تفسير سورة الرعد الآية ٣١ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 13 الرعد > الآية ٣١

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ٣١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ الآية، قال المفسرون (١)  : إن كنت كما تقول فباعد عنا أخشبي هذه.

يعنون جبلها فإنها ضيقة، حتى نتخذ فيها قطائع وبساتين، واجعل لنا (٢) ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ أي جعلت تسير، ﴿ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ﴾ هو أي شققت، فجعلت أنهارًا وعيونًا، وقيل: معناه: هو أنهم قالوا له: اجعلنا يخرج أحدنا إلى الشام أو إلى اليمن أو الحيرة ويرجع في ليلة، كما خبرت أنك فعلته، فعلى هذا معنى (قطعت) من قطع المسافة ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾ أي: أُحْيُوا حتى كلموا، وجواب (لو) محذوف: لِسُيِّر مَوْضِعُه، وتلخيصه: ولو أن قرآنا فعل به ما التمسوا لكان هذا القرآن، فلما عرف تأويله حذف اختصارًا، هذا قول الفراء (٣) (٤) وقال الفراء: وإن شئت جعلت جوابها متقدمًا على تقدير: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أنزلنا عليهم ما سألوا (٥) (٦) وقال الزجاج (٧) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ ﴾ إلى قوله ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ  ﴾ ، فجعل الجواب المضمر هاهنا ما أظهر في] (٨) ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا ﴾ وهو قوله: ﴿ مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ ، وهذا الذي ذكره هو قول ابن عباس (٩) ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ يريد: لو قضيت أن لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت، ولا على الأرض إلا تخرقت، ولا على الموتى إلا حيوا وتكلموا، ما آمنوا، لما سبق عليهم في علمي.

وذكر الكسائي (١٠) ﴿ لَوْ ﴾ هاهنا وجوهًا فاسدة يطول ذكرها وبيان فسادها فتركناها.

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾ معنى بل: نفي الأول وإثبات الثاني، كأنه يقول: دع ذلك الذي قالوا من تسيير الجبال وغيره، فالأمر لله جمعيًا، لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا، وإذ لم يشأ لا ينفع تسيير الجبال، وما اقترحوا من الآيات، وسياق الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ، قال ابن عباس (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال أبو عبيدة (١٧) (١٨) (١٩) أقُولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يأسِرُونَنِي ...

ألم تَيْأسُوا أني ابنُ فارِسِ زَهْدَمِ بمعنى: ألم يعلموا، وأنشد الليث (٢٠) وقال قطرب (٢١) (٢٢) (٢٣)  بهذه الآيات اشرأب المسلمون بذلك، وأرادوا أن يظهر لهم آية ليجتمعوا على الإيمان، فقال الله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ كأنه قال ألم يعلموا علمًا ييأسوا معه من أن يكون غير ما علموه، وهو أن الله لو شاء لهداهم من غير ظهور هذه الآيات، فأضمر العلم هاهنا مع اليأس، كما أضمر في قولهم: يئست من غلامي أن يفلح، وتأويله: يئست من غلامي علمًا مني أنه لا يفلح، وتلخيصه: قد علمت أن غلامي لا يفلح علمًا أيأسني من غيره، وهذا قول الفراء (٢٤) وقال أبو إسحاق (٢٥) قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذا القول مأخوذ من قول الكسائي والفراء وأبي إسحاق، هو معنى وليس بتفسير، كما قال الفراء هو في المعنى على تفسيرهم، أي أن المعنى يؤول إلى ما ذكروا؛ لأن العلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه.

ويدل على أن المراد هاهنا العلم، ما روي أن ابن عباس كان يقرأ (٢٦) ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، يريد أنه كان في الخط بتاءين، فزاد الكاتب سينة واحدة فصار (ييئس) فقرئ ييس.

وقوله تعالى: ﴿ أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ ﴾ قال أبو علي (٢٧) ﴿ أَنْ ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة وفيه ضمير القصة، والحديث على تقدير: أنه لو يشاء، كقوله ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ  ﴾ و ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ  ﴾ .

على ذلك حسن وقوع الفعل بعدها، لفصل الحرف بينهما وهو لو ولا والسين.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾ قال ابن عباس (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال أبو إسحاق (٣١) وروي عن ابن عباس (٣٢)  إليهم، وهو اختيار الفراء (٣٣)  في قول ابن عباس (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد القيامة، وهو قول الحسن، وقال قتادة (٣٨) (١) روى الطبري 13/ 151 - 152 نحو هذا عن قتادة والضحاك وابن زيد وفي "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 309 عن الحسن.

(٢) (لنا) مكررة في (أ).

(٣) "معاني القرآن" 2/ 63.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.

(٥) روى الطبري 13/ 151 نحو هذا القول عن ابن عباس ومجاهد وعبد الله بن كثير.

(٦) "زاد المسير" 4/ 331.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 148.

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٩) الطبري 13/ 151 نحوه.

وانظر: "الدر المنثور" 4/ 117.

(١٠) "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 172 قال: قال الكسائي: المعنى وددنا لو أن قرآنا سيرت به الجبال فهذا بغير حذف.

اهـ.

(١١) الطبري 13/ 154، و"زاد المسير" 4/ 331، والقرطبي 9/ 320، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 118.

(١٢) "تنوير المقباس" ص 158، الطبري 13/ 153، "زاد المسير" 4/ 331، الثعلبي 7/ 138 أ.

(١٣) الطبري 13/ 155، القرطبي 9/ 320.

(١٤) "زاد المسير" 4/ 331، القرطبي 9/ 320.

(١٥) الطبري 13/ 155، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 118، و"زاد المسير" 4/ 331.

(١٦) الطبري 13/ 155، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 118، و"زاد المسير" 4/ 331.

(١٧) "مجاز القرآن" 1/ 332.

(١٨) "تهذيب اللغة" (يئس) 4/ 3991.

(١٩) في "مجاز القرآن" 1/ 332 نسبه لسحيم بن وثيل اليربوعي.

وانظر: "اللسان" 8/ 4946 وكان وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام، وفي "اللسان" 8/ 4946 له أو لولده جابر بن سحيم.

وفي "البحر المحيط" 5/ 392 لسحيم، وغير منسوب في "المعاني الكبير" 2/ 1148 لابن قتيبة، وفي "الميسر والقداح" (33)، الطبري 13/ 153، القرطبي 9/ 320 ونسبه لمالك بن عوف النصرى، و"مشكل القرآن" (192) وزهدم: فرس سحيم، و"الكشاف" 2/ 360، و"تهذيب اللغة" (يأس) 4/ 3991، و"الحجة" 4/ 437، و"مقاييس اللغة" 6/ 154، "ديوان الأدب" 3/ 258، و"المخصص" 13/ 20.

(٢٠) اختلف في نسبة البيت، فنسبه القرطبي 9/ 320، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 392 إلى رياح بن عدي.

وانظر: "المحتسب" 1/ 357، و"الدر المصون" 7/ 53، والطبري 13/ 153، و"الحجة" 4/ 438، و"أساس البلاغة" (يئس) بلا نسبة.

(٢١) انظر: الطبري 13/ 153، و"تهذيب اللغة" (يئس) 4/ 3991.

(٢٢) "معاني القرآن" للنحاس 3/ 498، و"البحر المحيط" 5/ 392.

(٢٣) كذا في جميع النسخ ولعلها: (لامن العلم).

(٢٤) "معاني القرآن" 2/ 63، 64.

وهو كذا في النسخ ولعل الصواب (وهذا وقول الفراء سواء).

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 149.

(٢٦) في الطبري 13/ 154 أن ابن عباس كان يقرؤها (أفلم يتبين) ...

إلخ، وأخرجه ابن الأنباري في المصاحف كما في "الدر" 4/ 653.

وقد روى الطبري 13/ 154 عن علي نحوه.

وقد علق الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- على هذا الأثر وبين صحة إسناده.

وأخبر أنه كتب رسالة مستقلة حول هذا الأثر المشكل وأشباهه.

وانظر الثعلبي 7/ 138 أ، و"زاد المسير" 4/ 331، والقرطبي 9/ 320 وعلق بقوله: وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدًا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو، وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ثم إن معناه: أفلم يتبين، فإن كان مراد الله تحت اللفظة التي خالفوا بها الإجماع فقراءتنا تقع عليها، وتأتي بتأويلها، وإن أراد الله المعنى الآخر الذي اليأس فيه ليس من طريق العلم فقد سقط مما أوردوا.

اهـ.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 393: وهذه القراءة ليس قراءة تفسير لقوله ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ كما يدل عليه ظاهر كلام الزمخشري، بل هي قراءة مسندة إلى الرسول -  -، وليست مخالفه للسواد، إذ كتبوا (ييئس) بغير صورة الهمزة، وهذه كقراءة فتبينوا وفتثبتوا، وكلتاهما في السبعة، وأما قول من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس فسوق أسنان السين فقول زنديق ملحد.

اهـ.

وقال الزمخشري في "كشافه" 2/ 360: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع والقاعدة التي عليها البناء، هذه والله فرية ما فيها مرية.

اهـ.

(٢٧) "الحجة" 4/ 438.

(٢٨) الطبري 13/ 156، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 119، و"زاد المسير" 4/ 332.

(٢٩) الطبري 13/ 155، الثعلبي 7/ 138 ب، "زاد المسير" 4/ 332، القرطبي 9/ 321.

(٣٠) (والحرب) كذا في جميع النسخ، ولعل هذه اللفظة في السطر الذي يليه كما في الوسيط.

(بما صنعوا) من كفرهم، وأعمالهم الخبيثة داهية تقرعهم، ومصيبة شديدة من الأسر والقتل والحرب والجذب).

(٣١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 149.

(٣٢) الطبري 13/ 155، والفريابي وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 119، الثعلبي 7/ 138 ب.

(٣٣) "معاني القرآن" 2/ 64.

(٣٤) الطبري 13/ 156، والطيالسي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل كما في "الدر" 4/ 119، والثعلبي 7/ 138 ب.

(٣٥) "معاني القرآن" 2/ 64.

(٣٦) الطبري 13/ 157، الثعلبي 7/ 138 ب، القرطبي 9/ 321.

(٣٧) الطبري 13/ 157، عبد الرزاق 2/ 337، "زاد المسير" 4/ 332، القرطبي 9/ 321.

(٣٨) عبد الرزاق 2/ 337، و"تفسيركتاب الله العزيز" 2/ 310، القرطبي 9/ 321.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل