تفسير سورة البقرة الآية ١١٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١١٧

بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية، أي: خالقها وموجدها (١) (٢) (٣) أي: المسمع.

فالبديع: الذي يُبْدِعُ الأشياءَ، أي: يحدثها مما لم يكن.

ابن السكيت قال: البدعة: كل محدثة، وسقاء بديع: أي: جديد (٤) وقال أبو إسحاق: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ منشئُهما (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) قال الأزهري: قول الله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ بمعنى مبدعهما، إلا أن بديعًا من بَدَعَ لا من أَبْدَع، وأَبْدَع أكثر في الكلام من بَدَع، ولو استُعْمِل بَدَع لم يكن خطأ، فبديع: فعيل بمعنى فاعل، مثل: قدير بمعنى قادر، وهو (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ أي: قدره وأراد خلقه (١٢) قال أبو إسحاق في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ  ﴾ : قضى في اللغة على وجوه، كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، ومنه قول الله تعالى: ﴿ قَضَى أَجَلًا  ﴾ .

معناه: ثم حتم بذلك (١٣) ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ  ﴾ ، معناه: أمر، إلا أنه أمرٌ قاطع حتم.

ومنه الإعلام، وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه: القضاء الفصل فى الحكم، وهو قوله: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ  ﴾ (١٤) تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، وقال أبو ذؤيب (١٥) (١٦) (١٧) ومنه قول الله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ  ﴾ ، أي: خَلَقَهن وعملهن وصنعهن.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، القول هاهنا عند كثيرٍ من النحويين لا يكونُ المراد به النطق، قالوا: لأن المعدوم الذي ليس بكائن لا يخاطَبُ، وتأويله: إذا قضى أمرًا فإنما يكوِّنُه فيكونُ، والقولُ قد يَرِدُ ولا يرادُ به النطقُ والكلام، كما قال: امتلأ الحوضُ وقال قَطْني (١٨) (١٩) (٢٠) يَقُلْنَ للرائد: أعشبت، انزل (٢١) والذبّانُ لا قولَ لها، وقال آخرون: إن ما قدّر الله وجوده وعلم فهو كالموجود (٢٢) قال أبو بكر بن الأنباري: يحتمل أن تكون اللام في (له) لام أجْل، والتأويل: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ فإنما يقول من أجْل إرادته: كن، فيكون، كقوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ  ﴾ أي: من أجله (٢٣) ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ ، معناه: إنه من أجل حبّ المال لبخيل.

قال: ولا يعجبني أن يُلغى القول، ويبطل معناه؛ لأنا لا نجعل حرفًا من كتاب الله مُطَّرَحًا إذا وجدنا له من وجه من الوجوه معنى.

فإن قيل: كيف قال (كن) للشيء الذي يكونه، وذلك الشيء لا يكون نفسه حتى يقال له: كن؟

قلنا: على مذهب النحويين هذا لا يلزم؛ لأن التقدير عندهم فإنما يكوِّنه فيكون، ولفظ الأمر هاهنا المراد منه الخبر، ونذكره فيما بعد.

وأما من جعل هذا أمرًا حقيقيًّا فإنه يقول هذا من الأمر الحتم الذي لا انفكاكَ للمأمور منه، ولا قدرة له على دفعه والانصراف عنه، ومشهورٌ في كلام العرب أن يرى الرجلُ منهم الرجلَ فيقول له: كن أبا فلان، أي: أنت أبو فلان.

فكذلك قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ معناه: كن بتكويننا إياك، فالمأمور بهذا لا قدرة له على دفعِه، ولا صنع له فيه، كما أن الذي يقال له: كن أبا فلان، لا صنع له في ذلك بفعل ولا عزم ولا غير ذلك مما يكون من الفاعلين (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ قال الفراء (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ ﴾ (٢٨) الثاني: أن يكون رفعه على الاستئناف، المعنى: فهو يكون؛ لأنَّ الكلامَ تمَّ عند قوله: (كن) ثم قال: فسيكون (٢٩) (٣٠) (٣١) قال أبو علي (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا  ﴾ فالتقدير: مدَّه الرحمن.

وإذا لم يكن قوله: ﴿ كُنْ ﴾ خبرًا في المعنى وإن (٣٥) (٣٦) ﴿ فَيَكوُنُ ﴾ أن الجواب بالفاء مضارع للجزاء، يدلُّ على ذلك أنه يؤولُ في المعنى إليه.

ألا ترى أن قولك: اذهب فأعطيَكَ، معناه إن تذهب أعطيتُك (٣٧) فأمَّا مَنِ احتج له فإنه يقول: اللفظ لما كان على لفظ الأمر وإن لم يكن المعنى عليه حملته على صورة اللفظ.

وقد حمل أبو الحسن نحو قوله: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ  ﴾ ، ونحوه من الآي على أنه أجري مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جوابًا له في الحقيقة.

وقد يكونُ اللفظُ على شيء والمعنى على غيره، ألا ترى أنهم قالوا: ما أنت وزيد (٣٨) ﴿ كُنْ ﴾ لأن معناه: يكوّنه فيكون، وهذا أولى من حمله على (يقول) (٣٩) ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ، لأن قال ماضي، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما، قال: ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فهو يكون (٤٠) (١) في (ش): (خالقهما وموجدهما).

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199، "تفسير الثعلبي" 1/ 1141.

(٣) عجز البيت: يؤرقني وأصحابي هجوع وهو لعمرو بن معد يكرب، وقد تقدم البيت.

(٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 293، "لسان العرب" 1/ 230 (بدع).

(٥) في "معاني القرآن": يعني أنشأهما.

(٦) في "معاني القرآن" للزجاج: السنة والإجماع.

(٧) في "معاني القرآن" للزجاج: لأنه يأتي في دين الإسلام.

(٨) في "معاني القرآن" للزجاج: بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون.

(٩) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199 وقد نقله بحروفه من "تهذيب اللغة" 1/ 293 ولذلك اختلفت العبارات مادة (بدع).

(١٠) في "تهذيب اللغة": وهو صفة من صفات الله.

(١١) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 293، ونقله في "اللسان" 1/ 230 (بدع).

(١٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141.

(١٣) في "معاني القرآن": بعد ذلك.

(١٤) وردت الآية في نسخ "البسيط" كلها، وفي "معاني القرآن" للزجاج ناقصة هكذا، (ولولا أجل مسمى لقضي بينهم).

(١٥) هو: خويلد بن خالد بن محرث أبو ذؤيب الهذيلي، تقدمت ترجمته.

(١٦) البيت لأبي ذؤيب، في "ديوانه": 19، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، "مجاز القرآن" 1/ 52 "تأويل مشكل القرآن" ص 441، "تفسير الطبري" 1/ 509 "تفسير الثعلبي" 1/ 1141، "لسان العرب" 6/ 3662 مادة (قضض)، 6/ 3665 مادة (قضى)، 4/ 2508 مادة (صنع).

وتفسير "القرطبي" 2/ 87 "الدر المصون" 1/ 353.

والبيت من قصيدته التي يرثي فيها أولاده، ومسرودتان يعني: درعين، من السرد، وهو الخرز أو النسج وقضاهما أي: أحكمهما.

وداود هو النبي المعروف  ، والصَّنَع الحاذق بالعمل، والصَّنَع هاهنا: تبع، يقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاع.

سمع بأن داود-  - كان سخر له الحديد فكان يصنع ما أراد، وسمع بأن تبعًا ملك اليمن عملهما، فقال: عملهما تبع، وظن أنه عملهما، وإنما أمر بها أن تعمل، وكان تبع أعظم شأنًا من أن يصنع شيئًا بيده ينظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39.

(١٧) بتصرف يسير من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 230.

(١٨) عجز البيت: مهلا رويدًا قد ملأت بطني وهذا البيت لم يعرف قائله، والبيت في "تفسير الطبري" 1/ 510، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 36، و"الأمالي الشجرية"1/ 313، و"المقاصد النحوية" 1/ 36، و"الخصائص" 1/ 23، ومعنى قطني: أي: حسبي.

وروي: سلَّا رويدًا.

(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.

(٢٠) هو الفضل بن قدامة، تقدم 2/ 10.

(٢١) سبق تخريجه تحت الآية رقم 93.

(٢٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199 ففيه: قال بعض أهل اللغة (إنما يقول له كن فيكون) يقول له وإن لم يكن حاضرًا (كن)، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 364.

(٢٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.

(٢٤) ينظر تفصيل المسألة في: "تفسير الطبري" 1/ 508 - 511، "البحر المحيط" 1/ 364 - 366 وقد رجح الطبري في "تفسيره" أن الأمر هنا عام في كل ماقضاه الله وبرأه مما هو موجود، فيقال له: كن قال: فغير جائز أن يكون الشيء مأمورًا بالوجود مرادًا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك.

(٢٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 74.

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 75.

(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.

(٢٨) وهذا الذي اختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 511.

(٢٩) في (م): (فيكون).

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 75.

(٣١) ينظر كتاب: "السبعة" 168، "الحجة" 2/ 203.

(٣٢) في "الحجة" للفراء السبعة 2/ 203.

(٣٣) في (ش): (فكون).

(٣٤) في الأصل: زيد، والمثبت من "الحجة".

(٣٥) في (م): (وإذا).

(٣٦) في (ش): (لأنه).

(٣٧) من قوله: معناه ..

ساقطة من (ش).

(٣٨) في " الحجة": وزيدًا.

(٣٩) في (ش): (على ما يقول).

(٤٠) إلى هنا انتهى كلام أبي علي الفارسي 1/ 208 بتصرف واختصار.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل