الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 139 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( بديع السماوات والأرض ) أي : خالقهما على غير مثال سبق ، قال مجاهد والسدي : وهو مقتضى اللغة ، ومنه يقال للشيء المحدث : بدعة .
كما جاء في الصحيح لمسلم : " فإن كل محدثة بدعة [ وكل بدعة ضلالة ] " .
والبدعة على قسمين : تارة تكون بدعة شرعية ، كقوله : فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة .
وتارة تكون بدعة لغوية ، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم : نعمت البدعة هذه .
وقال ابن جرير : وبديع السماوات والأرض : مبدعهما .
وإنما هو مفعل فصرف إلى فعيل ، كما صرف المؤلم إلى الأليم ، والمسمع إلى السميع .
ومعنى المبدع : المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد .
قال : ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعا ; لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره ، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا .
ومن ذلك قول أعشى ثعلبة ، في مدح هوذة بن علي الحنفي : يدعى إلى قول سادات الرجال إذا أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا أي : يحدث ما شاء .
قال ابن جرير : فمعنى الكلام : فسبحان الله أنى يكون لله ولد ، وهو مالك ما في السماوات والأرض ، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية ، وتقر له بالطاعة ، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه .
وهذا إعلام من الله عباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح ، الذي أضافوا إلى الله بنوته ، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال ، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته .
وهذا من ابن جرير ، رحمه الله ، كلام جيد وعبارة صحيحة .
وقوله تعالى : ( وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه ، وأنه إذا قدر أمرا وأراد كونه ، فإنما يقول له : كن .
أي : مرة واحدة ، فيكون ، أي : فيوجد على وفق ما أراد ، كما قال تعالى : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [ يس : 82 ] وقال تعالى : ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) [ النحل : 40 ] وقال تعالى : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [ القمر : 50 ] ، وقال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له كن قولة فيكون ونبه تعالى بذلك أيضا على أن خلق عيسى بكلمة : كن ، فكان كما أمره الله ، قال [ الله ] تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (بديع السماوات والأرض) ، مبدعها.
* * * وإنما هو " مُفْعِل " صرف إلى " فعيل " كما صرف " المؤلم " إلى " أليم " ، و " المسمع " إلى " سميع " .
(32) ومعنى " المبدع " : المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد.
ولذلك سمي المبتدع في الدين " مبتدعا " ، لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره.
وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا.
ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة، (33) في مدح هَوْذَة بن علي الحنفي: يُـرعي إلـى قـول سادات الرجال إذا أبـدوا لـه الحزم , أو ما شاءه ابتدعا (34) أي يحدث ما شاء، ومنه قول رؤبة بن العجاج: فأيهــا الغاشــي القِـذَافَ الأتْيَعَـا إن كــنت للــه التقــي الأطوعـا فليس وجه الحق أن تَبَدَّعا (35) يعني: أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه.
* * * فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض ، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية ، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها ، وموجدها من غير أصل ، ولا مثال احتذاها عليه؟
* * * وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده ، أن مما يشهد له بذلك : المسيح، الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته ، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال ، هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته.
(36) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 1858- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: (بديع السماوات والأرض) ، يقول: ابتدع خلقها ، ولم يشركه في خلقها أحد.
1859- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: (بديع السماوات والأرض) ، يقول: ابتدعها فخلقها ، ولم يُخلق قبلها شيء فيتمثل به .
(37) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله: (وإذا قضى أمرا) ، وإذا أحكم أمرا وحتمه.
(38) * * * وأصل كل " قضاء أمر " الإحكام ، والفراغ منه.
(39) ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس: " القاضي" بينهم ، لفصله القضاء بين الخصوم ، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به.
(40) ومنه قيل للميت: " قد قضى " ، يراد به قد فرغ من الدنيا ، وفصل منها.
ومنه قيل: " ما ينقضي عجبي من فلان " ، يراد: ما ينقطع.
ومنه قيل: " تقضي النهار "، إذا انصرم، ومنه قول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [سورة الإسراء: 23] أي : فصل الحكم فيه بين عباده ، بأمره إياهم بذلك ، وكذلك قوله: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ [سورة الإسراء: 4] ، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به ، ففرغنا إليهم منه.
ومنه قول أبي ذؤيب: وعليهمــا مســرودتان, قضاهمـا داود أو صَنَـــعَ الســوابغِ تُبَّــعُ (41) ويروى: * وتعاورا مسرودتين قضاهما * (42) ويعني بقوله: " قضاهما "، أحكمهما.
ومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (43) قضيـت أمـورا ثـم غـادرت بعدها بَــوائِق فــي أكمامهـا لـم تَفَتَّـقِ (44) ويروى: " بوائج ".
(45) * * * وأما قوله: (فإنما يقول له كن فيكون) ، فإنه يعني بذلك: وإذا أحكم أمرا فحتمه ، فإنما يقول لذلك الأمر " كن " ، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)؟
وفي أي حال يقول للأمر الذي يقضيه : " كن "؟
أفي حال عدمه ، وتلك حال لا يجوز فيها أمره ، (46) إذْ كان محالا أن يأمر إلا المأمور ، فإذا لم يكن المأمور استحال الأمر، ؛ وكما محالٌ الأمر من غير آمر ، فكذلك محال الأمر من آمر إلا لمأمور.
(47) أم يقول له ذلك في حال وجوده ؟
= وتلك حال لا يجوز أمره فيها بالحدوث ، لأنه حادث موجود ، ولا يقال للموجود: " كن موجودا " إلا بغير معنى الأمر بحدوث عينه؟
قيل: قد تنازع المتأولون في معنى ذلك ، ونحن مخبرون بما قالوا فيه ، والعلل التي اعتل بها كل فريق منهم لقوله في ذلك: (48) * * * قال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أمره المحتوم - على وجه القضاء لمن قضى عليه قضاء من خلقه الموجودين أنه إذا أمره بأمر نفذ فيه قضاؤه ، ومضى فيه أمره ، نظير أمره من أمر من بني إسرائيل بأن يكونوا قردة خاسئين ، وهم موجودون في حال أمره إياهم بذلك ، وحتم قضائه عليهم بما قضى فيهم ، وكالذي خسف به وبداره الأرض ، وما أشبه ذلك من أمره وقضائه فيمن كان موجودا من خلقه في حال أمره المحتوم عليه.
فوجه قائلو هذا القول قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، إلى الخصوص دون العموم * * *.
وقال آخرون: بل الآية عام ظاهرها ، فليس لأحد أن يحيلها إلى باطن بغير حجة يجب التسليم لها .
(49) وقال: إن الله عالم بكل ما هو كائن قبل كونه.
فلما كان ذلك كذلك ، كانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة لعلمه بها قبل كونها ، نظائر التي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها: " كوني" ، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ، ولعلمه بها في حال العدم.
* * * وقال آخرون: بل الآية وإن كان ظاهرها ظاهرَ عمومٍ ، فتأويلها الخصوص، لأن الأمر غير جائز إلا لمأمور ، على ما وصفت قبل.
قالوا: وإذ كان ذلك كذلك ، فالآية تأويلها: وإذا قضى أمرا من إحياء ميت ، أو إماتة حي ، ونحو ذلك ، فإنما يقول لحي: " كن ميتا ، أو لميت: كن حيا " ، وما أشبه ذلك من الأمر.
* * * وقال آخرون: بل ذلك من الله عز وجل خبر عن جميع ما ينشئه ويكونه ، أنه إذا قضاه وخلقه وأنشأه ، كان ووجد - ولا قول هنالك عند قائلي هذه المقالة ، إلا وجود المخلوق وحدوث المقضي - .
وقالوا: إنما قول الله عز وجل: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)، نظير قول القائل: " قال فلان برأسه " و " قال بيده "، إذا حرك رأسه ، أو أومأ بيده ولم يقل شيئا، وكما قال أبو النجم: وقــالت للبَطْــنِ الْحَــقِ الحــق قِدْمًــا فــآضت كـالفَنِيقِ المحـنِق (50) ولا قول هنالك ، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن.
وكما قال عمرو بن حممة الدوسي: (51) فـأصبحت مثـل النسر طارت فراخه إذا رام تطيــارا يقــال لـه : قـعِ (52) ولا قول هناك ، وإنما معناه: إذا رام طيرانا وقع ، وكما قال الآخر: امتــلأ الحــوض وقـال: قطنـي ســلا رويـدا , قـد مـلأت بطنـي (53) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، أن يقال: هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه ، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم ، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا: " كتاب البيان عن أصول الأحكام ".
وإذ كان ذلك كذلك ، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: (كن) في حال إرادته إياه مكوَّنا ، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه، (54) إرادته إياه ، ولا أمره بالكون والوجود ، ولا يتأخر عنه.
(55) فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود ، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك.
ونظير قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [سورة الروم: 25] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ، ولا يتأخر عنه.
* * * ويسألُ من زعم أن قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) خاص في التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز ، (56) عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم ، أم بعده؟
أم هي في خاص من الخلق؟
فلن يقول في ذلك قولا إلا أُلزم في الآخر مثله.
ويسألُ الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه: (فإنما يقول له كن فيكون) ، نظير قول القائل: " قال فلان برأسه أو بيده " ، إذا حركه وأومأ ، ونظير قول الشاعر: (57) تقــول إذا درأت لهــا وضينـي : أهـــذا دينـــه أبــدا ودينــي (58) وما أشبه ذلك-: فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ، ولا كتاب الله ، وما دلت على صحته الأدلة اتبعوا - فيقال لقائلي ذلك: إن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمرا قال له: " كن " ، أفتنكرون أن يكون قائلا ذلك؟
فإن أنكروه كذبوا بالقرآن ، وخرجوا من الملة .
وإن قالوا: بل نقر به ، ولكنا نـزعم أن ذلك نظير قول القائل: " قال الحائط فمال " ولا قول هنالك ، وإنما ذلك خبر عن ميل الحائط.
قيل لهم: أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول: إنما قول الحائط إذا أراد أن يميل أن يقول هكذا فيميل؟
فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب ، وخالفوا منطقها وما يعرف في لسانها.
وإن قالوا: ذلك غير جائز .
قيل لهم: إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون ، فأعلم عباده قوله الذي يكون به الشيء ووصفه ووكده.
وذلك عندكم غير جائز في العبارة عما لا كلام له ولا بيان في مثل قول القائل: " قال الحائط فمال "، فكيف لم يعلموا بذلك فرق ما بين معنى قول الله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، وقول القائل: " قال الحائط فمال "؟
وللبيان عن فساد هذه المقالة موضع غير هذا نأتي فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله.
* * * وإذا كان الأمر في قوله جل ثناؤه: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بالوجود حال وجود المأمور بالوجود ، فبَيِّنٌ بذلك أن الذي هو أولى بقوله: (فيكون) (59) الرفع على العطف على قوله (60) (يقول) لأن " القول " و " الكون " حالهما واحد.
وهو نظير قول القائل: " تاب فلان فاهتدى "، و " اهتدى فلان فتاب "، لأنه لا يكون تائبا إلا وهو مهتد ، ولا مهتديا إلا وهو تائب.
فكذلك لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود ، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود.
ولذلك استجاز من استجاز نصب " فيكون " من قرأ: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40] ، بالمعنى الذي وصفنا على معنى: أن نقول فيكونَ.
وأما رفع من رفع ذلك ، (61) فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله: إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ .
إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا ، ثم ابتدأ بقوله: فيكون ، كما قال جل ثناؤه: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ، [سورة الحج: 5] وكما قال ابن أحمر: يعــالج عــاقرا أعيــت عليــه ليُلْقِحَهـــا فيَنْتِجُهـــا حُـــوارا (62) يريد: فإذا هو يَنتجها حُوارا.
* * * فمعنى الآية إذًا: وقالوا اتخذ الله ولدا ، سبحانه أن يكون له ولد!
بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما ، كل ذلك مقر له بالعبودية بدلالته على وحدانيته.
وأنى يكون له ولد ، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل ، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بمقدرته وسلطانه ، الذي لا يتعذر عليه به شيء أراده!
بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه: " كن " ، فيكون موجودا كما أراده وشاءه.
فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاؤه ، إذْ أراد خلقه من غير والد.
----------------- الهوامش : (34) سلف تخريجه في هذا الجزء : 2 : 464 .
(35) ديوانه : 87 ، واللسان (بدع) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بني تميم .
ورواية الديوان"القذاف الأتبعا" ، وليس لها معنى يدرك ، ورواية الطبري لها مخرج في العربية .
"الغاشي" من قولهم : غشي الشيء : أي قصده وباشره أو نزل به .
والقذاف : سرعة السير والإبعاد فيه ، أو كأنه أراد الناحية البعيدة ، وإن لم أجده في كتب العربية .
والأتيع : لم أجده في شيء ، ولعله أخذه من قولهم : تتايع القوم في الأرض : إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة .
يقول : يا أيها الذاهب في المسالك البعيدة عن سنن الطريق- يعني به : من ابتدع من الأمور ما لا عهد للناس به ، فسلك في ابتداعه المسالك الغريبة .
(36) نقل ابن كثير في تفسيره 1 : 294 ، عبارة الطبري ثم قال : "وهذا من ابن جرير رحمه الله كلام جيد ، وعبارة صحيحة" ، فاستحسن ابن كثير ما خف محمله ، ولكن ما ثقل عليه آنفًا (انظر ص : 522 تعليق : 1) كان مثارا لاعتراضه ، مع أنه أعلى وأجود وأدق وألطف ، وأصح عبارة ، وأعمق غورا .
وهذا عجب من العجب فيما ناله ابن جرير من قلة معرفة الناس بسلامة فهمه ، ولطف إدراكه .
(37) الأثر : 1859- كان في المطبوعة : "ولم يخلق مثلها شيئا فتتمثل به" ، وهو كلام فاسد .
والصواب في الدر المنثور 1 : 110 .
(38) حتم الأمر : قضاه قضاء لازما .
(39) كان في المطبوعة : "قضاء الإحكام" ، والصواب ما أثبت .
(40) في المطبوعة"فراغه" وزيادة"منه" واجبة .
(41) ديوانه : 19 ، والمفضليات : 881 وتأويل مشكل القرآن : 342 ، وسيأتي في تفسير الطبري 11 : 65 ، 22 : 47 (بولاق) ، من قصيدته التي فاقت كل شعر ، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون .
والضمير في قوله : "وعليهما" إلى بطلين وصفهما في شعره قبل ، كل قد أعد عدته : فتناديـــا فتـــواقفت خيلاهمــا وكلاهمــا بطــل اللقــاء مخـدع متحــاميين المجــد, كــل واثـق ببلائــه, واليــوم يــوم أشــنع وعليهمــــا مســـرودتان .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
"مسرودتان" ، يعني درعين ، من السرد ، وهو الخرز أو النسج ، قد نسجت حلقهما نسجا محكما .
وداود : هو نبي الله صلى الله عليه وسلم .
وتبع : اسم لكل ملك من ملوك حمير (انظر ما سلف 2 : 237) .
قال ابن الأنباري : "سمع بأن الحديد سخر لداود عليه السلام ، وسمع بالدروع التبعية ، فظن أن تبعا عملها .
وكان تبع أعظم من أن يصنع شيئا بيده ، وإنما صنعت في عهده وفي ملكه" .
والصنع : الحاذق بعمله ، والمرأة : صناع .
ويروى : "وعليهما ماذيتان" ، يعني درعين .
والماذية : الدرع الخالصة الحديد ، اللينة السهلة .
(42) "تعاورا" ، يعني - كما قالوا : تعاورا بالطعن ، مسرودتين .
من قولهم : تعاورنا فلانا بالضرب : إذا ضربته أنت ثم صاحبك .
ورأيي أنها رواية مرفوضة ، لا تساوق لشعر فإنه يقول بعده : وكلاهمـــا فــي كفــه يزنيــة فيهــا ســنان, كالمنــارة أصلـع وكلاهمـــا متوشـــح ذارونــق عضبــا, إذا مس الضريبــة يقطـع فتخالســا نفســـيهما بنوافـــذ كنوافــذ العُبُــط التــي لا تـرفع فهو يصف ، ثم يخبر أنهما قد تضاربا ضربا مهلكا ، ولا معنى لتقديم الطعن ثم العود إلى صفة السلاح ، إلا على بعد واستكراه .
(43) هو جزء بن ضرار ، أخو الشماخ بن ضرار .
وقد اختلف في نسبتها .
نسبت للشماخ ، ولغيره ، حتى نسبوها إلى الجن (انظر طبقات فحول الشعراء : 111 ، وحماسة أبي تمام 3 : 65 ، وابن سعد 3 : 241 ، والأغاني 9 : 159 ، ونهج البلاغة 3 : 147 ، والبيان والتبيين 3 : 364 ، وتأويل مشكل القرآن : 343 ، وغيرها كثير) .
هذا والصواب أن يقول : "في رثاء عمر بن الخطاب" .
(44) البوائق جمع بائقة : وهي الداهية المنكرة التي فتحت ثغرة لا تسد .
والأكمام جمع كم _(بضم الكاف وكسرها) .
وهو غلاف الثمرة قبل أن ينشق عنه .
وقوله : "لم تفتق" ، أصلها : تتفتق ، حذف إحدى التاءين .
وتفتق الكم عن زهرته : انشق وانفطر .
ورحم الله عمر من إمام جمع أمور الناس حياته ، حتى إذا قضى انتشرت أمورهم .
(45) بوائج جمع بائجة : وهي الداهية التي تنفتق انفتاقا منكرا فتعم الناس ، وتتابع عليهم شرورها من قولهم : باج البرق وانباج وتبوج : إذا لمع وتكشف وعم السحاب ، وانتشر ضوؤه .
(46) في المطبوعة : "وتلك حال لا يجوز أمره" ، بإسقاط"فيها" ، وهي واجبة ، واستظرتها من السياق ومن الشطر الآتي من السؤال .
(47) في المطبوعة : "كما محال الأمر" ، بإسقاط الواو ، وهي واجب إثباتها .
ويعنى بقوله : "المأمور" ، أي الموجود المأمور .
(48) أحب أن أنبه قارئ هذا التفسير ، أن يلقى باله إلى سياق أقوال القائلين ، وكيف يخلص هو المعاني بعضها من بعض ، وكيف يصيب الحجة بعقل ولطف إدراك ، وصحة بيان عن معاني الكلام ، وعن تأويل آيات كتاب ربنا سبحانه وتعالى ثم لينظر بعد ذلك أقوال المفسرين ، وكيف تجنبوا الإيغال فيما توغل هو فيه ، ثقة بعون الله له ، ثم اتباعا لأهدى السبل في طلب المقاصد .
(49) انظر معنى : "الظاهر ، والباطن" فيما سلف : 2 : 15 والمراجع .
(50) لم أجد الرجز كاملا ، والبيتان في اللسان (حنق) .
يصف ناقة أنضاها السير .
والأنساع جمع نسع (بكسر فسكون) ، وهو سير يضفر عريضا تشد به الرحال .
ولحق البطن يلحق لحوقا : ضمر .
أي قالت سيور التصدير لبطن الناقة : كن ضامرا .
يعني بذلك ما أضناها من السير .
وقدما : أي منذ القدم قال بشامة بن الغدير .
لا تظلمونــا, ولا تنســوا قرابتنـا إطـوا إلينـا, فقدمـا تعطـف الرحـم ويعني أبو النجم : أن الضمور قد طال بها ، فإن الأنساع قالت ذلك منذ زمن بعيد .
وآض : صار ورجع .
والفنيق الجمل الفحل المودع للفحلة ، لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم ، فهو ضخم شديد التركيب .
والمحنق : الضامر القليل اللحم .
والإحناق : لزوق البطن بالصلب .
(51) يقال له أيضًا : كعب بن حممة ، وهو أحد المعمرين ، زعموا عاش أربعمائة سنة غير عشر سنين .
وهو أحد حكام العرب ، ويقال إنه هو"ذو الحلم" الذي قرعت له العصا ، فضرب به المثل .
(52) كتاب المعمرين : 22 ، وحماسة البحتري : 205 ومعجم الشعراء : 209 ، وهي أبيات .
(53) أمالي ابن الشجري 1 : 313 ، 2 : 140 ، واللسان (قطط) .
وفي المطبوعة : "سيلا" ، والصواب في اللسا وأمالي ابن الشجري ، والرواية المشهورة"مهلا رويدا" .
وقطني : حسبي وكفاني وللنحاة كلام كثير في"قطني" .
وقوله"سلا" : كأنه من قولهم : انسل السيل : وذلك أول ما يبتدئ حين يسيل ، قبل أن يشتد .
كأنه يقول : صبا رويدا .
(54) في المطبوعة : "وجوده" الذي أراد إيجاده" وزيادة الهاء في"وجوده" لا مكان لها .
(55) يقول : إن وجود الشيء ، لا يتقدم إرادة الله وأمره ، ولا يتأخر عنهما .
(56) يقول : "يسأل من زعم .
.
عن دعوة أهل القبور" .
(57) هو المثقب العبدي .
(58) المفضليات : 586 ، والكامل 1 : 193 وطبقات فحول الشعراء : 231 ، وسيأتي في تفسيره 4 : 112 (بولاق) من قصيدة جيدة ، يقول قبله في ناقته : إذا مــا قمــت أرحلهــا بليــل تــأوه آهــة الرجــل الحــزين ودرأ الوضين لناقته : بسطه على الأرض ، ثم أبركها عليه ليشد عليها رحلها .
والوضين : حزام عريض من جلد منسوج يشد به رحل البعير .
والدين : الدأب والعادة .
(59) في المطبوعة : "فتبين" ، والصواب ما أثبت .
(60) في المطبوعة : "فيكون على العطف" سقط من الناسخ قوله : الرفع" .
(61) وهذه هي قراءة مصحفنا اليوم .
(62) المعاني الكبير : 846 ، 1134 ، وسيبويه 1 : 341 ، من أبيات يذكر صديقا كان له ، يقول : أرانـــا لا يــزال لنــا حــميم كــداء البطــن سِــلا أو صُفـارا يعــالج عــاقرا أعيــت عليــه ليلقحهـــا , فينتجهـــا حــوارا ويـــزعم أنـــه نــاز علينــا بشــــرته فتاركنـــا تبـــارا جعل هذا الصديق كداء البطن لا يدري من أين يهج ولا كيف يتأتى له .
وهو يعالج من الشر ما لا يقدر عليه ، فكأنه يطلب الولد من عاقر .
جعل ذلك مثلا .
والحوار : ولد البقرة .
والشرة : حدة الشر ، والتبار : الهلاك .
قوله تعالى : بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : بديع السماوات والأرض فعيل للمبالغة ، وارتفع على خبر ابتداء محذوف ، واسم الفاعل مبدع ، كبصير من مبصر .
أبدعت الشيء لا عن مثال ، فالله عز وجل بديع السماوات والأرض ، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال .
وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع ، ومنه أصحاب البدع .
وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام ، وفي البخاري ( ونعمت البدعة هذه ) يعني قيام رمضان .الثانية : كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يجوز أن يكون لها أصل في الشرع أولا ، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسوله عليه ، فهي في حيز المدح .
وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، فهذا فعله من الأفعال المحمودة ، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه .
ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة هذه ، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح ، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 84 ] قد صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس عليها ، فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها ، وجمع الناس لها ، وندبهم إليها ، بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة .
وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهي في حيز الذم والإنكار ، قال معناه الخطابي وغيره .قلت : وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته : وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة ، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم ، وقد بين هذا بقوله : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء .
وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن ، وهو أصل هذا الباب ، وبالله العصمة والتوفيق ، لا رب غيره .الثالثة : قوله تعالى : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي إذا أراد إحكامه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له كن .
قال ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ، ومنه سمي القاضي ، لإنه إذا حكم فقد فرغ مما بين الخصمين .
وقال الأزهري : قضى في اللغة على وجوه ، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه ، قال أبو ذؤيب :وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبعوقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه :قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتققال علماؤنا : " قضى " لفظ مشترك ، يكون بمعنى الخلق ، قال الله تعالى : فقضاهن سبع سماوات في يومين أي خلقهن .
ويكون بمعنى الإعلام ، قال الله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب [ ص: 85 ] أي أعلمنا .
ويكون بمعنى الأمر ، كقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه .
ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام ، ومنه سمي الحاكم قاضيا .
ويكون بمعنى توفية الحق ، قال الله تعالى : فلما قضى موسى الأجل .
ويكون بمعنى الإرادة ، كقوله تعالى : فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي إذا أراد خلق شيء .
قال ابن عطية : قضى معناه قدر ، وقد يجيء بمعنى أمضى ، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه .
وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد .الرابعة : قوله تعالى : أمرا الأمر واحد الأمور ، وليس بمصدر أمر يأمر .
قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها :الأول : الدين ، قال الله تعالى : حتى جاء الحق وظهر أمر الله يعني دين الله الإسلام .الثاني : القول ، ومنه قوله تعالى : " فإذا جاء أمرنا " يعني قولنا ، وقوله : فتنازعوا أمرهم بينهم يعني قولهم .الثالث : العذاب ، ومنه قوله تعالى : لما قضي الأمر يعني لما وجب العذاب بأهل النار .الرابع : عيسى عليه السلام ، قال الله تعالى : إذا قضى أمرا يعني عيسى ، وكان في علمه أن يكون من غير أب .الخامس : القتل ببدر ، قال الله تعالى : فإذا جاء أمر الله يعني القتل ببدر ، وقوله تعالى : ليقضي الله أمرا كان مفعولا يعني قتل كفار مكة .السادس : فتح مكة ، قال الله تعالى : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره يعني فتح مكة .السابع : قتل قريظة وجلاء بني النضير ، قال الله تعالى : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره .[ ص: 86 ] الثامن : القيامة ، قال الله تعالى : أتى أمر الله .التاسع : القضاء ، قال الله تعالى : يدبر الأمر يعني القضاء .العاشر : الوحي ، قال الله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض يقول : ينزل الوحي من السماء إلى الأرض ، وقوله : يتنزل الأمر بينهن يعني الوحي .الحادي عشر : أمر الخلق ، قال الله تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور يعني أمور الخلائق .الثاني عشر : النصر ، قال الله تعالى : يقولون هل لنا من الأمر من شيء يعنون النصر ، قل إن الأمر كله لله يعني النصر .الثالث عشر : الذنب ، قال الله تعالى : فذاقت وبال أمرها يعني جزاء ذنبها .الرابع عشر : الشأن والفعل ، قال الله تعالى : وما أمر فرعون برشيد أي فعله وشأنه ، وقال : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي فعله .الخامسة : قوله تعالى : كن قيل : الكاف من كينونه ، والنون من نوره ، وهي المراد بقوله عليه السلام : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق .
ويروى : ( بكلمة الله التامة ) على الإفراد .
فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها ، فإذا قال لكل أمر كن ، ولكل شيء كن ، فهن كلمات .
يدل على هذا ما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى : عطائي كلام وعذابي كلام .
خرجه الترمذي في حديث فيه طول .
والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات أيضا ، لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة .
وإنما قيل " تامة " لأن أقل الكلام عند أهل اللغة [ ص: 87 ] على ثلاثة أحرف : حرف مبتدأ ، وحرف تحشى به الكلمة ، وحرف يسكت عليه .
وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص ، كيد ودم وفم ، وإنما نقص لعلة .
فهي من الآدميين من المنقوصات لأنها على حرفين ، ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات .
ومن ربنا تبارك وتعالى تامة ; لأنها بغير الأدوات ، تعالى عن شبه المخلوقين .السادسة : قوله تعالى : فيكون قرئ برفع النون على الاستئناف .
قال سيبويه .
فهو يكون ، أو فإنه يكون .
وقال غيره : هو معطوف على يقول ، فعلى الأول كائنا بعد الأمر ، وإن كان معدوما فإنه بمنزلة الموجود إذا هو عنده معلوم ، على ما يأتي بيانه .
وعلى الثاني كائنا مع الأمر ، واختاره الطبري وقال : أمره للشيء ب كن لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه ، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ، ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود ، على ما يأتي بيانه .
قال : ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه ، كما قال ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون .
وضعف ابن عطية هذا القول وقال : هو خطأ من جهة المعنى ; لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود .وتلخيص المعتقد في هذه الآية : أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها ، قادرا مع تأخر المقدورات ، عالما مع تأخر المعلومات .
فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات ، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن .
وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم ولم يزل .
والمعنى الذي تقتضيه عبارة كن : هو قديم قائم بالذات .وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل : ففي أي حال يقول له كن فيكون ؟
أفي حال عدمه ، أم في حال وجوده ؟
فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا ، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر ، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث ; لأنه موجود حادث ؟
قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة :أحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود ، كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين ، ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات .الثاني : أن الله عز وجل عالم هو كائن قبل كونه ، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها : كوني .
ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم .[ ص: 88 ] الثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله ، وإنما هو قضاء يريده ، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا ، كقول أبي النجم :قد قالت الأنساع للبطن الحقولا قول هناك ، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن ، وكقول عمرو بن حممة الدوسي :فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطيارا يقال له قعوكما قال الآخر :قالت جناحاه لساقيه الحقا ونجيا لحمكما أن يمزقا
ثم قال: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق.
{ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فلا يستعصى عليه, ولا يمتنع منه.
قوله تعالى: {بديع السموات والأرض} أي مبدعها ومنشئها من غير مثال سبق.
{وإذا قضى أمراً} أي قدره، وقيل: أحكمه وقدره وأتقنه، وأصل القضاء: الفراغ، ومنه قيل لمن مات: قضي عليه لفراغه من الدنيا، ومنه قضاء الله وقدره لأنه فرغ منه تقديراً وتدبيراً.
{فإنما يقول له كن فيكون} قرأ ابن عامر (كن فيكون) بنصب النون في جميع المواضع إلا في آل عمران {كن فيكون * الحق من ربك}، وفي سورة الأنعام {كن فيكون قوله الحق} وإنما نصبها لأن جواب الأمر بالفاء يكون منصوباً وافقه الكسائي في النحل ويس، وقرأ الآخرون بالرفع على معنى فهو يكون.
فإن قيل كيف قال (فإنما يقول له كن فيكون) والمعدوم لا يخاطب؟
قال ابن الأنباري: "معناه فإنما يقول له أي لأجل تكوينه، فعلى هذا ذهب معنى الخطاب"، وقيل: هو وإن كان معدوماً ولكنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة كان كالموجود فصح الخطاب.
«بديع السماوات والأرض» موجدهم لا على مثال سبق «وإذا قضى» أراد «أمرا» أي إيجاده «فإنما يقول له كن فيكون» أي فهو يكون وفى قراءة بالنصب جوابا للأمر.
والله تعالى هو خالق السموات والأرض على غير مثال سبق.
وإذا قدَّر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: "كن" فيكون.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال : ( بَدِيعُ السماوات والأرض ) أي : مبدعهما ومنشئهما بلا احتذاء ولا اقتداء .
وبلا آلة ولا مادة ، وبديع صفة مشبهة من أبدع ، والذي ابتدعهما من غير أصل ولا مثال هو الله - تعالى - .
وخص السموات والأرض بالإِبداع ، لأنهما أعظم ما يشاهد من المخلوقات .قال القرطبي : " قوله - تعالى - : ( بَدِيعُ السماوات والأرض ) فعيل للمبالغة .
وارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف ، واسم الفاعل مبدع كبصير من مبصر .
أبدعت الشيء لا عن مثال ، فالله - تعالى - بديع السموات والأرض ، أي منشئهما وموجدهما ، ومخترعهما ، على غير حد ولا مثال ، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع ، ومنه أصحاب البدع؛ وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام .
.
.
"وقوله : ( وَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) معناه : وإذا أراد - سبحانه - إحداث أمر من الأمور حدث فوراً .
" وكن فيكون فعلان من الكون بمعنى الحدوث .
ويرى كثير من أهل السنة أن الجملة واردة على وجه التمثيل ، لحدوث ما تتعلق به إرادته - سبحانه - بلا مهلة وبلا توقف .
وليس المراد أنه إذا أراد إحداث أمر أتى بالكاف والنون ، ففي الكلام استعارة تمثيلية .ويرى آخرون أن الأمر يكن محمول على حقيقته ، وأنه - تعالى - أجرى سنته في تكوين الأشياء أن يكونها بكلمة كن أزلا .وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد حكتا بعض الشبهات الباطلة التي أوردها الضالون حول وحدانية الله وردت عليها بما يدحضها ويثبت كذبها .
اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين، واعلم أن الظاهر قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ أن يكون راجعاً إلى قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله ﴾ وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى، ومنهم من تأوله على مشركي العرب، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى، لأن اليهود قالوا: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيراً ابن الله، أما قوله تعالى: ﴿ سبحانه ﴾ فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ فمرة أظهره، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه، واحتج على هذا التنزيه بقوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه: الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين، وما به المشاركة، غير ما به الممايزة، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه من غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته، هذا خلف، ثم نقول: إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه، ويقضي إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية، وذلك محال، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل، لأن كل كثرة فلابد فيها من الواحد، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت، فالبسيط مركب هذا خلف، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثاً فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولداً له، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع.
والثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له.
والثالث: أن الولد لابد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازاً عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة.
الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وقال في مريم: ﴿ ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴾ وقال أيضاً في آخر هذه السورة: ﴿ وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ﴾ فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات والأرض، وفي سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات والأرض على ما قال: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً ﴾ قلنا: قوله تعالى في هذه السورة: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ أتم، لأن كلمة (ما) تتناول جميع الأشياء، وأما قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القنوت: أصله الدوام، ثم يستعمل على أربعة أوجه: الطاعة، كقوله تعالى: ﴿ يامريم اقنتى لِرَبّكِ ﴾ وطول القيام، كقوله عليه السلام لما سئل: أي الصلاة أفضل؟
قال: طول القنوت وبمعنى السكوت، كما قال زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ فأمسكنا عن الكلام، ويكون بمعنى الدوام، إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون ﴾ أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس، فقيل لهؤلاء الكفار: ليسوا مطيعين، فعند هذا قال آخرون: المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة، وهو قول السدي، فقيل لهؤلاء: هذه صفة المكلفين، وقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات ﴾ يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر.
الأول: بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية.
الثاني: كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم، وعلى هذين الوجهين الآية عامة.
الثالث: أراد به الملائكة وعزيراً والمسيح، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله، فقال علي رضي الله عنه: فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة، فانقطع النصراني.
المسألة الثانية: لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه.
المسألة الثالثة: يقال كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله: ﴿ قانتون ﴾ جوابه: كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم.
أما قوله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السموات والأرض ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: البديع والمبدع بمعنى واحد.
قال القفال: وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة: سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً.
المسألة الثانية: اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال: ﴿ وَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعض الأدباء: القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية، وفي معناه القضية، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب ق ض ى وأصله قضاي إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظاً، ومن نظائره المضاء والإتاء، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء، من سقيت وشفيت، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول: قضيت وقضينا، وقضيت إلى قضيتن، وقضيا وقضين، وهما يقضيان، وهي وأنت تقضي، والمرأتان وأنتما تقضيان، وهن يقضين، وأما أنت تقضين، فالياء فيه ضمير المخاطبة، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من ذلك قولهم؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم، لأنه فصل للدعوى، ولهذا قيل: حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع، وقولهم: قضى حاجته، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه، وقولهم: قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات ﴾ وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه، ومنه: درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها، وأما قولهم؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات، وقضى عليه: قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق، أما الأول فيقال: قاضه فانقاض، أي شقه فانشق، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع، فأولها: قضبه إذا قطعه، ومنه القضبة المرطبة، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر، والقضيب: الغصن، فعيل بمعنى مفعول، والمقضب ما يقضب به كالمنجل.
وثانيها؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، لأن فيه قطعاً للمأكول، وسيف قضيم: في طرفه تكسر وتفلل.
وثالثها: القضف وهو الدقة، يقال رجل قضيف، أي: نحيف، لأن القلة من مسببات القطع.
ورابعها: القضأة فعلة وهي الفساد، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة.
المسألة الثانية: في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا: أنه يستعمل على وجوه: أحدها: بمعنى الخلق، قوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات ﴾ يعني خلقهن.
وثانيها: بمعنى الأمر قال تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ .
وثالثها: بمعنى الحكم، ولهذا يقال للحاكم: القاضي.
ورابعاً: بمعنى الإخبار، قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِي الكتاب ﴾ أي أخبرناهم، وهذا يأتي مقروناً بإلى.
وخامسها: أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ يعني لما فرغ من ذلك، وقال تعالى: ﴿ وَقُضِىَ الأمر واستوت عَلَى الجودى ﴾ يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال: ﴿ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ بمعنى ليفرغوا منه، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ قيل: إذا خلق شيئاً، وقيل: حكم بأنه يفعل شيئاً، وقيل: أحكم أمراً، قال الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع المسألة الثالثة: اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق؟
نعم وهو المراد بالأمر هاهنا، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه.
المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين: في أول آل عمران: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ وفي الأنعام: ﴿ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق ﴾ فإنه رفعهما، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن، والباقون بالرفع في كل القرآن، أما النصب فعلى جواب الأمر، وقيل هو بعيد، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون.
المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ هو أنه تعالى يقول له: ﴿ كُنَّ ﴾ فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على ﴿ كُنَّ ﴾ إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه: الأول: أن كلمة ﴿ كُنَّ ﴾ لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لابد وأن يكون محدثاً، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً.
الثاني: أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال، فذلك القضاء لابد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف ﴿ إِذَا ﴾ وقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ ﴾ والمتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون: ﴿ كُنَّ ﴾ قديماً.
الثالث: أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ بفاء التعقيب فيكون قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لابد وأن يكون محدثاً فقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ لا يجوز أن يكون قديماً، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ وقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ أيضاً محدث فيلزم افتقار: ﴿ كُنَّ ﴾ آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ .
الحجة الثانية: أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود، والأول: باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه، والثاني: أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه.
الحجة الثالثة: أن المخلوق قد يكون جماداً، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم.
الحجة الرابعة: أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ.
الحجة الخامسة: أن ﴿ كُنَّ ﴾ لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة.
الحجة السادسة: أن ﴿ كُنَّ ﴾ كلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون الكاف متقدماً على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما، فإن كان الأول لم يكن لكلمة ﴿ كُنَّ ﴾ أثر البتة، بل التأثير لأحد هذين الحرفين، وإن كان الثاني فهو محال، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً، وحين جاء الثاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة.
الحجة السابعة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ بين أن قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، وإذا ثبت هذا فنقول لابد من التأويل وهو من وجوه: الأول: وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني؟
قال: سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
الثاني: أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل.
الثالث: أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم؛ ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم.
الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول.
<div class="verse-tafsir"
يقال بدع الشيء فهو بديع، كقولك: بزع الرجل فهو بزيع.
و ﴿ بَدِيعُ السماوات ﴾ من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.
وقيل: البديع بمعنى المبدع، كما أنّ السميع في قول عمرو: أمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ بمعنى المسمع وفيه نظر ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ من كان التامّة، أي أحدث فيحدث.
وهذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول ثم، كما لا قول في قوله: إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الحق وإنما المعنى أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فأنما يتكوّن ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء.
أكد بهذا استبعاد الولادة لأنّ من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها.
وقرئ: ﴿ بديعُ السموات ﴾ مجروراً على أنه بدل من الضمير في له.
وقرأ المنصور بالنصب على المدح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مُبْدِعُهُما، ونَظِيرُهُ السَّمِيعُ في قَوْلِهِ: أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ...
يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ أوْ بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، مِن بَدَّعَ فَهو بَدِيعٌ، وهو حُجَّةٌ رابِعَةٌ.
وتَقْرِيرُها أنَّ الوالِدَ عُنْصُرُ الوَلَدِ المُنْفَعِلُ بِانْفِصالِ مادَّتِهِ عَنْهُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها، فاعِلٌ عَلى الإطْلاقِ، مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالِ، فَلا يَكُونُ والِدًا.
والإبْداعُ: اخْتِراعُ الشَّيْءِ لا عَنِ الشَّيْءِ دُفْعَةً، وهو ألْيَقُ بِهَذا المَوْضُوعِ مِنَ الصُّنْعِ الَّذِي هُوَ: تَرْكِيبُ الصُّوَرِ لا بِالعُنْصُرِ، والتَّكْوِينُ الَّذِي يَكُونُ بِتَغْيِيرٍ وفي زَمانٍ غالِبًا.
وقُرِئَ بَدِيعِ مَجْرُورًا عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُ.
وبَدِيعَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ.
﴿ وَإذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا، وأصْلُ القَضاءِ إتْمامُ الشَّيْءِ قُوَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ ، أوْ فِعْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ .
وأُطْلِقَ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُهُ.
﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ مِن كانَ التّامَّةِ بِمَعْنى احْدُثْ فَيَحْدُثُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ أمْرٍ وامْتِثالٍ، بَلْ تَمْثِيلِ حُصُولِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ بِلا مُهْلَةٍ بِطاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ بِلا تَوَقُّفٍ.
وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الإبْداعِ، وإيماءٌ إلى حُجَّةٍ خامِسَةٍ وهِيَ: أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِمّا يَكُونُ بِأطْوارٍ ومُهْلَةٍ، وفِعْلُهُ تَعالى مُسْتَغْنٍ عَنْ ذَلِكَ.
وقَرَأابْنُ عامِرٍ « فَيَكُونَ» بِفَتْحِ النُّونِ.
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في هَذِهِ الضَّلالَةِ أنَّ أرْبابَ الشَّرائِعِ المُتَقَدَّمَةِ كانُوا يُطْلِقُونَ الأبَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ السَّبَبُ الأوَّلُ، حَتّى قالُوا إنَّ الأبَ هو الرَّبُّ الأصْغَرُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الرَّبُّ الأكْبَرُ، ثُمَّ ظَنَّتِ الجَهَلَةُ مِنهم أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى الوِلادَةِ، فاعْتَقَدُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا، ولِذَلِكَ كَفَرَ قائِلُهُ ومُنِعَ مِنهُ مُطْلَقًا حَسْمًا لِمادَّةِ الفَسادِ.
<div class="verse-tafsir"
{بَدِيعُ السماوات والأرض} أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضى الله عنهم {وَإِذَا قضى أَمْرًا} أي حكم أو قدر {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} هو من كان التامة أي أحدث فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثُمَّ وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطبع الذى يؤمر فيمتثل ولا يكون منه إباء وأكد بهذا استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدر كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثمّ والوجه الرفع في فيكون وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون أو على العطف على يقول ونصبه ابن عامر على لفظ كن لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب وقلنا إن كن ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذا قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بكن أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب
﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما، فَهو فَعِيلٌ مِن أفْعَلَ، وكانَ الأصْمَعِيُّ يُنْكِرُ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَدْ جاءَ كَثِيرًا نَحْوَ: مُسْخِنٍ، وسَخِينٍ، ومُقْعِدٍ، وقَعِيدٍ، ومُوصِي ووَصِيٍّ، ومُحْكِمٍ، وحَكِيمٍ، ومُبْرِمٍ، وبَرِيمٍ ومُونِقٍ، وأنِيقٍ، في أخَواتٍ لَهُ، ومِن ذَلِكَ السَّمِيعُ في بَيْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ السّابِقِ، والِاسْتِشْهادُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ المُتَبادِرِ عَلى ما هو الألْيَقُ بِمَباحِثِ العَرَبِيَّةِ، فَلا يَرُدُّ ما قِيلَ في البَيْتِ، لِأنَّهُ عَلى خِلافِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها، لِلتَّخْفِيفِ، أيْ بَدِيعُ سَماواتِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الصِّفَةَ إذا أُضِيفَتْ إلى الفاعِلِ يَكُونُ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى المَوْصُوفِ، فَلا تَصِحُّ الإضافَةُ إلّا إذا صَحَّ اتِّصافُ المَوْصُوفِ بِها نَحْوَ: حَسَنُ الوَجْهِ، حَيْثُ يَصِحُّ اتِّصافُ الرَّجُلِ بِالحُسْنِ لِحُسْنِ وجْهِهِ، بِخِلافِ حَسَنُ الجارِيَةِ، وإنَّما صَحَّ: زَيْدٌ كَثِيرُ الإخْوانِ، لِاتِّصافِهِ بِأنَّهُ مُتَقَوٍّ بِهِمْ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ، وإنِ امْتَنَعَ اتِّصافُهُ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَكِنْ يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ، وهو كَوْنُهُ مُبْدِعًا لَهُما، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأوْلى بَقاءَ المُبْدِعِ عَلى ظاهِرِهِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أساطِينُ أهْلِ اللُّغَةِ، والإبْداعُ اخْتِراعُ الشَّيْءِ لا عَنْ مادَّةٍ، ولا في زَمانٍ، ويُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في إيجادِهِ تَعالى لِلْمَبادِي كَما قالَهُ الرّاغِبُ، وهو غَيْرُ الصُّنْعِ، إذْ هو تَرْكِيبُ الصُّورَةِ بِالعُنْصُرِ، ويُسْتَعْمَلُ في إيجادِ الأجْسامِ وغَيْرِ التَّكْوِينِ، فَإنَّهُ ما يَكُونُ بِتَغَيُّرٍ، وفي زَمانٍ غالِبًا، وإذا أُرِيدَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ جَمِيعُ ما سِواهُ تَعالى مِنَ المُبْدَعاتِ والمَصْنُوعاتِ والمُكَوَّناتِ لِاحْتِوائِها عَلى عالَمِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ فَبَعْدَ اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ يَصِحُّ إطْلاقُ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ، إلّا أنَّ لَفْظَ الإبْداعِ ألْيَقُ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، والقَوْلُ بِتَعَيُّنِ حَمْلِ الإبْداعِ عَلى التَّكْوِينِ مِن مادَّةٍ، أوْ أجْزاءٍ لِأنَّ إيجادَ السَّماواتِ مِن شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ ﴾ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرْنا، والآيَةُ حُجَّةٌ أُخْرى لِإبْطالِ تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ، وتَقْرِيرُها أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِكُلِّ ما سِواهُ، فاعِلٌ عَلى الإطْلاقِ، ولا شَيْءَ مِنَ الوالِدِ، كَذَلِكَ ضَرُورَةُ انْفِعالِهِ بِانْفِصالِ مادَّةِ الوَلَدِ عَنْهُ، فالله تَعالى لَيْسَ بِوالِدٍ، وقَرَأ المَنصُورُ (بَدِيعَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَهُ) عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، ﴿ وإذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ أرادَ شَيْئًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا ﴾ وجاءَ القَضاءُ عَلى وُجُوهٍ تَرْجِعُ كُلُّها إلى إتْمامِ الشَّيْءِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، وإطْلاقُهُ عَلى الإرادَةِ مَجازٌ مِنَ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ المُسَبَّبِ في السَّبَبِ، فَإنَّ الإيجادَ الَّذِي هو إتْمامُ الشَّيْءِ مُسَبَّبٌ عَنْ تَعَلُّقِ الإرادَةِ، لِأنَّهُ يُوجِبُهُ، وساوى ابْنُ السَّيِّدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَدَرِ، والمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُما بِجَعْلِ القَدَرِ تَقْدِيرًا لِأُمُورٍ قَبْلَ أنْ تَقَعَ، والقَضاءُ إنْفاذُ ذَلِكَ القَدَرِ وخُرُوجُهُ مِنَ العَدَمِ إلى حَدِّ الفِعْلِ، وصَحَّحَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ، لِأنَّهُ قَدْ جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِكَهْفٍ مائِلٍ لِلسُّقُوطِ، فَأسْرَعَ المَشْيَ حَتّى جاوَزَهُ، فَقِيلَ لَهُ: أتَفِرُّ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى؟
فَقالَ: (أفِرُّ مِن قَضائِهِ تَعالى إلى قَدَرِهِ)،» فَفَرَّقَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَ القَضاءِ والقَدَرِ.
﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفِعْلَيْنِ مِن كانَ التّامَّةِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الخَبَرِ، مَعَ أنَّها الأصْلُ، أيْ أحْدَثَ فَيَحْدُثُ، وهي تَدُلُّ عَلى مَعْنى النّاقِصَةِ، لِأنَّ الوُجُودَ المُطْلَقَ أعَمُّ مِن وُجُودِهِ في نَفْسِهِ، أوْ في غَيْرِهِ، والأمْرُ مَحْمُولٌ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَقِّقُو ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ أجْرى سُنَّتَهُ في تَكْوِينِ الأشْياءِ أنْ يُكَوِّنَها بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وإنْ لَمْ يَمْتَنِعْ تَكْوِينُها بِغَيْرِها، والمُرادُ الكَلامُ الأزَلِيُّ، لِأنَّهُ يَسْتَحِيلُ قِيامُ اللَّفْظِ المُرَتَّبِ بِذاتِهِ تَعالى، ولِأنَّهُ حادِثٌ فَيَحْتاجُ إلى خِطابٍ آخَرَ، فَيَتَسَلْسَلُ، وتَأخُّرُهُ عَنِ الإرادَةِ، وتَقَدُّمُهُ عَلى وُجُودِ الكَوْنِ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، ولَمّا لَمْ يَشْتَمِلْ خِطابُ التَّكْوِينِ عَلى الفَهْمِ، واشْتَمَلَ عَلى أعْظَمِ الفَوائِدِ، جازَ تَعَلُّقُهُ بِالمَعْدُومِ، وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ إلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ، والِامْتِثالَ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِحُصُولِ ما تَعَلَّقَ بِهِ الإرادَةُ بِلا مُهْلَةٍ بِطاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ بِلا تَوَقُّفٍ، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ حُصُولِ المُرادِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِلا مُهْلَةٍ، وامْتِناعٍ بِطاعَةِ المَأْمُورِ المُطِيعِ عَقِيبَ أمْرِ المُطاعِ بِلا تَوَقُّفٍ وإباءٍ تَصْوِيرًا لِحالِ الغائِبِ بِصُورَةِ الشّاهِدِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الكَلامُ المَوْضُوعِ لِلْمُشَبَّهِ في المُشَبَّهِ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اسْتِعارَةٍ في مُفْرَداتِهِ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ إذا قَضى أمْرًا فَيَحْصُلُ عَقِيبَهُ دَفْعَةٌ، فَكَأنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ثُمَّ حُذِفَ المُشَبَّهُ، واسْتُعْمِلَ المُشَبَّهُ بِهِ مَقامَهُ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ في الكَلامِ اسْتِعارَةً تَحْقِيقِيَّةً تَصْرِيحِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلى تَشْبِيهِ حالٍ بَقالٍ، ولَعَلَّ الَّذِي دَعى هَؤُلاءِ إلى العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ زَعْمُ امْتِناعِهِ لِوُجُوهِ ذَكَرَها بَعْضُ أئِمَّتِهِمُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كُنْ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا، لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِتَأخُّرِ النُّونِ ولِتَقَدُّمِ الكافِ، والمَسْبُوقُ مُحْدَثٌ لا مَحالَةَ، وكَذا المُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ بِزَمانٍ مُقَدَّرٍ أيْضًا، ولِأنَّ (إذا) لِلِاسْتِقْبالِ، فالقَضاءُ مُحْدَثٌ (وكُنْ) مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، والمُتَأخِّرُ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، وإلّا لَدارَ، أوْ تَسَلْسَلَ، والثّانِي: إمّا أنْ يُخاطَبَ المَخْلُوقُ (بِكُنْ) قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ، وخِطابُ المَعْدُومِ سَفَهٌ، وإمّا بَعْدَ دُخُولِهِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ.
الثّالِثُ: المَخْلُوقُ قَدْ يَكُونُ جَمادًا وتَكْلِيفُهُ لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ، الرّابِعُ إذا فَرَضْنا القادِرَ المُرِيدَ مُنْفَكًّا عَنْ قَوْلِهِ كُنْ، فَإنْ تَمَكَّنَ مِنَ الإيجادِ، فَلا حاجَةَ إلَيْها، وإنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، فَلا يَكُونُ القادِرُ قادِرًا عَلى الفِعْلِ إلّا عِنْدَ تَكَلُّمِهِ بِكُنْ، فَيَلْزَمُ عَجْزُهُ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، الخامِسُ أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ إنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ إذا تَكَلَّمْنا بِها، فَكَذا إذا تَكَلَّمَ بِها غَيْرُنا.
السّادِسُ المُؤَثِّرُ إمّا مَجْمُوعُ الكافِ والنُّونِ، ولا وُجُودَ لَهُما مَجْمُوعَيْنِ، أمْ أحَدُهُما، وهو خِلافُ المَفْرُوضِ انْتَهى، وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ ما ذَكَرْنا ظَهَرَ لَكَ انْدِفاعُ جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، ويا عَجَبًا لِمَن يَقُولُ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ ويَجْعَلُ هَذا دالًّا عَلَيْهِ، كَيْفَ تُرَوِّعُهُ هَذِهِ القَعاقِعُ أمْ كَيْفَ تَغُرُّهُ هَذِهِ الفَقاقِعُ !؟
نَعَمْ لَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى هَذا القَوْلِ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ إثْباتِ العَظَمَةِ لِلَّهِ تَعالى، ما لَيْسَ في الأوَّلِ، لا لِأنَّ الأوَّلَ باطِلٌ في نَفْسِهِ كانَ حَرِيًّا بِالقَبُولِ، ولَعَلِّي أقُولُ بِهِ، والآيَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإبْداعِ، ومَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَقْرِيرِ مَعْنى الإبْداعِ، وفِيها تَلْوِيحٌ بِحُجَّةٍ أُخْرى لِإبْطالِ ذَلِكَ الهَذَيانِ، بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِنَ الوالِدِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ قَصْدِهِ بِأطْوارٍ، ومُهْلَةٍ، لِما أنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ انْفِصالِ مادَّتِهِ عَنْهُ، وصَيْرُورَتِهِ حَيَوانًا، وفِعْلُهُ تَعالى بَعْدَ إرادَتِهِ، أوْ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ المُهْلَةِ، فَلا يَكُونُ اتِّخاذُ الوَلَدِ فِعْلَهُ تَعالى، وكَأنَّ السَّبَبَ في هَذِهِ الضَّلالَةِ أنَّهُ ورَدَ إطْلاقُ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى في الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ السَّبَبُ الأوَّلُ، وكَثُرَ هَذا الإطْلاقُ في إنْجِيلِ يُوحَنّا، ثُمَّ ظَنَّتِ الجَهَلَةُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْنى الوِلادَةِ، فاعْتَقَدُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا، وكَفَرُوا، ولَمْ يُجَوِّزِ العُلَماءُ اليَوْمَ إطْلاقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى مَجازًا قَطْعًا لِمادَّةِ الفَسادِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ، وقَدْ أشْكَلَتْ عَلى النُّحاةِ، حَتّى تَجَرَّأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى فَحَكَمَ بِخَطَئِها، وهو سُوءُ أدَبٍ، بَلْ مِن أقْبَحِ الخَطَإ، ووَجْهُها أنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ جَوابَ الأمْرِ حَمْلًا عَلى صُورَةِ اللَّفْظِ، وإنْ كانَ مَعْناهُ الخَبَرَ، إذْ لَيْسَ مَعْناهُ تَعْلِيقُ مَدْلُولِ مَدْخُولِ الفاءِ بِمَدْلُولِ صِيغَةِ الأمْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبِيَّةُ ما قَبْلَ الفاءِ، لِما بَعْدَها، اللّازِمَةِ لِجَوابِ الأمْرِ بِالفاءِ، إذْ لا مَعْنى لِقَوْلِنا لِيَكُنْ مِنكَ كَوْنٌ فَكَوْنٌ، وقِيلَ: الدّاعِي إلى الحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا، فَلا يُنْصَبُ جَوابُهُ، وإنَّ مِن شَرْطِ ذَلِكَ أنْ يَنْعَقِدَ مِنهُما شَرْطٌ وجَزاءٌ نَحْوَ: ائْتِنِي فَأُكْرِمْكَ، إذْ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ، وهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُنْ يَكُنْ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ سَبَبًا لِنَفْسِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ إنْ يَكُنْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ يَكُنْ في الخارِجِ، فَهو عَلى حَدِّ: «(مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ)،» وبِأنَّ كَوْنَ الأمْرِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ يُنْصَبُ في جَوابِهِ مَمْنُوعٌ، فَإنْ كانَ بِلَفْظٍ فَظاهِرٌ، ولَكِنَّهُ مَجازٌ عَنْ سُرْعَةِ التَّكْوِينِ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ، فَهو مَجازٌ عَنْ إرادَةِ سُرْعَتِهِ، فَيُؤَوَّلُ إلى أنْ يُرادَ سُرْعَةُ وُجُودِ شَيْءٍ، يُوجَدُ في الحالِ، فَلا مَحْذُورَ لِلتَّغايُرِ الظّاهِر،ِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، ووَجْهُ الرَّفْعِ الِاسْتِئْنافُ أيْ فَهو يَكُونُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى عَطْفِهِ عَلى (يَقُولُ)، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لا يَكُونُ يَكُونُ داخِلًا في المَقُولِ، ومِن تَتِمَّتِهِ لِيُوَجَّهَ العُدُولُ عَنِ الخِطابِ بِأنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِ الأمْرِ في سُهُولَةِ تَكَوُّنِهِ، ووَجَّهَهُ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عَلى تَقْدِيرِ الدُّخُولِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام قالُوا بغير واو.
وقرأ الباقون بالواو، ومعناهما واحد إلا أن الواو للعطف وذلك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال بعض المشركين: الملائكة بنات الله.
قال الله تعالى: سُبْحانَهُ، نزه نفسه عن الولد.
بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلهم عبيده كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ، يعني به المؤمنين خاصة، أي مطيعين مقرين بالعبودية له موحدين مجيبين للطاعة.
وقد قيل: إن لفظ الآية عام والمراد به الخاص.
قوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يعني به المؤمنين خاصة.
ويقال معناه: أثر صنعه وشواهد توحيده ودلائل ربوبيته في جميع ما في السموات والأرض موجود.
ويقال: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي لا يستطيع كل خلق أن يغير نفسه عن خلقته، فأخبر الله تعالى أن جميع ما في السَّموات والأرض له وهو خالق الأشياء، وهو المستغني عن الولد سبحانه وتعالى.
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي خالقهما.
والإبداع في اللغة: إنشاء شيء لم يُسْبَقْ إليه على غير مثال ولا مشورة.
وإنما قيل لمن خالف السنة: مبتدع، لأنه أتى بشيء لم يسبقه إليه الصحابة ولا التابعون.
ومعناه هو خالق السموات والأرض.
وَإِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
ويقال: هذه الآية نزلت في شأن وفد نجران السيد والعاقب وغيرهما.
وكانوا يقولون للنبي : هل رأيت خلقاً من غير أب؟
فنزلت هذه الآية: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كما كان آدم من غير أب وأم، كذا عيسى ابن مريم خلقه بغير أب.
فإن قيل: قوله: كُنْ هذا الخطاب للموجود أو للمعدوم؟
فإن قال: للمعدوم.
قيل له: كيف يصح الخطاب لشيء معدوم؟
وكيف يصح الإشارة إليه بقوله: كُنْ؟
فإن قال: الخطاب للموجود.
قيل له: كيف يأمر الشيء الكائن بالكون فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الأشياء كلها كانت موجودة في علم الله تعالى قبل كونها، فكان الخطاب للموجود في علمه.
وجواب آخر: أن معناه إِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يقول له: كن فيكون، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً يخلقه، والقول فيه على وجه المجاز.
قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بالنصب، لأن جواب الأمر بالفاء، وقرأ الباقون بالرفع على معنى الاستئناف بمعنى فهو يكون.
<div class="verse-tafsir"
وقيلَ: نزلت الآية حين صُدَّ رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلم عن البيت.
وواسِعٌ: معناه مُتَّسِعُ الرحمة، عَلِيمٌ أين يضعها، وقيل: واسِعٌ: معناه هنا أنه يوسِّع على عباده في الحُكْم دينُهُ يُسْرٌ، عَلِيمٌ بالنيَّات التي هي ملاك العمل.
وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ ...
الآية: اختلف على مَنْ يعود ضميرُ «قَالُوا» ، فقيل: على النصارى، وهو الأشبه، وقيل: على اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، وقيل: على كفرة العربِ لأنهم قالوا: الملائكة بنَاتُ اللَّه.
ت: وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ: ويحتمل أن يعني بالآية كلُّ من تقدَّم ذكره من الكفرة، وقد تقدَّم ذكر اليهود والنصارى والذين لا يعلمون، وهم المشركون، وكلُّهم قد ادعى للَّه ولداً، تعالى اللَّه عن قولهم.
انتهى من «مختصر الطبريّ» .
وسُبْحانَهُ: مصدر، معناه: تنزيهاً له وتبرئةً مما قالوا، والقُنُوتُ في اللغة:
الطاعةُ، والقنوتُ: طول القيام، فمعنى الآية: إن المخلوقات تقنُتُ للَّه، أي: تخشع، وتطيع، والكفار قنوتُهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظلُّه، وهو كاره، وبَدِيعُ: مصروف من مبدع، والمبدع: المخترع المنشئ، وخص السَّموات والأرضَ بالذكْر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جلّ وعلا.
وقَضى: معناه: قدَّر، وقد يجيء بمعنى: أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنَيَانِ، والأمر: واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وتلخيص المعتَقَدِ في هذه الآية أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودِهَا، قادراً مع تأخُّر المقدورات، عالماً مع تأخُّر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآية ممَّا يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأموراتِ إِذ المحدَثَاتُ تجيء بعد أنْ لم تكنْ، وكل ما يستند إِلى اللَّه تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمر، فهو قديمٌ لم يزَلْ، والمعنى الَّذي تقتضيه عبارةُ كُنْ هو قديمٌ قائمٌ بالذاتِ، والوضوح التامُّ في هذه المسألة [لا] يحتاج أكثر من هذا البَسْط.
ت: وقد قدَّمنا ما يزيدُ هذا المعنى وضُوحاً عند قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤] ، فانظره.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ ﴾ البَدِيعُ: المُبْدِعُ، وكُلُّ مَن أنْشَأ شَيْئًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ: أبْدَعْتَ.
قالَ الخَطّابِيُّ: البَدِيعُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى: مُفْعِلٍ، ومَعْناهُ: أنَّهُ فَطَرَ الخَلَقَ مُخْتَرِعًا لَهُ لا عَلى مِثالٍ سَبَقَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى القَضاءِ: الإرادَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إذا قَضى أمْرًا في عِلْمِهِ، فَإنَّ ما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ.
والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ نُونِ (فَيَكُونُ)، بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ.
والمَعْنى: فَهو يَكُونُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ النُّونِ.
قالَ مَكِّيُّ ابْنُ أبِي طالِبٍ: النَّصْبُ عَلى الجَوابِ، لَكِنَّ فِيهِ بُعْدٌ.
* فَصْلٌ وَقَدِ اسْتَدَلَّ أصْحابُنا عَلى قِدَمِ القُرْآَنِ بِقَوْلِهِ: (كُنْ) فَقالُوا: لَوْ كانَتْ "كُنْ" مَخْلُوقَةً؛ لافْتَقَرَتْ إلى إيجادِها بِمِثْلِها وتَسَلْسُلُ ذَلِكَ، والمُتَسَلْسِلُ مُحالٌ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا خِطابٌ لِمَعْدُومٍ؛ فالجَوابُ أنَّهُ خِطابُ تَكْوِينٍ يُظْهِرُ أثَرَ القُدْرَةِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ مَوْجُودًا، لِأنَّهُ بِالخِطابِ كانَ، فامْتَنَعَ وجُودُهُ قَبْلَهُ أوْ مَعَهُ.
ويُحَقِّقُ هَذا أنَّ ما سَيَكُونُ مُتَصَوِّرَ العِلْمِ، فَضاهى بِذَلِكَ المَوْجُودَ، فَجازَ خِطابُهُ لِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ ﴿ بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ أو تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةُ القُرّاءِ: "وَقالُوا" بِواوٍ تَرْبُطُ الجُمْلَةَ بِالجُمْلَةِ، أو تَعْطِفُ عَلى "سَعى".
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وغَيْرُهُ: "قالُوا" بِغَيْرِ واوٍ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ.
وحُذِفَ مِنهُ الواوُ يَتَّجِهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُرْتَبِطَةٌ في المَعْنى بِالَّتِي قَبْلَها فَذَلِكَ يُغْنِي عَنِ الواوِ.
والآخَرُ أنْ تُسْتَأْنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةُ ولا يُراعى ارْتِباطُها بِما تَقَدَّمَ.
واخْتَلَفَ عَلى مَن يَعُودُ الضَمِيرُ في "قالُوا"؟
فَقِيلَ: عَلى النَصارى لِأنَّهم قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ وذِكْرُهم أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ، وقِيلَ: عَلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: عَلى كَفَرَةِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ.
و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ مَعْناهُ تَنْزِيهًا لَهُ وتَبْرِئَةً مِمّا قالُوا، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في المَجْرُورِ، أو بِالِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ، أيْ كُلُّ ذَلِكَ لَهُ مِلْكٌ، والَّذِي قالُوا: إنَّ اللهَ اتَّخَذَ ولَدًا داخِلٌ في جُمْلَةِ ما في ( السَماواتِ والأرْضِ ) ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ لا مِنَ المَخْلُوقاتِ المَمْلُوكاتِ.
والقُنُوتُ في اللُغَةِ الطاعَةُ، والقُنُوتُ طُولُ القِيامِ في عِبادَةٍ، ومِنهُ القُنُوتُ في الصَلاةِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها تَقْنُتُ لِلَّهِ، أيْ تَخْضَعُ وتُطِيعُ، والكُفّارُ والجَماداتُ قُنُوتُهم في ظُهُورِ الصَنْعَةِ عَلَيْهِمْ وفِيهِمْ.
وقِيلَ: الكافِرُ يَسْجُدُ ظِلُّهُ وهو كارِهٌ.
و"بَدِيعٌ" مَصْرُوفٌ مِن مُبْدِعٍ، كَبَصِيرٍ مِن مُبْصِرٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ..........
يُرِيدُ المُسْمِعُ.
والمُبْدِعُ المُخْتَرِعُ المُنْشِئُ، ومِنهُ أصْحابُ البِدَعِ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَلاةِ رَمَضانَ: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ.
وخُصَّ ( السَماواتِ والأرْضِ ) بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ ما نَرى مِن مَخْلُوقاتِهِ جَلَّ وعَلا.
و"قَضى" مَعْناهُ: قَدَرَ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى أمْضى، ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَعْنَيانِ، فَعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ قَدْرٌ في الأزَلِ وأمْضى فِيهِ، وعَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ.
والأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ هُنا بِمَصْدَرِ أمْرٍ يَأْمُرُ، "وَيَكُونُ" رُفِعَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ فَهو يَكُونُ، قالَ غَيْرُهُ: "يَكُونُ" عُطِفَ عَلى "يَقُولُ"، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ وقَرَّرَهُ.
وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَوْلَ مَعَ التَكْوِينِ والوُجُودِ، وَتَكَلَّمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِما هو فاسِدٌ مِن جُمْلَةِ الِاعْتِزالِ لا مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَيَكُونُ" بِالنَصْبِ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ، ووَجْهُهُ -مَعَ ضَعْفِهِ- عَلى أنْ يَشْفَعَ لَهُ شِبْهُ اللَفْظِ.
وقالَ أحْمَدُ بْنُ مُوسى في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: "هَذا لَحْنٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الفاءَ لا تَعْمَلُ في جَوابِ الأمْرِ إلّا إذا كانا فِعْلَيْنِ يَطَّرِدُ فِيهِما مَعْنى الشَرْطِ، تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا فَيُكْرِمْكَ، والمَعْنى: إنْ تُكْرِمْ زَيْدًا يُكْرِمْكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّجِهُ هَذا، لِأنَّهُ يَجِيءُ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، ولا مَعْنى لِهَذا، والَّذِي يَطَّرِدُ فِيهِ مَعْنى الشَرْطِ هو أنْ يَخْتَلِفَ الفاعِلانِ أوِ الفِعْلانِ، فالأوَّلُ أكْرِمْ زَيْدًا فَيُكْرِمْكَ، والثانِي أكْرِمْ زَيْدًا فَتَسُودَ.
وتَلْخِيصُ المُعْتَقَدِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُوماتِ بِشَرْطِ وُجُودِها، قادِرًا مَعَ تَأخُّرِ المَقْدُوراتِ، عالِمًا مَعَ تَأخُّرِ وُقُوعِ المَعْلُوماتِ، فَكُلُّ ما في الآيَةِ مِمّا يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالُ فَهو بِحَسَبَ المَأْمُوراتِ، إذِ المُحْدَثاتُ تَجِيءُ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وكُلُّ ما يَسْتَنِدُ إلى اللهِ تَعالى مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ وأمْرٍ فَهو قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ.
ومَن جَعَلَ مِنَ المُفَسِّرِينَ "قَضى" بِمَعْنى أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ فَكَأنَّ إظْهارَ المُخْتَرَعاتِ في أوقاتِها المُؤَجَّلَةِ قَوْلٌ لَها: "كُنْ" إذِ التَأمُّلُ يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: وقالَتِ الأقْرابُ لِلْبَطْنِ الحَقِ ∗∗∗..............
وهَذا كُلُّهُ يَجْرِي مَعَ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والمَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ عِبارَةُ "كُنْ": هو قَدِيمٌ قائِمٌ بِالذاتِ، والوُضُوحُ التامُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَحْتاجُ أكْثَرَ مِن هَذا البَسْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: هم كُفّارُ العَرَبِ، وقَدْ طَلَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمِّيَّةَ وغَيْرُهُ مِنَ النَبِيِّ نَحْوَ هَذا، فَنَفى عنهُمُ العِلْمَ لِأنَّهم لا كِتابَ عِنْدَهم ولا اتِّباعُ نُبُوَّةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَصارى، لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ أوَّلًا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مَن كانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ مِنَ اليَهُودِ، لِأنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ قالَ لِلنَّبِيِّ : أسْمِعْنا كَلامَ اللهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "لا يَعْلَمُونَ" إلى جَمِيعِ هَذِهِ الوَظائِفِ، لِأنَّ كُلَّهم قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أو نَحْوَها، ويَكُونُ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ: تَعُدُّونَ عُقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَلَيْسَتْ هَذِهِ لَوْلا الَّتِي تُعْطِي مَنعَ الشَيْءِ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما أنَّها في التَحْضِيضِ لا يَلِيها إلّا الفِعْلُ مُظْهَرًا أو مُقَدَّرًا، وعَلى بابِها في المَنعِ لِلْوُجُوبِ يَلِيها الِابْتِداءُ، وجَرَتِ العادَةُ بِحَذْفِ الخَبَرِ.
والآيَةُ هُنا: العَلامَةُ الدالَّةُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِها.
و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ اليَهُودُ والنَصارى في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارَ العَرَبِ -وَهُمُ الأُمَمُ السالِفَةُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ العَرَبِ والنَصارى - وهُمُ اليَهُودُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ العَرَبَ والنَصارى واليَهُودَ، والكافُ الأُولى مِن "كَذَلِكَ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ.
و"مِثْلَ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالَ".
وتَشابُهُ القُلُوبِ هُنا في طَلَبِ ما لا يَصِحُّ، أو في الكُفْرِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ: "تَشّابَهَتْ" بِشَدِّ الشِينِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللهُ حَتّى كَفَرُوا بِالأنْبِياءِ وطَلَبُوا ما لا يَجُوزُ لَهُمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الَّذِينَ بَيَّنَ لَهم ما يَنْفَعُ وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، لَكِنَّ البَيانَ وقَعَ وتَحَصَّلَ لِلْمُوقِنِينَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهم بِالذِكْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ بَيَّنّا البَيانَ الَّذِي هو خَلْقُ الهُدى، فَكَأنَّ الكَلامَ: قَدْ هَدَيْنا مَن هَدَيْنا.
واليَقِينُ إذا اتَّصَفَ بِهِ العِلْمُ خَصَّصَهُ وبَلَغَ بِهِ نِهايَةَ الوِثاقَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَيَّنّا" قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أنَّ اليَقِينَ صِفَةٌ لِعَلَمِهِمْ، وقَرِينَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَلامَ مُدِحَ لَهم.
وأمّا اليَقِينُ في اسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ إذا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ العِلْمُ فَإنَّهُ أحَطُّ مِنَ العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ عِنْدَهم مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ، واليَقِينُ مُعْتَقَدٌ يَقَعُ لِلْمُوقِنِ في حَقِّهِ والشَيْءُ عَلى خِلافِ مُعْتَقَدِهِ، ومِثالُ ذَلِكَ تَيَقَّنَ المُقادَةُ ثُبُوتَ الصانِعِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ في مَسْألَةِ الحالِفِ عَلى الشَيْءِ يَتَيَقَّنُهُ والشَيْءِ في نَفْسِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا حَقِيقَةُ الأمْرِ فاليَقِينُ هو الأخَصُّ، وهو ما عَلَّمَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
هو بالرفع خبر لمحذوف على طريقة حذف المسند إليه لاتباع الاستعمال كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ صم بكم ﴾ [البقرة: 18] وذلك من جنس ما يسمونه بالنعت المقطوع.
والبديع مشتق من الإبداع وهو الإنشاء على غير مثال فهو عبارة عن إنشاء المنشآت على غير مثال سابق وذلك هو خلق أصول الأنواع وما يتولد من متولِّداتها، فخلق السماوات إبداع وخلق الأرض إبداع وخلق آدم إبداع وخلق نظام التناسل إبداع.
وهو فعيل بمعنى فاعل فقيل هو مشتق من بَدَع المجرد مثل قدرَ إذا صح وورد بدَع بمعنى قدر بقلة أو هو مشتق من أَبدع ومجيء فعيل من أَفْعَل قليل، ومنه قول عمرو بن معديكرب: أَمِنْ ريحانَة الداعي السميع *** يؤرقني وأصحابي هجوع يريد المسمع، ومنه أيضاً قول كعب بن زهير: سقاك بها المأمون كأساً رَوِيَّةً *** فانْهَلَك المأمونُ منها وعلَّك أي كأساً مروية.
فيكون هنا مما جاء قليلاً وقد قدمنا الكلام عليه في قوله تعالى: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ [البقرة: 32] ويأتي في قوله: ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ [البقرة: 119].
وقد قيل في البيت تأويلات متكلفة والحق أنه استعمال قليل حفظ في ألفاظ من الفصيح غير قليلة مثل النذير والبشير إلا أن قلته لا تخرجه عن الفصاحة لأن شهرته تمنع من جعله غريباً.
وأما كونه مخالفاً للقياس فلا يمنع من استعماله إلا بالنسبة إلى المولَّد إذا أراد أن يقيس عليه في مادة أخرى.
وذهب صاحب «الكشاف» إلى أن بديع هنا صفة مشبهة مأخوذ من بدُع بضم الدال أي كانت البداعة صفة ذاتية له بتأويل بداعة السماوات والأرض التي هي من مخلوقاته فأضيفت إلى فاعلها الحقيقي على جعله مشبهاً بالمفعول به وأجريت الصفة على اسم الجلالة ليكون ضميره فاعلالها لفظاً على نحو زيد حسن الوجه كما يقال فلان بديع الشعر، أي بديعة سماواته.
وأما بيت عمرو فإنما عينوه للتنظير ولم يجوزوا فيه احتمال أن يكون السميع بمعنى المسموع لوجوه أحدها أنه لم يرد سميع بمعنى مسموع مع أن فعيلاً بمعنى مفعول غير مطرد.
الثاني أن سميع وقع وصفاً للذات وهو الداعي وحكم سمع إذا دخلت على ما لا يسمع أن تصير من أخوات ظن فيلزم مجيء مفعول ثان بعد النائب المستتر وهو مفقود الثالث أن المعنى ليس على وصف الداعي بأنه مسموع بل على وصفه بأنه مسمع أي الداعي القاصد للإسماع المعلن لصوته وذلك مؤذن بأنه داع في أمر مهم.
ووصف الله تعالى ببديع السماوات والأرض مراد به أنه بديع ما في السماوات والأرض من المخلوقات وفي هذا الوصف استدلال على نفي بنوة من جعلوه ابناً لله تعالى لأنه تعالى لما كان خالق السماوات والأرض وما فيهما، فلا شيء من تلك الموجودات أهل لأن يكون ولداً له بل جميع ما بينهما عبيد لله تعالى كما تقدم في قوله: ﴿ بل له ما في السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 116] ولهذا رُتب نفي الولد على كونه بديع السموات والأرض في سورة الأنعام (10) بقوله: ﴿ بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة خلق كل شيء ﴾ وقوله: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ إلخ كشف لشبهة النصارى واستدلال على أنه لا يتخذ ولداً بل يكوِّن الكائنات كلها بتكوين واحد وكلها خاضعة لتكوينه وذلك أن النصارى توهموا أن مجيء المسيح من غير أب دليل على أنه ابن الله فبين الله تعالى أن تكوين أحوال الموجودات من لا شيء أعجب من ذلك وأن كل ذلك راجع إلى التكوين والتقدير سواء في ذلك ما وجد بواسطة تامة أو ناقصة أو بلا واسطة قال تعالى: ﴿ كن فيكون ﴾ [آل عمران: 59] فليس تخلق عيسى من أم دون أب بموجب كونه ابن الله تعالى.
و (كان) في الآية تامة لا تطلب خبراً أي يقول له: إيجد فيوجد.
والظاهر أن القول والمقول والمسبب هنا تمثيل لسرعة وجود الكائنات عند تعلق الإرادة والقدرة بهما بأن شبه فعل الله تعالى بتكوين شيء وحصول المكون عقب ذلك بدون مهلة بتوجه الآمر للمأمور بكلمة الأمر وحصول امتثاله عقب ذلك لأن تلك أقرب الحالات المتعارفة التي يمكن التقريب بها في الأمور التي لا تتسع اللغة للتعبير عنها وإلى نحو هذا مال صاحب «الكشاف» ونظره بقول أبي النجم: إذ قالتتِ الأنساعُ للبطن أَلحق *** قُدْما فآضت كالفَنيق المُحْنَق والذي يعين كون هذا تمثيلاً أنه لا يتصور خطاب من ليس بموجود بأن يكون موجوداً فليس هذا التقرير الصادر من الزمخشري مبنياً على منع المعتزلة قيام صفة الكلام بذاته تعالى إذ ليس في الآية ما يلجئهم إلى اعتبار قيام صفة الكلام إذ كان يمكنهم تأويله بما تأولوا به آيات كثيرة ولذلك سكت عنه ابن المنير خلافاً لما يوهمه كلام ابن عطية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
﴿ سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن قَوْلِهِمُ: ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ خالِقُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ.
﴿ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ مُطِيعُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أيْ مُقِرُّونَ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّالِثُ: أيْ قائِمُونَ، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، والقانِتُ في اللُّغَةِ القائِمُ، ومِنهُ القُنُوتُ في الصَّلاةِ، لِأنَّهُ الدُّعاءُ في القِيامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي مُنْشِئَها عَلى غَيْرِ حَدٍّ ولا مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ، يُقالُ لَهُ: مُبْدِعٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِمَن خالَفَ في الدِّينِ: مُبْتَدِعٌ، لِإحْداثِهِ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ أحْكَمَهُ وحَتَّمَهُ، وأصْلُهُ الإحْكامُ والفَراغُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحاكِمِ: قاضٍ، لِفَصْلِهِ الأُمُورَ وإحْكامِهِ بَيْنَ الخُصُومِ، وقِيلَ لِلْمَيِّتِ: قَدْ قَضى أيْ فَرَغَ مِنَ الدُّنْيا، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ مَعْنى قَضاهُما أيْ أحْكَمَهُما.
وَقالَ الشّاعِرُ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بَعْدَها ∗∗∗ بَوائِجَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ ﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فَإنْ قِيلَ: في أيِّ حالٍ يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ؟
أفِي حالَةِ عَدَمِهِ أمْ في حالِ وُجُودِهِ؟
فَإنْ كانَ في حالِ عَدَمِهِ، اسْتَحالَ أنْ يَأْمُرَ إلّا مَأْمُورًا، كَما يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ إلّا مِن آمِرٍ، وإنْ كانَ في حالِ وُجُودِهِ، فَتِلْكَ حالٌ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ فِيها بِالوُجُودِ والحُدُوثِ، لِأنَّهُ مَوْجُودٌ حادِثٌ؟
قِيلَ: عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ نُفُوذِ أوامِرِهِ في خَلْقِهِ المَوْجُودِ، كَما أمَرَ في بَنِي إسْرائِيلَ، أنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، ولا يَكُونُ هَذا وارِدًا في إيجادِ المَعْدُوماتِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ، بِما هو كائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَكانَتِ الأشْياءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وهي كائِنَةٌ بِعِلْمِهِ، قَبْلَ كَوْنِها مُشابِهَةً لِلْأشْياءِ الَّتِي هي مَوْجُودَةٌ، فَجازَ أنْ يَقُولَ لَها: كُونِي، ويَأْمُرَها بِالخُرُوجِ مِن حالِ العَدَمِ إلى حالِ الوُجُودِ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِها لَهُ ولِعِلْمِهِ بِها في حالِ العَدَمِ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عامٌّ عَنْ جَمِيعِ ما يُحْدِثُهُ، ويُكَوِّنُهُ، إذا أرادَ خَلْقَهُ وإنْشاءَهُ كانَ ووُجِدَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ يَقُولُهُ، وإنَّما هو قَضاءٌ يُرِيدُهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا، كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: قَدْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقَّ ∗∗∗ قِدَمًا فَآضَتْ كالغَسَقِ المُحَقَّقِ وَلا قَوْلَ هُناكَ، وإنَّما أرادَ أنَّ الظَّهْرَ قَدْ لَحِقَ بِالبَطْنِ، وكَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ.
؎ فَأصْبَحَتْ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُهُ ∗∗∗ إذا رامَ تِطْيارًا يُقالُ لَهُ قَعِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ يقول: ابتدع خلقهما ولم يشركه في خلقهما أحد.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: ابتدعهما فخلقهما ولم يخلق قبلهما شيء فتمثل به.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط «إن داعياً دعا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إني أسألك باسمك الذي لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم، بديع السموات والأرض، وإذا أردت أمراً فإنما تقول له كن فيكون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كدت أن تدعو باسمه العظيم» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية، أي: خالقها وموجدها (١) (٢) (٣) أي: المسمع.
فالبديع: الذي يُبْدِعُ الأشياءَ، أي: يحدثها مما لم يكن.
ابن السكيت قال: البدعة: كل محدثة، وسقاء بديع: أي: جديد (٤) وقال أبو إسحاق: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ منشئُهما (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) قال الأزهري: قول الله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ بمعنى مبدعهما، إلا أن بديعًا من بَدَعَ لا من أَبْدَع، وأَبْدَع أكثر في الكلام من بَدَع، ولو استُعْمِل بَدَع لم يكن خطأ، فبديع: فعيل بمعنى فاعل، مثل: قدير بمعنى قادر، وهو (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ أي: قدره وأراد خلقه (١٢) قال أبو إسحاق في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ : قضى في اللغة على وجوه، كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، ومنه قول الله تعالى: ﴿ قَضَى أَجَلًا ﴾ .
معناه: ثم حتم بذلك (١٣) ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ ، معناه: أمر، إلا أنه أمرٌ قاطع حتم.
ومنه الإعلام، وهو قوله: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ ، أي: أعلمناهم إعلامًا قاطعًا، ومنه: القضاء الفصل فى الحكم، وهو قوله: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ (١٤) تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، تقول: قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار، إذا عملتها وأحكمت عملها، وقال أبو ذؤيب (١٥) (١٦) (١٧) ومنه قول الله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ ، أي: خَلَقَهن وعملهن وصنعهن.
وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، القول هاهنا عند كثيرٍ من النحويين لا يكونُ المراد به النطق، قالوا: لأن المعدوم الذي ليس بكائن لا يخاطَبُ، وتأويله: إذا قضى أمرًا فإنما يكوِّنُه فيكونُ، والقولُ قد يَرِدُ ولا يرادُ به النطقُ والكلام، كما قال: امتلأ الحوضُ وقال قَطْني (١٨) (١٩) (٢٠) يَقُلْنَ للرائد: أعشبت، انزل (٢١) والذبّانُ لا قولَ لها، وقال آخرون: إن ما قدّر الله وجوده وعلم فهو كالموجود (٢٢) قال أبو بكر بن الأنباري: يحتمل أن تكون اللام في (له) لام أجْل، والتأويل: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ﴾ فإنما يقول من أجْل إرادته: كن، فيكون، كقوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ﴾ أي: من أجله (٢٣) ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، معناه: إنه من أجل حبّ المال لبخيل.
قال: ولا يعجبني أن يُلغى القول، ويبطل معناه؛ لأنا لا نجعل حرفًا من كتاب الله مُطَّرَحًا إذا وجدنا له من وجه من الوجوه معنى.
فإن قيل: كيف قال (كن) للشيء الذي يكونه، وذلك الشيء لا يكون نفسه حتى يقال له: كن؟
قلنا: على مذهب النحويين هذا لا يلزم؛ لأن التقدير عندهم فإنما يكوِّنه فيكون، ولفظ الأمر هاهنا المراد منه الخبر، ونذكره فيما بعد.
وأما من جعل هذا أمرًا حقيقيًّا فإنه يقول هذا من الأمر الحتم الذي لا انفكاكَ للمأمور منه، ولا قدرة له على دفعه والانصراف عنه، ومشهورٌ في كلام العرب أن يرى الرجلُ منهم الرجلَ فيقول له: كن أبا فلان، أي: أنت أبو فلان.
فكذلك قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ معناه: كن بتكويننا إياك، فالمأمور بهذا لا قدرة له على دفعِه، ولا صنع له فيه، كما أن الذي يقال له: كن أبا فلان، لا صنع له في ذلك بفعل ولا عزم ولا غير ذلك مما يكون من الفاعلين (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَيَكُونُ ﴾ قال الفراء (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ ﴾ (٢٨) الثاني: أن يكون رفعه على الاستئناف، المعنى: فهو يكون؛ لأنَّ الكلامَ تمَّ عند قوله: (كن) ثم قال: فسيكون (٢٩) (٣٠) (٣١) قال أبو علي (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ فالتقدير: مدَّه الرحمن.
وإذا لم يكن قوله: ﴿ كُنْ ﴾ خبرًا في المعنى وإن (٣٥) (٣٦) ﴿ فَيَكوُنُ ﴾ أن الجواب بالفاء مضارع للجزاء، يدلُّ على ذلك أنه يؤولُ في المعنى إليه.
ألا ترى أن قولك: اذهب فأعطيَكَ، معناه إن تذهب أعطيتُك (٣٧) فأمَّا مَنِ احتج له فإنه يقول: اللفظ لما كان على لفظ الأمر وإن لم يكن المعنى عليه حملته على صورة اللفظ.
وقد حمل أبو الحسن نحو قوله: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ ، ونحوه من الآي على أنه أجري مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جوابًا له في الحقيقة.
وقد يكونُ اللفظُ على شيء والمعنى على غيره، ألا ترى أنهم قالوا: ما أنت وزيد (٣٨) ﴿ كُنْ ﴾ لأن معناه: يكوّنه فيكون، وهذا أولى من حمله على (يقول) (٣٩) ﴿ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، لأن قال ماضي، ويكون مضارع، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما، قال: ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فهو يكون (٤٠) (١) في (ش): (خالقهما وموجدهما).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199، "تفسير الثعلبي" 1/ 1141.
(٣) عجز البيت: يؤرقني وأصحابي هجوع وهو لعمرو بن معد يكرب، وقد تقدم البيت.
(٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 293، "لسان العرب" 1/ 230 (بدع).
(٥) في "معاني القرآن": يعني أنشأهما.
(٦) في "معاني القرآن" للزجاج: السنة والإجماع.
(٧) في "معاني القرآن" للزجاج: لأنه يأتي في دين الإسلام.
(٨) في "معاني القرآن" للزجاج: بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون.
(٩) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199 وقد نقله بحروفه من "تهذيب اللغة" 1/ 293 ولذلك اختلفت العبارات مادة (بدع).
(١٠) في "تهذيب اللغة": وهو صفة من صفات الله.
(١١) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 293، ونقله في "اللسان" 1/ 230 (بدع).
(١٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141.
(١٣) في "معاني القرآن": بعد ذلك.
(١٤) وردت الآية في نسخ "البسيط" كلها، وفي "معاني القرآن" للزجاج ناقصة هكذا، (ولولا أجل مسمى لقضي بينهم).
(١٥) هو: خويلد بن خالد بن محرث أبو ذؤيب الهذيلي، تقدمت ترجمته.
(١٦) البيت لأبي ذؤيب، في "ديوانه": 19، "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39، "مجاز القرآن" 1/ 52 "تأويل مشكل القرآن" ص 441، "تفسير الطبري" 1/ 509 "تفسير الثعلبي" 1/ 1141، "لسان العرب" 6/ 3662 مادة (قضض)، 6/ 3665 مادة (قضى)، 4/ 2508 مادة (صنع).
وتفسير "القرطبي" 2/ 87 "الدر المصون" 1/ 353.
والبيت من قصيدته التي يرثي فيها أولاده، ومسرودتان يعني: درعين، من السرد، وهو الخرز أو النسج وقضاهما أي: أحكمهما.
وداود هو النبي المعروف ، والصَّنَع الحاذق بالعمل، والصَّنَع هاهنا: تبع، يقال: رجلٌ صَنَعٌ، وامرأة صَنَاع.
سمع بأن داود- - كان سخر له الحديد فكان يصنع ما أراد، وسمع بأن تبعًا ملك اليمن عملهما، فقال: عملهما تبع، وظن أنه عملهما، وإنما أمر بها أن تعمل، وكان تبع أعظم شأنًا من أن يصنع شيئًا بيده ينظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 39.
(١٧) بتصرف يسير من "معاني القرآن" للزجاج 2/ 230.
(١٨) عجز البيت: مهلا رويدًا قد ملأت بطني وهذا البيت لم يعرف قائله، والبيت في "تفسير الطبري" 1/ 510، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 36، و"الأمالي الشجرية"1/ 313، و"المقاصد النحوية" 1/ 36، و"الخصائص" 1/ 23، ومعنى قطني: أي: حسبي.
وروي: سلَّا رويدًا.
(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.
(٢٠) هو الفضل بن قدامة، تقدم 2/ 10.
(٢١) سبق تخريجه تحت الآية رقم 93.
(٢٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199 ففيه: قال بعض أهل اللغة (إنما يقول له كن فيكون) يقول له وإن لم يكن حاضرًا (كن)، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 364.
(٢٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.
(٢٤) ينظر تفصيل المسألة في: "تفسير الطبري" 1/ 508 - 511، "البحر المحيط" 1/ 364 - 366 وقد رجح الطبري في "تفسيره" أن الأمر هنا عام في كل ماقضاه الله وبرأه مما هو موجود، فيقال له: كن قال: فغير جائز أن يكون الشيء مأمورًا بالوجود مرادًا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجوداً إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك.
(٢٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 74.
(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 75.
(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.
(٢٨) وهذا الذي اختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 511.
(٢٩) في (م): (فيكون).
(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 75.
(٣١) ينظر كتاب: "السبعة" 168، "الحجة" 2/ 203.
(٣٢) في "الحجة" للفراء السبعة 2/ 203.
(٣٣) في (ش): (فكون).
(٣٤) في الأصل: زيد، والمثبت من "الحجة".
(٣٥) في (م): (وإذا).
(٣٦) في (ش): (لأنه).
(٣٧) من قوله: معناه ..
ساقطة من (ش).
(٣٨) في " الحجة": وزيدًا.
(٣٩) في (ش): (على ما يقول).
(٤٠) إلى هنا انتهى كلام أبي علي الفارسي 1/ 208 بتصرف واختصار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَدِيعُ السماوات ﴾ أي مخترعها وخالقها ابتداء وإذا قضى أمراً أي قدّره وأمضاه قال ابن عطية: يتحد في الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة: قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة: أمضى عند الخلق والإيجاد، قلت: لا يكون قضى هنا بمعنى قدّر، لأن القدر قديم، وإذا تقتضي الحدوث والاستقبال، وذلك يناقض القدم، وإنما قضى هنا بمعنى: أمضى أو فعل أو وُجِد كقوله: فقضاهنّ سبع سموات، وقد قيل إنه بمعنى ختم الأمر، وبمعنى حكم، والأمر هنا بمعنى الشيء، وهو واحد الأمور، وليس بمصدر أمر يأمر.
﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قال الأصوليون: هذا عبارة عن نفوذ قدرة الله تعالى: وليس بقول حقيقي، لأنه إن كان قول: كن، خطاباً للشيء في حال عدمه، لم يصح؛ لأن المعدوم لم يخاطب، وإن كان خطاباً في حال وجوده لأنه قد كان، وتحصيل الحصل غير مطلوب.
وحملة المفسرون على حقيقته، وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة: أحدها: أن الشيء الذي يقول له: كن فيكون هو موجود في علم الله؛ وإنما يقول له: كن ليخرجه إلى العيان لنا، والثاني: أن قوله: كن، لا يتقدّم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه.
قاله الطبري، والثالث: أن ذلك خطاباً لمن كان موجوداً على حالة، فيأمر بأن يكون على حالة أخرى؛ كإحياء الموتى، ومسخ الكفار، وهذا ضعيف.
لأنه تخصيص من غير مخصص.
والرابع: أن معنى يقول له: يقول من أجله، فلا يلزم خطابه: والأوّل أحسن هذه الأجوبة، وقال ابن عطية: تلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله عز وجل لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، فيكون رُفِعَ على الاستثناء، قال سيبوية: معناه فهو يكون، قال غيره: يكون عطف على يقول، واختاره الطبري، وقال ابن عطية: وهو فاسد من جهة المعنى، ويقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وفي هذا نظر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قالوا اتخذ الله ﴾ بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله ﴿ كن فيكون الحق ﴾ في آل عمران، و ﴿ كن فيكون قوله الحق ﴾ في الأنعام.
وافقه الكسائي في النحل ويس.
الوقوف: ﴿ خرابها ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿ خائفين ﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ وجه الله ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه) ﴿ وإذا ﴾ (لا) تعجيلاً للتنزيه { } (ط) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن ما بعده مبتدأ ﴿ قانتون ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿ فيكون ﴾ (ه) ﴿ آية ﴾ (ط) ﴿ قلوبهم ﴾ (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿ يوقنون ﴾ (ه).
التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم.
وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى.
ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان.
وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام.
وقيل: المراد منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.
ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين.
هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟
وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و ﴿ أن يذكر ﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من ﴿ مساجد ﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.
وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟
ومثله ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ والمنزول فيه الأخنس بن شريق.
وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه.
وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة.
فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ ما كان لهم ﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿ أن يدخلوها ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إلا خائفين ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.
والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.
وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا.
وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك.
وأمر النبي بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين.
وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة.
وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد.
وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ .
وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد.
وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿ خزي ﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر.
وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ بلام الاختصاص ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴾ وقال "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.
(الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه قال "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" وقال لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "دياركم تكتب آثاركم" (الثالثة) في تزيين المساجد.
عن ابن عباس أن النبي قال: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى.
التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه.
وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.
(الرابعة) في تحية المسجد.
عن أبي قتادة أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق.
وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
(الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.
روت فاطمة بنت رسول الله عن أبيها قالت: كان رسول الله إذا دخل المسجد صلى على محمد وقال: " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " .
(السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث" (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً.
عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً.
ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.
(الثامنة) النوم في المسجد.
عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى.
وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه نهى عنه وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله" (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد.
عن أنس عن النبي قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وعنه "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه" (العاشرة) عن جابر أنه قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وعنه "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.
وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.
قوله عز من قائل ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله ، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم.
وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟
ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة.
وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء.
وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا.
وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة.
وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة.
فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة.
فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة.
وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في ﴿ تولوا ﴾ للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم.
عن قتادة أن النبي قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ " [آل عمران: 199] الآية.
فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي.
فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ قالوا: أين ندعوه؟
فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ﴿ فولوا وجوهكم شطره ﴾ فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله "جعلت لي الأرض مسجداً" وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب.
ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها.
ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى المكان خاصة.
وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام.
والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ﴾ أو المراد فثم مرضاة الله مثل ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً.
و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟
فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم.
قوله ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وفي قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ كما مر.
والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله { } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بل له ما في السموات والأرض ﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح.
والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟
اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.
وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿ كل له قانتون ﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين.
وقوله ﴿ بل له ما في السموات ﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء.
وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿ قانتون ﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل.
يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه.
فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟
فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟
وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت ﴿ بديع ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿ السموات والأرض ﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.
وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه بين كيفية إبداعه فقال: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع.
قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا *** داود أو صنـع السـوابـغ تبـع ثم من قرأ ﴿ فيكون ﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه.
قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له.
فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى.
فإن قلت: إن قوله ﴿ فيكون ﴾ لما كان من تتمة المقول.
فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿ أمراً ﴾ وفي قوله ﴿ له ﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك.
وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله ﴿ كن ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه.
(الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة.
(الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿ كن ﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿ كن ﴾ ، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ ﴿ كن ﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ ﴿ كن ﴾ ولا نزاع في اللفظ.
(الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا.
(السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل.
وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم.
وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ يعني الجهلة من المشركين.
وقيل: من أهل الكتاب أيضاً.
ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.
فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة.
ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟
فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟
وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله بقوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ من مكذبي الرسل ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ } [النساء: 153] ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون ﴿ قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ ﴿ قد بينا الآيات لقوم ﴾ يفقهون فـ ﴿ يوقنون ﴾ أنها آيات.
فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم.
التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد.
فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة.
وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿ أولئك ما كان لهم ﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ من ذل الحجاب ﴿ ولهم في الآخرة عذاب ﴾ الحرمان من جوار الله.
﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء.
وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ﴿ إن الله واسع ﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿ عليم ﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ ﴾ .
فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم.
ومعناه - والله أعلم -: أَنَّ اتخاذ الولد، والتبني - في الشاهد - إنما يكون لأَحد وجوهٍ ثلاثة تحوجه إلى ذلك: إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به.
وإما لوحشة تأْخذه؛ فيحتاج إلى من يستأْنس به.
أَو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث.
فإذا كان الله - عز وجل - يتعالى عن أَن تمسه حاجة، أَو تأْخذه وحشة، أَو يقهره عدو، فلأَي شيء يتخذ ولداً؟!.
وقوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأَرض وما فيها - لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أَمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
فإن عورض بالخلة، قيل: إن الخلة تقع على غير جوهرِ مَنْ منه الخلة، والولدُ لا يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن.
والثاني: أَن الخلة تقع لأَفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أَمره، وترتفع مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأَما الولد فإنه لا يقع عن أَفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده.
وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ ﴾ .
والثالث: ما قاله الراوندي: أَنه لا بد من أَن يدعى إلى التسمى، أَو إلى التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى.
ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وبالله التوفيق.
ويحتمل قوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وجهاً آخر، وهو أَن يقال: إن ما في السماوات وما في الأَرض، كلهم عبيده وإِماؤه، فأَنتم مع شدة حاجتكم إلى الأَولاد لا تستحسنون أَن تتخذوا عبيدكم وإِماءكم أولاداً، فكيف تستحسنون ذلك لله - عز وجل - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعُزير، وغيرهم - من الذين قلتم: إنه اتخذهم ولداً - قانتون له، مُقِرُّون بالربوبية له، والعبودية لأَنفسهم له.
وقيل: ﴿ قَانِتُونَ ﴾ : مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون.
وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على الأَقدام، ويكون القائم بالأَمر والحفظ.
ثم لا يحتمل أَن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله: ﴿ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ من الحفظ والرزق.
ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأَن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه.
أَو أَن يقال: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ في الجملة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
ابتدعهما ولم يكونا شيئاً.
والبديع والمبدع واحد؛ وهو الذي لم يسبقه أَحدٌ في إنشاءِ مثله؛ ولذلك سمي صاحب الهوى: مبتدعاً؛ لمَّا لم يسبقه في مثل فعله أَحد.
ثم فيه الحجةُ على هؤلاء الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأَرض من غير شيء، ولا سبب، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!
والثاني: أَن يقال: إِن من له القدرةُ على خلق ما يصعب، ويعظم في أَعينكم، بأَقل الأَحرف عندكم - كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!
وقوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ﴾ .
قيل: وإذا حكم حكماً: فإنما يقول له: كن فيكون.
وقيل: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً ﴾ ؛ يعني قضى بإهلاك قوم واستئصالهم ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
ثم قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
ليس هو قول من الله: أَن كُنْ - بالكاف والنون - ولكنه عبارة بأَوجز كلام، يؤدي المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي المعنى المفهوم أَوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصِّلات، والأَدوات، فلا يفهم معناها، والله أعلم.
ثم الآية تردُّ على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً ﴾ ذكر "قَضى" وذكر "أَمْراً"، وذكر "كُنْ فَيَكُونُ".
ولو كان التكوين والمكون واحداً لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ "كن" تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره.
ثم لا يخلو التكوين: إما أَن لم يكن فحدث، أَو كان في الأَزل.
فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه - ولو جاز ذلك فى شيء لجاز في كل شيء - أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له.
وذلك فاسد، ثبت أَن الإِحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن الله موصوف في الأَزل أَنه محدث، مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: الَّذِينَ لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم.
وقيل: لا يعلمون توحيدَ ربهم؛ وهم مشركو العرب.
قالوا للنبي : هلا يكلمنا الله، أَو تأْتينا آية فتُخبرنا بأَنك رسوله.
وقيل: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ ﴾ ، أَي: لا يعلمون أَنهم لم يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم الله إياهم.
وقيل: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أَنه قد كلمهم وأَخبرهم بالوحي، وإيتاء رسوله آياتٍ على رسالته، لكنهم يعاندون.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ .
قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى مثل ما قال مشركو العرب لمحمد ، وهو قوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ .
وقيل: اليهود سأَلوا مثل سؤال النصارى.
وقيل: النصارى سأَلوا مثل سؤال اليهود، والله أعلم.
وقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
بالكفر والسفه.
وقيل: تشابهت قلوبهم في المقالة؛ يشبه بعضُها بعضاً في السؤال؛ لأَنهم سأَلوا سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أَحدهما: هذا القول.
والثاني: أَن يسأَلوا سؤال التعنت والعتو، لا سؤال مسترشد؛ إذ الله - - قد أَثبت آيات الإرشاد لمن يبتغي الرشد، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .
قيل: بينا أَمر محمد بالآيات، والحجج التي أقامها: أَنه رسول لمن آمن به، وصدقه، ولم يعانده.
<div class="verse-tafsir"
والله سبحانه مُنشئ السماوات والأرض وما فيهما على غير مثال سابق، وإذا قدّر أمرًا وأراده فإنما يقول لذلك الأمر: ﴿ كُن ﴾ ؛ فيكون على ما أراد الله أن يكون، لا رادَّ لأمره وقضائه.
<div class="verse-tafsir" id="91.8jA9Y"
الكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾ الآية فيه وجوه: (أحدها): أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة وهي دخول "تيطس" الروماني بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح قد أوعد اليهود بذلك.
وقال بعض المفسرين إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.
ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية ولكنني أعلم أن المسيحيين على قتلهم وتشتتهم واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى "رومية" وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقامًا منهم وتحقيقًا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين -وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء- لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين.
فهذه قرائن ترجع أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.
ومن الغريب أن ابن جرير قال في تفسيره إن الآية في اتحاد المسيحيين مع "بختنصر" البابلي على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بست مئة وثلاث وثلاثين سنة.
ولو لم يكن مؤرخًا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة "أردينال" الروماني الذي جاء بعد المسيح بمئة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلًا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة وجعل جزاء من يدخلها القتل، فلذلك كان اليهود يسمونه "بختنصر الثاني" لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده.
ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرًا للمؤرخ.
(الثاني): ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.
واعترض هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم..
ويصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.
ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبح.
(الثالث): إن الكلام في أهل الكتاب وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع، ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرًا من المساجد.
(الرابع): وهو مبني أيضًا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع أن المراد بها حادثة القرامطة الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها وهدموا كثيرًا من المساجد.
كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم إنهم ليسوا على شيء من الدين وطعن النصارى في اليهود كذلك وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب إنهم قالوا مثل قولهم لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين فأنبأ الله تعالى بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين فإنهم استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد وعاثوا في الأرض فسادًا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.
وسواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدًا للذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق، هي على كل حال ناطقة بوجوب احترام كل معبد يذكر فيه اسم الله تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد، وبالحكم على الذين يصدون الناس عنها ويسعون في خرابها -أي هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة الله فيها- بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار، لأن المنع من ذكر الله تعالى وإبطال شعائر المعابد التي تذكر به وتشعر القلوب عظمته انتهاك لحرمة الدين يفضي إلى نسيان الناس الرقيب المهيمن عليهم فيمسون كالهمل وتفشو فيهم المنكرات والفواحش، وانتهاك الحرمات، وهضم الحقوق، وسفك الدماء، وعبادة الله تعالى بذكره والصلاة له تنهى بطبيعتها عن الفحشاء والمنكر، ولا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب.
فمن علم بهذه البدع فعليه أن ينكرها ويسعى في إزالتها ولا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا إليه.
وهذا هو السر في حكم الشريعة الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب وبيعهم وصوامعهم وعبادهم واحترام معابد الذين لهم شبهة كتاب أيضًا كالمجوس، أما الصابئون فهم من أهل الكتاب.
وأما الوثنيون الخلص الذين اختاروا من دون الله أولياء ويبنون المساجد لذكر غيره والتقرب إلى سواه فهؤلاء لم يتعرض لذكرهم ولم يتوعد من يمنعهم من سخفهم.
ثم قال تعالى في شأن المعتدين على المساجد ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾ أي فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على أمر إلا بعد النظر فيه والعلم بدرجة نفعه أو ضره.
وما كانت عبادة الله تعالى إلا نافعة وما كان تركها إلا ضارًا.
وما عساه يوجد في عبادات الأمم من الخرافات الضارة فإنما المكروه منه ما فيه مما يبعد عن عبادة الله تعالى ويوقع في إشراك غيره فيها.
على أن العبادة الممزوجة بنزغات الوثنية، أهون من التعطيل القاضي بالجحود المطلق، ولذلك توعد الله تعالى أولئك المعتدين الظالمين بقوله ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان وناهيك بظلم يحل القيود، ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات، ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولًا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين.
ثم قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ ذهب المفسر (الجلال) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها وقال في قوله ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أي أي مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر الله بأن يتوجه إليها.
ووجه هذا الرأي أن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ولما كان سبحانه منزهًا عن المادة والجهة استقباله بهذا المعنى مستحيلًا شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عباداتهم إياه وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى.
وهذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ ﴾ إلخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال (الجلال) في تفسير المشرق والمغرب: قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ولذلك خصهما بالذكر فهو كقوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ وهو يستلزم ما قاله"الجلال"فإن المراد على كل حال: أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى الله تعالى لأن كل الجهات له ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ ﴾ لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان ﴿ عَلِيمُ ﴾ بالمتوجه إليه أينما كان أي فاعبد الله حيثما كنت، وتوجه إليه أينما حللت، ولا تتقيد بالأمكنة فإن معبودك غير مقيد.
ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فإن فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة لله تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة لأنه إبطال لها بالمرة إذ لا تصح إلا في تلك المواضع، فهذه الآية تنفي ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن الله تعالى لا تحدده الجهات، ولا تحصره الأمكنة، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعابد، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات الله وإبطال نوع من أنواع عبادته وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعابد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم.
وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام فإنك لترى فيه فنونًا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام، تقرأ الآية في حكم من الأحكام، أو عظة من المواعظ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر، فتراها مستقلة بالبيان، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهمًا، أو تممت حكمًا، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام، فإن القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم، وتنفعل له قلوبهم، وتهتز له نفوسهم، وتتحرك به أريحتهم، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب الجديدة، على أن ملكتهم في حسن البيان، قد ارتقت بعد نزول القرآن.
وسنعطي هذا الموضوع حقه من البيان في موضع تكون مناسبته أقوى من هذه المناسبة.
ثم عاد الكتاب إلى النسق السابق في تعداد مخازي أهل الكتاب والمشركين بعد ما ذكر من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ما ذكر وبين أن يعبد في كل مكان فقال ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ فهذا عطف على قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ قوله ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ إلخ ويصح أن ينسب هذا إلى اليهود والنصارى والذين لا يعلمون جميعًا وإلى فرقة واحدة منهم.
ووجه العموم أن الله تعالى أخبرنا في مواضع من كتابه بأن اليهود قالت: عزير ابن الله: وأن النصارى قالت: المسيح ابن الله: وأن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
ولا فرق في الأحكام التي تسند إلى الأمم بين كونها صدرت من جميع أفراد الأمة أو صدرت من بعضهم فإن مثل هذا الإسناد منبئ بتكافل الأمم كما تقدم غير مرة.
وقد نقل أن كلمة: عزير ابن الله: قالها بعض اليهود لا كلهم، وكذلك اعتقاد كون الملائكة بنات الله لم يكن عامًا في مشركي العرب وإنما عرف عن بعضهم.
ثم رد على مدعي اتخاذ الولد بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ نزه تعالى نفسه بكلمة ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ التي تفيد التنزيه، مع التعجب مما ينافيه، كأن الذي يعرفه تعالى لا ينبغي أن يصدر عنه مثل هذا القول الذي يشعر بأن له تعالى جنسًا يماثله، فإن قائل ذلك لا يكون على علم بالله تعالى وإنما يكون زاعمًا فيه المزاعم وظانًا فيه الظنون، أي تنزيهًا له أن يكون له ولد كما زعم هؤلاء الجاهلون الظانون بالله غير الحق، فإنه لا جنس له فيكون له ولد منه، وهذا الولد الذي نسبوه إليه تعالى لا بد أن يكون من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلي وهو الأرض، ولا يصلح شيء منهما أن يكون متجانسًا له ، لأن جميع ما في السموات والأرض ملك له قانت لعزته وجلاله، أي خاضع لقهره مسخر لمشيئته، فإذا كانوا سواء في كونهم مسخرين له بفطرتهم، منقادين لإرادته بطبيعتهم واستعدادهم، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب إليه وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي، ولكن هذا التخصيص لا يرتقي بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لمن شاء منه ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ، وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلًا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن الله أو هو الله.
وقد غَلَّب في المِلْكِيَّة ما لا يَعْقِل فقال ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ إلخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره.
ويستوي في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ولكنه في غير العاقل أظهر، ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغَلِّب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به.
وجملة القول أن الآية ناطقة بأن ما في السموات والأرض ملك لله تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبًا في غير العاقل وهي كلمة ﴿ مَا ﴾ لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بما لا يعقل، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفًا.
وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.
ثم زاد هذين الحكمين بيانًا وتأكيدًا فقال ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال المفسرون إن البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي "أبدع"، واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدي كرب جاء فيه (سميع) بمعنى مسمع، وقالوا قد تعاقب فعيل ومفعل في حروف كثيرة كحكيم ومحكم وقعيد ومقعد وسخين ومسخن.
وقالوا إن الإبداع هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سبق وهو لا يقتضي سبق المادة، وأما الخلق فمعناه التقدير وهو يقتضي شيئًا موجودًا يقع فيه التقدير.
وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض والمخترع لهما والموجد لجميع ما فيهما فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه جنس له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وكان الأصمعي ينكر فعيلًا بمعنى مفعل لأن القياس بناؤه من الثلاثي ويقول إن بديعًا صفة مشبهة بمعنى لا نظير له، وبديع السموات معناه البديعة سمواته وفي هذا الترك ترك للقياس الذي قضى في الصفة المشبهة التي تضاف إلى الفاعل أن تكون متضمنة ضميرًا يعود على الموصوف، والحق أن تحكيم القياس فيما يثبت من كلام العرب تحكيم جائر، فما كان للدخيل في القوم أن يعمد إلى طائفة من كلامهم فيضع لها قانونًا يبطل به كلامًا آخر ثبت عنهم ويعده خارجًا عن لغتهم بعد ثبوت نطقهم به.
فإذا كان كل واحد من الوجهين صحيح المعنى، حكمنا بصحة كل منهما، والأول أظهر، وشواهده المسموعة أكثر.
وأما قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودًا، فكن ويكون من كان التامة.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده كأمر يصدر فيعقبه الامتثال فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.
وقال بعضهم بل هو قول حقيقي.
وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين في المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع النقلي إلى العقلي لأنه الأصل وههنا يقولون إن الأمر بمعنى تعلق الإرادة وأن معنى ﴿ يَكُونُ ﴾ يوجد.
ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول، وذلك ما لا مطمع فيه.
وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقربه من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق من هذا التعبير يقول للشيء: ﴿ كُنْ ﴾ فيكون، فالتوالد محال في جانبه تعالى، لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقتين: الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه، كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه.
وإذا كان كل واحد من الأمرين محالًا على الله تعالى، وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكة مسخرة لإرادته، فلا معنى لإضافة الولد إليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
<div class="verse-tafsir"