الآية ١١٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٤ من سورة البقرة

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين : أحدهما : ما رواه العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) قال : هم النصارى .

وقال مجاهد : هم النصارى ، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( وسعى في خرابها ) هو بختنصر وأصحابه ، خرب بيت المقدس ، وأعانه على ذلك النصارى .

وقال سعيد ، عن قتادة : قال : أولئك أعداء الله النصارى ، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس .

وقال السدي : كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا .

وروي نحوه عن الحسن البصري .

القول الثاني : ما رواه ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ) قال : هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ، وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم ، وقال لهم : ما كان أحد يصد عن هذا البيت ، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده .

فقالوا : لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق .

وفي قوله : ( وسعى في خرابها ) قال : إذ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن سلمة قال : قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن قريشا منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام ، فأنزل الله : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) ثم اختار ابن جرير القول الأول ، واحتج بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة .

وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس .

قلت : الذي يظهر والله أعلم القول الثاني ، كما قاله ابن زيد ، وروي عن ابن عباس ; لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس ، كأن دينهم أقوم من دين اليهود ، وكانوا أقرب منهم ، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك ; لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .

وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى ، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة ، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام ، وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ، فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟

أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم ، كما قال تعالى : ( وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) [ الأنفال : 34 ] ، وقال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) [ التوبة : 17 ، 18 ] ، وقال تعالى : ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) [ الفتح : 25 ] ، فقال تعالى : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) [ التوبة : 18 ] ، فإذا كان من هو كذلك مطرودا منها مصدودا عنها ، فأي خراب لها أعظم من ذلك ؟

وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط ، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها ، ورفعها عن الدنس والشرك .

وقوله تعالى : ( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) هذا خبر معناه الطلب ، أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية .

ولهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى : " ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته " .

وهذا كان تصديقا وعملا بقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) الآية [ التوبة : 28 ] ، وقال بعضهم : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب ، وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها .

والمعنى : ما كان الحق والواجب إلا ذلك ، لولا ظلم الكفرة وغيرهم .

وقيل : إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا ، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم .

وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام ، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان ، وأن تجلى اليهود والنصارى منها ، ولله الحمد والمنة .

وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة [ المباركة ] التي بعث [ الله ] فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا صلوات الله وسلامه عليه .

وهذا هو الخزي لهم في الدنيا ; لأن الجزاء من جنس العمل .

فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام ، صدوا عنه ، وكما أجلوهم من مكة أجلوا منها ( ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) على ما انتهكوا من حرمة البيت ، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله ، والدعاء إلى غير الله عنده والطواف به عريا ، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله .

وأما من فسر بيت المقدس ، فقال كعب الأحبار : إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل عليه : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) الآية ، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا .

وقال السدي : فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه ، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها .

وقال قتادة : لا يدخلون المساجد إلا مسارقة .

قلت : وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس ، بامتهان الصخرة التي كانت يصلي إليها اليهود ، عوقبوا شرعا وقدرا بالذلة فيه ، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم .

وفسر هؤلاء الخزي من الدنيا ، بخروج المهدي عند السدي ، وعكرمة ، ووائل بن داود .

وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون .

والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله ، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد : حدثنا الهيثم بن خارجة ، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس سمعت أبي يحدث ، عن بسر بن أرطاة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : " اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة " .

وهذا حديث حسن ، وليس في شيء من الكتب الستة ، وليس لصحابيه وهو بسر بن أرطاة ويقال : ابن أبي أرطاة حديث سواه ، وسوى [ حديث ] " لا تقطع الأيدي في الغزو " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

(3) وتأويل قوله: (ومن أظلم) ، وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره ، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها؟

* * * و " المساجد " جمع مسجد: وهو كل موضع عبد الله فيه.

وقد بينا معنى السجود فيما مضى.

(4) فمعنى " المسجد ": الموضع الذي يسجد لله فيه ، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه: " المجلس " ، وللموضع الذي ينـزل فيه: " منـزل "، ثم يجمع : " منازل ومجالس " نظير مسجد ومساجد.

وقد حكي سماعا من بعض العرب " مساجد " في واحد المساجد ، وذلك كالخطأ من قائله.

* * * وأما قوله: (أن يذكر فيها اسمه) ، فإن فيه وجهين من التأويل .

أحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه ، فتكون " أن " حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض ، وتعلق الفعل بها.

والوجه الآخر : أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده ، فتكون " أن " حينئذ في موضع نصب ، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه.

(5) * * * وأما قوله: ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، فإن معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، وممن سعى في خراب مساجد الله.

فـ " سعى " إذًا عطف على " منع ".

* * * فإن قال قائل: ومن الذي عنى بقوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)؟

وأي المساجد هي؟

قيل: إن أهل التأويل في ذلك مختلفون ، فقال بعضهم: الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى ، والمسجد بيت المقدس.

* ذكر من قال ذلك: 1820- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، أنهم النصارى.

1821- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.

1822- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

* * * وقال آخرون: هو بُخْتَنَصَّر وجنده ومن أعانهم من النصارى ، والمسجد: مسجد بيت المقدس.

* ذكر من قال ذلك:- 1823- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، الآية ، أولئك أعداء الله النصارى ، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.

1824- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، قال: هو بختنصر وأصحابه ، خرب بيت المقدس ، وأعانه على ذلك النصارى.

1825- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ، قال: الروم ، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس ، حتى خربه ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.

* * * وقال آخرون: بلى عنى الله عز وجل بهذه الآية مشركي قريش ، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام.

* ذكر من قال ذلك: 1826- حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال ، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها)، قال: هؤلاء المشركون ، حين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم ، وقال لهم: " ما كان أحد يرد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصده ، وقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق!

وفي قوله: ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) قال: إذْ قطعوا من يعمرها بذكره، (6) ويأتيها للحج والعمرة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) النصارى .

وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس ، وأعانوا بختنصر على ذلك ، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده.

والدليل على صحة ما قلنا في ذلك، قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها ، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) ، إلا أحد المسجدين ، إما مسجد بيت المقدس ، وإما المسجد الحرام.

وإذ كان ذلك كذلك = وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام ، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه = صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده ، غير الذين وصفهم الله بعمارتها .

إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية ، وبعمارته كان افتخارهم ، وإن كان بعض أفعالهم فيه ، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم.

وأخرى ، أن الآية التي قبل قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم ، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ، ولا للمسجد الحرام قبلها ، فيوجه الخبر - بقول الله عز وجل: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) - إليهم وإلى المسجد الحرام.

وإذْ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه ، وهو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها ، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك ، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت.

(7) فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك ، إذْ كان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في [المسجد المقدس ، فمنعوا من الصلاة فيه فيلجئون] توجيه قوله (8) (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس - فقد أخطأ فيما ظن من ذلك.

وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل ، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد .

وإن كان قد دل بعموم قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) ، أن كل مانع مصليا في مسجد لله، (9) فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا- ، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين.

* * * القول في تأويل قوله جل ذكره أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله عز وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها ، ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها ، ما داموا على مناصبة الحرب ، إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها، كالذي:- 1827- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين)، وهم اليوم كذلك ، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نهك ضربا، وأبلغ إليه في العقوبة.

1828- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة: قال الله عز وجل: (ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، وهم النصارى ، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة ، إن قدر عليهم عوقبوا.

1829- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، فليس في الأرض رومي يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه ، أو قد أخيف بأداء الجزية ، فهو يؤديها.

1830- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان.

قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا منعنا أن ننـزل!.

* * * وإنما قيل: (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) ، فأخرج على وجه الخبر عن الجميع ، وهو خبر عن ( من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه )، لأن " من " في معنى الجميع ، وإن كان لفظه واحدا.

(10) * * * القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) قال أبو جعفر : أما قوله عز وجل: (لهم)، فإنه يعني: الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.

أما قوله: (لهم في الدنيا خزي) ، فإنه يعني بـ " الخزي": العار والشر والذلة (11) إما القتل والسباء ، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية، كما:- 1831- حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة: (لهم في الدنيا خزي) ، قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.

1832- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي قوله: (لهم في الدنيا خزي) ، أما خزيهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم .

فذلك الخزي .

وأما العذاب العظيم، فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله ، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا.

وتأويل الآية: لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي - على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيهم في خرابها، ولهم = على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادا = عذاب جهنم ، وهو العذاب العظيم.

------------------- الهوامش : (3) انظر ما سلف 1 : 523 - 524 ، وهذا الجزء 2 : 101 - 102 ، 369 (4) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 104 - 105 .

(5) قوله : "تكريرا" ، أي بدل اشتمال .

(6) في المطبوعة : "قالوا إذا قطعوا" ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 285 فهذا جزء من من الأثر ، والقائل هو : ابن زيد .

(7) أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري في تفسير الآية، في تفسيره 1: 285 / 287 وقال:"اختار ابن جرير القول الأول، واحتج- بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعت في تخريب بيت المقدس، قال ابن كثير: والذي يظهر والله أعلم، القول الثاني، كما قاله ابن زيد..." ثم قال:"وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟

أخرجوا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم.." ثم استدل بآيات من كتاب الله وقال:"ليس المراد بعمارتها، زخرفتها وإقامة صورتها، فقط، إنما عمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها" إلى آخر ما قاله.

هذا الاعتراض من ابن كثير على أبي جعفر رحمهما الله، ليس يقوم في وجه حجة الطبري على صواب ما ذهب إليه في تأويل الآية.

والطبري لم يغفل عن مثل اعتراض ابن كثير، ولكن ابن كثير غفل عن سياق تأويل الطبري.

وصحيح أن ما كان من أمر أهل الشرك في الجاهلية في البيت الحرام يدخل في عموم معنى قوله: { وَسَعَى فِي خَرَابها }، ولكن سياق الآيات السابقة، ثم التي تليها، توجب-كما ذهب إليه الطبري- أن يكون معنيا بها من كانت الآيات نازلة في خبره وقصته.

والآيات السالفة جميعا خبر عن بني إسرائيل الذين كانوا على عهد موسى، وتأنيب لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما كان منهم لأهل الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تحذير لهم من أهل الكتاب جميعا، يهوديهم ونصرانيهم، وذكر لافتراء الفريقين بعضهم على بعض، وادعاء كل فريق أنه هو الفريق الناجي يوم القيامة.

ثم أفرد بعد ذلك أخبار النصارى، كما أفرد من قبل أخبار بني إسرائيل، فعدد سوء فعلهم في منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ثم كذبهم على ربهم أنه اتخذ ولدا، ثم قول بعضهم: {لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية}، وأن ذلك شيبه بقول اليهود: {أرنا الله جهرة}، ثم أخبر أنه أرسل رسوله محمدا بشيرا ونذيرا، وأمره أن يعرض عن أهل الجحيم من هؤلاء وهؤلاء، ثم أعلنه أن اليهود والنصارى جميعا لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وطريقهم، في الافتراء على رب العالمين.فالسياق كما ترى، بمعزل عن المشركين من العرب، ولكن ابن كثير وغيره من أئمتنا رضوان الله عليهم،تختلط عليهم المعاني حين تتقارب، ولكن أبا جعفر صابر على كتاب ربه، مطيق لحمله، لا يعجله شيء عن شيء ما استطاع.

فهو يخلص معاني كتاب ربه تخليصا لم أجده قط لأحد بعده، ممن قرأ كتابه.

وأكثرهم يعترض عليه، ولو صبر على دقة هذا الإمام.

لكان ذلك أولى به، وأشبه بخلق أهل العلم، وهم له أهل، غفر الله لنا ولهم.

(8) الذي بين القوسين ، هكذا جاء في النسخ المطبوعة والمخطوطة السقيمة .

ولم أجد نقلا عن أبي جعفر يهديني إلى تصويب هذا الخلط .

فاجتهدت أن استظهر سياق كلامه .

فأقرب ما انتهيت إليه أن يكون فيه سقطا وتحريفا ، وأن يكون سياقه كما يلي : [إذ كان المسلمون هم المخاطبون بالآيات التي سبقت هذه الآية ، وكان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في مسجد بيت المقدس ، فمنعوا من الصلاة فيه ، وكان النصارى واليهود لم يمنعوهم قط من الصلاة فيه ، فيجوز توجيه قوله - : } وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } - إلى أنه معنى به مسجد بيت المقدس] .

هذا اجتهادي في قراءة هذا النص المختلط ، والله أعلم .

(9) في المطبوعة : "في مسجد الله" ، والصواب ما أثبت .

(10) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 513 .

(11) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 314 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم فيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : قوله تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من رفع بالابتداء ، وأظلم خبره ، والمعنى لا أحد أظلم .

وأن في موضع نصب على البدل من مساجد ، ويجوز أن يكون التقدير : كراهية أن يذكر ، ثم حذف .

ويجوز أن يكون التقدير : من أن يذكر فيها ، وحرف الخفض يحذف مع أن لطول الكلام .

وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه .

وقيل الكعبة ، وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم .

وقيل : المراد سائر المساجد ، والواحد مسجد ( بكسر الجيم ) ، ومن العرب من يقول : مسجد ( بفتحها ) .

قال الفراء : " كل ما كان على فعل يفعل ، مثل دخل يدخل ، فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا ، ولا يقع فيه الفرق ، مثل دخل يدخل مدخلا ، وهذا مدخله ، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين ، من ذلك : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق [ ص: 74 ] والمجزر والمسكن والمرفق ( من رفق يرفق ) والمنبت والمنسك ( من نسك ينسك ) ، فجعلوا الكسر علامة للاسم ، وربما فتحه بعض العرب في الاسم " .

والمسجد ( بالفتح ) : جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود .

والآراب السبعة مساجد ، قاله الجوهري .الثانية : واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت ، فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر ; لأنه كان أخرب بيت المقدس .

وقال ابن عباس وغيره : نزلت في النصارى ، والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة !

وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه .

ومعنى الآية على هذا : التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له ، وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود .

روى سعيد عن قتادة قال : أولئك أعداء الله النصارى .

حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس .

وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه .

وقيل : نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية .وقيل : المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة ، وهو الصحيح ; لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع ، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف ، والله تعالى أعلم .الثالثة : خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل : اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا ، وحرقوا التوراة ، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه .ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها .الرابعة : قال علماؤنا : ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت صرورة ، سواء كان لها محرم أو لم يكن ، ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة [ ص: 75 ] وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولذلك قلنا : لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة ، ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف ، بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه ، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة ، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ، ولذلك قلنا : لا يجوز أن يكون في المصر جامعان ، ولا لمسجد واحد إمامان ، ولا يصلي في مسجد جماعتان .

وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة " براءة " إن شاء الله تعالى ، وفي " النور " حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى .

ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة ، وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما .الخامسة : كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا ، قال صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، أخرجه الأئمة .

وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين ، فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية ، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة ، وخرج عن اختصاص الأملاك .السادسة : قوله تعالى : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين أولئك مبتدأ وما بعده خبره .

خائفين حال ، يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها .

فإن دخلوها ، فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم ، [ ص: 76 ] وتأديبهم على دخولها .

وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال ، على ما يأتي في " براءة " إن شاء الله تعالى .

ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم .

ومن جعلها في قريش قال : كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : ألا لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان .

وقيل : هو خبر ومقصوده الأمر ، أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا ، كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله فإنه نهي ورد بلفظ الخبر .السابعة : قوله تعالى : لهم في الدنيا خزي قيل القتل للحربي ، والجزية للذمي ، عن قتادة .

السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي ، وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية ، وغير ذلك من مدنهم ، على ما ذكرناه في كتاب التذكرة .

ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح ، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لا أحد أظلم وأشد جرما, ممن منع مساجد الله, عن ذكر الله فيها, وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات.

{ وَسَعَى } أي: اجتهد وبذل وسعه { فِي خَرَابِهَا } الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها, وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام, لكل من اتصف بهذه الصفة, فيدخل في ذلك أصحاب الفيل, وقريش, حين صَدُّوا رسول الله عنها عام الحديبية, والنصارى حين أخربوا بيت المقدس, وغيرهم من أنواع الظلمة, الساعين في خرابها, محادة لله, ومشاقة، فجازاهم الله, بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا, إلا خائفين ذليلين, فلما أخافوا عباد الله, أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله, لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا, حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته, فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } وأصحاب الفيل, قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى, سلط الله عليهم المؤمنين, فأجلوهم عنه.

وهكذا كل من اتصف بوصفهم, فلا بد أن يناله قسطه, وهذا من الآيات العظيمة, أخبر بها الباري قبل وقوعها, فوقعت كما أخبر.

واستدل العلماء بالآية الكريمة, على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد.

{ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي: فضيحة كما تقدم { وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه, فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية, كما قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها, فقال تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } وللمساجد أحكام كثيرة, يرجع حاصلها إلى مضون هذه الآيات الكريمة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله:{ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر} الآية نزلت في طيطوس بن إسبيسبانوس الرومي وأصحابه، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا ذراريهم، وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير، فكان خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقال قتادة والسدي: "هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك النصارى، طيطوس الرومي وأصحابه من أهل الروم".

قال السدي: "من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا"، وقال قتادة: "حملهم بعض اليهود على معاونة بختنصر البابلي (المجوسي) فأنزل الله تعالى: (ومن أظلم) أي أكفر وأعتى".

{ممن منع مساجد الله} يعني بيت المقدس ومحاريبه.

{أن يذكر فيها اسمه وسعى} عمل {في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} وذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لم يدخلها يعني بيت المقدس بعد عمارتها رومي إلا خائفاً لو علم به لقتل".

وقال قتادة ومقاتل: "لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكر لو قدر عليه لعوقب"، قال السدي: "أخيفوا بالجزية".

وقيل: هذا خبر بمعنى الأمر، أي أجهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحد منهم إلا خائفاً من القتل والسبي أي ما ينبغي {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} يعني أهل مكة، يقول أفتحها عليكم حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم، ففتحها عليهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: "ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك "؛ فهذا خوفهم، وثبت في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول الحرم.

{لهم في الدنيا خزي} الذل والهوان والقتل والسبي والنفي.

قال قتادة: "هو القتل للحربي والجزية للذمي"، قال مقاتل والكلبي: "تفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينية، ورومية، وعمورية".

{ولهم في الآخرة عذاب عظيم} وهو النار، وقال عطاء وعبد الرحمن بن زيد: "نزلت في مشركي مكة"، وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، وإذا منعوا من أن يعمره بذكر فقد سعوا في خرابه.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن أظلم» أي لا أحد أظلم «ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه» بالصلاة والتسبيح «وسعى في خرابها» بالهدم أو التعطيل، نزلت إخباراً عن الروم الذين خربوا بيت المقدس أو في المشركين لما صدوا النبي عام الحديبية عن البيت «أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين» خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمناً.

«لهم في الدنيا خزي» هوان بالقتل والسبي والجزية «ولهم في الآخرة عذاب عظيم» هو النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا أحد أظلم من الذين منعوا ذِكْرَ الله في المساجد من إقام الصلاة، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، وجدُّوا في تخريبها بالهدم أو الإغلاق، أو بمنع المؤمنين منها.

أولئك الظالمون ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا المساجد إلا على خوف ووجل من العقوبة، لهم بذلك صَغار وفضيحة في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب شديد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة من يسعى في خراب بيوت الله ، فقال :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه .

.

.

)يرى بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن الرومانيين الذين غزوا بيت المقدس وخربوه .

ويرى آخرون أنها نزلت في كفار قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية .وكيفما كان سبب النزول ، فالآية تشمل بذمها ووعيدها ، كل من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها .ومن اسم استفهام يراد منه النفي ، أي : لا أظلم .

والمساجد : جمع مسجد ، وهو المكان الخاص للعبادة ، مأخوذ من السجود ، وهو وضع الجبهة على الأرض خضوعاً لله وتعظيما .والظلم : الاعتداء على حق الغير ، بالتصرف فيه بما لا يرضى به ، ويطلق على وضع الشيء في غير ما يستحق أن يوضع فيه ، والمعنيان واضحان هنا .وذكر اسم الله كناية عما يؤدي فيها من العبادات ، إذ لا تكاد عبادة تخلو من ذكر اسمه - تعالى - :والسعي في الأصل : المشي بسرعة في معنى الطلب والعمل .والخراب : ضد التعمير ، ويستعمل لمعننى تعطيل المكان وخلوه مما وضع له .قال القرطبي : " وخراب المساجد قد يكون حقيقياً ، كتخريب بختنصر والرومان لبيت المقدس حيث قذفوا فيه القاذورات وهدموه .

ويكون مجازاً كمنع المشركين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإِسلام فيها خراب لها " .والمعنى : لا أحد أظلم ممن حال بين المساجد وبين أن يعبد فيها الله ، وعمل في خرابها بالهدم كما فعل الرومان وغيرهم ببيت المقدس .

أو بتعطيلها عن العبادة كما فعل كفار قريش ، فهو مفرط في الظلم بالغ فيه أقصى غاية .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : فكيف قيل مساجد الله ، وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد هو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟

قلت لا بأس أن يجيء الحكم عاماً ، وإن كان السبب خاصاً ، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً : ومن أظلم ممن آذى الصالحين ، كما قال - عز وجل - ( ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ ) والمنزول فيه هو الأخنس بن شريق " .وقوله - تعالى - : ( أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ ) معناه : ما ينبغي لأولئك الذين يحولون بين المساجد وذكر الله ويسعون في خرابها أن يدخلوها إلا خائفين من الله - تعالى - لمكانها من الشرف والكرامة بإضافتها إليه - تعالى - أو إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلا عن أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها .قال ابن كثير : " وفي هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام ، ويذل لهم المشركين حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل إن لم يسلم ، وقد أنجز الله هذا الوعد فمنع المشركني من دخول المسجد الحرام ، وذلك أنه بعد أن تم فتح مكة للمسلمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم من العام القابل منادياً ينادي برحاب منى " ألا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته " .وعندما حج النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع لم يجترئ .

أحد من المشركين أن يحج أو أن يدخل المسجد الحرام .

وهذا هو الخزي في الدنيا لهم ، المشار إليه بقوله - تعالى - : ( لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ ) أي : لهم في الدنيا هوان وذلة بسبب ظلمهم وبغيهم ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم يخلدون معه في النار ، وليس هناك أشقى ممن يعيش دنياه في هوان وذلة ، ثم ينتقل إلى أخراه فيجد مصيره العذاب الأليم الذي لا يموت فيه ولا يحيا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم؟

وذكروا فيه أربعة أوجه.

أولها: قال ابن عباس: أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة، ولم يزل بيت المقدس خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر.

وثانيها: قال الحسن وقتادة والسدي: نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضاً لليهود.

قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه.

وثالثها: أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجداً عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم، وقيل: إن قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر لنبي صلى الله عليه وسلم فقيل: ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئاً ويصلون له تذللاً وخشوعاً، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه.

ورابعها: قال أبو مسلم: المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى: ﴿ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عِندَ المسجد الحرام  ﴾ وبقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام  ﴾ وحمل قوله: ﴿ إِلاَّ خَآئِفِينَ ﴾ بما يعلي الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين: ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا  مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا  ﴾ وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم: وهو أن يقال: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضاً في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضاً في تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه، وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضاً بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه.

المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال: تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم: كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله: ﴿ كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ  ﴾ وقيل: جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مساجد الله ﴾ عموم فمنهم من قال: المراد به كل المساجد، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة، وقالوا: قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه، فخربوه قبل الهجرة، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية، فإن قيل: كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد؟

قلنا: فيه وجوه: أحدها: هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممن آذى الصالحين.

وثانيها: أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال: الأول: أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول: منعته كذا، ومثله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات  ﴾ ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ  ﴾ .

الثاني: قال الأخفش: يجوز أن يكون على حذف (من) كأنه قيل: منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه.

الثالث: أن يكون على البدل من مساجد الله.

الرابع: قال الزجاج: يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه، والعامل فيه (منع).

المسألة الخامسة: السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين.

أحدهما: منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً.

والثاني: بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول: كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له، وقيل: إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر.

المسألة السادسة: ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل، والجواب عنه: أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ فاعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين، وأما من يجعله عاماً في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوهاً: أحدها: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليهم ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.

وثانيها: أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لايدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه: ألا لا يحجن بعد العام مشرك، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج من العام الثاني ظاهراً على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته.

وثالثها: أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال.

ورابعها: أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة، لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ  ﴾ .

وخامسها: قال قتادة والسدي: قوله: ﴿ إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضرباً وهذا التأويل مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفاً، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا.

وسادسها: أن قوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْىٌ ﴾ فقد اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: في أحكام المساجد وفيه وجوه: الأول: في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول، أما القرآن فآيات، أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً  ﴾ .

أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله: ﴿ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الأخر  ﴾ فجعل عمارة المسجد دليلاً على الإيمان، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم، لأن كلمة إنما للحصر.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والأصال  ﴾ .

ورابعها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالاً من المشرك لأن قوله: ﴿ ومن أظلم ﴾ يتناول المشرك لأنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان.

وأما الأخبار، فأحدها: ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة».

وفي رواية أخرى: بنى الله له بيتاً في الجنة.

وثانيها: ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».

واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى، فإذا كان المسجد مكاناً لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك، لأنه موضع البيع والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله، والإعراض عن التفكر في سبيل الله، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلاً عن ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع.

الثاني: في فضل المشي إلى المساجد: (أ) عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته».

رواه مسلم.

(ب) أبو هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح» أخرجاه في الصحيح.

(ج) أبي بن كعب قال: كان رجل ما أعلم أحداً من أهل المدينة ممن يصلى إلى القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع الرسول عليه السلام، فقيل له: لو اشتريت حماراً لتركبه في الرمضاء والظلماء، فقال: والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسأله فقال: يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري، فقال عليه الصلاة والسلام: «لك ما احتسبت أجمع».

أخرجه مسلم.

(د) جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد»، فقالوا: نعم قد أردنا ذلك.

قال: «يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم».

رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ  ﴾ .

(هـ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشياً والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجراً ممن يصليها ثم ينام» أخرجاه في الصحيح.

(و) عقبة بن عامر الجهني أنه عليه السلام قال: «إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات والقاعد الذي يرعى الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع».

(ز) عن سعيد بن المسيب قال: حضر رجلاً من الأنصار الموت فقال لأهله: من في البيت، فقالوا: أهلك، وأما أخوتك وجلساؤك ففي المسجد، فقال: ارفعوني فأسنده رجل منهم إليه ففتح عينيه وسلم على القوم فردوا عليه وقالوا له: خيراً.

فقال: إني مورثكم اليوم حديثاً ما حدثت به أحداً منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم احتساباً وما أحدثكموه اليوم إلا احتساباً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة ولم يضع رجله اليسرى إلا حط الله عنه بها خطيئة حتى يأتي المسجد، فإذا صلى بصلاة الإمام انصرف وقد غفر له، فإن هو أدرك بعضها وفاته بعض كان كذلك».

(ح) عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ولم ينقص ذلك من أجرهم شيئاً».

(ط) أبو هريرة قال عليه السلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» رواه أبو مسلم.

(ي) قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لداود بن صالح: هل تدري فيم نزلت: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ  ﴾ قال: قلت لا يا ابن أخي، قال: سمعت أبا هريرة يقول لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة.

(يا) بريدة قال عليه السلام: «بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة» قال النخعي كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة موجبة.

(يب) قال الأوزاعي: كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه السلام والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة واتباع السنة، وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله.

(يج) أبو هريرة قال عليه السلام: «من بنى لله بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من دور ياقوت».

(يد) أبو ذر قال عليه السلام: «من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة».

(يه) أبو سعيد الخدري: قال عليه السلام: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر  ﴾ ».

(يو) عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: إن المساجد بيوت الله وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها.

(يز) أنس قال عليه السلام: «إن عمار بيوت الله هم أهل بيوت الله».

(يح) أنس قال عليه السلام: «يقول الله تعالى: كأني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت عنهم».

(يط) عن أنس: قال عليه السلام: «إذا أنزلت عاهة من السماء صرفت عن عمار المساجد».

(ك) كتب سلمان إلى أبي الدرداء: يا أخي ليكن بيتك المساجد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسجد بيت كل تقي وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله تعالى».

(كا) قال سعيد بن المسيب: عن عبد الله بن سلام: إن المساجد أوتاداً من الناس، وإن لهم جلساء من الملائكة، فإذا فقدوهم سألوا عنهم، وإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم.

(كب) الحسن قال عليه السلام: «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة».

(كج) أبو هريرة: قال عليه السلام: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، لا يقربون المساجد إلا هجراً ولا الصلاة إلا دبراً، لا يتألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل سحب بالنهار».

(كد) أبو سعيد الخدري وأبو هريرة: قال عليه السلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».

هذا حديث أخرجه الشيخان في الصحيحين.

(كه) عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته إلى المسجد كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته».

(كو) روى عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن الحكم، قال: سمعت سعيد بن المسيب وسأله أبي: أحضور الجنازة أحب إليك أم القعود في المسجد؟

قال: من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تقبر فله قيراطان، والجلوس في المسجد أحب إلي، تسبح الله وتهلل وتستغفر والملائكة تقول: آمين اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإذا فعلت ذلك فقل: اللهم اغفر لسعيد بن المسيب.

الثالث: في تزيين المساجد: (أ) ابن عباس: قال عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت بتشييد المساجد».

والمراد من التشييد رفع البناء وتطويله، ومنه قوله تعالى: ﴿ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ وهي التي يطول بناؤها.

(ب) أمر عمر ببناء مسجد وقال للبناء: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

(ج) روى أن عثمان رأى أثرجة من جص معلقة في المسجد، فأمر بها فقطعت.

(د) قال أبو الدرداء: إذا حليتم مصاحفكم وزينتم مساجدكم فالدمار عليكم.

(هـ) قال أبو قلابة: غدونا مع أنس بن مالك إلى الزواية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد؟

فقال بعض القوم: حتى نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: أي مسجد، قالوا: مسجد أحدث الآن، فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلاً».

الرابع: في تحية المسجد، في الصحيحين عن أبي قتادة السلمي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس».

واعلم أن القول بذلك مذهب الحسن البصري ومكحول وقول الشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أنه يجلس ولا يصلي، وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة، وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي.

الخامس: فيما يقول إذا دخل المسجد، روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: «رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال قال: «رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك».

السادس: في فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة: (أ) أبو هريرة: قال عليه الصلاة والسلام: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث».

وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ائذن لي في الاختصاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من خصي أو اختصى إن خصاء أمتي الصيام».

فقال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» فقال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب، فقال: «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة».

السابع: في كراهية البيع والشراء في المسجد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تناشد الأشعار في المساجد، وعن البيع والشراء فيه، وعن أن يتحلق الناس في المساجد يوم الجمعة قبل الصلاة، واعلم أنه كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد وبه يقول أحمد وإسحاق وعطاء بن يسار، وكان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة، وكان لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم رحبة إلى جنب المسجد سماها البطحاء، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوتاً فليخرج إلى هذه الرحبة، واعلم أن الحديث الذي رويناه يدل على كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة، ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد، ورفع الصوت بغير الذكر، فمكروه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك».

قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم، وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم يرى أن لا يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وورد النهي عن إقامة الحدود في المساجد، قال عمر فيمن لزمه حد: أخرجاه من المسجد، ويذكر عن علي رضي الله عنه مثله، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن يقام فيها الحدود أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار أو ينشد فيها الضالة أو تتخذ سوقاً، ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.

الثامن: في النوم في المسجد في الصحيحين: عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وعن ابن شهاب قال: كان ذلك من عمر وعثمان وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد مثل جوازها في البيت، إلا الانبطاح فإنه عليه الصلاة والسلام نهى عنه وقال: أنها ضجعة يبغضها الله، وعن نافع أن عبد الله كان شاباً أعزب لا أهل له فكان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد، وقال ابن عباس: لا تتخذوه مبيتاً أو مقيلاً.

التاسع: في كراهية البزاق في المسجد عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها وفي الصحيح عن أبي ذر قال عليه الصلاة والسلام: «عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن».

وفي الحديث: «إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار».

أي ينضم وينقبض، فقال بعضهم: المراد أن كونه مسجداً يقتضي التعظيم والقاء النخامة يقتضي التحقير، وبينهما منافاة، فعبر عليه الصلاة والسلام عن تلك المنافاة بقوله: لينزوي، وقال آخرون: أراد أهل المسجد وهم الملائكة، وفي الصحيحين عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجليه فيدفنه».

وعن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده وقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه فلا يبزقن أحدكم في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه» قال: ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض وقال: «يفعل هكذا».

أخرجه البخاري في صحيحه.

العاشر: في الثوم والبصل: في الصحيحين عن أنس وابن عمر وجابر قال عليه الصلاة والسلام: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس».

وعن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا».

وأن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بقدر فيه خضر فوجد لها ريحاً، فسأل فأخبر بما فيه من البقول، فقال: قربوها إلى بعض من كان حاضراً، وقال له كل فإني أناجي من لا تناجي أخرجاه في الصحيحين.

الحادي عشر: في المساجد في الدور، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد في الدور، وأن ينظف ويطيب، أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه أصحابه إذ جاء أعرابي فبال في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تزرموه» ثم دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من العذرة والبول والخلاء، إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة» ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصبوا عليه.

المسألة الثانية: اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة مطلقاً، وأباه مالك مطلقاً، وقال الشافعي رضي الله عنه: يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام، احتج الشافعي بوجوه: أولها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا  ﴾ قال الشافعي: قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام  ﴾ وإنما أسرى به من بيت خديجة.

فالآية دالة إما على المسجد فقط، أو على الحرم كله، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعاً، فإن قيل: المراد به الحج ولهذا قال: ﴿ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ﴾ لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة، قلنا: هذا ضعيف لوجوه: أحدها: إنه ترك للظاهر من غير موجب.

الثاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام.

الثالث: أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة.

الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ  ﴾ فأراد به الدخول للتجارة.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادة في الكعبة، وأيضاً فقوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ ليس المراد منه خوف الإخراج، بل خوف الجزية والإخراج، قلنا: الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله ﴾ ظاهر في العموم، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر.

وعن الثاني: أن الظاهر قوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولداً من الدخول بل من شيء آخر، فسقط كلامهم.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ  ﴾ وعمارتها تكون بوجهين.

أحدهما: بناؤها وإصلاحها.

والثاني: حضورها ولزومها، كما تقول: فلان يعمر مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان».

وذلك لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الأخر  ﴾ ، فجعل حضور المساجد عمارة لها.

ورابعها: أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء: «اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة».

فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه.

وخامسها: أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله: ﴿ وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ  ﴾ والمشرك نجس لقوله تعالى؛ ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ  ﴾ والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجباً.

وسادسها: أجمعنا على أن الجنب يمنع منه، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأمور، الأول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد.

الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن».

وهذا يقتضي إباحة الدخول.

الثالث: الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم، والجواب عن الحديثين الأولين: أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدراً من سائر المساجد فظهر الفرق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ على شَيْء ﴾ أي على شيء يصح ويعتدّ به.

وهذه مبالغة عظيمة، لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه.

فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده.

وهذا كقولهم: أقل من لا شيء ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب ﴾ الواو للحال.

والكتاب للجنس أي قالوا ذلك، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب.

وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدّق للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب الله جميعاً متواردة على تصديق بعضها بعضاً ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج ﴿ قَالَ ﴾ الجهلة ﴿ الذين ﴾ لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء.

وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم.

وروى: أن وفد نجران لمّا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل.

وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة.

﴿ فالله يَحْكُمُ ﴾ بين اليهود والنصارى ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه.

وعن الحسن: حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار ﴿ أَن يُذْكَرَ ﴾ ثاني مفعولي منع.

لأنك تقول: منعته كذا.

ومثله ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ ﴾ [الاسراء: 59] ، ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ ﴾ [الاسراء: 94] ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن، ولك أن تنصبه مفعولاً له بمعنى كراهة أن يذكر، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، والسبب فيه أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وأن الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا.

وقيل: أراد به منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

فإن قلت: فكيف قيل مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟

قلت: لا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممن آذى الصالحين.

وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1] والمنزول فيه الأخنس بن شريق ﴿ وسعى فِي خَرَابِهَا ﴾ بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان.

وينبغي أن يراد ب (من) منع العموم كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا ﴾ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ﴿ إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.

والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوّهم.

وقيل: ما كان لهم في حكم الله، يعني: أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر المؤمنين ويقوّيهم حتى لا يدخلوها إلا خائفين.

روى: أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة.

وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا أنهك ضرباً وأبلغ إليه في العقوبة.

وقيل: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يحجنّ بعد هذاالعام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان» وقرأ أبو عبد الله: ﴿ إلا خيفاً ﴾ ، وهو مثل صيم.

وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد: فجوّزه أبو حنيفة رحمه الله، ولم يجوزه مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره.

وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ﴾ [الاحزاب: 53] ﴿ خِزْىٌ ﴾ قتلٌ وسبيٌ، أو ذلة بضرب الجزية.

وقيل: فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَن خَرَّبَ مَسْجِدًا، أوْ سَعى في تَعْطِيلِ مَكانٍ مُرَشَّحٍ لِلصَّلاةِ.

وإنْ نَزَلَ في الرُّومِ لَمّا غَزَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ وخَرَّبُوهُ وقَتَلُوا أهْلَهُ.

أوْ في المُشْرِكِينَ لَمّا مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ ﴿ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ ثانِي مَفْعُولَيْ مَنَعَ ﴿ وَسَعى في خَرابِها ﴾ بِالهَدْمِ، أوِ التَّعْطِيلِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المانِعُونَ ﴿ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ ﴾ ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا بِخَشْيَةٍ وخُشُوعٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَجْتَرِئُوا عَلى تَخْرِيبِها، أوْ ما كانَ الحَقُّ أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْنَعُوهم مِنها، أوْ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَيَكُونُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ واسْتِخْلاصِ المَساجِدِ مِنهم وقَدْ أنْجَزَ وعْدَهُ.

وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في المَسْجِدِ، واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ فِيهِ فَجَوَّزَ أبُو حَنِيفَةَ ومَنَعَ مالِكٌ، وفَرَّقَ الشّافِعِيُّ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ ﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ قَتْلٌ وسَبْيٌ، أوْ ذِلَّةٌ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ ﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ بِكُفْرِهِمْ وظُلْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه} موضع من رفع على الابتداء وهو استفهام واظلم خبره والمعنى أى أحد أظلم ووأن يذكر ثاني مفعولي منع لأنك تقول منعته كذا ومثله وما منعنا أن نرسل بالآيات وما منع الناس أن يؤمنوا ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن أي من أن يذكر وأن تنصبه مفعولاً له بمعنى منعها كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى ومنعهم الناس أن يصلوا

البقرة (١١٤ _ ١١٦)

فيه أو منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية وإنما قيل مساجد الله وكان المنع على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم ورد عاماً وإن كان السبب خاصاً كقوله تعالى ويل لكل همزة والمنزول فيه الأخنس بن شريق {وسعى فِى خرابها} بانقطاع الذكر والمراد عن العموم كما أريد العموم بمساجد الله {أولئك} المانعون {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا} أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله {إِلاَّ خَائِفِينَ} حال من الضمير في يدخلوها أى على حالى التهيب وارتعاد الفرائض من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها والمعنى ما كان الحق إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم رُوي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً خيفة أن يقتل وقال قتادة لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا بولغ ضرباً ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا لا يحجن بعد هذا العام

مشرك وقيل معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله} {لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ} قتل وسبي للحربي وذلة بضرب الجزية للذمي {وَلَهُمْ فِى الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي النار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ نَزَلَتْ في طِيطُوسَ بْنِ إسْيانُوسَ الرُّومِيِّ وأصْحابِهِ، وذَلِكَ أنَّهم غَزَوْا بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلُوا مُقاتِلِيهِمْ، وسَبُوا ذَرارِيهِمْ، وحَرَقُوا التَّوْراةَ، وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وقَذَفُوا فِيهِ الجِيَفَ، وذَبَّحُوا فِيهِ الخَنازِيرَ، وبَقِيَ خَرابًا إلى أنْ بَناهُ المُسْلِمُونَ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، إنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي العَرَبِ، مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في المَسْجِدِ الحَرامِ، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَتِ النَّصارى ﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ تَقْرِيرًا لِقَبائِحِهِمْ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ اعْتِراضًا بِأكْثَرِ مِن جُمْلَةٍ بَيْنَ المَعْطُوفِ، أعْنِي: قالُوا اتَّخَذَ، والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أعْنِي: قالَتِ اليَهُودُ، لِبَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم بَيانًا لِكَمالِ شَناعَةِ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُضاهُونَهم إذا كانُوا أظْلَمَ الكَفَرَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ في كُلِّ مانِعٍ، وفي كُلِّ مَسْجِدٍ، وخُصُوصُ السَّبَبِ لا يَمْنَعُهُ، (وأظْلَمُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ خَبَرُ عَنْ مَن، ولا يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ حَقِيقَتُهُ وإنَّما هو بِمَعْنى النَّفْيِ، فَيَؤُولُ إلى الخَبَرِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا التَّرْكِيبَ قَدْ تَقَرَّرَ في القُرْآنِ كَمَن ﴿ أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإذا كانَ المَعْنى عَلى هَذا، لَزِمَ التَّناقُضَ، وأُجِيبَ بِالتَّخْصِيصِ، إمّا بِما يُفْهَمُ مِن نَفْسِ الصِّلاتِ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن جاءَ بَعْدُ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ، ويَؤُولُ مَعْناهُ إلى السَّبْقِ في المانِعِيَّةِ، أوِ الِافْتِرائِيَّةِ مَثَلًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ بُعْدٌ عَنْ مَدْلُولِ الكَلامِ، ووَضْعِهِ العَرَبِيِّ، وعُجْمَةٌ في اللِّسانِ يَتْبَعُها اسْتِعْجامُ المَعْنى، فالأوْلى أنْ يُجابَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ التَّسْوِيَةِ في الأظْلَمِيَّةِ، وقُصارى ما يُفْهَمُ مِنَ الآياتِ أظْلَمِيَّةُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فِيها مِمَّنْ عَداهُمْ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا أحَدَ أفْقَهُ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ، لا يَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن نَفِيٍ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أفْقَهَ مِنهُمْ، وإمّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهم أفْقَهُ مِنَ الآخَرِ، فَلا، ولا يَرِدُ أنَّ مَن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ مَثَلًا، ولَمْ يَفْتَرِ عَلى اللَّهِ كَذِبًا أقَلُّ ظُلْمًا مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ مُساوِيًا في الأظْلَمِيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ إنَّما هي في الكُفّارِ، وهم مُتَساوُونَ فِيها، إذِ الكُفْرُ شَيْءٌ واحِدٌ لا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيادَةُ بِالنِّسْبَةِ لِإفْرادِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ، وإنَّما تُمْكِنُ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، ولِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ بِجامِعِ ما اشْتَرَكُوا فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ، قالَهُ أبُو حَيّانَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ قَوْلَكَ: (مَن أظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذا) إنْكارٌ، لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهُ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ، ونَفْيِها، إلّا أنَّ العُرْفَ الفاشِيَ والِاسْتِعْمالَ المُطَّرِدَ يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ، أوْ لا أفْضَلَ مِن فُلانٍ، فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، فَلَعَلَّ الأوْلى الرُّجُوعُ إلى أحَدِ الجَوابَيْنِ مَعَ مُلاحَظَةِ الحَيْثِيَّةِ، وإنْ جَعَلْتَ ذَلِكَ الكَلامَ مُخَرَّجًا مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، والزَّجْرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ، أوِ الزِّيادَةِ في نَفْسِ الأمْرِ كَما قِيلَ بِهِ مُحَكِّمًا العُرْفَ أيْضًا زالَ الإشْكالُ، وارْتَفَعَ القِيلُ، والقالُ، فَتَدَبَّرْ، ﴿ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِمَنَعَ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِمَعْنى مَنَعَها كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَساجِدَ، والمَفْعُولُ الثّانِي إذَنْ مُقَدَّرٌ أيْ عِمارَتَها، أوِ العِبادَةَ فِيها، أوْ نَحْوَهُ، أوِ النّاسَ مَساجِدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا تَقْدِيرَ، والفِعْلُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، وكَنّى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى عَمّا يُوقَعُ في المَساجِدِ مِنَ الصَّلَواتِ والتَّقَرُّباتِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالأفْعالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ المَأْذُونِ بِفِعْلِها فِيها.

﴿ وسَعى في خَرابِها ﴾ أيْ هَدْمِها وتَعْطِيلِها، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأنَّ عِمارَتَها بِالعِبادَةِ فِيها، ﴿ أُولَئِكَ ﴾ الظّالِمُونَ المانِعُونَ السّاعُونَ في خَرابِها.

﴿ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ ﴾ اللّامُ في (لَهُمْ) إمّا لِلِاخْتِصاصِ عَلى وجْهِ اللِّياقَةِ كَما في الجُلِّ لِلْفَرَسِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا لِلِاسْتِحْقاقِ كَما في الجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ، والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ الخَوْفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإمّا لِمُجَرَّدِ الِارْتِباطِ بِالحُصُولِ، أيْ ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ أنْ يَدْخُلُوها فِيما سَيَجِيءُ إلّا خائِفِينَ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ لِسُؤالٍ نَشَأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسَعى في خَرابِها ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما اللّائِقُ بِهِمْ؟

والمُرادُ مِنَ الظُّلْمِ حِينَئِذٍ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَلى الثّانِي جَوابُ سُؤالٍ ناشِئٍ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حَقُّهُمْ؟

والمُرادُ مِنَ الظُّلْمِ التَّصَرُّفُ في حَقِّ الغَيْرِ، وعَلى الثّالِثِ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى، وفِيهِ وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ، وتَخْلِيصُ المَساجِدِ عَنِ الكُفّارِ، ولِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ وسَّطَهُ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا مُتَنَكِّرًا مُسارَقَةً، وقالَ قَتادَةُ: لا يُوجَدُ نَصْرانِيٌّ في بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا انْتُهِكَ ضَرْبًا، وأُبْلِغَ إلَيْهِ في العُقُوبَةِ، ولا نَقْضَ بِاسْتِيلاءِ الأقْرَعِ، وبَقاءِ بَيْتِ المَقْدِسِ في أيْدِي النَّصارى أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، إلى أنِ اسْتَخْلَصَهُ المَلِكُ صَلاحُ الدِّينِ، لِأنَّ الإنْجازَ يَسْتَدْعِي تَحْقِيقَهُ في وقْتٍ ما، ولا دِلالَةَ فِيهِ عَلى التَّكْرارِ، وقِيلَ: النَّفْيُ بِمَعْنى النَّهْيِ، ومَعْناهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ النَّهْيُ عَنِ التَّخْلِيَةِ، والتَّمْكِينُ مِن دُخُولِهِمُ المَساجِدَ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَذُكِرَ اللّازِمُ، وأُرِيدَ المَلْزُومُ ولا يَخْفى أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّخْلِيَةِ والتَّمْكِينِ المَذْكُورِ في وقْتِ قُوَّةِ الكُفّارِ ومَنعِهِمُ المَساجِدَ، لا فائِدَةَ فِيهِ سِوى الإشْعارِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ والِاسْتِخْلاصِ مِنهُمْ، فالحَمْلُ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ أوْلى، واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في دُخُولِ الكُفّارِ المَسْجِدَ، فَجَوَّزَهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُطْلَقًا لِلْآيَةِ، فَإنَّها تُفِيدُ دُخُولَهم بِخَشْيَةٍ وخُشُوعٍ، ولِأنَّ وفْدَ ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأنْزَلَهُمُ المَسْجِدَ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَلَ الكَعْبَةَ فَهو آمِنٌ)،» والنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلى التَّنْزِيهِ، أوِ الدُّخُولُ لِلْحَرَمِ بِقَصْدِ الحَجِّ، ومَنَعَهُ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ والمَساجِدُ يَجِبُ تَطْهِيرُها عَنِ النَّجاساتِ، ولِذا يُمْنَعُ الجُنُبُ عَنِ الدُّخُولِ، وجَوَّزَهُ لِحاجَةٍ، وفَرَّقَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ، وقالَ: الحَدِيثُ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إلّا خِيفًا) وهو مِثْلُ صِيمٍ، ﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ أيْ عَظِيمٌ بِقَتْلِ أبْطالِهِمْ، وأقْيالِهِمْ، وكَسْرِ أصْنامِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وإخْراجِهِمْ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ الَّتِي هي دارُ قَرارِهِمْ، ومَسْقَطُ رُؤُوسِهِمْ، أوْ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى أهْلِ الذِّمَّةِ مِنهُمْ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو عَذابُ النّارِ، لِما أنَّ سَبَبَهُ أيْضًا وهو ما حُكِيَ مِن ظُلْمِهِمْ كَذَلِكَ في العِظَمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّشْوِيقِ لِما يُذْكَرُ بَعْدَهُ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآيَةِ: ومَن أبْخَسُ حَظًّا وأنْقَصُ حَقًّا مِمَّنْ مَنَعَ مَواضِعَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وهي القُلُوبُ الَّتِي يُعْرَفُ فِيها، فَيُسْجَدُ لَهُ بِالفَناءِ الذّاتِيِّ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ الخاصُّ الَّذِي هو الِاسْمُ الأعْظَمُ إذْ لا يَتَجَلّى بِهَذا الِاسْمِ إلّا في القَلْبِ، وهو التَّجَلِّي بِالذّاتِ مَعَ جَمِيعِ الصِّفاتِ، أوِ اسْمِهِ المَخْصُوصِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها، أيِ الكَمالِ اللّائِقِ بِاسْتِعْدادِهِ المُقْتَضِي لَهُ، وسَعى في خَرابِها بِتَكْدِيرِها بِالتَّعَصُّباتِ، وغَلَبَةِ الهَوى، ومَنعِ أهْلِها بِتَهْيِيجِ الفِتَنِ اللّازِمَةِ لِتَجاذُبِ قُوى النَّفْسِ، وداعِي الشَّيْطانِ والوَهْمِ، أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها ويُصَلُّوا إلَيْها، إلّا خائِفِينَ مُنْكَسِرِينَ لِظُهُورِ تَجَلِّي الحَقِّ فِيها، لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ وافْتِضاحٌ، وذِلَّةٌ بِظُهُورِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو احْتِجابُهم عَنِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، قال في رواية الكلبي معناه ومن أكفر.

وقال بعضهم: هذا التفسير غير سديد، لأن الكفر كله سواء.

ولكن معنى قول الكلبي ومن أكفر يعني من أشد في كفره، لأن الكفار وإن كانوا كلهم في الكفر سواء، فربما يكون بعضهم في كفره أشد شراً من غيره.

قال الكلبي: نزلت هذه الآية في شأن ططوس بن أسفيانوس الرومي، حيث خرب بيت المقدس وألقى فيه الجيفة، فكان خراباً إلى زمن عمر بن الخطاب-  - وذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ، فلم يدخلها بعد عمارتها رومي إلا خائفاً ومستخفياً لو علم أنه رومي قتل.

قال قتادة: هم النصارى.

وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى ويقال: من أراد أن يكون ملكاً عليهم، لا يمكنه ذلك ما لم يكن دخل مسجد بيت المقدس، فيجيء ويدخله مستخفياً.

ثم قال عز وجل: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، أي بفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينة وعمورية وأرمينية.

وقال بعضهم: لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن النبيّ  لما خرج عام الحديبية إلى مكة، ومنعه أهل مكة فرجع، ولم يدخلها في تلك السنة، فنزلت هذه الآية: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها، أي سعى ومنع المسلمين عن الصلاة، وذكر الله فيها لأن عمارة المسجد بالصلاة، وذكر الله فيها وخرابها في ترك ذلك.

أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ بعد فتح مكة، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا خائفين، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو فتح مكة، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لمن مات على كفره وقتل.

وروى الزجاج عن بعض أهل العلم قال: نزلت في شأن جميع الكفار، لأن الكفار كانوا يقاتلون المسلمين ويمنعونهم من الصلاة، فقد منعوا المسلمين من الصلاة في جميع المساجد، لأن الأرض كلها جعلت مسجداً وطهوراً.

ومعناه ومن أظلم ممن خالف ملة الإسلام؟

قال: ومعنى قوله أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ، يعني دار الإسلام ولهم في الدنيا خزي وظهور الإسلام على سائر الأديان لقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 23 وغيرها] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يلحقه، وإن خلفه، أحبّ التّخلّف» «١» .

انتهى.

٣٣ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبرٌ في اللفظ، معناه الوعد والوعيد/.

وقوله تعالى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، معناه: قال اليهودُ:

لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم.

ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ.

وهُوداً: جمعُ هَائِدٍ «٢» ، ومعناه: التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه- عليه السلام- بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم: «لَنْ» نفي حسُنت بعده «بلى» إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: جملة في موضعِ الحالِ.

وقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...

الآية: معناه: أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة.

ع «٣» : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشير بعيسى، وكلاهما يتضمّن صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم،

فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا.

وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ تنبيه لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه، قيل: هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل: التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها.

وقوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار العَرَبِ لأنهم لا كتابَ لهم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...

الآية، أي: فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ...

الآيةَ، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ «١» ، وقال ابن زَيْد: المراد كُفَّار قريش حين صدّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المسجِدِ الحرامِ «٢» ، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة.

وقوله سبحانه: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ...

الايةَ: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضرباً، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ «٣» ، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ «٤» وفَأَيْنَما «٥» شرط، وتُوَلُّوا جزم به،

وفَثَمَّ: جوابه، ووَجْهُ اللَّهِ: معناه: الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآية، ٣٣ ب فقال ابنُ عُمَرَ: نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ، / حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته «١» ، وقال النَّخَعِيُّ: الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي: موضع رضاه، وثوابه، وجهة رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ «٣» : نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة «٤» ، فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بن ربيعة، قال: «كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ القبلة،

وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أخطئوها، فعرّفوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية» «١» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الرُّومِ، كانُوا ظاهَرُوا بُخْتِنْصَّرَ عَلى خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِن أجْلِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَخَرَّبَ وطُرِحَتِ الجِيَفُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حالُوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَ الحُدَيْبَيةَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وفي المُرادِ بِخَرابِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نَقَضَها، .

والثّانِي: مَنَعَ ذِكْرَ اللَّهِ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ أحْوالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ.

قالَ السُّدِّيُّ: لا يَدْخُلُ رُومِيٌّ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا وهو خائِفٌ أنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، أوْ قَدْ أُخِيفَ بِأداءِ الجِزْيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم بِالجِدِّ في جِهادِهِمْ كَيْ لا يَدْخُلَها أحَدٌ إلّا وهو خائِفٌ.

﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ خِزْيَهُمُ الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ فَتَحَ القُسْطَنْطِينِيَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ طَرَدَهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَلا يَدْخُلُهُ مُشْرِكٌ أبَدًا ظاهِرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ إنَّ اللهِ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ الآيَةُ.

"مَن" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"أظْلَمُ"، خَبَرُهُ، والمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ، واخْتَلَفَ في المُشارِ إلَيْهِ مِن هَذا الصِنْفِ الظالِمِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ النَصارى الَّذِينَ كانُوا يُؤْذُونَ مَن يُصَلِّي بِبَيْتِ المَقْدِسِ ويَطْرَحُونَ فِيهِ الأقْذارَ.

وقالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ: المُرادُ الرُومُ الَّذِينَ أعانُوا بُخْتَ نَصَّرَ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ حِينَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِياءَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقِيلَ: المَعْنِّيُ بُخْتُ نَصَّرَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ كُفّارُ قُرَيْشٍ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللهِ  عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن مَنَعَ مِن مَسْجِدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أو خَرَّبَ مَدِينَةَ إسْلامٍ لِأنَّها مَساجِدُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً إذِ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، والمَشْهُورُ "مَسْجِدُ" بِكَسْرِ الجِيمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "مَسْجَدُ" بِفَتْحِها.

و"أنْ يُذْكَرَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "مَن" وتَسَلُّطِ الفِعْلِ، وإمّا عَلى البَدَلِ مِنَ المَساجِدِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالٍ الَّذِي شَأْنُ البَدَلِ فِيهِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمُبْدَلِ مِنهُ، ويَخْتَصَّ بِهِ أو تَقُومَ بِهِ صِفَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْ" مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ.

ومَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ بِسَبَبِ بَيْتِ المَقْدِسِ جُعِلَ الخَرابُ الحَقِيقِيُّ المَوْجُودُ، ومَن قالَ: هي بِسَبَبِ المَسْجِدِ الحَرامِ جُعِلَ مَنعُ عِمارَتِهِ خَرابًا إذْ هو داعٍ إلَيْهِ.

ومَن جَعَلَ الآيَةَ في النَصارى رَوى أنَّهُ مَرَّ زَمانٌ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ نَصْرانِيٌّ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا أُوجِعَ ضَرْبًا، قالَهُ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، ومَن جَعَلَها في قُرَيْشٍ قالَ: كَذَلِكَ نُودِيَ بِأمْرِ النَبِيِّ  ألّا يَحُجَّ مُشْرِكٌ.

و"خائِفِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ.

وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ بِأمْرٍ بَيِّنٍ مَنعُهم مِنَ المَساجِدِ، لَكِنَّها تَطَرُّقٌ إلى ذَلِكَ، وبَراءَةٌ فِيها وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.

وَمَن جَعَلَ الآيَةَ في النَصارى قالَ: الخِزْيُ قَتْلُ الحَرْبِيِّ، وجِزْيَةُ الذِمِّيِّ، وقِيلَ: الفُتُوحُ الكائِنَةُ في الإسْلامِ كَعَمُورِيَّةَ وهِرَقْلَةَ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ومَن جَعَلَها في قُرَيْشٍ جَعَلَ الخِزْيَ غَلَبَتَهم في الفَتْحِ وقَتْلَهم والعَذابُ في الآخِرَةِ لِمَن ماتَ مِنهم كافِرًا، و"خِزْيٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ.

و"المَشْرِقُ" مَوْضِعُ الشُرُوقِ، و"المَغْرِبُ" مَوْضِعُ الغُرُوبِ أيْ هُما لَهُ مِلْكٌ وما بَيْنَهُما مِنَ الجِهاتِ والمَخْلُوقاتِ، وخَصَّهُما بِالذِكْرِ وإنْ كانَتْ جُمْلَةُ المَخْلُوقاتِ كَذَلِكَ لِأنَّ سَبَبَ الآيَةِ اقْتَضى ذَلِكَ.

و"أيْنَما" شَرْطٌ، و"تُوَلُّوا" جُزِمَ بِهِ، والجَوابُ في قَوْلِهِ: "فَثَمَّ" والمَعْنى: فَأيْنَما تُوَلُّوا نَحْوَهُ وإلَيْهِ، لِأنَّ ولّى -وَإنْ كانَ غالِبُ اسْتِعْمالِها أدْبَرَ- فَإنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ يَقْبَلُ إلى ناحِيَةٍ، تَقُولُ: ولَّيْتُ عن كَذا وإلى كَذا.

وقَرَأ الحَسَنُ: "تَوَلَّوْا" بِفَتْحِ التاءِ واللامِ، و"ثُمَّ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، و"وَجْهُ اللهِ" مَعْناهُ الَّذِي وجَّهَنا إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: سافَرْتُ في وجْهِ كَذا أيْ في جِهَةِ كَذا.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ الوَجْهِ الَّذِي جاءَ مُضافًا إلى اللهِ تَعالى في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ الحُذّاقُ: ذَلِكَ راجِعٌ إلى الوُجُودِ، والعِبارَةُ عنهُ بِالوَجْهِ مِن مَجازِ كَلامِ العَرَبِ إذْ كانَ الوَجْهُ أظْهَرُ الأعْضاءِ في الشاهِدِ وأجَلَّها قَدْرًا.

وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: تِلْكَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ بِالسَمْعِ، زائِدَةٌ عَلى ما تُوجِبُهُ العُقُولُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ تَعالى، وضَعَّفَ أبُو المَعالِي هَذا القَوْلَ.

ويَتَّجِهُ في بَعْضِ المَواضِعِ كَهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ الجِهَةُ الَّتِي فِيها رِضاهُ وعَلَيْها ثَوابُهُ، كَما تَقُولُ: تَصَدَّقْتُ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ خاصَّةً أنْ يُرادُ بِالوَجْهِ الجِهَةُ الَّتِي وجَّهَنا إلَيْها في القِبْلَةِ حَسَبَما يَأْتِي في أحَدِ الأقْوالِ.

وقالَ أبُو مَنصُورٍ في المُقْنِعِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ هُنا الجاهُ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ وجْهُ القَوْمِ، أيْ مَوْضِعُ شَرَفِهِمْ، فالتَقْدِيرُ: فَثَمَّ جَلالُ اللهِ وعَظَمَتُهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ.

فَقالَ قَتادَةُ: أباحَ اللهُ لِنَبِيِّهِ  بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يُصَلِّيَ المُسْلِمُونَ حَيْثُ شاؤُوا فاخْتارَ النَبِيُّ  بَيْتَ المَقْدِسِ حِينَئِذٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالتَحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ إشارَةٌ إلى الكَعْبَةِ، أيْ حَيْثُ كُنْتُمْ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى التَوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ الَّتِي هي وجْهُ اللهِ الَّذِي وجَّهَكم إلَيْهِ، وعَلى هَذا فَهي ناسِخَةٌ لِبَيْتِ المَقْدِسِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ اليَهُودُ قَدِ اسْتَحْسَنَتْ صَلاةَ النَبِيِّ  إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالُوا: ما اهْتَدى إلّا بِنا، فَلَمّا حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ قالَتِ اليَهُودُ: ما ولّاهم عن قِبْلَتِهِمْ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ الآيَةُ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في صَلاةِ النافِلَةِ في السَفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِالإنْسانِ دابَّتُهُ.

وقالَ النَخْعِيُّ: الآيَةُ عامَّةٌ، أيْنَما تُوَلُّوا في مُتَصَرَّفاتِكم ومَساعِيكم ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ ، أيْ مَوْضِعُ رِضاهُ وثَوابُهُ وُجِهَةُ رَحْمَتِهِ الَّتِي يُوصَلُ إلَيْها بِالطاعَةِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: نَزَلَتْ فِيمَنِ اجْتَهَدَ في القِبْلَةِ فَأخْطَأ، ووَرَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ رَواهُ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ النَبِيِّ  في سَفَرٍ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَتَحَرّى قَوْمٌ القِبْلَةَ وأعْلَمُوا عَلاماتٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا رَأوا أنَّهم قَدْ أخْطَؤُوها، فَعَرَّفُوا رَسُولَ اللهِ  بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وذَكَرَ قَوْمٌ هَذا الحَدِيثَ عَلى أنَّ النَبِيَّ  لَمْ يَكُنْ مَعَ القَوْمِ في السَفَرِ وذَلِكَ خَطَأٌ.

وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَجاشِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا ماتَ دَعا النَبِيُّ  المُسْلِمِينَ إلى الصَلاةِ عَلَيْهِ، فَقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ يُصَلِّي عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ إلى القِبْلَةِ قَطُّ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أيْ أنَّ النَجاشِيَّ كانَ يَقْصِدُ وجْهَ اللهِ وإنْ لَمْ يُبَلِّغْهُ التَوَجُّهَ إلى القِبْلَةِ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الدُعاءِ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قالَ المُسْلِمُونَ: إلى أيْنَ نَدْعُو؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ .

وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مُنْتَظِمَةٌ في مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، أيْ لا يَمْنَعُكم تَخْرِيبُ مَسْجِدٍ مِن أداءِ العِباداتِ، فَإنَّ المَسْجِدَ المَخْصُوصَ لِلصَّلاةِ إنْ خَرِبَ ﴿ فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ مَوْجُودٌ حَيْثُ تَوَلَّيْتُمْ، وقالَ أيْضًا: وقِيلَ نَزَلَتِ الآيَةُ حِينَ صُدَّ رَسُولُ اللهِ  عَنِ البَيْتِ.

و"واسِعٌ" مَعْناهُ مُتَّسِعُ الرَحْمَةِ، "عَلِيمٌ" أيْنَ يَضَعُها.

وقِيلَ: واسِعٌ مَعْناهُ هُنا أنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في الحُكْمِ، دِينُهُ يُسِرُّ، عَلِيمٌ بِالنِيّاتِ الَّتِي هي مَلاكُ العَمَلِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُهُ في قِبْلَةٍ وما أشْبَهَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ﴾ [البقرة: 113] باعتبار ما سبق ذلك من الآيات الدالة على أفانين أهل الكتاب في الجراءة وسوء المقالة أي إن قولهم هذا وما تقدمه ظلم ولا كظلم من منع مساجد الله وهذا استطرادٌ واقع معتَرضاً بين ذكر أحوال اليهود والنصارى لذكر مساوئ المشركين في سوء تلقيهم دعوة الإسلام الذي جاء لهديهم ونجاتهم.

والآية نازلة في مشركي العرب كما في رواية عطاء عن ابن عباس وهو الذي يقتضيه قوله: ﴿ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ﴾ الآية كما سيأتي وهي تشير إلى منع أهل مكة النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الدخول لمكة كما جاء في حديث سعد بن معاذ حين دخل مكة خفية وقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بالبيت آمناً وقد أويتم الصباء، وتكرر ذلك في عام الحديبية.

وقيل نزلت في بختنصر ملك أشور وغزوه بيت المقدس ثلاث غزوات أولاها في سنة 606 قبل المسيح زمن الملك يهوياقيم ملك اليهود سبى فيها جمعاً من شعب إسرائيل.

والثانية بعد ثمان سنين سبى فيها رؤساء المملكة والملك يهواكين بن يهوياقيم ونهب المسجد المقدس من جميع نفائسه وكنوزه.

والثالثة بعد عشر سنين في زمن الملك صدقيا فأسر الملك وسمل عينيه وأحرق المسجد الأقصى وجميع المدينة وسبى جميع بني إسرائيل وانقرضت بذلك مملكة يهوذا وذلك سنة 578 قبل المسيح وتسمى هذه الواقعة بالسبي الثالث فهو في كل ذلك قد منع مسجد بيت المقدس من أن يذكر فيه اسم الله وتسبب في خرابه.

وقيل: نزلت في غزو طيطس الروماني لأورشليم سنة 79 قبل المسيح فخرب بيت المقدس وأحرق التوراة وترك بيت المقدس خراباً إلى أن بناه المسلمون بعد فتح البلاد الشامية.

وعلى هاتين الروايتين الأخيرتين لا تظهر مناسبة لذكرها عقب ما تقدم فلا ينبغي بناء التفسير عليهما.

والوجه هو التعويل على الرواية الأولى وهي المأثورة عن ابن عباس فالمناسبة أنه بعد أن وفي أهل الكتاب حقهم من فضح نواياهم في دين الإسلام وأهله وبيان أن تلك شنشنة متأصلة فيهم مع كل من جاءهم بما يخالف هواهم وكان قد أشار إلى أن المشركين شابهوهم في ذلك عند قوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ﴾ [البقرة: 105] عطف الكلام إلى بيان ما تفرع عن عدم ودادة المشركين نزول القرآن فبين أن ظلمهم في ذلك لم يبلغه أحد ممن قبلهم إذ منعوا مساجد الله وسدوا طريق الهدى وحالوا بين الناس وبين زيارة المسجد الحرام الذي هو فخرهم وسبب مكانتهم وليس هذا شأن طالب صلاح الخلق بل هذا شأن الحاسد المغتاظ.

والاستفهام بمن إنكاري ولما كان أصل مَنْ أنها نكرة موصوفة أشربت معنى الاستفهام وكان الاستفهام الإنكاري في معنى النفي صار الكلام من وقوع النكرة في سياق النفي فلذلك فسروه بمعنى لا أحد أظلم.

والظلم الاعتداء على حق الغير بالتصرف فيه بما لا يرضى به ويطلق على وضع الشيء في غير ما يستحق أن يوضع فيه والمعنيان صالحان هنا.

وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم أتوا بظلم عجيب فقد ظلموا المسلمين من المسجد الحرام وهم أحق الناس به وظلموا أنفسهم بسوء السمعة بين الأمم.

وجُمِعَ المساجدُ وإن كان المشركون منعوا الكعبة فقط إما للتعظيم فإن الجمع يجيء للتعظيم كقوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37]، وإما لما فيه من أماكن العبادة وهي البيت والمسجد الحرام ومقام إبراهيم والحطيم، وإما لما يتصل به أيضاً من الخيف ومنى والمشعر الحرام وكلها مساجد والإضافة على هذه الوجوه على معنى لام التعريف العهدي، وإما لقصد دخول جميع مساجد الله لأنه جمع تعرف بالإضافة ووقع في سياق منع الذي هو في معنى النفي ليشمل الوعيد كل مخرب لمسجد أو مانع من العبادة بتعطيله عن إقامة العبادات ويدخل المشركون في ذلك دخولاً أولياً على حكم ورود العام على سبب خاص والإضافة على هذا الوجه على معنى لام الاستغراق ولعل ضمير الجمع المنصوب في قوله: ﴿ أن يدخلوها ﴾ يؤيد أن المراد من المساجد مساجد معلومة لأن هذا الوعيد لا يتعدى لكل من منع مسجداً إذ هو عقاب دنيوي لا يلزم اطراده في أمثال المعاقب.

والمراد من المنع منعُ العبادة في أوقاتها الخاصة بها كالطواف والجَماعة إذا قصد بالمنع حرمان فريق من المتأهلين لها منها.

وليس منه غلق المساجد في غير أوقات الجماعة لأن صلاة الفذ لا تفضل في المسجد على غيره، وكذلك غلقها من دخول الصبيان والمسافرين للنوم، وقد سئل ابن عرفة في درس التفسير عن هذا فقال: غلق باب المسجد في غير أوقات الصلاة حفظ وصيانة اه.

وكذلك منع غير المتأهل لدخوله وقد منع رسول الله المشركين الطواف والحج ومنع مالك الكافر من دخول المسجد ومعلوم منعُ الجُنب والحائض.

والسعي أصله المشي ثم صار مجازاً مشهوراً في التسبب المقصود كالحقيقة العرفية نحو ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ [النازعات: 22] ويعدى بفي الدالة على التعليل نحو: سعيت في حاجتك فالمنع هنا حقيقة على الرواية الأولى المتقدمة في سبب النزول والسعي مجاز في التسبب غير المقصود فهو مجاز على مجاز.

وأما على الروايتين الأخريين فالمنع مجاز والسعي حقيقة لأن بختنصر وطيطس لم يمنعا أحداً من الذكر ولكنهما تسببا في الخراب بالأمر بالتخريب فأفضى ذلك إلى المنع وآل إليه.

وقوله: ﴿ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ﴾ جملة مستأنفة تغني عن سؤال ناشئ عن قوله: ﴿ من أظلم ﴾ أو عن قوله: ﴿ سعى ﴾ لأن السامع إذا علم أن فاعل هذا أظلم الناس أو سمع هذه الجرأة وهي السعي في الخراب تطلب بيان جزاء من اتصف بذلك أو فعل هذا.

ويجوز كونها اعتراضاً بين ﴿ من أظلم ﴾ وقوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ .

والإشارة بأولئك بعد إجراء الأوصاف الثلاثة عليهم للتنبيه على أنهم استُحضروا بتلك الأوصاف ليُخْبَر عنهم بعد تلك الإشارة بخبرهم جديرون بمضمونه على حد ما تقدم في ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] وهذا يدل على أن المقصود من هذه الجمل ليس هو بيان جزاء فعلهم أو التحذير منه بل المقصود بيان هاته الحالة العجيبة من أحوال المشركين بعد بيان عجائب أهل الكتاب ثم يرتب العقاب على ذلك حتى تعلم جدارتهم به وقد ذكر لهم عقوبتين دنيوية وهي الخوف والخزي وأخروية وهي العذاب العظيم.

ومعنى ﴿ ما كان لهم أن يدخلوها إلا خافين ﴾ أنهم لا يكون لهم بعد هذه الفَعلة أن يدخلوا تلك المساجد التي منعوها إلا وهم خائفون فإن ما كان إذا وقع أن والمضارع في خبرها تدل على نفي المستقبل وإن كان لفظ (كان) لفظ الماضي وأن هذه هي التي تستتر عند مجيء اللام نحو ﴿ ما كان الله ليعذبهم ﴾ فلا إشعار لهذه الجملة بمضى.

واللام في قوله: ﴿ لهم ﴾ للاستحقاق أي ما كان يحق لهم الدخول في حالة إلا في حالة الخوف فهم حقيقيون بها وأحرياء في علم الله تعالى وهذا وعيد بأنهم قدر الله عليهم أن ترفع أيديهم من التصرف في المسجد الحرام وشعائر الله هناك وتصير للمسلمين فيكونوا بعد ذلك لا يدخلون المسجد الحرام إلا خائفين، ووعد للمؤمنين وقد صدق الله وعده فكانوا يوم فتح مكة خائفين وجلين حتى نادى منادي النبيء صلى الله عليه وسلم «من دخل المسجد الحرام فهو آمن» فدخله الكثير منهم مذعورين أن يؤخذوا بالسيف قبل دخولهم.

وعلى تفسير ﴿ مساجد الله ﴾ بالعموم يكون قوله: ﴿ ما كان لهم أن يدخلوها ﴾ أي منعوا مساجد الله في حال أنهم كان ينبغي لهم أن يدخلوها خاشعين من الله فيفسر الخوف بالخشعية من الله فلذلك كانوا ظالمين بوضع الجبروت في موضع الخضوع فاللام على هذا في قوله ﴿ ما كان لهم ﴾ للاختصاص وهذا الوجه وإن فرضه كثير من المفسرين إلا أن مكان اسم الإشارة المؤذن بأن ما بعده ترتب عما قبله ينافيه لأن هذا الابتغاء متقرر وسابق على المنع والسعي في الخراب.

وقوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ استئناف ثان ولم يعطف على ما قبله ليكون مقصوداً الاستئناف اهتماماً به لأن المعطوف لكونه تابعاً لا يهتم به السامعون كمال الاهتمام ولأنه يجري من الاستئناف الذي قبله مجرى البيان من المبين فإن الخزي خوف والخزي الذل والهوان وذلك ما نال صناديد المشركين يوم بدر من القتل الشنيع والأسر، وما نالهم يوم فتح مكة من خزي الانهزام.

وقوله: ﴿ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ عطفت على ما قبلها لأنها تتميم لها إذ المقصود من مجموعهما أن لهم عذابين عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة.

وعندي أن نزول هذه الآية مؤذن بالاحتجاج على المشركين من سبب انصراف النبيء عن استقبال الكعبة بعد هجرته فإن منعهم المسلمين من المسجد الحرام أشد من استقبال غير الكعبة في الصلاة على حد قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ [البقرة: 217].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَتْلُ الحَرْبِيِّ وجِزْيَةُ الذِّمِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ فَتْحُ مَدائِنِهِمْ عَمُورِيَّةَ، وقُسْطَنْطِينِيَّةَ، ورُومِيَّةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ هو أشَدُّ مَن كُلِّ عَذابٍ، لِأنَّهم أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ قال: هم النصارى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ﴾ قال: هم النصارى، وكانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله...

﴾ الآية.

قال: هم الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على بيت المقدس.

وفي قوله: ﴿ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ﴾ قال: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، وقد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.

وفي قوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ قال: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم فذلك الخزي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أولئك أعداء الله الروم، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس حرقوه، فلما بعث الله محمداً أنزل عليه ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها...

﴾ الآية.

فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المشركون حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت يوم الحديبية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد إلا وهم خائفون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ قال: يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.

وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه عن بسر بن أرطاة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ الآية، (من) ابتداء، وخبره أظلم، وهو استفهام معناه: وأيُّ أحدٍ أظلمُ (١) وعن ابن عباس في نزول هذه الآية روايتان: الأولى: أنها نزلت في أهل الروم، لأنهم خربوا بيتَ المقدس، فعلى هذا أراد بالمسجد بيت المقدس ومحاريبه (٢) (٣) والثانية: أنها نزلت في مشركي مكة، لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام (٤) ﴿ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾ أنهم منعوا من العبادة في المساجد، وكلُّ من مَنعَ من عبادة الله في مسجد فقد سعى في خرابه؛ لأن عمارته بالعبادة فيه.

وأصل السعي في اللغة: الإسراع في المشي، قال الله عز وجل: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى  ﴾ .

ثم يسمّى المشيُ سعيًا، كقوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ  ﴾ ، يعنى المشي، وقال: ﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ  ﴾ ، أي: امشوا، وقال (٥) ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا  ﴾ ، أي: مشيًا.

ثم يسمى العمل سعيًا، لأنه لا ينفك من السعي في غالب الأمر، قال الله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا  ﴾ وقال: ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ  ﴾ أي: جدّوا في ذلك، وقال: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى  ﴾ ، أي: عملكم مختلف.

وأراد (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾ .

قال أبن عباس على الرواية الأولى: لم يدخل بيتَ المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلا خائفًا لو عُلمَ به قُتِلَ (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال على الرواية الثانية: هذا وعدٌ من الله لنبيه والمهاجرين، يقول: أفتح مكة لكم حتى تدخلوها آمنين وتكونوا أولى بها منهم.

وهذا قول عطاء (١٣) (١٤) وقيل (١٥) ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا  ﴾ نهاهم على لفظ الخبر، ومعناهما: لا ينبغي لهم ولكم (١٦) وقال الزجاج حاكيًا: إنَّ هذه الآية مما يعنى به جميع الكفار الذين تظاهروا على الإسلام ومنعوا جملة المساجد؛ لأن من قاتل المسلمين حتى يمنعهم من الصلاة فقد منع جميع المساجد، وكل موضع يتعبد فيه فهو مسجد؛ لقوله  :"جعلت لي الأرض مسجدا" (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا ﴾ الآية، أعلم الله عز وجل أن أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم، حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا، وهذا كقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ .

الآية (١٩) وقوله: ﴿ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ موضع (أن) نصب؛ لأنه المفعول الثاني للمنع، وهو مع الفعل بمنزلة المصدر (٢٠) قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ الآية.

قال المفسرون: يريد القتل للحربي، والجزية للذمي (٢١) ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ  ﴾ .

(١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 195.

(٢) في (م): (محاربة).

(٣) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1122 دون عزو وذكره الواحدي في "أسباب == النزول" ص 39 من رواية الكلبي عن ابن عباس وأخرجها الطبري في "تفسيره" 1/ 498، وابن أبي حاتم 1/ 210 من طريق العوفي نحو ذلك، كما روي عن مجاهد وقتادة والسدي كما ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 520، وابن أبي حاتم 1/ 210، والواحدي في "أسباب النزول" ص 39 وغيرهم.

(٤) أخرجها ابن أبي حاتم 1/ 210 من طريق ابن اسحاق بسند حسن، وذكره الحافظ في "العجاب" 1/ 359 من طريق عطاء عن ابن عباس.

وبه قال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، كما رواه الطبري عنه 1/ 498.

(٥) في (م): (ثم قال).

(٦) في (ش): (فأراد).

(٧) ينظر: "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني ص 238 - 239.

(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1123، البغوي 1/ 139، "الخازن" 1/ 98.

(٩) يذكر ذلك عن كعب والسدي، ينظر: الطبري 1/ 500، ابن أبي حاتم 1/ 210 - 211، "العجاب" 1/ 360.

(١٠) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 56 ومن طريقه أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 498 - 499، وابن أبي حاتم 1/ 341 بنحوه وأخرجه الطبري أيضا من غير طريق عبد الرزاق.

(١١) "تفسيرمقاتل" 1/ 132 - 133.

(١٢) في "معاني القرآن" 1/ 74.

وقد رجح الطبري في "تفسيره" هذا القول 1/ 498 - 500 محتجًّا بأن الله ذكر أنهم سعوا في خراب المسجد، وهذا لم يكن قط من المشركين في المسجد الحرام، بل كانوا يفخرون بعمارته، وبأن سياق الآية ولحاقها كله في أهل الكتاب، ولم يجر للمشركين ذكر.

ثم قال: وإن كان قد دل بعموم قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ أن كل مانع مصليًا في مسجد لله -فرضًا كانت صلاته فيه أو تطوعًا- وكل ساع في إخرابه، فهو من المعتدين الظالمين.

وانتصر لترجيح الطبري في "تفسيره" أحمد شاكر ورد كلام ابن كثير في "تفسيره" الآتي مختصره.

وأما قول الطبري في "تفسيره" إنهم النصارى، وذلك أنهم سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بُخْتنْصَّر على ذلك ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد مُنْصرف بختنصر عنهم إلى بلاده.

اهـ.

فهذا قول قتادة والسدي وقد ذكر الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 61 أن ما روي في خبر قتادة يشبه أن يكون غلطا من راويه؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الأولين أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح  بدهر طويل، والنصارى إنما كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون، فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس، والنصارى إنما استفاض دينهم في الشام والروم في أيام قسطنطين== الملك، وكان قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور، وإنما كانوا قبل ذلك صابئين عبدة أوثان، وكان من ينتحل النصرانية منهم مغمورين مستخفين بأديانهم فيما بينهم، ومع ذلك فإن النصارى تعتقد من تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود، فكيف أعانوا على تخريبه مع اعتقادهم فيه.

(١٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1126، وعنه البغوي في "تفسيره" 1/ 139، والحافظ في "العجاب" 1/ 359.

(١٤) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 500، ففيه عن ابن زيد بغير هذا المعنى ومال إلى هذا ابن كثير في "تفسيره" 1/ 167 وبين أن أعظم خراب فعلوه إخراجهم رسول الله  واستحواذهم عليه بأصنامهم، وصدهم رسول الله  يوم الحديبية، وذكر الآيات الدالة على أن معنى العمارة إقامة ذكر الله فيها وليس زخرفتها ...

إلخ.

(١٥) في (ش): (وقال).

(١٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1124، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 139، والرازي 4/ 12، والقرطبي 2/ 70، و"البحر المحيط" 1/ 358 - 359.

(١٧) أخرجه البخاري (438) كتاب الصلاة، باب: قول النبي  جعلت لي الأرض مسجدا.

ومسلم (522) كتاب المساجد ومواضع الصلاة.

(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 196.

(١٩) نقله عن الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 196.

(٢٠) "تفسير الثعلبي" 1/ 1123، القرطبي في "تفسيره" 2/ 68، "البحر المحيط" 1/ 358 وذكر الثعلبي في "تفسيره" جواز نصبه على نزع الخافض والتقدير: من أن يذكر.

(٢١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1124، والبغوي في "تفسيره" 1/ 140، والقرطبي 2/ 70 عن قتادة، وأخرجه عبد الرازق في "تفسيره" 1/ 56 ومن طريقه الطبري 1/ 500، وابن أبي حاتم 1/ 211 عن قتادة: أن المراد بها الجزية وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 196 - 197، قال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 168: والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّنَعَ مساجد الله ﴾ لفظه الاستفهام ومعناه: لا أحد أظلم منه حيث وقع؛ قريش منعت الكعبة، أو النصارى منعوا بيت المقدس أو على العموم ﴿ خَآئِفِينَ ﴾ في حق قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحج بعد هذا العام مشرك» ، وفي حق النصارى حربهم عند بيت المقدس أو الجزية ﴿ خِزْيٌ ﴾ في حق قريش غلبتهم وفتح مكة، وفي حق النصارى: فتح بيت المقدس أو الجزية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قالوا اتخذ الله ﴾ بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله ﴿ كن فيكون الحق ﴾ في آل عمران، و ﴿ كن فيكون قوله الحق ﴾ في الأنعام.

وافقه الكسائي في النحل ويس.

الوقوف: ﴿ خرابها ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿ خائفين ﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ وجه الله ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه) ﴿ وإذا ﴾ (لا) تعجيلاً للتنزيه {  } (ط) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن ما بعده مبتدأ ﴿ قانتون ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿ فيكون ﴾ (ه) ﴿ آية ﴾ (ط) ﴿ قلوبهم ﴾ (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿ يوقنون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم.

وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى.

ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان.

وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله  عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام.

وقيل: المراد منع المشركين رسول الله  أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين.

هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟

وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و ﴿ أن يذكر ﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من ﴿ مساجد ﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.

وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله  مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟

ومثله ﴿ ويل لكل همزة لمزة  ﴾ والمنزول فيه الأخنس بن شريق.

وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله  فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه.

وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة.

فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ ما كان لهم ﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿ أن يدخلوها ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إلا خائفين ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.

والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.

وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا.

وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك.

وأمر النبي  بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين.

وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة.

وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله  ﴾ فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد.

وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ .

وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه  قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد.

وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿ خزي ﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر.

وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿ وأن المساجد لله  ﴾ بلام الاختصاص ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر  ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه  ﴾ وقال  "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.

(الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه  قال "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" وقال  لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "دياركم تكتب آثاركم" (الثالثة) في تزيين المساجد.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى.

التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه.

وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

(الرابعة) في تحية المسجد.

عن أبي قتادة أنه  قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق.

وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.

(الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.

روت فاطمة بنت رسول الله  عن أبيها قالت: كان رسول الله  إذا دخل المسجد صلى على محمد  وقال: " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " .

(السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه  قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث" (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً.

عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله  يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً.

ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي  لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي  ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.

(الثامنة) النوم في المسجد.

عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى.

وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه  نهى عنه وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله" (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد.

عن أنس عن النبي  قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وعنه  "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه" (العاشرة) عن جابر أنه  قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وعنه  "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله  ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.

وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.

قوله عز من قائل ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له  ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله  ، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم.

وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه  صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟

ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله  نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي  كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه  نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة.

وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء.

وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله  في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله  فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا.

وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة.

وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان  إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة.

فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة.

فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة.

وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في ﴿ تولوا ﴾ للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم.

عن قتادة أن النبي  قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ " [آل عمران: 199] الآية.

فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي.

فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ قالوا: أين ندعوه؟

فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ﴿ فولوا وجوهكم شطره  ﴾ فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله  "جعلت لي الأرض مسجداً" وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب.

ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها.

ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى المكان خاصة.

وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله  وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام.

والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ أو المراد فثم مرضاة الله مثل ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله  ﴾ فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً.

و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟

فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه  قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم.

قوله ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وفي قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ كما مر.

والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله {  } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بل له ما في السموات والأرض ﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح.

والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟

اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.

وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿ كل له قانتون ﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين.

وقوله ﴿ بل له ما في السموات ﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء.

وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿ قانتون ﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل.

يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه.

فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟

فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟

وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت ﴿ بديع ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿ السموات والأرض ﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.

وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه  بين كيفية إبداعه فقال: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع.

قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا *** داود أو صنـع السـوابـغ تبـع ثم من قرأ ﴿ فيكون ﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه.

قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له.

فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى.

فإن قلت: إن قوله ﴿ فيكون ﴾ لما كان من تتمة المقول.

فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿ أمراً ﴾ وفي قوله ﴿ له ﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك.

وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله  لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله ﴿ كن ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه.

(الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة.

(الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿ كن ﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿ كن ﴾ ، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ ﴿ كن ﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ ﴿ كن ﴾ ولا نزاع في اللفظ.

(الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا.

(السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله  للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل.

وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم.

وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ يعني الجهلة من المشركين.

وقيل: من أهل الكتاب أيضاً.

ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.

فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة.

ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه  كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟

فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟

وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله  بقوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ من مكذبي الرسل ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ﴿ أتواصوا به  ﴾ فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ } [النساء: 153] ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون ﴿ قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ ﴿ قد بينا الآيات لقوم ﴾ يفقهون فـ ﴿ يوقنون ﴾ أنها آيات.

فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله  أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم.

التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد.

فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود  : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة.

وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿ أولئك ما كان لهم ﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ من ذل الحجاب ﴿ ولهم في الآخرة عذاب ﴾ الحرمان من جوار الله.

﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء.

وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ﴿ إن الله واسع ﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿ عليم ﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ .

يقول: لا أَحد أَظلم لنفسه، ولا أوضع لها.

وقوله: ﴿ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: مساجد الله: الأَرض كلها؛ لأَن الأَرض كلها مساجد الله؛ كقوله  : "جُعِلَت لي الأَرض مسجداً وطَهوراً" منع أَهلُ الكفر أَهلَ الإسلام أَن يذكروا فيها اسم الله، وأَن يُظهروا فيها دينه.

قوله: ﴿ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ ﴾ .

وهو كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً  ﴾ .

ويخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ ﴾ .

أي: لا يدخلون البلدان والأَمصار إلا بالخوف، أَو بالعهد؛ كقوله: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ وهو العهد.

ويحتمل قوله: ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ ﴾ : ما كان ينبغي لهم - بما عليهم من حق الله، وتعظيمه - أَن يدخلوا المساجد إلا خائفين وجلين؛ لما كانت هي بقاع اتخذت لعبادة الله، ونسبت إليه تعظيماً لها؛ فدخلوا مخرِّبين لها، مانعين أَهلها من عبادة الله فيها.

وقيل: مساجد الله: المسجد الحرام.

وذلك أَنهم حالوا بينها وبين دخول محمد  وأَصحابه فيها، حتى رجعوا من عامهم ذلك.

ثم فتح الله - عز وجل - مكة لهم، فصار لا يدخلها مشرك إلا خائفاً؛ كقوله - عز وجل: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ .

وقيل: أراد بمساجد الله: بيت المقدس؛ قيل: إن النصارى استعانوا ببُختنصَّر وهو رئيس المجوس، حتى خربوا المساجد، وقتلوا من فيها من أَهل الإسلام، ثم بنى أَهل الإسلام - بعد ذلك بزمان - مساجد، فكان لا يدخل نصراني فيها إلا خائفاً، مستخفياً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

قيل: الخزي: الجزية.

ويحتمل القتال، ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: إن رهطاً من أَصحاب رسول الله  انطلقوا سَفْراً، وذلك قبل أن تُصرف القبلة إلى الكعبة، فحضر وقت الصلاة، فاشتبه عليهم، فتحرَّوْا: فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب؛ صلوا إلى جهات مختلفة، فلما بان لهم ذلك قدموا على رسول الله صلى الله وسلم، فسأَلوا عن ذلك؛ فنزلت الآية فيهم ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ .

وهذا يردُّ على الشافعي قولَه: لأَنه يقول: إنْ صلى إلى جهة القبلة يجوز، وإلا فلا.

وليس في الآية ذكر جهةٍ دون جهةٍ، بل فيها ذكر المشرق والمغرب، وكذلك في الخبر ذكر المشرق والمغرب؛ فخرج قوله على ظاهر الآية، وهذا عندنا في الاشتباه والتحري، وأَما عند القصد فهو قوله: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .

ورُوِي عن ابن عمر -  - أن قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ...

﴾ الآية، نزلت في النوافل في الأسفار.

ولكن عندنا على ما ذكرنا في الكل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ثم وجه الله، يعني: ثَمَّ ما قصدتم وجه الله.

وقيل: ثَمَّ قِبْلَةُ الله.

وقيل: ثَمَّ وجهُ الله: ثم الله.

على ما ذكرنا من جواز التكلم بالوجه على إرادة الذات، أي: ليس هو عنهم بغائب.

وقيل: ثَمَّ رضاء الله.

وقيل: ثم ما ابتغيتم به وجه الله.

وقيل فيه: ثم وجه الذي وجهكم إليه إذا لم يجىء منكم التقصير، كما قال رسول الله  في أكل الناسي: "إنما أَطعمك الله وسقاك" وقيل فيه: ثم بلوغكم ما قصدتم بفعل الصلاة ن وجه الله ورضائه، أي: ظفرتم به.

ثم الغرض في القبلة ليس إصابة عينها، ولكن أَغلب الظن، وأَكبر الرأْي؛ لأَنه ليس لنا إلى إصابة عينها سبيلٌ؛ إذ سبيل معرفتها بالاجتهاد، لا باليقين والإحاطة، ليس كالمياه والأَثواب وغيرها من الأَشياء؛ لأَن هذه الأَشياء في الأَصل طاهرة، والنجاسة عارضة فيظفر بأَعينها على ما هي في الأَصل.

وأَما أَمر القبلة فإنما بني على الاجتهاد والقصد، دون إصابة عينها.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: الواسع: الغنيُّ.

وقيل: الواسع: الجواد، حيث جاد عليهم بقبول ما ابتغوا به وجه الله، وحيث وسع عليهم أَمر القبلة.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما قصدوا ونَوَرْوا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا أحد أشدّ ظلمًا من الَّذي منع أن يذكر اسم الله في مساجده، فَمَنَعَ الصلاة والذكر وتلاوة القرآن فيها، وسعى جاهدًا متسبّبًا في خرابها وإفسادها؛ بهدمها أو المنع من أداء العبادة فيها، أولئك الساعون في خرابها ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين ترجف أفئدتهم؛ لما هم عليه من الكفر والصد عن مساجد الله، لهم في الحياة الدنيا ذل وهوان على أيدي المؤمنين، ولهم في الآخرة عذاب عظيم على منعهم الناس من مساجد الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.1pZlL"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا  ﴾ الآية فيه وجوه: (أحدها): أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة وهي دخول "تيطس" الروماني بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان  حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح  قد أوعد اليهود بذلك.

وقال بعض المفسرين إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.

ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية ولكنني أعلم أن المسيحيين على قتلهم وتشتتهم واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى "رومية" وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقامًا منهم وتحقيقًا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين -وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء- لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين.

فهذه قرائن ترجع أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.

ومن الغريب أن ابن جرير قال في تفسيره إن الآية في اتحاد المسيحيين مع "بختنصر" البابلي على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بست مئة وثلاث وثلاثين سنة.

ولو لم يكن مؤرخًا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة "أردينال" الروماني الذي جاء بعد المسيح بمئة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلًا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة وجعل جزاء من يدخلها القتل، فلذلك كان اليهود يسمونه "بختنصر الثاني" لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده.

ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرًا للمؤرخ.

(الثاني): ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ  ﴾ نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.

واعترض هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم..

ويصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.

ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبح.

(الثالث): إن الكلام في أهل الكتاب وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع، ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرًا من المساجد.

(الرابع): وهو مبني أيضًا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع أن المراد بها حادثة القرامطة الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها وهدموا كثيرًا من المساجد.

كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم إنهم ليسوا على شيء من الدين وطعن النصارى في اليهود كذلك وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب إنهم قالوا مثل قولهم لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين فأنبأ الله تعالى بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين فإنهم استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد وعاثوا في الأرض فسادًا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.

وسواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدًا للذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق، هي على كل حال ناطقة بوجوب احترام كل معبد يذكر فيه اسم الله تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد، وبالحكم على الذين يصدون الناس عنها ويسعون في خرابها -أي هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة الله فيها- بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار، لأن المنع من ذكر الله تعالى وإبطال شعائر المعابد التي تذكر به وتشعر القلوب عظمته انتهاك لحرمة الدين يفضي إلى نسيان الناس الرقيب المهيمن عليهم فيمسون كالهمل وتفشو فيهم المنكرات والفواحش، وانتهاك الحرمات، وهضم الحقوق، وسفك الدماء، وعبادة الله تعالى بذكره والصلاة له تنهى بطبيعتها عن الفحشاء والمنكر، ولا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب.

فمن علم بهذه البدع فعليه أن ينكرها ويسعى في إزالتها ولا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا إليه.

وهذا هو السر في حكم الشريعة الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب وبيعهم وصوامعهم وعبادهم واحترام معابد الذين لهم شبهة كتاب أيضًا كالمجوس، أما الصابئون فهم من أهل الكتاب.

وأما الوثنيون الخلص الذين اختاروا من دون الله أولياء ويبنون المساجد لذكر غيره والتقرب إلى سواه فهؤلاء لم يتعرض لذكرهم ولم يتوعد من يمنعهم من سخفهم.

ثم قال تعالى في شأن المعتدين على المساجد ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ  ﴾ أي فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على أمر إلا بعد النظر فيه والعلم بدرجة نفعه أو ضره.

وما كانت عبادة الله تعالى إلا نافعة وما كان تركها إلا ضارًا.

وما عساه يوجد في عبادات الأمم من الخرافات الضارة فإنما المكروه منه ما فيه مما يبعد عن عبادة الله تعالى ويوقع في إشراك غيره فيها.

على أن العبادة الممزوجة بنزغات الوثنية، أهون من التعطيل القاضي بالجحود المطلق، ولذلك توعد الله تعالى أولئك المعتدين الظالمين بقوله ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان وناهيك بظلم يحل القيود، ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات، ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولًا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين.

ثم قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  ﴾ ذهب المفسر (الجلال) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها وقال في قوله ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ﴾ أي أي مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر الله بأن يتوجه إليها.

ووجه هذا الرأي أن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ولما كان سبحانه منزهًا عن المادة والجهة استقباله بهذا المعنى مستحيلًا شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عباداتهم إياه وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى.

وهذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ  ﴾ إلخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال (الجلال) في تفسير المشرق والمغرب: قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ولذلك خصهما بالذكر فهو كقوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ  ﴾ وهو يستلزم ما قاله"الجلال"فإن المراد على كل حال: أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى الله تعالى لأن كل الجهات له ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ  ﴾ لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان ﴿ عَلِيمُ  ﴾ بالمتوجه إليه أينما كان أي فاعبد الله حيثما كنت، وتوجه إليه أينما حللت، ولا تتقيد بالأمكنة فإن معبودك غير مقيد.

ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فإن فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة لله تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة لأنه إبطال لها بالمرة إذ لا تصح إلا في تلك المواضع، فهذه الآية تنفي ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن الله تعالى لا تحدده الجهات، ولا تحصره الأمكنة، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعابد، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات الله وإبطال نوع من أنواع عبادته وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعابد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم.

وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام فإنك لترى فيه فنونًا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام، تقرأ الآية في حكم من الأحكام، أو عظة من المواعظ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر، فتراها مستقلة بالبيان، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهمًا، أو تممت حكمًا، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام، فإن القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم، وتنفعل له قلوبهم، وتهتز له نفوسهم، وتتحرك به أريحتهم، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب الجديدة، على أن ملكتهم في حسن البيان، قد ارتقت بعد نزول القرآن.

وسنعطي هذا الموضوع حقه من البيان في موضع تكون مناسبته أقوى من هذه المناسبة.

ثم عاد الكتاب إلى النسق السابق في تعداد مخازي أهل الكتاب والمشركين بعد ما ذكر من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ما ذكر وبين أن يعبد في كل مكان فقال  ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا  ﴾ فهذا عطف على قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى  ﴾ قوله ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ  ﴾ إلخ ويصح أن ينسب هذا إلى اليهود والنصارى والذين لا يعلمون جميعًا وإلى فرقة واحدة منهم.

ووجه العموم أن الله تعالى أخبرنا في مواضع من كتابه بأن اليهود قالت: عزير ابن الله: وأن النصارى قالت: المسيح ابن الله: وأن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله.

ولا فرق في الأحكام التي تسند إلى الأمم بين كونها صدرت من جميع أفراد الأمة أو صدرت من بعضهم فإن مثل هذا الإسناد منبئ بتكافل الأمم كما تقدم غير مرة.

وقد نقل أن كلمة: عزير ابن الله: قالها بعض اليهود لا كلهم، وكذلك اعتقاد كون الملائكة بنات الله لم يكن عامًا في مشركي العرب وإنما عرف عن بعضهم.

ثم رد على مدعي اتخاذ الولد بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ  ﴾ نزه تعالى نفسه بكلمة ﴿ سُبْحَانَهُ  ﴾ التي تفيد التنزيه، مع التعجب مما ينافيه، كأن الذي يعرفه تعالى لا ينبغي أن يصدر عنه مثل هذا القول الذي يشعر بأن له تعالى جنسًا يماثله، فإن قائل ذلك لا يكون على علم بالله تعالى وإنما يكون زاعمًا فيه المزاعم وظانًا فيه الظنون، أي تنزيهًا له أن يكون له ولد كما زعم هؤلاء الجاهلون الظانون بالله غير الحق، فإنه لا جنس له فيكون له ولد منه، وهذا الولد الذي نسبوه إليه تعالى لا بد أن يكون من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلي وهو الأرض، ولا يصلح شيء منهما أن يكون متجانسًا له  ، لأن جميع ما في السموات والأرض ملك له قانت لعزته وجلاله، أي خاضع لقهره مسخر لمشيئته، فإذا كانوا سواء في كونهم مسخرين له بفطرتهم، منقادين لإرادته بطبيعتهم واستعدادهم، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب إليه وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  ﴾ نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي، ولكن هذا التخصيص لا يرتقي بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لمن شاء منه ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  ﴾ ، وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلًا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن الله أو هو الله.

وقد غَلَّب في المِلْكِيَّة ما لا يَعْقِل فقال ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ  ﴾ إلخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره.

ويستوي في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ولكنه في غير العاقل أظهر، ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغَلِّب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به.

وجملة القول أن الآية ناطقة بأن ما في السموات والأرض ملك لله تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبًا في غير العاقل وهي كلمة ﴿ مَا  ﴾ لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بما لا يعقل، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفًا.

وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.

ثم زاد هذين الحكمين بيانًا وتأكيدًا فقال ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ قال المفسرون إن البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي "أبدع"، واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدي كرب جاء فيه (سميع) بمعنى مسمع، وقالوا قد تعاقب فعيل ومفعل في حروف كثيرة كحكيم ومحكم وقعيد ومقعد وسخين ومسخن.

وقالوا إن الإبداع هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سبق وهو لا يقتضي سبق المادة، وأما الخلق فمعناه التقدير وهو يقتضي شيئًا موجودًا يقع فيه التقدير.

وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض والمخترع لهما والموجد لجميع ما فيهما فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه جنس له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وكان الأصمعي ينكر فعيلًا بمعنى مفعل لأن القياس بناؤه من الثلاثي ويقول إن بديعًا صفة مشبهة بمعنى لا نظير له، وبديع السموات معناه البديعة سمواته وفي هذا الترك ترك للقياس الذي قضى في الصفة المشبهة التي تضاف إلى الفاعل أن تكون متضمنة ضميرًا يعود على الموصوف، والحق أن تحكيم القياس فيما يثبت من كلام العرب تحكيم جائر، فما كان للدخيل في القوم أن يعمد إلى طائفة من كلامهم فيضع لها قانونًا يبطل به كلامًا آخر ثبت عنهم ويعده خارجًا عن لغتهم بعد ثبوت نطقهم به.

فإذا كان كل واحد من الوجهين صحيح المعنى، حكمنا بصحة كل منهما، والأول أظهر، وشواهده المسموعة أكثر.

وأما قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودًا، فكن ويكون من كان التامة.

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده كأمر يصدر فيعقبه الامتثال فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.

وقال بعضهم بل هو قول حقيقي.

وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين في المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع النقلي إلى العقلي لأنه الأصل وههنا يقولون إن الأمر بمعنى تعلق الإرادة وأن معنى ﴿ يَكُونُ  ﴾ يوجد.

ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول، وذلك ما لا مطمع فيه.

وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقربه من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق من هذا التعبير يقول للشيء: ﴿ كُنْ  ﴾ فيكون، فالتوالد محال في جانبه تعالى، لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقتين: الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه، كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه.

وإذا كان كل واحد من الأمرين محالًا على الله تعالى، وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكة مسخرة لإرادته، فلا معنى لإضافة الولد إليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل