الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 147 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهذا والله أعلم فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومصلاهم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه .
فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد ، ولهذا يقول تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) قال أبو عبيد القاسم بن سلام ، في كتاب الناسخ والمنسوخ : أخبرنا حجاج بن محمد ، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا والله أعلم شأن القبلة : قال تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس ، وترك البيت العتيق ، ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها ، فقال : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة .
وذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس .
ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء [ فلنولينك قبلة ترضاها ] ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فأنزل الله : ( قل لله المشرق والمغرب [ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ] ) وقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) وقال عكرمة عن ابن عباس : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) قال : قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا .
وقال مجاهد : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ قال : قبلة الله ] حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها : الكعبة .
وقال ابن أبي حاتم بعد روايته الأثر المتقدم ، عن ابن عباس ، في نسخ القبلة ، عن عطاء ، عنه : وروي عن أبي العالية ، والحسن ، وعطاء الخراساني ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدي ، وزيد بن أسلم ، نحو ذلك .
وقال ابن جرير : وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة ، وإنما أنزلها تعالى ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة ، حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب ; لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية ; لأن له تعالى المشارق والمغارب ، وأنه لا يخلو منه مكان ، كما قال تعالى : ( ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ) [ المجادلة : 7 ] قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام .
هكذا قال ، وفي قوله : " وإنه تعالى لا يخلو منه مكان " : إن أراد علمه تعالى فصحيح ; فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات ، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذنا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب ، في مسيره في سفره ، وفي حال المسايفة وشدة الخوف .
حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن إدريس ، حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر : أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته .
ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، ويتأول هذه الآية : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه ، من طرق ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، به .
وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة ، من غير ذكر الآية .
وفي صحيح البخاري من حديث نافع ، عن ابن عمر : أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها .
ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم ، وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها .
قال نافع : ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم .
مسألة : ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه ، بين سفر المسافة وسفر العدوى ، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة ، وهو قول أبي حنيفة خلافا لمالك وجماعته ، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري ، التطوع على الدابة في المصر ، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، واختاره أبو جعفر الطبري ، حتى للماشي أيضا .
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة ، فلم يعرفوا شطرها ، فصلوا على أنحاء مختلفة ، فقال الله لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهنالك وجهي ، وهو قبلتكم ، فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية .
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا أبو الربيع السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة ، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه .
فلما [ أن ] أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة .
فقلنا : يا رسول الله ، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة ؟
فأنزل الله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) الآية .
ثم رواه عن سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن أبي الربيع السمان ، بنحوه .
ورواه الترمذي ، عن محمود بن غيلان ، عن وكيع .
وابن ماجه ، عن يحيى بن حكيم ، عن أبي داود ، عن أبي الربيع السمان .
ورواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن سعيد بن سليمان ، عن أبي الربيع السمان واسمه أشعث بن سعيد البصري وهو ضعيف الحديث .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن .
ليس إسناده بذاك ، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث يضعف في الحديث .
قلت : وشيخه عاصم أيضا ضعيف .
قال البخاري : منكر الحديث .
وقال ابن معين : ضعيف لا يحتج به .
وقال ابن حبان : متروك ، والله أعلم .
وقد روي من طرق أخرى ، عن جابر .
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية : حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل ، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب ، حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن ، قال : وجدت في كتاب أبي : حدثنا عبد الملك العرزمي ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها ، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة ، فقالت طائفة منا : قد عرفنا القبلة ، هي هاهنا قبل السماك .
فصلوا وخطوا خطوطا ، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة .
فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم ، فسكت ، وأنزل الله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العرزمي ، عن عطاء ، عن جابر ، به .
وقال الدارقطني : قرئ على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع حدثكم داود بن عمرو ، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي ، عن محمد بن سالم ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم ، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة ، فصلى كل منا على حدة ، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا ، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرنا بالإعادة ، وقال : " قد أجزأت صلاتكم " .
ثم قال الدارقطني : كذا قال : عن محمد بن سالم ، وقال غيره : عن محمد بن عبد الله العرزمي ، عن عطاء ، وهما ضعيفان .
ثم رواه ابن مردويه أيضا من حديث الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فأخذتهم ضبابة ، فلم يهتدوا إلى القبلة ، فصلوا لغير القبلة .
ثم استبان لهم بعد طلوع الشمس أنهم صلوا لغير القبلة .
فلما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه ، فأنزل الله عز وجل ، هذه الآية : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) وهذه الأسانيد فيها ضعف ، ولعله يشد بعضها بعضا .
وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء ، وهذه دلائل على عدم القضاء ، والله أعلم .
قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي ، كما حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا هشام بن معاذ حدثني أبي ، عن قتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه " .
قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم ؟
قال : فنزلت : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) [ آل عمران : 199 ] قال قتادة : فقالوا : فإنه كان لا يصلي إلى القبلة .
فأنزل الله : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) .
وهذا غريب والله أعلم .
وقد قيل : إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة ، كما حكاه القرطبي عن قتادة ، وذكر القرطبي أنه لما مات صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب ، قال : وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه عليه السلام ، شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض .
الثاني : أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه ، واختاره ابن العربي ، قال القرطبي : ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه ، وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت .
وهذا جواب جيد .
الثالث : أنه عليه الصلاة والسلام إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك ، والله أعلم .
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق " .
وله مناسبة هاهنا ، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر ، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني ، به " ما بين المشرق والمغرب قبلة " .
وقال الترمذي : وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة .
وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه ، ثم قال الترمذي : حدثني الحسن بن [ أبي ] بكر المروزي ، حدثنا المعلى بن منصور ، حدثنا عبد الله بن جعفر المخزومي ، عن عثمان بن محمد الأخنسي ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما بين المشرق والمغرب قبلة " .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وحكى عن البخاري أنه قال : هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح .
قال الترمذي : وقد روي عن غير واحد من الصحابة : ما بين المشرق والمغرب قبلة منهم عمر بن الخطاب ، وعلي ، وابن عباس .
وقال ابن عمر : إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك ، فما بينهما قبلة ، إذا استقبلت القبلة .
ثم قال ابن مردويه : حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا يعقوب بن يونس مولى بني هاشم ، حدثنا شعيب بن أيوب ، حدثنا ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما بين المشرق والمغرب قبلة " .
وقد رواه الدارقطني والبيهقي وقال المشهور : عن ابن عمر ، عن عمر ، قوله .
قال ابن جرير : ويحتمل : فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم ، كما حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قال مجاهد : لما نزلت : ( ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] قالوا : إلى أين ؟
فنزلت : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) قال ابن جرير : ويعني قوله : ( إن الله واسع عليم ) يسع خلقه كلهم بالكفاية ، والإفضال والجود .
وأما قوله : ( عليم ) فإنه يعني : عليم بأعمالهم ، ما يغيب عنه منها شيء ، ولا يعزب عن علمه ، بل هو بجميعها عليم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله: (ولله المشرق والمغرب) ، لله ملكهما وتدبيرهما ، كما يقال: " لفلان هذه الدار "، يعني بها : أنها له ، ملكا .
فذلك قوله: (ولله المشرق والمغرب)، يعني أنهما له ، ملكا وخلقا.
* * * و " المشرق " هو موضع شروق الشمس ، وهو موضع طلوعها ، كما يقال : لموضع طلوعها منه " مطلع " بكسر اللام ، وكما بينا في معنى " المساجد " آنفا.
(12) * * * فإن قال قائل: أو ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد ، حتى قيل: (ولله المشرق والمغرب)؟
قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه ، وإنما معنى ذلك: ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم ، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم.
فتأويله إذْ كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق ، وما بين قطري المغرب ، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده ، وكذلك غروبها كل يوم.
فإن قال: أو ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت، فلله كل ما دونه (13) الخلق خلقه!
قيل: بلى!
فإن قال: فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع ، دون سائر الأشياء غيرها؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع.
ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك.
فقال بعضهم: خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة ، ثم حولوا إلى الكعبة .
فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟
فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارق والمغارب كلها لي ، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها ، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله.
* ذكر من قال ذلك: 1833- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قال، كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود .
فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنـزل الله تبارك وتعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [سورة البقرة: 144] إلى قوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة: 144 ] ، فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا: مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [سورة البقرة: 142] ، فأنـزل الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وقال: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ).
(14) 1834- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي نحوه.
* * * وقال آخرون: بل أنـزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام.
وإنما أنـزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب ، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية ، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية ، لأن له المشارق والمغارب ، وأنه لا يخلو منه مكان ، (15) كما قال جل وعز: وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [سورة المجادلة: 7] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام.
* ذكر من قال ذلك: 1835- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد عن قتادة: قوله جل وعز: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) ، ثم نسخ ذلك بعد ذلك ، فقال الله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [سورة البقرة: 150] 1836- حدثنا الحسن قال (16) أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، قال: هي القبلة ، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام.
1837- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام قال، حدثنا يحيى قال، سمعت قتادة في قول الله: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام .
فنسخها الله في آية أخرى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا إِلَى وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [سورة البقرة: 144] ، قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة.
1838- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته - يعني زيدا - يقول: قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لو أنا استقبلناه!
فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا، فبلغه أن يهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم !
فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فقال الله عز وجل: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآية [ سورة البقرة: 144].
* * * وقال آخرون: نـزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ، إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب ، في مسيره في سفره ، وفي حال المسايفة ، وفي شدة الخوف ، والتقاء الزحوف في الفرائض.
وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك ، بقوله: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله).
* ذكر من قال ذلك: 1839- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبد الملك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ، ويتأول هذه الآية: (أينما تولوا فثم وجه الله).
(17) 1840- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه قال: " إنما نـزلت هذه الآية: (أينما تولوا فثم وجه الله) أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة ".
(18) * * * وقال آخرون بل نـزلت هذه الآية في قوم عُمِّيت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها ، فصلوا على أنحاء مختلفة ، فقال الله عز وجل لهم: لي المشارق والمغارب ، فأنى وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، (19) وهو قبلتكم - معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية.
* ذكر من قال ذلك: 1841- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو الربيع السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال،" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة ، فنـزلنا منـزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا ، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة ، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة .
فأنـزل الله عز وجل: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم).
(20) 1842- حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج قال، حدثنا حماد قال، قلت للنخعي: إني كنت استيقظت - أو قال أيقظت ، شك الطبري - (21) فكان في السماء سحاب ، فصليت لغير القبلة.
قال: مضت صلاتك ، يقول الله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله).
1843- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أشعث السمان ، عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة في سفر ، فلم ندر أين القبلة فصلينا ، فصلى كل واحد منا على حياله، (22) ثم أصبحنا فذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنـزل الله عز وجل: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ).
(23) * * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في سبب النجاشي ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازعوا في أمره ، من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة ، فقال الله عز وجل: المشارق والمغارب كلها لي ، فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي ، وجدني هنالك.
يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة ، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه ، يبتغي بذلك رضا الله عز وجل في صلاته.
* ذكر من قال ذلك: 1844- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هشام بن معاذ قال، حدثني أبي ، عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه.
قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم !
قال فنـزلت وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [سورة آل عمران: 199] ، قال : قتادة، فقالوا : إنه كان لا يصلي إلى القبلة ، فأنـزل الله عز وجل: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله).
(24) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا ، وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك - إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق ، وأن على جميعهم = إذ كان له ملكهم = طاعته فيما أمرهم ونهاهم ، وفيما فرض عليهم من الفرائض ، والتوجهِ نحو الوجه الذي وجهوا إليه ، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم.
فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب ، والمراد به من بينهما من الخلق ، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه ، كما قيل: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، وما أشبه ذلك.
(25) ومعنى الآية إذًا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء ، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته ، فولوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو وجهي ، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي.
* * * فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة ، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟
فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم ، والمراد الخاص ، وذلك أن قوله: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، محتمل: أينما تولوا - في حال سيركم في أسفاركم ، في صلاتكم التطوع ، وفي حال مسايفتكم عدوكم ، في تطوعكم ومكتوبتكم ، فثم وجه الله ، كما قال ابن عمر والنخعي ، ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا.
= ومحتمل: فأينما تولوا - من أرض الله فتكونوا بها - فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها ، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها.
كما قال :- 1845 - أبو كريب قال حدثنا وكيع ، عن أبي سنان ، عن الضحاك ، والنضر بن عربي ، عن مجاهد في قول الله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، قال: قبلة الله ، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها.
1846- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال، أخبرني إبراهيم ، عن ابن أبي بكر ، عن مجاهد قال، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها قال، الكعبة.
= ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما:- 1847- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج ، قال مجاهد: لما نـزلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [سورة غافر: 60] ، قالوا: إلى أين؟
فنـزلت: (فأينما تولوا فثم وجه الله).
* * * فإذ كان قوله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، محتملا ما ذكرنا من الأوجه ، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها .
لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله)، مَعْنِيٌّ به: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم؛ ولا أنها نـزلت بعد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس ، أمرا من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة ، فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس ، إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين ، من ينكر أن تكون نـزلت في ذلك المعنى، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بأنها نـزلت فيه ، وكان الاختلاف في أمرها موجودا على ما وصفت.
= ولا هي - إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا - قامت حجتها بأنها منسوخة ، إذ كانت محتملة ما وصفنا : بأن تكون جاءت بعموم ، ومعناها: في حال دون حال - (26) إن كان عني بها التوجه في الصلاة ، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء ، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.
وقد دللنا في كتابنا: " كتاب البيان عن أصول الأحكام " ، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما نفى حكما ثابتا ، وألزم العباد فرضه ، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك.
(27) فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم ، أو المجمل ، أو المفسر ، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع.
ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه .
ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) ، بحجة يجب التسليم لها ، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ.
* * * وأما قوله: (فأينما) ، فإن معناه: حيثما.
* * * وأما قوله: (تولوا) فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون : تولون نحوه وإليه ، كما يقول القائل: " وليته وجهي ووليته إليه "، (28) بمعنى: قابلته وواجهته.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى: تولون عنه فتستدبرونه، فالذي تتوجهون إليه وجه الله ، بمعنى قبلة الله.
* * * وأما قوله: (فثم) فإنه بمعنى: هنالك.
* * * واختلف في تأويل قوله: (فثم وجه الله) (29) فقال بعضهم: تأويل ذلك: فثم قبلة الله ، يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه.
* ذكر من قال ذلك: 1848- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن النضر بن عربي ، عن مجاهد: (فثم وجه الله) قال: قبلة الله.
1849- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، أخبرني إبراهيم ، عن مجاهد قال، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها.
* * * وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل : ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) ، فثم الله تبارك وتعالى.
* * * وقال آخرون: معنى قوله: ( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )، فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم.
* * * وقال آخرون: عنى بـ " الوجه " ذا الوجه .
وقال قائلو هذه المقالة: وجه الله صفة له.
* * * فإن قال قائل: وما هذه الآية من التي قبلها؟
قيل: هي لها مواصلة .
وإنما معنى ذلك: ومن أظلم من النصارى الذين منعوا عباد الله مساجده أن يذكر فيها اسمه ، وسعوا في خرابها ، ولله المشرق والمغرب ، فأينما توجهوا وجوهكم فاذكروه ، فإن وجهه هنالك، يسعكم فضله وأرضه وبلاده ، ويعلم ما تعملون ، ولا يمنعكم تخريب من خرب مسجد بيت المقدس ، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فيه - أن تذكروا الله حيث كنتم من أرض الله ، تبتغون به وجهه.
* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (واسع) يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وأما قوله: (عليم) ، فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه ، بل هو بجميعها عليم.
----------------- (12) انظر ما سلف قريبا : 519 .
(13) قوله : "فلله كل ما دونه" ، أي كل ما سواه من شيء .
(14) الحديث: 1833 - علي: هو ابن أبي طلحة الهاشمي: ثقة، تكلموا فيه.
والراجح أن كلامهم فيه من أجل تشيعه.
ولكن لم يسمع من ابن عباس، فروى ابن أبي حاتم في المراسيل، ص: 52، عن دحيم قال:"إن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير".
وروي عن أبيه أبي حاتم مثل ذلك.
وفي التهذيب أنه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"روى عن ابن عباس، ولم يره".
فهذا إسناد ضعيف، لانقطاعه.
ولكن معناه ثابت عن ابن عباس، من وجه صحيح.
فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير 1: 288 -"أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس.." فذكر نحوه.
وهذا إسناد صحيح، من جهة رواية ابن جريج عن عطاء، وهو ابن أبي رباح.
وأما"عثمان ابن عطاء"، فإنه"الخراساني".
وهو ضعيف.
وحجاج بن محمد: سمعه منهما، من ثقة ومن ضعيف، فلا بأس.ورواه الحاكم 2: 267 - 268، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة".
ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا.
وذكره السيوطي 1: 108، ونسبه لأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه.
(15) قال ابن كثير في تفسيره 1 : 289 تعليقا على كلمة أبي جعفر رحمه الله : "في قوله : وأنه تعالى لا يخلو منه مكان - إن أراد علمه تعالى ، فصحيح .
فإن علمه تعالى ، محيط بجميع المعلومات ، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه ، تعالى الله على ذلك علوا كبيرا" .
قلت : الذي قاله ابن كثير هو عقيدة أبي جعفر رحمه الله ، وقد بين ذلك في تفسير سورة المجادلة من تفسيره 28 : 10 ، فلا معنى لتشكك ابن كثير في كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق ، وعبارته صحيحة اللفظ ، ولكن أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنى غير المعنى الذي تدل عليه .
(16) في المطبوعة : "حدثت عن الحسن" ، والصواب ما أثبت ، وهو إسناد دائر في تفسيره أقربه رقم : 1731 .
(17) الحديث : 1839 - ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي ، سبق توثيقه : 438 .
عبد الملك : هو ابن أبي سليمان ، كما سيأتي في الإسناد التالي لهذا ، وقد سبق توثيقه : 1455 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 5001 ، عن عبد الله بن إدريس ، بهذا الإسناد .
وسيأتي تمام تخريجه في الذي بعده .
(18) الحديث : 1840 - ابن فضيل : هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي ، وهو ثقة ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما .
بل روى عنه الثوري ، وهو أكبر منه .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 1207 -208 ، وابن أبي حاتم 4/1/57 -58 .
والحديث رواه أحمد أيضًا : 4714 ، عن يحيى القطان ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، بنحوه .
ورواه مسلم 1 : 195 ، من طريق يحيى ، وآخرين .
وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 4 ، بأسانيد من طريق عبد الملك .
وقد رجحنا في شرح المسند الرواية السابقة ، بأن هذه الآية لم تنزل في ذلك ، بل هي في معنى أعم ، وإنما تصلح شاهدا ودليلا ، كما يتبين ذلك من فقه تفسيرها في سياقها .
(19) في المطبوعة : "فإن وليتم وجوهكم" .
والصواب ما أثبت .
(20) الحديث: 1841 - أحمد، شيخ الطبري: هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، كما سبق نسبه كاملا في: 159، وهو صدوق، من شيوخ أبي داود، مترجم في التهذيب، وأبو أحمد: هو الزبيري.
واسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، وهو ثقة حافظ، من شيوخ الإمام أحمد.
مترجم في التهذيب.
والكبير 1/1/133 - 134، وابن سعد 6: 281، وابن أبي حاتم 3 /2 /297.أبو الربيع السمان.
هو أشعث بن سعيد، سبق في: 24 أنه ضعيف جدا.
عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: هو ضعيف، وقد بينا ضعفه في شرح المسند: 5229.
عبد الله بن عامر بن ربيعة: ثقة من كبار التابعين.
وأبوه صحابي معروف، من المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها.
والحديث ذكره ابن كثير 1: 289 - 290، عن هذا الموضع.
ووقع فيه خطأ في اسم شيخ الطبري، كتب"محمد بن إسحاق"، بدل"أحمد".
وهو خطأ ناسخ أو طابع.
ثم أشار ابن كثير إلى روايته الآتية: 1843.
ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم.
ثم نقل كلام الترمذي قال:"هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان: يضعف في الحديث".
قال ابن كثير:"قلت: وشيخه عاصم، أيضًا ضعيف قال البخاري: منكر الحديث.
وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به.
وقال ابن حبان: متروك.
وقد ذهبت في شرحي للترمذي، رقم: 345، إلى تحسين إسناده.
ولكني أستدرك الآن، وأرى أنه حديث ضعيف.
ونقله السيوطي 1: 109، مع تخريجه وبيان ضعفه.
(21) لم يرد في كتب اللغة : "أيقظت" لازما ، وأخشى أن يكون الطبري يصححها ، وأشباهها في العربية كثير .
(22) في لسان العرب"فصلى كل منا حياله" ، أي تلقاء وجهه ، وزيادة"علي" لا تضر المعنى .
(23) الحديث : 1843 - هو مكرر الحديث : 1841 .
(24) الحديث : 1844 - هو حديث ضعيف ، لأنه مرسل وقد نقله السيوطي 1 : 109 ، ونسبه لابن جرير : وابن المنذر .
ونقله ابن كثير 1 : 291 ، عن هذا الموضع .
ثم قال : "هذا غريب" .
وأقول : وسياقته تدل على ضعفه ونكارته .
(25) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 357 - 360 ، 483 .
(26) في المطبوعة : "أو معناها في حال دون حال" ، وهو فاسد .
ومراده أن الآية جاءت عامة ، وتحتمل أحد معنيين : إما في حال دون حال_ وإما في كل حال ، كما فصل بعد .
(27) في المطبوعة : "لظاهره" ، وانظر ما سلف في معنى"الظاهر والباطن" 2 : 15 والمراجع (28) في المطبوعة : "وليت وجهي" ، والصواب ما أثبت .
(29) في المطبوعة : "فثم ، فقال بعضهم" ، والصواب إثبات"وجه الله" .
(30) في المطبوعة : "ومنفيا ما نحلوه" .
وانتفى من الشيء : تبرأ منه .
ونحله الشيء : نسبه إليه .
والفرية : الكذب المختلق .
قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب المشرق موضع الشروق .
والمغرب موضع الغروب ، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع ، كما تقدم .
وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفا ، نحو بيت الله ، وناقة الله ، ولأن سبب الآية اقتضى ذلك ، على ما يأتيالثانية : قوله تعالى : فأينما تولوا شرط ، ولذلك حذفت النون ، و " أين " العاملة ، و " ما " زائدة ، والجواب فثم وجه الله .
وقرأ الحسن تولوا بفتح التاء واللام ، والأصل تتولوا .
وثم في موضع نصب على الظرف ، ومعناها البعد ، إلا أنها مبنية على الفتح غير معربة لأنها مبهمة ، تكون بمنزلة هناك للبعد ، فإن أردت القرب قلت هنا .الثالثة : اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه فأينما تولوا على خمسة أقوال : [ ص: 77 ] فقال عبد الله بن عامر بن ربيعة : نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة ، أخرجه الترمذي عنه عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة ، فصلى كل رجل منا على حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : فأينما تولوا فثم وجه الله .
قال أبو عيسى : هذا حديث ليس إسناده بذاك ، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث بن سعيد أبو الربيع يضعف في الحديث .
وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا ، قالوا : إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة ، وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق .قلت : وهو قول أبي حنيفة ومالك ، غير أن مالكا قال : تستحب له الإعادة في الوقت ، وليس ذلك بواجب عليه ; لأنه قد أدى فرضه على ما أمر ، والكمال يستدرك في الوقت ، استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم ، ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرق أو غرب جدا مجتهدا ، وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره .
وقال المغيرة والشافعي : لا يجزيه ; لأن القبلة شرط من شروط الصلاة .
وما قاله مالك أصح ; لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة ، وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر .
وقال ابن عمر : نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته .
أخرجه مسلم عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ، قال : وفيه نزلت فأينما تولوا فثم وجه الله .
ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله .
ولا يجوز لأحد أن يدع القبلة عامدا بوجه من الوجوه إلا في شدة الخوف ، على ما يأتي .واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله ، فمرة قال : لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه .
قال سحنون : فإن فعل أعاد ، حكاه الباجي .
ومرة قال : إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل القبلة وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد خاصة ، على ما يأتي بيانه .واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة ، فقال مالك وأصحابه والثوري : لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة ، قالوا : لأن الأسفار التي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة .
وقال الشافعي وأبو [ ص: 78 ] حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي والليث بن سعد وداود بن علي : يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر ، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا ; لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر ، فكل سفر جائز ذلك فيه ، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له .
وقال أبو يوسف : يصلي في المصر على الدابة بالإيماء ، لحديث يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء .
وقال الطبري : يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن يتنفل على دابته وراحلته وعلى رجليه [ بالإيماء ] .
وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في الحضر والسفر .
وقال الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر ، فقال : أما في السفر فقد سمعت ، وما سمعت في الحضر .
قال ابن القاسم : من تنفل في محمله تنفل جالسا ، قيامه تربع ، يركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه .
وقال قتادة : نزلت في النجاشي ، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة ، فقالوا : كيف نصلي على رجل مات ؟
وهو يصلي لغير قبلتنا ، وكان النجاشي ملك الحبشة - واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية - يصلي إلى بيت المقدس حتى مات ، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة فنزلت الآية ، ونزل فيه : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله فكان هذا عذرا للنجاشي ، وكانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة .
وقد استدل بهذا من أجاز الصلاة على الغائب ، وهو الشافعي .
قال ابن العربي : ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي : يصلى على الغائب ، وقد كنت ببغداد في مجلس الإمام فخر الإسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له : كيف حال فلان ؟
فيقول له : مات ، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعونثم يقول لنا : قوموا فلأصل لكم ، فيقوم فيصلي عليه بنا ، وذلك بعد ستة أشهر من المدة ، وبينه وبين بلده ستة أشهر .والأصل عندهم في ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي .
وقال علماؤنا رحمة الله عليهم : النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مخصوص لثلاثة أوجه :أحدها : أن الأرض دحيت له جنوبا وشمالا حتى رأى نعش النجاشي كما دحيت [ ص: 79 ] له شمالا وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى .
وقال المخالف : وأي فائدة في رؤيته ، وإنما الفائدة في لحوق بركته .الثاني : أن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه .
قال المخالف : هذا محال عادة !
ملك على دين لا يكون له أتباع ، والتأويل بالمحال محال .الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيا وميتا .
قال المخالف : بركة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سواه تلحق الميت باتفاق .
قال ابن العربي : والذي عندي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومن آمن معه ليس عندهم من سنة الصلاة على الميت أثر ، فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة عليه .قلت : والتأويل الأول أحسن ; لأنه إذا رآه فما صلى على غائب وإنما صلى على مرئي حاضر ، والغائب ما لا يرى .
والله تعالى أعلم .القول الرابع : قال ابن زيد : كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وقالوا : ما اهتدى إلا بنا ، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فنزلت : ولله المشرق والمغرب فوجه النظم على هذا القول : أن اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى أن له أن يتعبد عباده بما شاء ، فإن شاء أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس ، وإن شاء أمرهم بالتوجه إلى الكعبة ، فعل لا حجة عليه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .القول الخامس : أن الآية منسوخة بقوله : وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ذكره ابن عباس ، فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلي المرء كيف شاء ثم نسخ ذلك .
وقال قتادة : الناسخ قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام أي تلقاءه ، حكاه أبو عيسى الترمذي .القول السادس : روي عن مجاهد والضحاك أنها محكمة ، المعنى : أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة .
وعن مجاهد أيضا وابن جبير لما نزلت : ادعوني أستجب لكم قالوا : إلى أين ؟
فنزلت : فأينما تولوا فثم وجه الله .
وعن ابن عمر والنخعي : أينما تولوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فثم وجه الله .
وقيل : هي متصلة بقوله [ ص: 80 ] تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه الآية ، فالمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تسعكم ، فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من أرضه .
وقيل : نزلت حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية فاغتم المسلمون لذلك .
فهذه عشرة أقوال .ومن جعلها منسوخة فلا اعتراض عليه من جهة كونها خبرا ; لأنها محتملة لمعنى الأمر .
يحتمل أن يكون معنى فأينما تولوا فثم وجه الله : ولوا وجوهكم نحو وجه الله ، وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جبير رحمه الله لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض .الرابعة : اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة ، فقال الحذاق : ذلك راجع إلى الوجود ، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام ، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا .
وقال ابن فورك : قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا ، كما يقول القائل : رأيت علم فلان اليوم ، ونظرت إلى علمه ، وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم ، كذلك إذا ذكر الوجه هنا ، والمراد من له الوجه ، أي الوجود .
وعلى هذا يتأول قوله تعالى : إنما نطعمكم لوجه الله لأن المراد به : لله الذي له الوجه ، وكذلك قوله : إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى أي الذي له الوجه .
قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه عز وجل ، كما قال : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .
وقال بعض الأئمة : تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى .
قال ابن عطية : وضعف أبو المعالي هذا القول ، وهو كذلك ضعيف ، وإنما المراد وجوده .
وقيل : المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة .
وقيل : الوجه القصد ، كما قال الشاعر :أستغفر الله ذنبا لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعملوقيل : المعنى فثم رضا الله وثوابه ، كما قال : إنما نطعمكم لوجه الله أي لرضائه وطلب ثوابه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة .[ ص: 81 ] وقوله : يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي أي خالصا لي ، خرجه الدارقطني .
وقيل : المراد فثم الله ، والوجه صلة ، وهو كقوله : وهو معكم .
قاله الكلبي والقتبي ، ونحوه قول المعتزلة .الخامسة : قوله تعالى : إن الله واسع عليم أي يوسع على عباده في دينهم ، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم .
وقيل : واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء ، كما قال : وسع كل شيء علما .
وقال الفراء : الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء ، دليله قوله تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء .
وقيل : واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب .
وقيل : متفضل على العباد وغني عن أعمالهم ، يقال : فلان يسع ما يسأل ، أي لا يبخل ، قال الله تعالى : لينفق ذو سعة من سعته أي لينفق الغني مما أعطاه الله .
وقد أتينا عليه في الكتاب " الأسنى " والحمد لله .
أي: { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } خصهما بالذكر, لأنهما محل الآيات العظيمة, فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها, كان مالكا لكل الجهات.
{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } وجوهكم من الجهات, إذا كان توليكم إياها بأمره, إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس, أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها, فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة, فيتحرى الصلاة إليها, ثم يتبين له الخطأ, أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور, إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا.
وبكل حال, فما استقبل جهة من الجهات, خارجة عن ملك ربه.
{ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } فيه إثبات الوجه لله تعالى, على الوجه اللائق به تعالى, وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه, وهو - تعالى - واسع الفضل والصفات عظيمها, عليم بسرائركم ونياتكم.
فمن سعته وعلمه, وسع لكم الأمر, وقبل منكم المأمور, فله الحمد والشكر.
قوله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا وأنهم مخطئون في تحريهم فلما قدموا سألوا رسول الله عن ذلك فنزلت هذه الآية".
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث ما توجهت به راحلته".
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به".
قال عكرمة: "نزلت في تحويل القبلة"، قال أبو العالية:"لما صرفت القبلة إلى الكعبة عيرت اليهود المؤمنين وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة هكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية".
وقال مجاهد والحسن : "لما نزلت {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [60-غافر] قالوا: أين ندعوه فأنزل الله عز وجل {ولله المشرق والمغرب} ملكاً وخلقاً".
{فأينما تولوا فثم وجه الله} يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي: هناك رحمة الله، قال الكلبي: "فثم الله يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [88-القصص} أي إلا هو"، وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حبان: "فثم قبلة الله"، والوجه والوجهة والجهة القبلة، وقيل: رضا الله تعالى.
{إن الله واسع} أي غني يعطي في السعة، قال الفراء: "الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء"، قال الكلبي: "واسع المغفرة.
{عليم} بنياتهم حيثما صلوا ودعوا.
ونزل لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت «ولله المشرق والمغرب» أي الأرض كلها لأنهما ناحيتها «فأينما تولوا» وجوهكم في الصلاة بأمره «فثمَّ» هناك «وجه الله» قبلته التي رضيها «إن الله واسع» يسع فضله كل شئ «عليم» بتدبير خلقه.
ولله جهتا شروق الشمس وغروبها وما بينهما، فهو مالك الأرض كلها.
فأي جهة توجهتم إليها في الصلاة بأمر الله لكم فإنكم مبتغون وجهه، لم تخرجوا عن ملكه وطاعته.
إن الله واسع الرحمة بعباده، عليم بأفعالهم، لا يغيب عنه منها شيء.
ثم أخذ القرآن في تسلية المسلمين الذين أخرجوا من مكة وفارقوا المسجد الحرام ، مبييناً لهم أن الجهات كلها لله - تعالى - فقال :( وَللَّهِ المشرق والمغرب .
.
.
)المشرق والمغرب : مكان شروق الشمس وغروبها ، والمراد بهما هنا جمع جهات الأرض .واللام في قوله : ( وَللَّهِ ) تفيد معنى الملك .والتولية : التوجه من جهة إلى أخرى .
و ( ثم ) اسم إشارة للمكان .والوجه : الجهة ، فوجه الله الجهة التي ارتضاها وأمر بالتوجه إليها وهي القبلة .والمعنى : أن جميع الأرض ملك لله وحده ، ففي أي مكان من المشرق والمغرب توليتم شطر القبلة التي أمركم الله بها ورضيها لكم ، فهناك جهته - سبحانه - التي أمرتم بها ، والتي تبرأ ذممكم باستقبالها .ومعنى هذا : الإذن بإقامة الصلاة في أي مكان من الأرض دون أن تختص بها المساجد ، ففي الحديث الشريف : " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " .وكأن الآية تومى ، إلى أن سعى أولئك الظالمين في منع المساجد من ذكره - تعالى - وتخريبها ، لا يمنع من أداء العبادة لله - تعالى - : لأن له المشرق والمغرب وما بينهما ، فأينما حل الإِنسان وتحرى القبلة المأمور بالتوجه إليها فهناك جهة الله المطلوب منه استقبالها .وذيلت الآية بقوله ( إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) لإِفادة سعة ملكه أو سعة تيسيره على عباده في أمر الدين : أي : إن الله يسع خلقه جميعاً برحمته وتيسيره وجوده وهو عليم بأعمالهم لا يخفى عليه عمل عامل أنيما كان وكيفما كان .ثم حكى القرآن بعض الأوقايل الباطلة التي افتراها أصحاب القلوب المريضة فقال - تعالى - :( وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ .
.
.
)
اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين، أحدها: أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة.
وثانيهما: أن ظاهر قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة، ولهذا لا يعقل من قوله: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول: القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه: أحدها: أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة.
وثانيها: أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية رداً عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله: ﴿ قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وثالثها: قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال: إن الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى: ﴿ واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق.
ورابعها: قال بعضهم: إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة، وهو قول قتادة وابن زيد.
وخامسها: أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد.
وسادسها: ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس.
وسابعها: أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر.
وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يوميء برأسه نحو المدينة، فمعنى الآية: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ فقد صادفتم المطلوب: ﴿ إِنَّ الله واسع ﴾ الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين، إما ترك النوافل، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل، فإنها غير محصورة، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج.
فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب.
قلنا: إن قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين.
أحدهما: في التطوع على الراحلة.
وثانيهما: في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول: إن الله تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصاً في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا: لم يثبت ذلك الاختصاص وأيضاً فكان يجب أن يقال: إن بيت المقدس صار منسوخاً بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا: إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله، قالوا: وحمل الكلام على هذا الوجه أولى، لأنه يعم كل مصل، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولاً على التطوع دون الفرض، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص، وأقصى ما في الباب أن يقال: إن على هذا التأويل لابد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ من الجهات المأمور بها: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ إلا أن هذا الإضمار لابد منه على كل حال، لأنه من المحال أن يقول تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ بحسب ميل أنفسكم ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ بل لابد من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره: إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له: كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا هاهنا.
القول الثاني: وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضاً وجوه: أولها: أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم، لا يخفى علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ ﴾ نظير قوله: ﴿ إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بسلطان ﴾ فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ ﴾ وقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ وقوله: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيء عِلْماً ﴾ أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه.
وثانيها: قال قتادة: إن النبي عليه السلام قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه»، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم فنزل قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خاشعين للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ﴾ فقالوا: إنه كان يصلي إلى غير القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ .
وثالثها: لما نزل قوله تعالى: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالوا: أين ندعوه فنزلت هذه الآية، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك.
ورابعها: أنه خطاب للمسلمين، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها، وهو قول علي بن عيسى.
وخامسها: من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب.
المسألة الثانية: إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة.
المسألة الثالثة: اللام في قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما، وهو كقوله: ﴿ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين ﴾ وقوله: ﴿ بِرَبّ المشارق والمغارب ﴾ و ﴿ رَبُّ المشرق والمغرب ﴾ ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات، كما قال: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ .
المسألة الرابعة: الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، وكل منقسم فهو مؤلف مركب، وكل ما كان كذلك فلابد له من خالق وموجد، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات.
الوجه الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين: الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً.
الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً، والسعة من صفة الأجسام.
والجواب عن الأول: أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه هاهنا على العضو لكذب قوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً، فإذن لابد فيه من التأويل وهو من وجوه: الأول: أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ أي: فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة.
الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر: استغفر الله ذنباً لست أحصيه *** رب العباد إليه الوجه والعمل ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض ﴾ .
الثالث: أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ يعني لرضوان الله، وقوله: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ يعني ما كان لرضا الله، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه.
الرابع: أن الوجه صلة كقوله: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره، إنما يريدون به أنه من هاهنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل: فما معنى قوله تعالى: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ مع أنه لا يجوز عليه المكان فلابد من تأويله بأن المراد: فثم قبلته التي يعبد بها، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته.
والجواب عن الثاني: وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق، بل لابد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك، أو على أنه واسع العطاء والرحمة، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق، ولا يجوز حمله على السعة في العلم، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً، فأما قوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن، وما يخفى على الله من شيء، فيكون متحذراً عن التساهل، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿ واسع عَلِيمٌ ﴾ أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها.
المسألة الخامسة: ولى إذا أقبل، وولى إذا أدبر، وهو من الأضداد ومعناه هاهنا الإقبال، وقرأ الحسن: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ بفتح التاء من التولي، يريد فأينما توجهوا القبلة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ ففي أي مكان فعلتم التولية، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وحيثما كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .
﴿ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ أي جهته التي أمر بها ورضيها.
والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إمكانها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان ﴿ إِنَّ الله واسع ﴾ الرحمة يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمصالحهم.
وعن ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت.
وعن عطاء: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا.
وقيل: معناه (فأينما تولوا) للدعاء والذكر ولم يرد الصلاة.
وقرأ الحسن: فأينما تَولوا، بفتح التاء من التولي يريد: فأينما توجهوا القبلة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ يُرِيدُ بِهِما ناحِيَتَيِ الأرْضِ، أيْ لَهُ الأرْضُ كُلُّها لا يَخْتَصُّ بِهِ مَكانٌ دُونَ مَكانٍ، فَإنْ مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ أوِ الأقْصى فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا.
﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا ﴾ فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَّوْلِيَةَ شَطْرَ القِبْلَةِ ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ أيْ جِهَتُهُ الَّتِي أمَرَ بِها فَإنَّ إمْكانَ التَّوْلِيَةِ لا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ أوْ مَكانٍ.
أوْ فَثَمَّ ذاتُهُ: أيْ هو عالِمٌ مُطَّلِعٌ بِما يَفْعَلُ فِيهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ ﴾ بِإحاطَتِهِ بِالأشْياءِ أوْ بِرَحْمَتِهِ يُرِيدُ التَّوْسِعَةَ عَلى عِبادِهِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِمَصالِحِهِمْ وأعْمالِهِمْ في الأماكِنِ كُلِّها وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ عَلى الرّاحِلَةِ: وقِيلَ: في قَوْمٍ عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ فَصَلُّوا إلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنُوا خَطَأهُمْ، وعَلى هَذا لَوْ أخْطَأ المُجْتَهِدُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الخَطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّدارُكُ.
وقِيلَ هي تَوْطِئَةٌ لِنَسْخِ القِبْلَةِ وتَنْزِيهٌ لِلْمَعْبُودِ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ وِجْهَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلِلَّهِ المشرق والمغرب} أي بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها {فَأَيْنَمَا} شرط {تَوَلُّوْاْ} مجزوم به أي ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره والجواب {فَثَمَّ وَجْهُ الله} أي جهته التي أمر بها ورضيها والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان {إِنَّ الله واسع عَلِيمٌ} أي وهو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم وعن ابن عمر رضى الله عنهما نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت وقيل عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذرواهو حجة على الشافعى رحمه الله فيما إذا استدبر وقيل فأينما تولوا للدعاء والذكر
﴿ ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ أيِ النّاحِيَتانِ المَعْلُومَتانِ المُجاوِرَتانِ لِنُقْطَةٍ تَطْلُعُ مِنها الشَّمْسُ وتَغْرُبُ، وكَنّى بِمالِكِيَّتِهِما عَنْ مالِكِيَّةِ كُلِّ الأرْضِ، وقالَ بَعْضُهم: إذا كانَتِ الأرْضُ كُرَوِيَّةً يَكُونُ كُلُّ مَشْرِقٍ بِالنِّسْبَةِ مَغْرِبًا بِالنِّسْبَةِ، والأرْضُ كُلُّها كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ الكِنايَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ، ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا ﴾ أيْ فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمُ التَّوْلِيَةَ شَطْرَ القِبْلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ (تَوَلَّوْا) عَلى الغَيْبَةِ، ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ أيْ فَهُناكَ جِهَتُهُ سُبْحانَهُ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها، فَإذًا مَكانُ التَّوْلِيَةِ لا يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ، ولا مَكانٍ دُونَ آخَرَ، (فَأيْنَما) ظَرْفٌ لازِمٌ الظَّرْفِيَّةَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولَيْسَ مَفْعُولًا (لِتُوَلُّوا)، والتَّوْلِيَةُ بِمَعْنى الصَّرْفِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، (وثَمَّ) اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ البَعِيدِ خاصَّةً، مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ مِن، وقَدْ وهِمَ مَن أعْرَبَهُ مَفْعُولًا بِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ﴾ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ، والوَجْهُ الجِهَةُ كالوَزْنِ والزِّنَةِ، واخْتِصاصُ الإضافَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مَأْمُورًا بِها، وفِيها رِضاهُ سُبْحانَهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةٌ، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ إلّا أنَّهُ جُعِلَ هُنا كِنايَةً عَنْ عِلْمِهِ واطِّلاعِهِ بِما يُفْعَلُ هُناكَ، وقالَ أبُو مَنصُورٍ: بِمَعْنى الجاهِ ويَؤُولُ إلى الجَلالِ والعَظَمَةِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا اعْتِراضٌ لِتَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِحِلِّ الذِّكْرِ والصَّلاةِ في جَمِيعِ الأرْضِ لا في المَساجِدِ خاصَّةً، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا)، ولَعَلَّ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلاةُ في غَيْرِ البِيَعِ والكَنائِسِ، وصَلاةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أسْفارِهِ في غَيْرِها كانَتْ عَنْ ضَرُورَةٍ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِاخْتِصاصِ المَجْمُوعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (أيْنَما) مَفْعُولُ (تُوَلُّوا) بِمَعْنى الجِهَةِ، فَقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ: أيْنَما تَوَجَّهُوا بِمَعْنى أيَّ جِهَةٍ تَوَجَّهُوا بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِ والتَّطَوُّعِ عَلى الرّاحِلَةِ، وعَلى ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ في غَزْوَةٍ كُنْتُ فِيها مَعَهُمْ، فَصَلَّوْا إلى الجَنُوبِ والشَّمالِ، فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ، ويُحْتَمَلُ عَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ أنْ تَكُونَ (أيْنَما)، كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا، ويَكُونُ المَعْنى: في أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمْ أيَّ تَوْلِيَةٍ، لِأنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ بِهِ يُفِيدُ العُمُومَ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهم مُدَّعِيًا أنَّ ما تَقَدَّمَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الآيَةُ تَوْطِئَةٌ لِنَسْخِ القِبْلَةِ وتَنْزِيهٌ لِلْمَعْبُودِ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ وجْهَةٍ، وإلّا لَكانَتْ أحَقَّ بِالِاسْتِقْبالِ، وهي مَحْمُولَةٌ عَلى العُمُومِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِحالِ السَّفَرِ أوْ حالِ التَّحَرِّي، والمُرادُ بِأيْنَما أيُّ جِهَةٍ، وبِالوَجْهِ الذّاتُ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ حِينَئِذٍ أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ المَساجِدِ سابِقًا، أوْرَدَ بَعْدَها تَقْرِيبًا حُكْمَ القِبْلَةِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ﴿ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ ﴾ أيْ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ مُلْكًا، أوْ رَحْمَةً، فَلِهَذا وسَّعَ عَلَيْكُمُ القِبْلَةَ، ولَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْكُمْ، عَلِيمٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، وأعْمالِهِمْ فِي الأماكِنِ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ لِمَجْمُوعِ ﴿ ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ إلَخْ، وعَلى الثّانِي تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا ﴾ إلَخْ، ومِنَ الغَرِيبِ جَعَلَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لِمَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، وجَعَلَ الخِطابَ المُتَقَدِّمَ لَهم أيْضًا، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُ لا مَهْرَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن طَغى، ولا مَفَرَّ لِمَن بَغى، لِأنَّ فَلَكَ سُلْطانِهِ حَدَّدَ الجِهاتِ وسُلْطانَ عِلْمِهِ أحاطَ بِالأفْلاكِ الدّائِراتِ أيْنَ المَفَرُّ ولا مَفَرَّ لِهارِبٍ ولَهُ البَسِيطانِ الثَّرى والماءُ ومِن بابِ الإشارَةِ: أنَّ المَشْرِقَ عِبارَةٌ عَنْ عالَمِ النُّورِ والظُّهُورِ، وهو جَنَّةُ النَّصارى وقِبْلَتِهِمْ بِالحَقِيقَةِ باطِنُهُ، والمَغْرِبُ عالَمُ الأسْرارِ، والخَفاءِ، وهو جَنَّةُ اليَهُودِ وقِبْلَتُهم بِالحَقِيقَةِ باطِنُهُ، أوِ المَشْرِقُ عِبارَةٌ عَنْ إشْراقِهِ سُبْحانَهُ عَلى القُلُوبِ بِظُهُورِ أنْوارِهِ فِيها والتَّجَلِّي لَها بِصِفَةِ جِمالِهِ حالَةَ الشُّهُودِ، والمَغْرِبُ عِبارَةٌ عَنِ الغُرُوبِ بِتَسَتُّرِهِ، واحْتِجابِهِ، واخْتِفائِهِ بِصِفَةِ جَلالِهِ حالَةَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ، ولِلَّهِ تَعالى كُلُّ ذَلِكَ، فَأيُّ جِهَةٍ يَتَوَجَّهُ المَرْءُ مِنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ، المُتَحَلِّي بِجَمِيعِ الصِّفاتِ، المُتَجَلِّي بِما شاءَ، مُنَزَّهًا عَنِ الجِهاتِ، وقَدْ قالَ قائِلُ القَوْمِ: وما الوَجْهُ إلّا واحِدٌ غَيْرَ أنَّهُ ∗∗∗ إذا أنْتَ عَدَّدْتَ المَرايا تَعَدَّدَ ﴿ إنَّ اللَّهَ واسِعٌ ﴾ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ إحاطَتِهِ عَلِيمٌ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِ خَلِيقَتِهِ، ومَظاهِرِ صِفَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية.
روي عن ابن عباس أنه قال: خرج رهط في سفر من أصحاب رسول الله فأصابهم الضباب، فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب، فلما طلعت الشمس وذهب الضباب، استبان لهم ذلك، فلما قدموا على رسول الله سألوه عن ذلك فنزلت هذه الآية وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، يعني أينما تولوا وجوهكم في الصلاة فثم وجه الله قال بعضهم: فثم قبلة الله.
ويقال يعني: فثم رضا الله.
ويقال: فثم ملك الله.
وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن قوماً خرجوا إلى السفر وذكر القصة نحو هذا.
وقال بعضهم: المراد به الصلاة على الدابة.
قال الفقيه: حدثنا محمد بن سعيد المروزي قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدّثنا علي بن شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر- ما- قال: كان رسول الله يصلي على راحلته التطوع، حيث ما توجهت به وهو جاءٍ من مكة، ثم قرأ ابن عمر: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.
قال ابن عمر: في هذا نزلت هذه الآية.
وقال بعضهم: لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن النبيّ كان يصلي إلى بيت المقدس، فَلَمَّا أمر بالتحول إلى الكعبة، قالت اليهود: مرة تصلون هكذا، ومرة تصلون هكذا، فنزلت هذه الآية: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم قال: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي الواسع الجواد المحسن الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل عليم بصلواتكم.
ويقال: الواسع الغني عن صلاة الخلق وإنما يطلب منهم النية الخالصة ويقال: واسع يعني يوسع عليكم أمر الشرائع، ولم يضيق عليكم الأمر.
ويقال: واسع، يعني واسع الفضل.
وقال الزجاج: معنى قوله: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، أي اقصدوا وجه الله بنيتكم القبلة، كقوله: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: 144 و 150] .
<div class="verse-tafsir"
المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يلحقه، وإن خلفه، أحبّ التّخلّف» «١» .
انتهى.
٣٣ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبرٌ في اللفظ، معناه الوعد والوعيد/.
وقوله تعالى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، معناه: قال اليهودُ:
لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم.
ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ.
وهُوداً: جمعُ هَائِدٍ «٢» ، ومعناه: التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه- عليه السلام- بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم: «لَنْ» نفي حسُنت بعده «بلى» إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: جملة في موضعِ الحالِ.
وقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...
الآية: معناه: أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة.
ع «٣» : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشير بعيسى، وكلاهما يتضمّن صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم،
فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا.
وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ تنبيه لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه، قيل: هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل: التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها.
وقوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار العَرَبِ لأنهم لا كتابَ لهم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...
الآية، أي: فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ...
الآيةَ، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ «١» ، وقال ابن زَيْد: المراد كُفَّار قريش حين صدّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المسجِدِ الحرامِ «٢» ، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة.
وقوله سبحانه: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ...
الايةَ: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضرباً، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ «٣» ، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ «٤» وفَأَيْنَما «٥» شرط، وتُوَلُّوا جزم به،
وفَثَمَّ: جوابه، ووَجْهُ اللَّهِ: معناه: الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآية، ٣٣ ب فقال ابنُ عُمَرَ: نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ، / حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته «١» ، وقال النَّخَعِيُّ: الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي: موضع رضاه، وثوابه، وجهة رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ «٣» : نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة «٤» ، فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بن ربيعة، قال: «كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ القبلة،
وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أخطئوها، فعرّفوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية» «١» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ .
فِي نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في غَزْوَةٍ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ يَعْرِفُوا القِبْلَةَ، فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَسْجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وصَلّى، فَلَمّا أصْبَحُوا إذا هم عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ.» رَواهُ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في التَّطَوُّعِ بِالنّافِلَةِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالُوا إلى أيْنَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا ماتَ النَّجاشِيُّ، وأمَرَهُمُ النَّبِيُّ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ؛ قالُوا إنَّهُ كانَ لا يُصَلِّي إلى القِبْلَةِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فَثَمَّ اللَّهُ يُرِيدُ: عِلْمَهُ مَعَكم أيْنَ كُنْتُمْ، وَهُوَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.
والواسِعُ: الَّذِي وسِعَ غِناهُ مَفاقِرَ عِبادِهِ، ورَزَقَهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ.
والسِّعَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الغِنى.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ مُسْتَعْمَلَةُ الحُكْمِ في المُجْتَهِدِ إذا صَلّى إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، وفي صَلاةِ المُتَطَوِّعِ عَلى الرّاحِلَةِ، والخائِفِ.
وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِها، فَقالُوا: إنَّها لَمّا نَزَلَتْ؛ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ .
وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: ولَيْسَ في القُرْآَنِ أمْرٌ خاصٌّ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ لَيْسَ صَرِيحًا بِالأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهاتِ كُلِّها سَواءٌ في جَوازِ التَّوَجُّهِ إلَيْها، فَإذا ثَبَتَ هَذا؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ وجَبَ التَّوَجُّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالقُرْآَنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ إنَّ اللهِ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ الآيَةُ.
"مَن" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"أظْلَمُ"، خَبَرُهُ، والمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ، واخْتَلَفَ في المُشارِ إلَيْهِ مِن هَذا الصِنْفِ الظالِمِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ النَصارى الَّذِينَ كانُوا يُؤْذُونَ مَن يُصَلِّي بِبَيْتِ المَقْدِسِ ويَطْرَحُونَ فِيهِ الأقْذارَ.
وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ: المُرادُ الرُومُ الَّذِينَ أعانُوا بُخْتَ نَصَّرَ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ حِينَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِياءَ عَلَيْهِ السَلامُ.
وقِيلَ: المَعْنِّيُ بُخْتُ نَصَّرَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ كُفّارُ قُرَيْشٍ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللهِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن مَسْجِدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أو خَرَّبَ مَدِينَةَ إسْلامٍ لِأنَّها مَساجِدُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، والمَشْهُورُ "مَسْجِدُ" بِكَسْرِ الجِيمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "مَسْجَدُ" بِفَتْحِها.
و"أنْ يُذْكَرَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "مَن" وتَسَلُّطِ الفِعْلِ، وإمّا عَلى البَدَلِ مِنَ المَساجِدِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالٍ الَّذِي شَأْنُ البَدَلِ فِيهِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُبْدَلِ مِنهُ، ويَخْتَصَّ بِهِ أو تَقُومَ بِهِ صِفَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْ" مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ.
ومَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ بِسَبَبِ بَيْتِ المَقْدِسِ جُعِلَ الخَرابُ الحَقِيقِيُّ المَوْجُودُ، ومَن قالَ: هي بِسَبَبِ المَسْجِدِ الحَرامِ جُعِلَ مَنعُ عِمارَتِهِ خَرابًا إذْ هو داعٍ إلَيْهِ.
ومَن جَعَلَ الآيَةَ في النَصارى رَوى أنَّهُ مَرَّ زَمانٌ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ نَصْرانِيٌّ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا أُوجِعَ ضَرْبًا، قالَهُ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، ومَن جَعَلَها في قُرَيْشٍ قالَ: كَذَلِكَ نُودِيَ بِأمْرِ النَبِيِّ ألّا يَحُجَّ مُشْرِكٌ.
و"خائِفِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ.
وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ بِأمْرٍ بَيِّنٍ مَنعُهم مِنَ المَساجِدِ، لَكِنَّها تَطَرُّقٌ إلى ذَلِكَ، وبَراءَةٌ فِيها وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
وَمَن جَعَلَ الآيَةَ في النَصارى قالَ: الخِزْيُ قَتْلُ الحَرْبِيِّ، وجِزْيَةُ الذِمِّيِّ، وقِيلَ: الفُتُوحُ الكائِنَةُ في الإسْلامِ كَعَمُورِيَّةَ وهِرَقْلَةَ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ومَن جَعَلَها في قُرَيْشٍ جَعَلَ الخِزْيَ غَلَبَتَهم في الفَتْحِ وقَتْلَهم والعَذابُ في الآخِرَةِ لِمَن ماتَ مِنهم كافِرًا، و"خِزْيٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ.
و"المَشْرِقُ" مَوْضِعُ الشُرُوقِ، و"المَغْرِبُ" مَوْضِعُ الغُرُوبِ أيْ هُما لَهُ مِلْكٌ وما بَيْنَهُما مِنَ الجِهاتِ والمَخْلُوقاتِ، وخَصَّهُما بِالذِكْرِ وإنْ كانَتْ جُمْلَةُ المَخْلُوقاتِ كَذَلِكَ لِأنَّ سَبَبَ الآيَةِ اقْتَضى ذَلِكَ.
و"أيْنَما" شَرْطٌ، و"تُوَلُّوا" جُزِمَ بِهِ، والجَوابُ في قَوْلِهِ: "فَثَمَّ" والمَعْنى: فَأيْنَما تُوَلُّوا نَحْوَهُ وإلَيْهِ، لِأنَّ ولّى -وَإنْ كانَ غالِبُ اسْتِعْمالِها أدْبَرَ- فَإنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ يَقْبَلُ إلى ناحِيَةٍ، تَقُولُ: ولَّيْتُ عن كَذا وإلى كَذا.
وقَرَأ الحَسَنُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ التاءِ واللامِ، و"ثُمَّ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، و"وَجْهُ اللهِ" مَعْناهُ الَّذِي وجَّهَنا إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: سافَرْتُ في وجْهِ كَذا أيْ في جِهَةِ كَذا.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ الوَجْهِ الَّذِي جاءَ مُضافًا إلى اللهِ تَعالى في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ الحُذّاقُ: ذَلِكَ راجِعٌ إلى الوُجُودِ، والعِبارَةُ عنهُ بِالوَجْهِ مِن مَجازِ كَلامِ العَرَبِ إذْ كانَ الوَجْهُ أظْهَرُ الأعْضاءِ في الشاهِدِ وأجَلَّها قَدْرًا.
وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: تِلْكَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ بِالسَمْعِ، زائِدَةٌ عَلى ما تُوجِبُهُ العُقُولُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ تَعالى، وضَعَّفَ أبُو المَعالِي هَذا القَوْلَ.
ويَتَّجِهُ في بَعْضِ المَواضِعِ كَهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ الجِهَةُ الَّتِي فِيها رِضاهُ وعَلَيْها ثَوابُهُ، كَما تَقُولُ: تَصَدَّقْتُ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ خاصَّةً أنْ يُرادُ بِالوَجْهِ الجِهَةُ الَّتِي وجَّهَنا إلَيْها في القِبْلَةِ حَسَبَما يَأْتِي في أحَدِ الأقْوالِ.
وقالَ أبُو مَنصُورٍ في المُقْنِعِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ هُنا الجاهُ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ وجْهُ القَوْمِ، أيْ مَوْضِعُ شَرَفِهِمْ، فالتَقْدِيرُ: فَثَمَّ جَلالُ اللهِ وعَظَمَتُهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ.
فَقالَ قَتادَةُ: أباحَ اللهُ لِنَبِيِّهِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُصَلِّيَ المُسْلِمُونَ حَيْثُ شاؤُوا فاخْتارَ النَبِيُّ بَيْتَ المَقْدِسِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالتَحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ إشارَةٌ إلى الكَعْبَةِ، أيْ حَيْثُ كُنْتُمْ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى التَوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ الَّتِي هي وجْهُ اللهِ الَّذِي وجَّهَكم إلَيْهِ، وعَلى هَذا فَهي ناسِخَةٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ اليَهُودُ قَدِ اسْتَحْسَنَتْ صَلاةَ النَبِيِّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالُوا: ما اهْتَدى إلّا بِنا، فَلَمّا حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ قالَتِ اليَهُودُ: ما ولّاهم عن قِبْلَتِهِمْ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في صَلاةِ النافِلَةِ في السَفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِالإنْسانِ دابَّتُهُ.
وقالَ النَخْعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ، أيْنَما تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفاتِكم ومَساعِيكم ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ ، أيْ مَوْضِعُ رِضاهُ وثَوابُهُ وُجِهَةُ رَحْمَتِهِ الَّتِي يُوصَلُ إلَيْها بِالطاعَةِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: نَزَلَتْ فِيمَنِ اجْتَهَدَ في القِبْلَةِ فَأخْطَأ، ووَرَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ رَواهُ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ النَبِيِّ في سَفَرٍ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَتَحَرّى قَوْمٌ القِبْلَةَ وأعْلَمُوا عَلاماتٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا رَأوا أنَّهم قَدْ أخْطَؤُوها، فَعَرَّفُوا رَسُولَ اللهِ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وذَكَرَ قَوْمٌ هَذا الحَدِيثَ عَلى أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعَ القَوْمِ في السَفَرِ وذَلِكَ خَطَأٌ.
وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَجاشِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا ماتَ دَعا النَبِيُّ المُسْلِمِينَ إلى الصَلاةِ عَلَيْهِ، فَقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ يُصَلِّي عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ إلى القِبْلَةِ قَطُّ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أيْ أنَّ النَجاشِيَّ كانَ يَقْصِدُ وجْهَ اللهِ وإنْ لَمْ يُبَلِّغْهُ التَوَجُّهَ إلى القِبْلَةِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الدُعاءِ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالَ المُسْلِمُونَ: إلى أيْنَ نَدْعُو؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ .
وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُنْتَظِمَةٌ في مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، أيْ لا يَمْنَعُكم تَخْرِيبُ مَسْجِدٍ مِن أداءِ العِباداتِ، فَإنَّ المَسْجِدَ المَخْصُوصَ لِلصَّلاةِ إنْ خَرِبَ ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ مَوْجُودٌ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ، وقالَ أيْضًا: وقِيلَ نَزَلَتِ الآيَةُ حِينَ صُدَّ رَسُولُ اللهِ عَنِ البَيْتِ.
و"واسِعٌ" مَعْناهُ مُتَّسِعُ الرَحْمَةِ، "عَلِيمٌ" أيْنَ يَضَعُها.
وقِيلَ: واسِعٌ مَعْناهُ هُنا أنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في الحُكْمِ، دِينُهُ يُسِرُّ، عَلِيمٌ بِالنِيّاتِ الَّتِي هي مَلاكُ العَمَلِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُهُ في قِبْلَةٍ وما أشْبَهَها.
<div class="verse-tafsir"
لما جاء بوعيدهم ووعد المؤمنين عطف على ذلك تسلية المؤمنين على خروجهم من مكة ونكاية المشركين بفسخ ابتهاجهم بخروج المؤمنين منها وانفرادهم هم بمزية جوار الكعبة فبين أن الأرض كلها لله تعالى وأنها ما تفاضلت جهاتها إلا بكونها مظنة للتقرب إليه تعالى وتذكر نعمه وآياته العظيمة فإذا كانت وجهة الإنسان نحو مرضاة الله تعالى فأينما تولى فقد صادف رضى الله تعالى كانت وجهته الكفر والغرور والظلم فما يغني عنه العياذ بالمواضع المقدسة بل هو فيها دخيل لا يلبث أن يقلع منها قال تعالى: ﴿ وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ [الأنفال: 34] وقال صلى الله عليه وسلم في بني إسرائيل: «نحن أحق بموسى منهم» فالمراد من ﴿ المشرق والمغرب ﴾ في الآية تعميم جهات الأرض لأنها تنقسم بالنسبة إلى مسير الشمس قسمين قسم يبتدئ من حيث تطلع الشمس وقسم ينتهي في حيث تغرب وهو تقسيم اعتباري كان مشهوراً عند المتقدمين لأنه المبني على المشاهدة مناسب لجميع الناس والتقسيم الذاتي للأرض هو تقسيمها إلى شمالي وجنوبي لأنه تقسيم ينبني على اختلاف آثار الحركة الأرضية.
وقد قيل إن هذه الآية إذن للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه في الصلاة إلى أية جهة شاء، ولعل مراد هذا القائل أن الآية تشير إلى تلك المشروعية لأن الظاهر أن الآية نزلت قبيل نسخ استقبال بيت المقدس إذ الشأن توالى نزول الآيات وآية نسخ القبلة قريبة الموقع من هذه، والوجه أن يكُونَ مقصد الآية عاماً كما هو الشأن فتشمل الهجرة من مكة والانصراف عن استقبال الكعبة.
وتقديم الظرف للاختصاص أي إن الأرض لله تعالى فقط لا لهم، فليس لهم حق في منع شيء منها عن عباد الله المخلصين.
و ﴿ وجه الله ﴾ بمعنى الذات وهو حقيقة لغوية تقول: لوجه زيد أي ذاته كما تقدم عند قوله: ﴿ من أسلم وجهه لله ﴾ [البقرة: 112] وهو هنا كناية عن عمله فحيث أمرهم باستقبال بيت المقدس فرضاه منوط بالامتثال لذلك، وهو أيضاً كناية رمزية عن رضاه بهجرة المؤمنين في سبيل الدين لبلاد الحبشة ثم للمدينة ويؤيد كون الوجه بهذا المعنى قوله في التذييل: ﴿ إن الله واسع عليم ﴾ فقوله: ﴿ واسع ﴾ تذييل لمدلول ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ والمراد سعة ملكه أو سعة تيسيره والمقصود عظمة الله، أنه لا جهة له وإنما الجهات التي يقصد منها رضى الله تفضل غيرها وهو عليم بمن يتوجه لقصد مرضاته، وقد فسرت هذه الآية بأنها المراد بها القبلة في الصلاة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في تَأْوِيلِها، وسَبَبِ نُزُولِها، عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ، «أنَّ النَّبِيَّ ، كانَ يَسْتَقْبِلُ بِصَلاتِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتّى قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، ما دَرَوْا أيْنَ قِبْلَتُهم حَتّى هَدَيْناهُمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، فَتَكَلَّمَتِ اليَهُودُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، فَأباحَ لَهم أنْ يَتَوَجَّهُوا بِصَلاتِهِمْ حَيْثُ شاءُوا مِن نَواحِي المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ التَّطَوُّعِ لِلسّائِرِ حَيْثُ تَوَجَّهَ، ولِلْخائِفِ حَيْثُ تَمَكَّنَ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ أنْ تُصَلِّيَ أيْنَما تَوَجَّهَتْ بِكَ راحِلَتُكَ في السَّفَرِ تَطَوُّعًا، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا رَجَعَ مِن مَكَّةَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا، يُومِئُ بِرَأْسِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ.
» والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ، فِيمَن خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ، ولَمْ يَعْرِفُوا جِهَتَها، فَصَلَّوْا إلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
رَوى عاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأحْجارَ، فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ، فَلَمّا أصْبَحْنا إذا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنا إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
» والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، ورَوى أبُو قَتادَةَ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ: (إنَّ أخاكُمُ النَّجاشِيَّ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ قالُوا: نُصَلِّي عَلى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ قالُوا: فَإنَّهُ كانَ لا يُصَلِّي إلى القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ )» والسّادِسُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالُوا إلى أيْنَ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ » [البَقَرَةِ: ١١٥] .
والسّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ وحَيْثُما كُنْتُمْ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ، فَلَكم قِبْلَةٌ تَسْتَقْبِلُونَها، يَعْنِي جِهَةً إلى الكَعْبَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَيَجِيءُ مِن هَذا الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ.
والثّانِي: فَثَمَّ اللَّهُ تَعالى، ويَكُونُ الوَجْهُ عِبارَةٌ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ .
وأمّا ( ثَمَّ ) فَهو لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ في الإشارَةِ إلى مَكانٍ، فَإنْ كانَ قَرِيبًا قِيلَ: (هُنا زَيْدٌ)، وإنْ كانَ بَعِيدًا قِيلَ: (هُناكَ زَيْدٌ) .
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «أوّل ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر والله أعلم شأن القبلة.
قال الله تعالى ﴿ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق ونسخها.
فقال: ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك ﴾ [ البقرة: 149] الآية» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ قال: «كان الناس يصلون قبل بيت المقدس، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره، وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به، فنسختها قبل الكعبة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوّعاً أينما توجهت به، ثم قرأ ابن عمر هذه الآية ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ وقال ابن عمر: في هذا نزلت هذه الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿ أينما تولوا فثم وجه الله ﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوّع.
وأخرج البخاري والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهاً قبل المشرق تطوّعاً.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن جابر بن عبدالله «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوّع بالصلاة استقبل بناقته القبلة وكبر، ثم صلى حيث توجهت الناقة» .
وأخرج أبو داود والطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وضعفه وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم والعقيلي وضعفه والدارقطني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عامر بن ربيعة قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً فيصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله: ﴿ ولله المشرق والمغرب...
﴾ الآية.
فقال مضت صلاتكم» .
وأخرج الدارقطني وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: القبلة هاهنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطاً.
وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب، فصلوا وخطوا خطاً.
فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم؟
فسكت، فأنزل الله: ﴿ ولله المشرق والمغرب...
﴾ الآية» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء «أن قوماً عميت عليهم القبلة، فصلى كل إنسان منهم إلى ناحية، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فأنزل الله: ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريه فأصابتهم ضبابه فلم يهتدوا إلى القبله فصلوا لغير القبله، ثم استبان لهم بعدما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبله، فلما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه، فأنزل الله: ﴿ ولله المشرق والمغرب...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخا لكم قد مات- يعني النجاشي- فصلوا عليه «قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم...
!
فأنزل الله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله...
﴾ [ آل عمران: 199] .
قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: ﴿ ولله المشرق والمغرب...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] قالوا: إلى أين؟
فأنزلت ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في سننه عن مجاهد ﴿ فثم وجه الله ﴾ قال: قبلة الله، فأينما كنتم في شرق أو غرب فاستقبلوها.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن قتادة في هذه الآية قال: هي منسوخة نسخها قوله تعالى ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [ البقرة: 149] أي تلقاءه.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجهت قبل البيت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وللهِ المشَرِقُ وَالمغَرِبُ ﴾ ارتفع المشرق من جهتين: إحداهما: الابتداء، والأخرى: بالفعل الذي ينوب عنه اللام (١) (٢) قال ابن عباس: نزلت الآية في نفر من أصحاب النبي خرجوا في سفر فأصابَهم الضَّبابُ، وحضرت الصلاةُ فتحرَّوا القبلةَ، وصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما ذهب الضباب استبان أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله عن ذلك، فنزلت هذه الآية (٣) وقال ابن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلي حيثما توجهت به راحلته تطوعًا (٤) وروى أن النبى - - كان يصلى على راحلته فى السفر حيثما توجهت به (٥) وقال عكرمة وأبو العالية: نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود عيّرت المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس، فأنزل الله هذه الآية جوابًا لهم (٦) قوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا ﴾ أي: وجوهَكم، فحذف المفعول (٧) ومعنى ﴿ تُوَلُّوُا وُجُوهَكُم ﴾ : تجعلونها تليه، ونذكر معنى هذا الحرف عند قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَثَمَّ ﴾ قال أبو إسحاق: (ثَمّ) بُني على الفتح لالتقاء الساكنين، وثَمَّ في المكان: إشارة، بمنزلة هناك (٨) (٩) قال أبو علي الفارسي: المبني على ضربين: مبني على حركة، ومبني على سكون، والمبني على الحركة على ضربين: أحدهما: ما يكون بناؤه على الحركة، لتمكّنه قبل حاله المفضية إلى بنائه (١٠) والآخر: ما يكون بناؤه على الحركةِ لالتقاء الساكنين، نحو: كيف، وأين، وأيان، وثم، وأولاء، وحذارِ، ومنذ.
وكل هذه الأسماء المبنيات مع اختلافها فالعلة الموجبة لبنائها مشابهتها الحروف، ومضارعتها لها، ولذلك بني هذا الاسم أيضا لا للإبهام، لأن الإبهام لا يوجب البناء.
ألا ترى أن قولنا: (شيء) من أعمّ ما يتكلم به وأبهمه، وهو معرب غير مبني، و (مكان) أَبْهَمُ من قولنا: ثم؛ لأنه للداني والقاصي (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ قال أكثر المفسرين (١٤) ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ، والمعنى: فثم الله يَعْلَمُ وَيرَى (١٥) ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ و ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ﴾ و ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ .
وهذا قول الكلبي (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) ربَّ العبادِ إليه (٢٥) (٢٦) ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أي: جهة الله (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ الواسع في صفة الله تعالى على ثلاثة أوجه (٣٠) أحدها: أنه واسع بإفضاله على خلقه، واحتماله مسائل عباده، وأنه لا يُكرِثه (٣١) (٣٢) أُعطيهم الجَهْدَ مني بَلْهَ ما أسِعُ وهذا معنى قول الفراء (٣٣) (٣٤) الثاني: أنه يُوَسِّع على عباده في دينهم، ولا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه، فهو واسعُ الرَّحمة، واسع الشريعةِ بالترخيص لهم في التوجهٍ إلى أي جهة أدَّى إليها اجتهادهم عند خفاء الأدلة (٣٥) الثالث: أنه يسع علمَ كلِّ شيء، ويسع علمُه كلَّ شيء، كقوله: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ أي: علمه (٣٦) ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ .
وقال ابن عباس في بعض الروايات: إن هذه الآية نزلت في النجاشي (٣٧) فقال: "إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه"، ثم صلى رسول الله بأصحابه عليه، فقال أصحابه في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات وهو يصلي لغير قبلتنا؟، وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فأنزل الله تعالى هذا الآية (٣٨) ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ ﴾ للنجاشي في قبلته، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما قبله (٣٩) (١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 197.
(٢) "تفسير الطبري" 1/ 501.
(٣) أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، كما في "ابن كثير" 1/ 169، وذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 151، والثعلبي 1/ 1128، والسيوطي في "لباب النقول" ص 23، وفي "الدر المنثور" 1/ 205، وعزاه إلى ابن مردويه، وضعف إسناده.
وقد ذكر ابن كثير في "تفسيره" روايات كثيرة في هذا ثم قال: وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضًا.
(٤) أخرجه مسلم (700/ 34 - 35 - 36) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به.
(٥) أخرجه البخاري (400) في الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم (700) صلاة المسافرين، باب جواز النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت.
(٦) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1132وعنه البغوي 1/ 140، والخازن 1/ 99، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 502 - 503، "الوسيط" 1/ 194.
وقد ذكر الثعلبي 1/ 1132، والواحدي في "أسباب النزول" ص 42، والحافظ في "العجاب" 1/ 364 سببين آخرين غير ما ذكر.
وقال في "البحر المحيط" 1/ 360: وهذه أقوال كثيرة في سبب نزول الآية وظاهرها التعارض، ولا ينبغي أن يقبل منها إلا ما صح، وقد شحن المفسرون كتبهم بنقلها، وقد صنف الواحدي في ذلك كتابًا قلَّما يصح فيه شيء، وكان ينبغي أن لا يشتغل بنقل ذلك إلا ما صح.
(٧) ينظر: "الوسيط" 1/ 194.
(٨) في "معاني القرآن": هنا زيد.
(٩) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 197، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 505، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 208.
(١٠) في "الإغفال": في حالة المفضية به إلى البناء.
(١١) في "الإغفال": ومكان أبهم من قولنا ثم وكذلك؛ لأنهما يقعان على المواضع الدانية والقاصية.
(١٢) في (ش): (معروف معهود).
(١٣) "الإغفال" 383 - 385 بتصرف واختصار.
(١٤) بين شيخ الإسلام في "الفتاوى" 2/ 428 أن جمهور السلف على القول بأن المعنى: فثم قبلة الله ووجهة الله.
(١٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 198.
(١٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1134 وعنه البغوي 1/ 140.
(١٧) يعني ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 254، وقد نُسِب هذا القول لابن عباس كما في "زاد المسير" 1/ 134 - 135، "القرطبي" 2/ 75، "البحر المحيط" 1/ 361، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 506، "تفسير الثعلبي" 1/ 1134.
(١٨) في (ش): (ومسلم).
(١٩) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 212، "الثعلبي"، 1/ 1134، "البغوي" 1/ 140، "زاد المسير" 1/ 135.
(٢٠) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة البقرة 5/ 206، الطبري في "تفسيره" 1/ 506، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 212 (1122)، والبيهقي في سننه 2/ 13.
(٢١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 502، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 212، الثعلبي 1/ 1134، البغوي 1/ 140، وينظر: "ابن كثير" 1/ 168.
(٢٢) أي: ابن حيان، ذكره عنه "الثعلبي" 1/ 1134 وعنه البغوي 1/ 140.
(٢٣) أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" هذا القول عن ابن عباس 1/ 212، وينظر في هذا القول: "الطبري" 1/ 506، "تفسير الثعلبي" 1/ 1134، السمعاني 2/ 26، "زاد المسير" 1/ 135، القرطبي 2/ 75، الخازن 1/ 99.
(٢٤) ينظر: "اللسان" 4775 (وجه).
(٢٥) في (ش): وإليه.
(٢٦) وصدر البيت: أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحْصِيه == هذا البيت من شواهد سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها.
ينظر: "الكتاب" 1/ 37، و"الخزانة" 3/ 111، و"أدب الكاتب" 419، و"الفراء" 1/ 233، القرطبي 2/ 75 و"مجموع الفتاوى" 2/ 428 والرازي في "تفسيره" 4/ 22، "البحر المحيط" 1/ 361، "لسان العرب" 6/ 3274 (ماده: غفر).
"المعجم المفصل" 6/ 279.
والذنب هنا اسم جنس بمعنى الجمع؛ فلذا قال: لستُ محصيه، وأراد: من ذنبٍ.
والوجه: القصد والمراد.
(٢٧) ساقطة من (أ)، (م).
(٢٨) هذه الآية مما تنازع فيه الناس، هل هي من آيات الصفات أو لا؟
قولان: فمنهم من عدها في آيات الصفات وجعلها من الآيات الدالة على إثبات صفة الوجه لله واستدلوا على ذلك بقول النبي : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجهه" رواه البخاري (406) كتاب الصلاة، باب: حك البزاق باليد ومسلم (547) كتاب المساجد، باب: النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، وبقوله "لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه، فإذا انصرف صرف وجهه عنه".
وممن قرر ذلك: "ابن خزيمة" كما في "مجموع الفتاوى" 6/ 16 وبهذا فسرها السعدي في "تفسيره" ص 45 وابن عثيمين في "شرح العقيدة الواسطية" 1/ 289 (ط.
ابن الجوزي).
وقال آخرون: إن المراد بالوجه هنا الجهة كما نقل عن مجاهد والشافعي ونصره شيخ الإسلام في "الفتاوى" 6/ 16، 3/ 193و 2/ 428 بل قال في 3/ 193: من عدها في آيات الصفات فقد غلط كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريده؟
أي: أي جهة ..
ولهذا قال: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أي: تستقبلوا وتتوجهوا والله أعلم.
اهـ.
وقال في 6/ 16: ولكن من الناس من يسلِّم أن المراد بذلك وجه الله: أي قبلة الله، ولكن يقول: هذه == الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث ...
ويقول: إن الآية دلت على المعنيين، فهذا شيء آخر، ليس هذا موضعه.
وقد بيَّن الشيخ ابن عثيمين في "شرح الواسطية" 1/ 290: أن الأول صحيح موافق لظاهر الآية، وأن الثاني لا يخالف الأول في الواقع، فإذا قلنا: فثم جهة الله، وكان هناك دليل سواء كان هذا الدليل تفسير الآية الثانية في الوجه الثاني، أوكان الدليل ما جاءت به السنة، فإنك إذا توجهت إلى الله في صلاتك، فهي جهة الله التي يقبل الله صلاتك إليها، فثم أيضًا وجه الله حقًا، وحينئذٍ يكون المعنيان لا يتنافيان.
اهـ.
هذا وقد نبه شيخ الإسلام على أمرٍ مهم فقال في "الفتاوى" 6/ 17: والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه، الذي ينكره منكرو آيات الصفات، ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة، فإن هذا المعنى صحيح في نفسه، والآية دالة عليه، وإن كانت على ثبوت صفة فذاك شيء آخر، ويبقى دلالة قولهم ﴿ فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ ﴾ على: فَثَّمَّ قبلة الله، هل هو من باب تسمية القبلة وجهًا باعتبار أن الوجه والجهة واحد، أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله؟
فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها.
(٢٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1134.
(٣٠) ينظر تفصيل ذلك في: "البحر المحيط" 1/ 361.
(٣١) في (أ): (لا يكونه).
(٣٢) "تفسير الطبري" 1/ 506.
(٣٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1136 وعنه البغوي 1/ 140.
(٣٤) في "مجاز القرآن" 1/ 51.
(٣٥) "الوسيط" 1/ 194.
(٣٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1136 سيأتي الرد على هذا القول موسعًا عند آية الكرسي.
(٣٧) هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي لقبه، قال ابن عيينة: أصحمة بالعربية عطية، هو ملك الحبشة الذي أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة، وأحسن استقبالهم وأسلم ولم يهاجر وليست له رؤية فهو تابعي من وجه، وصاحب من وجه، وقد توفي في حياة النبي .
ينظر: "الإصابة" 1/ 109، و"تفسير عبد الرزاق" 1/ 144 و"السير" 1/ 428.
(٣٨) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 41 ونقله عنه في: "العجاب" 1/ 364، من قول ابن عباس في رواية عطاء، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1332 عن عطاء وقتاده، وأخرجه الطبري في "تفسيره" ط.
شاكر 2/ 532 - 533، مختصرًا عن == قتادة، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 170 عن ابن جرير وقال: وهذا غريب، وقال أحمد شاكر: هو حديث ضعيف، لأنه مرسل، وسياقه يدل على ضعفه ونكارته.
(٣٩) قوله: عليم بما قبله ..
ساقطة من (أ)، (م).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ ﴾ في الحديث الصحيح أنهم صلوا ليلة في سفر إلى غير القبلة بسبب الظلمة فنزلت، وقيل: هي في نفل المسافر حيث ما توجهت به دابته، وقيل: هي راجعة إلى ما قبلها: أي إن منعتم من مساجد الله فصلوا حيث كنتم، وقيل؛ إنها احتجاج على من أنكر تحويل القبلة، فهي كقوله بعد هذا: قل ﴿ وَللَّهِ المشرق والمغرب ﴾ الآية، والقول الأوّل هو الصحيح، ويؤخذ منه أن من أخطأ القبلة، فلا تجب عليه الإعادة، وهو مذهب مالك ﴿ وَجْهُ الله ﴾ المراد به هنا رضاه كقوله: ﴿ ابتغآء وَجْهِ الله ﴾ [البقرة: 272] أي رضاه، وقيل: معناه الجهة التي وجه إليها، وأما قوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88] ﴿ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ [الرحمن: 27] فهو من المتشابه الذي يجب التسليم له من غير تكييف، ويردّ علمه إلى الله، وقال الأصوليون: هو عبارة عن الذات أو عن الوجود، وقال بعضهم: هو صفة ثابتة بالسمع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قالوا اتخذ الله ﴾ بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله ﴿ كن فيكون الحق ﴾ في آل عمران، و ﴿ كن فيكون قوله الحق ﴾ في الأنعام.
وافقه الكسائي في النحل ويس.
الوقوف: ﴿ خرابها ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿ خائفين ﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ وجه الله ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه) ﴿ وإذا ﴾ (لا) تعجيلاً للتنزيه { } (ط) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن ما بعده مبتدأ ﴿ قانتون ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿ فيكون ﴾ (ه) ﴿ آية ﴾ (ط) ﴿ قلوبهم ﴾ (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿ يوقنون ﴾ (ه).
التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم.
وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى.
ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان.
وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام.
وقيل: المراد منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.
ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين.
هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟
وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و ﴿ أن يذكر ﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من ﴿ مساجد ﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.
وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟
ومثله ﴿ ويل لكل همزة لمزة ﴾ والمنزول فيه الأخنس بن شريق.
وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه.
وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة.
فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ ما كان لهم ﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿ أن يدخلوها ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إلا خائفين ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.
والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.
وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا.
وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك.
وأمر النبي بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين.
وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة.
وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ﴾ فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد.
وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ .
وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد.
وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿ خزي ﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر.
وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿ وأن المساجد لله ﴾ بلام الاختصاص ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴾ وقال "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.
(الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه قال "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" وقال لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "دياركم تكتب آثاركم" (الثالثة) في تزيين المساجد.
عن ابن عباس أن النبي قال: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى.
التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه.
وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.
(الرابعة) في تحية المسجد.
عن أبي قتادة أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق.
وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
(الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.
روت فاطمة بنت رسول الله عن أبيها قالت: كان رسول الله إذا دخل المسجد صلى على محمد وقال: " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " .
(السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث" (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً.
عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً.
ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.
(الثامنة) النوم في المسجد.
عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى.
وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه نهى عنه وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله" (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد.
عن أنس عن النبي قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وعنه "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه" (العاشرة) عن جابر أنه قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وعنه "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.
وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.
قوله عز من قائل ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله ، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم.
وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً ﴾ فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟
ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة.
وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء.
وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا.
وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة.
وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة.
فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة.
فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة.
وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في ﴿ تولوا ﴾ للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم.
عن قتادة أن النبي قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ " [آل عمران: 199] الآية.
فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي.
فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ قالوا: أين ندعوه؟
فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ﴿ فولوا وجوهكم شطره ﴾ فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله "جعلت لي الأرض مسجداً" وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب.
ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها.
ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى المكان خاصة.
وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام.
والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ﴾ أو المراد فثم مرضاة الله مثل ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله ﴾ فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً.
و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟
فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم.
قوله ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وفي قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ كما مر.
والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله { } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بل له ما في السموات والأرض ﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح.
والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟
اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.
وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿ كل له قانتون ﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين.
وقوله ﴿ بل له ما في السموات ﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء.
وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿ قانتون ﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل.
يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه.
فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟
فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟
وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت ﴿ بديع ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿ السموات والأرض ﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.
وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه بين كيفية إبداعه فقال: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع.
قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا *** داود أو صنـع السـوابـغ تبـع ثم من قرأ ﴿ فيكون ﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه.
قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له.
فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى.
فإن قلت: إن قوله ﴿ فيكون ﴾ لما كان من تتمة المقول.
فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿ أمراً ﴾ وفي قوله ﴿ له ﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك.
وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله ﴿ كن ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه.
(الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة.
(الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿ كن ﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿ كن ﴾ ، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ ﴿ كن ﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ ﴿ كن ﴾ ولا نزاع في اللفظ.
(الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا.
(السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل.
وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم.
وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ يعني الجهلة من المشركين.
وقيل: من أهل الكتاب أيضاً.
ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.
فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة.
ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟
فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟
وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله بقوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ من مكذبي الرسل ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ﴿ أتواصوا به ﴾ فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ﴿ لن نصبر على طعام واحد ﴾ ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ } [النساء: 153] ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون ﴿ قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ ﴿ قد بينا الآيات لقوم ﴾ يفقهون فـ ﴿ يوقنون ﴾ أنها آيات.
فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم.
التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد.
فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة.
وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿ أولئك ما كان لهم ﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ من ذل الحجاب ﴿ ولهم في الآخرة عذاب ﴾ الحرمان من جوار الله.
﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء.
وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ﴿ إن الله واسع ﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿ عليم ﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ .
يقول: لا أَحد أَظلم لنفسه، ولا أوضع لها.
وقوله: ﴿ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: مساجد الله: الأَرض كلها؛ لأَن الأَرض كلها مساجد الله؛ كقوله : "جُعِلَت لي الأَرض مسجداً وطَهوراً" منع أَهلُ الكفر أَهلَ الإسلام أَن يذكروا فيها اسم الله، وأَن يُظهروا فيها دينه.
قوله: ﴿ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ ﴾ .
وهو كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .
ويخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ ﴾ .
أي: لا يدخلون البلدان والأَمصار إلا بالخوف، أَو بالعهد؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ وهو العهد.
ويحتمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ ﴾ : ما كان ينبغي لهم - بما عليهم من حق الله، وتعظيمه - أَن يدخلوا المساجد إلا خائفين وجلين؛ لما كانت هي بقاع اتخذت لعبادة الله، ونسبت إليه تعظيماً لها؛ فدخلوا مخرِّبين لها، مانعين أَهلها من عبادة الله فيها.
وقيل: مساجد الله: المسجد الحرام.
وذلك أَنهم حالوا بينها وبين دخول محمد وأَصحابه فيها، حتى رجعوا من عامهم ذلك.
ثم فتح الله - عز وجل - مكة لهم، فصار لا يدخلها مشرك إلا خائفاً؛ كقوله - عز وجل: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ .
وقيل: أراد بمساجد الله: بيت المقدس؛ قيل: إن النصارى استعانوا ببُختنصَّر وهو رئيس المجوس، حتى خربوا المساجد، وقتلوا من فيها من أَهل الإسلام، ثم بنى أَهل الإسلام - بعد ذلك بزمان - مساجد، فكان لا يدخل نصراني فيها إلا خائفاً، مستخفياً.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .
قيل: الخزي: الجزية.
ويحتمل القتال، ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: إن رهطاً من أَصحاب رسول الله انطلقوا سَفْراً، وذلك قبل أن تُصرف القبلة إلى الكعبة، فحضر وقت الصلاة، فاشتبه عليهم، فتحرَّوْا: فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب؛ صلوا إلى جهات مختلفة، فلما بان لهم ذلك قدموا على رسول الله صلى الله وسلم، فسأَلوا عن ذلك؛ فنزلت الآية فيهم ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ .
وهذا يردُّ على الشافعي قولَه: لأَنه يقول: إنْ صلى إلى جهة القبلة يجوز، وإلا فلا.
وليس في الآية ذكر جهةٍ دون جهةٍ، بل فيها ذكر المشرق والمغرب، وكذلك في الخبر ذكر المشرق والمغرب؛ فخرج قوله على ظاهر الآية، وهذا عندنا في الاشتباه والتحري، وأَما عند القصد فهو قوله: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .
ورُوِي عن ابن عمر - - أن قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ...
﴾ الآية، نزلت في النوافل في الأسفار.
ولكن عندنا على ما ذكرنا في الكل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: ثم وجه الله، يعني: ثَمَّ ما قصدتم وجه الله.
وقيل: ثَمَّ قِبْلَةُ الله.
وقيل: ثَمَّ وجهُ الله: ثم الله.
على ما ذكرنا من جواز التكلم بالوجه على إرادة الذات، أي: ليس هو عنهم بغائب.
وقيل: ثَمَّ رضاء الله.
وقيل: ثم ما ابتغيتم به وجه الله.
وقيل فيه: ثم وجه الذي وجهكم إليه إذا لم يجىء منكم التقصير، كما قال رسول الله في أكل الناسي: "إنما أَطعمك الله وسقاك" وقيل فيه: ثم بلوغكم ما قصدتم بفعل الصلاة ن وجه الله ورضائه، أي: ظفرتم به.
ثم الغرض في القبلة ليس إصابة عينها، ولكن أَغلب الظن، وأَكبر الرأْي؛ لأَنه ليس لنا إلى إصابة عينها سبيلٌ؛ إذ سبيل معرفتها بالاجتهاد، لا باليقين والإحاطة، ليس كالمياه والأَثواب وغيرها من الأَشياء؛ لأَن هذه الأَشياء في الأَصل طاهرة، والنجاسة عارضة فيظفر بأَعينها على ما هي في الأَصل.
وأَما أَمر القبلة فإنما بني على الاجتهاد والقصد، دون إصابة عينها.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل: الواسع: الغنيُّ.
وقيل: الواسع: الجواد، حيث جاد عليهم بقبول ما ابتغوا به وجه الله، وحيث وسع عليهم أَمر القبلة.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما قصدوا ونَوَرْوا.
<div class="verse-tafsir"
ولله ملك المشرق والمغرب وما بينهما، يَأمُر عباده بما شاء، فحيثما تتوجهون فإنكم تستقبلون الله تعالى، فإنْ أمركم باستقبال بيت المقدس أو الكعبة، أو أخطأتم في القبلة، أو شق عليكم استقبالها؛ فلا حرج عليكم؛ لأن الجهات كلها لله تعالى، إن الله واسع يسع خلقه برحمته وتيسيره، عليم بنياتهم وأفعالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.M8g9e"
الكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾ الآية فيه وجوه: (أحدها): أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة وهي دخول "تيطس" الروماني بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح قد أوعد اليهود بذلك.
وقال بعض المفسرين إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.
ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية ولكنني أعلم أن المسيحيين على قتلهم وتشتتهم واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى "رومية" وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقامًا منهم وتحقيقًا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين -وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء- لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين.
فهذه قرائن ترجع أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.
ومن الغريب أن ابن جرير قال في تفسيره إن الآية في اتحاد المسيحيين مع "بختنصر" البابلي على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بست مئة وثلاث وثلاثين سنة.
ولو لم يكن مؤرخًا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة "أردينال" الروماني الذي جاء بعد المسيح بمئة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلًا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة وجعل جزاء من يدخلها القتل، فلذلك كان اليهود يسمونه "بختنصر الثاني" لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده.
ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرًا للمؤرخ.
(الثاني): ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.
واعترض هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم..
ويصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.
ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبح.
(الثالث): إن الكلام في أهل الكتاب وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع، ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرًا من المساجد.
(الرابع): وهو مبني أيضًا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع أن المراد بها حادثة القرامطة الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها وهدموا كثيرًا من المساجد.
كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم إنهم ليسوا على شيء من الدين وطعن النصارى في اليهود كذلك وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب إنهم قالوا مثل قولهم لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين فأنبأ الله تعالى بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين فإنهم استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد وعاثوا في الأرض فسادًا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.
وسواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدًا للذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق، هي على كل حال ناطقة بوجوب احترام كل معبد يذكر فيه اسم الله تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد، وبالحكم على الذين يصدون الناس عنها ويسعون في خرابها -أي هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة الله فيها- بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار، لأن المنع من ذكر الله تعالى وإبطال شعائر المعابد التي تذكر به وتشعر القلوب عظمته انتهاك لحرمة الدين يفضي إلى نسيان الناس الرقيب المهيمن عليهم فيمسون كالهمل وتفشو فيهم المنكرات والفواحش، وانتهاك الحرمات، وهضم الحقوق، وسفك الدماء، وعبادة الله تعالى بذكره والصلاة له تنهى بطبيعتها عن الفحشاء والمنكر، ولا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب.
فمن علم بهذه البدع فعليه أن ينكرها ويسعى في إزالتها ولا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا إليه.
وهذا هو السر في حكم الشريعة الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب وبيعهم وصوامعهم وعبادهم واحترام معابد الذين لهم شبهة كتاب أيضًا كالمجوس، أما الصابئون فهم من أهل الكتاب.
وأما الوثنيون الخلص الذين اختاروا من دون الله أولياء ويبنون المساجد لذكر غيره والتقرب إلى سواه فهؤلاء لم يتعرض لذكرهم ولم يتوعد من يمنعهم من سخفهم.
ثم قال تعالى في شأن المعتدين على المساجد ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾ أي فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على أمر إلا بعد النظر فيه والعلم بدرجة نفعه أو ضره.
وما كانت عبادة الله تعالى إلا نافعة وما كان تركها إلا ضارًا.
وما عساه يوجد في عبادات الأمم من الخرافات الضارة فإنما المكروه منه ما فيه مما يبعد عن عبادة الله تعالى ويوقع في إشراك غيره فيها.
على أن العبادة الممزوجة بنزغات الوثنية، أهون من التعطيل القاضي بالجحود المطلق، ولذلك توعد الله تعالى أولئك المعتدين الظالمين بقوله ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان وناهيك بظلم يحل القيود، ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات، ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولًا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين.
ثم قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ ذهب المفسر (الجلال) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها وقال في قوله ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أي أي مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر الله بأن يتوجه إليها.
ووجه هذا الرأي أن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ولما كان سبحانه منزهًا عن المادة والجهة استقباله بهذا المعنى مستحيلًا شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عباداتهم إياه وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى.
وهذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ ﴾ إلخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال (الجلال) في تفسير المشرق والمغرب: قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ولذلك خصهما بالذكر فهو كقوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ وهو يستلزم ما قاله"الجلال"فإن المراد على كل حال: أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى الله تعالى لأن كل الجهات له ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ ﴾ لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان ﴿ عَلِيمُ ﴾ بالمتوجه إليه أينما كان أي فاعبد الله حيثما كنت، وتوجه إليه أينما حللت، ولا تتقيد بالأمكنة فإن معبودك غير مقيد.
ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فإن فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة لله تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة لأنه إبطال لها بالمرة إذ لا تصح إلا في تلك المواضع، فهذه الآية تنفي ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن الله تعالى لا تحدده الجهات، ولا تحصره الأمكنة، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعابد، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات الله وإبطال نوع من أنواع عبادته وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعابد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم.
وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام فإنك لترى فيه فنونًا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام، تقرأ الآية في حكم من الأحكام، أو عظة من المواعظ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر، فتراها مستقلة بالبيان، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهمًا، أو تممت حكمًا، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام، فإن القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم، وتنفعل له قلوبهم، وتهتز له نفوسهم، وتتحرك به أريحتهم، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب الجديدة، على أن ملكتهم في حسن البيان، قد ارتقت بعد نزول القرآن.
وسنعطي هذا الموضوع حقه من البيان في موضع تكون مناسبته أقوى من هذه المناسبة.
ثم عاد الكتاب إلى النسق السابق في تعداد مخازي أهل الكتاب والمشركين بعد ما ذكر من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ما ذكر وبين أن يعبد في كل مكان فقال ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ فهذا عطف على قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ قوله ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ إلخ ويصح أن ينسب هذا إلى اليهود والنصارى والذين لا يعلمون جميعًا وإلى فرقة واحدة منهم.
ووجه العموم أن الله تعالى أخبرنا في مواضع من كتابه بأن اليهود قالت: عزير ابن الله: وأن النصارى قالت: المسيح ابن الله: وأن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
ولا فرق في الأحكام التي تسند إلى الأمم بين كونها صدرت من جميع أفراد الأمة أو صدرت من بعضهم فإن مثل هذا الإسناد منبئ بتكافل الأمم كما تقدم غير مرة.
وقد نقل أن كلمة: عزير ابن الله: قالها بعض اليهود لا كلهم، وكذلك اعتقاد كون الملائكة بنات الله لم يكن عامًا في مشركي العرب وإنما عرف عن بعضهم.
ثم رد على مدعي اتخاذ الولد بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ نزه تعالى نفسه بكلمة ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ التي تفيد التنزيه، مع التعجب مما ينافيه، كأن الذي يعرفه تعالى لا ينبغي أن يصدر عنه مثل هذا القول الذي يشعر بأن له تعالى جنسًا يماثله، فإن قائل ذلك لا يكون على علم بالله تعالى وإنما يكون زاعمًا فيه المزاعم وظانًا فيه الظنون، أي تنزيهًا له أن يكون له ولد كما زعم هؤلاء الجاهلون الظانون بالله غير الحق، فإنه لا جنس له فيكون له ولد منه، وهذا الولد الذي نسبوه إليه تعالى لا بد أن يكون من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلي وهو الأرض، ولا يصلح شيء منهما أن يكون متجانسًا له ، لأن جميع ما في السموات والأرض ملك له قانت لعزته وجلاله، أي خاضع لقهره مسخر لمشيئته، فإذا كانوا سواء في كونهم مسخرين له بفطرتهم، منقادين لإرادته بطبيعتهم واستعدادهم، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب إليه وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي، ولكن هذا التخصيص لا يرتقي بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لمن شاء منه ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ، وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلًا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن الله أو هو الله.
وقد غَلَّب في المِلْكِيَّة ما لا يَعْقِل فقال ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ إلخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره.
ويستوي في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ولكنه في غير العاقل أظهر، ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغَلِّب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به.
وجملة القول أن الآية ناطقة بأن ما في السموات والأرض ملك لله تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبًا في غير العاقل وهي كلمة ﴿ مَا ﴾ لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بما لا يعقل، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفًا.
وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.
ثم زاد هذين الحكمين بيانًا وتأكيدًا فقال ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال المفسرون إن البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي "أبدع"، واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدي كرب جاء فيه (سميع) بمعنى مسمع، وقالوا قد تعاقب فعيل ومفعل في حروف كثيرة كحكيم ومحكم وقعيد ومقعد وسخين ومسخن.
وقالوا إن الإبداع هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سبق وهو لا يقتضي سبق المادة، وأما الخلق فمعناه التقدير وهو يقتضي شيئًا موجودًا يقع فيه التقدير.
وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض والمخترع لهما والموجد لجميع ما فيهما فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه جنس له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وكان الأصمعي ينكر فعيلًا بمعنى مفعل لأن القياس بناؤه من الثلاثي ويقول إن بديعًا صفة مشبهة بمعنى لا نظير له، وبديع السموات معناه البديعة سمواته وفي هذا الترك ترك للقياس الذي قضى في الصفة المشبهة التي تضاف إلى الفاعل أن تكون متضمنة ضميرًا يعود على الموصوف، والحق أن تحكيم القياس فيما يثبت من كلام العرب تحكيم جائر، فما كان للدخيل في القوم أن يعمد إلى طائفة من كلامهم فيضع لها قانونًا يبطل به كلامًا آخر ثبت عنهم ويعده خارجًا عن لغتهم بعد ثبوت نطقهم به.
فإذا كان كل واحد من الوجهين صحيح المعنى، حكمنا بصحة كل منهما، والأول أظهر، وشواهده المسموعة أكثر.
وأما قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودًا، فكن ويكون من كان التامة.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده كأمر يصدر فيعقبه الامتثال فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.
وقال بعضهم بل هو قول حقيقي.
وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين في المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع النقلي إلى العقلي لأنه الأصل وههنا يقولون إن الأمر بمعنى تعلق الإرادة وأن معنى ﴿ يَكُونُ ﴾ يوجد.
ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول، وذلك ما لا مطمع فيه.
وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقربه من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق من هذا التعبير يقول للشيء: ﴿ كُنْ ﴾ فيكون، فالتوالد محال في جانبه تعالى، لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقتين: الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه، كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه.
وإذا كان كل واحد من الأمرين محالًا على الله تعالى، وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكة مسخرة لإرادته، فلا معنى لإضافة الولد إليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
<div class="verse-tafsir"