الآية ١١٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٦ من سورة البقرة

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ ١١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 121 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اشتملت هذه الآية الكريمة ، والتي تليها على الرد على النصارى عليهم لعائن الله وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ، ممن جعل الملائكة بنات الله ، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم : إن لله ولدا .

فقال تعالى : ( سبحانه ) أي : تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا ( بل له ما في السماوات والأرض ) أي : ليس الأمر كما افتروا ، وإنما له ملك السماوات والأرض ، وهو المتصرف فيهم ، وهو خالقهم ورازقهم ، ومقدرهم ومسخرهم ، ومسيرهم ومصرفهم ، كما يشاء ، والجميع عبيد له وملك له ، فكيف يكون له ولد منهم ، والولد إنما يكون متولدا من شيئين متناسبين ، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير ، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له ، فكيف يكون له ولد !

كما قال تعالى : ( بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ) [ الأنعام : 101 ] وقال تعالى : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) [ مريم : 88 - 95 ] وقال تعالى : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) [ سورة الإخلاص ] .

فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم ، الذي لا نظير له ولا شبيه له ، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة ، فكيف يكون له منها ولد !

ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة : أخبرنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن عبد الله بن أبي حسين ، حدثنا نافع بن جبير هو ابن مطعم عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله : لي ولد .

فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا " .

انفرد به البخاري من هذا الوجه .

وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، حدثنا إسحاق بن محمد الفروي ، حدثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله عز وجل : كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني ، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني ، أما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني .

وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته .

وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا .

وأنا الله الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد " .

وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ; إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم " .

وقوله : ( كل له قانتون ) قال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أسباط ، عن مطرف ، عن عطية ، عن ابن عباس ، قال : ( قانتين ) مصلين .

وقال عكرمة وأبو مالك : ( كل له قانتون ) مقرون له بالعبودية .

وقال سعيد بن جبير : ( كل له قانتون ) يقول : الإخلاص .

وقال الربيع بن أنس : يقول كل له قائم يوم القيامة .

وقال السدي : ( كل له قانتون ) يقول : له مطيعون يوم القيامة .

وقال خصيف ، عن مجاهد : ( كل له قانتون ) قال : مطيعون ، كن إنسانا فكان ، وقال : كن حمارا فكان .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( كل له قانتون ) مطيعون ، يقول : طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره .

وهذا القول عن مجاهد وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها ، وهو أن القنوت : هو الطاعة والاستكانة إلى الله ، وذلك شرعي وقدري ، كما قال تعالى : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) [ الرعد : 15 ] .

وقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن دراجا أبا السمح حدثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة " .

وكذا رواه الإمام أحمد ، عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن دراج بإسناده ، مثله .

ولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه .

ورفع هذا الحديث منكر ، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه ، والله أعلم .

وكثيرا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة ، فلا يغتر بها ، فإن السند ضعيف ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه: (وقالوا اتخذ الله ولدا) ، الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، (وقالوا) : معطوف على قوله: وَسَعَى فِي خَرَابِهَا .

* * * وتأويل الآية: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ، وقالوا اتخذ الله ولدا، وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله؟

فقال الله جل ثناؤه مكذبا قيلهم ما قالوا من ذلك ومنتفيا مما نحلوه وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم: (30) (سبحانه) ، يعني بها: تنـزيها وتبريئا من أن يكون له ولد ، وعلوا وارتفاعا عن ذلك.

وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل: " سبحان الله " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(31) * * * ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا .

ومعنى ذلك: وكيف يكون المسيح لله ولدا ، وهو لا يخلو إما أن يكون في بعض هذه الأماكن، إما في السموات ، وإما في الأرض ، ولله ملك ما فيهما.

ولو كان المسيح ابنا كما زعمتم ، لم يكن كسائر ما في السموات والأرض من خلقه وعبيده ، في ظهور آيات الصنعة فيه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم: معنى ذلك: مطيعون.

* ذكر من قال ذلك: 1850- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله: (كل له قانتون) ، مطيعون.

1851- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل: (كل له قانتون) ، قال: مطيعون قال، طاعة الكافر في سجود ظله.

1852- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، بمثله ، إلا أنه زاد: بسجود ظله وهو كاره.

1853- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: (كل له قانتون)، يقول: كل له مطيعون يوم القيامة.

1854- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني يحيى بن سعيد ، عمن ذكره ، عن عكرمة: (كل له قانتون) ، قال: الطاعة.

1855- حدثت عن المنجاب بن الحارث قال، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس: (قانتون) ، مطيعون.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك كل له مقرون بالعبودية.

* ذكر من قال ذلك: 1856- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة: (كل له قانتون) ، كل مقر له بالعبودية.

* * * وقال آخرون بما:- 1857- حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: (كل له قانتون) ، قال: كل له قائم يوم القيامة.

* * * ولِـ " القنوت " في كلام العرب معان: أحدها الطاعة ، والآخر القيام ، والثالث الكف عن الكلام والإمساك عنه.

* * * وأولى معاني " القنوت " في قوله: (كل له قانتون)، الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية ، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة ، والدلالة على وحدانية الله عز وجل ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها.

وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدا بقوله: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، ملكا وخلقا.

ثم أخبر عن جميع ما في السموات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها ، وأن الله تعالى بارئها وصانعها.

وإن جحد ذلك بعضهم ، فألسنتهم مذعنة له بالطاعة ، بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك ، وأن المسيح أحدهم ، فأنى يكون لله ولدا وهذه صفته؟

* * * وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وِجْهتَه، أن قوله: (كل له قانتون) ، خاصة لأهل الطاعة وليست بعامة.

وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها ، إلا بحجة يجب التسليم لها ، لما قد بينا في كتابنا: " كتاب البيان عن أصول الأحكام ".

* * * وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح - الذي زعمت النصارى أنه ابن الله - مكذبهم هو والسموات والأرض وما فيها ، إما باللسان ، وإما بالدلالة.

وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم ، بطاعتهم إياه، وإقرارهم له بالعبودية ، عقيب قوله: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، فدل ذلك على صحة ما قلنا.

-------------------- الهوامش : (31) انظر ما سلف 1 : 474 ، 495 .

(32) انظر ما سلف 1 : 251 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 377 ، 506 .

(33) في المطبوعة : "الأعشى بن ثعلبة" ، وهو خطأ محض.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتونفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا هذا إخبار عن النصارى في قولهم : المسيح ابن الله .

وقيل عن اليهود في قولهم : عزير ابن الله .

وقيل عن كفرة العرب في قولهم : الملائكة بنات الله .

وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في [ مريم ] و [ الأنبياء ] .الثانية : قوله تعالى : سبحانه بل له الآية .

خرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي [ ص: 82 ] فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان ، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا .الثالثة : سبحان منصوب على المصدر ، ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة ، من قولهم : اتخذ الله ولدا ، بل هو الله تعالى واحد في ذاته ، أحد في صفاته ، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة ، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء ولم يولد فيكون مسبوقا ، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا !

بل له ما في السماوات والأرض ما رفع بالابتداء والخبر في المجرور ، أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع .

والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السماوات والأرض .

وقد تقدم أن معنى سبحان الله : براءة الله من السوء .الرابعة : لا يكون الولد إلا من جنس الوالد ، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو لا يشبهه شيء ، وقد قال : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، كما قال هنا : بل له ما في السماوات والأرض فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث ، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت ، فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

ثم إن البنوة تنافي الرق والعبودية .

- على ما يأتي بيانه في سورة " مريم " إن شاء الله تعالى - فكيف يكون ولد عبدا هذا محال ، وما أدى إلى المحال محال .الخامسة : قوله تعالى : كل له قانتون ابتداء وخبر ، والتقدير كلهم ، ثم حذف الهاء والميم .

قانتون أي مطيعون وخاضعون ، فالمخلوقات كلها تقنت لله ، أي تخضع وتطيع .

والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم .

فالقنوت الطاعة ، والقنوت السكوت ، ومنه قول زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت : وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .

والقنوت : الصلاة ، قال الشاعر :قانتا لله يتلو كتبه وعلى عمد من الناس اعتزل[ ص: 83 ] وقال السدي وغيره في قوله : كل له قانتون أي يوم القيامة .

الحسن : كل قائم بالشهادة أنه عبده .

والقنوت في اللغة أصله القيام ، ومنه الحديث : أفضل الصلاة طول القنوت قاله الزجاج .

فالخلق قانتون ، أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك ، فأثر الصنعة بين عليهم .

وقيل : أصله الطاعة ، ومنه قوله تعالى : والقانتين والقانتات .

وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى : وقوموا لله قانتين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالُوا } أي: اليهود والنصارى والمشركون, وكل من قال ذلك: { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله, وأساءوا كل الإساءة, وظلموا أنفسهم.

وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم, قد حلم عليهم, وعافاهم, ورزقهم مع تنقصهم إياه.

{ سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق, من جميع الوجوه, الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه.

ومع رده لقولهم, أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال: { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: جميعهم ملكه وعبيده, يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك, وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده, مفتقرين إليه, وهو غني عنهم, فكيف يكون منهم أحد, يكون له ولدا, والولد لا بد أن يكون من جنس والده, لأنه جزء منه.

والله تعالى المالك القاهر, وأنتم المملوكون المقهورون, وهو الغني وأنتم الفقراء، فكيف مع هذا, يكون له ولد؟

هذا من أبطل الباطل وأسمجه.

والقنوت نوعان: قنوت عام: وهو قنوت الخلق كلهم, تحت تدبير الخالق، وخاص: وهو قنوت العبادة.

فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني: كما في قوله تعالى: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولداً} قرأ ابن عامر قالوا اتخذ الله بغير واو، وقرأ الآخرون بالواو {وقالوا اتخذ الله ولداً} نزلت في يهود المدينة حيث قالوا: "عزير ابن الله"، وفي نصارى نجران حيث قالوا: "المسيح ابن الله"، وفي مشركي العرب حيث قالوا: "الملائكة بنات الله".

{سبحانه} نزه وعظم نفسه.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنما شعيب عن عبد الرحمن بن أبي حسن عن نافع بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً".

قوله تعالى: {بل له ما في السموات والأرض} عبيداً وملكاً.

{كل له قانتون} قال مجاهد وعطاء والسدي: "مطيعون"، وقال عكرمة ومقاتل: "مقرون له بالعبودية"، وقال ابن كيسان: "قائمون بالشهادة"، وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة طول القنوت".

واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص، وقال مقاتل: "هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناس".

وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن ((كل)) تقتضي الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذ منه شيء، ثم سلكوا في الكفار طريقين: فقال مجاهد: "يسجد ظلالهم لله على كره منهم قال الله تعالى: {وظلالهم بالغدو والآصال} [15-الرعد]"، وقال السدي: "هذا يوم القيامة، دليله {وعنت الوجوه للحي القيوم} [111-طه]".

وقيل: (قانتون) مذللون مسخرون لما خلقوا له.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا» بواو وبدونها اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله «اتخذ الله ولداً» قال تعالى «سبحانه» تنزيها له عنه «بل له ما في السماوات والأرض» ملكا وخلقا وعبيدا والملكية تنافي الولادة وعبر بما تغليبا لما لا يعقل «كل له قانتون» مطيعون كل بما يراد منه وفيه تغليب العاقل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقالت اليهود والنصارى والمشركون: اتخذ الله لنفسه ولدًا، تنزَّه الله -سبحانه- عن هذا القول الباطل، بل كل مَن في السموات والأرض ملكه وعبيده، وهم جميعًا خاضعون له، مسخَّرون تحت تدبيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً ) معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك وقالت اليهود ليست النصارى على شيء إلخ " .واتخذ : من الاتخاذ وهو الصنع والجعل والعمل .

والولد : يطلق على الذكر والأنثى ، والواحد والجمع .والذين قالوا اتخذ الله ولدا هم اليهود والنصارى والمشركون ، فقد حكى الله عن اليهود أنه قالوا : ( عُزَيْرٌ ابن الله ) وحكى عن النصارى أنهم قالوا : ( المسيح ابن الله ) وحكى عن المشركين أنهم قالوا " الملائكة بنات الله " فيصح أن يكون الضمير في قالوا عائداً على الفرق الثلاث أو على بعضهم .

فمن المعروف أن القرآن يجري على الأسلوب المعروف في المخاطبات حيث يسند إلى القوم ما صدر من بعضهم فحين قال : ( وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله ) أصبح من السائغ في صحة المعنى أن يكون هذا القول قد صدر من طائفة منهم :وقوله : ( سُبْحَانَهُ ) تنزيه له عما هو نقص في حقه ومحال عليه من اتخاذ الولد ، لاقتضاء الوالدية : النوعية والجنسية والتناسل والافتقار ، والتشبيه والحدوث وفي الصحيحن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، إنهم يجعلون له ولداً ، وهو يرزقهم ويعافيهم " .وسبحانه : مصدر لسبح بمعنى نزه ، وهو منصوب بفعل لم يسمع من العرب التصريح به معه ، والأصل : أسبحه سبحانه ، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وأضيف إلى ضمير المنزه .وقوله : ( بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض ) إضراب عن مقالاتهم التي نسبوا بها إلى الله اتخاذ الولد ، وشروع في الاستدلال على بطلانها .واللام في قوله : ( لَّهُ ) للاختصاص الكامل وهو الملك الحقيقي ، و ( ما ) اسم موصول يراد منه الكائنات : ما يعقل وما لا يعقل ومن جملة هذه الكائنات من ادعوا أنه ولد لله .والمقصود إثبات أن قولهم ( اتخذ الله وَلَداً ) زعم باطل ، فإن جميع ما احتوت عليه السموات والأرض مملوك لله يتصرف فيه كيف يشاء ، فلا حاجة إلى اتخاذ الولد ، إذ الولد إنما يسعى إليه الوالد ، أو يرغب فيه ليعتزبه أو ليحيى ذكره ، أوليستعين به على القيام بأعباء الحياة .

والله - تعالى - منزه عن أمثال هذه الأغراض التي لا تليق إلا بمن خلق ضعيفاً كالإِنسان ثم إن الحكمة من التوالد بقاء النوع محفوظاً بتوارد أمثال الوالد حيث لا سبيل إلى بقائه بعينه ، أما الخالق - تعالى - فهو الواحد في ذاته وصفاته ، الباقي على الدوام ، كما قال تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ .

ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام ) وقوله - تعالى - ( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) .معناه : كل له مطيعون طاعة تسخير وانقياد ، خاضعون لا يستعصي منهم شيء على مشيئته وإرادته : شاهدون بلسان الحال والمقال على وحدانيته من القنوت وهو لزوم الطاعة مع الخضوع ، وإنما جاء ( قَانِتُونَ ) بجمع المذكر المختص بالعقلاء ، مع أن الخضوع لله يكون من العقلاء وغيرهم تغليباً للعقلاء على غيرهم ، لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة ، ولأن ظهوره فيهم أكمل من ظهوره في غيرهم .وفصلت جملة ( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) عن سابقتها ، لقصد استقلالها بالاستدلال على نفي أن يكون لله ولد ، حتى لا يظن السامع أنها مكملة للدليل المسوق له قوله - تعالى - : ( لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين، واعلم أن الظاهر قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا ﴾ أن يكون راجعاً إلى قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله  ﴾ وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى، ومنهم من تأوله على مشركي العرب، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى، لأن اليهود قالوا: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيراً ابن الله، أما قوله تعالى: ﴿ سبحانه ﴾ فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ  ﴾ فمرة أظهره، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه، واحتج على هذا التنزيه بقوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه: الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين، وما به المشاركة، غير ما به الممايزة، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه من غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته، هذا خلف، ثم نقول: إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه، ويقضي إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية، وذلك محال، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل، لأن كل كثرة فلابد فيها من الواحد، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت، فالبسيط مركب هذا خلف، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثاً فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولداً له، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع.

والثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له.

والثالث: أن الولد لابد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازاً عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة.

الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وقال في مريم: ﴿ ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ  مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَٰنَهُۥٓ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  ﴾ وقال أيضاً في آخر هذه السورة: ﴿ وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا  لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا  تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا  وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا  إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا  ﴾ فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات والأرض، وفي سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات والأرض على ما قال: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً ﴾ قلنا: قوله تعالى في هذه السورة: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ أتم، لأن كلمة (ما) تتناول جميع الأشياء، وأما قوله تعالى: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون  ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القنوت: أصله الدوام، ثم يستعمل على أربعة أوجه: الطاعة، كقوله تعالى: ﴿ يامريم اقنتى لِرَبّكِ  ﴾ وطول القيام، كقوله عليه السلام لما سئل: أي الصلاة أفضل؟

قال: طول القنوت وبمعنى السكوت، كما قال زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين  ﴾ فأمسكنا عن الكلام، ويكون بمعنى الدوام، إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون ﴾ أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس، فقيل لهؤلاء الكفار: ليسوا مطيعين، فعند هذا قال آخرون: المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة، وهو قول السدي، فقيل لهؤلاء: هذه صفة المكلفين، وقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات ﴾ يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر.

الأول: بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية.

الثاني: كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم، وعلى هذين الوجهين الآية عامة.

الثالث: أراد به الملائكة وعزيراً والمسيح، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله، فقال علي رضي الله عنه: فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة، فانقطع النصراني.

المسألة الثانية: لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه.

المسألة الثالثة: يقال كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله: ﴿ قانتون ﴾ جوابه: كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم.

أما قوله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السموات والأرض ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: البديع والمبدع بمعنى واحد.

قال القفال: وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة: سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً.

المسألة الثانية: اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال: ﴿ وَإِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعض الأدباء: القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية، وفي معناه القضية، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب ق ض ى وأصله قضاي إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظاً، ومن نظائره المضاء والإتاء، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء، من سقيت وشفيت، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول: قضيت وقضينا، وقضيت إلى قضيتن، وقضيا وقضين، وهما يقضيان، وهي وأنت تقضي، والمرأتان وأنتما تقضيان، وهن يقضين، وأما أنت تقضين، فالياء فيه ضمير المخاطبة، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من ذلك قولهم؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم، لأنه فصل للدعوى، ولهذا قيل: حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع، وقولهم: قضى حاجته، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه، وقولهم: قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات  ﴾ وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه، ومنه: درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها، وأما قولهم؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات، وقضى عليه: قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق، أما الأول فيقال: قاضه فانقاض، أي شقه فانشق، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع، فأولها: قضبه إذا قطعه، ومنه القضبة المرطبة، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر، والقضيب: الغصن، فعيل بمعنى مفعول، والمقضب ما يقضب به كالمنجل.

وثانيها؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، لأن فيه قطعاً للمأكول، وسيف قضيم: في طرفه تكسر وتفلل.

وثالثها: القضف وهو الدقة، يقال رجل قضيف، أي: نحيف، لأن القلة من مسببات القطع.

ورابعها: القضأة فعلة وهي الفساد، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة.

المسألة الثانية: في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا: أنه يستعمل على وجوه: أحدها: بمعنى الخلق، قوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات ﴾ يعني خلقهن.

وثانيها: بمعنى الأمر قال تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه  ﴾ .

وثالثها: بمعنى الحكم، ولهذا يقال للحاكم: القاضي.

ورابعاً: بمعنى الإخبار، قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِي الكتاب  ﴾ أي أخبرناهم، وهذا يأتي مقروناً بإلى.

وخامسها: أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  ﴾ يعني لما فرغ من ذلك، وقال تعالى: ﴿ وَقُضِىَ الأمر واستوت عَلَى الجودى  ﴾ يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال: ﴿ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ  ﴾ بمعنى ليفرغوا منه، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا  ﴾ قيل: إذا خلق شيئاً، وقيل: حكم بأنه يفعل شيئاً، وقيل: أحكم أمراً، قال الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع المسألة الثالثة: اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق؟

نعم وهو المراد بالأمر هاهنا، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه.

المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين: في أول آل عمران: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ  ﴾ وفي الأنعام: ﴿ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق  ﴾ فإنه رفعهما، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن، والباقون بالرفع في كل القرآن، أما النصب فعلى جواب الأمر، وقيل هو بعيد، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون.

المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ هو أنه تعالى يقول له: ﴿ كُنَّ ﴾ فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على ﴿ كُنَّ ﴾ إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه: الأول: أن كلمة ﴿ كُنَّ ﴾ لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لابد وأن يكون محدثاً، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً.

الثاني: أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال، فذلك القضاء لابد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف ﴿ إِذَا ﴾ وقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ ﴾ والمتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون: ﴿ كُنَّ ﴾ قديماً.

الثالث: أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ بفاء التعقيب فيكون قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لابد وأن يكون محدثاً فقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ لا يجوز أن يكون قديماً، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ وقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ أيضاً محدث فيلزم افتقار: ﴿ كُنَّ ﴾ آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ .

الحجة الثانية: أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود، والأول: باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه، والثاني: أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه.

الحجة الثالثة: أن المخلوق قد يكون جماداً، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم.

الحجة الرابعة: أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ.

الحجة الخامسة: أن ﴿ كُنَّ ﴾ لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة.

الحجة السادسة: أن ﴿ كُنَّ ﴾ كلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون الكاف متقدماً على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما، فإن كان الأول لم يكن لكلمة ﴿ كُنَّ ﴾ أثر البتة، بل التأثير لأحد هذين الحرفين، وإن كان الثاني فهو محال، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً، وحين جاء الثاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة.

الحجة السابعة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ بين أن قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله: ﴿ كُنَّ ﴾ في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، وإذا ثبت هذا فنقول لابد من التأويل وهو من وجوه: الأول: وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني؟

قال: سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

الثاني: أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل.

الثالث: أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم؛ ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين  ﴾ ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم.

الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالُواْ ﴾ وقرئ بغير واو، يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله والملائكة بنات الله.

﴿ سبحانه ﴾ تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والارض ﴾ هو خالقه ومالكه، ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح ﴿ كُلٌّ لَّهُ قانتون ﴾ منقادون، لا يمتنع شيء منه على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد.

والتنوين في ﴿ كُلٌّ ﴾ عوض من المضاف إليه، أي كل ما في السموات والأرض.

ويجوز أن يراد كلّ من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم.

فإن قلت: كيف جاء بما التي لغير أولي العلم مع قوله قانتون؟

قلت: هو كقوله: سبحان ما سخركنَّ لنا.

وكأنه جاء ب (ما) دون (من) تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، كقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً ﴾ [الصافات: 158] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ اليَهُودُ: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ، والنَّصارى: ﴿ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ، ومُشْرِكُو العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وعَطْفُهُ عَلى قالَتِ اليَهُودُ، أوْ مَنَعَ، أوْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ .

وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ والحاجَةَ وسُرْعَةَ الفَناءِ، ألا تَرى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ مَعَ إمْكانِها وفَنائِها لَمّا كانَتْ باقِيَةً ما دامَ العالَمُ، لَمْ تَتَّخِذْ ما يَكُونُ لَها كالوَلَدِ اتِّخاذَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا.

﴿ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، واسْتِدْلالٌ عَلى فَسادِهِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى خالِقٌ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ المَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ والمَسِيحٌ ﴿ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ مُنْقادُونَ لا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ وتَكْوِينِهِ، وكُلُّ ما كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُجانِسْ مُكَوِّنَهُ الواجِبَ لِذاتِهِ: فَلا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، لِأنَّ مِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يُجانِسَ والِدَهُ، وإنَّما جاءَ بِما الَّذِي لِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ، وقالَ قانِتُونَ عَلى تَغْلِيبِ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ، وتَنْوِينُ كُلٍّ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ ما فِيهِما.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ كُلُّ مَن جَعَلُوهُ ولَدًا لَهُ مُطِيعُونَ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَيَكُونُ إلْزامًا بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ، والآيَةُ مُشْعِرَةٌ عَلى فَسادِ ما قالُوهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحْتَجَّ بِها الفُقَهاءُ عَلى أنَّ مَن مَلَكَ ولَدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَعالى نَفى الوَلَدَ بِإثْباتِ المِلْكِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تُنافِيَهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا} يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزير ابن الله قالوا شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى {سبحانه} تنزيه له عن ذلك وتبعيد {بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزير والولادة تنافي الملك {كُلٌّ لَّهُ قانتون} منقادون

البقرة (١١٧ _ ١١٩)

لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه أى كل مافى

السموات والأرض أو كل من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا اليهم وجاء بما الذى لغير اولى العلم من قوله قانتون كقوله سبحان ما سخركن لنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وفي نَصارى نَجْرانَ حِينَ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وفي مُشْرِكِي العَرَبِ، حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ النَّصارى واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وعَطَفَهُ عَلى ”قالَتْ اليَهُود“ وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى ﴿ وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَنَعَ) أوْ عَلى مَفْهُومِ ”مَن أظلم“ دُونَ لَفْظِهِ لِلِاخْتِلافِ إنْشائِيَّةً وخَبَرِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: ظَلَمُوا ظُلْمًا شَدِيدًا بِالمَنعِ، وقالُوا: وإنْ جُعِلَ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَأْوِيلٍ، والِاسْتِئْنافُ حِينَئِذٍ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ما عَدَّدَ مِن قَبائِحِهِمْ: هَلِ انْقَطَعَ خَيْطُ إسْهابِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أمِ امْتَدَّ؟

فَقِيلَ: بَلِ امْتَدَّ، فَإنَّهم قالُوا ما هو أشْنَعُ وأفْظَعُ، والِاتِّخاذُ إمّا بِمَعْنى الصُّنْعِ، والعَمَلِ، فَلا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ، وإمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ أيْ صَيَّرَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ وغَيْرُهُما (قالُوا) بِغَيْرِ واوٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى العَطْفِ، واكْتَفى بِالضَّمِيرِ والرَّبْطِ بِهِ عَنِ الواوِ كَما في البَحْرِ، ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهٌ وتَبْرِئَةٌ لَهُ تَعالى عَمّا قالُوا بِأبْلَغِ صِيغَةٍ، ومُتَعَلِّقُ سُبْحانَ مَحْذُوفٌ كَما تَرى لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

﴿ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ، وإضْرابٌ عَمّا تَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالمُحْدَثاتِ في التَّناسُلِ والتَّوالُدِ، والحاجَةِ إلى الوَلَدِ في القِيامِ بِما يَحْتاجُ الوالِدُ إلَيْهِ، وسُرْعَةِ الفَناءِ، لِأنَّهُ لازِمٌ لِلتَّرْكِيبِ اللّازِمِ لِلْحاجَةِ، وكُلُّ مُحَقَّقٍ قَرِيبٌ سَرِيعٌ، ولِأنَّ الحِكْمَةَ في التَّوالُدِ هو أنْ يَبْقى النَّوْعُ مَحْفُوظًا بِتَوارُدِ الأمْثالِ فِيما لا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ مُدَّةَ بَقاءِ الدَّهْرِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ الأبَدِيُّ الدّائِمُ والغَنِيُّ المُطْلَقُ المُنَزَّهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقاتِ، واللّامُ في (لَهُ) قِيلَ لِلْمِلْكِ، وقِيلَ: إنَّها كالَّتِي في قَوْلِكَ: لِزَيْدٍ ضَرْبٌ، تُفِيدُ نِسْبَةَ الأثَرِ إلى المُؤَثِّرِ، وقِيلَ: لِلِاخْتِصاصِ بِأيِّ وجْهٍ كانَ، وهو الأظْهَرُ، والمَعْنى لَيْسَ الأمْرُ كَما افْتَرَوْا، بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما زَعَمُوهُ ولَدًا، والخالِقُ لِكُلِّ مَوْجُودٍ لا حاجَةَ لَهُ إلى الوَلَدِ، إذْ هو يُوجِدُ ما يَشاءُ مُنَزَّهًا عَنِ الِاحْتِياجِ إلى التَّوالُدِ، ﴿ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ أيْ كُلُّ ما فِيهِما كائِنًا ما كانَ جَمِيعًا مُنْقادُونَ لَهُ، لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى مَشِيئَتِهِ، وتَكْوِينِهِ إيجادًا وإعْدامًا وتَغَيُّرًا مِن حالٍ إلى حالٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ والإمْكانَ المُنافِيَ لِلْوُجُوبِ الذّاتِيِّ، فَكُلُّ مَن كانَ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لا يَكُونُ والِدًا، لِأنَّ مِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يُشارِكَ والِدَهُ في الجِنْسِ لِكَوْنِهِ بَعْضًا مِنهُ، وإنْ لَمْ يُماثِلْهُ، وكانَ الظّاهِرُ كَلِمَةَ مِن مَعَ قانِتُونَ، كَيْلا يَلْزَمَ اعْتِبارُ التَّغْلِيبِ فِيهِ، ويَكُونُ مُوافِقًا لِسَوْقِ الكَلامِ، فَإنَّ الكَلامَ في العُزَيْرِ والمَسِيحِ والمَلائِكَةِ، وهم عُقَلاءُ، إلّا أنَّهُ جاءَ بِكَلِمَةِ (ما) المُخْتَصَّةِ بِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ كَما قالَهُ بَعْضُهم: مُحْتَجًّا بِقِصَّةِ الزِّبَعْرى مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ الرَّضِيُّ مِن أنَّها في الغالِبِ لِما لا يُعْلَمُ، ولِما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن عُمُومِها، كَما في التَّلْوِيحِ، واعْتُبِرَ التَّغْلِيبُ في قانِتُونَ إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوهم ولَدَ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَهُ وتَعالى في جَنْبِ عَظَمَتِهِ جَماداتٌ مُسْتَوِيَةُ الأقْدامِ مَعَها في عَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِاتِّخاذِ الوَلَدِ، وقِيلَ: أتى بِما في الأوَّلِ، لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ، والعُقَلاءُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ الجَماداتِ، ويُجْمَعُ العُقَلاءُ في الثّانِي لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَقامِ العُبُودِيَّةِ، والجَماداتُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ العُقَلاءِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ المُضافُ إلَيْهِ كُلُّ ما جَعَلُوهُ ولَدًا لِدِلالَةِ المَقُولِ لا عامًّا لِدِلالَةِ مُبْطِلِهِ، ويُرادُ بِالقُنُوتِ الِانْقِيادُ لِأمْرِ التَّكْلِيفِ، كَما أنَّهُ عَلى العُمُومِ الِانْقِيادُ لِأمْرِ التَّكْوِينِ، وحِينَئِذٍ لا تَغْلِيبَ في (قانِتُونَ)، وتَكُونُ الجُمْلَةُ إلْزامًا بِأنَّ ما زَعَمُوهُ ولَدًا مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعالى مُقِرٌّ بِعُبُودِيَّتِهِ بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِما سَبَقَ، وتُرِكَ العَطْفُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الدِّلالَةِ عَلى الفَسادِ، واخْتِلافِهِما في كَوْنِ أحَدِهِما حُجَّةً، والآخَرِ إلْزامًا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الأخِيرُ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ، وذَكَرَ الجَصّاصُ إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ دِلالَةً عَلى أنَّ مِلْكَ الإنْسانِ لا يَبْقى عَلى ولَدِهِ، لِأنَّهُ نَفى الوَلَدَ بِإثْباتِ المِلْكِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللّامَ لَهُ، فَمَتى مَلَكَ ولَدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وقَدْ حَكَمَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في الوالِدِ إذا مَلَكَهُ ولَدُهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعِيدٌ عَمّا قُصِدَ بِالآيَةِ، لا سِيَّما إذا كانَ الأظْهَرُ الِاخْتِصاصَ كَما عَلِمْتَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام قالُوا بغير واو.

وقرأ الباقون بالواو، ومعناهما واحد إلا أن الواو للعطف وذلك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال بعض المشركين: الملائكة بنات الله.

قال الله تعالى: سُبْحانَهُ، نزه نفسه عن الولد.

بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلهم عبيده كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ، يعني به المؤمنين خاصة، أي مطيعين مقرين بالعبودية له موحدين مجيبين للطاعة.

وقد قيل: إن لفظ الآية عام والمراد به الخاص.

قوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يعني به المؤمنين خاصة.

ويقال معناه: أثر صنعه وشواهد توحيده ودلائل ربوبيته في جميع ما في السموات والأرض موجود.

ويقال: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي لا يستطيع كل خلق أن يغير نفسه عن خلقته، فأخبر الله تعالى أن جميع ما في السَّموات والأرض له وهو خالق الأشياء، وهو المستغني عن الولد سبحانه وتعالى.

بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي خالقهما.

والإبداع في اللغة: إنشاء شيء لم يُسْبَقْ إليه على غير مثال ولا مشورة.

وإنما قيل لمن خالف السنة: مبتدع، لأنه أتى بشيء لم يسبقه إليه الصحابة ولا التابعون.

ومعناه هو خالق السموات والأرض.

وَإِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

ويقال: هذه الآية نزلت في شأن وفد نجران السيد والعاقب وغيرهما.

وكانوا يقولون للنبي  : هل رأيت خلقاً من غير أب؟

فنزلت هذه الآية: وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كما كان آدم من غير أب وأم، كذا عيسى ابن مريم خلقه بغير أب.

فإن قيل: قوله: كُنْ هذا الخطاب للموجود أو للمعدوم؟

فإن قال: للمعدوم.

قيل له: كيف يصح الخطاب لشيء معدوم؟

وكيف يصح الإشارة إليه بقوله: كُنْ؟

فإن قال: الخطاب للموجود.

قيل له: كيف يأمر الشيء الكائن بالكون فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الأشياء كلها كانت موجودة في علم الله تعالى قبل كونها، فكان الخطاب للموجود في علمه.

وجواب آخر: أن معناه إِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يقول له: كن فيكون، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً يخلقه، والقول فيه على وجه المجاز.

قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بالنصب، لأن جواب الأمر بالفاء، وقرأ الباقون بالرفع على معنى الاستئناف بمعنى فهو يكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقيلَ: نزلت الآية حين صُدَّ رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلم عن البيت.

وواسِعٌ: معناه مُتَّسِعُ الرحمة، عَلِيمٌ أين يضعها، وقيل: واسِعٌ: معناه هنا أنه يوسِّع على عباده في الحُكْم دينُهُ يُسْرٌ، عَلِيمٌ بالنيَّات التي هي ملاك العمل.

وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ ...

الآية: اختلف على مَنْ يعود ضميرُ «قَالُوا» ، فقيل: على النصارى، وهو الأشبه، وقيل: على اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، وقيل: على كفرة العربِ لأنهم قالوا: الملائكة بنَاتُ اللَّه.

ت: وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ: ويحتمل أن يعني بالآية كلُّ من تقدَّم ذكره من الكفرة، وقد تقدَّم ذكر اليهود والنصارى والذين لا يعلمون، وهم المشركون، وكلُّهم قد ادعى للَّه ولداً، تعالى اللَّه عن قولهم.

انتهى من «مختصر الطبريّ» .

وسُبْحانَهُ: مصدر، معناه: تنزيهاً له وتبرئةً مما قالوا، والقُنُوتُ في اللغة:

الطاعةُ، والقنوتُ: طول القيام، فمعنى الآية: إن المخلوقات تقنُتُ للَّه، أي: تخشع، وتطيع، والكفار قنوتُهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظلُّه، وهو كاره، وبَدِيعُ: مصروف من مبدع، والمبدع: المخترع المنشئ، وخص السَّموات والأرضَ بالذكْر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جلّ وعلا.

وقَضى: معناه: قدَّر، وقد يجيء بمعنى: أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنَيَانِ، والأمر: واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وتلخيص المعتَقَدِ في هذه الآية أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودِهَا، قادراً مع تأخُّر المقدورات، عالماً مع تأخُّر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآية ممَّا يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأموراتِ إِذ المحدَثَاتُ تجيء بعد أنْ لم تكنْ، وكل ما يستند إِلى اللَّه تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمر، فهو قديمٌ لم يزَلْ، والمعنى الَّذي تقتضيه عبارةُ كُنْ هو قديمٌ قائمٌ بالذاتِ، والوضوح التامُّ في هذه المسألة [لا] يحتاج أكثر من هذا البَسْط.

ت: وقد قدَّمنا ما يزيدُ هذا المعنى وضُوحاً عند قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: ٣٤] ، فانظره.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ إذْ جَعَلُوا عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها في النَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّ النَّصارى قالَتْ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، والمُشْرِكِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَأمّا القُنُوتُ؛ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو في اللُّغَةِ بِمَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: القِيامُ.

والثّانِي: الطّاعَةُ.

والمَشْهُورُ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ القُنُوتَ: الدُّعاءُ في القِيامِ، فالقانِتُ: القائِمُ بِأمْرِ اللَّهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ في جَمِيعِ الطّاعاتِ، لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قِيامٌ عَلى الرِّجْلَيْنِ؛ فَهو قِيامٌ بِالنِّيَّةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أرى أصْلَ القُنُوتِ إلّا الطّاعَةَ، لِأنَّ جَمِيعَ الخِلال مِنَ الصَّلاةِ، والقِيامِ فِيها والدُّعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَكُونُ عَنْها.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالقُنُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإقْرارُ بِالعِبادَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: القِيامُ، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.

وَفِي مَعْنى القِيامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القِيامُ لَهُ بِالشَّهادَةِ بِالعُبُودِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَمَّ بِهَذا القَوْلِ وكَثِيرٌ مِنَ الخَلْقِ لَيْسَ لَهُ بِمُطِيعٍ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ ظاهِرُها ظاهِرَ العُمُومِ، ومَعْناها مَعْنى الخُصُوصِ.

والمَعْنى: كُلُّ أهْلِ الطّاعَةِ لَهُ قانِتُونَ.

والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ تَسْجُدُ ظِلالُهم لِلَّهِ بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ، فَنُسِبَ القُنُوتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ قانِتٍ هَلْ بِأثَرِ صُنْعِهِ فِيهِ، وجَرْيِ أحْكامِهِ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى ذُلِّهِ لِلرَّبِّ.

ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ ﴿ بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ أو تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةُ القُرّاءِ: "وَقالُوا" بِواوٍ تَرْبُطُ الجُمْلَةَ بِالجُمْلَةِ، أو تَعْطِفُ عَلى "سَعى".

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وغَيْرُهُ: "قالُوا" بِغَيْرِ واوٍ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ.

وحُذِفَ مِنهُ الواوُ يَتَّجِهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُرْتَبِطَةٌ في المَعْنى بِالَّتِي قَبْلَها فَذَلِكَ يُغْنِي عَنِ الواوِ.

والآخَرُ أنْ تُسْتَأْنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةُ ولا يُراعى ارْتِباطُها بِما تَقَدَّمَ.

واخْتَلَفَ عَلى مَن يَعُودُ الضَمِيرُ في "قالُوا"؟

فَقِيلَ: عَلى النَصارى لِأنَّهم قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ وذِكْرُهم أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ، وقِيلَ: عَلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: عَلى كَفَرَةِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ.

و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ مَعْناهُ تَنْزِيهًا لَهُ وتَبْرِئَةً مِمّا قالُوا، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في المَجْرُورِ، أو بِالِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ، أيْ كُلُّ ذَلِكَ لَهُ مِلْكٌ، والَّذِي قالُوا: إنَّ اللهَ اتَّخَذَ ولَدًا داخِلٌ في جُمْلَةِ ما في ( السَماواتِ والأرْضِ ) ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ لا مِنَ المَخْلُوقاتِ المَمْلُوكاتِ.

والقُنُوتُ في اللُغَةِ الطاعَةُ، والقُنُوتُ طُولُ القِيامِ في عِبادَةٍ، ومِنهُ القُنُوتُ في الصَلاةِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها تَقْنُتُ لِلَّهِ، أيْ تَخْضَعُ وتُطِيعُ، والكُفّارُ والجَماداتُ قُنُوتُهم في ظُهُورِ الصَنْعَةِ عَلَيْهِمْ وفِيهِمْ.

وقِيلَ: الكافِرُ يَسْجُدُ ظِلُّهُ وهو كارِهٌ.

و"بَدِيعٌ" مَصْرُوفٌ مِن مُبْدِعٍ، كَبَصِيرٍ مِن مُبْصِرٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ..........

يُرِيدُ المُسْمِعُ.

والمُبْدِعُ المُخْتَرِعُ المُنْشِئُ، ومِنهُ أصْحابُ البِدَعِ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَلاةِ رَمَضانَ: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ.

وخُصَّ ( السَماواتِ والأرْضِ ) بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ ما نَرى مِن مَخْلُوقاتِهِ جَلَّ وعَلا.

و"قَضى" مَعْناهُ: قَدَرَ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى أمْضى، ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَعْنَيانِ، فَعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ قَدْرٌ في الأزَلِ وأمْضى فِيهِ، وعَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ.

والأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ هُنا بِمَصْدَرِ أمْرٍ يَأْمُرُ، "وَيَكُونُ" رُفِعَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ فَهو يَكُونُ، قالَ غَيْرُهُ: "يَكُونُ" عُطِفَ عَلى "يَقُولُ"، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ وقَرَّرَهُ.

وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَوْلَ مَعَ التَكْوِينِ والوُجُودِ، وَتَكَلَّمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِما هو فاسِدٌ مِن جُمْلَةِ الِاعْتِزالِ لا مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَيَكُونُ" بِالنَصْبِ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ، ووَجْهُهُ -مَعَ ضَعْفِهِ- عَلى أنْ يَشْفَعَ لَهُ شِبْهُ اللَفْظِ.

وقالَ أحْمَدُ بْنُ مُوسى في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: "هَذا لَحْنٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الفاءَ لا تَعْمَلُ في جَوابِ الأمْرِ إلّا إذا كانا فِعْلَيْنِ يَطَّرِدُ فِيهِما مَعْنى الشَرْطِ، تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا فَيُكْرِمْكَ، والمَعْنى: إنْ تُكْرِمْ زَيْدًا يُكْرِمْكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّجِهُ هَذا، لِأنَّهُ يَجِيءُ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، ولا مَعْنى لِهَذا، والَّذِي يَطَّرِدُ فِيهِ مَعْنى الشَرْطِ هو أنْ يَخْتَلِفَ الفاعِلانِ أوِ الفِعْلانِ، فالأوَّلُ أكْرِمْ زَيْدًا فَيُكْرِمْكَ، والثانِي أكْرِمْ زَيْدًا فَتَسُودَ.

وتَلْخِيصُ المُعْتَقَدِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُوماتِ بِشَرْطِ وُجُودِها، قادِرًا مَعَ تَأخُّرِ المَقْدُوراتِ، عالِمًا مَعَ تَأخُّرِ وُقُوعِ المَعْلُوماتِ، فَكُلُّ ما في الآيَةِ مِمّا يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالُ فَهو بِحَسَبَ المَأْمُوراتِ، إذِ المُحْدَثاتُ تَجِيءُ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وكُلُّ ما يَسْتَنِدُ إلى اللهِ تَعالى مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ وأمْرٍ فَهو قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ.

ومَن جَعَلَ مِنَ المُفَسِّرِينَ "قَضى" بِمَعْنى أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ فَكَأنَّ إظْهارَ المُخْتَرَعاتِ في أوقاتِها المُؤَجَّلَةِ قَوْلٌ لَها: "كُنْ" إذِ التَأمُّلُ يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: وقالَتِ الأقْرابُ لِلْبَطْنِ الحَقِ ∗∗∗..............

وهَذا كُلُّهُ يَجْرِي مَعَ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والمَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ عِبارَةُ "كُنْ": هو قَدِيمٌ قائِمٌ بِالذاتِ، والوُضُوحُ التامُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَحْتاجُ أكْثَرَ مِن هَذا البَسْطِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: هم كُفّارُ العَرَبِ، وقَدْ طَلَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمِّيَّةَ وغَيْرُهُ مِنَ النَبِيِّ  نَحْوَ هَذا، فَنَفى عنهُمُ العِلْمَ لِأنَّهم لا كِتابَ عِنْدَهم ولا اتِّباعُ نُبُوَّةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَصارى، لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ أوَّلًا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مَن كانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  مِنَ اليَهُودِ، لِأنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ قالَ لِلنَّبِيِّ  : أسْمِعْنا كَلامَ اللهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "لا يَعْلَمُونَ" إلى جَمِيعِ هَذِهِ الوَظائِفِ، لِأنَّ كُلَّهم قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أو نَحْوَها، ويَكُونُ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ: تَعُدُّونَ عُقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَلَيْسَتْ هَذِهِ لَوْلا الَّتِي تُعْطِي مَنعَ الشَيْءِ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما أنَّها في التَحْضِيضِ لا يَلِيها إلّا الفِعْلُ مُظْهَرًا أو مُقَدَّرًا، وعَلى بابِها في المَنعِ لِلْوُجُوبِ يَلِيها الِابْتِداءُ، وجَرَتِ العادَةُ بِحَذْفِ الخَبَرِ.

والآيَةُ هُنا: العَلامَةُ الدالَّةُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِها.

و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ اليَهُودُ والنَصارى في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارَ العَرَبِ -وَهُمُ الأُمَمُ السالِفَةُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ العَرَبِ والنَصارى - وهُمُ اليَهُودُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ العَرَبَ والنَصارى واليَهُودَ، والكافُ الأُولى مِن "كَذَلِكَ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ.

و"مِثْلَ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالَ".

وتَشابُهُ القُلُوبِ هُنا في طَلَبِ ما لا يَصِحُّ، أو في الكُفْرِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُهم.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ: "تَشّابَهَتْ" بِشَدِّ الشِينِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللهُ حَتّى كَفَرُوا بِالأنْبِياءِ وطَلَبُوا ما لا يَجُوزُ لَهُمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الَّذِينَ بَيَّنَ لَهم ما يَنْفَعُ وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، لَكِنَّ البَيانَ وقَعَ وتَحَصَّلَ لِلْمُوقِنِينَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهم بِالذِكْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ بَيَّنّا البَيانَ الَّذِي هو خَلْقُ الهُدى، فَكَأنَّ الكَلامَ: قَدْ هَدَيْنا مَن هَدَيْنا.

واليَقِينُ إذا اتَّصَفَ بِهِ العِلْمُ خَصَّصَهُ وبَلَغَ بِهِ نِهايَةَ الوِثاقَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَيَّنّا" قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أنَّ اليَقِينَ صِفَةٌ لِعَلَمِهِمْ، وقَرِينَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَلامَ مُدِحَ لَهم.

وأمّا اليَقِينُ في اسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ إذا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ العِلْمُ فَإنَّهُ أحَطُّ مِنَ العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ عِنْدَهم مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ، واليَقِينُ مُعْتَقَدٌ يَقَعُ لِلْمُوقِنِ في حَقِّهِ والشَيْءُ عَلى خِلافِ مُعْتَقَدِهِ، ومِثالُ ذَلِكَ تَيَقَّنَ المُقادَةُ ثُبُوتَ الصانِعِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ في مَسْألَةِ الحالِفِ عَلى الشَيْءِ يَتَيَقَّنُهُ والشَيْءِ في نَفْسِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا حَقِيقَةُ الأمْرِ فاليَقِينُ هو الأخَصُّ، وهو ما عَلَّمَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الضمير المرفوع بقالوا عائد إلى جميع الفرق الثلاث وهي اليهود والنصارى والذين لا يعلمون إشارة إلى ضلال آخر اتفق فيه الفرق الثلاث.

وقد قرئ بالواو (وقالوا) على أنه معطوف على قوله ﴿ وقالت اليهود ﴾ [البقرة: 113] وهي قراءة الجمهور.

وقرأه ابن عامر بدون واو عطف وكذلك ثبتت الآية في المصحف الإمام الموجه إلى الشام فتكون استئنافاً كأنَّ السامع بعد أن سمع ما مر من عجائب هؤلاء الفرق الثلاث جمعاً وتفريقاً تسنى له أن يقول لقد أسمعتنا من مساويهم عجباً فهل انتهت مساويهم أم لهم مساوٍ أخرى لأن ما سمعناه مؤذن بأنها مساوٍ لا تصدر إلا عن فطر خبيثة.

وقد اجتمع على هذه الضلالة الفرق الثلاث كما اتفقوا على ما قبلها، فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال المشركون الملائكة بنات الله فتكون هاته الآية رجوعاً إلى جمعهم في قَرَن إتماماً لجمع أحوالهم الواقع في قوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ﴾ [البقرة: 105] وفي قوله: ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ [البقرة: 113].

وقد ختمت هذه الآية بآية جمعت الفريق الثالث في مقالة أخرى وذلك قوله تعالى: ﴿ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ﴾ [البقرة: 118] إلى قوله: ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ﴾ [البقرة: 118].

والقول هنا على حقيقته وهو الكلام اللساني ولذلك نصب الجملة وأريد أنهم اعتقدوا ذلك أيضاً لأن الغالب في الكلام أن يكون على وفق الاعْتِقَاد.

وقوله: ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ جاء بلفظ (اتخذ) تعريضاً بالاستهزاء بهم بأن كلامهم لا يلتئم لأنهم أثبتوا ولداً لله ويقولون اتخذه الله.

والاتخاذ الاكتساب وهو ينافي الولدية إذ الولدية تولد بدون صنع فإذا جاء الصنع جاءت العبودية لا محالة وهذا التخالف هو ما يعبر عنه في علم الجدل بفساد الوضع وهو أن يستنتج وجود الشيء من وجود ضده كما يقول قائل: القتلُ جناية عظيمةٌ فلا تكفَّر مثل الردة.

وأصل هذه المقالة بالنسبة للمشركين ناشئ عن جهالة وبالنسبة لأهل الكتابين ناشئ عن توغلهما في سوء فهم الدين حتى توهموا التشبيهات والمجازات حقائق فقد ورد وصف الصالحين بأنهم أبناء الله على طريقة التشبيه وورد في كتاب النصارى وصف الله تعالى بأنه أبو عيسى وأبو الأمة فتلقفته عقول لا تعرف التأويل ولا تؤيد اعتقادها بواضح الدليل فظنته على حقيقته.

جاء في التوراة في الإصحاح 14 من سفر التثنية «أنتم أولاد للرب إلهكم لا تخمشوا أجسامكم» وفي إنجيل متى الإصحاح 5 «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَون» وفيه «وصَلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات» وفي الإصحاح 6 «انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها» وتكرر ذلك في الأناجيل غير مرة ففهموها بسوء الفهم على ظاهر عبارتها ولم يراعوا أصول الديانة التي توجب تأويلها ألا ترى أن المسلمين لما جاءتهم أمثال هاته العبارات أحسنوا تأويلها وتبينوا دليلها كما في الحديث: «الخلقُ عيال الله».

وقوله: ﴿ سبحانه ﴾ تنزيه لله عن شنيع هذا القول.

وفيه إشارة إلى أن الوَلَدِيَّة نقص بالنسبة إلى الله تعالى وإن كانت كمالاً في الشاهد لأنها إنما كانت كمالاً في الشاهد من حيث إنها تسد بعض نقائصه عند العجز والفقر وتسد مكانه عند الاضمحلال والله منزه عن جميع ذلك فلو كان له ولد لآذن بالحدوث وبالحاجة إليه.

وقوله: ﴿ بل له ما في السماوات والأرض ﴾ إضراب عن قولهم لإبطاله، وأقام الدليل على الإبطال بقوله: ﴿ له ما في السماوات والأرض ﴾ فالجملة استئناف ابتدائي وَاللام للملك و(ما في السماوات والأرض) أي ما هو موجود فإن السماوات والأرض هي مجموع العوالم العلوية والسفلية.

و (ما) من صيغ العموم تقع على العاقل وغيره وعلى المجموع وهذا هو الأصح الذي ذهب إليه في «المفصل» واختاره الرضي.

وقيل: (ما) تَغْلِب أو تختص بغير العقلاء ومَنْ تختص بالعقلاء وربما استعمل كل منهما في الآخر وهذا هو المشتهر بين النحاة وإن كان ضعيفاً وعليه فهم يجيبون على نحو هاته الآية بأنها من قبيل التغليب تنزيلاً للعقلاء في كونهم من صنع الله بمنزلة مساويةٍ لغيره من بقية الموجودات تصغيراً لشأن كل موجود.

والقنوت الخضوع والانقياد مع خوف وإنما جاء ﴿ قانتون ﴾ بجمع المذكر السالم المختص بالعقلاء تغليباً لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة.

والمضاف إليه المحذوف بعد (كلّ) دلّ عليه قوله: ﴿ ما في السماوات والأرض ﴾ أي كل ما في السماوات والأرض أي العقلاء له قانتون وتنوين (كل) تنوين عوض عن المضاف إليه وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: ﴿ ولكل وجهة هو موليها ﴾ [البقرة: 148] في هذه السورة.

وفي قوله: ﴿ له قانتون ﴾ حجة ثالثة على انتفاء الولد لأن الخضوع من شعار العبيد أما الولد فله إدلال على الوالد وإنما يبرُّ به ولا يقنت، فكان إثبات القنوت كناية عن انتفاء الولدية بانتفاء لازمها لثبوت مُساوي نقيضه ومُساوي النقيض نقيضٌ وإثبات النقيض يستلزم نفي ما هو نقيض له.

وفصل جملة ﴿ كل له قانتون ﴾ لقصد استقلالها بالاستدلال حتى لا يظن السامع أنها مكملة للدليل المسوق له قوله: ﴿ له ما في السماوات والأرض ﴾ .

وقد استدل بها بعض الفقهاء على أن من ملك ولده أُعتق عليه لأن الله تعالى جعل نفي الولدية بإثبات العبودية فدل ذلك على تنافي الماهيتين وهو استرواح حسن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النَّصارى في قَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.

﴿ سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن قَوْلِهِمُ: ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ خالِقُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ.

﴿ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ مُطِيعُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أيْ مُقِرُّونَ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أيْ قائِمُونَ، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، والقانِتُ في اللُّغَةِ القائِمُ، ومِنهُ القُنُوتُ في الصَّلاةِ، لِأنَّهُ الدُّعاءُ في القِيامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَعْنِي مُنْشِئَها عَلى غَيْرِ حَدٍّ ولا مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ، يُقالُ لَهُ: مُبْدِعٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِمَن خالَفَ في الدِّينِ: مُبْتَدِعٌ، لِإحْداثِهِ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ ﴿ وَإذا قَضى أمْرًا ﴾ أيْ أحْكَمَهُ وحَتَّمَهُ، وأصْلُهُ الإحْكامُ والفَراغُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْحاكِمِ: قاضٍ، لِفَصْلِهِ الأُمُورَ وإحْكامِهِ بَيْنَ الخُصُومِ، وقِيلَ لِلْمَيِّتِ: قَدْ قَضى أيْ فَرَغَ مِنَ الدُّنْيا، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ مَعْنى قَضاهُما أيْ أحْكَمَهُما.

وَقالَ الشّاعِرُ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بَعْدَها ∗∗∗ بَوائِجَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ ﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فَإنْ قِيلَ: في أيِّ حالٍ يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ؟

أفِي حالَةِ عَدَمِهِ أمْ في حالِ وُجُودِهِ؟

فَإنْ كانَ في حالِ عَدَمِهِ، اسْتَحالَ أنْ يَأْمُرَ إلّا مَأْمُورًا، كَما يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ إلّا مِن آمِرٍ، وإنْ كانَ في حالِ وُجُودِهِ، فَتِلْكَ حالٌ لا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ فِيها بِالوُجُودِ والحُدُوثِ، لِأنَّهُ مَوْجُودٌ حادِثٌ؟

قِيلَ: عَنْ هَذا السُّؤالِ أجْوِبَةٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ نُفُوذِ أوامِرِهِ في خَلْقِهِ المَوْجُودِ، كَما أمَرَ في بَنِي إسْرائِيلَ، أنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، ولا يَكُونُ هَذا وارِدًا في إيجادِ المَعْدُوماتِ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ، بِما هو كائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَكانَتِ الأشْياءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وهي كائِنَةٌ بِعِلْمِهِ، قَبْلَ كَوْنِها مُشابِهَةً لِلْأشْياءِ الَّتِي هي مَوْجُودَةٌ، فَجازَ أنْ يَقُولَ لَها: كُونِي، ويَأْمُرَها بِالخُرُوجِ مِن حالِ العَدَمِ إلى حالِ الوُجُودِ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِها لَهُ ولِعِلْمِهِ بِها في حالِ العَدَمِ.

والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عامٌّ عَنْ جَمِيعِ ما يُحْدِثُهُ، ويُكَوِّنُهُ، إذا أرادَ خَلْقَهُ وإنْشاءَهُ كانَ ووُجِدَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ يَقُولُهُ، وإنَّما هو قَضاءٌ يُرِيدُهُ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا، كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: قَدْ قالَتِ الأنْساعُ لِلْبَطْنِ الحَقَّ ∗∗∗ قِدَمًا فَآضَتْ كالغَسَقِ المُحَقَّقِ وَلا قَوْلَ هُناكَ، وإنَّما أرادَ أنَّ الظَّهْرَ قَدْ لَحِقَ بِالبَطْنِ، وكَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ.

؎ فَأصْبَحَتْ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُهُ ∗∗∗ إذا رامَ تِطْيارًا يُقالُ لَهُ قَعِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، فإما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً» .

وأخرج البخاري وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أوّل الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الله الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله.

إنهم يجعلون له ولداً، ويشركون به وهو يرزقهم ويعافيهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن غالب بن عجرد قال: حدثني رجل من أهل الشام قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها ثمرة، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه ﴾ قال: إذا قالوا عليه البهتان سبح نفسه.

أما قوله تعالى: ﴿ سبحانه ﴾ .

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والمحاملي في أماليه عن ابن عباس في قوله: ﴿ سبحان الله ﴾ قال: تنزيه الله نفسه عن السوء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإِنسان سبحان الله؟

قال: براءة الله من السوء.

وفي لفظ: انزاهه عن السوء مرسل» .

وأخرج ابن جرير والديلمي والخطيب في الكفايه من طرق أخرى موصولاً عن موسى بن طلحه بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحه بن عبيد الله قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير ﴿ سبحان الله ﴾ قال: هو تنزيه الله من كل سوء» .

وأخرج ابن مردويه من طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن عبيد الله بن موهب أنه سمع طلحة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ﴿ سبحان الله ﴾ قال: «تنزيه الله عن كل سوء» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران.

أنه سئل عن ﴿ سبحان الله ﴾ فقال: اسم يعظم الله به ويحاشى عن السوء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أن ابن الكواء سأل علياً عن قوله: ﴿ سبحان الله ﴾ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: ﴿ سبحان الله ﴾ اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه.

وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصم قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال: لا إله إلا الله نعرفها أنه لا إله غيره، والحمد لله نعرفها أن النعم كلها منه وهو المحمود عليها، والله أكبر نعرفها أنه لا شيء أكبر منه، فما سبحان الله؟

فقال ابن عباس: وما تنكر منها...؟!

هي كلمة رضيها الله لنفسه وأمر بها ملائكته، وفرغ إليها الأخيار من خلقه.

أما قوله تعالى: ﴿ كل له قانتون ﴾ .

أخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والطبراني في الأوسط وأبو نصر السجزي في الإِبانة وأبو نعيم في الحلية والضياء في المختارة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ قانتون ﴾ قال: مطيعون.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع ابن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ كل له قانتون ﴾ قال: مقرون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول عدي بن زيد: قانتاً لله يرجو عفوه ** يوم لا يكفر عبد ما ادخر وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ كل له قانتون ﴾ قال: مقرون بالعبودية.

وأخرج ابن جرير عن قتادة ﴿ كل له قانتون ﴾ أي مطيع مقر بأن الله ربه وخالقه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ﴾ وفي مصاحف الشام: قالوا (١) ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾ لأن الذين قالوا: اتخذ الله ولدا من جملة الذين تقدم ذكرهم، فيستغنى عن الواو؛ لالتباس الجملة بما قبلها كما استغنني عنها في نحو قوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ .

ولو كان (وَهُمْ) كان حسنًا، إلا أن التباس إحدى الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنت عن الواو.

ومثل ذلك قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ ، ولم يقل: ورابعهم كما قال: ﴿ وَثَامِنُهُمْ  ﴾ ، ولو حذفت الواو منها كما حذفت من التي (٢) (٣) والآية نزلت ردًّا على اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم وصفوا الله تعالى بالولد، فقالت اليهود: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ، وقالت النصارى: ﴿ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ ، وقالت المشركون: الملائكة بنات الله، فنزّه اللهُ نفسَه عن اتخاذ الولد، فقال سبحانه: ﴿ بَل لَّهُ ﴾ (٤) (٥) (٦) ﴿ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ عبيدًا وملكًا (٧) ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ قال مجاهد (٨) (٩) (١٠) قال أبو عبيد: أصل القنوت في أشياء: فمنها القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر (١١)  أي الصلاة أفضل؟

قال: "طول القنوت" (١٢) والقنوت أيضًا: الطاعة (١٣) ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ القانت: المطيع (١٤) (١٥) ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنية (١٦) قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين (١٧) وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهذا اختيار الفراء (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  ﴾ .

وقال السُدي ومجاهد والزجاج: هذا على ما ورد من العموم، فقال السدي: هذا في يوم القيامة (٢٢) ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ  ﴾ (٢٣) وقال مجاهد: إن ظِلالَ الكفار تسجد لله وتطيعه (٢٤) (٢٥) ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ  ﴾ ، الآية، وقوله: ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ  ﴾ (٢٦) وقال الزجاج: كل (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقال غيرهُ: طاعة الجميع لله تكونهم (٣٢) (٣٣) (٣٤) (١) ذكره ابن أبي داود في: كتاب "المصاحف" ص 54، ولم ينص عليه أبو عمرو الداني في: "المقنع في رسم مصاحف الأمصار".

وينظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 460، "البحر المحيط" 1/ 362.

(٢) في (ش): (الذي).

(٣) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 208.

(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 507، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 198، "تفسير السمرقندي" 1/ 152، "تفسير الثعلبي" 1/ 1137، "أسباب النزول" للواحدي ص 42، "زاد المسير" 1/ 118، "العجاب" لابن حجر 1/ 366.

(٥) في (م): (الثاني).

(٦) ينظر: "كتاب سيبويه" 4/ 223.

(٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1138.

(٨) أخرجه الطبري 1/ 507، ابن أبي حاتم 1/ 213من طريقين عن مجاهد.

(٩) ذكره عنه في "تفسير الثعلبي" 1/ 1138.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 507 وهو مروي أيضًا عن ابن عباس وقتادة وعكرمة، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 507، البغوي في "تفسيره" 1/ 141، واختاره الطبري في "تفسيره" و"ابن كثير" في "تفسيره".

(١١) هو: أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي، أحد الصحابة المكثرين من الرواية عن النبي  ، شهد العقبة كما شهد تسع عشرة غزوة مع الرسول  عدا بدراً وأحدًا، منعه أبوه، توفي سنة 78 وقيل 74، أو 73 هـ.

ينظر: "أسد الغابة" 1/ 307، و"الإصابة" 1/ 434.

(١٢) أخرجه مسلم (756) في صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت.

(١٣) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 437، وينظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 415، "تفسير الطبري" 2/ 539، "تفسير الثعلبي" 1/ 1138.

(١٤) أخرجه أبو عبيد في: "غريب الحديث" 1/ 438، ورواه الطبري 1/ 507 بنحوه (١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 198.

(١٦) رجح الطبري في "تفسيره" 1/ 507 أن القنوت: الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله.

(١٧) ورد عن ابن عباس بلفظ: قانتون: مطيعون.

عند الطبري في "تفسيره" 1/ 507 وأما اللفظ المذكور أعلاه فلعله من تلك الرواية التي تقدم الحديث عنها في مقدمة الكتاب.

(١٨) "معاني القرآن" 1/ 74، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1140.

(١٩) "تفسير مقاتل" 1/ 133، وذكره الثعلبي 1/ 140.

(٢٠) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1140.

(٢١) رد الطبري في تفسيره 1/ 508 القول بالخصوص، بأنه لا يجوز ادعاء خصوص في آية ظاهرها العموم، إلا بحجة.

(٢٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 507 وذكره الثعلبي 1/ 1140.

(٢٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141.

(٢٤) تقدم تخريجه عن مجاهد قريباً.

قال ابن كثير في تفسيره 1/ 171: وهذا القول عن مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله وذلك شرعي وقدري.

(٢٥) من قوله: قوله: وعنت ...

ساقط من (ش).

(٢٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1141 البغوي 1/ 141.

(٢٧) في (ش): على.

(٢٨) في "معاني القرآن"، (والدليل).

(٢٩) في (ش): (إنما)، وليست الكلمة في "معاني القرآن" للزجاج، والكلام مستقيم بدونها.

(٣٠) في "معاني القرآن": فأثر الصنعة بَيِّنٌ فيه، فهو قانت على العموم.

(٣١) "معاني القرآن" 1/ 198.

(٣٢) في (ش): (بكونهم).

(٣٣) يروى عن مجاهد.

ينظر: ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 213.

(٣٤) نسبت الخشية إلى الحجارة في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ  ﴾ ، ونسبت المحبة إلى الجبال في قوله  : "أحد جبل يحبنا ونحبه" متفق عليه.

ونسبت الشكوى إلى الإبل في الحديث الذي رواه أبو داود وأحمد عن عبد الله بن جعفر أن النبي  لما راى جملًا لرجل من الأنصار، حنّ الجمل وذرفت عيناه، فمسح النبي  ذِفراه، فسكت فقال: "من رب هذا الجمل"، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: "أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه".

ونسب السجود إلى الأشجار في قوله تعالى: ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، وغيرها من الآيات.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ اتخذ ﴾ قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت الصابئون وبعض العرب: الملائكة بنات الله ﴿ سبحانه ﴾ تنزيه له عن قولهم ﴿ بَل لَّهُ ﴾ الآية ردّ عليهم لأن الكل ملكه، والعبودية تنافي النبوة ﴿ قانتون ﴾ أي طائعون منقادون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قالوا اتخذ الله ﴾ بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله ﴿ كن فيكون الحق ﴾ في آل عمران، و ﴿ كن فيكون قوله الحق ﴾ في الأنعام.

وافقه الكسائي في النحل ويس.

الوقوف: ﴿ خرابها ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿ خائفين ﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ وجه الله ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه) ﴿ وإذا ﴾ (لا) تعجيلاً للتنزيه {  } (ط) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن ما بعده مبتدأ ﴿ قانتون ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿ فيكون ﴾ (ه) ﴿ آية ﴾ (ط) ﴿ قلوبهم ﴾ (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿ يوقنون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم.

وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى.

ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان.

وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله  عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام.

وقيل: المراد منع المشركين رسول الله  أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين.

هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟

وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و ﴿ أن يذكر ﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من ﴿ مساجد ﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.

وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله  مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟

ومثله ﴿ ويل لكل همزة لمزة  ﴾ والمنزول فيه الأخنس بن شريق.

وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله  فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه.

وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة.

فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ ما كان لهم ﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿ أن يدخلوها ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إلا خائفين ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.

والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.

وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا.

وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك.

وأمر النبي  بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين.

وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة.

وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله  ﴾ فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد.

وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ .

وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه  قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد.

وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿ خزي ﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر.

وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿ وأن المساجد لله  ﴾ بلام الاختصاص ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر  ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه  ﴾ وقال  "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.

(الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه  قال "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" وقال  لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "دياركم تكتب آثاركم" (الثالثة) في تزيين المساجد.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى.

التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه.

وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

(الرابعة) في تحية المسجد.

عن أبي قتادة أنه  قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق.

وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.

(الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.

روت فاطمة بنت رسول الله  عن أبيها قالت: كان رسول الله  إذا دخل المسجد صلى على محمد  وقال: " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " .

(السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه  قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث" (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً.

عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله  يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً.

ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي  لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي  ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.

(الثامنة) النوم في المسجد.

عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى.

وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه  نهى عنه وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله" (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد.

عن أنس عن النبي  قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وعنه  "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه" (العاشرة) عن جابر أنه  قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وعنه  "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله  ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.

وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.

قوله عز من قائل ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له  ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله  ، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم.

وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه  صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟

ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله  نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي  كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه  نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة.

وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء.

وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله  في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله  فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا.

وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة.

وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان  إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة.

فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة.

فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة.

وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في ﴿ تولوا ﴾ للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم.

عن قتادة أن النبي  قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ " [آل عمران: 199] الآية.

فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي.

فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ قالوا: أين ندعوه؟

فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ﴿ فولوا وجوهكم شطره  ﴾ فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله  "جعلت لي الأرض مسجداً" وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب.

ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها.

ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى المكان خاصة.

وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله  وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام.

والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ أو المراد فثم مرضاة الله مثل ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله  ﴾ فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً.

و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟

فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه  قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم.

قوله ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وفي قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ كما مر.

والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله {  } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بل له ما في السموات والأرض ﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح.

والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟

اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.

وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿ كل له قانتون ﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين.

وقوله ﴿ بل له ما في السموات ﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء.

وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿ قانتون ﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل.

يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه.

فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟

فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟

وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت ﴿ بديع ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿ السموات والأرض ﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.

وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه  بين كيفية إبداعه فقال: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع.

قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا *** داود أو صنـع السـوابـغ تبـع ثم من قرأ ﴿ فيكون ﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه.

قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له.

فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى.

فإن قلت: إن قوله ﴿ فيكون ﴾ لما كان من تتمة المقول.

فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿ أمراً ﴾ وفي قوله ﴿ له ﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك.

وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله  لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله ﴿ كن ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه.

(الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة.

(الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿ كن ﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿ كن ﴾ ، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ ﴿ كن ﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ ﴿ كن ﴾ ولا نزاع في اللفظ.

(الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا.

(السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله  للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل.

وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم.

وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ يعني الجهلة من المشركين.

وقيل: من أهل الكتاب أيضاً.

ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.

فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة.

ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه  كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟

فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟

وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله  بقوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ من مكذبي الرسل ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ﴿ أتواصوا به  ﴾ فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ } [النساء: 153] ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون ﴿ قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ ﴿ قد بينا الآيات لقوم ﴾ يفقهون فـ ﴿ يوقنون ﴾ أنها آيات.

فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله  أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم.

التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد.

فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود  : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة.

وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿ أولئك ما كان لهم ﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ من ذل الحجاب ﴿ ولهم في الآخرة عذاب ﴾ الحرمان من جوار الله.

﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء.

وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ﴿ إن الله واسع ﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿ عليم ﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ ﴾ .

فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم.

ومعناه - والله أعلم -: أَنَّ اتخاذ الولد، والتبني - في الشاهد - إنما يكون لأَحد وجوهٍ ثلاثة تحوجه إلى ذلك: إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به.

وإما لوحشة تأْخذه؛ فيحتاج إلى من يستأْنس به.

أَو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث.

فإذا كان الله - عز وجل - يتعالى عن أَن تمسه حاجة، أَو تأْخذه وحشة، أَو يقهره عدو، فلأَي شيء يتخذ ولداً؟!.

وقوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأَرض وما فيها - لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أَمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

فإن عورض بالخلة، قيل: إن الخلة تقع على غير جوهرِ مَنْ منه الخلة، والولدُ لا يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن.

والثاني: أَن الخلة تقع لأَفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أَمره، وترتفع مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأَما الولد فإنه لا يقع عن أَفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده.

وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ  ﴾ .

والثالث: ما قاله الراوندي: أَنه لا بد من أَن يدعى إلى التسمى، أَو إلى التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى.

ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وبالله التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وجهاً آخر، وهو أَن يقال: إن ما في السماوات وما في الأَرض، كلهم عبيده وإِماؤه، فأَنتم مع شدة حاجتكم إلى الأَولاد لا تستحسنون أَن تتخذوا عبيدكم وإِماءكم أولاداً، فكيف تستحسنون ذلك لله - عز وجل - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعُزير، وغيرهم - من الذين قلتم: إنه اتخذهم ولداً - قانتون له، مُقِرُّون بالربوبية له، والعبودية لأَنفسهم له.

وقيل: ﴿ قَانِتُونَ ﴾ : مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون.

وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على الأَقدام، ويكون القائم بالأَمر والحفظ.

ثم لا يحتمل أَن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله: ﴿ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ من الحفظ والرزق.

ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأَن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه.

أَو أَن يقال: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ في الجملة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ابتدعهما ولم يكونا شيئاً.

والبديع والمبدع واحد؛ وهو الذي لم يسبقه أَحدٌ في إنشاءِ مثله؛ ولذلك سمي صاحب الهوى: مبتدعاً؛ لمَّا لم يسبقه في مثل فعله أَحد.

ثم فيه الحجةُ على هؤلاء الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأَرض من غير شيء، ولا سبب، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!

والثاني: أَن يقال: إِن من له القدرةُ على خلق ما يصعب، ويعظم في أَعينكم، بأَقل الأَحرف عندكم - كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!

وقوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ﴾ .

قيل: وإذا حكم حكماً: فإنما يقول له: كن فيكون.

وقيل: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً ﴾ ؛ يعني قضى بإهلاك قوم واستئصالهم ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

ليس هو قول من الله: أَن كُنْ - بالكاف والنون - ولكنه عبارة بأَوجز كلام، يؤدي المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي المعنى المفهوم أَوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصِّلات، والأَدوات، فلا يفهم معناها، والله أعلم.

ثم الآية تردُّ على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً ﴾ ذكر "قَضى" وذكر "أَمْراً"، وذكر "كُنْ فَيَكُونُ".

ولو كان التكوين والمكون واحداً لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ "كن" تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره.

ثم لا يخلو التكوين: إما أَن لم يكن فحدث، أَو كان في الأَزل.

فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه - ولو جاز ذلك فى شيء لجاز في كل شيء - أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له.

وذلك فاسد، ثبت أَن الإِحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن الله  موصوف في الأَزل أَنه محدث، مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الَّذِينَ لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم.

وقيل: لا يعلمون توحيدَ ربهم؛ وهم مشركو العرب.

قالوا للنبي  : هلا يكلمنا الله، أَو تأْتينا آية فتُخبرنا بأَنك رسوله.

وقيل: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ ﴾ ، أَي: لا يعلمون أَنهم لم يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم الله إياهم.

وقيل: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أَنه قد كلمهم وأَخبرهم بالوحي، وإيتاء رسوله  آياتٍ على رسالته، لكنهم يعاندون.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ .

قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى مثل ما قال مشركو العرب لمحمد  ، وهو قوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ .

وقيل: اليهود سأَلوا مثل سؤال النصارى.

وقيل: النصارى سأَلوا مثل سؤال اليهود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

بالكفر والسفه.

وقيل: تشابهت قلوبهم في المقالة؛ يشبه بعضُها بعضاً في السؤال؛ لأَنهم سأَلوا سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أَحدهما: هذا القول.

والثاني: أَن يسأَلوا سؤال التعنت والعتو، لا سؤال مسترشد؛ إذ الله -  - قد أَثبت آيات الإرشاد لمن يبتغي الرشد، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .

قيل: بينا أَمر محمد  بالآيات، والحجج التي أقامها: أَنه رسول لمن آمن به، وصدقه، ولم يعانده.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال اليهود والنصارى والمشركون: اتخذ الله له ولدًا!

تنزّه وتقدّس عن ذلك، فهو الغني عن خلقه، وإنما يتخذ الولد من يحتاج إليه، بل له سبحانه وتعالى: ملك ما في السماوات والأرض، كل الخلائق عبيد له سبحانه، خاضعون له، يتصرف فيهم بما يشاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZRMWp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا  ﴾ الآية فيه وجوه: (أحدها): أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة وهي دخول "تيطس" الروماني بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان  حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح  قد أوعد اليهود بذلك.

وقال بعض المفسرين إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.

ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية ولكنني أعلم أن المسيحيين على قتلهم وتشتتهم واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى "رومية" وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقامًا منهم وتحقيقًا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين -وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء- لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين.

فهذه قرائن ترجع أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.

ومن الغريب أن ابن جرير قال في تفسيره إن الآية في اتحاد المسيحيين مع "بختنصر" البابلي على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بست مئة وثلاث وثلاثين سنة.

ولو لم يكن مؤرخًا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة "أردينال" الروماني الذي جاء بعد المسيح بمئة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلًا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة وجعل جزاء من يدخلها القتل، فلذلك كان اليهود يسمونه "بختنصر الثاني" لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده.

ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرًا للمؤرخ.

(الثاني): ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ  ﴾ نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.

واعترض هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم..

ويصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.

ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبح.

(الثالث): إن الكلام في أهل الكتاب وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع، ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرًا من المساجد.

(الرابع): وهو مبني أيضًا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع أن المراد بها حادثة القرامطة الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها وهدموا كثيرًا من المساجد.

كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم إنهم ليسوا على شيء من الدين وطعن النصارى في اليهود كذلك وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب إنهم قالوا مثل قولهم لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين فأنبأ الله تعالى بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين فإنهم استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد وعاثوا في الأرض فسادًا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.

وسواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدًا للذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق، هي على كل حال ناطقة بوجوب احترام كل معبد يذكر فيه اسم الله تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد، وبالحكم على الذين يصدون الناس عنها ويسعون في خرابها -أي هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة الله فيها- بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار، لأن المنع من ذكر الله تعالى وإبطال شعائر المعابد التي تذكر به وتشعر القلوب عظمته انتهاك لحرمة الدين يفضي إلى نسيان الناس الرقيب المهيمن عليهم فيمسون كالهمل وتفشو فيهم المنكرات والفواحش، وانتهاك الحرمات، وهضم الحقوق، وسفك الدماء، وعبادة الله تعالى بذكره والصلاة له تنهى بطبيعتها عن الفحشاء والمنكر، ولا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب.

فمن علم بهذه البدع فعليه أن ينكرها ويسعى في إزالتها ولا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا إليه.

وهذا هو السر في حكم الشريعة الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب وبيعهم وصوامعهم وعبادهم واحترام معابد الذين لهم شبهة كتاب أيضًا كالمجوس، أما الصابئون فهم من أهل الكتاب.

وأما الوثنيون الخلص الذين اختاروا من دون الله أولياء ويبنون المساجد لذكر غيره والتقرب إلى سواه فهؤلاء لم يتعرض لذكرهم ولم يتوعد من يمنعهم من سخفهم.

ثم قال تعالى في شأن المعتدين على المساجد ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ  ﴾ أي فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على أمر إلا بعد النظر فيه والعلم بدرجة نفعه أو ضره.

وما كانت عبادة الله تعالى إلا نافعة وما كان تركها إلا ضارًا.

وما عساه يوجد في عبادات الأمم من الخرافات الضارة فإنما المكروه منه ما فيه مما يبعد عن عبادة الله تعالى ويوقع في إشراك غيره فيها.

على أن العبادة الممزوجة بنزغات الوثنية، أهون من التعطيل القاضي بالجحود المطلق، ولذلك توعد الله تعالى أولئك المعتدين الظالمين بقوله ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان وناهيك بظلم يحل القيود، ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات، ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولًا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين.

ثم قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  ﴾ ذهب المفسر (الجلال) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها وقال في قوله ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ﴾ أي أي مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر الله بأن يتوجه إليها.

ووجه هذا الرأي أن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ولما كان سبحانه منزهًا عن المادة والجهة استقباله بهذا المعنى مستحيلًا شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عباداتهم إياه وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى.

وهذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ  ﴾ إلخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال (الجلال) في تفسير المشرق والمغرب: قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ولذلك خصهما بالذكر فهو كقوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ  ﴾ وهو يستلزم ما قاله"الجلال"فإن المراد على كل حال: أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى الله تعالى لأن كل الجهات له ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ  ﴾ لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان ﴿ عَلِيمُ  ﴾ بالمتوجه إليه أينما كان أي فاعبد الله حيثما كنت، وتوجه إليه أينما حللت، ولا تتقيد بالأمكنة فإن معبودك غير مقيد.

ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فإن فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة لله تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة لأنه إبطال لها بالمرة إذ لا تصح إلا في تلك المواضع، فهذه الآية تنفي ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن الله تعالى لا تحدده الجهات، ولا تحصره الأمكنة، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعابد، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات الله وإبطال نوع من أنواع عبادته وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعابد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم.

وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام فإنك لترى فيه فنونًا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام، تقرأ الآية في حكم من الأحكام، أو عظة من المواعظ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر، فتراها مستقلة بالبيان، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهمًا، أو تممت حكمًا، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام، فإن القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم، وتنفعل له قلوبهم، وتهتز له نفوسهم، وتتحرك به أريحتهم، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب الجديدة، على أن ملكتهم في حسن البيان، قد ارتقت بعد نزول القرآن.

وسنعطي هذا الموضوع حقه من البيان في موضع تكون مناسبته أقوى من هذه المناسبة.

ثم عاد الكتاب إلى النسق السابق في تعداد مخازي أهل الكتاب والمشركين بعد ما ذكر من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ما ذكر وبين أن يعبد في كل مكان فقال  ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا  ﴾ فهذا عطف على قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى  ﴾ قوله ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ  ﴾ إلخ ويصح أن ينسب هذا إلى اليهود والنصارى والذين لا يعلمون جميعًا وإلى فرقة واحدة منهم.

ووجه العموم أن الله تعالى أخبرنا في مواضع من كتابه بأن اليهود قالت: عزير ابن الله: وأن النصارى قالت: المسيح ابن الله: وأن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله.

ولا فرق في الأحكام التي تسند إلى الأمم بين كونها صدرت من جميع أفراد الأمة أو صدرت من بعضهم فإن مثل هذا الإسناد منبئ بتكافل الأمم كما تقدم غير مرة.

وقد نقل أن كلمة: عزير ابن الله: قالها بعض اليهود لا كلهم، وكذلك اعتقاد كون الملائكة بنات الله لم يكن عامًا في مشركي العرب وإنما عرف عن بعضهم.

ثم رد على مدعي اتخاذ الولد بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ  ﴾ نزه تعالى نفسه بكلمة ﴿ سُبْحَانَهُ  ﴾ التي تفيد التنزيه، مع التعجب مما ينافيه، كأن الذي يعرفه تعالى لا ينبغي أن يصدر عنه مثل هذا القول الذي يشعر بأن له تعالى جنسًا يماثله، فإن قائل ذلك لا يكون على علم بالله تعالى وإنما يكون زاعمًا فيه المزاعم وظانًا فيه الظنون، أي تنزيهًا له أن يكون له ولد كما زعم هؤلاء الجاهلون الظانون بالله غير الحق، فإنه لا جنس له فيكون له ولد منه، وهذا الولد الذي نسبوه إليه تعالى لا بد أن يكون من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلي وهو الأرض، ولا يصلح شيء منهما أن يكون متجانسًا له  ، لأن جميع ما في السموات والأرض ملك له قانت لعزته وجلاله، أي خاضع لقهره مسخر لمشيئته، فإذا كانوا سواء في كونهم مسخرين له بفطرتهم، منقادين لإرادته بطبيعتهم واستعدادهم، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب إليه وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  ﴾ نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي، ولكن هذا التخصيص لا يرتقي بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لمن شاء منه ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  ﴾ ، وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلًا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن الله أو هو الله.

وقد غَلَّب في المِلْكِيَّة ما لا يَعْقِل فقال ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ  ﴾ إلخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره.

ويستوي في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ولكنه في غير العاقل أظهر، ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغَلِّب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به.

وجملة القول أن الآية ناطقة بأن ما في السموات والأرض ملك لله تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبًا في غير العاقل وهي كلمة ﴿ مَا  ﴾ لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بما لا يعقل، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفًا.

وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.

ثم زاد هذين الحكمين بيانًا وتأكيدًا فقال ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ قال المفسرون إن البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي "أبدع"، واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدي كرب جاء فيه (سميع) بمعنى مسمع، وقالوا قد تعاقب فعيل ومفعل في حروف كثيرة كحكيم ومحكم وقعيد ومقعد وسخين ومسخن.

وقالوا إن الإبداع هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سبق وهو لا يقتضي سبق المادة، وأما الخلق فمعناه التقدير وهو يقتضي شيئًا موجودًا يقع فيه التقدير.

وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض والمخترع لهما والموجد لجميع ما فيهما فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه جنس له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وكان الأصمعي ينكر فعيلًا بمعنى مفعل لأن القياس بناؤه من الثلاثي ويقول إن بديعًا صفة مشبهة بمعنى لا نظير له، وبديع السموات معناه البديعة سمواته وفي هذا الترك ترك للقياس الذي قضى في الصفة المشبهة التي تضاف إلى الفاعل أن تكون متضمنة ضميرًا يعود على الموصوف، والحق أن تحكيم القياس فيما يثبت من كلام العرب تحكيم جائر، فما كان للدخيل في القوم أن يعمد إلى طائفة من كلامهم فيضع لها قانونًا يبطل به كلامًا آخر ثبت عنهم ويعده خارجًا عن لغتهم بعد ثبوت نطقهم به.

فإذا كان كل واحد من الوجهين صحيح المعنى، حكمنا بصحة كل منهما، والأول أظهر، وشواهده المسموعة أكثر.

وأما قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودًا، فكن ويكون من كان التامة.

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده كأمر يصدر فيعقبه الامتثال فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.

وقال بعضهم بل هو قول حقيقي.

وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين في المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع النقلي إلى العقلي لأنه الأصل وههنا يقولون إن الأمر بمعنى تعلق الإرادة وأن معنى ﴿ يَكُونُ  ﴾ يوجد.

ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول، وذلك ما لا مطمع فيه.

وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقربه من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق من هذا التعبير يقول للشيء: ﴿ كُنْ  ﴾ فيكون، فالتوالد محال في جانبه تعالى، لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقتين: الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه، كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه.

وإذا كان كل واحد من الأمرين محالًا على الله تعالى، وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكة مسخرة لإرادته، فلا معنى لإضافة الولد إليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر