تفسير سورة الإسراء الآية ٧٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 17 الإسراء > الآية ٧٦

وَإِن كَادُوا۟ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًۭا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٧٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ الآية.

قال قتادة: هَمَّ أهلُ مكة بإخراج نبي الله -  - من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا؛ ولكن الله كَفَّهم عن إخراجه (١)  - من مكة حتي بعث الله عليهم القتل يوم بدر (٢) (٣) وقال ابن عباس في رواية عطاء: حسدت اليهود مقام النبيّ -  - بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فإن كنت نبيًا فالحق بها، وإن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك، فوقع ذلك في قلبه لما يحب من إسلامهم، فرحل من المدينة على مرحلة، فأنزل الله هذه الآية (٤) (٥) والقول الأول اختيار أبي إسحاق (٦) (٧) (٨) ﴿ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ على القول الأول: مكة، وعلى القول الثاني: المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكان مخصوص؛ كقوله: ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ  ﴾ يعني: من حيث كانوا يتصرفون فيه لمعاشهم، وقوله: ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ  ﴾ يعني: الأرض التي كان قَصَدَها للامتيار (٩) (١٠) فإن قيل: أليس قال الله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ  ﴾ يعني مكة، والمراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه، وقال في هذه الآية: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ﴾ فكيف الجمع بينهما، على قول من قال: الأرض في هذه الآية: مكة؟!

قلنا هَمُّوا وقصدوا إخراجه، كما قال الله -عز وجل-: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوك  ﴾ ، ثم قبل أن يُتِمُّوا ذلك أمر الله تعالى نبيه -  - بالخروج، فخرج منها بأمر الله خائفًا منهم ومن مكرهم، وكان خروجه بأمر الله سببًا لسلامته مما كانوا يدبرونه فيما بينهم، ألا ترى أن قتادة قال: هموا بإخراجه ولو فعلوا ذلك ما نوظروا على ما حكينا عنه في هذه الآية، وجاز إضافة الإخراج إليهم في قوله: ﴿ أَخْرَجَتْكَ ﴾ ؛ لأنهم هموا بذلك وأُمر بالخروج منها لقصدهم إخراجه، فلما كانوا سببًا في خروجه أضيف ذلك إليهم.

﴿ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ ، أعلم الله أنهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بعده إلا قليلاً، أي لو أخرجوك لاستأصلناهم كسنتنا فيمن قبلهم، وقرئ ﴿ خَلَفكَ ﴾ (١١) ﴿ خَلَفكَ ﴾ (١٢) وزعم الأخفش: أن خلافك في معنى خلفك، وروى ذلك يونس عن عيسى (١٣) ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ  ﴾ ، وقد مرّ.

قال أبو علي الفارسي: الآية على تقدير حذف المضاف؛ كقول ذي الرُّمَّة: له واحفٌ فالصُّلْبُ حتى تَقَطَّعَتْ ...

خِلَافَ الثُّرَيَّا من أرِيكٍ مآرِبُه (١٤) المعني: خلاف طلوع الثريا (١٥) ﴿ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا  ﴾ ، وهذه الآية داخلة في السقط الذي وقع في التفسير.

وقد ذكر السمين ثلاثة أوجه في رفع ﴿ لَا يَلْبَثُونَ ﴾ وإعمال (إذًا) فقال: == أحدهما: أنها توسطت بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون ﴿ لَا يَلْبَثُونَ ﴾ عطفًا على قوله ﴿ لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ .

الثاني: أنها متوسطة بين قسمٍ محذوفٍ وجوابه فألغيت لذلك، والتقدير: ووالله إذا لا يلبثون.

الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذًا لا يلبثون.

وفي قراءة أبي شاذًا (لايلبثوا) على إعمال (إذا) ووجه النصب أنه لم يجعل الفعل معطوفًا على ما تقدم ولا جوابًا ولا خبرًا؛ لأنه قد يقع مستأنفًا، والتقدير: إن فعلوا ذلك إذا لا يلبثوا خلافك.

انظر: "الدر المصون" 7/ 394، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 293، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه ص 80.]].

(١) في جميع النسخ.

إخراجهم والصواب ما أثبته؛ لأن الضمير يعود على الرسول -  -.

(٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 383 - بمعناه، و"الطبري" 15/ 132، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 261 - مختصرًا، و"الطوسي" 6/ 508 - مختصرًا، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 298 مختصرًا، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 353 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 133 بمعناه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 508 مختصرًا، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 298 مختصرًا.

(٤) أورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 298 بنصه -بلا سند- بهذه الرواية (منقطعة)، وقد ضعف هذا القول ابن عطية، وقال: وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا كتاب يعتمد عليه.

كما ضعف ابن كثير القولين قائلاً: قيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله -  - بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك، وقيل إنها نزلت بتبوك، وفي صحته نظر.

انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 157، و"ابن كثير" 3/ 60.

(٥) أخرجه البيهقي في "الدلائل" 5/ 254، عن ابن غنم بزيادة منكرة؛ هي: فصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله الآية، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنحوه عنهما، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 298، بنحوه عن ابن غنم، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 112، عن الكلبي، وذكره ابن كثير3/ 60 وقال: وفي هذا الإسناد.

نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي -  - لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالاً لقوله== تعالى: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر  ﴾ ، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم.

وأورده السيوطي في "لباب النزول" ص 139 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وقال: هذا مرسل ضعيف الإسناد وله شاهد من مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم.

وعبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، اختلف في صحبته، فأثبت له الصحبة البخاري وابن لهيعة والليث ورجحه ابن حجر، وذكره ابن سعد وابن حبان في ثقات التابعين ورجحه ابن عبد البر وابن الأثير، وقالا: كان مسلمًا على عهد النبي -  - ولم يره، ولم يفد عليه، وقال الذهبي: ويحتمل أن تكون له صحبة، ويعرف بصاحب معاذ، لملازمته له، وهو أفقه أهل الشام، وكانت له جلالةٌ وقَدْر، مات سنة (78 هـ).

انظر: "الاستيعاب" 2/ 390، و"أسد الغابة" 3/ 482، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 45، و"الإصابة" 2/ 417، و"تهذيب التهذيب" 2/ 543، انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 129.

(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 154.

(٧) وهو ما رجحه جمهور المفسرين، وقال الطبري: لأن الآية جاءت في سياق خبر الله -عز وجل- عن قريش وذكره إياهم، ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر ...

فهو بأن يكون خبرًا عمن جرى له ذكر أولى من غيره.

"تفسير الطبري" 15/ 133.

(٨) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 115 ب، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 301، وهو بهذا القول يؤكد مدنية السورة؛ وفي القرطبي زيادة بيان وهو قوله: وأنها نزلت في تبوك.

(٩) في جميع النسخ: (الامتيار)، والتصويب من الحجة للقراء.

(المِيرَةُ): جلب الطعام للبيع وللعيال، قال الأصمعي: يقال: ماره يَمُورُه إذا أتاه بمِيرة؛ أي بطعام.

أنظر: (مير) في "المحيط في اللغة" 10/ 285، و"اللسان" 7/ 4306.

(١٠) ورد نحوه في "الحجة للقراء" 5/ 115.

(١١) بفتح الخاء وسكون اللام، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر.

انظر: "السبعة" 383، و"علل القراءات" 1/ 326، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1380، و"الحجة للقراء" 5/ 113، و"المبسوط في القراءات" ص 230.

(١٢) بكسر الخاء وفتح اللام وبعدها ألفٌ، قرأ بها: ابن عامر حمزة والكسائي وحفص عن عاصم.

(المصادر السابقة).

(١٣) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 113 بنصه، وزاد: وأن معناه: بَعْدَكَ (١٤) "ديوانه" 2/ 842، وورد في: "الحجة للقراء" 5/ 114، (واحف والصلب): هما موضعان للرعي، (خلاف الثريا): يريد بعد طلوع الثريا، (أريك): اسم جبل بالبادية، يقول: تقطعت حوائج هذا الحمار من هذا الموضع؛ لأنه يبس مرعاه، فتحوَّل إلى غيره.

(١٥) "الحجة للقراء" 5/ 114، بنصه تقريبًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل