، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما فُعِلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ فَحْلِ الإبِلِ إذا طالَ مُكْثُهُ حَتّى بَلَغَ نِتاجُ نِتاجِهِ، ويُقالُ لَهُ الحامِي، وخِصاءِ العَبِيدِ، والوَشْمِ، والوَشْرِ، واللِّواطَةِ، والسِّحاقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ والحِجارَةِ مَثَلًا، وتَغْيِيرِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي الإسْلامُ، واسْتِعْمالِ الجَوارِحِ والقُوى فِيما لا يَعُودُ عَلى النَّفْسِ كَمالًا، ولا يُوجِبُ لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ زُلْفى.

ووَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ المَذْكُوراتِ، وعُمُومُ اللَّفْظِ بِمَنعِ الخِصاءِ مُطْلَقًا، ورُوِيَ النَّهْيُ عَنْهُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ»» وادَّعى عِكْرِمَةُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأجازَ بَعْضُهم ذَلِكَ في الحَيَوانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ خَصى بَغْلًا لَهُ، وعَنْ طاوُسٍ أنَّهُ خَصى جَمَلًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ خِصاءِ الفُحُولِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ الفَحْلِ فَلَمْ يَرَ بِهِ عِنْدَ عَضاضِهِ وسُوءِ خُلُقِهِ بَأْسًا.

وقالَ النَّوَوِيُّ: لا يَجُوزُ خِصاءُ حَيَوانٍ لا يُؤْكَلُ في صِغَرِهِ وفي كِبَرِهِ، ويَجُوزُ إخْصاءُ المَأْكُولِ في صِغَرِهِ لِأنَّ فِيهِ غَرَضًا وهو طِيبُ لَحْمِهِ، ولا يَجُوزُ في كِبَرِهِ.

والخِصاءُ في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ عِنْدَ عامَّةِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكْرَهُ شِراءُ الخِصْيانِ واسْتِخْدامِهِمْ وإمْساكِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّغْبَةَ فِيهِمْ تَدْعُو إلى إخْصائِهِمْ.

وخُصَّ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الخِتانُ، والوَشْمُ لِحاجَةٍ، وخَضْبُ اللِّحْيَةِ، وقَصُّ ما زادَ مِنها عَلى السُّنَّةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ جَهَلَةٍ يُغَيِّرُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ تَعالى ولَوْنَهُ سُبْحانَهُ!

ولا يُكادُ يُسَلَّمُ لَهُ إنْ أرادَ ما يَعُمُّ الخِضابَ المَسْنُونَ كالخِضابِ بِالحِنّاءِ، بَلْ وبِالكَتْمِ أيْضًا لِإرْهابِ العَدُوِّ، وقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ، مِنهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وحَدِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِإيثارِ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ومُجاوَزَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَتِهِ، وقَيْدُ (مِن دُونِ اللَّهِ) لِبَيانِ أنَّ اتِّباعَهُ يُنافِي مُتابَعَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ احْتِرازِيًّا كَما يُتَوَهَّمُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ ما مِن مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى إلّا ولَكَ فِيهِ وِلايَةٌ لَوْ عَرَفْتَها، ولَكَ في وُجُودِهِ مَنفَعَةٌ لَوْ طَلَبْتَها، فَلِهَذا قُيِّدَتِ الوِلايَةُ بِكَوْنِها مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَحْقِيقِ مَعْنى الوِلايَةِ، فافْهَمْ.

﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: ظاهِرًا، وأىُّ خُسْرانٍ أعْظَمُ مِنِ اسْتِبْدالِ الجَنَّةِ بِالنّارِ، وأيُّ صَفْقَةٍ أخْسَرُ مِن فَواتِ رِضا الرَّحْمَنِ بِرِضا الشَّيْطانِ <div class="verse-tafsir"

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠

﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ ما لا يَكادُ يُنْجِزُهُ، وقِيلَ: النَّصْرَ والسَّلامَةَ، وقِيلَ: الفَقْرَ والحاجَةَ إنْ أنْفَقُوا، وقَرَأ الأعْمَشُ (يَعِدْهُمْ) بِسُكُونِ الدّالِ، وهو تَخْفِيفٌ لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ.

﴿ ويُمَنِّيهِمْ ﴾ الأمانِيَّ الفارِغَةَ، وقِيلَ: طُولَ البَقاءِ في الدُّنْيا، ودَوامَ النَّعِيمِ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الجُمْلَتَيْنِ: يَفْعَلُ لَهُمُ الوَعْدَ ويَفْعَلُ التَّمْنِيَةَ، عَلى طَرِيقَةِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ في (يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ) راجِعٌ إلى (مَن) بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ ضَمِيرَ الرَّفْعِ المُفْرِدَ في (يَتَّخِذْ) و(خَسِرَ) راجِعٌ إلَيْها بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ الوَعْدِ والتَّمْنِيَةِ مَعَ وُقُوعِ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أقْسَمَ عَلَيْهِ اللَّعِينُ أيْضًا؛ لِأنَّهُما مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ، وأقْوى أسْبابِ الضَّلالِ وحَبائِلِ الِاحْتِيالِ.

﴿ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ وهو إيهامُ النَّفْعِ فِيما فِيهِ الضَّرَرُ، وهَذا الوَعْدُ والأمْرُ عِنْدِي مِثْلُهُ إمّا بِالخَواطِرِ الفاسِدَةِ، وإمّا بِلِسانِ أوْلِيائِهِ، واحْتِمالُ أنْ يَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ إنْسانٍ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بَعِيدٌ، و(غُرُورًا) إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْوَعْدِ، أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وعْدًا ذا غُرُورٍ، أوْ غارًا، أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ (يَعِدُهُمْ) في قُوَّةِ يُغْرِهم بِوَعْدِهِ كَما قالَ السَّمِينُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلتَّمْنِيَةِ؛ لِأنَّها مِن بابِ الوَعْدِ، وفي البَحْرِ: إنَّهُما مُتَقارِبانِ فاكْتُفِيَ بِأوَّلِهِما.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًۭا ١٢١

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ اتَّخَذَ الشَّيْطانَ ولَّيا بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الخُسْرانِ ﴿ مَأْواهُمْ ﴾ ومُسْتَقَرُّهم جَمِيعًا ﴿ جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا ﴾ أيْ مَعْدَلًا ومَهْرَبًا، وهو اسْمُ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حاصَ يَحِيصُ إذا عَدَلَ ووَلّى، ويُقالُ: مَحِيصٌ ومَحاصٌ، وأصْلُ مَعْناهُ - كَما قِيلَ - الرَّوَغانُ، ومِنهُ: وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ، وحاصَ باصَ، أيْ: في أمْرٍ يَعْسُرُ التَّخَلُّصُ مِنهُ، ويُقالُ: حاصَ يَحُوصُ أيْضًا، وحَوْصًا وحِياصًا، و(عَنْها) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (مَحِيصًا) ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَهُ بِـ(يَجِدُونَ) لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِـ(عْنَ) ولا بِـ(مَحِيصًا) لِأنَّهُ إنْ كانَ اسْمَ مَكانٍ فَهو لا يَعْمَلُ؛ لِأنَّهُ مُلْحَقٌ بِالجَوامِدِ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا فَمَعْمُولُ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَهُ إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا ومَجْرُورًا جَوَزَّهُ هُنا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّۭا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًۭا ١٢٢

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، ولا يَخْفى مَرْجُوحِيَّتُهُ، وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إثْرَ وعِيدِ الكافِرِينَ، وإنَّما قَرَنَهُما سُبْحانَهُ وتَعالى زِيادَةً لِمَسَرَّةِ أحِبّائِهِ ومَساءَةِ أعْدائِهِ ﴿ وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ﴾ أيْ: وعَدَهم وعْدًا وأحَقَّهُ حَقًّا، فالأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ كُلِّهِ عَلى ما أُلِفَ عُرْفًا؛ فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ؛ إذْ لَيْسَ الوَعْدُ إلّا الإخْبارُ عَنْ إيصالِ المَنافِعِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.

والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، كَـ(زَيْدٌ قائِمٌ حَقًّا) فَإنَّ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِها وقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قائِلِها تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ، والحَقَّ والباطِلَ، وجُوِّزَ أنْ يَنْتَصِبَ (وعْدَ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ(سَنُدْخِلُهُمْ) عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى نَعِدُهم إدْخالَ جَنّاتٍ، ويَكُونُ (حَقًّا) حالًا مِنهُ.

﴿ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ مُؤَكِّدٌ لَهُ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، و(القِيلُ) مَصْدَرُ قالَ، ومِثْلُهُ القالُ.

وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: إنَّهُما اسْمانِ لا مَصْدَرانِ، ونُصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ولا يَخْفى ما في الِاسْتِفْهامِ، وتَخْصِيصِ اسْمِ الذّاتِ الجَلِيلِ الجامِعِ، وبِناءِ أفْعَلَ، وإيقاعِ القَوْلِ تَمْيِيزًا مِنَ المُبالَغَةِ، والمَقْصُودُ مُعارَضَةُ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ الَّتِي غَرَّتْهم حَتّى اسْتَحَقُّوا الوَعِيدَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ الَّذِي أوْصَلَهم إلى السَّعادَةِ العُظْمى، ولِذا بالَغَ سُبْحانَهُ فِيهِ وأكَّدَهُ؛ حَثًّا عَلى تَحْصِيلِهِ وتَرْغِيبًا فِيهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ، والجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ: صَدَقَ اللَّهُ ﴿ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا ﴾ أيْ: صَدَقَ ولا أصْدَقَ مِنهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ الغَفْلَةُ عَنْ حُكْمِ الواوِ الدّاخِلَةِ عَلى الجُمْلَةِ التَّذْيِلِيَّةِ، وتَجْوِيزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: وقائِلِينَ: مَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى (خالِدِينَ) أدْهى وأمَرُّ.

وقَرَأ الكُوفِيُّ غَيْرَ عاصِمٍ، ووَرْشٌ بِإشْمامِ الصّادِ الزّايَ.

<div class="verse-tafsir"

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ١٢٣

﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأمانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ - وبِهِما قُرِئَ - جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ عَلى وزْنِ أُفْعُولَةٍ، وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ، أيْ: تَقْدِيرُهُ في النَّفْسِ وتَصْوِيرُهُ فِيها، ويُقالُ: مَنّى لَهُ المانِي أيْ: قَدَّرَ لَهُ المُقَدِّرُ، ومِنهُ قِيلَ: مَنِيَّةٌ أيْ: مُقَدَّرَةٌ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ التَّمَنِّي عَلى تَصَوُّرِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِن هُنا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَذِبِ؛ لِأنَّهُ تَصَوُّرُ ما ذُكِرَ، وإيرادُهُ بِاللَّفْظِ، فَكَأنَّ التَّمَنِّيَ مَبْدَأٌ لَهُ، فَلِذا صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «ما تَعَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ».

والباءُ في (بِأمانِيِّكُمْ) مِثْلُها في (زَيْدٌ بِالبابِ) ولَيْسَتْ زائِدَةً، والزِّيادَةُ مُحْتَمَلَةٌ، ونَفاها البَعْضُ، واسْمُ (لَيْسَ) مُسْتَتِرٌ فِيها، عائِدٌ عَلى الوَعْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أوْ بِمَعْنى المَوْعُودِ، فَهو اسْتِخْدامٌ كَما قالَ السَّعْدُ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَوْعُودِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ عامِلُ (وعْدَ اللَّهِ) أوْ عَلى إدْخالِ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلِ الصّالِحِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقِيلَ: عَلى الأمْرِ المُتَحاوَرِ فِيهِ بِقَرِينَةِ سَبَبُ النُّزُولِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «التَقى ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، فَقالَ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، دِينُنا قَبْلَ دِينِكُمْ، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، ونَحْنُ عَلى دِينٍ إبْراهِيمَ، (ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا) وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كِتابُنا بَعْدَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ نَبِيِّكم ودِينُنا بَعْدَ دِينِكُمْ، وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَتَّبِعُونا وتَتْرُكُوا أمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ).

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أحْسَنُ ﴾ إلَخْ أيْ: لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ تَعالى أوْ ما وعَدَ سُبْحانَهُ مِنَ الثَّوابِ، أوْ إدْخالُ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلُ الصّالِحُ، أوِ الإيمانُ، أوْ ما تَحاوَرْتُمْ فِيهِ حاصِلًا بِمُجَرَّدِ أمانِيِّكم أيُّها المُسْلِمُونَ وأمانِيِّ اليَهُودِ والنَّصارى، وإنَّما يُحَصَّلُ بِالسَّعْيِ والتَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجِدِّ لِامْتِثالِ الأمْرِ، ويُؤَيِّدُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلَهُ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ مَوْقُوفًا: «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألَّهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ لَأحْسَنُوا العَمَلَ».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي ولا بِالتَّحَلِّي، ولَكِنْ هو ما وقَرَ في القَلْبِ، فَأمّا عِلْمُ القَلْبِ فالعِلْمُ النّافِعُ، وعِلْمُ اللِّسانِ حُجَّةٌ عَلى بَنِي آدَمَ»».

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإنَّهم قالُوا: «لا نُبْعَثُ ولا نُعَذَّبُ» كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: (لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) وأُيِّدَ بِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمُسْلِمِينَ ذِكْرٌ في الأمانِيِّ وجَرى لِلْمُشْرِكِينَ ذِكْرٌ في ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ وقَوْلِهِمْ: لا بَعْثَ ولا عَذابَ، ولا بِأمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ وقَوْلِهِمْ ما قالُوا، وقَرَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ عاجِلًا أوْ أجِلًا.

فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرَهُ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : يا أبا بَكْرٍ، ألا أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟

فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأقْرَأنِيها، فَلا أعْلَمُ إلّا أنِّي وجَدْتُ انْقِصامًا في ظَهْرِي حَتّى تَمَطَّأْتُ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما لَكَ يا أبا بَكْرٍ؟

قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ وأيُّنا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وإنّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْناهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أما أنْتَ وأصْحابُكَ يا أبا بَكْرٍ المُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا حَتّى تَلْقَوُا اللَّهَ تَعالى لَيْسَ عَلَيْكم ذُنُوبٌ، وأمّا الآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهم ذَلِكَ حَتّى يُجْزَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ»».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَتْ مِنهم ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ كَلَّ ما أصابَ المُسْلِمَ كَفارَّةٌ، حَتّى الشَّوْكَةَ يُشاكُها، والنَّكْبَةَ يُنْكَبُها»».

والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولِهَذا أجْمَعَ عامَّةُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الأمْراضَ والأسْقامَ ومَصائِبَ الدُّنْيا وهُمُومَها - وإنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُها - يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِها الخَطِيئاتِ.

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها أيْضًا يُرْفَعُ بِها الدَّرَجاتُ، وتُكْتَبُ الحَسَناتُ، وهو الصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَحَّ في غَيْرِما طَرِيقٍ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ، ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ»».

وحَكى القاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها تُكَفِّرُ الخَطايا فَقَطْ، ولا تَرْفَعُ دَرَجَةً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «الوَجَعُ لا يُكْتَبُ بِهِ أجْرٌ، لَكِنْ يُكَفَّرُ بِهِ الخَطايا» واعْتَمَدَ عَلى الأحادِيثِ الَّتِي فِيها التَّكْفِيرُ فَقَطْ، ولَمْ تَبْلُغْهُ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُصَرِّحَةُ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَتْبِ الحَسَناتِ.

بَقِيَ الكَلامُ في أنَّها هَلْ تُكَفِّرُ الكَبائِرُ أمْ لا؟

وظاهِرُ الأحادِيثِ ومِنها خَبَرُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّها تُكَفِّرُها، وقَدْ جاءَ في خَبَرٍ حَسَنٍ عَنْ عائِشَةَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِن ذُنُوبِهِ كَما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحْمَرُ مِنَ الكِيرِ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  ««لا يَزالُ الصُّداعُ والمَلِيلَةُ بِالمَرْءِ المُسْلِمِ حَتّى يَدَعَهُ مِثْلَ الفِضَّةِ البَيْضاءِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولا يَخْفى أنَّ إبْقاءَ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِمّا يَأْباهُ كَلامُهُمْ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الجَزاءَ بِالآجِلِ، و(مَن) بِالمُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّوءِ هُنا الشِّرْكُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وابْنِ جُبَيْرٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُرْجِئَةِ القائِلِينَ: لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا تَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ.

﴿ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مُجاوِزًا لِوِلايَةِ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ ﴿ ولِيًّا ﴾ يَلِي أمْرَهُ ويُحامِي عَنْهُ، ويَدْفَعُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُهُ ويُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى إذا حَلَّ بِهِ، ولا مُسْتَنَدَ في الآيَةِ لِمَن مَنَعَ العَفْوَ عَنِ العاصِي، إذِ العُمُومُ فِيها مُخَصَّصٌ بِالتّائِبِ إجْماعًا، وبَعْدَ فَتْحِ بابِ التَّخْصِيصِ لا مانِعَ مِن أنْ نُخَصِّصَهُ أيْضًا بِمَن يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهُ، عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الأُخَرُ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا ١٢٤

﴿ ومَن يَعْمَلْ مِنَ ﴾ الأعْمالِ ﴿ الصّالِحاتِ ﴾ أيْ: بَعْضَها وشَيْئًا مِنها؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ عَمَلَ كُلِّ الصّالِحاتِ، وكَمْ مِن مُكَلَّفٍ لا حَجَّ عَلَيْهِ، ولا زَكاةَ، ولا جِهادَ، فَـ(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وتَخْصِيصُ الصّالِحاتِ بِالفَرائِضِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - خِلافُ الظّاهِرِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَعْمَلْ) و(مِن) بَيانِيَّةٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصّالِحاتِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: كائِنَةً مِن ذَكَرٍ إلَخْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومَعَ هَذا الأظْهَرُ تَقْدِيرُ (كائِنًا) لا (كائِنَةً)؛ لِأنَّهُ حالٌ مِن (شَيْئًا) مِنها.

وكَوْنُ المَعْنى (الصّالِحاتُ الصّادِرَةُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى) لا يُجْدِي نَفْعًا لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ، ولَعَلَّ تَبْيِينَ العامِلِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ في إهْلاكِهِمْ إناثَهُمْ، وجَعْلِهِنَّ مَحْرُوماتٍ مِنَ المِيراثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ حالٌ أيْضًا، وفي اشْتِراطِ اقْتِرانِ العَمَلِ بِها في اسْتِدْعاءِ الثَّوابِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ دُونَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَنْفَعُ الكافِرَ حَيْثُ قُرِنَ بِذِكْرِ العَمَلِ السُّوءِ المُضِرِّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى كَما قِيلَ، وقَدْ مَرَّ لَكَ قَرِيبًا ما يَنْفَعُكَ فَتَذَكَّرْ.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ والإيمانِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ السّابِقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.

﴿ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ جَزاءَ عَمَلِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ (يُدْخَلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مِنَ الإدْخالِ.

﴿ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا حَقِيرًا مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ النَّقِيرَ عَلَمٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأصْلُهُ نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ، مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ تَنْقِيصِ ثَوابِ المُطِيعِ نَفْيُ زِيادَةِ عِقابٍ العاصِي مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّ الأذى في زِيادَةِ العِقابِ أشَدُّ مِنهُ في تَنْقِيصِ الثَّوابِ، فَإذا لَمْ يَرْضَ بِالأوَّلِ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ فَكَيْفَ يَرْضى بِالثّانِي؟!

وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ عَدَمِ تَنْقِيصِ الثَّوابِ بِالذِّكْرِ دُونَ ذِكْرِ عَدَمِ زِيادَةِ العِقابِ، مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ في العَمَلِ الصّالِحِ، فَلا يُناسِبُهُ إلّا هَذا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًۭا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًۭا ١٢٥

﴿ ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى، لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا سِواهُ، وقِيلَ: أخْلَصَ تَوَجُّهَهُ لَهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: بَذَلَ لَهُ وجْهَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في السُّجُودِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ، والمَقْصُودُ مَدْحُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ و(دِينًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِن (أحْسَنُ) مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن دِينُهُ أحْسَنُ مِن دِينِ مَن أسْلَمَ، إلَخْ، فَيَؤُولُ الكَلامُ إلى تَفْضِيلِ دِينٍ عَلى دِينٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صَرْفَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِكُلِّيَّتِها لِلَّهِ تَعالى أعْلى المَراتِبِ الَّتِي تَبْلُغُها القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ، و(مِمَّنْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أحْسَنُ) وكَذا الِاسْمُ الجَلِيلُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (وجْهَهُ).

﴿ وهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ، تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ، أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الإحْسانِ؟

فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» وقِيلَ: الأظْهَرُ أنْ يُقالَ: المُرادُ (وهُوَ مُحْسِنٌ) في عَقِيدَتِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ: وهو مُوَحِّدٌ، وعَلى هَذا فالأوْلى أنْ يُفَسَّرَ إسْلامُ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى بِالِانْقِيادِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالأعْمالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (أسْلَمَ).

﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها، وهَذا عَطْفٌ عَلى (أسْلَمَ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَنِيفًا ﴾ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ، حالٌ مِن (إبْراهِيمَ)، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (اتَّبَعَ).

﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ تَذْيِيلٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإيذانِ بِأنَّهُ نِهايَةٌ في الحُسْنِ، وإظْهارُ اسْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَفْخِيمًا لَهُ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ، ولا يَجُوزُ العَطْفُ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ عَلى و(مَن أحْسَنُ) إلَخْ، سَواءٌ كانَ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا، وتَوْكِيدًا لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴾ وبَيانًا لِأنَّ الصّالِحاتِ ما هِيَ؟

وأنَّ المُؤْمِنَ مَن هو لِفَقْدِ المُناسِبَةِ، والجامِعُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وأدائِهِ ما يُؤَدِّيهِ مِنَ التَّوْكِيدِ والبَيانِ، ولا عَلى صِلَةِ (مَن) لِعَدَمِ صُلُوحِهِ لَها، وعَدَمُ صِحَّةِ عْطَفِهِ عَلى ﴿ وهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، وجَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرٍ قَدْ خِلافُ الظّاهِرِ، والعَطْفُ عَلى ﴿ حَنِيفًا ﴾ لا يَصِحُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ، والخَلِيلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلَّةِ بِضَمِّ الخاءِ، وهي إمّا مِنَ الخِلالِ بِكَسْرِ الخاءِ؛ فَإنَّها مَوَدَّةٌ تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ وتُخالِطُها مُخالَطَةً مَعْنَوِيَّةً، فالخَلِيلُ مَن بَلَغَتْ مَوَدَّتُهُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ، كَما قالَ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ولِذا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا فَإذا ما نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي ∗∗∗ وإذا ما سَكَتُّ كُنْتَ الغَلِيلا وإمّا مِنَ الخَلَلِ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى أنَّ كُلًّا مِنَ الخَلِيلَيْنِ يُصْلِحُ خَلَلَ الآخَرِ، وإمّا مِنَ الخَلِّ بِالفَتْحِ، وهو الطَّرِيقُ فِي الرَّمْلِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ عَلى طَرِيقَةٍ، وإمّا مِنَ الخَلَّةِ بِفَتْحِ الخاءِ بِمَعْنى الخَصْلَةِ والخُلُقِ؛ لِأنَّهُما يَتَوافَقانِ في الخِصال والأخْلاقِ، وقَدْ جاءَ: ««المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلُ»» أوْ بِمَعْنى الفَقْرِ والحاجَةِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُحْتاجٌ إلى وِصالِ الآخَرِ، غَيْرُ مُسْتَغْنٍ، وإطْلاقُهُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قِيلَ: لِأنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَخَلَّلَتْ نَفْسَهُ وخالَطَتْها مُخالَطَةً تامَّةَ، أوْ لِتَخَلُّقِهِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، ومِن هُنا كانَ يُكْرِمُ الضَّيْفَ، ويُحْسِنُ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ كافِرًا، فَإنَّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الإحْسانَ إلى البَرِّ والفاجِرِ، وفي بَعْضِ الآثارِ - ولَسْتُ عَلى يَقِينٍ في صِحَّتِهِ -: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِهِ، فَقالَ لَهُ: وحِّدِ اللَّهَ تَعالى حَتّى أُضَيِّفَكَ وأُحْسِنَ إلَيْكَ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ مِن أجْلِ لُقْمَةٍ أتْرُكُ دِينِي ودِينِ آبائِي، فانْصَرَفَ عَنْهُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا إبْراهِيمُ صَدَقَكَ!

لِي سَبْعُونَ سَنَةً أرْزُقُهُ وهو يُشْرِكُ بِي، وتُرِيدُ أنْتَ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ودِينَ آبائِهِ لِأجْلِ لُقْمَةٍ، فَلَحِقَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لِيُقْرِيَهُ، واعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ المُشْرِكُ: يا إبْراهِيمُ ما بَدا لَكَ؟

فَقالَ: إنَّ رَبِّي عَتَبَنِي فِيكَ، وقالَ: أنا أرْزُقُهُ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً عَلى كُفْرِهِ بِي، وأنْتَ تُرِيدُ أنْ يَتْرُكَ دِينَهُ ودِينَ آبائِهِ لِأجْلِ لُقْمَةٍ؟!

فَقالَ المُشْرِكُ: أوَقَدْ وقَعَ هَذا؟!

مِثْلُ هَذا يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ، فَأسْلَمَ ورَجَعَ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَنزِلِهِ».

ثُمَّ عَمَّتْ بَعْدُ كَرامَتُهُ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى مِن كُلِّ وارِدٍ ورَدَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: تَعَلَّمْتُ الكَرَمَ مِن رَبِّي، رَأيْتُهُ لا يُضَيِّعُ أعْداءَهُ فَلا أُضَيِّعُهم أنا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أنْتَ خَلِيلِي حَقًّا.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلًا؟

قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ يا مُحَمَّدُ»» وقِيلَ - واخْتارَهُ البَلْخِيُّ والفَرّاءُ - لِإظْهارِهِ الفَقْرَ والحاجَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وانْقِطاعِهِ إلَيْهِ، وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى مَن سِواهُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ قالَ لَهُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ: ألَكَ حاجَةٌ؟

«أمّا إلَيْكَ فَلا» ثُمَّ قالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونَعِمَ الوَكِيلُ، وقِيلَ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلَ اللَّهِ غَيْرُ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّ الخَلِيلَ دُونَ الحَبِيبِ.

وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««جَلَسَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  يَنْتَظِرُونَهُ فَخَرَجَ، حَتّى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتَذاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وإذا بَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإبْراهِيمُ خَلِيلُهُ، وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن أنَّ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى تَكْلِيمًا، وقالَ آخَرُ فَعِيسى رُوحُ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتُهُ، وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، فَقالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وعَجَبَكُمْ، إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ومُوسى كَلِيمُهُ، وعِيسى رُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، وآدَمَ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى وهو كَذَلِكَ، ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ تَعالى ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ ومُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حِلَقَ الجَنَّةِ فَيَفْتَحُها اللَّهُ تَعالى فَيَدْخُلُها مَعِيَ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ولا فَحْرَ»».

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، والدَّيْلَمِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««اتَّخَذَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا، ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّ»،» والظّاهِرُ مِن كَلامِ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخُلَّةَ مَرْتَبَةُ مِن مَراتِبِ المَحَبَّةِ، وأنَّ المَحَبَّةَ أوْسَعُ دائِرَةً، وأنَّ مِن مَراتِبِها ما لا تَبْلُغُهُ أُمْنِيَةُ الخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي المَرْتَبَةُ الثّابِتَةُ لَهُ  ، وأنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِنَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن مَقامِ الخُلَّةِ ما لَمْ يَحْصُلْ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي الفَرْعِ مافِي الأصْلِ وزِيادَةٌ، ويُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ أنَّ التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو مِن آثارِ الخُلَّةِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ أظْهَرُ وأتَمُّ في نَبِيِّنا  مِنهُ في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ صَحَّ أنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ، وجاءَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»» وشَهِدَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ومُنْشَأُ إكْرامِ الضَّيْفِ الرَّحْمَةُ، وعَرْشُها المُحِيطُ رَسُولُ اللَّهِ  كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ولِهَذا كانَ الخاتَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقَدْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جُنْدُبٍ: «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ  يَقُولُ قَبْلَ أنْ يُتَوَفّى: «إنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا»» والتَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ في رَأْيٍ، وقِيلَ: إنَّ (يُتَوَفّى) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ مَقامَ الخُلَّةِ بَعْدَ مَقامِ المُحِبَّةِ كَما لا يَخْفى.

وفِي لَفْظِ الحُبِّ والخُلَّةِ ما يَكْفِي العارِفَ في ظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، ويُرْشِدُهُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ أيَّ الدّائِرَتَيْنِ أوْسَعُ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُضَلاءِ إلى أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ لِتَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ صاحِبٍ وخَلِيلٍ، والمُرادُ اصْطَفاهُ وخَصَّصَهُ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ، وأمّا في الخَلِيلِ وحْدَهُ فاسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ، إلّا أنَّهُ صارَ بَعْدُ عَلَمًا عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا مانِعَ مِن وصْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالخَلِيلِ حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى الصّادِقِ، أوْ مَن أصْفى المَوَدَّةَ وأصَحَّها، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وعَدَمُ إطْلاقِ الخَلِيلِ عَلى غَيْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ أنَّ مَقامَ الخُلَّةِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ عِنْدَ العارِفِينَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ بَلْ كُلُّ نَبِيٍّ خَلِيلُ اللَّهِ تَعالى إمّا لِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ المَقامِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -عَلى وجْهٍ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ - كَما قِيلَ - وإمّا لِزِيادَةِ التَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ كَما نَقُولُ، واعْتَرَضَ بَعْضُ النَّصارى بِأنَّهُ إذا جازَ إطْلاقُ الخَلِيلِ عَلى إنْسانٍ تَشْرِيفًا فَلِمَ لَمْ يَجُزْ إطْلاقُ الِابْنِ عَلى آخَرَ لِذَلِكَ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ الخُلَّةَ لا تَقْتَضِي الجِنْسِيَّةَ بِخِلافِ البُنُوَّةِ فَإنَّها تَقْتَضِيها قَطْعًا، واللَّهُ تَعالى هو المُنَزَّهُ عَنْ مُجانَسَةِ المُحْدَثاتِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا ١٢٦

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴾ عَلى أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العَمَلِ، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أحْسَنُ دِينًا ﴾ اعْتِراضٌ، أيْ: إنَّ جَمِيعَ ما في العُلُوِّ والسُّفْلِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِلَّهِ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ، أيْ: هو مالِكٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَيَخْتارُ مَن يُرِيدُهُ مِنهم كَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو لِبَيانِ أنَّ اصْطَفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ لِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ كَما هو دَأْبُ المَخْلُوقِينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنْ خُلَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.

﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ إحاطَةُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةً الإحاطَةِ في الأجْسامِ، فَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وارْتِكابِ المَجازِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلَفُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ ما قَبْلَهُ عَلى سائِرِ وُجُوهِهِ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في أرْضِ الِاسْتِعْدادِ لِمُحارَبَةِ عَدُوِّ النَّفْسِ، أوْ تَحْصِيلِ أحْوالِ الكِمالاتِ (فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أيْ: تَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: حُجِبُوا عَنِ الحَقِّ مِن قُوى الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، وحاصِلُهُ التَّرْخِيصُ لِأرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةِ القُوى أنْ يَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ويَزِيدُوا في الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كالفِكْرِ والذِّكْرِ؛ لِيَصِفُوَ القَلْبُ، ويُشْرِقَ نُورُهُ عَلى القُوى، فَتَقِلَّ غائِلَتُها، فَتَزْكُوَ عِنْدَ ذَلِكَ الأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ تَرْكُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ.

﴿ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ ولَمْ تَكُنْ غائِبًا عَنْهم بِسَيْرِكَ في غَيْبِ الغَيْبِ، وجَلالِ المُشاهِدَةِ، وعائِمًا في بِحارِ «لِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيِ: الأعْمالَ البَدَنِيَّةَ ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ ولِيَفْعَلُوا كَما تَفْعَلُ ﴿ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ مِن قُوى الرُّوحِ، ويَجْمَعُوا حَواسَّهم لِيَتَأتّى لَهُمُ المُشابَهَةُ، أوْ لِيَقِفُوا عَلى ما في فِعْلِكَ مِنَ الأسْرارِ فَلا تُضِلُّهُمُ الوَساوِسُ ﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ وبَلَغُوا الغايَةَ في مَعْرِفَةِ ما أقَمْتَهُ لَهُمْ، وأتَوْا بِهِ عَلى وجْهِهِ ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ ﴾ ذابِّينَ عَنْكُمُ اعْتِراضَ الجاهِلِينَ، أوْ قائِمِينَ بِحَوائِجِكُمُ الضَّرُورِيَّةِ ﴿ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى ﴾ مِنهم ﴿ لَمْ يُصَلُّوا ﴾ بَعْدُ ﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ ولْيَفْعَلُوا فِعْلَكَ ﴿ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ كَما أخَذَ الأوَّلُونَ أسْلِحَتَهُمْ، وإنَّما أمَرَ هَؤُلاءِ بِأخْذِ الحَذَرِ أيْضًا حَثًّا لَهم عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ؛ لِئَلّا يُقَصِّرُوا فِيها، يُرادُ مِنهُمُ اتِّكالًا عَلى الأخْذِ بَعْدُ مِمَّنْ أخَذَ أوَّلًا مِن رَسُولِ اللَّهِ  .

وحاصِلُ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ تَعْلِيمَ الشَّرائِعِ والآدابِ لِلْمُرِيدِينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِطائِفَةٍ طائِفَةٍ مِنهُمْ؛ لِيَتَمَكَّنَ ذَلِكَ لَدَيْهِمْ أتَمَّ تَمَكُّنٍ، وقِيلَ: الطّائِفَةُ الأوْلى إشارَةٌ إلى الخَواصِّ، والثّانِيَةُ إلى العَوامِّ، ولِهَذا اكْتُفِيَ في الأوَّلِ بِالأمْرِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، وفي الثّانِي أمْرُ الحَذَرِ أيْضًا ﴿ ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهم قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ ﴾ وهي قُوى الرُّوحِ ﴿ وأمْتِعَتِكُمْ ﴾ وهي المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ ويَرْمُونَكم بِنِبالِ الآفاتِ والشُّكُوكِ ويُهْلِكُونَكم ﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى ﴾ بِأنْ أصابَكم شُؤْبُوبٌ ﴿ مِن مَطَرٍ ﴾ يَعْنِي مَطَرَ سَحائِبِ التَّجَلِّياتِ ﴿ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ بِحُمّى الوَجْدِ والغَرامِ، وعَجَزْتُمْ عَنْ أعْمالٍ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ ﴾ وتَتْرُكُوا أعْمالَ تِلْكَ القُوى، حَتّى يَتَجَلّى ذَلِكَ السَّحابُ، ويَنْقَطِعَ المَطَرُ، وتَهْتَزَّ أرْضُ قُلُوبِكم بِأزْهارِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتُطْفَأ حُمّى الوَجْدِ بِمِياهِ القُرْبِ ﴿ وخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ عِنْدَ وضْعِ أسْلِحَتِكُمْ، واحْفَظُوا قُلُوبَكم مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ تَعالى ﴿ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ ﴾ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ أيْ: مُذِلًّا لَهُمْ، وذَلِكَ عِنْدَ حِفْظِ القَلْبِ، وتَنُّورِ الرُّوحِ.

﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيْ: أدَّيْتُمُوها ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ في جَمِيعِ الأحْوالِ ﴿ قِيامًا ﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿ وقُعُودًا ﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿ وعَلى جُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ: تَقَلُّباتِكم في مَكانِ النَّفْسِ بِالمُجاهِدَةِ ﴿ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾ ووَصَلْتُمْ إلى مَحَلِّ البَقاءِ ﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فَأدُّوها عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ لِسَلامَةِ القَلْبِ حِينَئِذٍ عَنِ الوَساوِسِ النَّفْسانِيَّةِ، الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الحَدَثِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ ﴿ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ﴾ فَلا تَسْقُطُ عَنْهم ما دامَ العَقْلُ والحَياةُ ﴿ ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ الَّذِينَ يُحارِبُونَكم وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ ﴾ مِنكم لِمَنعِكم لَهم عَنْ شَهَواتِهِمْ ﴿ كَما تَأْلَمُونَ ﴾ مِنهم لِمُعارَضَتِهِمْ لَكم عَنِ المَسِيرِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تَأْمُلُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ ما لا يَرْجُونَ ﴾ لِأنَّكم تَرْجُونَ التَّنَعُّمَ بِجَنَّةِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ، ولا يَخْطُرُ ذَلِكَ لَهم بِبالٍ، أوْ تَخافُونَ القَطِيعَةَ وهم لا يَخافُونَها ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم وأحْوالَهم ﴿ حَكِيمًا ﴾ فَيَفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ.

﴿ إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ أيْ: عِلْمَ تَفاصِيلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ تَجَلِّياتِها ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الكِتابَ بِالصِّدْقِ، أوْ قائِمًا أنْتَ بِالحَقِّ لا بِنَفْسِكَ ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ خَواصِّهِمْ وعَوامِّهِمْ ﴿ بِما أراكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: بِما عَلَّمَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا أمانَةَ اللَّهِ تَعالى، الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهم في الأزَلِ مِمّا ذُكِرَ في اسْتِعْدادِهِمْ مِن إمْكانِ طاعَتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ ﴿ خَصِيمًا ﴾ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقابَ، وتُسَلِّطُ الخَلْقَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والهَوانِ، أوْ تَقُولُ لِلَّهِ تَعالى: يا رَبِّ لِمَ خَذَلْتَهم وقَهَرْتَهُمْ؛ فَإنَّهم ظالِمُونَ، ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْهِمْ.

﴿ واسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ مِنَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي أحاطَتْ بِكَ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَيَفْعَلُ ما تَطْلُبُهُ مِنهُ وزِيادَةً ﴿ ولا تُجادِلْ ﴾ أحَدًا عَنِ ﴿ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ حُقُوقِها ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا ﴾ لِنَفْسِهِ ﴿ أثِيمًا ﴾ مُرْتَكِبًا الإثْمَ، مَيّالًا مَعَ الشَّهَواتِ.

﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ﴾ بِكِتْمانِ رَذائِلِهِمْ وصِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ بِإزالَتِها وقَلْعِها ﴿ وهُوَ مَعَهُمْ ﴾ مُحِيطٌ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿ إذْ يُبَيِّتُونَ ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ في ظُلْمَةِ عالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ ﴾ مِنَ الوَهْمِيّاتِ والتَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةِ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ حَسَبَ أعْمالِهِمْ.

﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا ﴾ بِظُهُورِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِن كِمالاتِها ﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ ويَطْلُبُ مِنهُ سَتْرَ ذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَيَسْتُرُ ويُعْطِي ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ ﴿ ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ بِإظْهارِ بَعْضِ الرَّذائِلِ ﴿ أوْ إثْمًا ﴾ بِمَحْوِ ما في الِاسْتِعْدادِ ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ﴾ بِأنْ يَقُولَ: حَمَلَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، أوْ حَمَلَنِي فُلانٌ عَلَيْهِ ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ حَيْثُ فَعَلَ ونَسَبَ فِعْلَهُ إلى الغَيْرِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ طالِبَةً لَهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ في الأزَلِ لَمْ يُفِضْ عَلَيْهِ ولَمْ يَبْرُزْ إلى ساحَةِ الوُجُودِ، ولِذا أفْحَمَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ أتْباعَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ).

﴾ ﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: تَوْفِيقُهُ وإمْدادُهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِهِ ورَحْمَتِهِ، حَيْثُ وهَبَ لَكَ الكَمالَ المُطْلَقَ ﴿ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ لِعَوْدِ ضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، وحِفْظِكَ في قِلاعِ اسْتِعْدادِكَ عَنْ أنْ يَنالَكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ (وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ) الجامِعَ لِتَفاصِيلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، الَّتِي هي أحْكامُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ مَعَ العَمَلِ ﴿ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ مِن عِلْمِ عَواقِبِ الخَلْقِ وعِلْمِ ما كانَ وما سَيَكُونُ ﴿ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ حَيْثُ جَعَلَكَ أهْلًا لِمَقامِ ﴿ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى ﴾ ومَنَّ عَلَيْكَ بِما لا يُحِيطُ بِهِ سِوى نِطاقُ الوُجُودِ.

﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ ﴾ وهو ما كانَ مِن جِنْسِ الفُضُولِ، والأمْرِ الَّذِي لا يَعْنِي (إلّا) نَجْوى ﴿ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ وأرْشَدَ إلى فَضِيلَةِ السَّخاءِ النّاشِئِ مِنَ العِفَّةِ ﴿ أوْ مَعْرُوفٍ ﴾ قَوْلِيٍّ كَتَعَلُّمِ عِلْمٍ، أوْ فِعْلِيٍّ كَإغاثَةِ مَلْهُوفٍ ﴿ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ﴾ الَّذِي هو مِن بابِ العَدْلِ ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ ويَجْمَعُ بَيْنَ الكِمالاتِ ﴿ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن كُلِّ ما يَعُودُ بِهِ الفَضِيلَةُ رَذِيلَةً (فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ) تَعالى ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ويُدْخِلُهُ جَنّاتِ الصِّفاتِ.

﴿ ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ أيْ: يُخالِفْ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ  أوِ العَقْلُ المُسَمّى عِنْدَهم بِالرَّسُولِ النَّفْسِيِّ ﴿ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: غَيْرَ ما عَلَيْهِ أصْحابُ النَّبِيِّ  ومَنِ اقْتَفى أثَرَهم مِنَ الأخْيارِ أوِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ الحِرْمانِ ﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ لِمَن يَصْلاها.

﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ وهي الأصْنامُ المُسَمّاةُ بِالنُّفُوسِ؛ إذْ كُلُّ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَهو عابِدٌ لِنَفْسِهِ، مُطِيعٌ لِهَواها، أوِ المُرادُ بِالإناثِ المُمْكَناتِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ ناقِصٌ مِن جِهَةِ إمْكانِهِ، مُنْفَعِلٌ مُتَأثِّرٌ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ، فَهو أشْبَهُ كَلِّ شَيْءٍ بِالأُنْثى ﴿ وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا ﴾ وهو شَيْطانُ الوَهْمِ، حَيْثُ قَبِلُوا إغْواءَهُ وأطاعُوهُ ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رِياضِ قُرْبِهِ ﴿ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ وهم غَيْرُ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ اسْتُثْنُوا فِي آيَةٍ أُخْرى ﴿ ولأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ ﴿ ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الأمانِيَّ الفاسِدَةَ، مِن كَسْبِ اللَّذّاتِ الفانِيَةِ ﴿ ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ: فَلْيَقْطَعُنَّ آذانَ نُفُوسِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يَنْفَعُهم ﴿ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ وهي الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ووَحَّدُوا، وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، واسْتَقامُوا ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ ﴾ جَنَّةِ الأفْعالِ، وجَنَّةِ الصِّفاتِ، وجَنَّةِ الذّاتِ.

﴿ لَيْسَ ﴾ أيْ: حُصُولُ المَوْعُودِ ﴿ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ بَلْ لا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ فِيما يَقْتَضِيهِ، وفي المَثَلِ: «إنَّ التَّمَنِّي رَأْسُ مالِ المُفْلِسِ» ﴿ ومَن أحْسَنُ دِينًا ﴾ أيْ: حالًا ﴿ مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ وسَلَّمَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وفَنِيَ فِيهِ ﴿ وهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ مُشاهِدٌ لِلْجَمِيعِ في عَيْنِ التَّفْضِيلِ، سالِكٌ طَرِيقَ الإحْسانِ بِالِاسْتِقامَةِ في الأعْمالِ ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنِ السُّوى ﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ حَيْثُ تَخَلَّلَتِ المَعْرِفَةُ جَمِيعَ أجْزائِهِ مِن حَيْثُ ما هو مُرَكَّبٌ، فَلَمْ يَبْقَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ إلّا وقَدْ حَلَّتْ فِيهِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عارِفٌ بِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ دَمَ الحَلّاجِ لَمّا وقَعَ عَلى الأرْضِ انْكَتَبَ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنهُ (اللَّهُ) وأنْشَدَ: ما قُدَّ لِي عُضْوٌ ولا مِفْصَلُ إلّا وفِيهِ لَكم ذِكْرُ ﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما بَرَزَ في الوُجُودِ فَهو شَأْنٌ مِن شُئُونِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ الَّذِي أفاضَ عَلَيْهِ الجُودَ، وهو رَبُّ الكَرَمِ والجُودِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا ١٢٧

﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ مِنكَ تَبْيِينَ المُشْكَلِ مِنَ الأحْكامِ في النِّساءِ، مِمّا يَجِبُ لَهُنَّ وعَلَيْهِنَّ مُطْلَقًا، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ سُئِلَ عَنْ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ، فَما بُيِّنَ فِيما سَلَفَ أُحِيلَ بَيانُهُ عَلى ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ، وما لَمْ يُبَيَّنْ بَعْدُ بُيِّنَ هُنا، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ المُرادَ: يَسْتَفْتُونَكَ في مِيراثِهِنَّ، والقَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ لا يَرِثُ إلّا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أنْ يَقُومَ في المالِ ويَعْمَلَ فِيهِ، ولا يَرِثُ الصَّغِيرُ ولا المَرْأةُ شَيْئًا، فَلَمّا نَزَلَتِ المَوارِيثُ في سُورَةِ النِّساءِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وقالُوا: أيَرِثُ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَقُومُ في المالِ والمَرْأةُ الَّتِي هي كَذَلِكَ فَيَرِثانِ كَما يَرِثُ الرَّجُلُ؟!

فَرَجُوا أنْ يَأْتِيَ في ذَلِكَ حَدَثٌ مِنَ السَّماءِ فانْتَظَرُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَأْتِي حَدَثٌ قالُوا: لَئِنْ تَمَّ هَذا إنَّهُ لَواجِبٌ ما عَنْهُ بُدٌّ، ثُمَّ قالُوا: سَلُوا النَّبِيَّ  فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَغْزُونَ ولا يَغْنَمُونَ خَيْرًا، فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - نَحْوَهُ وإلى الأوَّلِ مالَ شَيْخُ الإسْلامِ.

﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ فِيهِنَّ، والإفْتاءُ إظْهارُ المُشْكِلِ عَلى السّائِلِ، وفي البَحْرِ يُقالُ: أفْتاهُ إفْتاءً وفُتْيا وفَتْوى، وأفْتَيْتُ فَلانًا رُؤْياهُ عَبَرْتُها لَهُ.

﴿ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ ﴾ في (ما) ثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ: الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ: وعَلى الأوَّلِ: إمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: وما يُتْلى عَلَيْكم في القُرْآنِ يُفْتِيكم ويُبَيِّنُ لَكُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِدَوامِ التِّلاوَةِ واسْتِمْرارِها و(فِي الكِتابِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، أيْ: يُتْلى كائِنًا في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ، والمُرادُ بِالكِتابِ حِينَئِذٍ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْناهُ المُتَبادَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ (وما يُتْلى) مُتَناوِلٌ لِما تُلِيَ وما سَيُتْلى، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (يُفْتِيكُمْ) وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ والجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجارِ، في المَجازِ العَقْلِيِّ سائِغٌ شائِعٌ، فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ حَقِيقِيٌّ لِلْفِعْلِ، والمَتْلُوَّ فاعِلٌ مَجازِيٌّ لَهُ، والإسْنادُ إلَيْهِ مِن قَبِيلِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ فَلا يَصِحُّ العَطْفُ، ونَظِيرَ ذَلِكَ: أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والإيرادُ أيْضًا غَيْرُ وارِدٍ، نَعَمِ، المُتَبادَرُ أنَّ هَذا العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، ويُبْعِدُهُ إفْرادُ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى.

وعَلى الثّانِي: تَكُونُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ويُبَيِّنُ لَكم ما يُتْلى، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (يُفْتِيكُمْ) وإمّا مُعْتَرِضَةٌ.

وعَلى الثّالِثِ: إمّا أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى القَسَمِ المُنْبِئِ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وأقْسَمَ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، كَما نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي مُوسى، وما عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لَيْسَ بِوَحْيٍ فَيَجِبُ اتِّباعُهُ، نَعَمْ، فِيهِ اخْتِلالٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَكادُ يَنْدَفِعُ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى النِّساءِ، كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي يَتامى النِّساءِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُتْلى) في غالِبِ الِاحْتِمالاتِ، أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، ومَنَعُوا ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (ما) مُبْتَدَأً و(فِي الكِتابِ) خَبَرُهُ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ، إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِهِ بِالمَتْلُوِّ بِذَلِكَ ظاهِرًا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (فِيهِنَّ) وأنْ يَكُونَ صِلَةً أُخْرى لِـ(يُفْتِيَكُمْ) ومَتى لَزِمَ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِشَيْءٍ واحِدٍ بِدُونِ اتِّباعٍ يُدْفَعُ بِالتِزامِ كَوْنِهِما لَيْسا بِمَعْنًى، والمَمْنُوعُ تَعَلُّقُهُما كَذَلِكَ إذا كانا بِمَعْنًى واحِدٍ.

وفِي الثّانِي هُنا سَبَبِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ»» فالكَلامُ إذًا مِثْلُ (جِئْتُكَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ في أمْرِ زَيْدٍ) أيْ: بِسَبَبِهِ، وإضافَةُ اليَتامى إلى النِّساءِ بِمَعْنى مِن؛ لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وجَعَلَها أبُو حَيّانَ بِمَعْنى اللّامِ، ومَعْناها الِاخْتِصاصُ، وادَّعى أنَّهُ الأظْهَرُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما قالَ الحَلَبِيُّ وغَيْرُهُ.

وقُرِئَ (يَيامى) بِياءَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ (أيِّمٍ) والعَرَبُ تُبْدِلُ الهَمْزَةَ ياءً كَثِيرًا.

﴿ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ أيْ: ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، أوْ ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ فَقَطْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، أوْ ما وجَبَ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: ما كُتِبَ لَهُنَّ مِنَ النِّكاحِ؛ فَإنَّ الأوْلِياءَ كانُوا يَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزَوُّجِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وإبْراهِيمَ ﴿ وتَرْغَبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةٍ الَّتِي، أوْ عَلى المَنفِيِّ وحْدَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تُؤْتُونَهُنَّ ﴾ فَإنْ قُلْنا بِجَوازِ اقْتِرانِ الجُمْلَةِ المُضارِعِيَّةِ الحالِيَّةِ بِالواوِ: فَظاهِرٌ، وإذا قُلْنا بِعَدَمِ الجَوازِ: التُزِمَ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وأنْتُمْ تَرْغَبُونَ ﴿ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ أيْ: في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، فَإنَّ أوْلِياءَ اليَتامى كَما ورَدَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ كانُوا يَرْغَبُونَ فِيهِنَّ إنْ كُنَّ جَمِيلاتٍ، ويَأْكُلُونَ مالَهُنَّ، وإلّا كانُوا يُعْضِلُوهُنَّ طَمَعًا في مِيراثِهِنَّ، وحَذْفُ الجارِّ هُنا لا يُعَدُّ لَبْسًا، بَلْ إجْمالٌ، فَكُلٌّ مِنَ الحَرْفَيْنِ مُرادٌ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى جَوازِ تَزْوِيجِ اليَتِيمَةِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ الرَّغْبَةَ في نِكاحِها فاقْتَضى جَوازُهُ، والشّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ إنَّما ذَكَرَ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ عَلى طَرِيقِ الذَّمِّ، فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى ذَلِكَ، مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الرَّغْبَةِ في نِكاحِها فِعْلُهُ في حالِ الصِّغَرِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ الأبِ والجَدِّ وأمّا هُما فَيَجُوزُ لَهُما تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ بِلا خِلافٍ.

﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يَتامى النِّساءِ ﴾ وكانُوا لا يُوَرِّثُونَهم كَما لا يُوَرِّثُونَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

﴿ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وإنْ جُعِلَ (فِي يَتامى) بَدَلًا فالوَجْهُ النَّصْبُ في هَذا و(المُسْتَضْعَفِينَ) عَطْفًا عَلى مَحَلِّ (فِيهِنَّ) ومَنَعُوا العَطْفَ عَلى البَدَلِ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الصِّغارُ مُطْلَقًا، الَّذِينَ مَنَعُوهم عَنِ المِيراثِ ولَوْ ذُكُورًا، ولَوْ عُطِفَ عَلى البَدَلِ لَكانَ بَدَلًا ولا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُ بَدَلِ الغَلَطِ، وهو لا يَقَعُ في فَصِيحِ الكَلامِ، وجُوِّزَ في (أنْ تَقُومُوا) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: خَيْرٌ ونَحْوُهُ، والنُّصْبُ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: ويَأْمُرُكم أنْ تَقُومُوا، وهو خِطابٌ لِلْأئِمَّةٍ أنْ يَنْظُرُوا لَهم ويَسْتَوْفُوا حُقُوقَهُمْ، أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ بِالنَّصَفَةِ في حَقِّهِمْ.

﴿ وما تَفْعَلُوا ﴾ في حُقُوقِ المَذْكُورِينَ ﴿ مِن خَيْرٍ ﴾ حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ، أوْ ما تَفْعَلُوهُ مِن خَيْرٍ عَلى الإطْلاقِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَؤُلاءِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، واقْتَصَرَ عَلى الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي رَغَّبَ فِيهِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الشَّرَّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنهم أوْ يَخْطُرَ بِبالٍ <div class="verse-tafsir"

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ١٢٨

﴿ وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ لَمْ تُبَيَّنْ قَبْلُ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««خَشِيَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُطَلِّقْنِي واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»».

وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: ««أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةِ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا إمّا كِبْرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ ونَزَلَ القُرْآنُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي السّائِبِ.

أيْ: وإنْ خافَتِ امْرَأةٌ خافَتْ، فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ (امْرَأةٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقَدَّرَ بَعْضُهم هَنا كانَتْ لِاطِّرادِ حَذْفِ كانَ بَعْدَ إنَّ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الِاشْتِغالِ، وهو مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ.

والخَوْفُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ أوْ بِمَعْنى التَّوَقُّعِ أيْ: وإنِ امْرَأةٌ تَوَقَّعَتْ لِما ظَهَرَ لَها مِنَ المَخايِلِ ﴿ مِن بَعْلِها ﴾ أيْ: زَوْجِها، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(خافَتْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُشُوزًا ﴾ أيِ: اسْتِعْلاءً وارْتِفاعًا بِنَفْسِهِ عَنْها إلى غَيْرِها لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن صِفَةِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ ﴿ أوْ إعْراضًا ﴾ أيِ: انْصِرافًا بِوَجْهِهِ أوْ بِبَعْضِ مَنافِعِهِ الَّتِي كانَتْ لَها مِنهُ، وفي البَحْرِ: النُّشُوزُ أنْ يَتَجافى عَنْها، بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ، والمَوَدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُما، وأنْ يُؤْذِيَها بِسَبٍّ أوْ ضَرْبٍ مَثَلًا، والإعْراضُ أنْ يُقَلِّلَ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها لِطَعْنٍ في سِنٍّ، أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْنٍ في خَلْقٍ أوْ خُلُقٍ، أوْ مَلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أخَفُّ مِنَ النُّشُوزِ ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ أيْ: فَلا حَرَجَ ولا إثْمَ ﴿ عَلَيْهِما ﴾ أيِ: المَرْأةِ وبَعْلِها حِينَئِذٍ.

﴿ أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا ﴾ أيْ: في أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما، بِأنْ تَتْرُكَ المَرْأةُ لَهُ يَوْمَها كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  أوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ ما يَجِبُ لَها مِن نَفَقَةٍ أوَكِسْوَةٍ، أوْ تَهَبَهُ المَهْرَ، أوْ شَيْئًا مِنهُ، أوْ تُعْطِيَهُ مالًا لِتَسْتَعْطِفَهُ بِذَلِكَ، وتَسْتَدِيمَ المُقامَ في حِبالِهِ، وصُدِّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الجُناحِ لِنَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ ما يُؤْخَذُ كالرِّشْوَةِ فَلا يَحِلٌّ.

وقَرَأ غَيْرُ أهْلِ الكُوفَةِ (يَصّالَحا) بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الصّادِ، وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ (يَتَصالَحا) فَأُبْدِلَتِ التّاءُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (يَصَّلَحا) بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وأصْلُهُ (يَصْطَلِحا) فَخُفِّفَ بِإبْدالِ الطّاءِ المُبْدَلَةِ مِن تاءِ الِافْتِعالِ صادًّا، وأُدْغِمَتِ الأُولى فِيها، لا أنَّهُ أُبْدِلَتِ التّاءُ ابْتِداءً صادًّا وأُدْغِمَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ تاءَ الِافْتِعالِ يَجِبُ قَلْبَها طاءٌ بَعْدَ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ.

وقُرِئَ (يَصْطَلِحا) وهو ظاهِرٌ و(صُلْحًا) عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ عَلى مَعْنى يُوَقِّعا الصُّلْحَ، أوْ بِواسِطَةِ حَرْفٍ أيْ: يُصْلِحُ، والمُرادُ بِهِ ما يُصْلَحُ بِهِ، و(بَيْنَهُما) ظَرْفٌ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَطَّلِعَ النّاسُ عَلى ما بَيْنَهُما بَلْ يَسْتُرانِهِ عَنْهُمْ، أوْ حالٌ مِن (صُلْحًا) أيْ: كائِنًا بَيْنَهُما، وإمّا مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أوْ مِن قَبِيلِ (أنْبَتَها اللَّهُ نَباتًا) و(بَيْنَهُما) هو المَفْعُولُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّبايُنِ والتَّخالُفِ، أوْ عَلى التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ لا عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَهُما كَما قِيلَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَيْنَهُما) ظَرْفًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حالَهُما ونَحْوَهُ، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ (تَصالَحا) و(اصْطِلاحًا) وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى المَذْكُورِ، أيْ: فَيُصْلِحُ حالَهُما (صُلْحًا) واحْتِمالُ هَذا في القِراءَةِ الأُولى بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ (يَصّالَحا) أوْ (يَصَّلَحا) بِصُلْحٍ أيْ: بِشَيْءٍ تَقَعُ بِسَبَبِهِ المُصالَحَةُ.

﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ، أوْ مِنَ الخُصُومَةِ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، وإثْباتُ الخَيْرِيَّةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ أيْ: إنْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ فَهَذا أخْيَرُ مِنهُ، وإلّا فَلا خَيْرِيَّةَ فِيما ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ لا يُرادَ بِـ(خَيْرٌ) التَّفْضِيلُ، بَلْ يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ أوِ الصِّفَةُ، أيْ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، فاللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَحْتَمِلُ العَهْدِيَّةَ والجِنْسِيَّةَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ ولِذَلِكَ اغْتُفِرَ عَدَمُ تَجانُسِهِما؛ إذِ الأُولى اسْمِيَّةٌ والثّانِيَةُ فِعْلِيَّةٌ، ولا مُناسَبَةَ مَعْنًى بَيْنَهُما، وفائِدَةُ الأُولى التَّرْغِيبُ في المُصالَحَةِ، والثّانِيَةُ تَمْهِيدٌ لِلْعُذْرِ في المُماسَكَةِ والمَشاقَّةِ كَما قِيلَ.

وحَضَرَ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، وأحْضَرَ لِاثْنَيْنِ، والأوَّلُ هو (الأنْفَسُ) القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي (الشُّحَّ) والمُرادُ: أحْضَرَ اللَّهُ تَعالى (الأنْفُسُ الشُّحَّ) وهو البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ هو الثّانِي، أيْ: إنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، أوْ أنَّها جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِحُقُوقِها مِنَ الرِّجالِ ولا الرَّجُلُ يَكادُ يَجُودُ بِالإنْفاقِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَثَلًا عَلى الَّتِي لا يُرِيدُها.

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلصُّلْحِ وتَقْرِيرًا لَهُ، يُحَثُّ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا بِالنَّظَرِ إلى حالِ نَفْسِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي التَّمادِي في الشِّقاقِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلى حالِ صاحِبِهِ، فَإنْ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْنَعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي هو خَيْرٌ.

﴿ وإنْ تُحْسِنُوا ﴾ في العِشْرَةِ مَعَ النِّساءِ، ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ، وإنْ تَظافَرَتِ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلَيْهِما، وتَصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ تَضْطَرُّوهُنَّ عَلى فَوْتِ شَيْءٍ مِن حُقُوقِهِنَّ أوْ بَذْلِ ما يَعِزُّ عَلَيْهِنَّ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الإحْسانِ والتَّقْوى، أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ خَبِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم ويُثِيبُكم عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أقامَ سُبْحانَهُ كَوْنَهُ عالِمًا مُطَّلِعًا أكْمَلَ اطِّلاعٍ عَلى أعْمالِهِمْ مَقامَ مُجازاتِهِمْ وإثابَتِهِمْ عَلَيْها، الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ جَوابُ الشَّرْطِ إقامَةَ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ، ولا يَخْفى ما في خِطابِ الأزْواجِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ رِعايَةِ حُقُوقِهِنَّ بِالإحْسانِ، ولَفْظِ التَّقْوى المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِ النُّشُوزِ والإعْراضِ مِمّا يُتَوَقّى مِنهُ، وتَرْتِيبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ مِن لُطْفِ الِاسْتِمالَةِ، والتَّرْغِيبِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٢٩

﴿ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ﴾ أيْ: لا تَقْدِرُوا البَتَّةَ عَلى العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبٍ فِي شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ؛ كالقِسْمَةِ، والنَّفَقَةِ، والتَّعَهُّدِ، والنَّظَرِ، والإقْبالِ، والمُمالَحَةِ، والمُفاكَهَةِ، والمُؤانَسَةِ، وغَيْرِها مِمّا لا يَكادُ الحَصْرُ يَأْتِي مِن ورائِهِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبِيدَةَ أنَّهُ قالَ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ في الحُبِّ والجِماعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: في الجِماعِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُما قالا: في المَحَبَّةِ.

وأخْرَجا عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - وكانَ رَسُولُ  يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهم عَنْها أنَّها قالَتْ: ««كانَ النَّبِيُّ  يُقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ»» وعَنى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (بِما تَمْلِكُ) المَحَبَّةَ ومَيْلَ القَلْبِ الغَيْرَ الِاخْتِيارِيِّ.

﴿ ولَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ، وبالَغْتُمْ فِيهِ ﴿ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ﴾ أيْ: لا تَجُورُوا عَلى المَرْغُوبِ عَنْها كُلَّ الجَوْرِ، فَتَمْنَعُوها حَقَّها مِن غَيْرِ رِضًا مِنها، واعْدِلُوا ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّ عَجْزَكم عَنْ حَقِيقَةِ العَدْلِ لا يَمْنَعُ عَنْ تَكْلِيفِكم بِما دُونَها مِنَ المَراتِبِ الَّتِي تَسْتَطِيعُونَها، وانْتِصابُ (كُلَّ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّها بِحَسَبِ ما تُضافُ إلَيْهِ مِن مَصْدَرٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿ فَتَذَرُوها ﴾ أيْ: فَتَدْعُوا الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها ﴿ كالمُعَلَّقَةِ ﴾ وهي كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - الَّتِي لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ، وقَرَأ أُبَيٌّ (كالمَسْجُونَةِ) وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ (المُعَلَّقَةِ) والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (تَذْرُوها).

وجَوَّزَ السَّمِينُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ(تَذَرُ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى (تَصِيرُ)، وحَذْفُ نُونِ (تَذْرُوها) إمّا لِلنّاصِبِ، وهو (أنِ) المُضْمِرَةُ في جَوابِ النَّهْيِ، وإمّا لِلْجازِمِ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ قَبْلَهُ، وفي الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ»».

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، أنَّهُ قالَ: «كانَتْ لِي امْرَأتانِ فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ».

وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ.

وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى.

﴿ وإنْ تُصْلِحُوا ﴾ ما كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ مِن أُمُورِهِنَّ ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ المَيْلَ الَّذِي نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا ﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما مَضى مِنَ الحَيْفِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ فَيَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا ١٣٠

﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا ﴾ أيِ: المَرْأةُ وبَعْلُها، وقُرِئَ (يَتَفارَقا) أيْ: وإنْ لَمْ يَصْطَلِحا ولَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما وِفاقٌ بِوَجْهٍ ما مِنَ الصُّلْحِ وغَيْرِهِ ووَقَعَتْ بَيْنَهُما الفُرْقَةُ بِطَلاقٍ ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا ﴾ مِنهُما أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ، ويَكْفِهِ ما أهَمَّهُ، وقِيلَ: يُغْنِي الزَّوْجَ بِامْرَأةٍ أُخْرى، والمَرْأةَ بِزَوْجٍ آخَرَ ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ: مِن غِناهُ وقُدْرَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الزُّجَّيْنِ بَعْدَ الطَّلاقِ، وقِيلَ: زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ، وكَيْفَما كانَ فَهو مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وكانَ اللَّهُ واسِعًا ﴾ أيْ: غَنِيًّا وكافِيًا لِلْخَلْقِ، أوْ مُقْتَدِرًا، أوْ عالِمًا ﴿ حَكِيمًا ﴾ مُتْقِنًا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا ١٣١

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماوات والأرْض ﴾ فَلا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الإغْناءُ بَعْدَ الفُرْقَةِ، ولا الإيناسُ بَعْدَ الوَحْشَةِ، ولا ولا، وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ سَعَتِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها - عَلى ما قِيلَ - لِذَلِكَ.

﴿ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ: أمَرْناهم بِأبْلَغِ وجْهٍ، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، والكِتابُ عامٌّ لِلْكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى تَخْصِيصِ المَوْصُولِ بِاليَهُودِ والكِتابِ بِالتَّوْراةِ، بَلْ قَدْ يُدَّعى أنَّ التَّعْمِيمَ أوْلى بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالإخْلاصِ.

و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(وصَّيْنا) أوْ بِـ(أُوتُوا) (وإيّاكُمْ) عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ، وحُكْمُ الضَّمِيرِ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا، ولَمْ يُقَدَّمْ لِيَتَّصِلَ لِمُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ ﴿ أنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًّا مِنهم ومِنكم بِأنِ اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى، عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ الجارِّ، ومَحَلُّها نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى المَذْهَبَيْنِ، ووَصْلُها بِالأمْرِ - كالنَّهْيِ وشِبْهِهِ - جائِزٌ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلْوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ فِيها مَعْنى القَوْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (وصَّيْنا) بِتَقْدِيرِ قُلْنا، أيْ: وصَّيْنا وقُلْنا لَكم ولَهُمْ: إنْ تَكْفُرُوا فاعْلَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ المُلْكِ والمَلَكُوتِ، لا يَضُرُّهُ كُفْرُكم ومَعاصِيكُمْ، كَما أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ شُكْرُكم وتَقْواكُمْ، وإنَّما وصّاكم وإيّاهم لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَتِهِ.

وفِي الكَلامِ تَغْلِيبٌ لِلْمُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، ويُشْعِرُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ العَطْفَ عَلى (اتَّقُوا اللَّهَ) وتُعِقِّبَ بِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ أوِ المُفَسِّرَةِ، فَلا يَصِحُّ عَطْفُها عَلى الواقِعِ بَعْدَها، سَواءٌ كانَ إنْشاءً أمْ إخْبارًا، ولِلْفِعْلِ (وصَّيْنا) أوْ أمَرْنا أوْ غَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ المَذْكُورَ مِن بابِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً خُوطِبَ بِها هَذِهِ الأُمَّةُ وحْدَها، أوْ مَعَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ.

﴿ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا ﴾ بِالغِنى الذّاتِيِّ عَنِ الخْلْقِ وعِبادَتِهِمْ ﴿ حَمِيدًا ﴾ أيْ: مَحْمُودًا في ذاتِهِ، حَمِدُوهُ أمْ لَمْ يَحْمَدُوهُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ ﴾ إلَخْ، تَهْدِيدٌ عَلى الكُفْرِ، أيْ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى عُقُوبَتِكم بِما يَشاءُ، ولا مَنجى عَنْ عُقُوبَتِهِ، فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً مَسُوقًا لِلْمُخاطَبِينَ؛ تَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًا ومُلْكًا، يَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالتَّكْمِيلِ لِلتَّذْيِيلِ بِبَيانِ الدَّلِيلِ، فَإنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَدُلُّ لِحاجَتِها وفَقْرِها الذّاتِيِّ عَلى غِناهُ، وبِما أفاضَ سُبْحانَهُ عَلَيْها مِنَ الوُجُودِ والخَصائِصِ والكِمالاتِ عَلى كَوْنِهِ (حَمِيدًا).

﴿ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، والوَكِيلُ هو المُقِيمُ والكَفِيلُ بِالأمْرِ الَّذِي يُوكَلُ إلَيْهِ، وهَذا عَلى الإطْلاقِ هو اللَّهُ تَعالى، وفي النِّهايَةِ يُقالُ: وكَّلَ فُلانٌ فَلانًا إذا اسْتَكَفّاهُ أمْرَهُ؛ ثِقَةً أوْ عَجْزًا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ نَفْسِهِ، والوَكِيلُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى هو القَيِّمُ بِأرْزاقِ العِبادِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالأمْرِ المَوْكُولِ إلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأرْزاقِ قُصُورٌ فَعُمِّمَ (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ تَعالى).

وادَّعى البَيْضاوِيُّ - بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ فَإنَّهُ إذا تَوَكَّلْتَ وفَوَّضْتَ فَهو الغَنِيُّ؛ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -كَفاهُ، ولَمّا كانَ ما بَيْنَهُما تَقْرِيرًا لَهُ لَمْ يُعَدَّ فاصِلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى بُعْدِهِ لا حاجَةَ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا ١٣٣

﴿ إنْ يَشَأْ ﴾ إنْ يُرِدْ إذْهابَكم وإيجادَ آخَرِينَ ﴿ يُذْهِبْكُمْ ﴾ يُفْنِكم ويُهْلِكْكم ﴿ أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ أيْ: يُوجِدُ مَكانَكم دَفْعَةً قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ، فالخِطابُ لِنَوْعٍ مِنَ النّاسِ.

وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ ضَرَبَ النَّبِيُّ  بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: وقالَ: إنَّهم قَوْمُ هَذا»» وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وما نُقِلَ عَنِ العِراقِيِّ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عِنْدَ نُزُولِها، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ سَهْوٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ومُقَلِّدُوهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقًا آخَرِينَ، أيْ: جِنْسًا غَيْرَ جِنْسِ النّاسِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خَطَأٌ، وكَوْنُهُ مِن قَبِيلِ المَجازِ - كَما قِيلَ - لا يُتِمُّ بِهِ المُرادُ لِمُخالَفَتِهِ لِاسْتِعْمالِ العَرَبِ، فَإنَّ (غَيْرًا) تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ وصْفٍ و(آخَرُ) لا يَقَعُ إلّا عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ أبْعاضِ جِنْسٍ واحِدٍ.

وفِي دُرَّةِ الغَوّاصِ في أوْهامِ الخَواصِّ أنَّهم يَقُولُونَ: ابْتَعْتُ عَبْدًا وجارِيَةً أُخْرى، فَيُوهِمُونَ فِيهِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَمْ تَصِفْ بِلَفْظَيْ (آخَرَ) و(أُخْرى) وجَمْعِهِما إلّا ما يُجانِسُ المَذْكُورَ قَبْلَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ فَوَصَفَ جُلَّ اسْمُهُ مَناةً بِالأُخْرى لَمّا جانَسَتِ العُزّى، ووَصَفَ الأيّامَ بِالأُخَرِ لِكَوْنِها مِن جِنْسِ الشَّهْرِ، والأُمَّةُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَبْدِ لِكَوْنِها مُؤَنَّثَةً وهو مُذَكَّرٌ، فَلَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ أنْ يَتَّصِفَ بِلَفْظٍ (أُخْرى) كَما لا يُقالُ: جاءَتْ هِنْدٌ ورَجُلٌ آخَرُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ آخَرَ مِن قَبِيلِ أفْعَلَ الَّذِي يَصْحَبُهُ مِن، ويُجانِسُ المَذْكُورَ بَعْدَهُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: قالَ: الفِنْدُ الزِّمّانِيُّ وقالَ آخَرُ: كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ آخَرُ مِنَ الشُّعَراءِ، وإنَّما حُذِفَتْ لَفْظَةُ (مِن) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، وكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ (آخَرَ) في النُّطْقِ.

وفِي الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ وأهْلُ اللُّغَةِ، وارْتَضاهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ ومَن مَعَهُ أنَّ (آخَرِينَ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والصِّفَةُ لا تَقُومُ مَقامَ مَوْصُوفِها إلّا إذا كانَتْ خاصَّةً، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِكاتِبٍ، أوْ إذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَعْيِينِ المَوْصُوفِ، وهُنا لَيْسَتْ بِخاصَّةٍ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ.

وقالَ ابْنُ يَسْعُوُنَ والصِّقِلِّيُّ وجَماعَهٌ: إنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلَيْنِ وآخَرَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُقابِلُ آخَرُ ما كانَ مِن جِنْسِهِ تَثْنِيَةً وجَمْعًا وإفْرادًا، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخَرَ ثالِثٍ وأبى الفِرارَ إلى الغَداةِ تَكَرُّمِي وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: وكُنْتُ أمْشِي عَلى ثِنْتَيْنِ مُعْتَدِلًا ∗∗∗ فَصِرْتُ أمْشِي عَلى أُخْرى مِنَ الشَّجَرِ وإنَّما يَعْنُونَ بِكَوْنِهِ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُوفِ بِآخِرَ في اللَّفْظِ، أوِ التَّقْدِيرُ يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى المُتَقَدِّمِ الَّذِي قُوبِلَ بِآخَرَ عَلى جِهَةِ التَّواطُؤِ، ولِذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وآخَرُ كانَ سائِغًا؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ورَجُلٌ آخَرُ، وكَذا: جاءَنِي زَيْدٌ وأُخْرى، تُرِيدُ: نَسَمَةً أُخْرى، وكَذا: اشْتَرَيْتُ فَرَسًا ومَرْكُوبًا آخَرَ سائِغٌ، وإنْ كانَ المَرْكُوبُ الآخَرُ جَمَلًا؛ لِوُقُوعِ المَرْكُوبِ عَلَيْهِما بِالتَّواطُؤِ، فَإنْ كانَ وُقُوعُ الِاسْمِ عَلَيْهِما عَلى جِهَةِ الِاشْتِراكِ المَحْضِ فَإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُما واحِدَةً جازَتِ المَسْألَةُ، نَحْوُ: قامَ أحَدُ الزَّيْدَيْنِ وقَعَدَ الآخَرُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَتُهُما واحِدَةً لَمْ تَجُزْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقابَلْ بِهِ ما هو مِن جِنْسِهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ المُشْتَرِيَ والمُشْتَرِيَ الآخَرَ تُرِيدُ بِأحَدِهِما الكَوْكَبَ وبِالآخَرِ مُقابِلَ البائِعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ التَّواطُؤِ اتِّفاقُهُما في التَّذْكِيرِ؟

فِيهِ خِلافٌ، فَذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ، فَيَجُوزُ: جاءَتْنِي جارِيَتُكَ وإنْسانٌ آخَرُ، واشْتَرَطَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، والصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ بِدَلِيلِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِسا ∗∗∗ مِن بَيْنِ مَنظَمَةٍ وآخَرَ يَنْظِمُ وما ذُكِرَ مِن أنَّ (آخَرَ) يُقابَلُ بِهِ ما تَقَدَّمَهُ مِن جِنْسِهِ هو المُخْتارُ، وإلّا فَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ شَيْءٌ مِن جِنْسِهِ، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، فَلَوْ قُلْتَ: جاءَنِي آخَرُ مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ مِن صِنْفِهِ لَمْ يَجُزْ، ولَوْ قُلْتَ: أكَلْتُ رَغِيفًا وهَذا قَمِيصٌ آخَرُ لَمْ يَحْسُنْ.

وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها ∗∗∗ لَيْلى وصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ فَحُمُولٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ابْنَتَها جارَّةً لَها لِتَكُونَ الأُخْرى مِن جِنْسِها، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَما جارَ أنْ يُعَقِّبَ ذِكْرَ البِنْتِ بِالجاراتِ، بَلْ كانَ يَقُولُ: وصَلّى عَلى بَناتِها الأُخَرِ، وقَدْ قُوبِلَ في البَيْتِ أيْضًا (أُخَرُ) وهو جَمْعٌ بِابْنَتِها وهو مُفْرَدٌ.

وزَعْمٌ السُّهَيْلِيُّ أنَّ أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ اسْتُعْمِلَتْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَها شَيْءٌ مِن صِنْفِها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يُهِلُّونَ إلَيْها بِقُدَيْدٍ، فَجَعَلَها ثالِثَةَ اللّاةَ والعُزّى، وأُخْرى لِمَناةَ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ وغَيْرُهُ مِن قَوْمِهِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، والصَّوابُ أنَّهُ جَعَلَها أُخْرى بِالنَّظَرِ إلى اللّاتِ والعُزّى، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِالأُخْرى وهو الثّالِثَةُ يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى اللّاتِ والعُزّى، ألا تَرى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ثالِثَةٌ بِالنَّظَرِ إلى صاحِبَتِها؟

وإنَّما اتَّجَهَ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ مِن أنَّ اسْتِعْمالَ آخَرَ وأُخْرى مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُما صِنْفُهُما لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، انْتَهى.

وهُوَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ إلّا أنَّهُ سَيَأْتِي - إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ الكَلامِ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها.

وفِي المَسائِلِ الصُّغْرى لِلْأخْفَشِ في بابٍ عَقَدَهُ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُ آخَرَ إلّا فِيما هو مِن صِنْفِ ما قَبْلَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: أتانِي صَدِيقٌ لَكَ وعَدُوٌّ لَكَ آخَرُ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّهُ لَغْوٌ مِنَ الكَلامِ، وهو يُشْبِهُ (سائِرَ، وبَقِيَّةَ، وبَعْضَ) في أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في جِنْسِهِ، فَلَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ رَجُلًا وتَرَكْتُ سائِرَ النِّساءِ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، وقَدْ يَجُوزُ ما امْتُنِعَ بِتَأْوِيلٍ، كَـ: رَأيْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ دابَّةٌ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: إذا قُلْتُ: هَذا صاحِبِي ورَضِيتُهُ ∗∗∗ وقَرَّتْ بِهِ العَيْنانِ بُدِّلْتُ آخَرا وفِي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  وجَدَ خِفَّةً في مَرَضِهِ فَقالَ: «انْظُرُوا مَن أتَّكِئُ عَلَيْهِ فَجاءَتْ بَرِيرَةُ ورَجُلٌ آخَرُ فاتَّكَأ عَلَيْهِما»».

وحاصِلُ هَذا أنَّهُ لا يُوصَفُ بِآخَرَ إلّا ما كانَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ لِتَتَبَيَّنَ مُغايَرَتُهُ في مَحَلٍّ يُتَوَهَّمُ فِيهِ اتِّحادُهُ ولَوْ تَأْوِيلًا، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ نَصًّا في الخَطَأِ، ومُخالَفَةُ اسْتِعْمالِ العَرَبِ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ﴾ أيْ: إفْنائِكم بِالمَرَّةِ وإيجادِ آخَرِينَ ﴿ قَدِيرًا ﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَفْعَلْ وأبْقاكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ، وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا ١٣٤

﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ والمَنافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ جَزاءُ الشَّرْطِ بِتَقْدِيرِ الإعْلامِ والإخْبارِ، أيْ: (مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا) فَأعْلِمْهُ وأخْبِرْهُ أنَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابَ الدّارِينَ فَما لَهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ كَمَن يَقُولُ: ﴿ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ أوْ يَطْلُبُ الأشْرَفَ وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ مَن جاهَدَ مَثَلًا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُخْطِهِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ.

وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ««مَن كانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى شَمْلَهُ، وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ، ومَن كانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيا، فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلّا ما كُتِبَ لَهُ»».

وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ الخُسْرانِ فَيُقالُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَقَطْ فَقَدْ حَسِرَ وهَلَكَ، فَعِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  يَقُولُ: ««أوَّلُ النّاسِ يُقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟

قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حَتّى اسْتُشْهِدْتُ قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قاتَلْتَ لِأنْ يُقالُ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ: ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ.

ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأ القُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟

قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأْتَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ.

ورَجُلٌ وسَّعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأعْطاهُ مِن أصْنافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟

قالَ: ما تَرَكْتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقالَ: هو جَوادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ»».

وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ إلّا أنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِما يَجْعَلُهُ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ مَآلَهُ أنَّهُ مَلُومٌ مُوَبَّخٌ لِتَرْكِهِ الأهَمَّ الأعْلى الجامِعَ لِما أرادَهُ مَعَ زِيادَةٍ، لَكِنْ مَن يَشْتَرِطُ العائِدَ في الجَزاءِ يُقَدِّرُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ ثَوابُ الدّارِينَ، فَيُعْطِي كُلًّا ما يُرِيدُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ الآيَةَ.

﴿ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ: كَيْفَ يُرائِي المُرائِي، وأنَّ اللَّهَ تَعالى (سُمَيْعٌ) بِما يَهْجِسُ في خاطِرِهِ وما تَأْمُرُ بِهِ دَواعِيهِ، (بَصِيرٌ) بِأحْوالِهِ كُلِّها ظاهِرِها وباطِنِها، فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: ذُيِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ إرادَةَ الثَّوابِ إمّا بِالدُّعاءِ وإمّا بِالسَّعْيِ، والأوَّلُ مَسْمُوعٌ، والثّانِي مُبْصَرٌ، وقِيلَ: السَّمْعُ والبَصَرُ عِبارَتانِ عَنِ اطِّلاعِهِ تَعالى عَلى غَرَضِ المُرِيدِ لِلدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الجَزاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ - وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ - إلّا أنَّهُ يُوهِمُ إرْجاعَ صِفَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ إلى العِلْمِ، وهو خِلافُ المُقَرَّرِ في الكَلامِ.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ١٣٥

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ: مُواظِبِينَ عَلى العَدْلِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ كُلَّ الِاجْتِهادِ، لا يَصْرِفْكم عَنْهُ صارِفٌ.

وعَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِلَفْظِ القَوّامِينَ عَلى أنَّ مُراعاةَ العَدالَةِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا تَكْفِي، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَلى الدَّوامِ، فالأُمُورُ الدِّينِيَّةُ لا اعْتِبارَ بِها ما لَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً دائِمَةً، ومَن عَدَلَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عادِلًا أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ فِيهِ ذَلِكَ ﴿ شُهَداءَ ﴾ بِالحَقِّ ﴿ لِلَّهِ ﴾ بِأنْ تُقِيمُوا شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وانْتِصابُ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لَـ(كُونُوا) ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِ الخَبَرِ الأوَّلِ مِنَ الحُسْنِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ: كُونُوا قَوّالِينَ بِالحَقِّ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَتْ، ولِمَن كانَتْ، مِن قَرِيبٍ وبَعِيدٍ.

وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ (قَوّامِينَ) وقِيلَ: إنَّهُ حَبَرُ (كُونُوا) و(قَوّامِينَ) حالٌ ﴿ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكُمْ، وفُسِّرَتِ الشَّهادَةُ بِبَيانِ الحَقِّ مَجازًا، فَتَشْمَلُ الإقْرارَ المُرادَ ها هُنا، والشَّهادَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُرادِ فِيما بَعْدُ، فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وقِيلَ: الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِيَشْمَلَ الإقْرارَ حَيْثُ إنَّ شَهادَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ لَمْ تُعْهَدْ، والجارُّ - عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ - ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا لَكانَ المَحْذُوفَةِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ صِلَةً؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ قَدْ يُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَقِرًّا، مِثْلُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ ونَحْوِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم.

وعَلَّقَهُ أبُو البَقاءِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ (شُهَداءَ) أيْ: لَوْ شَهِدْتُمْ عَلى أنْفُسِكُمْ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ(قَوّامِينَ) وفِيهِ بُعْدٌ، (ولَوْ) إمّا عَلى أصْلِها أوْ بِمَعْنى إنْ، وهي وصَلِيَّةٌ، وقِيلَ: جَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوَجَبَ أنْ تَشْهَدُوا عَلَيْها ﴿ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتْ عَلى والِدَيْكُمْ، وأقْرَبِ النّاسِ إلَيْكُمْ، أوْ ذَوِي قَرابَتِكُمْ، وعُطِفَ الأوَّلُ بِـ(أوْ) لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِلْأنْفُسِ، وعُطِفَ الثّانِي عَلَيْهِ بِالواوِ لِعَدَمِ المُقابَلَةِ ﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ أيِ: المَشْهُودُ عَلَيْهِ ﴿ غَنِيًّا ﴾ يُرْجى في العادَةِ ويُخْشى ﴿ أوْ فَقِيرًا ﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ في الغالِبِ ويُحْنى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاللَّهُ أوْلى بِهِما ﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهادَةِ عَلى الغَنِيِّ طَلَبًا لِرِضاهُ، أوْ عَلى الفَقِيرِ شَفَقَةً عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِالجِنْسَيْنِ، وأنْظُرُ لَهُما مِن سائِرِ النّاسِ، ولَوْلا أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها، فَراعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العِبادِ مِنكم.

وقَرَأ أُبَيٌّ: (فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وهو شاهِدٌ عَلى أنَّ المُرادَ جِنْسا الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وأنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَذْكُورَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَعْطُوفِ بِـ(أوِ) الإفْرادُ كَما قِيلَ: لِأنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، وقِيلَ: إنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِينَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّها عَلى بابِها وهي هُنا لِتَفْصِيلِ ما أُبْهِمَ في الكَلامِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ ما يَعُمُّ الشَّهادَةَ لِلرَّجُلِ والشَّهادَةَ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنَ المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا وأنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَقَدْ يَكُونانِ غَنِيَّيْنِ وقَدْ يَكُونانِ فَقِيرَيْنِ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما فَقِيرًا والآخَرُ غَنِيًّا، فَحَيْثُ لَمْ تُذْكَرِ الأقْسامُ أُتِيَ بِـ(أوْ) لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ، فَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلى أيِّ وصْفٍ كانا عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وقالَ الرَّضِيُّ: الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى المَذْكُورِ المُتَعَدِّدِ الَّذِي عُطِفَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِ بِـ(أوْ) يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ وأنْ يُطابِقَ المُتَعَدِّدَ، وذَلِكَ يَدُورُ عَلى القَصْدِ، فَيَجُوزُ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو وذَهَبَ، أوْ وهُما ذاهِبانِ إلى المَسْجِدِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى التَّوْجِيهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّثْنِيَةِ ووُجُوبِ الإفْرادِ في مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ الإفْرادُ دُونَ التَّثْنِيَةِ، وإنْ جازَ كُلٌّ مِنهُما فَيَحْتاجُ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى نُكْتَةٍ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّها تَعْمِيمُ الأوْلَوِيَّةِ، ودَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِواحِدٍ، فَتَأمَّلْ.

﴿ فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى ﴾ أيْ: هَوى أنْفُسِكم ﴿ أنْ تَعْدِلُوا ﴾ مِنَ العُدُولِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ مُقابِلِ الجَوْرِ، وهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ إمّا لِلِاتِّباعِ المَنهِيِّ عَنْهُ أوْ لِلنَّهْيِ، فالِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَيَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمال الثّانِي، أيْ: أنْهاكَمْ عَنِ اتِّباعِ الهَوى؛ كَراهَةَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَلا يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، أيْ: أنْهاكم عَنِ اتِّباعِ الهَوى لِلْعَدْلِ وعَدَمِ الجَوْرِ.

﴿ وإنْ تَلْوُوا ﴾ ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ، بِأنْ تَأْتُوا بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والضَّحّاكِ، وحُكِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: اللَّيُّ المَطْلُّ في أدائِها، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

﴿ أوْ تُعْرِضُوا ﴾ أيْ: تَتْرُكُوا إقامَتَها رَأْسًا، وهو خِطابٌ لِلشُّهُودِ،وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِلْحُكّامِ، واللَّيُّ الحُكْمُ بِالباطِلِ، والإعْراضُ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، ونُسِبَ هَذا إلى السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أيْضًا، وقَرَأ حَمْزَةُ: (وإنْ تَلُوا) بِضَمِّ اللّامِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهو مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى مُباشَرَةِ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ تَلْوُوا بِواوَيْنِ أيْضًا، نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ بَعْدَ قَلْبِها هَمْزَةً أوِ ابْتِداءً إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وعَلى هَذا فالقِراءَتانِ بِمَعْنًى ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ اللَّيِّ والإعْراضِ، أوْ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ ﴿ خَبِيرًا ﴾ عالِمًا مُطَّلِعًا، فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وهو وعِيدٌ مَحْضٌ عَلى القِراءَةِ الأُولى، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وأنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا لِلْوَعْدِ.

والآيَةُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - نَزَلَتْ في النَّبِيِّ  ««اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ خُلُقُهُ مَعَ الفَقِيرِ، يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ»» وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّهادَةِ عَلى مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا تَعَرُّضَ فِيها لِلشَّهادَةِ لَهم عَلى ما هو الظّاهِرُ، وحَمَلَها بَعْضُهم عَلى ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَما أشَرْنا إلَيْهِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ شَهادَةُ الوَلَدِ لِوالِدِهِ، والوالِدِ لِوَلَدِهِ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ سَلَفُ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ حَتّى ظَهَرَ مِنَ النّاسِ أُمُورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ عَلى اتِّهامِهِمْ، فَتُرِكَتْ شَهادَةُ مَن يُتَّهَمُ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ - بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ - كَوْنُ المُرادِ مِنها: (كُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ) تَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ، وكَمالِ صِفاتِهِ، وحِقِّيَّةِ أحْكامِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُضِرًّا لِأنْفُسِكم أوْ لِوالِدَيْكم وأقْرَبِيكُمْ، بِأنْ تُوجِبَ الشَّهادَةُ ذَهابَ حَياةِ هَؤُلاءِ أوْ أمْوالِهِمْ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ أيِ: الشّاهِدُ ﴿ غَنِيًّا ﴾ تَضُرُّ شَهادَتُهُ بِغِناهُ ﴿ أوْ فَقِيرًا ﴾ تَسُدُّ شَهادَتُهُ بابَ دَفْعِ الحاجَةِ عَلَيْهِ ﴿ فاللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ أوْلى بِهِما ﴾ مِن أنْفُسِهِما، فَيَنْبَغِي أنْ يُرَجِّحا اللَّهَ تَعالى عَلى أنْفُسِهِما.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا مَدْخَلَ لَهُ في الشَّهادَةِ؛ إذْ لَيْسَ قَوّامًا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الخُرُوجِ إلى القاضِي، وعَلى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى الحاكِمِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيٍ.

ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما تَقَدَّمَ - عَلى ما في البَحْرِ - أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ عَقَّبَهُ بِالقِيامِ لِأداءِ الحُقُوقِ، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقٌ، أوْ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا مَلُومٌ وأشارَ إلى أنَّ طالِبَ الأمْرَيْنِ أوْ أشْرَفَهُما هو المَمْدُوحُ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ - تَعالى شَأْنُهُ - لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى ﴾ والإشْهادَ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ قِصَّةَ الخائِنِ واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ أمْرَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١٣٦

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ كافَّةً، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ ﴾ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِذَلِكَ، وداوِمُوا عَلَيْهِ.

ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُمْ، والمُرادُ: ازْدادُوا في الإيمانِ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا، أوْ (آمِنُوا) بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًا بِناءً عَلى أنَّ إيمانَ بَعْضِهِمْ إجْمالِيٌّ، وأيّا ما كانَ فَلا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ المُؤْمِنِينَ ظاهِرًا، فَمَعْنى (آمِنُوا) أخْلِصُوا الإيمانَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

وقِيلَ: لِمُؤْمِنِي اليَهُودِ خاصَّةً، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وأسَدَ وأُسَيْدُ ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، وابْنَ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامِ، ويامِينَ بْنَ يامِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ  - وقالُوا: «نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، وبِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى، ومُحَمَّدٍ  وبِكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ، فَقالُوا: لا نَفْعَلُ، فَنَزَلَتْ، فَآمَنُوا كُلُّهُمْ»».

وقِيلَ: لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ.

وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ المُؤْمِنِينَ بِاللّاتِ والعُزّى.

وقِيلَ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِإيمانِهِمْ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ .

والكِتابُ الأوَّلُ القُرْآنُ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ الثّانِي الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: (وكُتُبِهِ)، والمُرادُ بِالإيمانِ بِها الإيمانُ بِها في ضِمْنِ الإيمانِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى الرَّسُولِ  عَلى مَعْنى أنَّ الإيمانَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمانِ بِذَلِكَ الكِتابِ، وأنَّ أحْكامَ كُلٍّ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً يَجِبُ الأخْذُ بِها إلى وُرُودِ ما نَسَخَها، وأنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ ولا تَغْيِيرٌ يَعْتَرِيهِ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ أمْرَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ بِالإيمانِ بِكِتابِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لَهم لَيْسَ عَلى مَعْنى الثَّباتِ؛ لِأنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الإيمانِ غَيْرُ حاصِلٍ لَهُمْ، وهو المَقْصُودُ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ مُتَعَلِّقَ الأمْرِ حَقِيقَةً هو الإيمانُ بِما عَداهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِالكُلِّ ولا تَخُصُّوهُ بِالبَعْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتِعْمالُ (نَزَّلَ) أوَّلًا و(أنْزَلَ) ثانِيًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُفْرَّقًا بِالإجْماعِ، وكانَ تَمامُهُ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى الصَّحِيحِ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ، فَتَذَكَّرْ.

﴿ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيْ: بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأُمُورِ المُتَعاطِفَةِ بِالواوِ - كَما قالَ العَلامَةُ الثّانِي - قَدْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ واحِدٍ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى المَجْمُوعِ، والتَّعْوِيلُ عَلى القَرائِنِ، وها هُنا قَدْ دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُلِّ واجِبٌ، والكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ البَعْضِ، ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن جَعْلِ (الواوِ) بِمَعْنى (أوْ) في شَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم رُجُوعَهُ إلى المَجْمُوعِ لِوَصْفِ الضَّلالِ بِغايَةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ .

ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ الكُفْرَ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ ضَلالٌ مُتَّصِفٌ بِـ(بُعْدٍ)، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ البَعِيدِ الضَّلالُ البَعِيدُ عَنِ المَقْصِدِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَعُودُ المُتَّصِفُ بِهِ إلى طَرِيقِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (ضَلالًا بَعِيدًا) عَنِ الوُقُوعِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ.

وزِيادَةُ المَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ في جانِبِ الكُفْرِ - عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - لِما أنَّ بِالكُفْرِ بِأحَدِهِما لا يَتَحَقَّقُ الإيمانُ أصْلًا، وجَمْعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ لِما أنَّ الكُفْرَ بِكِتابٍ أوْ رَسُولٍ كُفْرٌ بِالكُلِّ، وتَقْدِيمُ الرَّسُولِ فِيما سَبَقَ لِذِكْرِ الكِتابِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ المَلائِكَةِ والكُتُبِ عَلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَيْنَ الرُّسُلِ في إنْزالِ الكُتُبِ، وقِيلَ: اخْتِلافُ التَّرْتِيبِ في المَوْضِعَيْنِ مِن بابِ التَّفَنُّنِ في الأسالِيبِ، والزِّيادَةُ في الثّانِي لِمُجَرَّدِ المُبالِغَةِ، وقُرِئَ: (بِكِتابِهِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا ١٣٧ بَشِّرِ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، وازْدادُوا تَمادِيًا في الغَيِّ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ: أنَّهم أُناسٌ مُنافِقُونَ، أظْهَرُوا الإيمانَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أظْهَرُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ.

وجَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عامَّةً لِكُلِّ مُنافِقٍ في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، في البَرِّ والبَحْرِ.

وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهم طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ أرادُوا تَشْكِيكَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ فَيَكْفُرُونَ، ثُمَّ يُظْهِرُونَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ عَرَضَتْ لَنا شُبْهَةٌ أُخْرى فَيَكْفُرُونَ، ويَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ .

وقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بِعِبادَتِهِمُ العَجَلَ حِينَ غابَ عَنْهُمْ، ثُمَّ آمَنُوا عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: إنَّهم آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَهُ، ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِنَبِيِّنا، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ  لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ كافِرِينَ بِعِبادَةِ العِجْلِ أوْ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِعَوْدِهِ إلَيْهِمْ، أوْ بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ هم إمّا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والإنْجِيلِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ عَلى هَذا قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ الجِنْسَ، ويَحْصُلُ التَّبْكِيتُ عَلى اليَهُودِ المَوْجُودِينَ بِاعْتِبارٍ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ.

والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ المُرادَ قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ أوْ غَيْرَهُمْ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ في المُرْتَدِّ: «إنْ كُنْتُ لَمُسْتَتِيبُهُ ثَلاثًا» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وإلى رَأْيِ الإمامِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ، فَقالَ: يَقْتَلُ المُرْتَدُّ في الرّابِعَةِ ولا يُسْتَتابُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا فائِدَةَ مِنَ الِاسْتِتابَةِ إذْ لا مَنفَعَةَ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ أصْلًا وإنْ تابُوا، وعَلى القَوْلِ المَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: المُرادُ مِن نَفْيِ المَغْفِرَةِ والهِدايَةِ نَفْيُ ما يَقْتَضِيهِما وهو الإيمانُ الخاصُّ الثّابِتُ، ومَعْنى نَفْيِهِ اسْتِبْعادُ وُقُوعِهِ، فَإنَّ مَن تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادَ وازْدِيادَ الكُفْرِ والإصْرارَ عَلَيْهِ صارُوا بِحَيْثُ قَدْ ضُرِبَتْ قُلُوبُهم بِالكُفْرِ، وتَمَرَّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ عِنْدَهم أدْوَنَ شَيْءٍ وأهْوَنَهُ، فَلا يَكادُونَ يَقْرَبُونَ مِنهُ قِيدَ شِبْرٍ لِيَتَأهَّلُوا لِلْمَغْفِرَةِ، وهِدايَةِ سَبِيلِ الجَنَّةِ، لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُمْ، ولَمْ يُغْفَرْ لَهم.

وخَصَّ بَعْضُهم عَدَمَ الِاسْتِتابَةِ بِالمُتَلاعِبِ المُسْتَخِفِّ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ، وخَبَرُ (كانَ) في أمْثالِ هَذا المَوْضِعِ مَحْذُوفٌ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ اللّامُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، أيْ: ما كانَ اللَّهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْغُفْرانِ لَهُمْ، ونَفْيُ إرادَةِ الفِعْلِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ.

وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ زائِدَةٌ، والخَبَرَ هو الفِعْلُ، وضُعِّفَ بَأنَّ ما بَعْدَها قَدِ انْتَصَبَ، فَإنْ كانَ النَّصْبُ بِاللّامِ نَفْسِها فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وإنْ كانَ بِـ(أنْ) فَفاسِدٌ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ، وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ، وأنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العَمَلِ مَعَ الزِّيادَةِ كَما في حُرُوفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ، وبِاخْتِيارِ الشِّقِّ الثّانِي، وامْتِناعُ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ عَنِ الذّاتِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ دالًّا بِصِيغَتِهِ عَلى فاعِلٍ وعَلى زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، والفِعْلُ المُصَدَّرُ بِـ(أنْ) يَدُلَّ عَلَيْهِما فَيَجُوزُ الإخْبارُ بِهِ - وإنْ لَمْ يَجُزْ بِالمَصْدَرِ - ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَلى هَذا بِالفِعْلِ لا بِالمَصْدَرِ، وإنَّ أُوِّلَ المَصْدَرُ بِاسْمِ الفاعِلِ لا بِهِ أيْضًا، فافْهَمْ.

واخْتارَ قَوْمٌ في القَوْمِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ووُضِعَ فِيهِ (بَشِّرْ) مَوْضِعَ (أنْذِرْ) تَهَكُّمًا بِهِمْ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقِيلَ: مَوْضِعَ (أخْبِرْ) فَهُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَهَكُّمِيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا ١٣٩

﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ، عَلى مَعْنى: أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى اتِّباعِ المُنافِقِينَ، ولا يَمْنَعُ مِنهُ وُجُودُ الفاصِلِ، فَقَدْ جَوَّزَهُ العَرَبُ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ قِيلَ: اليَهُودُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، وقِيلَ: ما يَعُمُّ ذَلِكَ والنَّصارى، وأُيِّدَ الأوَّلُ بِما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ أمَرَ مُحَمَّدٍ  لا يَتِمُّ، فَتَوَلُّوا اليَهُودَ.

﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يَتَّخِذُونَ ﴿ أيَبْتَغُونَ ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ ﴿ عِنْدَهُمُ ﴾ أيِ: الكافِرِينَ ﴿ العِزَّةَ ﴾ أيِ: القُوَّةَ والمَنَعَةَ، وأصْلُها الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ: عَزازٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: لِلتَّهَكُّمِ، وقِيلَ: لِلتَّعَجُّبِ.

﴿ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيْ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ، وقَدْ كَتَبَها سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ، فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ والجُمْلَةٌ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن بُطْلانِ رَأْيِهِمْ، وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ.

وقِيلَ: بَيانٌ لِوَجْهِ التَّهَكُّمِ أوِ التَّعَجُّبِ، وقِيلَ: إنَّها جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إنْ يَبْتَغُوا العِزَّةَ مِن هَؤُلاءِ فَإنَّ العِزَّةَ، إلَخْ، وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قائِمَةٌ مَقامَ الجَوابِ لا أنَّها الجَوابُ حَقِيقَةً و(جَمِيعًا) قِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ، أيْ: لِأوْلِياءَ، كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، مُفِيدٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ تَعْدِيدُ جِناياتِهِمْ.

وقَرَأ - ما عَدا عاصِمًا ويَعْقُوبَ - (نُزِّلَ) بِالبِناءِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَتَّخِذُونَ ﴾ مُفِيدَةٌ أيْضًا لِكَمالِ قَباحَةِ حالِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن مَوْلاةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى مَعَ تَحَقُّقِ ما يَمْنَعُهم عَنْ ذَلِكَ، وهو وُرُودُ النَّهْيِ عَنِ المُجالَسَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُوَلاةِ عَلى آكَدِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ إثْرَ بَيانِ انْتِفاءِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ!

والحالُ أنَّهُ تَعالى (نَزَّلَ عَلَيْكُمْ) قَبْلَ هَذا بِمَكَّةَ ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ أيِ: القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ.

﴿ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ الآيَةَ، وهَذا يَقْتَضِي الِانْزِجارَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ القَبِيحَةِ، فَكَيْفَ بِمُوالاتِهِمْ والِاعْتِزازِ بِهِمْ؟!

و(أنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٍ، أيْ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ، أيْ أنَّكُمْ، وكَوْنُ المُخَفَّفَةِ لا تَعْمَلُ في غَيْرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ إلّا لِضَرُورَةٍ - كَما قالَ أبُو حَيّانَ - في حَيِّزِ المَنعِ، وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدِ جَوازَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ، وهي تَقَعُ خَبَرًا في كَلامِ العَرَبِ و(أنْ) وما بَعْدَها في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(نَزَّلَ) وهو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، واحْتِمالُ أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ القائِمُ مَقامَهُ (عَلَيْكُمْ) وتَكُونُ (أنْ) مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ التَّنْزِيلَ في مَعْنى القَوْلِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، و(يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ جِيءَ بِهِما لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ المُجالَسَةِ؛ فَإنَّ قَيْدَ القَيْدِ قَيْدٌ، والمَعْنى لا تَقْعُدُوا مَعَهم وقْتَ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِالآياتِ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَشْرِيفِها، وإبانَةِ خَطَرِها، وتَهْوِيلِ أمْرِ الكُفْرِ بِها، والضَّمِيرُ في (مَعَهُمْ) لِلْكَفَرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِـ(يُكْفَرُ) (ويُسْتَهْزَأُ) والضَّمِيرُ في (غَيْرِهِ) راجِعٌ إلى تَحْدِيثِهِمْ بِالكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ، وقِيلَ: الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهُما في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ التَّنْزِيلِ، و(إذًا) مُلْغاةٌ؛ لِأنَّ شَرْطَ عَمَلِها النَّصْبَ في الفِعْلِ أنْ تَكُونَ في صَدْرِ الكَلامِ، فَلِذا لَمْ يَجِئْ بَعْدَها فِعْلٌ، و(مِثْلَ) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، وصَحَّ مَعَ إفْرادِهِ؛ لِأنَّهُ في الأصْلُ مَصْدَرٌ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ في الوُقُوعِ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، أوْ لَأنَّهُ مُضافٌ لِجَمْعٍ فَيَعُمُّ، وقَدْ يُطابِقُ ما قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ والجُمْهُورُ عَلى رَفْعِهِ، وقُرِئَ - شاذًّا - بِالنَّصْبِ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: زَيْدٌ مِثْلَ عَمْرٍو في أنَّهُ حالُ مِثْلِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ إذا أُضِيفَ إلى مَبْنِيٍّ اكْتَسَبَ البِناءَ، ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِـ(ما) المَصْدَرِيَّةِ كَما تُوُهِّمَ، بَلْ يَكُونُ فِيها مِثْلَ: ﴿ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ وفي غَيْرِها كَقَوْلِهِ: فَأصْبَحُوا قَدْ أعادَ اللَّهُ نِعْمَتَهم إذْ هم قُرَيْشٌ وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرُ وابْنُ مالِكٍ يَشْتَرِطُ لِاكْتِسابِ البِناءِ أنْ لا يَقْبَلَ المُضافُ لِلتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، كَـ(دُونَ، وغَيْرَ، وبَيْنَ) ولَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ في (مِثْلَ) وأعْرَبَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (حَقٌّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ ﴾ .

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم في الكُفْرِ بِبَيانِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن شَرِكَتِهِمْ لَهم في العَذابِ، والمُرادُ مِنَ المُنافِقِينَ إمّا المُخاطِبُونَ، وأُقِيمَ المُظْهَرُ مَقامَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا لِنِفاقِهِمْ وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِمَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ، وإمّا لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَقْدِيمُهم لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ عَلى المُخاطَبِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ طِرْزُ ما مَرَّ.

واسْتُشْكِلَ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ بِأنَّهم مِثْلٌ لِلْكافِرِينَ في الكُفْرِ مِن غَيْرِ سَبَبِيَّةِ القُعُودِ مَعَهُمْ، فَلا وجْهَ لِتَرْتِيبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، والعُدُولُ عَنْ كَوْنِ المُماثَلَةِ في الكُفْرِ إلى المُماثَلَةِ في المُجاهَرَةِ بِهِ لا يَحْسُنُ مَعَهُ كَوْنُ جُمْلَةِ (إنَّ اللَّهَ) إلَخْ تَعْلِيلًا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم بِتِلْكَ المُماثَلَةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذُكِرَ، وأيْضًا الَّذِينَ نُهُوا عَنْ مُجالَسَةِ الكافِرِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ بِمَكَّةَ هُمُ المُؤْنُونَ المُخْلِصُونَ لا المُنافِقُونَ؛ لِأنَّ نَجْمَ النِّفاقِ إنَّما ظَهَرَ بِالمَدِينَةِ، فَكَيْفَ يُذْكَرُ المُنافِقُونَ فِيها بِنَهْيٍ نَزَلَ في مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَكُونُوا؟!

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ  - وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً - مُنَزَّلٌ عَلى الأُمَّةِ مُخْلِصِهِمْ ومُنافِقِهِمْ إلى قِيامِ السّاعَةِ، صَحَّ دُخُولُ المُنافِقِينَ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا وقْتَ النُّزُولِ، وإنْ لَمْ يُسَلَّمْ ذَلِكَ، فَإنِ ادُّعِيَ الِاقْتِصارُ عَلى النَّبِيِّ  لَمْ يَدْخُلِ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ أيْضًا، وإنِ ادُّعِيَ دُخُولُهم فَقَطْ دُونَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم مُؤْمِنُونَ ظاهِرًا فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، كَيْفَ وجَمِيعُ الأحْكامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كانُوا؟!

ولَسْنا مُكَلَّفِينَ بِأنْ نَشُقَّ عَلى قُلُوبِ العِبادِ، بَلْ لَنا الظّاهِرُ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ، عَلى أنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأحْكامَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي كانَتْ صَدْرَ الإسْلامِ ولَمْ تُنْسَخْ مُخاطَبٌ بِها مَن نَطَقَ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وبَلَغَتْهُ قَبْلَ يَوْمِ السّاعَةُ، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴾ ، ولِهَذِهِ الدَّغْدَغَةِ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخِطابِ هُنا المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ، والمُرادُ بِمَن يَكْفُرُ ويَسْتَهْزِئُ أعَمُّ مِنَ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ.

وضَمِيرُ (مَعَهُمْ) لِلْمَفْهُومِ مِنَ الفِعْلَيْنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنِ الواحِدِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ المُنافِقُونَ يَجْلِسُونَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَيَسْخَرُونَ مِنَ القُرْآنِ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُجالَسَتِهِمْ، والمُرادُ مِنَ المُماثَلَةِ في الجَزاءِ المُماثَلَةُ في الإثْمِ؛ لِأنَّهم قادِرُونَ عَلى الإعْراضِ والإنْكارِ لا عاجِزُونَ كَما في مَكَّةَ، أوْ في الكُفْرِ عَلى مَعْنى: إنْ رَضِيتُمْ بِذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ كُفْرٌ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَثَرَ عَلَيْها صاحِبُ الذَّخِيرَةِ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ خَواهَرْ زادَهْ: الرِّضا بِكُفْرِ الغَيْرِ إنَّما يَكُونُ كُفْرًا إذا كانَ يَسْتَجِيزُ الكُفْرَ أوْ يَسْتَحْسِنُهُ، أمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ولَكِنْ أحَبَّ المَوْتَ أوِ القَتْلَ عَلى الكُفْرِ لِمَن كانَ مُؤْذِيًا حَتّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ فَهَذا لا يَكُونُ كُفْرًا، ومَن تَأمَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا اطْمِسْ ﴾ الآيَةَ، يَظْهَرُ لَهُ صِحَّةَ هَذِهِ الدَّعْوى، وهو المَنقُولُ عَنِ الماتُرِيدِيِّ.

وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ مَن جاءَهُ كافِرٌ لِيُسْلِمَ فَقالَ: اصْبِرْ حَتّى أتَوَضَّأ أوْ أخَّرَهُ يَكْفُرْ لِرِضاهُ بِكُفْرِهِ في زَمانٍ مُوافِقٌ لِما رُوِيَ عَنِ الإمامِ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ ما رُوِيَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في فَتْحِ مَكَّةَ «أنْ أبِي سَرْحٍ أتى بِهِ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلى النَّبِيِّ  وسَلَّمَ فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ بايِعْهُ، فَكَفَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدَهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ»،» وهو مَعْرُوفٌ في السِّيَرِ، وهو يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ التَّوَقُّفَ مُطْلَقًا لَيْسَ - كَما قالُوهُ - كُفْرًا.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ مُجالَسَةِ الفُسّاقِ والمُبْتَدِعِينَ مِن أيِّ جِنْسٍ كانُوا، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ، وأبُو وائِلٍ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ورَوى عَنْهُ هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ أنَّهُ ضَرَبَ رَجُلًا صائِمًا كانَ قاعِدًا مَعَ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَتَلا الآيَةَ، وهي أصْلٌ لِما يَفْعَلُهُ المُصَنِّفُونَ مِنَ الإحالَةِ عَلى ما ذُكِرَ في مَكانٍ آخَرَ، والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ والِاعْتِمادُ عَلى المَعْنى.

ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنِ الخائِضِينَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ وأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ إظْهارُ المُخالِفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ لا الإعِراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ.

وعَنِ الجُبّائِيِّ: إنَّ المَحْذُورَ مُجالَسَتُهم مِن غَيْرِ إظْهارِ كَراهَةٍ لِما يَسْمَعُهُ أوْ يَراهُ، وعَلى هَذا - الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالمُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ ما أُرِيدَ بِضَمِيرِ (مَعَهُمْ) وصُرِّحَ بِهَذا العُنْوانِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الجِنْسُ، ويُدْخَلَ (أُولَئِكَ) فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١

والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ بِلا خِلافٍ، والمَوْصُولُ إمّا بَدَلٌ مِنَ ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ﴾ أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ، إذْ هُمُ المُتَرَبِّصُونَ دُونَ الكافِرِينَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ كَوْنَهُ صِفَةً لَهُما، أوْ مَرْفُوعًا أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لا يَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ، والظّاهِرُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ مَفْعُولَهُ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: يَنْتَظِرُونَ وُقُوعَ أمْرٍ بِكُمْ، وكَلامُ الرّاغِبِ يَقْتَضِي أنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ؛ لِأنَّهُ مِنِ (انْتَظَرَ بِالسِّلْعَةِ غَلاءَ السِّعْرِ).

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ حِكايَةَ تَرَبُّصِهِمْ مُسْتَتْبِعَةٌ لِحِكايَةِ ما يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: فَإنِ اتَّفَقَ لَكم فَتْحٌ وظَفَرٌ عَلى الأعْداءِ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ: لَكم ﴿ ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ نُجاهِدُ عَدُوَّكم فَأعْطُونا نَصِيبًا مِنَ الغَنِيمَةِ ﴿ وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ ﴾ أيْ: حَظٌّ مِنَ الحَرْبِ، فَإنَّها سِجالٌ ﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ لِلْكُفّارِ ﴿ ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قَتْلِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكُمْ، أوْ: ألَمْ نَغْلِبْكم بِالتَّفَضُّلِ ونُطْلِعْكم عَلى أسْرارِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ، ونَكْتُبْ إلَيْكم بِأخْبارِهِمْ حَتّى غَلَبْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿ ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: نَدْفَعْ عَنْكم صَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِنا إيّاهُمْ، وتَثْبِيطِنا لَهُمْ، وتَوانِينا في مُظاهَرَتِهِمْ، وإلْقائِنا عَلَيْهِمْ ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم عَنْ قِتالِكُمْ، فاعْرِفُوا لَنا هَذا الحَقَّ عَلَيْكُمْ، وهاتُوا نَصِيبَنا مِمّا أصَبْتُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم عَلى رَأْيِكم بِالمُوالاةِ لَكُمْ، (ونَمْنَعْكم مِنَ) الدُّخُولِ في جُمْلَةِ (المُؤْمِنِينَ)، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

وأصْلُ الِاسْتِحْواذِ الِاسْتِيلاءُ، وكانَ القِياسُ فِيهِ اسْتَحاذَ يَسْتَحِيذُ اسْتِحاذَةً بِالقَلْبِ، لَكِنْ صَحَّتْ فِيهِ الواوُ وكَثُرَ ذَلِكَ فِيهِ، وفي نَظائِرَ لَهُ حَتّى أُلْحِقَ بِالمَقِيسِ، وعُدَّ فَصِيحًا، وقالَ أبُو زَيْدٍ: إنَّهُ قِياسِيٌّ، وعَلى كُلِّ حالٍ لا يُرَدُّ عَلى فَصاحَةِ القُرْآنِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

وقُرِئَ (ونَمْنَعَكُمْ) بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) والتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ مِنّا الِاسْتِحْواذُ والمَنعُ، كَقَوْلِكَ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، سُمِّيَ ظَفَرُ المُسْلِمِينَ فَتْحًا وما لِلْكافِرِينَ نَصِيبًا لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ، وقِيلَ: سُمِّيَ الأوَّلُ فَتْحًا إشارَةً إلى أنَّهُ مِن مَداخِلِ فَتْحِ دارِ الإسْلامِ، بِخِلافِ ما لِلْكافِرِينَ فَإنَّهُ لا فَتْحٌ لَهم في اسْتِيلائِهِمْ بَلْ سَيَنْطَفِئُ ضِياءُ ما نالُوا.

﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فَيُثِيبُ أحِبّاءَهُ ويُعاقِبُ أعْداءَهُ، وأمّا في الدُّنْيا فَأنْتُمْ وهم سَواءٌ في العِصْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى وسَلَّمَ: ««فَإذا قالُوها فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهُمْ»» وفي الكَلامِ قِيلَ: تَغْلِيبٌ، وقِيلَ: حَذْفٌ، أيْ: بَيْنَكم وبَيْنَهم.

﴿ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا ﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وحِينَ الحُكْمِ، كَما قَدْ يُجْعَلُ ذَلِكَ في الدُّنْيا ابْتِلاءً واسْتِدْراجًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ في الدُّنْيا، أيْ: لَمْ يَجْعَلْ لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ سُلْطانًا تامًّا بِالِاسْتِئْصالِ، أوْ جُحَّةً قائِمَةً عَلَيْهِمْ مُفْحِمَةً لَهُمْ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، ويَجُوزُ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى إطْلاقِهِ؛ لِيَشْمَلَ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.

واحْتَجَّ الشّافِعِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى فَسادِ شِراءِ الكافِرِ العَبْدَ المُسْلِمَ؛ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكانَ لَهُ عَلَيْهِ يَدٌ وسَبِيلٌ بِتَمَلُّكِهِ، ونَحْنُ نَقُولُ: يَصِحُّ ولَكِنْ يُمْنَعُ مِنِ اسْتِخْدامِهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ إلّا بِالبَيْعِ والإخْراجِ عَنْ مِلْكِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَيْهِ.

واحْتَجَّ بِظاهِرِها بَعْضُ الأصْحابِ عَلى وُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِرِدَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأنَّ عَقْدَ النِّكاحِ يُثْبِتُ لِلزَّوْجِ سَبِيلًا في إمْساكِها في بَيْتِهِ، وتَأْدِيبِها، ومَنعِها مِنَ الخُرُوجِ، وعَلَيْها طاعَتُهُ فِيما يَقْتَضِيهِ عَقْدُ النِّكاحِ، والمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شامِلٌ لِلْإناثٍ، وكَذا الكافِرُ إذا أسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، وضُعِّفَ بِأنَّ الِارْتِدادَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ النِّكاحُ إذا عادَ إلى الإيمانِ قَبْلَ مُضِيِّ العِدَّةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ حِينَ الكُفْرِ لا سَبِيلَ لَهُ، ونَفْيُ السَّبِيلِ بِوُقُوعِ الفُرْقَةِ وبَعْدَ وُقُوعِ الفُرْقَةِ لا بُدَّ لِحُدُوثِ العُلْقَةِ مِن مُوجِبٍ، وهو ظاهِرٌ، فَإنْ كانَ العَوْدُ يَكُونُ الِارْتِدادُ كالطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، والعَوْدُ كالرَّجْعَةِ فَلا ضَعْفَ فِيهِ.

وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ نَفْيُ السَّبِيلِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ أوِ السَّبِيلُ بِمَعْنى الحُجَّةِ لا مُتَمَسَّكَ في الآيَةِ لِأصْحابِنا، ولا الشّافِعِيَّةِ، فَلا تَغْفَلْ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا ١٤٢

﴿ إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ، فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُضْمِرُونَ نَقِيضَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ - أنَّ المُرادَ يُخادِعُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى حَدِّ ﴿ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ ﴿ وهُوَ خادِعُهُمْ ﴾ أيْ: فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ، حَيْثُ تَرَكَهم في الدُّنْيا مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ، وأعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: خِداعُهُ تَعالى لَهم أنْ يُعْطِيَهم سُبْحانَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ يَمْشُونَ بِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ يَسْلُبُهم ذَلِكَ النُّورَ، ويَضْرِبُ بَيْنَهم بِسُورٍ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ.

والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى.

﴿ وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ﴾ أيْ: مُتَثاقِلِينَ مُتَباطِئِينَ، لا نَشاطَ لَهُمْ، ولا رَغْبَةَ، كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ ثَوابًا في فِعْلِها، ولا عِقابًا عَلى تَرْكِها، وقُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ، وهُما جَمْعا (كَسْلانَ).

﴿ يُراءُونَ النّاسَ ﴾ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ، والمُراآةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، إمّا بِمَعْنى التَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ فاعَلَ بِمَعْنى فَعِلَ وارِدٌ في كَلامِهِمْ كَنَعِمَ وناعَمَ، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وإسْحاقَ (يُرُوُونَ) تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِلْمُقابَلَةِ لِأنَّهم لِفِعْلِهِمْ في مُشاهَدٍ يَرَوْنَ النّاسَ والنّاسُ يَرَوْنَهُمْ، وهم يَقْصِدُونَ أنْ تُرى أعْمالُهُمْ، والنّاسُ يَسْتَحْسِنُونَها، فالمُفاعَلَةُ في الرُّؤْيَةِ مُتَّحِدَةٌ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في مُتَعَلَّقِ الإراءَةِ، فَلا يَرِدُ عَلى هَذا الشِّقِّ أنَّ المُفاعَلَةَ لا بُدَّ في حَقِيقَتِها مِنِ اتِّحادِ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُرِيدُونَ بِقِيامِهِمْ هَذا؟

فَقِيلَ: يُراءُونَ إلَخْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قامُوا) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (كُسالى).

﴿ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُراءُونَ) وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: ولا يَذْكُرُونَهُ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا إلّا زَمانًا قَلِيلًا، أوْ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا، إذِ المُرائِي لا يَفْعَلُ إلّا بِحَضْرَةِ مَن يُرائِيهِ، وهو أقَلُّ أحْوالِهِ، أوْ لِأنَّ ذِكْرَهم بِاللِّسانِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ، وقِيلَ: إنَّما وُصِفَ بِالقِلَّةِ لِأنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ، وكُلُّ ما لَمْ يَقْبَلْهُ اللَّهُ تَعالى قَلِيلٌ وإنْ كانَ كَثِيرًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ، عَنِ الحَسَنِ ما بِمَعْناهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّهُ قالَ: «لا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوى، وكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ»؟!

وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ الواقِعُ في الصَّلاةِ، نَحْوُ التَّكْبِيرِ والتَّسْبِيحِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ.

وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطانٍ قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى فِيها إلّا قَلِيلًا»».

وقِيلَ: الذِّكْرُ بِمَعْنى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيها لا بِمَعْناهُ المُتَبادَرِ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ، واسْتُشْكِلَ تَوْجِيهُ الِاسْتِثْناءِ حِينَئِذٍ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى: (لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ) تَعالى (إلّا) ذِكْرًا مُلْحَقًا بِالعَدَمِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم فَلا إشْكالَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى العَدَمِ مَجازٌ، وجَعْلُ العَدَمِ ما لا نَفْعَ فِيهِ مَجازٌ آخَرُ، ومَعَ ذَلِكَ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَوْجِيهِ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ: إنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ لَوْ صَحَّ أنْ يُعَدَّ عَدَمُ الذِّكْرِ ذِكْرًا فَذَلِكَ ذِكْرُهم عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وفِيهِ - وإنْ كانَ أهْوَنَ مِنَ الأوَّلِ - ما فِيهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ دُخُولِ الصَّلاةِ بِنَشاطٍ، وعَلى كَراهَةِ قَوْلِ الإنْسانِ كَسِلْتُ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إنِّي كَسْلانُ، ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا ١٤٣

﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ يُراءُونَ ﴾ أوْ مِن فاعِلِ ﴿ يَذْكُرُونَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ قامُوا)، ﴾ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِذا أُضِيفَ (بَيْنَ) إلَيْهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا والمَعْنى مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيَّرِينَ، قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ، وأصْلُ الذَّبْذَبَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ -: صَوْتُ الحَرَكَةِ لِلشَّيْءِ المُعَلَّقِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ اضْطِرابٍ وحَرَكَةٍ أوْ تَرَدُّدٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، والذّالُ الثّانِيَةُ أصْلِيَّةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ومُبْدَلَةٌ مِن باءٍ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وهو خِلافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (مُذَبْذِبِينَ) بِكَسْرِ الذّالِ الثّانِيَةِ، ومَفْعُولُهُ - عَلى هَذا - مَحْذُوفٌ، أيْ: مُذَبْذِبِينَ قُلُوبَهم أوْ دِينَهم أوْ رَأْيَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ لازَمًا، عَلى أنْ فَعْلَلَ بِمَعْنى تَفَعْلَلَ، كَما جاءَ (صَلْصَلَ) بِمَعْنى (تَصَلْصَلَ) أيْ: مُتَذَبْذِبِينَ، ويُؤَيِّدُهُ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مُتَذَبْذِبِينَ).

وقُرِئَ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ (الدُّبَّةِ) بِضَمِّ الدّالِّ وتَشْدِيدِ الباءِ بِمَعْنى الطَّرِيقَةِ والمَذْهَبِ، كَما في النِّهايَةِ، ويُقالُ: هو عَلى دُبَّتِي أيْ: طَرِيقَتِي وسَمْتِي، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «اتَّبِعُوا دُبَّةَ قُرَيْشٍ، ولا تُفارِقُوا الجَماعَةَ» والمَعْنى - حِينَئِذٍ - أنَّهم أُخِذَ بِهِمْ تارَةً طَرِيقًا، وأُخْرى، أُخْرى.

﴿ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ﴾ أيْ: لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً لِإضْمارِهِمُ الكُفْرَ ولا إلى الكافِرِينَ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ، أوْ لا صائِرِينَ إلى الأوَّلِينَ ولا إلى الآخِرِينَ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرٍ (مُذَبْذَبِينَ) أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا وتَفْسِيرًا لَهُ.

﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ لِلْهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ مُوَصِّلًا إلى الحَقِّ والصَّوابِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو أبْلَغُ في التَّفْظِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًا ١٤٤

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ نَهْيُ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ اليَهُودِ فَقَطْ - كَما قِيلَ - أوْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم كَما هو الظّاهِرُ بَعْدَ بَيانِ حالِ المُنافِقِينَ، أيْ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، فَإنَّ ذَلِكَ دَيْدَنَ المُنافِقِينَ ودِينَهُمْ، فَلا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقُونَ، وبِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصُونَ، فالآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُنافِقِينَ عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ دُونَ المُخْلِصِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ المُخْلِصُونَ وبِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ بَيَّنْتُ لَكم أخْلاقَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القَفّالُ، وفي كِلا القَوْلَيْنِ بُعْدٌ.

﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً في العَذابِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا بِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ويُشْعِرُ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ: أتُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أنَّكم مُوافِقُونَ، فَإنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ أوْضَحُ أدِلَّةِ النِّفاقِ.

ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى السُّلْطانَ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ، لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ فَهو حُجَّةٌ» وهو مِمّا يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ إجْماعًا، فَتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبارِ البُرْهانِ أوْ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَعْرُوفِ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الحُجَّةِ، والتَّأْنِيثُ أكْثَرُ عِنْدَ الفُصَحاءِ - عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ - إلّا أنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ هُنا، واعْتُبِرَ التَّذْكِيرُ لِتَحْسُنَ الفاصِلَةُ.

وادَّعى ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ التَّذْكِيرَ أشْهَرُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ حَيْثُ وقَعَ، و(عَلَيْكُمْ) يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِالجَعْلِ، وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (سُلْطانًا)، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: أتَجْعَلُونَ؟

إلَخْ لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتَهُ فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ١٤٥

﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ أيْ: في الطَّبَقَةِ السُّفْلى مِنها، وهو قَعْرُها، ولَها طَبَقاتٌ سَبْعٌ، تُسَمّى الأُولى - كَما قِيلَ -: (جَهَنَّمُ) والثّانِيَةُ (لَظى) والثّالِثَةُ (الحَطْمَةُ) والرّابِعَةُ (السَّعِيرُ) والخامِسَةُ (سَقَرُ) والسّادِسَةُ (الجَحِيمُ) والسّابِعَةُ (الهاوِيَةُ) وقَدْ تُسَمّى النّارُ جَمِيعًا بِاسْمِ الطَّبَقَةِ الأوْلى، وبَعْضُ الطَّبَقاتِ بِاسْمِ بَعْضٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ النّارِ يَجْمَعُها، وتَسْمِيَةُ تِلْكَ الطَّبَقاتِ دِرْكاتٍ لِكَوْنِها مُتَدارِكَةً مُتَتابِعَةً بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ و(الدَّرْكُ) كالدَّرَجِ، إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وفي كَوْنِ المُنافِقِ (فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ) إشارَةٌ إلى شَدَّةِ عَذابِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الأحْوَصِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ المُنافِقَ يُجْعَلُ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ، يُصْمَدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُجْعَلُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ» وإنَّما كانَ أشَدَّ عَذابًا مِن غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ لِكَوْنِهِ ضَمَّ إلى الكُفْرِ المُشْتَرَكِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ وخِداعًا لِأهْلِهِ.

وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أرْبَعٌ مِن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها؛ إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ»» فَقَدْ قالَ المُحَدِّثُونَ فِيهِ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِزَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ لِاطِّلاعِهِ بِنُورِ الوَحْيِ عَلى بَواطِنِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الخِصالِ، فَأعْلَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِأمارَتِهِمْ؛ لِيَحْتَرِزُوا عَنْهُمْ، ولَمْ يُعَيِّنْهم حَذَرًا عَنِ الفِتْنَةِ وارْتِدادِهِمْ ولُحُوقِهِمْ بِالمُحارِبِينَ.

وقِيلَ: لَيْسَ بِمَخْصُوصٍ ولَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، أوِ المُرادُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ فَهو شَبِيهٌ بِالمُنافِقِينَ الخُلَّصِ، وأطْلَقَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَغْلِيظًا وتَهْدِيدًا لَهُ، وهَذا في حَقِّ مَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا مَن نَدَرَ مِنهُ، أوْ هو مُنافِقٌ في أُمُورِ الدِّينِ عُرْفًا، والمُنافِقُ في العُرْفِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَن أبْطَنَ خِلافَ ما يُظْهِرُ مِمّا يُتَضَرَّرُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا وكُفْرًا، وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النّافِقاءِ، ولَيْسَ المُرادُ الحَصْرَ، وهَذا صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاقْتِضاءِ المَقامِ، ولِذا ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ (ثَلاثٌ) وفي بَعْضِها (أرْبَعٌ).

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (الدَّرْكِ) بِسُكُونِ الرّاءِ، وهو لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ وأفْصَحُ؛ لِأنَّهُ ورَدَ جَمْعُهُ عَلى أفْعالٍ، وأفْعالٌ في (فَعَلَ) المُحَرَّكِ كَثِيرٌ مَقِيسٌ، ووُرُودُهُ في السّاكِنِ نادِرٌ كَـ(فَرْخٍ وأفْراخٍ، وزَنْدٍ وأزْنادٍ) وكَوْنُهُ اسْتُغْنِيَ بِجَمْعِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ جائِزٌ، لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، فَلا يَنْدَفِعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، والكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الحَقِيقَةِ.

وزَعَمَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنْ لا طَبَقاتِ في النّارِ، وأنَّ هَذا إخْبارٌ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ في العِقابِ، كَما يُقالُ: إنَّ السُّلْطانَ بَلَّغَ فَلانًا الحَضِيضَ وفُلانًا العَرْشَ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ انْحِطاطَ المَنزِلَةِ وعُلُوَّها لا المَسافَةَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما جاءَتْ بِهِ الآثارُ.

و(مِنَ النّارِ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وفي صاحِبِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدَّرْكُ، والعامِلُ الِاسْتِقْرارُ.

والثّانِي: أنَّهُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في الأسْفَلِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ، فَيَحْتَمِلُ الضَّمِيرَ، أيْ: حالَ كَوْنِ ذَلِكَ مِنَ النّارِ.

﴿ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ يُخْرِجُهم مِنهُ، أوْ يُخَفِّفُ عَنْهم ما هم فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ، حِينَ يَكُونُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وكَوْنُ المُرادِ (ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا) في الدُّنْيا لِتَكُونَ الآيَةُ وصْفًا لَهم بِأنَّهم خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١٤٦

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ عَنِ النِّفاقِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الخَبَرِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ)، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَ الفاءِ، ودَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ.

﴿ وأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا مِن نِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ، وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى التَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ: تَمَسَّكُوا بِكِتابِهِ أوْ وثَقُوا بِهِ ﴿ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ﴾ لا يُرِيدُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ، ودَفْعَ الضَّرَرِ كَما في النِّفاقِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ثُمامَةَ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «يا رُوحَ اللَّهِ، مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ؟

قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ تَعالى، لا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ».

فَـ(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّفَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم نِفاقٌ أصْلًا مُنْذُ آمَنُوا، والمُرادُ أنَّهم مَعَهم في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مَعْدُودُونَ مَن جُمْلَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَيُساهِمُونَهم فِيهِ ويُقاسِمُونَهم.

وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الأجْرَ العَظِيمَ بِالخُلُودِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ ها هُنا ما أُرِيدَ بِهِ فِيما قَبْلَهُ، واعْتِبارُ المُساهَمَةِ جَرى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، ولَوْلا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَها في ذِكْرِ أحْوالِ مَن تابَ مِنَ النِّفاقِ مَعْنًى ظاهِرٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والمُرادُ الإخْبارُ بِزِيادَةِ ثَوابِ مَن لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ نِفاقٌ أصْلًا، وعُمِّمَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِيَشْمَلَ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نِفاقٌ، ومَن تَقَدَّمَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ، ورُسِمَ (يُؤْتِ) بِغَيْرِ ياءٍ، وهو مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ فَحَقُّ يائِهِ أنْ تُثْبَتَ لَفْظًا وخَطًّا، إلّا أنَّها حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجاءَ الرَّسْمُ تَبَعًا لِلَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَها اتِّباعًا لِلرَّسْمِ إلّا يَعْقُوبُ فَإنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ؛ نَظَرا إلى الأصْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الكِسائِيِّ، وحَمْزَةَ، ونافِعٍ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ الأوْلى اتِّباعُ الرَّسْمِ؛ لِأنَّ الأطْرافَ قَدْ كَثُرَ حَذْفُها.

<div class="verse-tafsir"

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا ١٤٧

﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضُعِّفَ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن ثَباتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ تَعْذِيبِكُمْ، أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟!

أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟!

أمْ يَسْتَجْلِبُ نَفْعًا؟!

أوْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟!

كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ مَرَضُ كُفْرِكم ونِفاقِكُمْ، فَإذا احْتَمَيْتُمْ عَنِ النِّفاقِ ونَقَّيْتُمْ نُفُوسَكم بِشَرْبَةِ الإيمانِ والشُّكْرِ في الدُّنْيا بَرِئْتُمْ وسَلِمْتُمْ، وإلّا هَلَكْتُمْ هَلاكًا لا مَحِيصَ عَنْهُ بِالخُلُودِ في النّارِ، وإنَّما قُدِّمَ الشُّكْرُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ في أوَّلِ دَرَجاتِهِ.

فَقَدْ ذَكَرَ العارِفُ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ أنَّ الشُّكْرَ في الأصْلِ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، ولَهُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى النِّعْمَةِ كالرِّزْقِ والخَلْقِ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ تُسَمّى بِاليَقَظَةِ، والشُّكْرُ القَلْبِيُّ، والشُّكْرُ المُبْهَمُ؛ لِأنَّ مُنْعِمَهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَعْيِينُهُ، وإنَّما عُرِفَ مُنْعِمًا ما فَهو مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، فَإذا تَيَقَّظَ لِهَذا وُفِّقَ لِنِعْمَةٍ أكْبَرَ مِنها، وهي المَعْرِفَةُ بِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ هو الصَّمَدُ الواسِعُ الرَّحْمَةِ، المُثِيبُ، المُعاقِبُ، فَتَتَحَرَّكُ جَوارِحُهُ لِتَعْظِيمِهِ، ويُضِيفُ إلى شُكْرِ الجَنانِ شُكْرَ الأرْكانِ، ثُمَّ يُنادِي عَلى ذَلِكَ الجَمِيلِ بِاللِّسانِ ويَقُولُ: أفادَتْكُمُ النَّعْماءَ مِنِّي ثَلاثَةٌ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرُ المُحَجَّبا فالمَذْكُورُ في الآيَةِ هو الشُّكْرُ المُبْهَمُ، وهو مُقَدَّمٌ عَلى الإيمانِ، فَلا حاجَةَ إلى ما زَعَمَهُ الإمامُ مِن أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ.

وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّرْتِيبِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ فَلا سُؤالَ فَمِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في عَلْمِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِأنَّ الواوَ - وإنْ لَمْ تُفِدِ التَّرْتِيبَ - لَكِنَّ تَقْدِيمَ ما لَيْسَ مُقَدَّمًا لا يَلِيقُ بِالكَلامِ الفَصِيحِ، فَضْلًا عَنِ المُعْجِزِ، ولِذا تَراهم يَذْكُرُونَ لِما يُخالِفُهُ وجْهًا ونُكْتَةً.

وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ وجْهًا آخَرَ في التَّقْدِيمِ، لَكِنَّهُ بَناهُ عَلى إفادَةِ الواوِ لِلتَّرْتِيبِ، فَقالَ: لَعَلَّ الوَجْهَ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، ولا نِزاعَ في إيمانِهِمْ ظاهِرًا، وإنَّما النِّزاعُ في بَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم غَيْرَ مُطابِقَةٍ لِلْقَوْلِ اللِّسانِيِّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ ها هُنا أهَمَّ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ حَتّى تَكُونَ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَلى نَهْجِ السَّدادِ، وسُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الشُّكْرَ في الآيَةِ عَلى الشُّكْرِ المُبْهَمِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وأوْضَحُ مِنهُ وأطْيَبُ ما حاكَ في صَدْرِي، ثُمَّ رَأيْتُ العَلّامَةَ الطِّيبِيَّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - صَرَّحَ بِهِ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الفائِقُ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُنافِقِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ إلَخْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الَّذِي ورَّطَهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ كُفْرانُهم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى، وتَهاوُنُهم في شُكْرِ ما أُوتُوا، وتَفْوِيتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمُ البُغْيَةَ العُظْمى، وهو الإسْعادُ بِصُحْبَةِ أفْضَلِ الخَلْقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ الَّذِينَ ﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ تَعالى وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ فَأُولَئِكَ حُكْمُهم أنْ يَنْتَظِمُوا في سِلْكِ أُولَئِكَ السُّعَداءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَما كانُوا مُسْتَأْهِلِينَ الدَّرَجاتِ السُّفْلى مِنَ النِّيرانِ، ثُمَّ التَفَتَ تَعْرِيضًا لَهم أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِنهم وبِسَبَبِ تَقاعُدِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةَ الرَّفِيعَةَ، وتَفْوِيتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ تِلْكَ الفُرْصَةَ السَّنِيَّةَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ مُطْلَقٌ عَنْ عَذابِهِمْ، فَضْلًا عَلى أنْ يُوقِعَهم في تِلْكَ الوَرَطاتِ.

فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنْ شَكَرْتُمْ) فَذْلَكَةٌ لِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى الإصْلاحِ فِيها، ومِنَ اللَّجَأِ إلى الخَلْقِ إلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرِّياءِ في الدِّينِ إلى الإخْلاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (وآمَنتُمْ) تَفْسِيرٌ لَهُ، وتَقْرِيرٌ لِمَعْناهُ، أيْ: وآمَنتُمُ الإيمانَ الَّذِي هو حائِزٌ لِتِلْكَ الخِلالِ الفَواضِلِ، جامِعٌ لِتِلْكَ الخِصالِ الكَوامِلِ، فَتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ - وحَقُّهُ التَّأْخِيرُ في الأصْلِ - إعْلامٌ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، والكَفْرُ تابِعٌ، فَإذا أُخِّرَ الشُّكْرُ أُخِلَّ بِهَذِهِ الأسْرارِ واللَّطائِفِ، ومِن ثَمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا ﴾ أيْ: مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ ﴿ عَلِيمًا ﴾ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، فَيُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا إلى الشّاكِرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاكِرُ وكَذا الشَّكُورُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، هو الَّذِي يَجْزِي بِيَسِيرِ الطّاعاتِ كَثِيرَ الدَّرَجاتِ، ويُعْطِي بِالعَمَلِ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ نِعَمًا في الآخِرَةِ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُثْنِي عَلى مَن تَمَسَّكَ بِطاعَتِهِ، فَيَرْجِعُ إلى صِفَةٍ كَلامِيَّةٍ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: أمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا ﴾ فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ فِيهِ: إنَّ النَّفْسَ لِلرُّوحِ كالمِرْآةِ لِلزَّوْجِ، و ﴿ يَتامى النِّساءِ ﴾ صِفاتِ النُّفُوسِ و ﴿ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحُقُوقِ وحاصِلُ المَعْنى: إنَّ نَفْسَكَ مَطِيَّتُكَ فارْفُقْ بِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ ﴿ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ فالرُّوحُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والنَّفْسُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُظُوظِها ﴿ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ﴾ في رَفْضِ حُظُوظِ النَّفْسِ، فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: ««إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» ﴿ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ ﴾ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا ﴾ أيِ: الرَّوْحُ والنَّفْسُ ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ فالرُّوحُ يَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ (خَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمٍ هَوَيْتُهُ) فَيُسْتَغْنى عَنْ مُرْكَبٍ النَّفْسِ بِالوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، والنَّفْسُ تَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمِ ﴿ فادْخُلِي في عِبادِي ﴾ ﴿ وادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ في شَأْنِ الشَّيْخِ والمُرِيدِ.

وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا ﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ المُرِيدِينَ لِثَوابِ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونُوا ثابِتِينَ في مَقامِ العَدالَةِ الَّتِي هِيَ أشْرَفُ الفَضائِلِ ﴿ قَوّامِينَ ﴾ بِحُقُوقِها بِحَيْثُ تَكُونُ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمْ، لا يُمْكِنُ مَعَها جَوْرٌ في شَيْءٍ، ولا ظُهُورُ صِفَةِ نَفْسٍ لِاتِّباعِ هَوًى في جَلْبِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ رَفْعِ مَضَرَّةٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِن حَيْثُ البُرْهانُ ﴿ آمَنُوا ﴾ مِن حَيْثُ البَيانُ، إلى أنْ تُؤْمِنُوا مِن حَيْثُ العَيانُ، أوْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ آمِنُوا بالإيمانِ العَيْنِيِّ، أوِ المُرادُ: يا أيُّها المُدَّعُونَ تَجْرِيدَ الإيمانِ لِي مِن غَيْرِ وساطَةٍ لا سَبِيلَ لَكم إلى الوُصُولِ إلى عَيْنِ التَّجْرِيدِ إلّا بِقَبُولِ الوَسائِطِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالتَّقْلِيدِ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْلِيدِ أصْلٌ ﴿ ثُمَّ آمَنُوا ﴾ بِالِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ إذْ لَمْ تَكُنْ عُقُولُهم مُشْرِقَةً بِالنُّورِ الإلَهِيِّ ﴿ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ بِالشُّبَهاتِ والِاعْتِراضاتِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى وصْفِ أهْلِ التَّرَدُّدِ في سُلُوكِ سَبِيلِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِأحْوالِهِمْ حِينَ هاجَتْ رَغْبَتُهم إلى رِياسَةِ القَوْمِ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِمْ لَيْلُ المُجاهِداتِ لَمْ يَتَحَمَّلُوا، وأنْكَرُوا، ورَجَعُوا إلى حُظُوظِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا رَأوْا نِهايَةَ الأكابِرِ وظَنُّوا اللُّحُوقَ بِهِمْ لَوِ اسْتَقامُوا وآمَنُوا فَلَمّا لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن مَقاماتِ القَوْمِ وكَراماتِهِمْ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ارْتَدُّوا وصارُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ وعَلى مَقاماتِهِمْ، وازْدادُوا إنْكارًا حِينَ رَجَعُوا إلى اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، واخْتارُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وجَعَلُوا يَقُولُونَ لِلْخَلْقِ: إنْ هَؤُلاءِ لَيْسُوا عَلى الحَقِّ، فَقَدْ سَلَكْنا ما سَلَكُوا، وخُضْنا ما خاضُوا فَلَمْ نَرَ إلّا سَرابًا بِقِيعَةٍ، وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ السُّوءِ المُنْكِرِينَ عَلى القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم.

(ما كانَ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) لِمَكانِ الرَّيْبِ الحاجِبِ، وفَسادِ جَوْهَرِ القَلْبِ، وزَوالِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ إلى الحَقِّ، ولا إلى الكَمالِ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ ذَلِكَ ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ لِمُناسَبَتِهِمْ إيّاهُمْ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِعَدَمِ الجِنْسِيَّةِ ﴿ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ التَّعَزُّزَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والتَّقَوِّيَ بِمالِهِمْ وجاهِهِمْ ﴿ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ فَلا سَبِيلَ لَهُمُ إلَيْها إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم ﴿ وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ﴾ لِعَدَمِ شَوْقِهِمْ إلى الحُضُورِ، ونُفُورِهِمْ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ واسْتِيلاءِ الهَوى عَلَيْهِمْ ﴿ يُراءُونَ النّاسَ ﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا ﴾ لِأنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ إلّا بِاللِّسانِ، وعِنْدَ حُضُورِهِمْ بَيْنَ النّاسِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، فَإنَّهم إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ يَطِيرُونَ إلَيْها بِجَناحَيِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، بَلْ يَحِنُّونَ إلى أوْقاتِها: حَنِينَ أعْرابِيَّةٍ حَنَّتْ إلى أطْلالِ نَجْدٍ فارَقَتْهُ ومَرْخِهِ ومِن هُنا «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِبِلالٍ: «أرِحْنا يا بِلالُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقِمْ لَنا الصَّلاةَ لِنُصَلِّيَ ونَسْتَرِيحَ بِها لا مِنها، وظَنُّ الأخِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ  - كُفْرٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وإذا عَبَدُوا لا يَرَوْنَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وما قَدْرُ السُّوى عِنْدَهم لِيُراءُوهُ، وإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهم يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى، نَعَمْ، إنَّهم قَدْ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنْهُ فَهُناكَ لا يَتَأتّى لَهُمُ الذِّكْرُ، وقَدْ عَدَّ العارِفُونَ الذِّكْرَ لِأهْلِ الشُّهُودِ ذَنْبًا، ولِهَذا قالَ قائِلُهُمْ: بِذِكْرِ اللَّهِ تَزْدادُ الذُّنُوبُ ∗∗∗ وتَنْكَشِفُ الرَّذائِلُ والعُيُوبُ وتَرْكُ الذِّكْرَ أفْضَلُ كُلِّ شَيْءٍ ∗∗∗ وشَمْسُ الذّاتِ لَيْسَ لَها مَغِيبُ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِلُ العَبْدُ إلى ذَلِكَ المَقامِ إلّا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وأشارَ إلى مَقامٍ عالٍ مَن قالَ: لا يَتْرُكُ الذِّكْرَ إلّا مَن يُشاهِدُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ يَشْهَدُهُ مَن لَيْسَ يَذْكُرُهُ والذِّكْرُ سَتْرٌ عَلى مَذْكُورِهِ سَتْرٌ ∗∗∗ فَحِينَ يَذْكُرُهُ في الحالِ يَسْتُرُهُ فَلا أزالُ عَلى الأحْوالِ أُشْهِدُهُ ∗∗∗ ولا أزالُ عَلى الأنْفاسِ أذْكُرُهُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا تَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمَةُ كُفْرِهِمْ ﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ حُجَّةً ظاهِرَةً في عِقابِكم بِرُسُوخِ الهَيْئَةِ الَّتِي بِها تَمِيلُونَ إلى وِلايَتِهِمْ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ لِتَحَيُّرِهِمْ بِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى؛ لِانْقِطاعِ وصْلَتِهِمْ، وارْتِفاعِ مَحَبَّتِهِمْ مَعَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِبَقِيَّةِ نُورِ الِاسْتِعْدادِ، وقَبُولِ مَدى التَّوْفِيقِ ﴿ وأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا مِنِ اسْتِعْدادِهِ بِقَمْعِ الهَوى، وكَسْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، ورَفْعِ حِجابِ القُوى ﴿ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ بِالتَّمَسُّكِ بِأوامِرِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ﴾ بِإزالَةِ خَفايا الشِّرْكِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السُّوى ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الصّادِقِينَ ﴿ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ مِن مُشاهَدَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، وجَنّاتِ الأفْعالِ ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ ﴾ بِالتَّوْبَةِ وإصْلاحِ ما فَسَدَ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ الأوامِرِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وآمَنتُمْ ﴾ الإيمانَ الحائِزَ لِذَلِكَ ﴿ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ فَيُثِيبُ ويُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ﴾ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ كِنايَةٌ عَنْ غَضَبِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَهْرِ، ومَوْضِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ نَصْبٌ أوْ رَفْعٌ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ السُّوءِ، والجَهْرُ بِالشَّيْءِ الإعْلانُ بِهِ والإظْهارُ كَما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ، وفي الصِّحاحِ: جَهَرَ بِالقَوْلِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الإظْهارُ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِرَفْعِ صَوْتٍ، أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعْلِنَ أحَدٌ بِالسُّوءِ كائِنًا مِنَ القَوْلِ ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، فَإنَّهُ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ تَعالى، وذَلِكَ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ، ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقَتادَةَ: هو أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَذُمَّ أحَدٌ أحَدًا أوْ يَشْكُوَهُ ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَشْكُوَ ظالِمَهُ، ويُظْهِرَ أمْرَهُ، ويُذَكِّرَهُ بِسُوءٍ ما قَدْ صَنَعَهُ.

وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - المُرادُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الشَّتْمَ في الِانْتِصارِ ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فَلا بَأْسَ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِما يَجُوزُ الِانْتِصارُ بِهِ في الدِّينِ.

وجَوَّزَ الحَسَنُ لِلرَّجُلِ إذا قِيلَ لَهُ: يا زانِي أنْ يُقابِلَ القائِلَ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ، فاشْتَكاهُمْ، فَعُوقِبَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأُبَيٍّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ أنَّهم قَرَءُوا (إلّا مَن ظَلَمَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ الظّالِمَ يُحِبُّهُ، أوْ لَكِنَّهُ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالإبْدالِ مِن فاعِلِ (يُحِبُّ) كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، بِمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، ومِنهُ ﴿ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ وهي لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وعَلَيْها يَقُولُ الشّاعِرُ: عَشِيَّةَ ما تُغْنِي الرِّماحُ مَكانَها ولا النَّبْلُ إلّا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ وقَدْ نَقَلَ هَذِهِ اللُّغَةَ سِيبَوَيْهِ، وأنْكَرَها البَعْضُ، وكَفى بِنَقْلِ شَيْخِ الصِّناعَةِ سَنَدًا لِلْمُثْبِتِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّهُ لَيْسَ البَيْتُ كالمِثالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ عُمُومٌ عَلى مَعْنى السِّلاحِ، وأمّا زَيْدٌ فَلا يُتَوَهَّمُ فِيهِ عُمُومٌ، ولا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ إلّا عَلى أنَّ أصْلَهُ: ما جاءَنِي زَيْدٌ ولا غَيْرُهُ، فَحُذِفَ المَعْطُوفُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ، وكَذا الآيَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ، ورُدَّ - كَما قالَ الشِّهابُ - بِأنَّهُ لَوْ كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرَهُ في المِثالِ لَكانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والمَفْرُوضُ خِلافُهُ، وأنَّ المُرادَ - كَما يُفْهِمُهُ كَلامُ الطِّيبِيِّ - جَعْلُ المُبْدَلِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ غَيْرِ المَذْكُورِ، حَتّى كَأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ والنَّفْيَ عامٌّ، إلّا أنَّهُ صَرَّحَ بِنَفْيِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِزِيادَةِ اهْتِمامٍ بِالنَّفْيِ عَنْهُ، أوْ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ الإثْباتِ، فَيَقُولُونَ: ما جاءَنِي زَيْدٌ إلّا عَمْرٌو، والمَعْنى: ما جاءَنِي إلّا عَمْرٌو، فَكَذا ها هُنا المَعْنى: لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا الظّالِمُ، فَأُدْخِلَ لَفْظُ (اللَّهُ) تَأْكِيدًا لِنَفْيِ مَحَبَّتِهِ تَعالى، يَعْنِي لِلَّهِ سُبْحانَهُ اخْتِصاصٌ في عَدَمِ مَحَبَّتِهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: ما بَعْدُ (إلّا) حِينَئِذٍ لا يَكُونُ فاعِلًا وهو ظاهِرٌ فَتَعَيَّنَ البَدَلُ وهو غَلَطٌ؟

أُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ غَلَطًا لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا الخاصُّ في مَوْقِعِ العامِّ، ولَمْ يَكُنِ المَعْنى: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا عَمْرٌو.

فَإنْ قِيلَ: فَيَكُونُ لَفْظُ (اللَّهُ) مَجازًا عَنْ أحَدٍ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؟

أُجِيبَ بِأنَّ (لا يُحِبُّ اللَّهُ) مُؤَوَّلٌ بِـ(لا يُحِبُّ أحَدٌ) واقِعٌ مَوْقِعَهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ في لَفْظِ (اللَّهُ) كَذا قِيلَ.

وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ إذا كانَ عامًّا فَإمّا بِتَقْدِيرِ لَفْظٍ - كَما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ - وإمّا بِالتَّجَوُّزِ في لَفْظِ العِلْمِ، وكَلاهُما مُرٌّ ما فِيهِ، ولا طَرِيقَ آخَرُ لِلْعُمُومِ، فَما ذَكَرَهُ المُجِيبُ لا بُدَّ مِن بَيانِ طَرِيقِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ العِلْمِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ صاحِبُهُ أحَقَّ بِالحُكْمِ، بِحَيْثُ إذا نُفِيَ عَنْهُ يُعْلَمُ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ولا تَجَوُّزٍ، فَيُقالُ هُنا مَثَلًا: إذا لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ وهو الغَنِيُّ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ فَغَيْرُهُ لا يُحِبُّهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَشْفِي الغَلِيلَ؛ لِأنَّ الِاشْتِراطَ المَذْكُورَ مِمّا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، عَلى أنَّ دَعْوى كَوْنِ نَفْيِ حُبِّ الجَهْرِ بِالسُّوءِ عَنْهُ تَعالى يُعْلَمُ مِنهُ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى في غايَةِ الخَفاءِ، فالأوْلى ما ذَكَرَهُ بَعْدُ، بِأنْ يُقالَ: يُقَدَّرُ في الكَلامِ ما ذُكِرَ، لَكِنَّهُ عُدَّ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا بِحَسَبِ المُتَبادَرِ والنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ.

وجُوِّزَ عَلى قِراءَةِ المَعْلُومِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالسُّوءِ أيْ: إلّا سُوءَ مَن ظُلِمَ فَيُحِبُّ الجَهْرُ بِهِ ويَقْبَلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ) فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ إلّا مَن ظَلَمَ) وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ولا يَكادُ يُقْبَلُ هَذا في تَخْرِيجِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، فَيَنْدَرِجُ فِيها كَلامُ المَظْلُومِ والظّالِمِ ﴿ عَلِيمًا ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ المَظْلُومِ والظّالِمِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْمِيمُ كَما تُوُهِّمَ.

ووَجْهُ رَبْطِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها - عَلى ما قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ إيرادِ رَحْمَتِهِ وتَقْرِيرِ إظْهارِ رَأْفَتِهِ جاءَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ) تَتْمِيمًا لِذَلِكَ، وتَعْلِيمًا لِلْعِبادِ التَّخَلُّقَ بِأخْلاقِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وفِيهِ: إنَّ هَذا مِمّا لا مُحَصِّلَ لَهُ ولا تَتِمُّ بِهِ المُناسَبَةُ، وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ الأُولى فِيها أيْضًا إشارَةٌ إلى تَعْلِيمِ التَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ العَلِيَّةِ - كَما قَرَّرَهُ عِصامُ المِلَّةِ - ورَجا أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْهَماتِ، وحِينَئِذٍ يَشْتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَضَمِّنًا التَّعْلِيمَ المَذْكُورَ، لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

ومِثْلُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى في وجْهِ الِاتِّصالِ، وهو أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لَمّا ذَكَرَ أهْلَ النِّفاقِ - وهو إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطَنُ - بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ ما في النَّفْسِ مِنهُ ما يَجُوزُ إبْطانُهُ، ومِنهُ ما يَجُوزُ إظْهارُهُ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ الشُّكْرُ عَلى وجْهٍ عُلِمَ مِنهُ رِضاهُ سُبْحانَهُ بِهِ ومَحَبَّةُ إظْهارِهِ تَمَّمَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذِكْرِ ضِدِّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يُحِبُّ الشُّكْرَ وإعْلانَهُ ويَكْرَهُ السُّوءَ وإعْلانَهُ، وفِيهِ احْتِباكٌ بَدِيعٌ.

<div class="verse-tafsir"

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا ١٤٩

﴿ إنْ تُبْدُوا ﴾ أيْ: تُظْهِرُوا ﴿ خَيْرًا ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وقِيلَ: المُرادُ: (إنْ تُبْدُوا) جَمِيلًا حَسَنًا مِنَ القَوْلِ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْكم شُكْرًا لَهُ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ المالُ، والمَعْنى: إنْ تُظْهِرُوا التَّصَدُّقَ ﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ أيْ: تَفْعَلُوهُ سِرًّا، وقِيلَ: تَعْزِمُوا عَلى فِعْلِهِ ﴿ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ أيْ: تَصْفَحُوا عَمَّنْ أساءَ إلَيْكُمْ، مَعَ ما سُوِّغَ لَكم مِن مُؤاخَذَتِهِ، وأُذِنَ فِيها، والتَّنْصِيصُ عَلى هَذا مَعَ انْدِراجِهِ فِي ابْتِداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ - عَلى أحَدِ الأقْوالِ - لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ، وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ فَإنَّ إيرادَ العَفْوِ في مَعْرِضِ جَوابِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ، ولَوْ كانَ إبْداءُ الخَيْرِ وإخْفاؤُهُ أيْضًا مَقْصُودًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَحْسُنِ الِاقْتِصارُ في الجَزاءِ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى (عَفُوًّا قَدِيرًا) أيْ: يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى المُؤاخَذَةِ، وقالَ الحَسَنُ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكم مِنكم عَلى عَفْوِ ذُنُوبِ مَن ظَلَمَكُمْ، وقِيلَ: (عَفُوًّا) عَمَّنْ عَفا (قَدِيرًا) عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ، نَقْلَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا ١٥١

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ أيْ: عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهُمْ، وتَقْتَضِيهِ آراؤُهُمْ، لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ في الإيمانِ، بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكْفُرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَكِنْ لا يُصَرِّحُونَ بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً، بَلْ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ، كَما يَحِيكُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، وما ذَلِكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ؛ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًا، مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ﴿ ويُرِيدُونَ ﴾ بِهَذا القَوْلِ ﴿ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيِ الإيمانِ والكُفْرِ ﴿ سَبِيلا ﴾ أيْ: طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًا، إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ (وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ)؟!

هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وهو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ الآثارُ: فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ فِيها: «أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى اليَهُودُ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فاتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وهُما بِدْعَتانِ، لَيْسَتا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَرَكُوا الإسْلامَ، وهو دِينُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ خَلُصَ كُفْرُهُمُ الصِّرْفُ بِالجَمِيعِ، فَنَفَوُا الصّانِعَ - مَثَلًا - وأنْكَرُوا النُّبُوّاتِ، والَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى وكَفَرُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا عَكْسُهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّهُ يُتَصَوَّرُ في النَّصارى لِإيمانِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، والكُفْرُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ شامِلٌ لِلشِّرْكِ والإنْكارِ، إذْ لا يَخْفى ما فِيهِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ كاليَهُودِ، فَهَذِهِ أقْسامٌ مُتَقابِلَةٌ، كانَ الظّاهِرُ عَطْفُها بِـ(أوْ) لَكِنْ أُتِيَ بِالواوِ بَدَلَها فَهي بِمَعْناها، وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ مُقَدَّرٌ بِناءً عَلى جَوازِ حَذْفِهِ مَعَ بَقاءِ صِلَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا) إلَخْ، عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (يَكْفُرُونَ) لِأنَّ هَذِهِ الإرادَةَ عَيْنُ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَن كَفَرَ بِرُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى كالبَراهِمَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: (ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ) إلَخْ، فَعَطْفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ، والواوُ بِمَعْنى أوِ التَّنْوِيعِيَّةِ، فالأوَّلُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، والآخِرُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ كاليَهُودِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَخَبَرُ (إنَّ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ ﴿ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ الكامِلُونَ في الكُفْرِ، لا عِبْرَةَ بِما يَدَّعُونَهُ ويُسَمُّونَهُ إيمانًا أصْلًا ﴿ حَقًّا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ، أيْ كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ حَقًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا حَقًّا أيْ: لا شَكَّ فِيهِ ولا رَيْبَ، فالعامِلُ مَذْكُورٌ و(حَقًّا) بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، ولَيْسَ بِمَعْنى مُقابِلِ الباطِلِ، ولِهَذا صَحَّ وُقُوعُهُ صِفَةً صِناعَةً ومَعْنًى، واحْتِمالُ الحالِيَّةِ - كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ - بَعِيدٌ، والآيَةُ عَلى ما زَعَمَهُ البَعْضُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) إلَخْ، عَلى أنَّها كالتَّعْلِيلِ لَهُ، وما تَوَسَّطَ بَيْنَ العِلَّةِ والمَعْلُولِ مِنَ الجُمَلِ والآياتِ إمّا مُعْتَرِضٌ أوْ مُسْتَطْرِدٌ عِنْدَ إمْعانِ النَّظَرِ ﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ: لَهُمْ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَذْكِيرًا بِوَصْفِ الكُفْرِ الشَّنِيعِ المُؤْذِنِ بِالعِلِّيَّةِ، وقَدْ يُرادُ جَمِيعُ الكُفّارِ، وهم داخِلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ يُهِينُهم ويُذِلُّهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي ظَنُّوا بِهِ العِزَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٥٢

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ كَما فَعَلَ الكَفَرَةُ، ودُخُولُ (بَيْنَ) عَلى أحَدٍ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِهَذِهِ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿ أُجُورَهُمْ ﴾ المَوْعُودَةَ لَهُمْ، فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ، أيْ: أضْدادُهم ومُقابِلُوهُمْ، والإتْيانُ بِـ(سَوْفَ) لِتَأْكِيدِ المَوْعُودِ الَّذِي هو الإيتاءُ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ، لا الإخْبارِ بِأنَّهُ مُتَأخِّرٌ إلى حِينٍ، فَعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ (يَفْعَلُ) الَّذِي لِلِاسْتِقْبالِ مَوْضُوعٌ لِمَعْنى الِاسْتِقْبال بِصِيغَتِهِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (سَوْفَ) أُكِّدَ ما هو مَوْضُوعٌ لَهُ مِن إثْباتِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، لا أنْ يُعْطى ما لَيْسَ فِيهِ مَن أصْلِهِ، فَهو في مُقابَلَةِ لَنْ، ومَنزِلَتُهُ مِن (يَفْعَلُ) مَنزِلَةُ لَنْ مِن (لا يَفْعَلُ) لِأنَّ لا لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، فَإذا وُضِعَ لَنْ مَوْضِعَهُ أُكِّدَ المَعْنى الثّابِتَ، وهو نَفْيُ المُسْتَقْبَلِ، فَإذًا كُلُّ واحِدٍ مِن (لَنْ وسَوْفَ) حَقِيقَتُهُ التَّوْكِيدُ، ولِهَذا قالَ سِيبَوَيْهِ: لَنْ يَفْعَلَ نَفْيُ سَوْفَ يَفْعَلُ، وكَأنَّهُ اكْتَفى سُبْحانَهُ بِبَيانِ ما لِهَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ (حَقًّا) مَعَ اسْتِفادَتِهِ مِمّا دَلَّ عَلى الضِّدِّيَّةِ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَبْبَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ (نُؤْتِيهِمْ) بالنُّونِ، فَلا التِفاتَ ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِمَن هَذِهِ صِفَتُهم ما سَلَفَ لَهم مِنَ المَعاصِي والآثامِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ بِهِمْ، فَيُضاعِفُ حَسَناتِهِمْ، ويَزِيدُهم عَلى ما وُعِدُوا.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰبًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓا۟ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَءَاتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَـٰنًۭا مُّبِينًۭا ١٥٣

﴿ يَسْألُكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ أهْلُ الكِتابِ ﴾ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الرُّسُلِ ﴿ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ فَقالُوا: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَ بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَأْتِنا بِألْواحٍ مِن عِنْدِهِ تَعالى، فَطالَبُوا أنْ يَكُونَ المُنَزَّلَ جُمْلَةً، وأنْ يَكُونَ بِخَطٍّ سَماوِيٍّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، والسُّدِّيِّ.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهم سَألُوا أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا خاصًّا لَهُمْ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى: مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى فُلانٍ: إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ: إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وما كانَ مَقْصِدُهم بِذَلِكَ إلّا التَّحَكُّمَ والتَّعَنُّتَ.

قالَ الحَسَنُ: ولَوْ سَألُوهُ ذَلِكَ اسْتِرْشادًا لا عِنادًا لَأعْطاهم ما سَألُوا ﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا أوْ سُؤْلًا ﴿ أكْبَرَ مِن ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ وأعْظَمَ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والجَوابُ مُؤَوَّلٌ؛ لِيَصِحَّ التَّرْتِيبُ، أيْ: إنِ اسْتَكْبَرَتْ هَذا وعَرَفَتْ ما كانُوا عَلَيْهِ تَبَيَّنَ لَكَ رُسُوخُ عِرْقِهِمْ في الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّها سَبَبِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تُبالِ ولا تَسْتَكْبِرْ؛ فَإنَّهم قَدْ سَألُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو أكْبَرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ - وإنْ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ - لَكِنَّهم لَمّا كانُوا عَلى سِيرَتِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ، وجَعَلَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن قَبِيلِ إسْنادِ ما لِلسَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ، بِناءً عَلى كَمالِ الِاتِّحادِ، نَحْوُ: قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي فَيَكُونُ المُرادُ بِضَمِيرِ (سَألُوا) جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ لِصُدُورِ السُّؤالِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ أيْضًا الجَمِيعَ، فَيَكُونُ إسْنادُ (يَسْألُكَ) إلى أهْلِ الكِتابِ مِن ذَلِكَ الإسْنادِ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ هَذا النَّوْعَ، ويَكُونُ المُرادُ بَيانَ قَبائِحِ النَّوْعِ، فَلا تَكَلُّفَ ولا تَجَوُّزَ لا في جانِبِ الضَّمِيرِ ولا في المَرْجِعِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إسْنادَ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ مِمّا أُلِفَ في الكِتابِ العَزِيزِ، ووَقَعَ في نَحْوِ ألْفِ مَوْضِعٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ (أكْثَرَ) بِالمُثَلَّثَةِ ﴿ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ ﴾ الَّذِي أرْسَلَكَ ﴿ جَهْرَةً ﴾ أيْ: مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ، فَهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: مُعايَنًا عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، ولا لَبْسَ فِيهِ لِاسْتِلْزامِ كُلٍّ مِنهُما لِلْآخَرِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الثّانِي لِقُرْبِهِ مِنهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو الرُّؤْيَةُ لا الإراءَةُ؛ لِأنَّ الجَهْرَةَ في كُتُبِ اللُّغَةِ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ لا الثّانِي، فَيُقالُ: التَّقْدِيرُ (أرِنا) نَرَهُ رُؤْيَةً جَهْرَةً، وقِيلَ: يُقَدَّرُ المَصْدَرُ المَوْصُوفُ سُؤالًا أيْ: سُؤالًا جَهْرَةً، وقِيلَ: قَوْلًا أيْ: قَوْلًا جَهْرَةً، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ» إنَّما قالُوا (جَهْرَةً) (أرِنا اللَّهُ) تَعالى فَهو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ ﴿ فَأخَذَتْهُمُ ﴾ أيْ: أهْلَكَتْهم لَمّا سَألُوهُ، وقالُوا ما قالُوا ﴿ الصّاعِقَةُ ﴾ وهي نارٌ جاءَتْ مِنَ السَّماءِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: (الصّاعِقَةُ) المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ آجالِهِمْ عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ، وفي ثُبُوتِ ذَلِكَ تَرَدُّدٌ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - (الصَّعْقَةُ ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهم لِما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وإنْكارُ طَلَبِ الكُفّارِ لِلرُّؤْيَةِ تَعَنَّتًا لا يَقْتَضِي امْتِناعَها مُطْلَقًا.

واسْتَدَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالآيَةِ عَلى الِامْتِناعِ مُطْلَقًا، وبَنى ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الظُّلْمِ المُضافِ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ إلّا لِمُجَرَّدِ أنَّهم طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ طَلَبُوا أمْرًا جائِزًا لَما سُمُّوا بِهِ ظالِمِينَ، ولَما أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، كَما سَألَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إحْياءَ المَوْتى، فَلَمْ يُسَمِّهِ ظالِمًا، ولا رَماهُ بِالصَّواعِقِ، ثُمَّ أرْعَدَ وأبْرَقَ ودَعا عَلى مُدَّعِي جَوازِ الرُّؤْيَةِ بِما هو بِهِ أحَقُّ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّجُلَ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الهَوى، فَغَفَلَ عَنْ كَوْنِ اليَهُودِ إنَّما سَألُوا تَعَنُّتًا، ولَمْ يَعْتَبِرُوا المُعْجِزَ مِن حَيْثُ هُوَ، مَعَ أنَّ المُعْجِزاتِ سَواسِيَةُ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ، ويَكْفِيهِمْ ذَلِكَ ظُلْمًا، والتَّنْظِيرُ بِسُؤالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ العَجَبِ العُجابِ، كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الألْبابِ.

﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ وعَبَدُوهُ ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرُها لِفِرْعَوْنَ؛ مِنَ العَصا، واليَدِ البَيْضاءِ، وفَلْقِ البَحْرِ، وغَيْرِها، أوِ الحُجَجُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ لا التَّوْراةُ؛ لِأنَّها إنَّما نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الِاتِّخاذِ ﴿ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ ﴾ الِاتِّخاذِ حِينَ تابُوا، وفي هَذا - عَلى ما قِيلَ -: اسْتِدْعاءٌ لَهُمُ إلى التَّوْراةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أجْرَمُوا تابُوا فَعَفَوْنا عَنْهُمْ، فَتُوبُوا أنْتُمْ أيْضًا حَتّى نَعْفُوَ عَنْكم.

﴿ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: تَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلَيْهِمْ حِينَ أمَرَهم أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ، وهَذا - عَلى ما قِيلَ -: وإنْ كانَ قَبْلَ العَفْوِ فَإنَّ الأمْرَ بِالقَتْلِ كانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ قَبُولَ القَتْلِ كانَ تَوْبَةً لَهُمْ، لَكِنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، واسْتُظْهِرَ أنْ لا يُجْعَلَ التَّسَلُّطُ ذَلِكَ التَّسَلُّطَ بَلْ تَسَلُّطًا بَعْدَ العَفْوِ، حَيْثُ انْقادُوا لَهُ، ولَمْ يَتَمَكَّنُوا بَعْدَ ذَلِكَ مِن مُخالَفَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا۟ فِى ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًۭا ١٥٤

﴿ ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ﴾ وهو ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، وكانَ كَمُعَسْكَرِهِمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ في فَرْسَخٍ، ولَيْسَ هو - عَلى ما في البَحْرِ - الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِطُورِ سَيْناءَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَفَعْنا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الطُّورِ أيْ: رَفَعْنا الطُّورَ كائِنًا فَوْقَهم ﴿ بِمِيثاقِهِمْ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيُعْطُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوها، أوْ لِيَخافُوا فَلا يَنْقَضُّوا المِيثاقَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم هَمُّوا بِنَقْضِهِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَخافُوا وأقْلَعُوا عَنِ النَّقْضِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ .

وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ بِنَقْضِ مِيثاقِهِمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَعْلَمُوا بِما في التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، وفِيهِ: إنَّ التَّوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما مَرَّ آنِفًا، فَلا يَتَأتّى هَذا، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّما رَفَعَ اللَّهِ تَعالى الجَبَلَ فَوْقَهم إظْلالًا لَهم مِنَ الشَّمْسِ جَزاءً لِعَهْدِهِمْ، وكَرامَةً لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خَرْقٌ لِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنِدٌ أصْلًا.

﴿ وقُلْنا لَهُمُ ﴾ عَلى لِسانِ يُوشَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ مُضِيِّ زَمانِ التِّيهِ ﴿ ادْخُلُوا البابَ ﴾ قالَ قَتادَةُ - فِيما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ -: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: هو إيلِياءُ، وقِيلَ: أرِيحاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ قَرْيَةٍ، أوْ (قُلْنا لَهُمْ) عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والطُّورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمُ (ادْخُلُوا البابَ) المَذْكُورَ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ التِّيهِ، أوْ بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ لِأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ التِّيهِ في حَياتِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

والظّاهِرُ عَدَمُ القَيْدِ ﴿ سُجَّدًا ﴾ مُتَطامِنِينَ خاضِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - رُكَّعًا، وقِيلَ: ساجِدِينَ عَلى جِباهِكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿ وقُلْنا لَهُمُ ﴾ عَلى لِسانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ لا تَعْدُوا ﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُبِيحَ لَكُمْ، أوْ لا تَظْلِمُوا بِاصْطِيادِ الحِيتانِ ﴿ فِي السَّبْتِ ﴾ .

ويُحْتَمَلُ - كَما قالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - أنْ يُرادَ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَلَّلَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ شُرِعَ السَّبْتُ، لَكِنْ كانَ الِاعْتِداءُ فِيهِ والمَسْخُ في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَرَأ ورْشٌ، عَنْ نافِعٍ (لا تَعَدُّوا) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، ورُوِيَ عَنْ قالُونَ تارَةً سُكُونُ العَيْنِ سُكُونًا مَحْضًا، وتارَةً إخْفاءُ فَتْحَةِ العَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَأصْلُها (تَعْتَدُوا) لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ العُدْوانِ، فَأُرِيدَ إدْغامُ تائِهِ في الدّالِّ، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ دالًّا، وأُدْغِمَتْ، وأمّا السُّكُونُ المَحْضُ فَشَيْءٌ يَراهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنِينَ عَلى غَيْرِ حَدِّهِما، وأمّا الإخْفاءُ والِاخْتِلاسُ فَهو أخَفُّ مِن ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الإتْيانِ بِحَرَكَةٍ ما، وقَرَأ الأعْمَشُ (تَعْتَدُوا) عَلى الأصْلِ، وأصْلُ (تَعَدَّوْا) في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ تَعَدُّوُوا بِواوَيْنِ، الأُولى واوُ الكَلِمَةِ، والثّانِيَةُ ضَمِيرُ الفاعِلِ، فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى لامِ الكَلِمَةِ فَحُذِفَتْ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَ الأوَّلُ وهو الواوُ الأُولى، وبَقِيَ ضَمِيرُ الفاعِلِ.

﴿ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ أيْ: عَهْدًا وثِيقًا مُؤَكَّدًا، بِأنْ يَأْتَمِرُوا بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْتَهُوا عَنْ مَناهِيهِ، قِيلَ: هو قَوْلُهُمْ: ( سَمِعْنا وأطَعْنا ) وكَوْنُهُ (مِيثاقًا) ظاهِرٌ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) يُؤْخَذُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي، أوْ مِن عَطْفِ الإطاعَةِ عَلى السَّمْعِ، بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِها، وفي أخْذِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ خَفاءٌ لا يَخْفى، وحُكِيَ أنَّهم بَعْدَ أنْ قَبِلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ الدِّينِ أُعْطُوا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِأيِّ أنْواعِ العَذابِ أرادَ، فَإنْ صَحَّ هَذا كانَتْ وكادَةُ المِيثاقِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المِيثاقَ هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) بِاعْتِبارِ أخْذِهِ مِن كُلِّ نَبِيٍّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأخْذِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ لَهُ مِن أُمَّتِهِ، فَهو مِيثاقٌ مُؤَكَّدٌ مُتَكَرِّرٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

<div class="verse-tafsir"

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ١٥٥

﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ في الكَلامِ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أيْضًا، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و(ما) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِها، والإشارَةُ إلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ قَوِيَّةٌ، وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ الحَصْرَ بِمَعُونَةِ المَقامِ كَما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ إنِ التُزِمَ هُنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً تامَّةً، ويَكُونُ (نَقْضِهِمْ) بَدَلًا مِنهُما أيْ: فَخالَفُوا ونَقَضُوا، فَفَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِنَقْضِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أخَّرْتَ العامِلَ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - تَقْدِيرَ (لَعَنّاهُمْ) مُؤَخَّرًا؛ لِوُرُودِهِ مُصَرَّحًا بِهِ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ) وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ تَعَلُّقَ الجارِّ بِـ(حَرَّمْنا) الآتِي، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَبِظُلْمٍ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ، فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ عَنِ التَّحْرِيمِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ سَبَبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا، وقَوْلَهم (إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ) مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ السَّفاقِسِيُّ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُتَكَلَّفُ لِحَلِّهِ بِأنَّ دَوامَ التَّحْرِيمِ في كُلِّ زَمَنٍ كابْتِدائِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجَعَلَ العَلامَةُ الثّانِي الفاءَ في (فَبِظُلْمٍ) عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكْرارًا لِلْفاءِ في (فَبِما نَقْضِهِمْ) عَطْفًا عَلى (أخَذْنا مِنهُمْ) أوْ جَزاءَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، واسْتَبْعَدَهُ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ: لَفْظِيٍّ ومَعْنَوِيٍّ، وبَيَّنَ الأوَّلَ بِطُولِ الفَصْلِ وبِكَوْنِهِ مِن إبْدالِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ أوِ الجَزاءِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَعْمُولَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ فَقَطْ، والثّانِيَ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ بَعْضِ الطَّيِّباتِ مُسَبَّبٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الجَرائِمِ العَظِيمَةِ ومُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ جُعِلَتِ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) كَما في قَوْلِكَ: بِزَيْدٍ (وبِحُسْنِهِ أوْ فَبِحُسْنِهِ أوْ ثُمَّ حُسْنِهِ) افْتَتَنْتُ لَمْ يُحْتَجْ إلى جَعْلِهِ بَدَلًا.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ مُفَسِّرًا ولا قَرِينَةً لِلْمَحْذُوفِ، أمّا الأوَّلُ فَلِتَعَلُّقِهِ بِكَلامٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ اسْتِطْرادٌ يَتِمُّ الكَلامُ دُونَهُ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً لِما هو عُمْدَةٌ في الكَلامِ يُوجِبُ أنْ لا يَتِمَّ دُونَهُ.

والحاصِلُ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَرِينَةِ مِنَ التَّعَلُّقِ المَعْنَوِيِّ بِسابِقَتِها حَتّى تَصْلُحَ لِذَلِكَ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا مَوْرِدَ لِلنَّظَرِ بِأنَّ الطَّبْعَيْنِ مُتَوافِقانِ في العُرُوضِ، أحَدُهُما بِالكَفْرِ، والآخَرُ بِالنَّقْضِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يُؤْمِنُونَ) والفاءُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى رَدَّ ذَلِكَ.

﴿ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ: حُجَجِهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والقُرْآنِ، أوْ ما في كِتابِهِمْ لِتَحْرِيفِهِ وإنْكارِهِ، وعَدَمِ العَمَلِ بِهِ ﴿ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ جَمْعُ غِلافٍ بِمَعْنى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ غُلُفٌ بِضَمَّتَيْنِ فَخُفِّفَ أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما فِيها عَنْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعَطاءٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ إنَّ قُلُوبَنا بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها شَيْءٌ إلّا وعَتْهُ، ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ شَيْءٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أغْلُفٍ أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ .

﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ مُسارَعَةً إلى رَدِّ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن أنَّها أوْعِيَهُ العِلْمِ؛ فَإنَّها مَطْبُوعٌ عَلَيْها، مَحْجُوبَةٌ مِنَ العِلْمِ، لَمْ يَصِلْ إلَيْها شَيْءٌ مِنهُ، كالبَيْتِ المُقْفَلِ المَخْتُومِ عَلَيْهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْآلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَيْسَ عَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِكم لِكَوْنِها في أكِنَّةٍ وحُجُبٍ خَلْقِيَّةٍ - كَما زَعَمْتُمْ - بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الكَسْبِيِّ، وهَذا الطَّبْعُ بِمَعْنى الخِذْلانِ والمَنعِ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلتَّدَبُّرِ في الآياتِ والتَّذَكُّرِ بِالمَواعِظِ عِنْدَ الكَثِيرِ، و(طَبَعَ) حَقِيقِيٌّ عِنْدَ البَعْضِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَزّازُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ وعُمِلَ بِالمُعاصِي واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الطّابَعَ فَطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَعْقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا»» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الشُّعَبِ إلّا أنَّهُ ضَعَّفَهُ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، فَهو كالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ كُفْرٌ بِالكُلِّ كَما مَرَّ، أوْ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا، أوْ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن ضَمِيرِ (لا يُؤْمِنُونَ) أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ بِالكُفْرِ لا يَقَعُ مِنهُ إيمانٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِما مَرَّ الإسْنادُ إلى الكُلِّ ما هو لِلْبَعْضِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ.

وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: كَما يَجِبُ اسْتِثْناءُ القَلِيلِ مِن عَدَمِ الإيمانِ المُتَفَرِّعِ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ يَجِبُ اسْتِثْناءُ قَلِيلٍ مِنَ القُلُوبِ مِن قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّ المُرادَ: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى أكْثَرِها، فَلْيُفْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًۭا ١٥٦

﴿ وبِكُفْرِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (بِكُفْرِهِمْ) الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مِن عَطْفٍ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ولا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ الكُفْرُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ إمّا الكُفْرُ المُطْلَقُ، أوِ الكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِاقْتِرانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ المَقالَةَ في مُواجَهَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَواضِعَ، فَفي العَطْفِ إيذانٌ بِصَلاحِيَةِ كُلٍّ مِنَ الكُفْرَيْنِ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وقَدْ يُعْتَبَرُ في جانِبِ المَعْطُوفِ المَجْمُوعِ، ومُغايَرَتُهُ لِلْمُفْرَدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) ويَجُوزُ اعْتِبارُ عَطْفِ مَجْمُوعِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهَ، ولا يُتَوَهَّمُ المَحْذُورُ، وإنْ قُلْنا بِاتِّحادِ الكُفْرِ أيْضًا لِمُغايَرَةِ المَجْمُوعِ لِلْمَجْمُوعِ، وإنْ لَمْ يُغايِرْ بَعْضُ أجْزائِهِ بَعْضًا، وقَدْ يُقالُ بِمُغايَرَةِ الكُفْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِحَمْلِهِ في الأخِيرَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وفي الأوَّلِ عَلى الكُفْرِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِاقْتِرانِهِ بِنَقْضِ المِيثاقِ.

وتَقَدَّمَ حَدِيثُ العُدُوِّ في السَّبْتِ ﴿ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ حَيْثُ نَسَبُوها - وحاشاها - إلى ما هي عَنْهُ في نَفْسِها بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وتَمادَوْا عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِن شَدَّتِهِ وعِظَمِهِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(قَوْلِهِمْ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قَوْلًا بُهْتانًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُباهِتِينَ، <div class="verse-tafsir"

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٥٨

﴿ وقَوْلِهِمْ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّبَجُّحِ.

﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ذَكَرُوهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، فَغُيِّرَ في الحِكايَةِ فَيَكُونُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ مِنهُ؛ مَدْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةَ وقاحَتِهِمْ في تَبَجُّحِهِمْ ﴿ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ ﴿ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَهُوذا رَأْسَ اليَهُودِ، فَخافَ فَجَمَعَ اليَهُودَ، فاتَّفَقُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأدْخَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْتًا، ورَفَعَهُ مِنهُ إلى السَّماءِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طِيطانُوسُ لِيَقْتُلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وأبْطَأ عَلَيْهِمْ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا خَرَجَ قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في خَبَرٍ طَوِيلٍ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: «أتى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لِيَبْرُزْ لَنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟

فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: أنا عِيسى، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ورَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ».

وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ الحَوارِيِّينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ غَيْرُ وهْبٍ أنَّ شَبَهَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ عَلى جَمِيعِهِمْ، بَلْ قالُوا: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى واحِدٍ، ورُفِعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِهِمْ.

ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ وهْبٍ، وقالَ: إنَّهُ الأشْبَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ أخَذُوا إنْسانًا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى مَوْضِعٍ عالٍ، ولَمْ يُمَكِّنُوا أحَدًا مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ، فَتَغَيَّرَتْ حِلْيَتُهُ، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا عِيسى لِيُوهِمُوا بِذَلِكَ عَلى عَوامِّهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا أحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا دَخَلُوهُ ولَمْ يَجِدُوهُ فَخافُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيمانِ اليَهُودِ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا.

وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الحَوارِيِّينَ يُنافِقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ، وأخَذَ عَلى ذَلِكَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرُفِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ وقَعَ لَهم تَشْبِيهٌ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن صُلِبَ، أوْ في الأمْرِ - عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ - أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (إنّا قَتَلْنا) أيْ: (شُبِّهَ لَهُمْ) مَن قَتَلُوهُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ، و(شُبِّهَ) مِنَ الشُّبْهَةِ، أيِ: التَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِناءً عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ولَيْسَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.

﴿ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟!

وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟!

وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وقالَتِ النَّصارى الَّذِينَ يَدَّعُونَ رُبُوبِيَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ، ولِهَذا لا يَعُدُّونَ القَتْلَ نَقِيصَةً حَيْثُ لَمْ يُضِيفُوهُ إلى اللّاهُوتِ، ويَرُدُّ هَؤُلاءِ إنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عِنْدَ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ المَسِيحَ قَدْ صارَ بِالِاتِّحادِ طَبِيعَةً واحِدَةً، إذِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ لَمْ يَبْقَ فِيها ناسُوتٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ لاهُوتٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يُقالُ: ماتَ ولَمْ يَمُتْ، وأُهِينَ ولَمْ يُهَنْ.

وأمّا الرُّومُ القائِلُونَ بِأنَّ المَسِيحَ بَعْدَ الِاتِّحادِ باقٍ عَلى طَبِيعَتَيْنِ فَيُقالُ لَهُمْ: فَهَلْ فارَقَ اللّاهُوتُ ناسُوتَهُ عِنْدَ القَتْلِ؟

فَإنْ قالُوا: فارَقَهُ، فَقَدْ أبْطَلُوا دِينَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ المَسِيحُ الرُّبُوبِيَّةَ عِنْدَهم إلّا بِالِاتِّحادِ، وإنْ قالُوا: لَمْ يُفارِقْهُ فَقَدِ التَزَمُوا ما ورَدَ عَلى اليَعْقُوبِيَّةِ، وهو قَتْلُ اللّاهُوتِ مَعَ النّاسُوتِ، وإنْ فَسَّرُوا الِاتِّحادَ بِالتَّدَرُّعِ، وهو أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ مَسْكَنًا وبَيْتًا ثُمَّ فارَقَهُ عِنْدَ وُرُودِ ما ورَدَ عَلى النّاسُوتِ أبْطَلُوا إلَهِيَّتَهُ في تِلْكَ الحالَةِ، وقُلْنا لَهُمْ: ألَيْسَ قَدْ أُهِينَ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إثْباتِ النَّقِيصَةِ، إذْ لَمْ يَأْنَفِ اللّاهُوتُ لِمَسْكَنِهِ أنَّ تَنالَهُ هَذِهِ النَّقائِصُ، فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى نَفْيِها فَقَدْ أساءَ مُجاوَرَتَهُ ورَضِيَ بِنَقِيصَتِهِ، وذَلِكَ عائِدٌ بِالنَّقْصِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنْ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ إلْقاءَ الشَّبَهِ، ويَقُولُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إضْلالُ، ورَدُّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، ويُكْفى في إثْباتِهِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا لَزِمَ تَكْذِيبُ المَسِيحِ، وإبْطالُ نُبُوَّتِهِ، بَلْ وسائِرُ النُّبُوّاتِ، عَلى أنَّ قَوْلَهم في الفَصْلِ: إنَّ المَصْلُوبَ قالَ: إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي، وهو يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضا، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ شَكى العَطَشَ وطَلَبَ الماءَ، والإنْجِيلُ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم فِيهِ - إنْ صَحَّ - مِمّا يُنادِي عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشَّبَهُ كَما لا يَخْفى.

فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى جَمِيعًا ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ: لَفي تَرَدُّدٍ، وأصْلُ الشَّكِّ أنْ يُسْتَعْمَلَ في تَساوِي الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّرَدُّدُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا أكَّدَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ الشّامِلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ.

وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ، والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، إلّا أنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، وما قِيلَ: إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِنَ العِلْمِ قَطْعًا فَلا يُتَصَوَّرُ اتِّصالُهُ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ مَن قالَ بِهِ جَعَلَهُ بِمَعْنى الظَّنِّ المُتَّبَعِ ﴿ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: ما قَتَلُوهُ قَتْلًا يَقِينًا، أوْ مُتَيَقِّنِينَ، ولا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ القَتْلِ المُتَيَقَّنِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ القَتْلِ المَشْكُوكِ؛ لِأنَّهُ لِنَفْيِ القَيْدِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ قُتِلَ في ظَنِّهِمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ جَعْلِ (يَقِينًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ تَيَقَّنُوا ذَلِكَ يَقِينًا، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: وما قَتَلُوا العِلْمَ (يَقِينًا) مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ، وقَتَلْتُ كَذا عِلْمًا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وهو مَجازٌ كَما في الأساسِ، والمَعْنى: ما عَلِمُوهُ يَقِينًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلظَّنِّ، أيْ: ما قَطَعُوا الظَّنَّ يَقِينًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والسُّدِّيِّ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ (يَقِينًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ: بَلْ رَفَعَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ (يَقِينًا) ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ قَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ بَلْ فِيما قَبْلَها، والكَلامُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي حَيّانَ أيْ: إلى سَمائِهِ، قالَ: وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَدِيثِ المِعْراجِ، وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ، يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَمْلَؤُها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ يَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ تَمامَها مِن سِنِّ رَفْعِهِ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ويَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ، ويُدْفَنُ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ.

وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ، وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا، وهَذا الرَّفْعُ عَلى المُخْتارِ كانَ قَبْلَ صَلْبِ الشَّبَهِ، وفي إنْجِيلِ لُوقا ما يُؤَيِّدُهُ.

وأمّا رُؤْيَةُ بَعْضِ الحَوارِيِّينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الصَّلْبِ فَهو مِن بابِ تَطَوُّرِ الرُّوحِ فَإنَّ لِلْقِدِّسِيِّينَ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ في هَذا العالَمِ، وإنْ رُفِعَتْ أرْواحُهم إلى المَحَلِّ الأسْنى، وقَدْ وقَعَ التَّطَوُّرُ لِكَثِيرٍ مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحِكاياتُهم في ذَلِكَ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُهُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَدْبِيراتُهُ سُبْحانَهُ في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلْقاءُ الشَّبَهِ عَلى مَن ألْقاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا <div class="verse-tafsir"

وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا ١٥٩

﴿ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ أيِ اليَهُودِ خاصَّةً، كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ هم والنَّصارى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و(إنْ) نافِيَةٌ بِمَعْنى ما، وفي الجارِّ والمَجْرُورِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، والقَسَمُ مَعَ جَوابِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ القَسَمَ إنْشاءٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالخَبَرِ جَوابُهُ، وهو خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ بِالقَسَمِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ جَوابِ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ جَوابًا، فَلا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ لَهُ مَحَلٌّ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، لَوْ سُلِّمَ أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ هو المَجْمُوعَ، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا واللَّهِ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، والثّانِي أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ صِفَةٌ لَهُ لا خَبَرٌ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ كائِنٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ومَعْناهُ: كُلُّ رَجُلٍ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو كَلامٌ مُفِيدٌ، فالِاعْتِراضُ عَلى هَذا الوَجْهِ - بِأنَّهُ لا يَنْتَظِمُ مِن أحَدٍ والجارِّ والمَجْرُورِ إسْنادٌ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ - لا يُفِيدُ؛ لِحُصُولِ الفائِدَةِ بِلا رَيْبٍ، نَعَمِ، المَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كُلُّ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ المَقْصُودُ، وأنَّهُ أتَمُّ فائِدَةً، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْصافِ، وأهْلُ الكُوفَةِ يُقَدِّرُونَ مَوْصُولًا بَعْدَ إلّا، وأهْلُ البَصْرَةِ يَمْنَعُونَ حَذْفَ المَوْصُولِ وإبْقاءَ صِلَتِهِ، والضَّمِيرُ الثّانِي راجِعٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، أعْنِي (أحَدٌ) والأوَّلُ لِعِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَمُفادُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يُؤْمِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ تَعالى ورَسُولُهُ، ولا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ - لِكَوْنِهِ مُلْحَقًا بِالبَرْزَخِ لِما أنَّهُ يَنْكَشِفُ عِنْدَهُ لِكُلٍّ الحَقُّ - يَنْقَطِعُ فِيهِ التَّكْلِيفُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قَرَأ أُبَيٌّ (لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ، وعَوْدُ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِـ(أحَدٌ) ظاهِرٌ؛ لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ، وعُودُهُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ ظاهِرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ كَذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ إنْ خَرَّ مِن فَوْقِ بَيْتٍ؟

قالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ في الهَواءِ، فَقِيلَ: أرَأيْتَ إنْ ضُرِبَ عُنُقُهُ؟

قالَ: يَتَلَجْلَجُ بِها لِسانُهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ - أيْضًا - عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ لِي الحَجّاجُ: يا شَهْرُ، آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما قَرَأْتُها إلّا اعْتَرَضَ في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ ) وإنِّي أُوتى بِالأُسارى فَأضْرِبُ أعْناقَهم ولا أسْمَعُهم يَقُولُونَ شَيْئًا؟

فَقُلْتُ: رُفِعَتْ إلَيْكَ عَلى غَيْرِ وجْهِها، إنَّ النَّصْرانِيُّ إذا خَرَجَتْ رُوحُهُ، أيْ: إذا قَرُبَ خُرُوجُها - كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوايَةٌ أُخْرى عَنْهُ - ضَرَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن قُبُلِهِ ومِن دُبُرِهِ، وقالُوا: أيْ خَبِيثُ، إنَّ المَسِيحَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ، فَيُؤْمِنُ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ، وأنَّ اليَهُودِيَّ إذا خَرَجَتْ نَفْسُهُ ضَرَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن قُبُلِهِ ودُبُرِهِ وقالُوا: أيْ خَبِيثُ، إنَّ المَسِيحَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّكَ قَتَلْتَهُ عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، فَيُؤْمِنُ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ، فَإذا كانَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى آمَنَتْ بِهِ أحْياؤُهُمْ، كَما آمَنَتْ بِهِ مَوْتاهُمْ، فَقالَ: مِن أيْنَ أخَذْتَها؟

فَقُلْتُ: مِن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قالَ: لَقَدْ أخَذْتَها مِن مَعْدِنِها، قالَ شَهْرٌ: وايْمُ اللَّهِ تَعالى ما حَدَّثَنِيهُ إلّا أُمُّ سَلَمَةَ، ولَكِنِّي أحْبَبْتُ أنْ أغِيظَهُ.

والإخْبارُ بِحالِهِمْ هَذِهِ وعِيدٌ لَهم وتَحْرِيضٌ إلى المُسارَعَةِ إلى الإيمانِ بِهِ قَبْلَ أنْ يَضْطَرُّوا إلَيْهِ مَعَ انْتِفاءِ جَدْواهُ.

وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أيْضًا، وأبِي مالِكٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرانِيُّ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، وتَكُونُ الأدْيانُ كُلُّها دِينًا واحِدًا.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَمْحُو الصَّلِيبَ، وتُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، ويُعْطِي المالَ حَتّى لا يُقْبَلَ، ويَضَعُ الخَراجَ، ويَنْزِلُ الرَّوْحاءَ فَيَحُجُّ مِنها أوْ يَعْتَمِرُ أوْ يَجْمَعُها» قالَ: وتَلا أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ( ﴿ وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ )».

وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ورُوِيَ هَذا عَنْ عِكْرِمَةَ، ويُضَعِّفُهُ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ذِكْرٌ هُنا، ولا ضَرُورَةَ تُوجِبُ رَدَّ الكِنايَةِ إلَيْهِ لا أنَّهُ - كَما زَعَمَ الطَّبَرِيُّ - لَوْ كانَ صَحِيحًا لَما جازَ إجْراءُ أحْكامِ الكُفّارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الإيمانَ إنَّما هو في حالِ زَوالِ التَّكْلِيفِ فَلا يُعْتَدُّ بِهِ.

﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ ﴾ أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: أهْلِ الكِتابِ ﴿ شَهِيدًا ﴾ فَيَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، وعَلى النَّصارى بِقَوْلِهِمْ فِيهِ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعالى، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(شَهِيدًا) وتَقْدِيمُهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِ كانَ مُطْلَقًا، أوْ إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا؛ لِأنَّ المَعْمُولَ إنَّما يَتَقَدَّمُ حَيْثُ يَصِحُّ تَقْدِيمُ عامِلِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ العامِلَ فِيهِ (يَكُونُ).

<div class="verse-tafsir"

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ١٦٠ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَقَدْ نُهُوا۟ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا ١٦١

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ أيْ: تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ إيذانٌ بِكَمالِ عِظَمِ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ الهائِلَةِ إثْرَ بَيانِ عِظَمِهِ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ خارِجٍ عَنْ حُدُودِ الأشْياءِ والنَّظائِرِ صادِرٍ عَنْهم ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ولِمَن قَبْلَهم لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ كَما زَعَمُوا، فَإنَّهم كانُوا كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم ولِمَن تَقَدَّمَهم مِن أسْلافِهِمْ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ، ويَقُولُونَ: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ، وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في (الأنْعامِ) مُفَصَّلًا.

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ التَّحْرِيمَ كانَ في التَّوْراةِ ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ كُفْرٌ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، وقِيلَ في جَوابِهِ: إنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ التَّحْرِيمِ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الظُّلْمِ وجَعْلِهِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ بَيانًا لَهُ وهو - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - لِدَفْعِ ما يُقالُ: إنَّ العَطْفَ عَلى المَعْمُولِ المُتَقَدِّمِ يُنافِي الحَصْرَ، ومَن جَعَلَ الظُّلْمَ بِمَعْناهُ، وجَعَلَ (بِصَدِّهِمْ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ تَخْصِيصُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّهُ مُنافٍ لِلْحَصْرِ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي بَيانًا لِلْأوَّلِ، كَما إذا قُلْتَ: بِذَنْبٍ ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسُوءِ أدَبِهِ، فَإنَّ المُرادَ فِيهِ: لا بِغَيْرِ ذَنَبٍ، وكَذا خَصَّصُوا ذَلِكَ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الحَصْرُ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ التَّقْدِيمِ، وأُعِيدَتِ الباءُ هُنا ولَمْ تُعَدْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ لِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَيْثُ فُصِلَ بِمَعْمُولِهِ لَمْ تُعَدْ، وجُمْلَةُ (وقَدْ نُهُوا) حالِيَّةٌ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرِّبا كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وإلّا لَما تَوَعَّدَ سُبْحانَهُ عَلى مُخالَفَتِهِ ﴿ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ ﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ ﴾ أيْ: لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ ﴿ عَذابًا ألِيمًا ﴾ سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ كَما ذاقُوا في الدُّنْيا عُقُوبَةَ التَّحْرِيمِ.

وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عامًّا لِلظّالِمِ وغَيْرِهِ، وأنَّهُ مِن بابِ ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ دُونَ العَذابِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: (لِلْكافِرِينَ) دُونَ (لَهُمْ) وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ أيْضًا، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أُو۟لَـٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ١٦٢

﴿ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وأعْتَدْنا) إلَخْ، وبَيانٌ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ عَلى خِلافِ حالِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا و(مِنهُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: لَكِنِ الثّابِتُونَ المُتْقِنُونَ مِنهم في العِلْمِ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ غَيْرُ التّابِعِينَ لِلظَّنِّ كَأُولَئِكَ الجَهَلَةِ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأُسَيْدٌ، وثَعْلَبَةُ وأضْرابُهُمْ، وفي المَذْكُورِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ، كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ﴿ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: مِنهُمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، وقَدْ وُصِفُوا بِالإيمانِ بَعْدَما وُصِفُوا بِما يُوجِبُهُ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المَبْنِيِّ عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ تَنْزِيلًا لِلِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ حالٌ مِنَ (المُؤْمِنُونَ) مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ، وقِيلَ: اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ وسائِرُ البَصْرِيِّينَ: نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وطَعَنَ فِيهِ الكِسائِيُّ بِأنَّ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَبَرَ سَيَأْتِي، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ.

وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ قَوْمٍ مَنعَ نَصْبِهِ عَلى القَطْعِ مِن أجْلِ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ القَطْعَ لا يَكُونُ في العَطْفِ، وإنَّما يَكُونُ في النُّعُوتِ، ومَنِ ادَّعى أنَّ هَذا مِن بابِ القَطْعِ في العَطْفِ تَمَسَّكَ بِما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِلْقَطْعِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ: ويَأْوِي إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثٍ مَراضِيعَ مِثْلِ السَّعالِي وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى (ما أُنْزِلَ إلَيْكَ) عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ عَلى هَذا أداؤُها، بَلِ إظْهارُها بَيْنَ النّاسِ وتَشْرِيعُها؛ لِيَكُونَ وصْفًا خاصًّا، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُقِيمِينَ المَلائِكَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ وقِيلَ: المُسْلِمُونَ، بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: وبِدِينِ المُقِيمِينَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ضَمِيرِ (مِنهُمْ)، وقِيلَ ضَمِيرِ (إلَيْكَ)، وقِيلَ: ضَمِيرِ (قَبْلِكَ).

والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ هَذِهِ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ لِما فِيها مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ الأشْبَهَ نَصْبُهُ عَلى التَّوَهُّمِ لِكَوْنِ السّابِقِ مَقامَ (لَكِنَّ) المُثَقَّلَةِ وُضِعَ مَوْضِعَها (لَكِنِ) المُخَفَّفَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وبِالجُمْلَةِ لا يُلْتَفَتُ إلى مَن زَعَمَ أنَّ هَذا مِن لَحْنِ القُرْآنِ، وأنَّ الصَّوابَ (والمُقِيمُونَ) بِالواوِ كَما في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ، إذْ لا كَلامَ في نَقْلِ النَّظْمِ تَواتُرًا فَلا يَجُوزُ اللَّحْنُ فِيهِ أصْلًا.

وأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فُرِغَ مِنَ المُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ إلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَقالَ: قَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، أرى شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، ولَوْ كانَ المُمْلِي مِن هُذَيْلٍ والكاتِبُ مِن قُرَيْشٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذا، فَقَدَ قالَ السَّخاوِيُّ: إنَّهُ ضَعِيفٌ، والإسْنادُ فِيهِ اضْطِرابٌ وانْقِطاعٌ؛ فَإنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - جَعَلَ لِلنّاسِ إمامًا يَقْتَدُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يَرى فِيهِ لَحْنًا ويَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها؟!

وقَدْ كَتَبَ عِدَّةَ مَصاحِفَ ولَيْسَ فِيها اخْتِلافٌ أصْلًا إلّا فِيما هو مِن وُجُوهِ القِراءاتِ، وإذا لَمْ يُقِمْهُ هو ومَن باشَرَ الجَمْعَ وهم هم كَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ؟!

وتَأوَّلَ قَوْمٌ اللَّحْنَ في كَلامِهِ - عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ - بِأنَّ المُرادَ الرَّمْزُ والإيماءُ كَما في قَوْلِهِ: مَنطِقٌ رائِعٌ وتَلْحَنُ أحْيا ∗∗∗ نًا وخَيْرُ الكَلامِ ما كانَ لَحْنا أيِ المُرادُ بِهِ الرَّمْزُ بِحَذْفِ بَعْضِ الحُرُوفِ خَطًّا كَألِفِ الصّابِرِينَ مِمّا يَعْرِفُهُ القُرّاءُ إذا رَأوْهُ، وكَذا زِيادَةُ بَعْضِ الحُرُوفِ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُقِيمِينَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلى سابِقِهِ، ويَنْزِلُ أيْضًا التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، والعَطْفُ عَلى ضَمِيرِ (يُؤْمِنُونَ) لَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالكُلِّ مُؤْمِنُوا أهْلِ الكِتابِ، وُصِفُوا أوَّلًا بِكَوْنِهِمْ راسِخِينَ في عِلْمِ الكِتابِ، لا يَعْتَرِضُهم شَكٌّ، ولا تُزَلْزِلُهم شُبْهَةٌ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ، وأنَّ مَن عَداهم إنَّما بَقُوا مُصِرِّينَ لِعَدَمِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ، بَلْ هم كَرِيشَةٍ في بَيْداءِ الضَّلالِ تُقَلِّبُهم زَعازِعُ الشُّكُوكِ والأوْهامِ، ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ما أُنْزِلَ مِنَ الكِتابِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ عامِلِينَ بِما فِيها مِنَ الأحْكامِ، واكْتُفِيَ مِن بَيْنِها بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِسائِرِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ.

ولِما أنَّ في إقامَةِ الصَّلاةِ عَلى وجْهِها انْتِصابًا بَيْنَ يَدَيِ الحَقِّ - جَلَّ جَلالُهُ - وانْقِطاعًا عَنِ السِّوى وتَوَجُّهًا إلى المَوْلى كُسِيَ المُقِيمِينَ حُلَّةَ النَّصْبِ؛ لِيُهَوَّنَ عَلَيْهِمُ النَّصْبُ وقَطْعُهم عَنِ التَّبَعِيَّةِ، فَيا ما أُحَيْلى قَطْعٌ يُشِيرُ إلى الِاتِّصالِ بِأعْلى الرُّتَبِ.

ثُمَّ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ تَحْقِيقًا لِحِيازَتِهِمُ الإيمانَ بِقُطْرَيْهِ، وإحاطَتِهِمْ بِهِ مِن طَرَفَيْهِ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ مَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِواحِدٍ مِنهُما حَقِيقَةً؛ لِأنَّهم قَدْ مَزَجُوا الشَّهْدَ سُمًّا وغَدُوا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ الصِّرْفِ عُمْيًا وصُمًّا ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ، المُحْكَمَةِ البُنْيانِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو الرّاسِخُونَ، والسِّينُ لِتَوْكِيدِ الوَعْدِ كَما قَدَّمْنا، وتَنْكِيرُ الأجْرِ لِلتَّفْحِيمِ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذا مِنَ المُناسَبَةِ التّامَّةِ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ، حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ، ووُعِدَ الآخِرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كَوْنَ خَبَرِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ جُمْلَةَ (يُؤْمِنُونَ) وحَمَلَ المُؤْمِنِينَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِمَّنْ عَدا أهْلَ الكِتابِ، والمُناسَبَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ تامَّةٍ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الِاسْتِدْراكَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: (يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ) الآيَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْألُونَكَ ما يَسْألُكَ هَؤُلاءِ الجُهّالُ مِن إنْزالِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا صِدْقَ قَوْلِكَ فِيما قَرَءُوا مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ووُجُوبَ اتِّباعِكَ عَلَيْهِمْ، فَلا حاجَةَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوكَ مُعْجِزَةً أُخْرى؛ إذْ قَدْ عَلِمُوا مِن أمْرِكَ بِالعِلْمِ الرّاسِخِ في قُلُوبِهِمْ ما يَكْفِيهِمْ عَنْ ذَلِكَ.

ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وتَجاوُبُ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ عَلَيْهِ أتَمُّ مِنهُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ (سَيُؤْتِيهِمْ) بِالياءِ مُراعاةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: (المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍۢ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَيْمَـٰنَ ۚ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًۭا ١٦٣

﴿ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كِتابًا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ كَشَأْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِينَ لا رَيْبَ في نُبُوَّتِهِمْ، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: (الرّاسِخُونَ في العِلْمِ).

وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ سُكَيْنٌ، وعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: يا مُحَمَّدُ ما نَعْلَمُ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيحاءً مِثْلَ إيحائِنا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ حالٌ مِن ذَلِكَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مُعَرَّفًا، كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أيْ: إنّا أوْحَيْنا الإيحاءَ مُشَبَّهًا بِإيحائِنا إلَخْ، و(ما) في الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، فَيَكُونُ الكافُ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ: أوْحَيْنا إلَيْكَ مِثْلَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلى نُوحٍ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، و(مِن بَعْدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أوْحَيْنا) ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ (النَّبِيِّينَ) لِأنَّ ظُرُوفَ الزَّمانِ لا تَكُونُ أحْوالًا لِلْجُثَثِ.

وبَدَأ سُبْحانَهُ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَهْدِيدًا لَهُمْ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ نَبِيٍّ عُوقِبَ قَوْمُهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعَ والأحْكامَ، وتُعُقِّبَ بِالمَنعِ، وقِيلَ: لِمُشابَهَتِهِ بِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في عُمُومِ الدَّعْوَةِ لِجَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ؛ لِأنَّ عُمُومَ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اتِّفاقِيٌّ لا قَصْدِيٌّ، وعُمُومُ الفَرْقِ - عَلى القَوْلِ بِهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ - لَيْسَ قَطْعِيَّ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى.

﴿ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ﴾ عَطْفٌ عَلى (أوْحَيْنا إلى نُوحٍ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ، أيْ: كَما أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ﴿ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَشْهُورِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الأسْباطَ في ولَدِ إسْحاقَ كالقَبائِلِ في أوْلادِ إسْماعِيلَ، وقَدْ بُعِثَ مِنهم عِدَّةُ رُسُلٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ سُبْحانَهُ بِالوَحْيِ إلَيْهِمُ الوَحْيَ إلى الأنْبِياءِ مِنهُمْ، كَما تَقُولُ: أرْسَلْتُ إلى بَنِي تَمِيمٍ، وتُرِيدُ: أرْسَلْتُ إلى وُجُوهِهِمْ.

ولَمْ يَصِحَّ أنَّ الأسْباطَ الَّذِينَ هم أُخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أنْبِياءَ، بَلِ الَّذِي صَحَّ عِنْدِي - وألَّفَ فِيهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ رِسالَةً - خِلافُهُ ﴿ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ ﴾ ذُكِرُوا مَعَ ظُهُورِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ النَّبِيِّينَ؛ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِفَضْلِهِمْ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ الإيحاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم طائِفَةٌ خاصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوَحْيِ.

وبُدِأ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ بَعْدَ التَّكْرِيرِ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ؛ ولِأنَّهُ الأبُ الثّالِثُ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما نَصَّ عَلَيْهِ الأجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ، وقُدِّمَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَن بَعْدَهُ؛ تَحْقِيقًا لِنَبُّوتِهِ وقَطْعًا لِما رَآهُ اليَهُودُ فِيهِ، وقِيلَ: لِيَكُونَ الِابْتِداءُ بِواحِدٍ مِن أُولِي العَزْمِ بَعْدَ تَغَيُّرِ صِفَةِ المُتَعاطِفاتِ إفْرادًا وجَمْعًا.

وكُلُّ هَذِهِ الأسْماءِ - عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ - أعْجَمِيَّةٌ إلّا الأسْباطَ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ مَعْرُوفٌ، وفي (يُونُسَ) لُغاتٌ، أفْصَحُها ضَمُّ النُّونِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ويَجُوزُ فَتْحُها وكَسْرُها مَعَ الهَمْزِ وتَرْكِهِ.

﴿ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا ﴾ عَطْفٌ عَلى أوْحَيْنا، داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّ إيتاءَ الزَّبُورِ مِن بابِ الإيحاءِ، وكَما آتَيْنا داوُدَ زَبُورًا - وإيثارُهُ عَلى (أوْحَيْنا) إلى داوُدَ - لِتَحَقُّقِ المُماثَلَةِ في أمْرٍ خاصٍّ - وهو إيتاءُ الكِتابِ - بَعْدَ تَحَقُّقِها في مُطْلَقِ الإيحاءِ، والزَّبُورُ بِفَتْحِ الزّايِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالحَلُوبِ والرَّكُوبِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ (زُبُورًا) بِضَمٍّ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ، وهو جَمْعُ (زِبْرٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى مَزْبُورٍ، أيْ: مَكْتُوبٍ أوْ (زَبْرٍ) بِالفَتْحِ والسُّكُونِ، كَفَلْسٍ وفُلُوسٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ كالقُعُودِ والجُلُوسِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ زَبُورٍ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، وعَلى العِلّاتِ جُعِلَ اسْمًا لِلْكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ إنْزالُهُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنَجَّمًا، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الإلْزامُ.

وكانَ فِيهِ - كَما قالَ القُرْطُبِيُّ - مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً، لَيْسَ فِيها حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ، والتَّحْمِيدُ والتَّمْجِيدُ، والثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَرُسُلًۭا قَدْ قَصَصْنَـٰهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًۭا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًۭا ١٦٤

﴿ ورُسُلا ﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ أيْ: أرْسَلْنا رُسُلًا، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (أوْحَيْنا) السّابِقُ لِاسْتِلْزامِهِ الإرْسالَ، وهو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: القَرِينَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ ﴾ لا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ(قَصَصْنا) بِحَذْفِ مُضافٍ، أيْ: قَصَصْنا أخْبارَ رُسُلٍ، ولا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ وإلى رُسُلٍ - كَما قِيلَ - لِخُلُوِّهِ عَمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَحْقِيقِ المُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ شُئُونِ مَن يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في مُطْلَقِ الإيحاءِ، ثُمَّ في إيتاءِ الكِتابِ، ثُمَّ في الإرْسالِ، فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) مُنْتَظِمٌ لِمَعْنى (آتَيْناكَ) و(أرْسَلْناكَ) حَتْمًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى فُلانٍ وفُلانٍ، وآتَيْناكَ مِثْلَ ما آتَيْنا فَلانًا، وأرْسَلْناكَ مِثْلَ ما أرْسَلْنا الرُّسُلَ الَّذِينَ قَصَصْناهُمُ وغَيْرَهُمْ، ولا تَفاوُتَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في حَقِيقَةِ الإيحاءِ والإرْسالِ، فَما لِلْفِكْرَةِ يَسْألُونَكَ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الرُّسُلِ، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟!

ومَعْنى قَصُّهم عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِكايَةُ أخْبارِهِمْ لَهُ، وتَعْرِيفُ شَأْنِهِمْ وأُمُورِهِمْ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، أوِ اليَوْمِ، قِيلَ: قَصَّهم عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ في سُورَةِ (الأنْعامِ) وغَيْرِها، وقالَ بَعْضُهُمْ: قَصَّهم سُبْحانَهُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالوَحْيِ في غَيْرِ القُرْآنِ، ثُمَّ قَصَّهم عَلَيْهِ بَعْدُ في القُرْآنِ ﴿ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ ﴾ أيْ: مِن قَبْلُ، فَلا تُنافِي الآيَةُ ما ورَدَ في الخَبَرِ مِن «أنَّ الرُّسُلَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، والأنْبِياءَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا»، وعَنْ كَعْبٍ «أنَّهم ألْفُ ألْفٍ وأرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا»؛ لِأنَّ نَفْيَ قَصِّهِمْ مِن قَبْلُ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ قَصِّهِمْ مُطْلَقًا، فَإنَّ نَفْيَ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَصَّهم عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدُ فَعَلِمَهُمْ، فَأخْبَرَ بِما أخْبَرَ عَلى أنَّ القَبِيلَةَ تُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ في القابِلِ؛ لِأنَّ (لَمْ) في المَشْهُورِ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ تَقْلِبُ مَعْناهُ لِلْمُضِيِّ، عَلى أنَّ القَصَّ ذِكْرُ الأخْبارِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ ذِكْرِ أخْبارِهِمْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَفْيُ ذِكْرِ عَدِّهِمْ مُجَرَّدًا مِن ذِكْرِ الأخْبارِ والقَصَصِ، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبارَهم أصْلًا، لَكِنْ ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم كَذا رَجُلًا، فانْدَفَعَ ما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُعاصِرِينَ مِن أنَّ الآيَةَ نَصٌّ في عَدَمِ عِلْمِهِ - وحاشاهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِدَّةَ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَأْخُذُ بِها ويَرُدُّ الحَدِيثَ، وكَأنَّ الَّذِي أوْقَعَهُ في الوَهْمِ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، والأوْلى أنْ لا يُقْتَصَرَ عَلى عَدَدِ الآيَةِ، فَأخْطَأ في الفَهْمِ، وماتَ في رِبْقَةِ التَّقْلِيدِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ.

﴿ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ﴾ بِرَفْعِ الجَلالَةِ، ونَصْبِ مُوسى، وعَنْ إبْراهِيمَ، ويَحْيى بْنِ وثّابً أنَّهُما قَرَآ عَلى القَلْبِ.

﴿ تَكْلِيمًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ رافِعٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ - عَلى ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ - ونَظَرَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ فَيَرْفَعُ المَجازَ عَنْهُ، وأمّا رَفْعُهُ المَجازَ عَنِ الإسْنادِ بِأنْ يَكُونَ المُكَلِّمُ رُسُلَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، كَما يُقالُ: قالَ الخَلِيفَةُ كَذا إذا قالَهُ وزِيرُهُ فَلا، مَعَ أنَّهُ أكَّدَ الفِعْلَ، والمُرادُ بِهِ مَعْنًى مَجازِيٌّ، كَقَوْلِ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمانِ في زَوْجِها رَوْحِ بْنِ زِنْباعٍ وزِيرِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: بَكى الخَزُّ مِن رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْدَهُ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامِ المَطارِفِ فَأكَّدَتْ عَجَّتْ مَعَ أنَّهُ مَجازٌ؛ لِأنَّ الثِّيابَ لا تَعِجُّ، وما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ مِن أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًا بَأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ فَإذا أُكِّدَ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ لا يَفِي بِالمَقْصُودِ؛ إذْ نِهايَةُ ما فِيهِ رَفْعُ المَجازِ عَنِ الفِعْلِ في هَذِهِ المادَّةِ، ولا تَعَرُّضَ لَهُ لِرَفْعِ المَجازِ عَنِ الإسْنادِ، فَلِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: التَّكْلِيمُ حَقِيقَةٌ، إلّا أنَّ إسْنادَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مُجازٌ، ولا تَقُومُ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِ إلّا بِنَفْيِ ذَلِكَ الِاحْتِمال، نَعَمْ، إنَّها ظاهِرَةٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ.

والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، لا عَلى (آتَيْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وإمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ، والمَعْنى أنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مُنْتَهى مَراتِبِ الوَحْيِ وأعْلاها، وقَدْ خُصَّ بِهِ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ اعْتَرَفْتُمْ بِنُبُوَّتِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهِمْ أصْلًا، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّ نُزُولَ التَّوْراةِ عَلَيْهِ جُمْلَةً قادِحٌ في نُبُوَّةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ مُفَصَّلًا مَعَ ظُهُورِ حِكْمَةِ ذَلِكَ؟!

هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ كَيْفِيَّةُ سَماعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِكَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -وقَدْ وقَعَ التَّكْلِيمُ أيْضًا لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الإسْراءِ مَعَ زِيادَةِ رِفْعَةٍ، بَلْ ما مِن مُعْجِزَةٍ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلّا لِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِثْلُها مَعَ زِيادَةِ شَرَفٍ لَهُ، شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى، بَلْ ما مِن ذَرَّةِ نُورٍ شَعَّتْ في العالِمِينَ إلّا تَصَدَّقَتْ بِها شَمْسُ ذاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ دَرُّ البُوصِيرِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: وكَّلَ آيٍّ أتى الرُّسُلُ الكِرامُ بِها ∗∗∗ فَإنَّما اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمُ فَصَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٦٥

﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أوْ بِإضْمارِ (أرْسَلْنا) أوْ عَلى الحالِ مِن (رُسُلًا) الَّذِي قَبْلَهُ، أوْ ضَمِيرِهِ، وهي حالٌ مُوَطِّئَةٌ، والمَقْصُودُ وصْفُها، وضُعِّفَ هَذا بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا وجْهَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وذِيها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (رُسُلًا) الأوَّلِ، وضُعِّفَ بِأنَّ اتِّحادَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ لَفْظًا بَعِيدٌ، وإنْ كانَ المُعْتَمَدُ بِالبَدَلِيَّةِ الوَصْفَ، أيْ: (مُبَشِّرِينَ) مَن آمَنَ وأطاعَ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ (ومُنْذِرِينَ) مَن كَفَرَ وعَصى بِالنّارِ والعِقابِ ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ ﴾ أيْ: مَعْذِرَةً يَعْتَذِرُونَ بِها قائِلِينَ: (لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا) فَيُبَيِّنُ لَنا شَرائِعَكَ ويُعَلِّمُنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ مِن أحْكامِكَ لِقُصُورِ القُوى البَشَرِيَّةِ عَنْ إدْراكِ جُزَيْئاتِ المَصالِحِ، وعَجْزِ أكْثَرِ النّاسِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها، فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الشَّرْعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وأنَّ العَقْلَ لا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ.

وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ العَقْلَ كافٍ، وأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ إنَّما هو لِلتَّنْبِيهِ عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ، الَّتِي تَعْتَرِي الإنْسانَ مِن دُونِ اخْتِيارٍ، فَمَعْنى الآيَةِ عِنْدَهُمْ: لِئَلّا يَبْقى لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ، وسَيَأْتِي رَدُّ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مَعَ تَحْقِيقِ هَذا المَبْحَثِ.

وتَسْمِيَةُ ما يُقالُ عِنْدَ تُرْكِ الإرْسالِ حُجَّةً مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ (حُجَّةٌ) مَجازٌ، بِتَنْزِيلِ المَعْذِرَةِ في القَبُولِ عِنْدَهُ تَعالى بِمُقْتَضى كَرَمِهِ ولُطْفِهِ مَنزِلَةَ الحُجَّةِ القاطِعَةِ، الَّتِي لا مَرَدَّ لَها، فَلا يَبْطُلُ قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلى اللَّهِ تَعالى في فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ، بَلْ لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَفْعَلَ بِمَن شاءَ ما شاءَ.

واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرْسَلْنا) المُقَدَّرِ، أوْ بِـ(مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ) عَلى التَّنازُعِ، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِما يَدُلّانِ عَلَيْهِ، و(حُجَّةٌ) اسْمُ كانَ وخَبَرُها لِلنّاسِ، و(عَلى اللَّهِ) حالٌ مِن (حُجَّةٌ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ (عَلى اللَّهِ) و(لِلنّاسِ) حالٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ عَلى بِـ(حُجَّةٌ)؛ لِأنَّها مَصْدَرٌ ومَعْمُولُهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، ومَن جَوَّزَهُ في الظَّرْفِ جَوَّزَهُ هُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ أيْ: بَعْدَ إرْسالِهِمْ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ظَرْفٌ لِـ(حُجَّةٌ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَها؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ يُوصَفُ بِهِ المَصادِرُ كَما يُخْبَرُ بِهِ عَنْها ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ لا يُغالَبُ في أمْرٍ يُرِيدُهُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ الِامْتِناعُ عَنْ إجابَةِ مَسْألَةِ المُتَعَنِّتِينَ، وقَطْعُ الحُجَّةِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وتَنَوُّعُ الوَحْيِ إلَيْهِمْ، والإعْجازُ.

وقِيلَ: (عَزِيزًا) في عِقابِ الكُفّارِ (حَكِيمًا) في الإعْذارِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإنْذارِ، كَأنَّهُ بَعْدَ أنْ سَألُوا إنْزالَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ الجَلالَةِ.

وقَرَأ السُّلَيْمِيُّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الجَلالَةِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَنْ مَفْهُومِ ما قَبْلَهُ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، وتَعَنَّتُوا، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ إلَخْ، قِيلَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ، (لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ).

وحاصِلُ ذَلِكَ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُمُ الحُجَّةُ ويَشْهَدُوا لَكَ فاللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَبَّهَ الإيحاءَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإيحاءِ إلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْهَمَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ مَزِيَّةَ الإيحاءِ إلَيْهِمْ، فاسْتُدْرِكَ عَنْهُ بِأنَّ لِلْإيحاءِ إلَيْكَ مَزِيَّةَ شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ: بِحَقِّيَّةِ الَّذِي أنْزَلَهُ إلَيْكَ وهو القُرْآنُ، فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَشْهَدُ) والباءُ صِلَةٌ، والمَشْهُودُ بِهِ هو الحَقِّيَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِهِ هو النُّبُوَّةَ، وتَعَلَّقَ (بِما أنْزَلَ) تَعَلُّقَ الآلِيَّةِ، أيْ: يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِكَ بِسَبَبِ ما أنْزَلَ إلَيْكَ لِدَلالَتِهِ بِإعْجازِهِ عَلى صِدْقِكَ ونُبُوَّتِكَ، ولَعَلَّ مَآلَ المَعْنى ومُؤَدّاهُ واحِدٌ، فَإنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ بِحَقِّيَّةِ ما أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ بِإظْهارِ المُعْجِزِ المَقْصُودِ مِنهُ إثْباتُ نُبُوَّتِهِ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُمْ: «إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)».

وفِي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ (إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ) قالُوا: ما نَشْهَدُ لَكَ، فَنَزَلَ (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ).

وقُرِئَ (أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ذُكِرَ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِعِلْمِهِ الخاصِّ بِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَظْمٍ وأُسْلُوبٍ يَعْجَزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ وصاحِبِ بَيانٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِأنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ إلَيْكَ؛ لِقِيامِكَ فِيهِ بِالحَقِّ، ودُعائِكَ النّاسَ إلَيْهِ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) بِما عَلِمَ مِن مَصالِحِ العِبادِ، مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى (أنْزَلَهُ) وهو عالِمٌ بِهِ رَقِيبٌ عَلَيْهِ، حافِظٌ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ بِرَصْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ.

والعِلْمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قِيلَ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والمُرادُ بِهِ التَّأْلِيفُ والنَّظْمُ المَخْصُوصُ، ولَيْسَ مِن جَعْلِ العِلْمِ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ، ولَوْ جُعِلَ عَلَيْهِ العِلْمُ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَكُونُ تَأْلِيفُهُ بَيانًا لِتَلَبُّسِهِ لا لِلْعِلْمِ نَفْسِهِ صَحَّ، لَكِنْ فِيهِ تَجَوُّزٌ مِن جِهَةِ أنَّ التَّأْلِيفَ لَيْسَ نَفْسَ التَّلَبُّسِ بَلْ أثَرَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْآلِيَّةِ كَما يُقالُ: فَعَلَهُ بِعِلْمِهِ إذا كانَ مُتْقِنًا وعَلى ما يَنْبَغِي، فَيَكُونُ وصْفًا لِلْقُرْآنِ بِكَمال الحُسْنِ والبَلاغَةِ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ فالعِلْمُ بِمَعْناهُ، أوْ في الثّالِثِ بِمَعْنى المَعْلُومِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومُتَعَلِّقُ العِلْمِ مُخْتَلِفٌ، وهو أنَّكَ أهْلٌ لِإنْزالِهِ أوْ مَصالِحِ العِبادِ.

وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عَلى الثّانِي حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وعَلى الثّالِثِ مِنَ المَفْعُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُطْلَقًا أيْ: إنْزالًا مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ عَلى الأوَّلِ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ مَوْقِعُ التَّقْرِيرِ والبَيانِ لِلصِّلَةِ، وقِيلَ: إنَّها في الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ كالتَّفْسِيرِ لِـ(أنْزَلَ إلَيْكَ) لِأنَّها بَيانٌ لِإنْزالِهِ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ فَقَدْ ضُمِّنَ العِلْمُ بِمَعْنى الرَّقِيبِ والحافِظِ، والظَّرْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، ويَكُونُ (أنْزَلَهُ) تَكْرِيرًا لِيَعْلَقَ بِهِ ما عَلَقَ، أوْ كَما قِيلَ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُهم هَذا الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ لا مَساسَ لَهُ بِهَذا المَقامِ، وقِيلَ: إنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ القُرْآنِ بِحِفْظِهِ مِن شَياطِينِ الجِنِّ المُشْعِرِ بِحِفْظِهِ أيْضًا مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ كالتَّفْسِيرِ لِلشَّهادَةِ أيْضًا، وقُرِئَ (نَزَّلَهُ) .

﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ أيْضًا بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم تَبَعٌ لَهُ سُبْحانَهُ في الشَّهادَةِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ (أنْزَلَهُ) أيْ: أنْزَلَهُ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهم شَهادَةَ المَلائِكَةِ عَلى صِدْقِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في دَعْواهُ بِإتْيانِهِمْ لِإعانَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في القِتالِ ظاهِرِينَ، كَما كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وأيّا ما كانَ (فَيَشْهَدُونَ) مِنَ الشَّهادَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ مِنَ الشُّهُودِ لِلْحِفْظِ.

﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ عَلى ما شَهِدَ بِهِ لَكَ، حَيْثُ نَصَبَ الدَّلِيلَ، وأوْضَحَ السَّبِيلَ، وأزالَ الشُّبَهَ، وبالَغَ في ذَلِكَ عَلى وجْهٍ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى شَهادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ﴾ ) أيْ: لا يُحِبُّ أنْ يَهْتِكَ العَبْدُ سِتْرَهُ إذا صَدَرَتْ مِنهُ هَفْوَةٌ، أوِ اتَّفَقَتْ مِنهُ كَبْوَةٌ ( ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ) أيْ: إلّا جَهْرُ مَن ظَلَمَتْهُ نَفْسُهُ بِرُسُوخِ المَلِكاتِ الخَبِيثَةِ فِيهِ؛ فَإنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِإظْهارِ ما فِيهِ مِن تِلْكَ المَلِكاتِ، وعَرْضِها عَلى أطِبّاءِ القُلُوبِ، لِيَصِفُوا لَهُ دَواءَها.

وقِيلَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى إفْشاءَ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وإظْهارَ مَواهِبِ الأُلُوهِيَّةِ، أوْ كَشْفَ القِناعِ مِن مَكْنُوناتِ الغَيْبِ ومَصُوناتِ غَيْبِ الغَيْبِ ( ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ) بِغَلَباتِ الأحْوالِ، وتَعاقُبِ كُؤُوسِ الجَلالِ والجَمالِ، فاضْطُرَّ إلى المَقالِ، فَقالَ بِاللِّسانِ الباقِي لا بِاللِّسانِ الفانِي: أنا الحَقُّ وسُبْحانِي ما أعْظَمَ شَأْنِي، وفي تَسْمِيَةِ تِلْكَ الغَلَبَةِ ظُلْمًا خَفاءٌ لا يَخْفى.

وفِي ظاهِرِ الآيَةِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُذْنِبِينَ، حَيْثُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَرْضى بِهَتْكِ السِّتْرِ إلّا مِنَ المَظْلُومِ، فَكَيْفَ يَرْضى سُبْحانَهُ مِن نَفْسِهِ أنْ يَهْتِكَ سِتْرَ العاصِينَ ولَيْسُوا بِظالِمِيهِ جَلَّ جَلالُهُ؟!

وإنَّما ظَلَمُوا أنْفُسَهم كَما نَطَقَ بِذَلِكَ الكِتابُ: ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضِ ﴾ ) هَؤُلاءِ قَوْمٌ احْتَجَبُوا بِالجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ، فَأنْكَرُوا الرُّسُلَ لِتَوَهُّمِهِمْ وحْدَةً مُنافِيَةً لِلْكَثْرَةِ، وجَمْعًا مُبايِنًا لِلتَّفْصِيلِ، ومِن هُنا عَطَّلُوا الشَّرائِعَ وأباحُوا المُحَرَّماتِ، وتَرَكُوا الصَّلَواتِ، ( ﴿ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ) الإيمانِ بِالكُلِّ جَمْعًا وتَفْصِيلًا والكُفْرِ بِالكُلِّ ( ﴿ سَبِيلا ﴾ ) أيْ: طَرِيقًا ( ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ ) المَحْجُوبُونَ ( ﴿ حَقًّا ﴾ ) بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْرِفَتَهم وهْمٌ وغَلَطٌ، وتَوْحِيدَهم زَنْدَقَةٌ وضَلالٌ، ولَقَتْلُ واحِدٍ مِنهم أنْفَعُ مِن قَتْلِ ألْفِ حَرْبِيٍّ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ، قُدِّسَ سِرُّهُ.

( ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ ) وهُمُ المُؤْمِنُونَ جَمْعًا وتَفْصِيلًا، لا يَحْجُبُهم جَمْعٌ عَنْ تَفْصِيلٍ، ولا تَفْصِيلٌ عَنْ جَمْعٍ، كالسّادَةِ الصّادِقِينَ مِن أهْلِ الوَحْدَةِ ( ﴿ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ) مِنَ الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ ) يَسْتُرُ ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ ( ﴿ رَحِيمًا ﴾ ) يَرْحَمُهم بِالوُجُودِ المَوْهُوبِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءِ السَّرْمَدِيِّ.

( ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ ﴾ ) أيْ: عِلْمًا يَقِينًا بِالمُكاشَفَةِ مِن سَماءِ الرُّوحِ ( ﴿ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ) أيْ: طَلَبُوا المُشاهَدَةَ، ولا شَكَّ أنَّها أكْبَرُ وأعْلى مِنَ المُكاشَفَةِ ( ﴿ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ ﴾ ) أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ نارُ الأنانِيَّةِ وأهْلَكَتِ اسْتِعْدادَهم بِظُلْمِهِمْ، وهو طَلَبُهُمُ المُشاهَدَةَ مَعَ بَقاءِ ذَواتِهِمْ ( ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ ﴾ ) أيْ: عِجْلَ الشَّهَواتِ، الَّذِي صاغَهُ سامِرِيُّ النَّفْسِ الأمّارَةِ ( ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ ) الرّادِعَةُ لَهم عَنْ ذَلِكَ ( ﴿ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ) وهو سُطُوعُ نُورِ التَّجَلِّي مِن وجْهِهِ حَتّى احْتاجَ إلى أنْ يَسْتُرَ وجْهَهُ بِالبُرْقُعِ رَحْمَةً بِخَفافِيشِ أُمَّتِهِ ( ﴿ ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ﴾ ) أيْ: جَعَلْناهُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ ( ﴿ بِمِيثاقِهِمْ ﴾ ) أيْ: بِسَبَبِ أنْ يُعْطُوا المِيثاقَ، وأُشِيرَ بِالطُّورِ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ إلى العَقْلِ، ورَفْعُهُ فَوْقَهم تَأْيِيدُهُ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ ( ﴿ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ ﴾ ) أيْ: بابَ السَّيْرِ والسُّلُوكِ المُوصِلِ إلى حَضِيرَةِ القُدْسِ، ومُلْكِ المُلُوكِ ( ﴿ سُجَّدًا ﴾ ) خُضَّعًا مُتَذَلِّلِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ ) أُشِيرَ بِهِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ القَوْمِ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ - إلى اتِّصالِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالعالَمِ العُلْوِيِّ عِنْدَ مُفارَقَتِهِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ، وذَلِكَ الرَّفْعُ عِنْدَهم إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ فَيَضانِ رُوحِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَوْحانِيَّةُ فَلَكِ الشَّمْسِ الَّذِي هو بِمَثابَةِ قَلْبِ العالَمِ، ولَمّا لَمْ يَصِلْ إلى الكَمالِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو دَرَجَةُ المَحَبَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ النُّزُولِ مَرَّةً أُخْرى في صُورَةٍ جَسَدانِيَّةٍ، يَتَّبِعُ المِلَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ لِنَيْلِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ العَلِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ فَيُؤْمِنُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، أيْ: أهْلُ العِلْمِ العارِفِينَ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، كُلُّهم عَنْ آخِرِهِمْ ( ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ ) عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفَناءِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإذا آمَنُوا بِهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَوْمُ بُرُوزِهِمْ عَنِ الحُجُبِ الجُسْمانِيَّةِ، وانْتِباهِمْ عَنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ ( ﴿ شَهِيدًا ﴾ ) وذَلِكَ بِأنْ يَتَجَلّى الحَقُّ عَلَيْهِمْ في صُورَتِهِ.

( ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ ) وهو عِبادَتُهم عِجْلَ الشَّهَواتِ، واتِّخاذُهُ إلَهًا، وامْتِناعُهم عَنْ دُخُولِ بابِ حَضِيرَةِ القُدْسِ، واعْتِدائُهم في السَّبْتِ بِمُخالَفَةِ الشَّرْعِ الَّذِي هو المَظْهَرُ الأعْظَمُ، والِاحْتِجابُ عَنْ كَشْفِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ونَقْضُهم مِيثاقَ اللَّهِ تَعالى، واحْتِجابُهم عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، الَّذِي هو كُفْرٌ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُساوِي: مُساوٍ لَوْ قُسِمْنَ عَلى الغَوانِي لَما أُمْهِرْنَ إلّا بِالطَّلاقِ ( ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ ﴾ ) عَظِيمَةٍ جَلِيلَةٍ، وهي ما في الجَنّاتِ الثَّلاثِ ( ﴿ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ) بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ لَوْلا هَذِهِ المَوانِعُ ( ﴿ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) أيِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ كَثِيرًا ﴾ ) أيْ: خَلْقًا كَثِيرًا، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ، ( ﴿ وأخْذِهِمُ الرِّبا ﴾ ) وهو فُضُولُ العِلْمِ الرَّسْمِيِّ الجَدَلِيِّ، الَّذِي هو كَشَجَرَةِ الخِلافِ لا ثَمَرَةَ لَهُ، كاللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ والحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿ وقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ ) لِما أنَّهُ الحِجابُ العَظِيمُ ( ﴿ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ ) أيِ اسْتِعْمالِ عُلُومِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ في تَحْصِيلِ الخَسائِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أوْ أخْذِ ما في أيْدِي العِبادِ بِرَذِيلَةِ الحِرْصِ والطَّمَعِ.

( ﴿ لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ ) المُسْتَقِيمُونَ في السَّماعِ الخاصِّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، مِن غَيْرِ مُعارِضَةِ النُّفُوسِ، واضْطِرابِ الأسْرارِ، ( ﴿ والمُؤْمِنُونَ ﴾ ) بِالإيمانِ العِيانِيِّ حالَ كَوْنِهِمْ ( ﴿ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ) مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والأسْرارِ الإلَهِيَّةِ.

( ﴿ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ﴾ ) عَلى أكْمَلِ وجْهٍ ( ﴿ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ) بِبَذْلِ قَوامِهِمْ في أصْنافِ الطّاعَةِ ( ﴿ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ ) أيْ: بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، والمُرادُ مِنَ المُتَعاطِفاتِ طائِفَةٌ واحِدَةٌ كَما قَدَّمْنا ( ﴿ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ) لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فِيما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَنّاتِ.

( ﴿ إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ ﴾ ) الآيَةَ، التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ) عَلى قَوْلِ: ( ﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ اللُّطْفِ ( ﴿ ومُنْذِرِينَ ﴾ ) بِتَجَلِّياتِ القَهْرِ ( ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ) أيْ: لِئَلّا يَكُونَ لَهم ظُهُورٌ وسَلْطَنَةٌ بَعْدَما مُحِيَ ذَلِكَ بِإمْدادِ الرُّسُلِ ( ﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ ) فَيَمْحُو صِفاتِهِمْ، ويُفْنِي ذَواتِهِمْ ( ﴿ حَكِيمًا ﴾ ) فَيُفِيضُ عَلَيْهِمْ مِن صِفاتِهِ، ويُبْقِيهِمْ في ذاتِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ( ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ ﴾ ) لِتَجَلِّيهِ فِيهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ) أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ المُحِيطِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، ومِن هَنا عَلِمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ وما هو كائِنٌ ( ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ ) هم أصْحابُ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ ( ﴿ يَشْهَدُونَ ﴾ ) أيْضًا لِعَدَمِ احْتِجابِهِمْ ( ﴿ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ ) لِأنَّهُ الجامِعُ ولا مَوْجُودَ غَيْرُهُ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّوا۟ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١٦٧

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَدْخُلُ ذَلِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ لِبَيانِ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيهِمْ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ ( ﴿ وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) أيْ: دِينِ الإسْلامِ مَن أرادَ سُلُوكَهُ بِإنْكارِهِمْ نَعْتَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقَوْلِهِمْ: لا نَعْرِفُهُ في كِتابِنا، وأنَّ شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا تُنْسَخُ، وأنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن أوْلادِ هارُونَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ.

وقُرِئَ ( صُدُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿ قَدْ ضَلُّوا ﴾ بِالكُفْرِ والصَّدِّ ﴿ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، ولِأنَّ المُضِلَّ يَكُونُ أقْوى وأدْخَلَ في الضَّلالِ وأبْعَدَ عَنِ الِانْقِلاعِ عَنْهُ.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًۭا ١٦٩

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِما ذُكِرَ آنِفًا ﴿ وظَلَمُوا ﴾ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وكِتْمانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، أوِ النّاسَ بِصَدِّهِمْ لَهم عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والمُرادُ أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وهَذا النَّوْعِ مِنَ الظُّلْمِ ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ لِاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ المَغْفِرَةِ بِالكافِرِ، والآيَةُ في اليَهُودِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: إنَّها في المُشْرِكِينَ، وما قَبْلَها في اليَهُودِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ ما لَيْسَ بِكُفْرٍ مِن سائِرِ أنْواعِ الكَبائِرِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى مَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كانَ بَعْضُهم كافِرِينَ وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ كَبائِرَ ( ﴿ لَمْ يَكُنِ ﴾ ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِقادُ أنَّ العُصاةَ مُخَلَّدُونَ في النّارِ تَخْلِيدَ الكُفّارِ، والآيَةُ تَنْبُو عَنْ هَذا المُعْتَقَدِ؛ فَإنَّهُ قَدْ جُعِلَ فِيها الفِعْلانِ كِلاهُما صِلَةً لِلْمَوْصُولِ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِهِ، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ: الزَّيْدُونَ قامُوا، فَقَدْ أسْنَدْتَ القِيامَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ لَوْ عَطَفْتَ عَلَيْهِ فِعْلًا آخَرَ لَزِمَ فِيهِ ذَلِكَ ضَرُورَةً، وسِياقُ الآيَةِ أيْضًا يَأْبى ذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ دَيْدَنُ المُعْتَزِلَةِ اتِّباعَ الهَوى فَلا يُبالُونَ بَأيِّ وادٍ وقَعُوا.

﴿ ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ إلى الحَقِّ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الجَنَّةِ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ -: خَلْقُهُ سُبْحانَهُ لِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُؤَدِّيَةِ لَهم إلى جَهَنَّمَ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ، أوْ سُوقُهم إلى جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالهِدايَةِ تَهَكُّمٌ إنْ لَمْ يُرَدْ بِها مُطْلَقُ الدَّلالَةِ، والطَّرِيقُ عَلى عُمُومِهِ، والِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلٌ كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.

وجَوَّزَ السَّمِينُ أنْ يُرادَ بِالطَّرِيقِ شَيْءٌ مَخْصُوصٌ، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَكُونُ بَعْدَ إيصالِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ولَوْ قُدِّرَ ( يُقِيمُونَ خالِدِينَ ) لَمْ يَلْتَئِمْ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ جَعْلِهِ حالًا مُقَدَّرَةً بِأنَّ هَذا مِنَ الدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى جَهَنَّمَ، أوِ الدَّلالَةِ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُ إلَيْها، فَهو حالٌ عَنِ المَفْعُولِ بِاعْتِبارِ الإيصالِ لا الدَّلالَةِ، فَتَدَبَّرْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبَدًا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، رافِعٌ احْتِمالَ أنْ يُرادَ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿ وكانَ ذَلِكَ ﴾ أيِ: انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، وطَرْحُهم في النّارِ إلى الأبَدِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ، وبَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَـَٔامِنُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا ١٧٠

﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، بَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَعَلُّلَ اليَهُودِ بِالأباطِيلِ، واقْتِراحَهُمُ الباطِلَ تَعَنُّتًا، ورَدَّ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما أكَّدَ، وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ وأمْرِهِمْ بِالإيمانِ مَشْفُوعًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ بَعْدَ تَنْبِيهٍ عَلى أنَّ المَحَجَّةَ قَدْ وضَحَتْ والحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْ فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ عُذْرٌ في القَبُولِ.

وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ ( ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ ) أيْنَما وقَعَ لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ التَّعْمِيمَ أوْلى، وما ذُكِرَ في حَيِّزِ الِاسْتِدْلالِ، وأنَّ ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أغْلَبِيٌّ، وقِيلَ: هو لِلْكُفّارِ مُطْلَقًا إبْقاءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِهِ، ولَمْ يُحْتَجْ إلى حَمْلِهِ عَلى ما يَعُمُّ الأحْداثَ والثَّباتَ.

﴿ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإيرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ طاعَتِهِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ، وفُسِّرَ بِالقُرْآنِ، وبِدِينِ الإسْلامِ، وبِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بِـ( جاءَ ) أيْ: جاءَكم بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالفِعْلِ أيْضًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الحَقِّ، أيْ: جاءَكم بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ كائِنًا مِنهُ سُبْحانَهُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَبْلِيغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ؛ تَرْغِيبًا لَهم في الِامْتِثالِ لِما بَعْدُ مِنَ الأمْرِ، كَما أنَّ في ذِكْرِ الجُمْلَةِ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُها مِن ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّها تَكْرِيرٌ لِلشَّهادَةِ، وتَقْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ، وتَمْهِيدٌ لِما ذُكِرَ ﴿ فَآمِنُوا ﴾ أيْ: بِالرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى إيجابِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ ( وافْعَلُوا ) أوِ ( ائْتُوا ) خَيْرًا لَكُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الإيمانَ يَنْقَسِمُ إلى خَيْرٍ وغَيْرِهِ، ودُفِعَ بِأنَّهُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَهٌ، وأنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ قَدْ لا يُعْتَبَرُ، وعَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِهِ قَدْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَهُ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ لَهم إيمانًا بِبَعْضِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كاليَوْمِ الآخِرِ مَثَلًا إلّا أنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى الوَجْهِ المَرْضِيِّ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ إلى أنَّهُ خَبَرُ ( كانَ ) مُضْمَرَةً، والتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا لَكُمْ، ورُدَّ بِأنَّ ( كانَ ) لا تُحْذَفُ مَعَ اسْمِها دُونَ خَبَرِها إلّا في مَواضِعَ اقْتَضَتْهُ، وأنَّ المُقَدَّرَ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، فَيَلْزَمُ حَذْفُ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا، وأُجِيبَ بِأنَّ تَخْصِيصَ حَذْفِ كانَ واسْمِها في مَواضِعَ لا يُسَلِّمُهُ هَذا القائِلُ، وبِأنَّ لُزُومَ حَذْفِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَزْمَ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وإنْ قُلْنا: بِأنَّهُ بِنَفْسِ الأمْرِ وأخَواتِهِ كَما هو مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النُّحاةِ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ.

ونَقَلَ مَكِّيٌّ عَنْ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو بَعِيدٌ.

﴿ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءٌ كانَتْ داخِلَةً في حَقِيقَتِهِما، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ حالُ أنْفُسِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أوْ خارِجَةً عَنْهُما مُسْتَقِرَّةً فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ المُخاطِبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا، ولا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ ذَرَّةٌ فَما دُونَها، والجُمْلَةُ دَلِيلُ الجَوابِ، أُقِيمَ مَقامَهُ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها مُقَرَّرٌ قَبْلَ كُفْرِهِمْ فَلا يَصْلُحُ لِلْجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ تَكْفُرُوا فَهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِكُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ فَهو غَنِيٌّ عَنْكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم كَما لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿ وإنْ تَكْفُرُوا ﴾ ) فَقَدْ كابَرْتُمْ عُقُولَكم ( ﴿ فَإنَّ لِلَّهِ ﴾ ) سُبْحانَهُ ما لَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى ما يُنافِي حالَكم واعْتِقادَكم فَكَيْفَ يَتَأتّى الكُفْرُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ( ﴿ وإنْ تَكْفُرُوا ﴾ ) فَإنَّ عَبِيدًا غَيْرَكم لا يَكْفُرُونَ بَلْ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بِأحْوالِ كُلٍّ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُفْرُهم دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ حَكِيمًا ﴾ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وتَدْبِيراتِهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كَذَلِكَ تَعْذِيبُ مَن كَفَرَ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا ١٧١

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالنَّصارى زَجْرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ البَعِيدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وأبُو مُسْلِمٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ خِطابٌ لَهم ولِلْيَهُودِ؛ لِأنَّ الغُلُوَّ أيْ: مُجاوَزَةَ الحَدِّ والإفْراطَ المَنهِيَّ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ وقَعَ مِنهم جَمِيعًا، أمّا النَّصارى فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَعْضُهم أنَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وآخَرُونَ: ثالِثٌ ثَلاثَةٍ، وأمّا اليَهُودُ فَقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِأنَّ قَوْلَ اليَهُودِ قَدْ نُعِيَ فِيما سَبَقَ وبِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ.

﴿ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا ولا تَعْتَقِدُوا إلّا القَوْلَ الحَقَّ دُونَ القَوْلِ المُتَضَمِّنِ لِدَعْوى الِاتِّحادِ والحُلُولِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وهو مُتَّصِلٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.

وادَّعى بَعْضٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هُنا تَنْزِيهُهُ تَعالى عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والأشْبَهُ بِالِاسْتِثْناءِ الِانْقِطاعُ؛ لِأنَّ التَّنْزِيهَ لا يَكُونُ مَقُولًا عَلَيْهِ، بَلْ لَهُ وفِيهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ( قالَ عَلَيْهِ ) افْتَرى، وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ في الِاسْتِثْناءِ المُفْرِغِ، فافْهَمْ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وقَدْ مَرَّ مَعْناهُ، وقُرِئَ ( المِسِّيحُ ) بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كالسِّكِّيتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ عِيسى ﴾ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ ) صِفَةٌ لَهُ مُفِيدَةٌ بُطْلانَ ما زَعَمُوهُ فِيهِ مِن بُنُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ الباطِلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ، أيْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْصُورٌ عَلى رُتْبَةِ الرِّسالَةِ لا يَتَخَطّاها إلى ما تَقُولُونَ، ( ﴿ وكَلِمَتُهُ ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( رَسُولُ اللَّهِ ) ومَعْنى كَوْنِهِ كَلِمَةً أنَّهُ حَصَلَ بِكَلِمَةِ ( كُنْ ) مِن غَيْرِ مادَّةٍ مُعْتادَةٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وقالَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: لِكُلِّ مَوْلُودٍ سَبَبٌ قَرِيبٌ وبَعِيدٌ، فالأوَّلُ المَنِيُّ، والثّانِي قَوْلُ ( كُنْ ) ولَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ القَرِيبِ في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَهُ إلى البَعِيدِ، وهو قَوْلُ ( كُنْ ) إشارَةً إلى انْتِفاءِ القَرِيبِ، وأوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أيْ: أوْصَلَها إلَيْها، وحَصَّلَها فِيها، فَجَعَلَهُ كالمَنِيِّ الَّذِي يُلْقى في الرَّحِمِ، فَهو اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِشارَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي بَشَّرَ بِها مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ ﴾ وجُمْلَةُ ( ﴿ ألْقاها ﴾ ) حالٌ عَلى ما قِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( كَلِمَتُهُ ) بِتَقْدِيرِ قَدْ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: وكَلِمَتُهُ مُلْقِيًا إيّاها، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُسْتَكِنِّ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ ( ﴿ وكَلِمَتُهُ ﴾ ) مِن مَعْنى المُشْتَقِّ الَّذِي هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِ ( كانَ ) مَقُدَّرَةً مَعَ إذِ المُتَعَلِّقَةِ بِالكَلِمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها المُكَوَّنُ، والتَّقْدِيرُ: إذْ كانَ ( ﴿ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ).

﴿ ورُوحٌ مِنهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وسُمِّيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُوحًا؛ لِأنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِرْعِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وجاءَ تَسْمِيَةُ النَّفْخِ رُوحًا في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ في نارٍ: وأحْيِها بِرُوحِكَ.

و( مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( رُوحٌ ) وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا لا تَبْعِيضِيَّةٌ كَما زَعَمَتِ النَّصارى.

يُحْكى أنَّ طَبِيبًا نَصْرانِيًّا حاذِقًا لِلرَّشِيدِ ناظَرَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ الواقِدِيَّ المَرْوَزِيَّ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لَهُ: إنَّ في كِتابِكم ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُزْءٌ مِنهُ تَعالى، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأ الواقِدِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ فَقالَ: إذَنْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأشْياءِ جُزْءًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ، فَأسْلَمَ، وفَرِحَ الرَّشِيدُ فَرَحًا شَدِيدًا، ووَصَلَ الواقِدِيَّ بِصِلَةٍ فاخِرَةٍ.

وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًا؛ لَأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا بِمَعْنى الرَّحْمَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ عَلى وجْهٍ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ الوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ إلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِالبِشارَةِ، وقِيلَ: جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهم إذا أرادُوا وصْفَ شَيْءٍ بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَكَوِّنًا مِنَ النَّفْخِ لا مِنَ النُّطْفَةِ وُصِفَ بِالرُّوحِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ السِّرُّ، كَما يُقالُ: رُوحُ هَذِهِ المَسْألَةِ كَذا، أيْ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِرٌّ مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى، وآيَةٌ مِن آياتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ ذُو رُوحٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوِ اسْتِعْمالِ الرُّوحِ في مَعْنى ذِي الرُّوحِ، والإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في التَّوْراةِ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلُ اللَّهِ، وعَصاهُ قَضِيبُ اللَّهِ، وأُورْشَلِيمُ بَيْتُ اللَّهِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والعَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( ﴿ ألْقاها ﴾ ) والمَعْنى: ألْقاها اللَّهُ تَعالى وجِبْرِيلَ إلى مَرْيَمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وعَلى العِلّاتِ لا حُجَّةَ لِلنَّصارى عَلى شَيْءٍ مِمّا زَعَمُوا في تَشْرِيفِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِسْبَةِ الرُّوحِ إلَيْهِ؛ إذْ لِغَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُشارَكَةٌ لَهُ في ذَلِكَ، فَفي إنْجِيلِ لُوقا: قالَ يَسُوعُ لِتَلامِيذِهِ: إنَّ أباكُمُ السَّماوِيَّ يُعْطِي رُوحَ القُدُسِ الَّذِينَ يَسْألُونَهُ، وفي إنْجِيلِ مَتّى: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِيَّ امْتَلَأ مِن رُوحِ القُدُسِ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، وفي التَّوْراةِ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَرْ سَبْعِينَ مِن قَوْمِكَ حَتّى أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي عَلَيْكَ، فَيَحْمِلُوا عَنْكَ ثِقَلَ هَذا النَّعْتِ، فَفَعَلَ، فَأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رُوحِهِ فَتَبَنُّوا لِساعَتِهِمْ، وفِيها في حَقِّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يَقُولُ المَلِكُ: هَلْ رَأيْتُمْ مِثْلَ هَذا الفَتى الَّذِي رُوحَ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ حالٌ فِيهِ، وفِيها أيْضًا: إنَّ رُوحَ اللَّهِ تَعالى حَلَّتْ عَلى دانْيالَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولَعَلَّ الرُّوحَ في جَمِيعِ ذَلِكَ أمْرٌ قُدْسِيٌّ وسِرٌّ إلَهِيٌّ، يُفِيضُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ حَسْبَما يَشاءُ، وفي أيِّ وقْتٍ يَشاءُ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ المُبالَغَةِ، عَلى حَدِّ ما قِيلَ فِي: ( زَيْدٌ عَدْلٌ ) ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الرُّوحَ الَّذِي بِهِ الحَياةُ أصْلًا، وقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ بِصُورَةٍ كَما يَظْهَرُ القُرْآنُ بِصُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ، والمَوْتُ بِصُورَةِ الكَبْشِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ ما في إنْجِيلِ مَتّى في تَمامِ الكَلامِ عَلى تَعْمِيدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ يَسُوعَ لَمّا تَعَمَّدَ، وخَرَجَ مِنَ الماءِ انْفَتَحَتْ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ، ونَظَرَ، رُوحُ اللَّهِ تَعالى جاءَتْ لَهُ في صِفَةِ حَمامَةٍ، وإذا بِصَوْتٍ مِنَ السَّماءِ: هَذا ابْنُ الحَبِيبِ الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَهْدِمُ ما يَزْعُمُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَجَسَّدَ بِرُوحِ القُدُسِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وما فِيهِ مِن وصْفِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنُّبُوَّةِ سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الجَوابُ عَنْهُ.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ وخُصُّوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ ﴿ ورُسُلِهِ ﴾ أجْمَعِينَ، ولا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلى ما يَسْتَحِيلُ وصْفُهُ بِهِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ ﴿ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ أيِ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، والمَسِيحُ، ومَرْيَمُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ إذْ مَعْناهُ إلَهَيْنِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُونَ مَعَهُ ثَلاثَةً، وحُكِيَ هَذا التَّقْدِيرُ عَنِ الزَّجّاجِ.

أوِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ثَلاثَةٌ - إنْ صَحَّ عَنْهم - أنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى جَوْهَرٌ واحِدٌ َثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ الذّاتَ أوِ الوُجُودَ، وبِالثّانِي العِلْمَ أيِ الكَلِمَةَ، وبِالثّالِثِ الحَياةَ، كَذا قِيلَ.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النَّصارى اتَّفَقُوا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ بِمَعْنى: قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا مُخْتَصٍّ بِجِهَةٍ، ولا مُقَدَّرٍ بِقَدْرٍ، ولا يَقْبَلُ الحَوادِثَ بِذاتِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ الحُدُوثُ والعَدَمُ، وأنَّهُ واحِدٌ بِالجَوْهَرِيَّةِ ثَلاثَةٌ بِالأُقْنُومِيَّةِ، والأقانِيمُ صِفاتٌ لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ، وهي الوُجُودُ والعِلْمُ والحَياةُ، وعَبَّرُوا عَنِ الوُجُودِ بِالأبِ، والحَياةِ بِرُوحِ القُدُسِ، والعِلْمِ بِالكَلِمَةِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ المَلْكانِيَّةُ أصْحابُ مَلْكا الَّذِي ظَهَرَ بِالرُّومِ واسْتَوْلى عَلَيْها إلى أنَّ الأقانِيمَ غَيْرُ الجَوْهَرِ القَدِيمِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها إلَهٌ، وصَرَّحُوا بِإثْباتِ التَّثْلِيثِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، وأنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ، وتَدَرَّعَتْ بِناسُوتِهِ، وامْتَزَجَتْ بِهِ امْتِزاجَ الماءِ بِالخَمْرِ، وانْقَلَبَتِ الكَثْرَةُ وحْدَةً، وأنَّ المَسِيحَ ناسُوتٌ كُلِّيُّ لا جُزْئِيٌّ، وهو قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، وأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا أزَلِيًّا، مَعَ اخْتِلافِهِمْ في مَرْيَمَ أنَّها إنْسانٌ كُلِّيٌّ أوْ جُزْئِيٌّ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ اتِّحادَ اللّاهُوتِ بِالمَسِيحِ دُونَ مَرْيَمَ، وأنَّ القَتْلَ والصَّلْبَ وقَعَ عَلى النّاسُوتِ واللّاهُوتِ مَعًا، وأطْلَقُوا لَفْظَ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِابْنِ عَلى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وذَهَبَ نُسْطُورُ الحَكِيمُ - في زَمانِ المَأْمُونِ - إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ، والأقانِيمَ الثَّلاثَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ ذاتِهِ ولا نَفْسَ ذاتِهِ، وأنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ لا بِمَعْنى الِامْتِزاجِ بَلْ بِمَعْنى الإشْراقِ، أيْ: أشْرَقَتْ عَلَيْهِ كَإشْراقِ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ عَلى بِلَّوْرٍ.

ومِنَ النُّسْطُورِيَّةِ مَن قالَ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ حَيٌّ ناطِقٌ مَوْجُودٌ، وصَرَّحُوا بِالتَّثْلِيثِ كالمَلْكانِيَّةِ، ومِنهم مِن مَنَعَ ذَلِكَ، ومِنهم مَن أثْبَتَ صِفاتٍ أُخَرَ كالقُدْرَةِ والإرادَةِ ونَحْوَها، لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوها أقانِيمَ، وزَعَمُوا أنَّ الِابْنَ لَمْ يَزَلْ مُتَوَلِّدًا مِنَ الأبِ، وإنَّما تَجَسُّدُهُ وتَوَحُّدُهُ بِجَسَدِ المَسِيحِ حِينَ وُلِدَ، والحُدُوثُ راجِعٌ إلى النّاسُوتِ، فالمَسِيحُ إلَهٌ تامٌّ وإنْسانٌ تامٌّ، وهُما قَدِيمٌ وحادِثٌ، والِاتِّحادُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِقِدَمِ القَدِيمِ ولا لِحُدُوثِ الحادِثِ، وقالُوا: إنَّ الصَّلْبَ ورَدَ عَلى النّاسُوتِ دُونَ اللّاهُوتِ.

وذَهَبَ بَعْضُ اليَعْقُوبِيَّةِ إلى أنَّ الكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا ودَمًا، فَصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ورَوَوْا عَنْ يُوحَنّا الإنْجِيلِيِّ أنَّهُ قالَ في صَدْرِ إنْجِيلِهِ: إنَّ الكَلِمَةَ صارَتْ جَسَدًا، وحَلَّتْ فِينا، وقالَ: في البَدْءِ كانَتِ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى هو الكَلِمَةُ.

ومِنهم مَن قالَ: ظَهَرَ اللّاهُوتُ بِالنّاسُوتِ، بِحَيْثُ صارَ هو هُوَ، وذَلِكَ كَظُهُورِ المَلَكِ في الصُّورَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ .

ومِنهم مَن قالَ: جَوْهَرُ الإلَهِ القَدِيمِ وجَوْهَرُ الإنْسانِ المُحْدَثِ تَرَكَّبا تَرَكُّبَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مَعَ البَدَنِ وصارا جَوْهَرًا واحِدًا، وهو المَسِيحُ، وهو الإلَهُ، ويَقُولُونَ: صارَ الإلَهُ إنْسانًا، وإنْ لَمْ يَصِرِ الإنْسانُ إلَهًا، كَما يُقالُ في الفَحْمَةِ المُلْقاةِ في النّارِ: صارَتْ نارًا، ولا يُقالُ: النّارُ فَحْمَةٌ.

ويَقُولُونَ: إنَّ اتِّحادَ اللّاهُوتِ بِالإنْسانِ الجُزْئِيِّ دُونَ الكُلِّيِّ، وأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، وأنَّ القَتْلَ والصَّلْبَ واقِعٌ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ جَمِيعًا؛ إذْ لَوْ كانَ عَلى أحَدِهِما بَطَلَ الِاتِّحادُ.

ومِنهم مَن قالَ: المَسِيحُ مَعَ اتِّحادِ جَوْهَرِهِ قَدِيمٌ مِن وجْهٍ، مُحْدَثٌ مَن وجْهٍ.

ومِنَ اليَعْقُوبِيَّةِ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ لَمْ تَأْخُذْ مِن مَرْيَمَ شَيْئًا، وإنَّما مَرَّتْ بِها كَمُرُورِ الماءِ بِالمِيزابِ.

ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تُداخِلُ جَسَدَ المَسِيحِ فَتَصْدُرُ عَنْهُ الآياتُ الَّتِي كانَتْ تَظْهَرُ عَنْهُ وتُفارِقُهُ تارَةً فَتُحِلُّهُ الآفاتُ والآلامُ.

ومِنَ النَّصارى مَن زَعَمَ أنَّ مَعْنى اتِّحادِ اللّاهُوتِ بِالنّاسُوتِ ظُهُورُ اللّاهُوتِ عَلى النّاسُوتِ، وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ اللّاهُوتِ إلى النّاسُوتِ شَيْءٌ ولا حَلَّ فِيهِ، وذَلِكَ كَظُهُورِ نَقْشِ الطّابَعِ عَلى الشَّمْعِ والصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ في المِرْآةِ.

ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الوُجُودَ والكَلِمَةَ قَدِيمانِ والحَياةَ مَخْلُوقَةٌ.

ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ، وسَمّاهُ أبًا، وأنَّ المَسِيحَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى وابْنُهُ عَلى طَرِيقِ الِاصْطِفاءِ، وهو مَخْلُوقٌ قَبْلَ العالَمِ، وهو خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها.

وحَكى المُؤَرِّخُونَ وأصْحابُ النَّقْلِ أنَّ أرَيُوسَ أحَدَ كِبارِ النَّصارى كانَ يَعْتَقِدُ هو وطائِفَتُهُ تَوْحِيدَ البارِي، ولا يُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ، ولا يَرى في المَسِيحِ ما يَراهُ النَّصارى، بَلْ يَعْتَقِدُ رِسالَتَهُ، وأنَّهُ مَخْلُوقٌ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، فَفَشَتْ مَقالَتُهُ في النَّصْرانِيَّةِ، فَتَكاتَبُوا واجْتَمَعُوا بِمَدِينَةِ نِيقِيَةَ عِنْدَ المَلِكِ قُسْطَنْطِينَ، وتَناظَرُوا فَشَرَحَ أرَيُوسُ مَقالَتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الإكْصَيْدُرُوسُ بِطْرِيقُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وشَنَّعَ عَلى مَقالَتِهِ عِنْدَ المَلِكِ، ثُمَّ تَناظَرُوا فَطالَ تَنازُعُهُمْ، فَتَعَجَّبَ المَلِكُ مِنِ انْتِشارِ مَقالَتِهِمْ، وكَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ، وقامَ لَهُمُ البُتْرُكُ، وأمَرَهم أنْ يَبْحَثُوا عَنِ القَوْلِ المَرْضِيِّ، فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى شَيْءٍ، فَحَرَّرُوهُ وسَمَّوْهُ بِالأمانَةِ، وأكْثَرُهُمُ اليَوْمَ عَلَيْها، وهِيَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى الواحِدِ الأبِ صانِعِ كَلِّ شَيْءٍ، مالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صانِعِ ما يُرى وما لا يُرى، وبِالرَّبِّ الواحِدِ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، بِكْرِ الخَلائِقِ كُلِّها، الَّذِي وُلِدَ مِن أبِيهِ قَبْلَ العَوالِمِ كُلِّها، ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إلَهٍ حَقٍّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ، وخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِن أجْلِنا مَعاشِرَ النّاسِ ومِن أجْلِ خَلاصِنا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ ومَرْيَمَ، وصارَ إنْسانًا، وحُبِلَ بِهِ، ووُلِدَ مِن مَرْيَمَ البَتُولِ، واتَّجَعَ، وصُلِبَ أيّامَ فِيلاطِسَ، ودُفِنَ، وقامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ كَما هو مَكْتُوبٌ، وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وجَلَسَ عَلى يَمِينِ أبِيهِ، وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِئِ تارَةً أُخْرى لِلْقَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ، ونُؤْمِنُ بِرُوحِ القُدُسِ الواحِدِ رُوحِ الحَقِّ، الَّذِي يَخْرُجُ مِن أبِيهِ، وبِعَمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الخَطايا، والجَماعَةُ واحِدَةٌ قُدْسِيَّةٌ كاطُولِكِيَّةٌ، وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ إلى أبَدِ الآبِدِينَ، انْتَهى.

وهَذِهِ جُمْلَةُ الأقاوِيلِ، وما لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ الأباطِيلِ، وهي مَعَ مُخالَفَتِها لِلْعُقُولِ ومُزاحَمَتِها لِلْأُصُولِ مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَها، ولا مُعَوَّلَ لَهم فِيها غَيْرُ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِهِمْ، والأخْذِ بِظَواهِرِ ألْفاظٍ لا يُحِيطُونَ بِها، عَلى أنَّ ما سَمَّوْهُ أمانَةً لا أصْلَ لَهُ في شَرْعِ الإنْجِيلَ، ولا مَأْخُوذَةً مِن قَوْلِ المَسِيحِ، ولا مِن أقْوالِ تَلامِيذِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ مُتَناقِضٌ مُتَهافِتٌ، يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُعارِضُهُ، ويُناقِضُهُ، وإذْ قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ فاسْتَمِعْ لِما يُتْلى عَلَيْكَ في رَدِّهِمْ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ وتَأْكِيدًا لِإبْطالِ تِلْكَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ.

أمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ بِالمَعْنى المَذْكُورِ فَلا نِزاعَ لَنا مَعَهم فِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى، بَلْ مِن جِهَةِ الإطْلاقِ اللَّفْظِيِّ سَمْعًا، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وأمّا حَصْرُهُمُ الأقانِيمَ في ثَلاثَةٍ؛ صِفَةِ الوُجُودِ وصِفَةِ الحَياةِ وصِفَةِ العِلْمِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ صِفَةَ الوُجُودِ زائِدَةٌ لَوْ طُولِبُوا بِدَلِيلِ الحَصْرِ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا سِوى قَوْلِهِمْ: بَحَثْنا فَلَمْ نَجِدْ غَيْرَ ما ذَكَرْناهُ، وهو غَيْرُ يَقِينِيٍّ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ هو باطِلٌ بِما تَحَقَّقَ في مَوْضِعِهِ مِن وُجُوبِ صِفَةِ القُدْرَةِ والإرادَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، فَإنْ قالُوا: الأقانِيمُ هي خَواصُّ الجَوْهَرِ وصِفاتُ نَفْسِهِ، ومِن حُكْمِها أنْ تَلْزَمَ الجَوْهَرَ ولا تَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الوُجُودِ والحَياةِ إذْ لا تَعَلُّقَ لِوُجُودِ الذّاتِ القَدِيمَةِ وحَياتِها بِغَيْرِها، وكَذَلِكَ العِلْمُ إذِ العِلْمُ مُخْتَصٌّ بِالجَوْهَرِ مِن حَيْثُ هو مَعْلُومٌ بِهِ، وهَذا بِخِلافِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، فَإنَّهُما لا اخْتِصاصَ لَهُما بِالذّاتِ القَدِيمَةِ، بَلْ يَتَعَلَّقانِ بِالغَيْرِ مِمّا هو مَقْدُورٌ ومُرادٌ، والذّاتُ القَدِيمَةُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ ولا مُرادَةٍ، وأيْضًا فَإنَّ الحَياةَ لا تُجْزِئُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الحَيَّ لا يَخْلُو عَنْهُما بِخِلافِ العِلْمِ، فَإنَّهُ قَدْ يَخْلُو عَنْهُ، ولِأنَّهُ يَمْتَنِعُ إجْزاءُ الحَياةِ عَنِ العِلْمِ لِاخْتِصاصِ الحَياةِ بِامْتِناعِ جَرَيانِ المُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ بِخِلافِ العِلْمِ قُلْنا: أمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الوُجُودَ والحَياةَ مُخْتَصَّةٌ بِذاتِ القَدِيمِ ولا تَعَلُّقَ لَهُما بِغَيْرِهِ فَمُسَلَّمٌ، ولَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ العِلْمُ أُقْنُومًا لِتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ ذاتِ القَدِيمِ، إذْ هو مَعْلُومٌ بِهِ، فَلَئِنْ قالُوا: العِلْمُ إنَّما كانَ أُقْنُومًا مِن حَيْثُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِذاتِ القَدِيمِ لا مِن حَيْثُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ فَيَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ البَصَرُ أُقْنُومًا لِتَعَلُّقِهِ بِذاتِ القَدِيمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَرى نَفْسَهُ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، ويَلْزَمْهم مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَقاءُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى أُقْنُومًا لِاخْتِصاصِ البَقاءِ بِنَفْسِهِ وعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، كَما في الوُجُودِ والحَياةِ، فَلَئِنْ قالُوا: البَقاءُ هو نَفْسُ الوُجُودِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ في زَمانِ حُدُوثِهِ باقِيًا، وهو مُحالٌ.

وقَوْلُهُمْ: بِأنَّ الإرادَةَ تُجْزِئُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، إمّا أنْ يُرِيدُوا أنَّ القُدْرَةَ والإرادَةَ نَفْسُ الحَياةِ، أوْ أنَّهُما خارِجَتانِ عَنْها لازِمَتانِ لَها لا تُفارِقانِها، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ نَقَضُوا مَذْهَبَهم حَيْثُ قالُوا: إنَّ الحَياةَ أُقْنُومٌ لِاخْتِصاصِها بِجَوْهَرِ القَدِيمِ، والقُدْرَةُ والإرادَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّتَيْنِ بِذاتِ القَدِيمِ تَعالى، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالمُغايَرَةِ ولا اتِّحادَ مَعَها، وإنْ قالُوا: إنَّها لازِمَةٌ لَها مَعَ المُغايَرَةِ فَهو مَمْنُوعٌ، فَإنَّهُ كَما يَجُوزُ خُلُوُّ الحَيِّ عَنِ العِلْمِ فَكَذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ كَما في حالَةِ النَّوْمِ والإغْماءِ مَثَلًا.

وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ إجْزاءُ الحَياةِ عَنِ العِلْمِ لِاخْتِصاصِ العِلْمِ بِالمُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا تَكُونَ مُجْزِئَةً عَنِ القُدْرَةِ أيْضًا لِاخْتِصاصِها بِهَذا النَّوْعِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ الكَلِمَةَ حَلَّتْ في المَسِيحِ وتَدَرَّعَتْ بِهِ، فَهو باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ امْتِناعُ حُلُولِ صِفَةِ القَدِيمِ في غَيْرِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ القَوْلُ بِحُلُولِ الكَلِمَةِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِحُلُولِ الرُّوحِ، وهي الحَياةُ، ولَئِنْ قالُوا: إنَّما اسْتَدْلَلْنا عَلى حُلُولِ العِلْمِ فِيهِ لِاخْتِصاصِهِ بِعُلُومٍ لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، قُلْنا: أوَّلًا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوى النَّصارى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُئِلَ عَنِ القِيامَةِ فَلَمْ يُجِبْ، وقالَ: لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.

وثانِيًا سَلَّمْنا، لَكِنَّهُ قَدِ اخْتَصَّ عِنْدَكم بِإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وبِأُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ بِزَعْمِكُمْ، والقُدْرَةُ عِنْدَكم في حُكْمِ الحَياةِ إمّا بِمَعْنى أنَّها عَيْنُها أوْ مُلازِمَةٌ لَها، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ بِحُلُولِ الحَياةِ فِيهِ، ولَمْ تَقُولُوا بِهِ.

وأمّا قَوْلُ المَلْكانِيَّةِ بِالتَّثْلِيثِ في الآلِهَةِ، وأنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ إلَهٌ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَقُولُوا: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الإلَهِ تَعالى مِنَ الوُجُودِ والحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، أوْ ألّا يَقُولُوا بِهِ، فَإنْ قالُوا بِهِ فَهو خِلافُ أصْلِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى امْتِناعِ إلَهَيْنِ.

وأيْضًا فَإنَّهم إمّا أنْ يَقُولُوا: بِأنَّ جَوْهَرَ القَدِيمِ أيْضًا إلَهٌ أوْ ألّا يَقُولُوا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ أبْطَلُوا مَذْهَبَهُمْ؛ فَإنَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الثّالُوثِ، وبِقَوْلِهِمْ هَذا يَلْزَمُ التَّرْبِيعُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَجِدُوا إلى الفَرْقِ سَبِيلًا، مَعَ أنَّ جَوْهَرَ القَدِيمِ أصْلٌ والأقانِيمَ صِفاتٌ تابِعَةٌ، فَكانَ أوْلى أنْ يَكُونَ إلَهًا، وإنْ قالُوا بِالثّانِي فَحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى مُنازَعَةٍ لَفْظِيَّةٍ، والمَرْجِعُ فِيها إلى وُرُودِ الشَّرْعِ بِجَوازِ إطْلاقِ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ الكَلِمَةَ امْتَزَجَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ فَيُبْطِلُهُ امْتِناعُ حُلُولِ صِفاتِ القَدِيمِ بِغَيْرِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، ودَعْواهُمُ الِاتِّحادَ مُمْتَنِعَةٌ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ والإلْزامِ، أمّا الأوَّلُ فَإنَّهُما عِنْدَ الِاتِّحادِ إمّا أنْ يُقالَ: بِبَقائِهِما أوْ بِعَدَمِهِما، أوْ بِبَقاءِ أحَدِهِما وعَدَمِ الآخَرِ، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَهُما اثْنانِ كَما كانا، وإنْ كانَ الثّانِي فالواحِدُ المَوْجُودُ غَيْرُهُما، وإنْ كانَ الثّالِثُ فَلا اتِّحادَ لِلْاثِنَيْنِيَّةِ وعَدَمِ أحَدِهِما، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَمِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنَّهُ إذا جازَ اتِّحادُ أُقْنُومِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِالحادِثِ فَما المانِعُ مِنِ اتِّحادِ صِفَةِ الحادِثِ بِالجَوْهَرِ القَدِيمِ، فَلَئِنْ قالُوا: المانِعُ أنَّ اتِّحادَ صِفَةِ الحادِثِ بِالجَوْهَرِ القَدِيمِ يُوجِبُ نَقْصَهُ وهو مُمْتَنِعٌ، واتِّحادَ صِفَةِ القَدِيمِ بِالحادِثِ يُوجِبُ شَرَفَهُ، وشَرَفُ الحادِثِ بِالقَدِيمِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، قُلْنا: فَكَما أنَّ ذاتَ القَدِيمِ تَنْقُصُ بِاتِّحادِ صِفَةِ الحادِثِ بِها فالأُقْنُومُ القَدِيمُ يَنْقُصُ بِاتِّحادِهِ بِالنّاسُوتِ الحادِثِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا.

الثّانِي أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى امْتِناعِ اتِّحادِ أُقْنُومِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِغَيْرِ ناسُوتِ المَسِيحِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ ناسُوتٍ وناسُوتٍ؟!

فَلَئِنْ قالُوا: إنَّما اتَّحَدَ بِالنّاسُوتِ الكُلِّيِّ دُونَ الجُزْئِيِّ رَدَدْناهُ بِما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

الثّالِثُ أنَّ مَذْهَبَهم أنَّ الأقانِيمَ زائِدَةٌ عَلى ذاتِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ، مَعَ اخْتِصاصِها بِهِ، ولَمْ يُوجِبْ قِيامَها بِهِ الِاتِّحادُ، فَأنْ لا يُوجِبَ اتِّحادَ الأُقْنُومِ بِالنّاسُوتِ أوْلى.

الرّابِعُ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ أُقْنُومَ الجَوْهَرِ القَدِيمِ مُخالِفٌ لِلنّاسُوتِ، كَما أنَّ صِفَةَ نَفْسِ الجَوْهَرِ تُخالِفُ نَفْسَ العَرَضِ، وصِفَةَ نَفْسِ العَرَضِ تُخالِفُ الجَوْهَرِ، فَإنْ قالُوا بِجَوازِ اتِّحادِ صِفَةِ الجَوْهَرِ بِالعَرَضِ أوْ صِفَةِ العَرَضِ بِالجَوْهَرِ، حَتّى أنَّهُ يَصِيرُ الجَوْهَرُ في حُكْمِ العَرَضِ، والعَرَضُ في حُكْمِ الجَوْهَرِ فَقَدِ التَزَمُوا مَجالًا مُخالِفًا لِأُصُولِهِمْ.

وإنْ قالُوا بِامْتِناعِ اتِّحادِ صِفَةِ نَفْسِ الجَوْهَرِ بِالعَرَضِ ونَفْسِ العَرَضِ بِالجَوْهَرِ مَعَ أنَّ العَرَضَ والجَوْهَرَ أقْبَلُ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَلِأنْ يَمْتَنِعَ في القَدِيمِ والحادِثِ أوْلى.

وقَوْلُهُمْ: إنَّ المَسِيحَ إنْسانٌ كُلِّيٌّ باطِلٌ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنَّ الإنْسانَ الكُلِّيَّ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِجُزْئِيٍّ دُونَ جُزْئِيٍّ مِنَ النّاسِ، وقَدِ اتَّفَقَتِ النَّصارى أنَّ المَسِيحَ مَوْلُودٌ مِن مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وعِنْدَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يُقالَ أنَّ إنْسانَ مَرْيَمَ أيْضًا كُلِّيٌّ كَما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أوْ جُزْئِيٌّ، فَإنْ كانَ كُلِّيًّا فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ إنْسانِ المَسِيحِ أوْ غَيْرِهِ، فَإنْ كانَ عَيْنَهُ لَزِمَ أنْ يُولَدَ الشَّيْءُ مِن نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، ثُمَّ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ مَرْيَمَ ومَرْيَمُ المَسِيحَ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فالإنْسانُ الكُلِّيُّ ما يَكُونُ عامًّا مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمِيعٍ، وطَبِيعَتُهُ جُزْءٌ مِن مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْسانُ المَسِيحِ بِطَبِيعَتِهِ جُزْءًا مِن مَفْهُومِ إنْسانِ مَرْيَمَ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ كانَ إنْسانُ مَرْيَمَ جُزْئِيًّا فَمِن ضَرُورَةِ كَوْنِ المَسِيحِ مَوْلُودًا عَنْها أنْ يَكُونَ الكُلِّيُّ الصّالِحُ لِاشْتِراكِ الكَثْرَةِ مُنْحَصِرًا في الجُزْئِيِّ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِذاتِهِ وهو مُمْتَنِعٌ.

الثّانِي أنَّ النَّصارى مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ المَسِيحَ كانَ مَرْئِيًّا ومُشارًا إلَيْهِ، والكُلِّيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ.

الثّالِثُ أنَّهم قائِلُونَ: إنَّ الكَلِمَةَ حَلَّتْ في المَسِيحِ إمّا بِجِهَةِ الِاتِّحادِ أوْ لا بِجِهَةِ الِاتِّحادِ، فَلَوْ كانَ المَسِيحُ إنْسانًا كُلِّيًّا لَما اخْتَصَّ بِهِ بَعْضُ أشْخاصِ النّاسِ دُونَ البَعْضِ، ولَما كانَ المَوْلُودُ مِن مَرْيَمَ مُخْتَصًّا بِحُلُولِ الكَلِمَةِ دُونَ غَيْرِهِ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.

الرّابِعُ أنَّ المَلْكانِيَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ، ولَوْ كانَ ناسُوتُ المَسِيحِ كُلِّيًّا لَما تُصُوِّرَ وُقُوعُ الجُزْئِيِّ عَلَيْهِ.

وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ نُسْطُورُ مِنَ أنَّ الأقانِيمَ ثَلاثَةٌ فالكَلامُ مَعَهُ في الحَصْرِ عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ: لَيْسَتْ عَيْنَ ذاتِهِ ولا غَيْرَ ذاتِهِ فَإنْ أرادَ بِذَلِكَ ما أرادَ بِهِ الأشْعَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنَّ الصِّفاتِ لا عَيْنَ ولا غَيْرَ فَهو حَقٌّ، وإنْ أرادَ غَيْرَهُ فَغَيْرُ مَفْهُومٍ، وأمّا تَفْسِيرُهُ العِلْمَ بِالكَلِمَةِ فالنِّزاعُ مَعَهُ في هَذا الإطْلاقِ لَفْظِيٌّ، ثُمَّ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُرِيدَ بِالكَلِمَةِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ أوِ الكَلامَ اللِّسانِيَّ، والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ.

وقَوْلُهُ: إنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِالمَسِيحِ بِمَعْنى أنَّها أشْرَقَتْ عَلَيْهِ لا حاصِلَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرِيدَ بِإشْراقِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو مَفْهُومٌ مِن مِثالِهِ وهُوَ أنْ يَكُونَ مَطْرَحًا لِشُعاعِها عَلَيْهِ، أوْ يُرِيدُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ كَتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِالمَعْلُوماتِ، أوْ يُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتَ شُعاعٍ، وفي جِهَةٍ مِن مَطْرَحِ شُعاعِها، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ جِسْمًا، وأنْ لا تَكُونَ صِفَةً لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ، وهو مُحالٌ.

وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو حَقٌّ غَيْرَ أنَّ تَعَلُّقَ الأُقْنُومِ بِالمَسِيحِ بِهَذا التَّفْسِيرِ لا يَكُونَ خاصَّةً.

وإنْ كانَ الثّالِثَ فَلا بُدَّ مِن تَصْوِيرِهِ لِيَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ.

وأمّا قَوْلُ بَعْضِ النُّسْطُورِيَّةِ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ إلَهٌ حَيٌّ ناطِقٌ فَهو باطِلٌ بِأدِلَّةِ إبْطالِ التَّثْلِيثِ.

وأمّا مَن أثْبَتَ مِنهم لِلَّهِ تَعالى صِفاتٍ أُخَرَ كالقُدْرَةِ والإرادَةِ ونَحْوِهِما فَقَدْ أصابَ، خَلا أنَّ القَوْلَ بِإخْراجِها عَنْ كَوْنِها مِنَ الأقانِيمِ مَعَ أنَّها مُشارِكَةٌ لَها في كَوْنِها مِنَ الصِّفاتِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، والفَرْقُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ باطِلٌ، كَما عَلِمْتَ.

وأمّا قَوْلُهُمُ: المَسِيحُ إنْسانٌ تامٌّ، وإلَهٌ تامٌّ، وهُما جَوْهَرانِ: قَدِيمٌ وحادِثٌ فَطَرِيقُ رَدِّهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّعَرُّضُ لِإبْطالِ كَوْنِ الأُقْنُومِ المُتَّحِدِ بِجَسَدِ المَسِيحِ إلَهًا، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَقُولُوا: بِأنَّ ما اتَّحَدَ بِجَسَدِ المَسِيحِ هو إلَهٌ فَقَطْ، أوْ أنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ إلَهٌ كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المَلْكانِيَّةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ: فَهو مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ الأوْلَوِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مُمْتَنِعٌ أيْضًا لِما تَقَدَّمَ.

الثّانِي أنَّهُ إذا كانَ المَسِيحُ مُشْتَمِلًا عَلى الأُقْنُومِ والنّاسُوتِ الحادِثِ، فَإمّا أنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحادِ أوْ بِحُلُولِ الأُقْنُومِ في النّاسُوتِ أوْ حُلُولِ النّاسُوتِ في الأُقْنُومِ، أوْ أنَّهُ لا حُلُولَ لِأحَدِهِما في الآخَرِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو باطِلٌ بِما سَبَقَ في إبْطال الِاتِّحادِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو باطِلٌ بِما يُبْطِلُ حُلُولَ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ الحادِثِ في القَدِيمِ، وإنْ كانَ الثّالِثَ فَإمّا أنْ يُقالَ بِتَجاوُرِهِما واتِّصالِهِما أوْ لا، فَإنْ قِيلَ بِالأوَّلِ فَإمّا أنْ يُقالَ بِانْفِصالِ الأُقْنُومِ القَدِيمِ عَنِ الجَوْهَرِ الحادِثِ أوْ لا يُقالَ بِهِ، فَإنْ قِيلَ بِالِانْفِصالِ فَهو مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ ما يَدُلُّ عَلى إبْطال انْتِقالِ الصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، الثّانِي أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ قِيامُ صِفَةٍ حالَ مُجاوَرَتِها لِلنّاسُوتِ بِنَفْسِها، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَقِلْ بِانْفِصالِ الأُقْنُومِ عَنِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذاتُ الجَوْهَرِ القَدِيمِ مُتَّصِلَةً بِجَسَدِ المَسِيحِ ضَرُورَةَ اتِّصال أُقْنُومِها بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اتِّحادُ الأُقْنُومِ بِالنّاسُوتِ أوْلى مِنِ اتِّحادِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِهِ، ولَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقُلْ بِتَجاوُرِهِما واتِّصالِهِما فَلا مَعْنى لِلِاتِّحادِ بِجَسَدِ المَسِيحِ، ولَيْسَ القَوْلُ بِالِاتِّحادِ مَعَ عَدَمِ الِاتِّصالِ بِجَسَدِ المَسِيحِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنهُمْ: إنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وإنَّ المَسِيحَ وُلِدَ مِن مَرْيَمَ، وأنَّهُ عَبْدٌ صالِحٌ مَخْلُوقٌ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِتَسْمِيَتِهِ ابْنًا فَهو كَما يَقُولُ المُوَحِّدُونَ ولا خِلافَ مَعَهم في غَيْرِ إطْلاقِ اسْمِ الِابْنِ.

وأمّا قَوْلُ بَعْضِ اليَعْقُوبِيَّةِ: إنَّ الكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا ودَمًا، وصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ فَهو أظْهَرُ بُطْلانًا مِمّا تَقَدَّمَ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ جازَ انْقِلابُ الأُقْنُومِ لَحْمًا ودَمًا مَعَ اخْتِلافِ حَقِيقَتِهِما لَجازَ انْقِلابُ المُسْتَحِيلِ مُمْكِنًا، والمُمْكِنِ مُسْتَحِيلًا، والواجِبِ مُمْكِنًا أوْ مُمْتَنِعًا، والمُمْكِنِ أوِ المُمْتَنِعِ واجِبًا، ولَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ وُثُوقٌ بِشَيْءٍ مِنَ القَضايا البَدِيهِيَّةِ، ولِجازَ انْقِلابُ الجَوْهَرِ عَرَضًا والعَرَضِ جَوْهَرًا، واللَّحْمِ والدَّمِ أُقْنُومًا، والأُقْنُومِ ذاتًا، والذّاتِ أُقْنُومًا، والقَدِيمِ حادِثًا، والحادِثِ قَدِيمًا، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ.

الثّانِي أنَّهُ لَوِ انْقَلَبَ الأُقْنُومُ لَحْمًا ودَمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ الدَّمِ واللَّحْمِ اللَّذَيْنِ كانا لِلْمَسِيحِ أوْ زائِدًا عَلَيْهِ مُنْضَمًّا إلَيْهِ، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ، والثّانِي لَمْ يَقُولُوا بِهِ.

وأمّا ما نُقِلَ عَنْ يُوحَنّا مِن قَوْلِهِ: في البَدْءِ كانَتِ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ هو الكَلِمَةُ، فَهو مِمّا انْفَرَدَ بِهِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِنَ الأناجِيلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: الدِّينارُ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ، والصَّيْرَفِيُّ هو الدِّينارُ، ولا يَكادُ يَتَفَوَّهُ بِهِ عاقِلٌ، وكَذا قَوْلُهُ: إنَّ الكَلِمَةَ صارَتْ جَسَدًا وحَلَّتْ فِينا غَيْرُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ أيْ: إنَّ الجَسَدَ الَّذِي صارَ بِالتَّسْمِيَةِ كَلِمَةً حَلَّ فِينا، وعَنى بِذَلِكَ الجَسَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى بُطْرُسَ كَبِيرِ التَّلامِيذِ، ووَصِيِّ المَسِيحِ، فَإنَّهُ أقامَ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْبِيرِ دِينِهِ، وكانَتِ النَّصارى تَفْزَعُ إلَيْهِ عَلى ما تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ ذَهَبَتِ الكَلِمَةُ أيْ: عِيسى الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن بَيْنِنا فَإنَّها لَمْ تَذْهَبْ حَتّى صارَتْ جَسَدًا وحَلَّ فِينا، يُرِيدُ أنَّ تَدْبِيرَها حاضِرٌ في جَسَدٍ بَيْنَنا، وهو بُطْرُسُ.

ومِنَ النّاسِ مَن خَرَّجَ كَلامَهُ عَلى إسْقاطِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عِنْدَ إخْراجِهِ مِنَ العِبْرانِيِّ إلى اللِّسانِ العَرَبِيِّ، والمُرادُ: أصارَتْ، وفِيهِ بُعْدٌ.

ومِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنَّ يُوحَنّا ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِتَلامِيذِهِ: إنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدِي وتَشْرَبُوا دَمِي فَلا حَياةَ لَكم بَعْدِي؛ لِأنَّ جَسَدِي مَأْكَلُ حَقٍّ، ودَمِي مَشْرَبُ حَقٍّ، ومَن يَأْكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وأثْبُتْ فِيهِ، فَلَمّا سَمِعَ تَلامِيذُهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ قالُوا: ما أصْعَبَها!

مَن يُطِيقُ سَماعَها؟!

فَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنهم عَنْ صُحْبَتِهِ، فَإنَّ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ صارَتْ جَسَدًا في غايَةِ الإشْكالِ؛ إذْ فِيهِ أمْرُ الحادِثِ بِأكْلِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ الأزَلِيِّ وشُرْبِهِ، والحَقُّ أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَلامَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ، فَلا نَتَحَمَّلُ مُؤْنَةَ التَّأْوِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللّاهُوتَ ظَهَرَ بِالنّاسُوتِ فَصارَ هو هُوَ، فَإمّا أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّ اللّاهُوتَ صارَ عَيْنَ النّاسُوتِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ: صارَ هو هُوَ، فَيَرْجِعُ إلى تَجْوِيزِ انْقِلابِ الحَقائِقِ، وهو مُحالٌ كَما عَلِمْتَ، وإمّا أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّ اللّاهُوتَ اتَّصَفَ بِالنّاسُوتِ فَهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِما ثَبَتَ مِنِ امْتِناعِ حُلُولِ الحادِثِ بِالقَدِيمِ، أوْ أنَّ النّاسُوتَ اتَّصَفَ بِاللّاهُوتِ وهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِامْتِناعِ حُلُولِ القَدِيمِ بِالحادِثِ.

وأمّا مَن قالَ مِنهُمْ: بِأنَّ جَوْهَرَ الإلَهِ القَدِيمِ وجَوْهَرَ الإنْسانِ المُحْدَثِ تَرَكَّبا وصارا جَوْهَرًا واحِدًا هو المَسِيحُ فَباطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ ما ذُكِرَ مِن إبْطالِ الِاتِّحادِ.

الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النّاسُوتِ لاهُوتًا بِتَرَكُّبِهِ مَعَ اللّاهُوتِ أوْلى مِن جَعْلِ اللّاهُوتِ ناسُوتًا مِن جِهَةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ النّاسُوتِ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، وأمّا جَوْهَرُ الفَحْمَةِ إذا أُلْقِيَتْ في النّارِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ صارَ بِعَيْنِهِ جَوْهَرَ النّارِ، بَلْ صارَ مُجاوِرًا لِجَوْهَرِ النّارِ، وغايَتُهُ أنَّ بَعْضَ صِفاتِ جَوْهَرِ الفَحْمَةِ وأعْراضِها بَطَلَتْ بِمُجاوَرَةِ جَوْهَرِ النّارِ، أمّا أنَّ جَوْهَرَ أحَدِهِما صارَ جَوْهَرَ الآخَرِ فَلا.

وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الِاتِّحادَ بِالنّاسُوتِ الجُزْئِيِّ دُونَ الكُلِّيِّ فَمُحالٌ لِأدِلَّةِ إبْطالِ الِاتِّحادِ وحُلُولِ القَدِيمِ بِالحادِثِ، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلَهُمْ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، وقَوْلُهُمُ: القَتْلُ وقَعَ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ مَعًا عَلى أنَّهُ يُوجِبُ مَوْتَ الإلَهِ وهو بَدِيهِيُّ البُطْلانِ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَسِيحَ مَعَ اتِّحادِ جَوْهَرِهِ قَدِيمٌ مِن وجْهٍ، مُحْدَثٌ مِن وجْهٍ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جَوْهَرُ المَسِيحِ مُتَّحِدًا لا كَثْرَةَ فِيهِ فالحُدُوثُ إمّا أنْ يَكُونَ لِعَيْنِ ما قِيلَ بِقِدَمِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو مُحالٌ، وإلّا لَكانَ الشَّيْءُ الواحِدُ قَدِيمًا لا أوَّلَ لَهُ، حادِثًا لَهُ أوَّلُ وهو مُتَناقِضٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو خِلافُ المَفْرُوضِ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ مَرَّتْ بِمَرْيَمَ كَمُرُورِ الماءِ في المِيزابِ فَيَلْزَمُ مِنهُ انْتِقالُ الكَلِمَةِ، وهو مُمْتَنِعٌ كَما لا يَخْفى، وبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تَدْخُلُ جَسَدَ المَسِيحِ تارَةً وتُفارِقُهُ أُخْرى.

وقَوْلُهُمْ: إنَّ ما ظَهَرَ مِن صُورَةِ المَسِيحِ في النّاسُوتِ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا بَلْ خَيالًا كالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ في المِرْآةِ باطِلٌ؛ لِأنَّ مِن أصْلِهِمْ أنَّ المَسِيحَ إنَّما أحْيا المَيِّتَ وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِما فِيهِ مِنَ اللّاهُوتِ، فَإذًا كانَ ما ظَهَرَ فِيهِ مِنَ اللّاهُوتِ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هو خَيالٌ مَحْضٌ لا يَصْلُحُ لِحُدُوثِ ما حَدَثَ عَنِ الإلَهِ عَنْهُ.

والقَوْلُ بِأنَّ أُقْنُومَ الحَياةِ مَخْلُوقٌ حادِثٌ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى قِدَمِ الصِّفاتِ، فَهو قَدِيمٌ أزَلِيٌّ كَيْفَ وأنَّهُ لَوْ كانَ حادِثًا لَكانَ الإلَهُ قَبْلَهُ غَيْرَ حَيٍّ؟!

ومَن لَيْسَ بِحَيٍّ لا يَكُونُ عالِمًا ولا ناطِقًا.

وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَسِيحَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ العالَمِ وهو خالِقٌ لِكُلِّ شَيْءٍ باطِلٌ؛ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ كانَ اللَّهُ تَعالى ولا شَيْءَ غَيْرُهُ.

وأمّا الأمانَةُ الَّتِي هم بِها مُتَقَرِّبُونَ وبِما حَوَتْهُ مُتَعَبِّدُونَ فَبَيانُ اضْطِرابِها وتَناقُضِها وتَهافُتِها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُمْ: نُؤْمِنُ بِالواحِدِ الأبِ صانِعِ كُلِّ شَيْءٍ يُناقِضُ قَوْلَهُمْ: وبِالرَّبِّ الواحِدِ المَسِيحِ إلَخْ، مُناقِضَةً لا تَكادُ تَخْفى.

الثّانِي أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ تَعالى بِكْرُ الخَلائِقِ مُشْعِرٌ بِحُدُوثِ المَسِيحِ؛ إذْ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ ابْنَهُ إلّا تَأخُّرُهُ عَنْهُ، إذِ الوالِدُ والوَلَدُ لا يَكُونانِ مَعًا في الوُجُودِ، وكَوْنُهُما مَعًا مُسْتَحِيلٌ بِبَداهَةِ العُقُولِ؛ لِأنَّ الأبَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ ولَدَ ولَدًا لَمْ يَزَلْ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ قالُوا: ولَدَ ولَدًا لَمْ يَزَلْ، قُلْنا: فَما ولَدَ شَيْئًا، إذِ الِابْنُ لَمْ يَزَلْ، وإنْ ولَدَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فالوَلَدُ حادِثٌ مَخْلُوقٌ، وذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِمْ: إلَهٌ حَقٌّ، مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، وأنَّهُ أتْقَنَ العَوالِمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

الثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ يُناقِضُهُ قَوْلُ المَسِيحِ في الإنْجِيلِ - وقَدْ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ - فَقالَ: لا أعْرِفُهُ ولا يَعْرِفُهُ إلّا الأبُ وحْدَهُ، فَلَوْ كانَ مِن جَوْهَرِ الأبِ لَعَلِمَ ما يَعْلَمُهُ الأبُ، عَلى أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ إلَهٌ ثانٍ مِن إلَهٍ أوَّلَ لَجازَ أنْ يَكُونَ إلَهٌ ثالِثٌ مِن إلَهٍ ثانٍ، ولَما وقَفَ الأمْرُ عَلى غايَةٍ، وهو مِحالٌ.

الرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ أتْقَنَ العَوالِمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ باطِلٌ مُكَذِّبٌ لِما في الإنْجِيلِ؛ إذْ يَقُولُ مَتّى: هَذا مَوْلِدُ يَسُوعَ المَسِيحِ بْنِ داوُدَ، وأيْضًا خالِقُ العالَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سابِقًا عَلَيْهِ، وأنّى بِسَبْقِ المَسِيحِ وقَدْ ولَدَتْهُ مَرْيَمُ ؟!

وأيْضًا في الإنْجِيلِ: إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِلْمَسِيحِ: اسْجُدْ لِي وأُعْطِيَكَ جَمِيعَ العالَمِ، وأُمَلِّكَكَ كُلَّ شَيْءٍ، ولا زالَ يَسْحَبُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ، ويَطْمَعُ في تَعَبُّدِهِ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ العالَمِ مَحْصُورًا في يَدِ بَعْضِ العالَمِ؟!

نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلالَةِ.

الخامِسُ أنَّ قَوْلَهُمُ: المَسِيحُ الإلَهُ الحَقُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لِخَلاصِ النّاسِ، وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ وصارَ إنْسانًا وحُبِلَ بِهِ ووُلِدَ فِيهِ عِدَّةُ مَفاسِدَ: مِنها أنَّ المَسِيحَ لا يَخُصُّ مُجَرَّدَ الكَلِمَةِ ولا مُجَرَّدَ الجَسَدِ، بَلْ هو اسْمٌ يَخُصُّ هَذا الجَسَدَ الَّذِي ولَدَتْهُ مَرْيَمُ - عَلَيْها السَّلامُ - ولَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ في الأزَلِ مَسِيحًا، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.

ومِنها أنَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الكَلِمَةَ أوِ النّاسُوتَ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ هو النّاسُوتُ فَكَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ ناسُوتَهُ مِن مَرْيَمَ، وإنْ زَعَمُوا أنَّهُ اللّاهُوتُ فَيُقالُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الذّاتَ أوِ العِلْمَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ لُحُوقُ النَّقائِصِ لِلْبارِي عَزَّ اسْمُهُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ لَزِمَ انْتِقالُ الصِّفَةِ وبَقاءُ البارِي بِلا عِلْمٍ، وذَلِكَ باطِلٌ.

ومِنها أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّما نَزَلَ لِخَلاصِ مَعْشَرِ النّاسِ يُرِيدُونَ بِهِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَصى أوْثَقَ سائِرَ ذُرِّيَّتِهِ في حِبالَةِ الشَّيْطانِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الخُلُودَ في النّارِ، فَكانَ خَلاصُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ والتَّنْكِيلِ بِهِ، وذَلِكَ دَعْوى لا دَلالَةَ عَلَيْها، هَبْ أنّا سَلَّمْناها لَهُمْ، لَكِنْ يُقالُ: أخْبِرُونا مِمَّ هَذا الخَلاصُ الَّذِي تَعَنّى الإلَهُ الأزَلِيُّ لَهُ؟

وفَعَلَ ما فَعَلَ بِنَفْسِهِ لِأجْلِهِ؟

ولِمَ خَلَّصَكُمْ؟

ومِمَّنْ خَلَّصَكُمْ؟

وكَيْفَ اسْتَقَلَّ بِخَلاصِكم دُونَ الأبِ والرُّوحِ، والرُّبُوبِيَّةُ بَيْنَهُمْ؟!

وكَيْفَ ابْتُذِلَ وامْتُهِنَ في خَلاصِكم دُونَ الأبِ والرُّوحِ؟!

فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الخَلاصَ مِن تَكالِيفِ الدُّنْيا وهُمُومِها أكْذَبَهُمُ الحِسُّ، وإنْ كانَ مِن تَكالِيفِ الشَّرْعِ وأنَّهم قَدْ حُطَّ عَنْهُمُ الصَّلاةُ والصَّوْمُ مَثَلًا أكْذَبَهُمُ المَسِيحُ والحَوارِيُّونَ بِما وضَعُوهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ، وإنْ زَعَمُوا أنَّهم قَدْ خَلَصُوا مِن أحْكامِ الدّارِ الآخِرَةِ فَمَنِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا مِنهم لَمْ يُؤاخَذْ أكْذَبَهُمُ الإنْجِيلُ والنُّبُوّاتُ؛ إذْ يَقُولُ المَسِيحُ في الإنْجِيلِ: إنِّي أُقِيمُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ يَمِينِي وشِمالِي فَأقُولُ لِأهْلِ اليَمِينِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا فاذْهَبُوا إلى النَّعِيمِ المُعَدِّ لَكم قَبْلَ تَأْسِيسِ الدُّنْيا، وأقُولُ لِأهْلِ الشِّمالِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، فاذْهَبُوا إلى العَذابِ المُعَدِّ لَكم قَبْلَ تَأْسِيسِ العالَمِ.

السّادِسُ أنَّ قَوْلَهُمْ: وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ باطِلٌ بِنَصِّ الإنْجِيلِ؛ إذْ يَقُولُ مَتّى في الفَصْلِ الثّانِي مِنهُ: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِيَّ حِينَ عَمَّدَ المَسِيحَ جاءَتْ رُوحُ القُدُسِ إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ في صِفَةِ حَمامَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثِينَ مِن عُمُرِهِ.

السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ المَسِيحَ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحَمَلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وسَكَنَ في رَحِمَها مُكَذَّبٌ بِقَوْلِ لُوقا الإنْجِيلِيِّ إذْ يَقُولُ في قَصَصِ الحَوارِيِّينَ في الفَصْلِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ بِما فِيهِ، وهو رَبُّ السَّماءِ والأرْضِ، لا يَسْكُنُ الهَياكِلَ، ولا تَنالُهُ أيْدِي الرِّجالِ، ولا يَحْتاجُ إلى أيِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي أعْطى النّاسَ الحَياةَ، فَوُجُودُنا بِهِ وحَياتُنا وحَرَكاتُنا مِنهُ، فَقَدْ شَهِدَ لُوقا بِأنَّ البارِيَ وصِفاتِهِ لا تَسْكُنُ الهَياكِلَ ولا تَنالُهُ الرِّجالُ بِأيْدِيها، وهَذا يُنافِي كَوْنَ الكَلِمَةِ سَكَنَتْ في هَيْكَلِ مَرْيَمَ، وتَحَوَّلَتْ إلى هَيْكَلِ المَسِيحِ.

الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ قُتِلَ وصُلِبَ قامَ مِن بَيْنِ الأمْواتِ وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أبِيهِ مِنَ الكَذِبِ الفاحِشِ المُسْتَلْزِمِ لِلْحُدُوثِ.

التّاسِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ هَذا الرَّبُّ الَّذِي صُلِبَ وقُتِلَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: لَألْفَيَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ تَنْدُبُنِي وفي حَياتِي ما زَوَّدْتَنِي زادا إذْ زَعَمُوا أنَّهُ في المَرَّةِ الأُولى عَجَزَ عَنْ خَلاصِ نَفْسِهِ حَتّى تَمَّ عَلَيْهِ مِن أعْدائِهِ ما تَمَّ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلى خَلاصِهِمْ بِجُمْلَتِهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.

العاشِرُ أنَّ قَوْلَهُمْ: ونُؤْمِنُ بِمَعْمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ فِيهِ مُناقَضَةٌ لِأُصُولِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اعْتِقادَ النَّصارى أنَّهُ لَمْ تُغْفَرْ خَطاياهم بِدُونِ قَتْلِ المَسِيحِ ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ جَمَلَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الخَطايا، ودَعَوْهُ مُخَلِّصَ العالَمِ مِنَ الخَطِيئَةِ، فَإذا آمَنُوا بِأنَّ المَعْمُودِيَّةَ الواحِدَةَ هي الَّتِي تَغْفِرُ خَطاياهم وتُخَلِّصُ مِن ذُنُوبِهِمْ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِ المَسِيحِ لِاسْتِقْلالِ المَعْمُودِيَّةِ بِالخَلاصِ والمَغْفِرَةِ، فَإنْ كانَ التَّعْمِيدُ كافِيًا لِلْمَغْفِرَةِ فَقَدِ اعْتَرَفُوا أنَّ وُقُوعَ القَتْلِ عَبَثٌ، وإنْ كانَتْ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَتْلِهِ فَما فائِدَةُ التَّعْمِيدِ، وما هَذا الإيمانُ؟!

فَهَذِهِ عَشَرَةُ وُجُوهٍ كامِلَةٍ في رَدِّ تِلْكَ الأمانَةِ، وإظْهارِ ما لَهم فِيها مِنَ الخِيانَةِ، ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ رَدَّها بِأضْعافِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو الفَضْلِ المالِكِيُّ بَعْدَ كَلامٍ: بَطَلَتْ أمانَتُهم فَمِن مَضْمُونِها ∗∗∗ ظَهَرَتْ خِيانَتُها خِلالَ سُطُورِها بَدَأُوا بِتَوْحِيدِ الإلَهِ وأشْرَكُوا ∗∗∗ عِيسى بِهِ فالخُلْفُ في تَعْبِيرِها قالُوا بِأنَّ إلَهَهم عِيسى الَّذِي ∗∗∗ ذَرَّ الوُجُودَ عَلى الخَلِيقَةِ كُلِّها خَلَقَ أُمَّهُ قَبْلَ الحُلُولِ بِبَطْنِها ∗∗∗ ما كانَ أغْنى ذاتِهِ عَنْ مِثْلِها هَلْ كانَ مُحْتاجًا لِشُرْبِ لِبانِها ∗∗∗ أوْ أنْ يُرَبّى في مَواطِنِ حِجْرِها جَعَلُوهُ رَبًّا جَوْهَرًا مِن جَوْهَرٍ ∗∗∗ ذَهَبُوا لِما لا يَرْتَضِيهِ أُولُو النُّهى قالُوا وجاءَ مِنَ السَّماءِ عِنايَةً ∗∗∗ لِخَلاصِ آدَمَ مِن لَظاهُ وحَرِّها قَدْ تابَ آدَمُ تَوْبَةً مَقْبُولَةَ ∗∗∗ فَضَلالُهم جَعَلَ الفِداءَ بِغَيْرِها لَوْ جاءَ في ظُلَلِ الغَمامِ وحَوْلَهُ ∗∗∗ شَرَفًا مَلائِكَةُ السَّماءِ بِأسْرِها وفَدى الَّذِي بِيَدَيْهِ أحْكَمَ طِينَهُ ∗∗∗ بِالعَفْوِ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ وسَتْرِها ثُمَّ اجْتَباهُ مُحَبَّبًا ومُفَضَّلًا ∗∗∗ ووَقاهُ مِن غَيِّ النُّفُوسِ وشَرِّها كُنْتُمْ تُحِلُّونَ الإلَهَ مَقامَهُ ∗∗∗ فِيما تَراهُ نُفُوسُكم مِن شِرْكِها مِن غَيْرِ أنْ يَحْتاجَ في تَخْلِيصِهِ ∗∗∗ كُلُّ الخَلائِقِ أنْ تَبُوءَ بِضُرِّها ويُشِينُهُ الأعْدا بِما لا يَرْتَضِي ∗∗∗ مِن كَيْدِها وبِما دَهى مِن مَكْرِها هَذِي أمانَتُهم وهَذا شَرْحُها ∗∗∗ اللَّهُ أكْبَرُ مِن مَعانِي كُفْرِها ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لِلنَّصارى القائِلِينَ بِالتَّثْلِيثِ بِما رُوِيَ عَنْ مَتّى التِّلْمِيذِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَسِيحَ عِنْدَما ودَّعَهم قالَ: اذْهَبُوا وعَمِّدُوا الأُمَمَ بِاسْمِ الرَّبِّ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، ومِن هُنا جَعَلُوا مُفْتَتَحَ الإنْجِيلِ ذَلِكَ، كَما أنَّ مُفْتَتَحَ القُرْآنِ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضٍ مِنّا أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ كالبَسْمَلَةِ عِنْدَنا؛ لِأنّا نَقُولُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ - ودُونَها خَرْطُ القَتادِ -: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأبِ المَبْدَأُ؛ فَإنَّ القُدَماءَ كانُوا يُسَمُّونَ المَبادِيَ بِالآباءِ، ومِنَ الِابْنِ الرَّسُولُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا وإكْرَمًا كَما سُمِّيَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلًا، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم يُسَمُّونَ الآثارَ أبْناءً، وقَدْ رَوَوْا عَنِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمْ، وقالَ: لا تُعْطُوا صَدَقاتِكم قُدّامَ النّاسِ لِتُراءُوهُمْ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ لَكم أجْرٌ عِنْدَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ.

ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الِابْنَ بِمَعْنى الحَبِيبِ أوْ نَحْوِهِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رَوَوْهُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَقِيبَ وصِيَّةٍ وصّى بِها الحَوارِيِّينَ: لِكَيْ تَكُونُوا أبْناءَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ وتَكُونُوا تامِّينَ كَما أنَّ أباكُمُ الَّذِي في السَّماءِ تامٌّ، ويُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَعْنى عَمِّدُوا بِبَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمَلَكِ المُؤَيِّدِ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى تَبْلِيغِ أوامِرِ رَبِّهِمْ.

وفِي كَشْفِ الغَيْنِ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ البَسْمَلَتَيْنِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ النّابُلُسِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ بَسْمَلَةَ النَّصارى مُشِيرَةٌ إلى ثَلاثِ حَضَراتٍ لِلْأمْرِ الإلَهِيِّ الواحِدِ الأحَدِ الغَيْبِ المُطْلَقِ، فالأبُ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو أوَّلُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، كَما في الخَبَرِ، وهو المُسَمّى بِالعَقْلِ والقَلَمِ والحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُقالُ: رُوحُ اللَّهِ تَعالى؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، كَناقَةِ اللَّهِ تَعالى، ورُوحُ القُدُسِ إشارَةً إلَيْهِ أيْضًا، بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ بِصُورَةِ البَشَرِ السَّوِيِّ النّافِخِ في دِرْعِ مَرْيَمَ، عَلَيْها السَّلامُ.

والِابْنُ إشارَةٌ إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ابْنٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ بِاعْتِبارِ أنَّ تَكَوُّنَهُ بِسَبَبِ نَفْخِهِ.

والأبُ هو الِابْنُ، والِابْنُ هو رُوحُ القُدُسِ في الحَقِيقَةِ، والغَيْبُ المُطْلَقُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هو لا شَيْءَ مَعَهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ، فَبَسْمَلَةُ الإنْجِيلِ مِن مَقامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ والأسْماءِ الرَّبّانِيَّةِ لا مِن مَقامِ الذّاتِ الأقْدَسِيَّةِ.

ثُمَّ لا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أنَّ كَلِماتِ سادَتِنا الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم - تُدَنْدِنُ حَوْلَ كَلِماتِ النَّصارى، كَما يَزْعُمُهُ مَن لا اطِّلاعَ لَهُ عَلى تَحْقِيقِ كَلامِهِمْ ولا ذَوْقَ لَهُ في مَشْرَبِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ - مُبَرَّءُونَ عَمّا نَسَبَهُ المَحْجُوبُونَ إلَيْهِمْ مِنِ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ والعَيْنِيَّةِ والِاتِّحادِ والحُلُولِ.

أمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالتَّجْسِيمِ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المَحْضُ، المَوْجُودُ بِذاتِهِ، القائِمُ بِذاتِهِ، المُتَعَيِّنُ بِذاتِهِ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو صُورَةٌ في الوُجُودِ المُنْبَسِطِ عَلى الحَقائِقِ، المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالعَماءِ، مُتَعَيِّنَةٌ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِ ماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ ولا شَيْءَ مِنَ الوُجُودِ المُجَرَّدِ مِنَ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ بِالصُّورَةِ المُتَعَيَّنَةِ في الوُجُودِ المُنْبَسِطِ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ فَلا شَيْءَ مِنَ الجِسْمِ بِالوُجُودِ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ، وتَنْعَكِسُ إلى لا شَيْءَ مِنَ الوُجُودِ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ وهو المَطْلُوبُ.

وأمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالعَيْنِيَّةِ؛ فَلِأنَّ الحَقَّ تَعالى هو ما عَلِمْتَ مِنَ الوُجُودِ المَحْضِ إلَخْ، والمَخْلُوقُ هو الصُّورَةُ الظّاهِرَةُ في الوُجُودِ، المُنْبَسِطُ عَلى الحَقائِقِ، المُتَعَيَّنُ بِحَسَبِ ماهِيَّتِهِ المَعْدُومَةِ، ولا شَيْءَ مِنَ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ بِالمُقْتَرِنِ بِالماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِحَسَبِها، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ الثّامِنِ والخَمْسِينَ وخَمْسِمِائَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ في حَضْرَةِ البَدِيعِ بَعْدَ بَسْطٍ: وهَذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ العالَمَ ما هو عَيْنُ الحَقِّ، وإنَّما ظَهَرَ في الوُجُودِ الحَقِّ، إذْ لَوْ كانَ عَيْنَ الحَقِّ ما صَحَّ كَوْنُهُ بَدِيعًا.

وقَوْلُهُ في هَذا البابِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ انْفَرَدَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِها ونَفى العِلْمَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَأثْبَتَكَ في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَكَ أنَّكَ لَسْتَ هُوَ؛ إذْ لَوْ كُنْتَ هو لَعَلِمْتَ مَفاتِحَ الغَيْبِ بِذاتِكَ وما لا تَعْلَمُهُ إلّا بِمَوْقِفٍ فَلَسْتَ عَيْنَ المَوْقِفِ، وكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ إسْماعِيلُ بْنُ سُودِكِينَ في شَرْحِ التَّجَلِّياتِ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا: لَمّا ظَهَرَتِ المُمَكَّناتُ بِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى لَها وتَحَقَّقَ ذَلِكَ تَحَقُّقًا لا يُمْكِنُ لِلْمُمَكَّنِ أنْ يُزِيلَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ أبَدًا فَبَقِيَ مُتَواضِعًا لِكِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى خاشِعًا لَهُ، وهَذِهِ سَجْدَةُ الأبَدِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِحَقِيقَتِهِ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ««كُنْتُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ»» الحَدِيثَ، ولَمّا لاحَ مِن هَذا المَشْهَدِ لِبَعْضِ الضُّعَفاءِ لائِحٌ قالَ: أنا الحَقُّ، فَسَكِرَ وصاحَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ لِغَيْبَتِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، انْتَهى.

وأمّا أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالِاتِّحادِ؛ فَلِأنَّ الِاتِّحادَ إمّا بِصَيْرُورَةِ الوُجُودِ المَحْضِ المُجَرَّدِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ وجُودًا مُقْتَرِنًا بِالماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ مُتَعَيَّنًا بِحَسَبِها أوْ بِالعَكْسِ، وذَلِكَ مُحالٌ بِوَجْهَيْهِ؛ لِأنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الماهِيَّةِ ذاتِيٌّ لِلْحَقِّ تَعالى، والِاقْتِرانَ بِها ذاتِيٌّ لِلْمُمَكَّنِ، وما بِالذّاتِ لا يَزُولُ.

وفِي كِتابِ المَعْرِفَةِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ: إذا كانَ الِاتِّحادُ مُصَيِّرَ الذّاتَيْنِ واحِدَةً فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ عَيْنُ كُلٍّ مِنهُما مَوْجُودًا في حالِ الِاتِّحادِ فَهُما ذاتانِ، وإنْ عُدِمَتِ العَيْنُ الواحِدَةُ وثَبَتَتِ الأُخْرى فَلَيْسَتْ إلّا واحِدَةً.

وقالَ في كِتابِ الياءِ - وهو كِتابُ الهَوِّ -: الِاتِّحادُ مُحالٌ، وساقَ الكَلامَ، إلى أنْ قالَ: فَلا اتِّحادَ البَتَّةَ لا مِن طَرِيقِ المَعْنى، ولا مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ.

وقالَ في البابِ الخامِسِ مِنَ الفُتُوحاتِ خِطابًا مِنَ الحَقِّ تَعالى لِلرُّوحِ الكُلِّيِّ: وقَدْ حَجَبْتُكِ عَنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ إمْدادِي لَكِ بِالأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إذْ لا طاقَةَ لَكِ بِحَمْلِ مُشاهَدَتِها، إذْ لَوْ عَرَفْتِها لا تَحْدُثُ الإنْيَةُ واتِّحادُ الإنْيَةِ مُحالٌ، فَمُشاهَدَتُكِ لِذَلِكَ مُحالٌ، هَلْ تَرْجِعُ إنْيَةُ المُرَكَّبِ إنْيَةَ البَسِيطِ، لا سَبِيلَ إلى قَلْبِ الحَقائِقِ.

وأمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالحُلُولِ؛ فَلِأنَّهم فَسَّرُوا الحُلُولَ تارَةً بِأنَّهُ الحُصُولُ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، وتارَةً بِأنَّهُ كَوْنُ المَوْجُودِ في مَحَلٍّ قائِمًا بِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الواجِبَ تَعالى - وهو الوُجُودُ المَحْضُ القائِمُ بِذاتِهِ المُتَعَيَّنُ كَذَلِكَ - يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ القِيامُ بِغَيْرِهِ.

قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الثّانِي والتِّسْعِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ الفُتُوحاتِ: نُورُ الشَّمْسِ إذا تَجَلّى في البَدْرِ يُعْطِي مِنَ الحِكَمِ ما لا يُعْطِيهِ مِنَ الحِكَمِ بِغَيْرِ البَدْرِ لا شَكَّ في ذَلِكَ، كَذَلِكَ الِاقْتِدارُ الإلَهِيُّ إذا تَجَلّى في العَبْدِ يُظْهِرُ الأفْعالَ عَنِ الخَلْقِ، فَهو وإنْ كانَ بِالِاقْتِدارِ الإلَهِيِّ لَكِنْ يَخْتَلِفُ الحُكْمُ؛ لِأنَّهُ بِواسِطَةِ هَذا المُجَلّى الَّذِي كانَ مِثْلَ المِرْآةِ لِتَجَلِّيهِ، وكَما يُعْلَمُ عَقْلًا أنَّ القَمَرَ في نَفْسِهِ لَيْسَ فِيهِ مِن نُورِ الشَّمْسِ شَيْءٌ، وأنَّ الشَّمْسَ ما انْتَقَلَتْ إلَيْها بِذاتِها وإنَّما كانَ لَها مُجَلًّى، كَذَلِكَ العَبْدُ لَيْسَ فِيهِ مِن خالِقِهِ شَيْءٌ ولا حَلَّ فِيهِ، وإنَّما هو مُجَلًّى لَهُ وخاصَّةٌ ومَظْهَرٌ لَهُ، انْتَهى.

وهَذا نَصٌّ في نَفْيِ الحُلُولِ، ومَنشَأُ غَلَطِ المَحْجُوبِينَ المُنْكِرِينَ عَدَمُ الفَهْمِ لِكَلامِ هَؤُلاءِ السّادَةِ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ - عَلى وجْهِهِ، وعَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحُلُولِ والتَّجَلِّي، ولَمْ يَعْمَلُوا أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُجَلّى لِشَيْءٍ لَيْسَ كَوْنَهُ مُحِلًّا لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ في المِرْآةِ خارِجٌ عَنِ المِرْآةِ بِذاتِهِ قَطْعًا بِخِلافِ الحالِّ في مَحَلٍّ فَإنَّهُ حاصِلٌ فِيهِ، فالظُّهُورُ غَيْرُ الحُلُولِ فَإنَّ الظُّهُورَ في المَظاهِرِ لِلْواسِعِ القُدُّوسِ يُجامِعُ التَّنْزِيهَ بِخِلافِ الحُلُولِ، نَعَمْ، وقَعَ في كَلامِهِمُ التَّعْبِيرُ بِالحُلُولِ، ومُرادُهم بِهِ الظُّهُورَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يا قِبْلَتِي قابِلِينِي بِالسُّجُودِ فَقَدْ ∗∗∗ رَأيْتُ شَخْصًا لِشَخْصٍ فِيَّ قَدْ سَجَدا لاهُوتُهُ حَلَّ ناسُوتِي فَقَدَّسَنِي ∗∗∗ إنِّي عَجِبْتُ لِمِثْلِي كَيْفَ ما عُبِدا وكانَ الأوْلى بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَدَمُ التَّعْبِيرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ولَكِنْ لِلْقَوْمِ أحْوالٌ ومَقاماتٌ لا تَصِلُ إلَيْها أفْهامُنا، ولَعَلَّ عُذْرَهم واضِحٌ عِنْدَ المُنْصِفِينَ.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ وتَحَقَّقْتَ اخْتِلافَ النَّصارى في عَقائِدِهِمْ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما حَكى في بَعْضِ الآياتِ قَوْلَ بَعْضٍ مِنهم وفي بَعْضٍ آخَرَ قَوْلَ آخَرِينَ، وحِكايَةُ دَعْواهم أُلُوهِيَّةَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كَدَعْواهم أُلُوهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا نَطَقَ بِها القُرْآنُ، ولَمْ يُشَعْ ذَلِكَ عَنْهم صَرِيحًا، لَكِنْ يَلْزَمُهم ذَلِكَ بِناءً عَلى ما حَقَّقَهُ الإمامُ الرّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

والنَّصارى اليَوْمَ يُنْكِرُونَهُ، واللَّهُ تَعالى أصْدَقُ القائِلِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُدَّعِيَ أُلُوهِيَّتَها - عَلَيْها السَّلامُ - صَرِيحًا طائِفَةٌ مِنهم هَلَكَتْ قَدِيمًا، كالطّائِفَةِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قِيلَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بالِغَ في زَجْرِ القائِلِينَ، فَأرْدَفَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ انْتَهُوا ﴾ عَنِ القَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ في أوْجُهِ انْتِصابِهِ ﴿ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ: بِالذّاتِ، مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ، أوْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، أوْ سَبِّحُوهُ عَنْ أوْ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يُشابِهُ الأبَ، ويَكُونُ مِثْلَهُ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والمَثَلِ، وأيْضًا الوَلَدُ إنَّما يُطْلَبُ لِيَكُونَ قائِمًا مَقامَ أبِيهِ إذا عُدِمَ ولِذا كانَ التَّناسُلُ، واللَّهُ تَعالى باقٍ لا يَتَطَرَّقُ ساحَتَهُ العَلِيَّةَ فَناءٌ، فَلا يَحْتاجُ إلى ولَدٍ، ولا حِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما أوْقَعَ النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ تَعالى.

ومِنَ الِاتِّفاقاتِ الغَرِيبَةِ ما نَقَلَهُ مَوْلانا راغِبُ باشا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، مُلَخَّصًا مِن تَعْرِيفاتِ أبِي البَقاءِ قالَ: قالَ الإمامُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّهِيرُ بِالبُوصِيرِيِّ - نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى ضَرِيحَهُ -: إنَّ بَعْضَ النَّصارى انْتَصَرَ لِدِينِهِ وانْتَزَعَ مِنَ البَسْمَلَةِ الشَّرِيفَةِ دَلِيلًا عَلى تَقْوِيَةِ اعْتِقادِهِ في المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصِحَّةِ يَقِينِهِ بِهِ، فَقَلَّبَ حُرُوفَها، ونَكَّرَ مَعْرُوفَها، وفَرَّقَ مَأْلُوفَها، وقَدَّمَ فِيها وأخَّرَ، وفَكَّرَ وقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ، ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ، فَقالَ: قَدِ انْتَظَمَ مِنَ البَسْمَلَةِ ابْنُ اللَّهِ المُحَرَّرُ، فَقُلْتُ لَهُ: حَيْثُ رَضِيتَ البَسْمَلَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا، وحُزْتَ مِنها أحْكامًا وحُكْمًا، فَلَتَنْصُرَنَّ البَسْمَلَةُ مِنّا الأخْيارَ عَلى الأشْرارِ، ولَتُفَضِّلَنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ عَلى أصْحابِ النّارِ، إذْ قَدْ قالَتْ لَكَ البَسْمَلَةُ بِلِسانِ حالِها: إنَّما اللَّهُ رَبُّ المَسِيحِ، راحِمُ النَّحْرِ لا مِمَّ لَها المَسِيحُ رَبُّ، ما بَرِحَ اللَّهُ راحِمَ المُسْلِمِينَ، سَلِ ابْنَ مَرْيَمَ أحَلَّ لَهُ الحَرامُ، لا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ المُحَرَّرُ، لا مَرْحَمَ لِلِئامِ أبْناءِ السَّحَرَةِ رَحْمَ حُرٍّ مُسْلِمٍ أنابَ إلى اللَّهِ، لِلَّهِ نَبِيٌّ مُسْلِمٌ حَرامُ الرّاحِ، رَبِحَ رَأْسُ مالِ كَلِمَةِ الإيمانِ، فَإنْ قُلْتَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَسُولٌ صَدَّقْتُكَ.

وقالَتْ: إيلُ أرْسَلَ الرَّحْمَةَ بِلَحْمٍ، وإيلُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى بِلِسانِ كُتُبِهِمْ، وتَرْجَمَةُ بِلَحْمٍ بِبَيْتِ لَحْمٍ، وهو المَكانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ النَّصارى.

ثُمَّ انْظُرْ إلى البَسْمَلَةِ قَدْ تُخْبَرُ أنَّ مِن وراءِ حَلِّها خُيُولًا ولُيُوثًا ومِن دُونِ طَلِّها سُيُولًا وغُيُوثًا، وتَحْسَبُنِي اسْتَحْسَنْتُ كَلِمَتَكَ البارِدَةَ فَنَسَجْتُ عَلى مِنوالِها وقابَلْتُ الواحِدَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها، بَلْ أتَيْتُكَ بِما يُغْنِيكَ فَيَبْهَتُكَ، ويُسْمِعُكَ ما يُصِمُّكَ عَنِ الإجابَةِ فَيُصْمِتُكَ، فَتَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ البَسْمَلَةَ مُسْتَقَرٌّ لِسائِرِ العُلُومِ والفُنُونِ، ومُسْتَوْدَعٌ لِجَوْهَرِ سِرِّها المَكْنُونِ، ألا تَرى أنَّ البَسْمَلَةَ إذا حَصَّلْتَ جُمْلَتَها كانَ عَدَدُها سَبْعَمِائَةٍ وسِتَّةً وثَمانِينَ، فَوافَقَ جُمَلَها، إنَّ مَثَلَ عِيسى كَآدَمَ، لَيْسَ لِلَّهِ مِن شَرِيكٍ بِحِسابِ الألْفِ الَّتِي بَعْدَ لامَيِ الجَلالَةِ، ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ بِإسْقاطِ ألِفِ الجَلالَةِ، فَقَدْ أجابَتْكَ البَسْمَلَةُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، وجاءَكَ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْها صَبْرًا، انْتَهى.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في الباقِي بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ في أوائِلِ السُّوَرِ، حَيْثُ رَتَّبَ الشِّيعِيُّ مِنهُ ما ظَنَّهُ مُقَوِّيًا لِما هو عَلَيْهِ أعَنِي: صِراطُ عَلِيٍّ حَقًّا نُمْسِكُهُ، وقابَلْناهُ بِما يَبْهَتُهُ مُرَتَّبًا مِن هَذِهِ الحُرُوفِ أيْضًا، فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( إنْ يَكُونُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ورَفْعِ النُّونِ، أيْ: سُبْحانَهُ ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ عَلى أنَّ الكَلامَ جُمْلَتانِ.

﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ التَّنْزِيهِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها، لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، ولَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِثْلَهُ في المالِكِيَّةِ فَلا يَكُونُ مالِكًا لِجَمِيعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الوَكِيلَ بِمَعْنى الحافِظِ، فَإذا اسْتَقَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى في الحِفْظِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الوَلَدِ، فَإنَّ الوَلَدَ يُعِينُ أباهُ في حَياتِهِ ويَقُومُ مَقامَهُ بَعْدَ وفاتِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ هَذا، فَلا يُتَصَوَّرُ لَهُ ولَدٌ عَقْلًا، ويَكُونُ افْتِراؤُهُ حُمْقًا وجَهْلًا.

<div class="verse-tafsir"

لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا ١٧٢

﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّنْزِيهِ، ورُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِنَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا مُحَمَّدُ لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا؟

قالَ: ومَن صاحِبُكُمْ؟

قالُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ فِيهِ؟

قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»» فَنَزَلَتْ، والِاسْتِنْكافُ اسْتِفْعالٌ مِنَ النَّكْفِ، وأصْلُهُ - كَما قالَ الرّاغِبُ - مِن نَكَفْتُ الشَّيْءَ نَحَّيْتُهُ، وأصْلُهُ تَنْحِيَةُ الدَّمْعِ عَنِ الخَدِّ بِالإصْبَعِ، وقالُوا: بَحْرٌ لا يُنْكَفُ أيْ: لا يُنْزَحُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَبانُوا ولَوْلا ما تَذَكَّرَ مِنهُمُ مِنَ الحِلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ وقِيلَ: النَّكْفُ قَوْلُ السُّوءِ، ويُقالُ: ما عَلَيْهِ في هَذا الأمْرِ نَكْفٌ ووَكْفٌ، واسْتَفْعَلَ فِيهِ لِلسَّلْبِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وفي الأساسِ: اسْتَنْكَفَ ونَكَفَ امْتَنَعَ وانْقَبَضَ أنَفًا وحِمْيَةً.

وقالَ الزَّجّاجُ: الِاسْتِنْكافُ تَكَبُّرٌ في تَرْكِهِ أنَفَةٌ، ولَيْسَ في الِاسْتِكْبارِ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَنْ يَأْنَفَ ولَنْ يَمْتَنِعَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَنْ يَسْتَكْبِرَ المَسِيحُ ﴿ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ أيْ: عَنْ، أوْ مِن أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، مُسْتَمِرًّا عَلى عِبادَتِهِ تَعالى وطاعَتِهِ، حَسْبَما هو وظِيفَةُ العُبُودِيَّةِ، كَيْفَ وأنَّ ذَلِكَ أقْصى مَراتِبِ الشَّرَفِ، وقَدْ أشارَ القاضِي عِياضٌ إلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ومِمّا زادَنِي عَجَبًا وتِيهًا ∗∗∗ وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يا عِبادِي ∗∗∗ وجَعْلُكَ خَيْرَ خَلْقِكَ لِي نَبِيًّا والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ ذَلِكَ مَعَ أنَّ شَأْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُباهاةُ بِهِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ أحْوالُهُ وتُفْصِحُ عَنْهُ أقْوالُهُ لِوُقُوعِهِ في مَوْضِعِ الجَوابِ عَمّا قالَهُ الكَفَرَةُ، كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وهو السِّرُّ في جَعْلِ المُسْتَنْكَفِ مِنهُ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَبْدًا لَهُ تَعالى دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوُ ذَلِكَ، مَعَ إفادَتِهِ - كَما قِيلَ - فائِدَةً جَلِيلَةً هي كَمالُ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ الِاسْتِنْكافِ بِالكُلِّيَّةِ لِاسْتِمْرارِ هَذا الوَصْفِ واسْتِتْباعِهِ وصْفَ العِبادَةِ، فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ اسْتِنْكافِ ذَلِكَ، بِخِلافِ وصْفِ العِبادَةِ؛ فَإنَّها حالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلدَّوامِ، يَكْفِي في اتِّصافِ مَوْصُوفِها بِها تَحَقُّقُها مَرَّةً، فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْها لا يَسْتَلْزِمُ عَنْها عَدَمَ الِاسْتِنْكافِ عَنْ دَوامِها.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كُتُبِ النَّصارى أنَّ قَوْلَسَ قالَ في رِسالَتِهِ الثّانِيَةِ: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّسُولِ رَئِيسِ أحْبارِنا، يَسُوعَ المُؤْتَمَنِ مِن عِنْدِ مَن خَلَقَهُ، مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في جَمِيعِ أحْوالِهِ غَيْرَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ مُرْقُسُ في إنْجِيلِهِ: قالَ يَسُوعُ: إنَّ نَفْسِي حَزِينَةٌ حَتّى المَوْتِ، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعالى، وقالَ: أيُّها الأبُ كُلُّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِكَ أخَّرَ عَنِّي هَذا الكَأْسَ، لَكِنْ كَما تُرِيدُ لا كَما أُرِيدُ، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعالى.

ووَجْهُ الدَّلالَةِ في ذَلِكَ ظاهِرٌ، إذْ هو سائِلٌ، واللَّهُ تَعالى مَسْؤُولٌ، وهو مُصَلٍّ واللَّهُ تَعالى مُصَلًّى لَهُ، وأيُّ عُبُودِيَّةٍ تَزِيدُ عَلى ذَلِكَ، ونُصُوصُ الأناجِيلِ ناطِقَةٌ بِعُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيْرِما مَوْضِعٍ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ أبِي الفَضْلِ حَيْثُ يَقُولُ فِيهِ: هُوَ عَبْدٌ مُقَرَّبٌ ونَبِيٌّ ∗∗∗ ورَسُولٌ قَدْ خَصَّهُ مَوْلاهُ طَهَّرَ اللَّهُ ذاتَهُ وحَباهُ ∗∗∗ ثُمَّ أتاهُ وحَيْهُ وهَداهُ وبِـ( كُنْ ) خَلَقَهُ بَدا كَلِمَةُ اللَّـ ∗∗∗ ــهِ إلى مَرْيَمَ البَتُولِ بَراهُ هَكَذا شَأْنُ رَبِّهِ خالِقِ الخَلْــ ∗∗∗ ـقِ بِـ( كُنْ ) خَلَقَهم فَنِعْمَ الإلَهُ والأناجِيلُ شاهِداتٌ وعَنْهُ ∗∗∗ إنَّما اللَّهُ رَبُّهُ لا سِواهُ كانَ لِلَّهِ خاشِعًا مُسْتَكِينًا ∗∗∗ راغِبًا راهِبًا يَرْجى رِضاهُ لَيْسَ يَحْيا ولَيْسَ يَخْلُقُ إلّا ∗∗∗ أنْ دَعاهُ وقَدْ أجابَ دَعاهُ إنَّما فاعِلُ الجَمِيعِ هو اللَّـ ∗∗∗ ـهُ ولَكِنْ عَلى يَدَيْهِ قَضاهُ ويَكْفِي في إثْباتِ عُبُودِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ﴿ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِالمَسِيحِ ما يُشْعِرُ بِالعُبُودِيَّةِ أيْضًا.

﴿ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: لا يَسْتَنْكِفُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( يَكُونَ ) أوْ ( عَبْدًا )؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وتَقْدِيرُ مُتَعَلِّقِ الفِعْلِ لازِمٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِالمَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والتَزَمَ تَقْدِيرَ الفِعْلِ، وهو كَما تَرى.

واحْتَجَّ بِالآيَةِ القاضِي أبُو بَكْرٍ، والحُلَيْمِيُّ، والمُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ وقَواعِدُ المَعانِي وكَلامُ العَرَبِ التَّرَقِّيَ مِنَ الفاضِلِ إلى الأفْضَلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَسْتَنْكِفُ المَسِيحُ ولا مَن هو فَوْقَهُ، كَما يُقالُ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ مِن هَذا الأمْرِ الوَزِيرُ ولا السُّلْطانُ دُونَ العَكْسِ، وأُجِيبَ بِأنَّ سَوْقَ الآيَةِ - وإنْ كانَ رَدًّا عَلى النَّصارى - لَكِنَّهُ أُدْمِجَ فِيهِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ المَلائِكَةِ المُشارِكِينَ لَهم في رَفْعِ بَعْضِ المَخْلُوقِينَ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ إلى دَرَجَةِ المَعْبُودِيَّةِ، وادِّعاءِ انْتِسابِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى بِما هو مِن شَوائِبِ الأُلُوهِيَّةِ، وخُصَّ ( المُقَرَّبُونَ )؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم دُونَ غَيْرِهِمْ، ورُدَّ هَذا الجَوابُ بِأنَّ هَذا لا يَنْفِي فَوْقِيَّةَ الثّانِي كَما هو مُقْتَضى عِلْمِ المَعانِي.

قِيلَ: ولا وُرُودَ لَهُ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنَ التَّقْرِيرِ دَفْعُهُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ أمْرُ المَسِيحِ فَلِذا قُدِّمَ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ لا يَنْفِي الفَوْقِيَّةَ فَهو لا يُثْبِتُها، كَما إذا قُلْتَ: ما فَعَلَ هَذا زَيْدٌ ولا عَمْرٌو، وهو يَكْفِي لِدَفْعِ حُجَّةِ الخَصْمِ، وأمّا كَوْنُ السِّباقِ والسِّياقِ يُخالِفُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ المُجِيبَ قالَ: إنَّهُ إدْماجٌ واسْتِطْرادٌ، وأُجِيبَ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ اخْتِصاصِ الرَّدِّ بِالنَّصارى بِأنَّ المَلائِكَةَ ( المُقَرَّبُونَ ) صِيغَةُ جَمْعٍ تَتَناوَلُ مَجْمُوعَ المَلائِكَةِ، فَهَذا العَطْفُ يَقْتَضِي كَوْنَ مَجْمُوعِ المَلائِكَةِ أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أفْضَلَ مِنَ المَسِيحِ، قالَ في الِانْتِصافِ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ مَوْرِدَهُ إذا بُنِيَ عَلى أنَّ المَسِيحَ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَلائِكَةِ فَقَدْ يُقالُ: يَلْزَمُهُ القَوْلُ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، كَما أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا كانَ أفْضَلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ أفْضَلَ مِن كُلِّهِمْ، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّفْضِيلِ عَلى التَّفْضِيلِ والتَّفْضِيلِ عَلى الجُمْلَةِ أحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ في هَذا المَعْنى.

وقَدْ كانَ طارَ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ المُعاصِرِينَ تَفْضِيلُهُ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ، ودَعْوى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَلى التَّفْضِيلِ تَفْضِيلٌ عَلى الجُمْلَةِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ هَذا القَوْلُ، ولَوْ قالَهُ فَهو مَرْدُودٌ بِوَجْهٍ لَطِيفٍ، وهو أنَّ التَّفْضِيلَ المُرادَ جُلُّ أماراتِهِ رَفْعُ دَرَجَةِ الأفْضَلِ في الجَنَّةِ، والأحادِيثُ مُتَظافِرَةٌ بِذَلِكَ، وحِينَئِذٍ لا يَخْلُو إمّا أنْ تَرْتَفِعَ دَرَجَةُ واحِدٍ مِنَ المَفْضُولِينَ عَلى مَنِ اتُّفِقَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، أوْ لا تَرْتَفِعُ دَرَجَةُ أحَدٍ مِنهم عَلَيْهِ، لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ رَفْعُ المَفْضُولِ عَلى الفاضِلِ فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي، وهو ارْتِفاعُ دَرَجَةِ الأفْضَلِ عَلى دَرَجاتِ المَجْمُوعِ ضَرُورَةً، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ أفْضَلِيَّتِهِ عَلى المَجْمُوعِ مِن ثُبُوتِ أفْضَلِيَّتِهِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم قَطْعًا، انْتَهى.

قُلْتُ: فَما شاعَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ في أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - هَلْ هو أفْضَلُ مِنَ المَجْمُوعِ كَما أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الجَمِيعِ أمْ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الجَمِيعِ فَقَطْ دُونَ المَجْمُوعِ؟

لَيْسَ في مَحَلِّهِ عَلى هَذا، فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ غايَةَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ تَفْضِيلُ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكُرُوبِيُّونَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ، أوْ مَن هم أعْلى رُتْبَةً مِنهم مِنَ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًا وفِيهِ النِّزاعُ، ورُدَّ بِأنَّ المُدَّعى أنَّ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ مُقْتَضى قَواعِدِ المُعانى التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى دُونَ العَكْسِ، أوِ التَّسْوِيَةُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الحُكْمَ في الجَمْعِ المُحَلّى بِـ( ألْ ) عَلى الآحادِ، وأنَّ المُدَّعى لَيْسَ إلّا دَلالَةَ الكَلامِ عَلى أنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ أفْضَلُ مِن عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا كافٍ في إبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ خَواصَّ البَشَرِ أفْضَلُ مِن خَواصِّ المَلَكِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَطْفَ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وما يُورَدُ مِنَ الأمْثِلَةِ لِكَوْنِ الثّانِي أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ الأوَّلِ مَعارَضٌ بِأمْثِلَةٍ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، كَقَوْلِ القائِلِ: ما أعانَنِي عَلى هَذا الأمْرِ زَيْدٌ ولا عَمْرٌو، وكَقَوْلِكَ: لا تُؤْذِ مُسْلِمًا ولا ذِمِّيًّا، بَلْ لَوْ عَكَسْتَ في هَذا المِثالِ وجَعَلْتَ الأعْلى ثانِيًا لَخَرَجْتَ عَنْ حَدِّ الكَلامِ وقانُونِ البَلاغَةِ، كَما قالَ في الِانْتِصافِ، ثُمَّ قالَ فِيهِ: ولَكِنَّ الحَقَّ أوْلى مِنَ المُرادِ، ولَيْسَ بَيْنَ المِثالَيْنِ تَعارُضٌ.

ونَحْنُ نُمَهِّدُ تَمْهِيدًا بِرَفْعِ اللَّبْسِ، وبِكَشْفِ الغِطاءِ، فَنَقُولُ: النُّكْتَةُ في التَّرْتِيبِ في المِثالَيْنِ المَوْهُومِ تَعارُضُهُما واحِدَةٌ، وهي تُوجِبُ في مَواضِعَ تَقْدِيمَ الأعْلى وفي مَواضِعَ تَأْخِيرَهُ، وتِلْكَ النُّكْتَةُ أنَّ مُقْتَضى البَلاغَةِ التَّنائِي عَنِ التَّكْرارِ، والسَّلامَةُ عَنِ النُّزُولِ، فَإذا اعْتَمَدْتَ ذَلِكَ فَهْمًا أدّى إلى أنْ يَكُونَ آخِرُ كَلامِكَ نُزُولًا بِالنِّسْبَةِ إلى أوَّلِهِ، أوْ يَكُونَ الآخِرُ مُنْدَرِجًا في الأوَّلِ قَدْ أفادَهُ، وأنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الآخِرِ، فاعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ إلى ما يَكُونُ تَرَقِّيًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، واسْتِئْنافًا لِفائِدَةٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْها الأوَّلُ، مِثالُهُ الآيَةُ المَذْكُورَةُ، فَإنَّكَ لَوْ ذَهَبْتَ فِيها إلى أنْ يَكُونَ المَسِيحُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ وأعْلى رُتْبَةً لَكانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ بَعْدَهُ كالمُسْتَغْنى عَنْهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الأفْضَلُ وهو المَسِيحُ - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ - عَبْدًا غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ مِنَ العُبُودِيَّةِ لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنْ ما دُونَهُ في الفَضِيلَةِ أوْلى أنْ لا يَسْتَنْكِفَ عَنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلَّهِ تَعالى، وهُمُ المَلائِكَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ إذَنْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ إلّا ما سَلَفَ أوَّلَ الكَلامِ، وإذا قَدَّرْتَ المَسِيحَ مَفْضُولًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ فَكَأنَّكَ تَرَقَّيْتَ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ المَفْضُولَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ كَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ تَعالى إلى أنَّ الأفْضَلَ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن عَدَمِ اسْتِنْكافِ المَفْضُولِ عَدَمُ اسْتِنْكافِ الأفْضَلِ، فالحاجَةُ داعِيَةٌ إلى ذِكْرِ المَلائِكَةِ؛ إذْ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الأوَّلُ الآخِرَ، فَصارَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُتَجَدِّدَ الفائِدَةِ مُتَزائِدَها، ومَتّى كانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ العَزِيزُ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ في البَلاغَةِ.

وبِهَذِهِ النُّكْتَةِ يَجِبُ أنْ تَقُولَ: لا تُؤْذِ مُسْلِمًا ولا ذِمِّيًّا، فَتُؤَخِّرَ الأدْنى عَلى عَكْسِ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ؛ لِأنَّكَ إذا نَهَيْتَهُ عَنْ أذى المُسْلِمِ، فَقَدْ يُقالُ: ذاكَ مِن خَواصِّهِ احْتِرامًا لِدِينِ الإسْلامِ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَهْيُهُ عَنْ أذى الكافِرِ المَسْلُوبَةِ عَنْهُ هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، فَإذا قُلْتَ: ولا ذِمِّيًّا فَقَدْ جَدَّدْتَ فائِدَةً لَمْ تَكُنْ في الأوَّلِ، وتَرَقَّيْتَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَعْضِ أنْواعِ الأذى إلى النَّهْيِ عَنْ أكْثَرَ مِنهُ، ولَوْ رَتَّبْتَ هَذا المِثالَ كَتَرْتِيبِ الآيَةِ فَقُلْتَ: لا تُؤْذِ ذِمِّيًّا فَهِمَ المَنهِيُّ أنَّ أذى المُسْلِمِ أدْخَلَ في النَّهْيِ، إذْ يُساوِي الذَّمِّيَّ في سَبَبِ الِالتِزامِ - وهو الإنْسانِيَّةُ مَثَلًا - ويَمْتازُ عَنْهُ بِسَبَبٍ هو أجَلُّ وأعْظَمُ وهو الإسْلامُ، فَيُقْنِعُهُ هَذا النَّهْيُ عَنْ تَجْدِيدِ نَهْيٍ آخَرَ عَنْ أذى المُسْلِمِ، فَإنْ قُلْتَ: ولا مُسْلِمًا لَمْ تُجَدِّدْ لَهُ فائِدَةً، ولَمْ تُعْلِمْهُ غَيْرَ ما أعْلَمْتَهُ أوَّلًا، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّها نُكْتَةٌ واحِدَةٌ تُوجِبُ أحْيانًا تَقْدِيمَ الأعْلى وأحْيانًا تَأْخِيرَهُ، ولا يُمَيِّزُ لَكَ ذَلِكَ إلّا السِّياقُ، وما أشُكُّ أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الأدْنى وتَأْخِيرَ الأعْلى.

ومِنَ البَلاغَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ اسْتِغْناءً عَنْ نَهْيِهِ عَنْ ضَرْبِهِما فَما فَوْقَهُ بِتَقْدِيمِ الأدْنى، ولَمْ يَلِقْ بِبَلاغَةِ الكِتابِ العَزِيزِ أنْ يُرِيدَ نَهْيًا عَنْ أعْلى مِنَ التَّأْفِيفِ والِانْتِهارِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وما يَحْتاجُ المُتَدَبِّرُ لِآياتِ القُرْآنِ مَعَ التَّأْيِيدِ شاهِدًا سِواها، ولَمّا اقْتَضى الإنْصافُ تَسْلِيمَ اقْتِضاءِ الآيَةِ لِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ القَوْلُ بِتَفْضِيلِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - اعْتِقادًا لِأكْثَرِ أهْلِ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ التُزِمَ حَمْلُ التَّفْضِيلِ في الآيَةِ عَلى غَيْرِ مَحَلِّ الخِلافِ، وذَلِكَ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ في القُوَّةِ، وشِدَّةِ البَطْشِ، وسَعَةِ التَّمَكُّنِ والِاقْتِدارِ.

وهَذا النَّوْعُ مِنَ الفَضِيلَةِ هو المُناسِبُ لِسِياقِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الرَّدُّ عَلى النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَنِدِينَ إلى كَوْنِهِ أحْيا المَوْتى، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وصَدَرَتْ عَلى يَدَيْهِ آثارٌ عَظِيمَةٌ خارِقَةٌ، فَناسَبَ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: هَذا الَّذِي صَدَرَتْ عَلى يَدَيْهِ هَذِهِ الخَوارِقُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مَن هو أكْثَرُ خَوارِقًا وأظْهَرُ آثارًا كالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِ وإقْدارِ اللَّهِ تَعالى لَهُ أنِ اقْتَلَعَ المَدائِنَ واحْتَمَلَها عَلى رِيشَةٍ مِن جَناحِهِ فَقَلَبَها عالِيَها سافِلَها، فَيَكُونُ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ إذَنْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، ولا خِلافَ في أنَّهم أقْوى وأبْطِشُ، وأنَّ خَوارِقَهم أكْثَرُ، وإنَّما الخِلافُ في التَّفْضِيلِ بِاعْتِبارِ مَزِيدِ الثَّوابِ والكَراماتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في دارَ الجَزاءِ، ولَيْسَ في الآيَةِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

وقَدْ يُقالُ: لَمّا كانَ أكْثَرُ ما لُبِّسَ عَلى النَّصارى في أُلُوهِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَوْنَهُ مَوْجُودًا مِن غَيْرِ أبٍ أنْبَأ اللَّهَ تَعالى أنَّ هَذا المَوْجُودَ مِن غَيْرِ أبٍ لا يَسْتَنْكِفُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، ولا المَلائِكَةُ المَوْجُودُونَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ فَيَكُونُ تَأْخِيرُ ذِكْرِهِمْ لِأنَّ خَلْقَهم أغْرَبُ مِن خَلْقِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَظَرَ عِيسى بِآدَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَنَظَرَ الغَرِيبَ بِالأغْرَبِ، وشَبَّهَ العَجِيبَ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ بِالأعْجَبِ، إذْ عِيسى مَخْلُوقٌ مِن آدَمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - وآدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ومَدارُ هَذا البَحْثِ عَلى النُّكْتَةِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها، فَمَتى اسْتَقامَ اشْتِمالُ المَذْكُورِ ثانِيًا عَلى فائِدَةٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْها الأوَّلُ بَأيِّ طَرِيقٍ كانَ مِن تَفْضِيلٍ أوْ غَيْرِهِ مِنَ الفَوائِدِ فَقَدْ طابَقَ صِيغَةَ الآيَةِ، انْتَهى.

وبِالجُمْلَةِ المَسْألَةُ سَمْعِيَّةٌ، وتَفْصِيلُ الأدِلَّةِ والمَذاهِبِ فِيها حَشْوُ الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ، والقِطْعُ مَنُوطٌ بِالنَّصِّ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ووُجُودُهُ عَسِرٌ.

وقَدْ ذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ بَعْدَ بَسْطِ كَلامٍ ونَقْضٍ وإبْرامٍ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ ظَنِّيَّةٌ لا حَظَّ لِلْقَطْعِ فِيها نَفْيًا وإثْباتًا، ومَدارُها عَلى الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ دُونَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ.

وقالَ أفْضَلُ المُعاصِرِينَ صالِحٌ أفَنْدِي المَوْصِلِيُّ - تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ - في تَعْلِيقاتِهِ عَلى البَيْضاوِيِّ: الأوْلى عِنْدِي التَّوَقُّفُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إذْ لا قَطْعَ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ فِيها، ولَيْسَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ ما كُلِّفْنا بِهِ، والبابُ ذُو خَطَرٍ لا يَنْبَغِي المُجازَفَةُ فِيهِ، فالوَقْفُ أسْلَمُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ أيْ: طاعَتِهِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الكَفَرَةِ لِعَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى، وإنَّما جُعِلَ المُسْتَنْكَفُ عَنْهُ ها هُنا عِبادَتُهُ تَعالى لا ما سَبَقَ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِتَعْلِيقِ الوَعِيدِ بِالوَصْفِ الظّاهِرِ الثُّبُوتِ لِلْكَفَرَةِ، فَإنَّ عَدَمَ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى مِمّا لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِ اتِّصافِهِمْ بِهِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ بِالِاسْتِنْكافِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم بِطَرِيقِ إنْكارٍ كَوْنَ الأمْرِ مِن جِهَتِهِ تَعالى لا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْكافِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وهَذا هو الِاسْتِنْكافُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لا أمْرَ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سِوى أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ( ﴿ مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ﴾ ).

وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِنْكافِ مِن بابِ المُشاكَلَةِ ﴿ ويَسْتَكْبِرْ ﴾ أيْ: عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ الِاسْتِكْبارِ طَلَبُ الكِبْرِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، لا بِمَعْنى طَلَبِ تَحْصِيلِهِ مَعَ اعْتِقادِ عَدَمِ حُصُولِهِ، بَلْ بِمَعْنى عَدِّ نَفْسِهِ كَبِيرًا واعْتِقادِهِ كَذَلِكَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الطَّلَبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَآلَهُ مَحْضُ الطَّلَبِ بِدُونِ حُصُولِ المَطْلُوبِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ - عَلى ما قِيلَ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ والِاسْتِكْبارُ - عَلى ما أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ وتَقَدَّمَ - دُونَ الِاسْتِنْكافِ، وجاءَ في الحَدِيثِ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةٌ؟

قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ»».

ولِلنّاسِ في تَأْوِيلِ الحَدِيثِ أقْوالٌ ذَكَرَها الإمامُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنها: أنَّ المُرادَ بِالكِبْرِ المانِعِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ هو التَّكَبُّرُ عَلى الإيمانِ، واخْتارَهُ مَوْلانا أفْضَلُ المُعاصِرِينَ، ثُمَّ قالَ: وعَلَيْهِ فالمَنفِيُّ أصْلُ الدُّخُولِ كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ، وتَنْكِيرُ الكِبْرِ لِلنَّوْعِيَّةِ، والمُعَرَّفُ في آخِرِ الحَدِيثِ هو جِنْسُ الكِبْرِ لا هَذا النَّوْعُ بِخُصُوصِهِ، وإنْ كانَ الغالِبُ في إعادَةِ النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً إرادَةَ عَيْنِ الأوَّلِ، وإنَّما خَصَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حُكْمَ ذَلِكَ النَّوْعِ بِالبَيانِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ عَنِ الكِبْرِ، فَإنَّ جِنْسًا يَبْلُغُ بَعْضُ أنْواعِهِ بِصاحِبِهِ مِن وخامَةِ العاقِبَةِ وسُوءِ المَغَبَّةِ هَذا المَبْلَغَ - أعْنِي الشَّقاءَ المُؤَبَّدَ - جَدِيرٌ بِأنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ غايَةَ الِاحْتِرازِ، ثُمَّ عَرَّفَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الكِبْرَ بِما عَرَّفَهُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْحِصارُ ُالكِبْرِ المَذْمُومِ في النَّوْعِ المَذْكُورِ.

وبِهَذا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ اسْتِبْعادُ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - لِهَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ الحَدِيثَ ورَدَ في سِياقِ الزَّجْرِ عَنِ الكِبْرِ المَعْرُوفِ، وهو إنْكارُ الحَقِّ واحْتِقارُ النّاسِ، فَحَمْلُ الكِبْرِ عَلى ذَلِكَ خاصَّةً خُرُوجٌ عَنْ مَذاقِ الكَلامِ، ووَجْهُ انْدِفاعِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلى ذَوِي الأفْهامِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ ما في الحَدِيثِ تَعْرِيفٌ بِاللّازِمِ لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ.

﴿ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ أيِ المُسْتَنْكِفِينَ ومُقابِلِيهِمُ المَدْلُولَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ في المُفَصَّلِ تَعْوِيلًا عَلى إنْباءِ التَّفْصِيلِ عَنْهُ، وثِقَةً بِظُهُورِ اقْتِضاءِ حَشْرِ أحَدِهِما لِحَشْرِ الآخَرِ ضَرُورَةَ عُمُومِ الحَشْرِ لِلْخَلائِقِ أجْمَعِينَ، كَما تُرِكَ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ في التَّفْصِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ مَعَ عُمُومِ الخِطابِ لَهُما ثِقَةً بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلا يُقالُ: التَّفْصِيلُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْمُفَصَّلِ؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى الفَرِيقَيْنِ والمُفَصَّلُ عَلى فَرِيقٍ واحِدٍ.

وقِيلَ في تَوْجِيهِ المُطابَقَةِ: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَشْرِ المُجازاةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ١٧٣

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ إلَخْ، تَفْصِيلًا لِلْجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ فَسَيُعَذَّبْ بِالحَسْرَةِ إذا رَأى أُجُورَ العامِلِينَ وبِما يُصِيبُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المُسْتَنْكِفِينَ المُسْتَكْبِرِينَ لا غَيْرُ وقَدْ رُوعِيَ لَفْظُ ( مَن ) ومَعْناها.

وتَعَقَّبَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ دُخُولَ ( أمّا ) عَلى الفَرِيقَيْنِ لا عَلى قِسْمَيِ الجَزاءِ، وأُورِدَ هَذا الفَرِيقُ بِعُنْوانِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لا بِوَصْفِ عَدَمِ الِاسْتِنْكافِ المُناسِبِ لِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَتْبِعُ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الثَّمَراتِ، ومَعْنى تَوْفِيَتِهِمْ أُجُورَهم إيتاؤُهم إيّاها مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصَ مِنها شَيْئًا أصْلًا، وقُرِئَ: ( فَسَيَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ: ( فَسَنَحْشُرُهم ) بِنُونِ العَظَمَةِ، وفِيهِ التِفاتٌ.

﴿ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ بِتَضْعِيفِ أُجُورِهِمْ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وبِإعْطائِهِمْ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ: الشَّفاعَةَ فِيمَن وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ مِمَّنْ صُنِعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفُ في الدُّنْيا»».

﴿ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا ﴾ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ واسْتَكْبَرُوا ﴾ عَنْها ﴿ فَيُعَذِّبُهُمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ عَذابًا ألِيمًا ﴾ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ ﴿ ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ﴾ يَلِي أُمُورَهُمْ، ويُدَبِّرُ مَصالِحَهم ﴿ ولا نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُهم مِن بَأْسِهِ تَعالى، ويُنْجِيهِمْ مِن عَذابِهِ سُبْحانَهُ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًۭا مُّبِينًۭا ١٧٤

﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإلْزامِهِمْ بِما تَخِرُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِمُتَعَلِّلٍ، ولا عُذْرٌ لِمُعْتَذِرٍ ﴿ قَدْ جاءَكُمْ ﴾ أتاكُمْ، ووَصَلَ إلَيْكم ﴿ بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: حُجَّةٌ قاطِعَةٌ، والمُرادُ بِها المُعْجِزاتُ عَلى ما قِيلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ لا يَحْفَظُ اسْمَهُ: إنَّ المُرادَ بِالبُرْهانِ هو النَّبِيُّ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعُبِّرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِما مَعَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ دِينُ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ( جاءَ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ( بُرْهانٌ ) مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: كائِنٌ مِن بَراهِينِ رَبِّكُمْ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مَجِيءَ ذَلِكَ لِتَرْبِيَّتِهِمْ وتَكْمِيلِهِمْ.

﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكُمْ ﴾ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وفي عَدَمِ ذِكْرِ الواسِطَةِ إظْهارٌ لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ومُبالَغَةٌ في الإعْذارِ ﴿ نُورًا مُبِينًا ﴾ وهو القُرْآنُ - كَما قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ - واحْتِمالُ إرادَةِ الكُتُبِ السّابِقَةِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.

وإذا كانَ المُرادُ مِنَ البُرْهانِ القُرْآنَ أيْضًا فَقَدْ سُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ العَطْفِ المَبْنِيِّ عَلى تَغايُرِ الطَّرَفَيْنِ؛ تَنْزِيلًا لِلْمُغايَرَةِ العُنْوانِيَّةِ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ الذّاتِيَّةِ، وإطْلاقُ البُرْهانِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ أقْوى دَلِيلٍ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِهِ، وإطْلاقُ النُّورِ المُبِينِ؛ لِأنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ في ثُبُوتِ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِإعْجازِهِ، غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ، مُبِينٌ لِغَيْرِهِ مِن حَقِّيَّةِ الحَقِّ وبُطْلانِ الباطِلِ، مُهْدِي لِلْخَلْقِ بِإخْراجِهِمْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وعُبِّرَ عَنْ مُلابَسَتِهِ لِلْمُخاطَبِينَ تارَةً بِالمَجِيءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ قُوَّتِهِ في البُرْهانِيَّةِ، كَأنَّهُ يَجِيءُ بِنَفْسِهِ، فَيُثْبِتُ ما يُثْبِتُ مِن غَيْرِ أنْ يَجِيءَ بِهِ أحَدٌ، ويَجِيءُ عَلى شُبَهِ الكَفَرَةِ بِالإبْطالِ، والأُخْرى بِالإنْزالِ المُوَقَّعِ عَلَيْهِ المُلائِمِ لِحَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ نُورًا تَوْقِيرًا لَهُ، بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِن عُنْوانَيْهِ حَظَّهُ اللّائِقَ بِهِ.

وإسْنادُ إنْزالِهِ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِكَمالِ تَشْرِيفِهِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والأمْرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ هَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِهِۦ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَفَضْلٍۢ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا ١٧٥

﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ﴾ حَسْبَما يُوجِبُهُ البُرْهانُ الَّذِي جاءَهم ﴿ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ أيْ: عَصَمُوا بِهِ سُبْحانَهُ أنْفُسَهم مِمّا يُرْدِيها مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، أعْنِي النُّورَ المُبِينَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ أيْ: ثَوابٍ عَظِيمٍ قَدْرُهُ بِإزاءِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ رَحْمَةً مِنهُ سُبْحانَهُ لا قَضاءً لِحَقٍّ واجِبٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ الجَنَّةُ، فَعَلى الأوَّلِ التَّجَوُّزُ في كَلِمَةِ ( في ) لِتَشْبِيهِ عُمُومِ الثَّوابِ وشُمُولِهِ بِعُمُومِ الظَّرْفِ، وعَلى الثّانِي التَّجَوُّزُ في المَجْرُورِ دُونَ الجارِّ، قالَهُ الشِّهابُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، و( مِنهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ( رَحْمَةٍ ﴿ وفَضْلٍ ﴾ أيْ: إحْسانٍ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، زائِدٍ عَلى ذَلِكَ.

﴿ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -والمُرادُ في المَشْهُورِ إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَوْعُودٌ، وقِيلَ: عَلى الفَضْلِ ﴿ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ هو الإسْلامُ والطّاعَةُ في الدُّنْيا، وطَرِيقُ الجَنَّةِ في الأُخْرى، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الوَعْدِ بِالإدْخالِ في الرَّحْمَةِ الثَّوابَ أوِ الجَنَّةَ عَلى الوَعْدِ بِهَذِهِ الهِدايَةِ لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّبْشِيرِ بِما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ.

وفِي وجْهِ انْتِصابِ ( صِراطًا ) أقْوالٌ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: يُعَرِّفُهم صِراطًا، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ( يَهْدِيهِمْ ) بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى ( يُعَرِّفُهم ) وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَقِيقَةً.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ( إلَيْهِ ) مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ، أيْ: مُقَرَّبِينَ إلَيْهِ، أوْ مُقَرِّبًا إيّاهم إلَيْهِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ حالًا مِن ( صِراطًا ) ثُمَّ قالَ: لَيْسَ لِقَوْلِنا: ( يَهْدِيهِمْ ) طَرِيقَ الإسْلامِ إلى عِبادَتِهِ كَبِيرُ مَعْنًى، فالأوْجَهُ أنْ يُجْعَلَ ( صِراطًا ) بَدَلًا مِن ( إلَيْهِ ) وتَعَقَّبَهُ عِصامُ المِلَّةِ والدِّينِ بِأنَّ قَوْلَنا: ( يَهْدِيهِمْ ) طَرِيقَ الإسْلامِ مُوَصِّلًا إلى عِبادَتِهِ مَعْناهُ واضِحٌ، ولا وجْهَ لَكَوْنِ ( صِراطًا ) بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ ۚ إِنِ ٱمْرُؤٌا۟ هَلَكَ لَيْسَ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَهُۥٓ أُخْتٌۭ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوٓا۟ إِخْوَةًۭ رِّجَالًۭا وَنِسَآءًۭ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ١٧٦

﴿ يَسْتَفْتُونَكَ ﴾ أيْ: في الكَلالَةِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُرُودِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ ﴾ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ( يُفْتِيكم ) وقالَ الكُوفِيُّونَ: بِـ( يَسْتَفْتُونَكَ ) وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ: ( يُفْتِيكم فِيها في الكَلالَةِ ) وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الكَلالَةِ في مَطْلَعِ السُّورَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ.

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْهُ قالَ: ««دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ لا يَرِثُنِي إلّا كَلالَةٌ، فَكَيْفَ المِيراثُ؟

فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ»» وهي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ.

فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، عَنِ البَراءِ قالَ: «آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً ( بَراءَةٌ ) وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خاتِمَةُ سُورَةِ النِّساءِ» والمُرادُ مِنَ الآياتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ المُحَقِّقُونَ، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وتُسَمّى آيَةَ الصَّيْفِ.

أخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، «عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «ما سَألْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ مِمّا سَألْتُهُ عَنِ الكَلالَةِ حَتّى طَعَنَ بِإصْبَعِهِ في صَدْرِي، وقالَ: يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ»».

﴿ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبِينٌ لَلْفُتْيا، وارْتَفَعَ ( امْرُؤٌ ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ عَلى المَشْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ﴾ صِفَةٌ لَهُ، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالمُفَسِّرِ؛ لِأنَّهُ تَأْكِيدٌ، وقِيلَ: حالٌ مِنهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ومَجِيءُ الحالِ مِنها خِلافُ الظّاهِرِ، إذِ المُتَبادَرُ في الجُمَلِ الواقِعَةِ بَعْدَ النَّكِراتِ أنَّها صِفاتٌ، وقالَ الحَلَبِيُّ: يَصِحُّ كَوْنُهُ حالًا مِنهُ، و( هَلَكَ ) صِفَةً لَهُ، وجَعَلَهُ أبُو البَقاءِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( هَلَكَ ) وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ المُفَسِّرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، حَتّى ادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ لا ضَمِيرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمُجَرَّدِ الفِعْلِ بِلا ضَمِيرٍ، وإنْ رُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ .

وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو الِاسْمُ المَعْمُولُ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَهو الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَهُ، أمّا الضَّمِيرُ فَإنَّهُ في جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ فَصارَتْ كالمُؤَكِّدَةِ لِما سَبَقَ، وإذا دارَ الِاتِّباعُ والتَّقْيِيدُ بَيْنَ مُؤَكِّدٍ ومُؤَكَّدٍ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤَكَّدِ بِالفَتْحِ؛ إذْ هو مُعْتَمَدُ الإسْنادِ الأصْلِيِّ، ووافَقَهُ الحَلَبِيُّ، وقالَ السَّفاقِسِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ هَذا مُرَجَّحٌ لا مُوجِبٌ.

والمُرادُ مِنَ الوَلَدِ - عَلى ما اخْتارَهُ البَعْضُ - الذَّكَرُ؛ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ؛ ولِأنَّ الأُخْتَ وإنْ ورِثَتْ مَعَ البِنْتِ - عِنْدَ غَيْرِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والإمامِيَّةِ - لَكِنَّها لا تَرِثُ النِّصْفَ بِطْرِيقِ الفَرْضِيَّةِ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُخْتارًا العُمُومَ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ مُخَصِّصٍ، والتَّعْلِيلُ بِأنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ الأُخْتَ دُونَ البِنْتِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأنَّ الحُكْمَ تَعْيِينُ النِّصْفِ، وهَذا ثابِتٌ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ والبِنْتِ غَيْرُ ثابِتٍ عِنْدَ وُجُودِ أحَدِهِما، أمّا الِابْنُ فَلِأنَّهُ يُسْقِطُ الأُخْتَ، وأمّا البِنْتُ فَلِأنَّها تُصَيِّرُها عَصَبَةً، فَلا يَتَعَيَّنُ لَها فَرْضٌ.

نَعَمْ، يَكُونُ نَصِيبُها مَعَ بِنْتٍ واحِدَةٍ النِّصْفَ بِحُكْمِ العُصُوبَةِ لا الفَرْضِيَّةِ، فَلا حاجَةَ إلى تَفْسِيرِ الوَلَدِ بِالِابْنِ لا مَنطُوقًا ولا مَفْهُومًا.

وأيْضًا الكَلامُ في الكَلالَةِ، وهو مَن لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ أصْلًا، وكَذا ما لا يَكُونُ لَهُ والِدٌ، إلّا أنَّهُ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ الوَلَدِ؛ ثِقَةً بِظُهُورِ الأمْرِ، والوَلَدُ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ، فَلا بُدَّ لِلتَّخْصِيصِ مِن مُخَصِّصٍ، وأنّى بِهِ؟!

فَلْيُفْهَمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَهُ أُخْتٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ) ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ، والمُرادُ بِالأُخْتِ الأُخْتُ مِنَ الأبَوَيْنِ الأُمِّ والأبِ؛ لِأنَّ الأُخْتَ مِنَ الأُمِّ فَرْضُها السُّدُسُ، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

﴿ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ﴾ أيْ: بِالفَرْضِ، والباقِي لِلْعَصَبَةِ، أوْ لَها بِالرَّدِّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ الشَّرْطِ، ﴿ وهُوَ ﴾ أيِ المَرْءُ، المَفْرُوضُ ﴿ يَرِثُها ﴾ أيْ: أُخْتَهُ المَفْرُوضَةَ، إنْ فُرِضَ هَلاكُها مَعَ بَقائِهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ سَدَّتْ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ ﴾ ذِكْرًا كانَ أوْ أُنْثى، فالمُرادُ بِإرْثِهِ لَها إحْرازُ جَمِيعِ مالِها إذْ هو المَشْرُوطُ بِانْتِفاءِ الوَلَدِ بِالكُلِّيَّةِ، لا إرْثُهُ لَها في الجُمْلَةِ؛ فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ مَعَ وُجُودِ بِنْتِها، والآيَةُ - كَما لَمْ تَدُلَّ عَلى سُقُوطِ الأُخُوَّةِ بِغَيْرِ الوَلَدِ - لَمْ تَدُلَّ عَلى عَدَمِ سُقُوطِهِمْ بِهِ، وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلى أنَّهم لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ إذْ صَحَّ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ««ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ»» ولا رَيْبَ في أنَّ الأبَ أوْلى مِنَ الأخِ، ولَيْسَ ما ذُكِرَ بِأوَّلِ حُكْمَيْنِ بُيِّنَ أحَدُهُما بِالكِتابِ والآخَرُ بِالسُّنَّةِ.

﴿ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ الأُولى، والضَّمِيرُ لِمَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ، وتَثْنِيَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، وحُكْمُ ما فَوْقَ الِاثْنَيْنِ كَحُكْمِها، واسْتُشْكِلَ الإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ بِالِاثْنَتَيْنِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ أنْ يُفِيدَ غَيْرَ ما يُفِيدَهُ المُبْتَدَأُ، ولِهَذا لا يَصِحُّ ( سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها ) وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ دالٌّ عَلى الِاثْنَيْنِيَّةِ فَلا يُفِيدُ الإخْبارُ عَنْهُ بِما ذُكِرَ شَيْئًا، وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِيَّةَ تَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ التَّعَدُّدِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكِبَرٍ أوْ صِغَرٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُما يَسْتَحِقّانِ ما ذُكِرَ بِمُجَرَّدِ التَّعَدُّدِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، وهَذا مُفِيدٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، ورُدَّ بِأنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا فَعادَ الإشْكالُ.

ورَوى مَكِّيٌّ عَنْهُ أنَّهُ أجابَ بِأنَّ ذَلِكَ حُمِلَ عَلى مَعْنى ( مَن يَرِثُ ) وأنَّ الأصْلَ والتَّقْدِيرَ: إنْ كانَ مَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ اثْنَيْنِ، وإنْ كانَ مَن يَرِثُ ذُكُورًا وإناثًا فِيما يَأْتِي، وإنَّما قِيلَ: ( كانَتا ) و( كانُوا ) لِمُطابَقَةِ الخَبَرِ كَما قِيلَ: ( مَن كانَتْ أُمُّكَ ) ورُدَّ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، ولَيْسَ نَظِيرَ المِثالِ؛ لِأنَّهُ صُرِّحَ فِيهِ بِـ( مَن ) ولَهُ لَفْظٌ ومَعْنًى، فَمَن أنَّثَ راعى المَعْنى وهو الأُمُّ، ولَمْ يُؤَنَّثْ لِمُراعاةِ الخَبَرِ، ومَدْلُولُ الخَبَرِ فِيهِ مُخالِفٌ لِمَدْلُولِ الِاسْمِ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ مَدْلُولَهُما واحِدٌ.

وذَكَرَ أبُو حَيّانَ لِتَخْرِيجِ الآيَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ ضَمِيرَ ( كانَتا ) لا يَعُودُ عَلى الأُخْتَيْنِ، بَلْ عَلى الوارِثِينَ، وثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لِـ( اثْنَتَيْنِ ) والصِّفَةُ مَعَ المَوْصُوفِ هو الخَبَرُ، والتَّقْدِيرُ ( فَإنْ كانَتا ) أيِ الوارِثَتانِ ( اثْنَتَيْنِ ) مِنَ الأخَواتِ، فَيُفِيدُ إذْ ذاكَ الخَبَرُ ما لا يُفِيدُهُ الِاسْمُ، وحَذْفُ الصِّفَةِ لِفَهْمِ المَعْنى جائِزٌ.

والثّانِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الأُخْتَيْنِ كَما ذَكَرُوا، ويَكُونَ خَبَرُ كانَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، وإنْ كانَ حَذْفُهُ قَلِيلًا، ويَكُونَ ( اثْنَتَيْنِ ) حالًا مُؤَكِّدَةً، والتَّقْدِيرَ: فَإنْ كانَتا أيِ الأُخْتانِ لَهُ، أيْ: لِلْمَرْءِ الهالِكِ، ويَدُلُّ عَلى حَذْفِ لَهُ ( ولَهُ أُخْتٌ ).

﴿ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ أصْلُهُ: وإنْ كانُوا إخْوَةً وأخَواتٍ، فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ بِقَرِينِهِ ( رِجالًا ونِساءً ) الواقِعِ بَدَلًا، وقِيلَ: فِيهِ اكْتِفاءٌ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ حُكْمَ الكَلالَةِ، أوْ أحْكامَهُ وشَرائِعَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حُكْمُها، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ ﴿ أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا في ذَلِكَ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، وبِهِ صَرَّحَ المُبَرِّدُ.

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِنَ الكُوفِيِّينَ إلى تَقْدِيرِ ( اللّامِ ) و( لا ) في طَرَفَيْ ( أنْ ) أيْ: لِئَلّا تَضِلُّوا، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ حَذْفٌ ولا تَقْدِيرٌ، وإنَّما المُنْسَبِكُ مَفْعُولُ ( يُبَيِّنُ ) أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ضَلالَكُمْ، ورُجِّحَ هَذا بِأنَّهُ مِن حُسْنِ الخِتامِ والِالتِفاتِ إلى أوَّلِ السُّورَةِ وهُوَ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى، وبَيَّنَ لَهم ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، ولَمّا تَمَّ تَفْصِيلُهُ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُمْ: إنِّي بَيَّنْتُ لَكم ضَلالَكم فاتَّقُونِي كَما أمَرْتُكُمْ، فَإنَّ الشَّرَّ إذا عُرِفَ اجْتُنِبَ، والخَيْرَ إذا عُرِفَ ارْتُكِبَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المُبَيَّنَ صَرِيحًا هو الحَقُّ، والضَّلالُ يُعْلَمُ بِالمُقايَسَةِ، فَكانَ الظّاهِرُ ( يُبَيِّنُ لَكُمُ الحَقَّ ) إلّا أنْ يُقالَ: بَيانُ الحَقِّ واضِحٌ، وبَيانُ الضَّلالِ خَفِيٌّ فاحْتِيجَ إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.

وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ حُسْنَ الخِتامِ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّها خُتِمَتْ بِآيَةِ الفَرائِضِ، وفِيها أحْكامُ المَوْتِ الَّذِي هو آخِرُ أمْرِ كُلِّ حَيٍّ، وهي أيْضًا آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ الأحْكامِ ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُكُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَحْياكم ومَماتِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ، فَيُبَيِّنُ لَكم ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم ومَنفَعَتُكم.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ) سَتَرُوا ما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم ( ﴿ وصَدُّوا ﴾ ) ومَنَعُوا غَيْرَهم ( ﴿ عَنْ ﴾ ) سُلُوكِ ( ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ) أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ ( ﴿ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ) لِحِرْمانِهِمْ أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَمّا فِيهِ النَّجاةُ ( ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا ﴾ ) مَنَعُوا اسْتِعْدادَهم عَنْ حُقُوقِها مِنَ الكَمالِ بِارْتِكابِ الرَّذائِلِ ( ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ ) لِبُطْلانِ اسْتِعْدادِهِمْ ( ﴿ ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ) لِجَهْلِهِمُ المُرَكَّبِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ( ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ ) وهي نِيرانُ أشْواقِ نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ ( ﴿ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ ) لِانْجِذابِهِمْ إلَيْها بِالطَّبِيعَةِ ( ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ ) نَهْيٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى عِنْدَ الكَثِيرِينَ مِن ساداتِنا، وقَدْ غَلا الفَرِيقانِ في دِينِهِمْ.

أمّا اليَهُودُ فَتَعَمَّقُوا في الظّاهِرِ ونَفْيِ البَواطِنِ، فَحَطُّوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا النَّصارى فَتَعَمَّقُوا في البَواطِنِ ونَفْيِ الظَّواهِرِ فَرَفَعُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى دَرَجَةِ الأُلُوهِيَّةِ.

( ﴿ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ ) بِالجَمْعِ بَيْنَ الظَّواهِرِ والبَواطِنِ والجَمْعِ والتَّفْضِيلِ، كَما هو التَّوْحِيدُ المُحَمَّدِيُّ ( ﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ) الدّاعِي إلَيْهِ ( ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ) أيْ: حَقِيقَةٌ مِن حَقائِقِهِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ ( ورُوحٌ مِنهُ ) أيْ: أمْرٌ قُدْسِيٌّ مُنَزَّهٌ عَنْ سائِرِ النَّقائِصِ.

وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا الوَصْفِ أنَّ النّافِخَ لَهُ مِن حَيْثُ الصُّورَةُ الجِبْرِيلِيَّةُ هو الحَقُّ تَعالى لا غَيْرُهُ، فَكانَ بِذَلِكَ رُوحًا كامِلًا مُظْهِرًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، صادِرًا مِنِ اسْمٍ ذاتِيٍّ، ولَمْ يَكُنْ صادِرًا مِنَ الأسْماءِ الفَرْعِيَّةِ كَغَيْرِهِ، وما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى وسائِطُ كَما في أرْواحِ الأنْبِياءِ غَيْرِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّ أرْواحَهم - وإنْ كانَتْ مِن حَضْرَةِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى - لَكِنَّها بِتَوَسُّطِ تَجَلِّياتٍ كَثِيرَةٍ مِن سائِرِ الحَضَراتِ الأسْمائِيَّةِ، فَما سُمِّيَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُوحَ اللَّهِ تَعالى وكَلِمَتَهُ إلّا لِكَوْنِهِ وُجِدَ مِن باطِنِ أحَدِيَّةِ جَمْعِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِذَلِكَ صَدَرَتْ مِنهُ الأفْعالُ الخاصَّةُ بِاللَّهِ تَعالى؛ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وتَأْثِيرِهِ في الجِنْسِ العالِي والجِنْسِ الدُّونِ، وكانَتْ دَعْوَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الباطِنِ والعالَمِ القُدْسِيِّ، فَإنَّ الكَلِمَةَ إنَّما هي مِن باطِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى وهُوِيَّتِهِ الغَيْبِيَّةِ، ولِذَلِكَ طَهَّرَ اللَّهُ تَعالى جِسْمَهُ مِنَ الأقْذارِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ رُوحٌ مُتَجَسِّدَةٌ في بَدَنٍ مِثالِيٍّ رُوحانِيٍّ إلى آخِرِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ في الجَواهِرِ والدُّرَرِ.

( ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ﴾ ) بِالجَمْعِ والتَّفْصِيلِ ( ﴿ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ ) لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي التَّوْحِيدَ الحَقِيقِيَّ، وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ وجُودَهُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وحَياتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَياتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وعَلِمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ ( ﴿ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ ) وهو الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ ( ﴿ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴾ ) أيْ أُنَزِّهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مَوْجُودٌ غَيْرُهُ، مُتَوَلِّدٌ مِنهُ، مُجالِسٌ لَهُ في الوُجُودِ ( ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ) أيْ: ما في سَماواتِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسادِ؛ لِأنَّها مَظاهِرُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

( ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ ) في مَقامِ التَّفْصِيلِ، إذْ كُلُّ ما ظَهَرَ فَهو مُمْكِنٌ، والمُمْكِنُ لا وُجُودَ لَهُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ عَبْدًا مُحْتاجًا ذَلِيلًا مُفْتَقِرًا غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ عَنْ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ ( ﴿ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ ) الَّذِينَ هم أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ، وأنْوارٌ قُدْسِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وأمّا في مَقامِ الجَمْعِ فَلا عِيسى، ولا مَلَكٌ، ولا قُرْبٌ، ولا بُعْدٌ، ولا ولا ....

( ﴿ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ﴾ ) بِظُهُورِ أنانِيِّيهِ ( ﴿ ويَسْتَكْبِرْ ﴾ ) بِطُغْيانِهِ في الظُّهُورِ بِصِفاتِهِ ( ﴿ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ ) بِظُهُورِ نُورِ وجْهِهِ وتَجَلِّيهِ بِصِفَةِ القَهْرِ، حَتّى يَفْنَوْا بِالكُلِّيَّةِ في عَيْنِ الجَمْعِ.

( ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) الإيمانَ الحَقِيقِيَّ، بِمَحْوِ الصِّفاتِ وطَمْسِ الذّاتِ ( ﴿ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ ) وراعَوْا تَفاصِيلَ الصِّفاتِ وتَجَلِّياتِها ( ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ﴾ ) مِن جَنّاتِ صِفاتِهِ ( ﴿ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ ) بِالوُجُودِ المُوهِبِ لَهم بَعْدَ الفَناءِ ( ﴿ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا ﴾ ) وأظْهَرُوا الأنانِيَةَ ( ﴿ واسْتَكْبَرُوا ﴾ ) وطَغَوْا فَقالَ قائِلُهُمْ: أنا رَبُّكُمُ الأعلى مَعَ رُؤْيَتِهِ نَفْسَهُ ( ﴿ فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ) بِاحْتِجابِهِمْ وحِرْمانِهِمْ.

( ﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ ) وهو التَّوْحِيدُ الذّاتِيُّ ( ﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ ) وهو التَّفْصِيلُ في عَيْنِ الجَمْعِ، فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، والثّانِي إلى الفُرْقانِ ( ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ ) ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الأغْيارِ مِن حَيْثُ إنَّها أغْيارٌ ( ﴿ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ ﴾ ) وهي جَنّاتُ الأفْعالِ ( وفَضْلٍ ) وهو جَنّاتُ الصِّفاتِ ( ﴿ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ ) وهو الفَناءُ في الذّاتِ، أوِ الرَّحْمَةُ: جَنّاتُ الصِّفاتِ، والفَضْلُ: جَنّاتُ الذّاتِ، والهِدايَةُ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا الِاسْتِقامَةُ عَلى الوَحْدَةِ في تَفاصِيلِ الكَثْرَةِ، ولا حَجْرَ عَلى أرْبابِ الذَّوْقِ، فَكِتابُ اللَّهِ تَعالى بَحْرٌ لا تَنْزِفُهُ الدِّلاءُ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ، ونَسْألُهُ التَّوْفِيقَ لِفَهْمِ كَلامِهِ، وشَرْحَ صُدُورَنا بِعَوائِدِ إحْسانِهِ، ومَوائِدِ إنْعامِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده