الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ) يبين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم .
كما قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى وبالإنجيل .
وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شيء .
وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة .
فأنزل الله في ذلك من قولهما ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ) قال : إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به ، أي : يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة ، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى ، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى ، وما جاء من التوراة من عند الله ، وكل يكفر بما في يد صاحبه .
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء .
وقال قتادة : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) قال : بلى ، قد كانت أوائل النصارى على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا .
( وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) قال : بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا .
وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية ، والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى .
ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه ، مع علمهم بخلاف ذلك ; ولهذا قال تعالى : ( وهم يتلون الكتاب ) أي : وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل ، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت ، ولكن تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد ، كما تقدم عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها ، والله أعلم .
وقوله تعالى : ( كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) يبين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول ، وهذا من باب الإيماء والإشارة .
وقد اختلف فيما عنى بقوله تعالى : ( الذين لا يعلمون ) فقال الربيع بن أنس وقتادة : ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) قالا وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم .
وقال ابن جريج : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟
قال : أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل .
وقال السدي : ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) فهم : العرب ، قالوا : ليس محمد على شيء .
واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع ، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال ، فالحمل على الجميع أولى ، والله أعلم .
وقوله تعالى : ( فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) أي : أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد ، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة .
وهذا كقوله تعالى في سورة الحج : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) [ الحج : 17 ] ، وكما قال تعالى : ( قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) [ سبأ : 26 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم لبعض.
* ذكر من قال ذلك: 1811- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير ، قالا جميعا- حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال، لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء ، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل.
فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء ، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة.
فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، إلى قوله: فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (1) 1812- حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
* * * قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية ، فإن قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب!
، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب!
وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين ، إعلاما ، منه لهم بتضييع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإقرار بصحته وبأنه من عند الله ، وجحودهم مع ذلك ما أنـزل الله فيه من فروضه ، لأن الإنجيل الذي تدين بصحته وحقيته النصارى ، يحقق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام، وما فرض الله على بني إسرائيل فيها من الفرائض ، وأن التوراة التي تدين بصحتها وحقيقتها اليهود تحقق نبوة عيسى عليه السلام ، وما جاء به من الله من الأحكام والفرائض.
ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم في قوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، مع تلاوة كل واحد من الفريقين كتابه الذي يشهد على كذبه في قيله ذلك.
فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك ، على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون ؛ وأتوا ما أتوا من كفرهم بما كفروا به على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون.
فإن قال لنا قائل: أو كانت اليهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله على شيء ، فيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر مبطلا في قيله ما قال من ذلك؟
قيل: قد روينا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس قبل ، من أن إنكار كل فريق منهم ، إنما كان إنكارا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي ينتحل التصديق به ، وبما جاء به الفريق الآخر ، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا صلى الله عليه وسلم على شيء من دينه ، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحال التي أنـزل الله فيها هذه الآية؟
ولكن معنى ذلك: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها ، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها.
وذلك هو معنى الخبر الذي رويناه عن ابن عباس آنفا.
فكذب الله الفريقين في قيلهما ما قالا.
كما:- 1813- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) ، قال: بلى !
قد كانت أوائل النصارى على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا ، وقالت النصارى: (ليست اليهود على شيء)، ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا.
1814- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) ، قال: قال مجاهد: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.
* * * وأما قوله: (وهم يتلون الكتاب) ، فإنه يعني به كتاب الله التوراة والإنجيل ، وهما شاهدان على فريقي اليهود والنصارى بالكفر ، وخلافهم أمر الله الذي أمرهم به فيه.
كما:- 1815- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل - قالا جميعا، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس في قوله: (وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به: أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفي الإنجيل مما جاء به عيسى تصديقُ موسى ، وما جاء به من التوراة من عند الله ; وكل يكفر بما في يد صاحبه.
(2) * * * القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: (كذلك قال الذين لا يعلمون) .
فقال بعضهم بما:- 1816- حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم)، قال: وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم.
1817- حدثنا بشر بن سعيد ، عن قتادة: (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، قال: قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم.
* * * وقال آخرون بما:- 1818- حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟
قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى ، وقبل التوراة والإنجيل.
* * * وقال بعضهم: عنى بذلك مشركي العرب ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب فنسبوا إلى الجهل ، ونفي عنهم من أجل ذلك العلم.
* ذكر من قال ذلك: 1819- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم)، فهم العرب ، قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شيء.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر عن قوم وصفهم بالجهل ، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ .
وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب ، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى.
ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى ، إذْ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي ، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ، ولا من جهة النقل المستفيض.
وإنما قصد الله جل ثناؤه بقوله: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) ، إعلام المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل ، وافتراء الكذب على الله ، وجحود نبوة الأنبياء والرسل ، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون ، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون ، وعلى الله مفترون ، مثل الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله ، الذين لم يبعث الله لهم رسولا ولا أوحى إليهم كتابا.
وهذه الآية تنبئ عن أن من أتى شيئا من معاصي الله على علم منه بنهي الله عنها ، فمصيبته في دينه أعظم من مصيبة من أتى ذلك جاهلا به .
لأن الله تعالى ذكره عظم توبيخ اليهود والنصارى بما وبخهم به في قيلهم ما أخبر عنهم بقوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ، من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك على علم منهم أنهم مبطلون.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه: فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين ، = القائل بعضهم لبعض: لستم على شيء من دينكم - يوم قيام الخلق لربهم من قبورهم - فيتبين المحق منهم من المبطل ، بإثابة المحق ما وعد أهل طاعته على أعماله الصالحة ، ومجازاته المبطل منهم بما أوعد أهل الكفر به على كفرهم به = فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا.
* * * وأما " القيامة " فهي مصدر من قول القائل: " قمت قياما وقيامة "، كما يقال: " عدت فلانا عيادة " و " صنت هذا الأمر صيانة ".
* * * وإنما عنى " بالقيامة " قيام الخلق من قبورهم لربهم .
فمعنى " يوم القيامة ": يوم قيام الخلائق من قبورهم لمحشرهم.
------------------ الهوامش : (1) الأثر : 1811 - في سيرة ابن هشام 2 : 197 - 198 .
(2) الأثر : 1815 - في سيرة ابن هشام 2 : 198 .
قوله تعالى : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون [ ص: 73 ] معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء ، وأنه أحق برحمة الله منه .
وهم يتلون الكتاب يعني التوراة والإنجيل ، والجملة في موضع الحال .كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون والمراد ب الذين لا يعلمون في قول الجمهور : كفار العرب ; لأنهم لا كتاب لهم .
وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى .
الربيع بن أنس : المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى .
ابن عباس : قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود ، فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت كل فرقة منهم للأخرى لستم على شيء ، فنزلت الآية .
وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد, إلى أن بعضهم ضلل بعضا, وكفر بعضهم بعضا, كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم.
فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى, ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل, الذي أخبر به عباده, فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء والمرسلين, وامتثل أوامر ربه, واجتنب نواهيه, ومن عداهم, فهو هالك.
قوله ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران وذلك أن وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود : فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت لهم اليهود ، ما أنتم على شيء من الدين ، وكفروا بعيسى والإنجيل ، وقالت لهم النصارى : ما أنتم على شيء من الدين ، وكفروا بموسى والتوراة فأنزل الله تعالى ( وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ) [ وكلا الفريقين يقرءون الكتاب ، قيل : معناه ليس في كتبهم هذا الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على كونهم على الباطل ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) يعني : آباءهم الذين مضوا ( مثل قولهم ) قال مجاهد : يعني : عوام النصارى ، وقال مقاتل : يعني مشركي العرب ، كذلك قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه : إنهم ليسوا على شيء من الدين .
وقال عطاء : أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام قالوا لنبيهم : إنه ليس على شيء ( فالله يحكم بينهم يوم القيامة ) يقضي بين المحق والمبطل ( فيما كانوا فيه يختلفون ) الدين
«وقالت اليهود ليست النصارى على شئ» معتد به وكفرت بعيسى «وقالت النصارى ليست اليهود على شئ» معتد به وكفرت بموسى «وهم» أي الفريقان «يتلون الكتاب» المنزل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى والجملة حال «كذلك» كما قال هؤلاء «قال الذين لا يعلمون» أي المشركون من العرب وغيرهم «مثل قولهم» بيان لمعنى ذلك: أي قالوا لكل ذي دين ليسوا على شئ «فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» من أمر الدين فيدخل المحقُّ الجنة والمبطل النار.
وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح، وكذلك قالت النصارى في اليهود وهم يقرؤون التوراة والإنجيل، وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا.
كذلك قال الذين لا يعلمون من مشركي العرب وغيرهم مثل قولهم، أي قالوا لكل ذي دين: لست على شيء، فالله يفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه مِن أمر الدين، ويجازي كلا بعمله.
ثم بين القرآن بعد ذلك أن أهل الكتاب قد دأبوا على تضليل بعضهم البعض ، وأن الخلاف بينهم قد أدى إلى التنازع والتخاصم فقال :( وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى .
.
.
)الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) إلخ ، لزيادة بيان طبيعة أهل الكتاب ، المعوجة ، وأن رمي المخالف لهم بأنه ضال شنشنة فيهم .والشيء : يطلق على الموجود ، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وقد ينفى مبالغة في عدم الاعتداد به واليهود كفرت عيسى - عليه السلام - ومازالوا يزعمون أن المسيح المبشر به في التوارة لم يأت ، وسيأتي بعد ، فهم يعتقدون أن النصارى باتباعهم له ليسوا على أمر حقيقي من التدين ، والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء لإتمام شريعتهم ، ونشأ عن هذه النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعتصب حتى صار كل فريق منهم يطعن في دين الآخر ، وينفى عنه أن يكون له أصل من الحق .وجملة ( وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب ) حالية ، والكتاب للجنس .
أي : قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب ، إذ اليهود يقرءون والنصارى يقرءون الإِنجيل ، وحق من حمل التوارة والإِنجيل وغيرهما من كتب الله وآمن به ألا يكفر بالباقي ، لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني ، شاهد بصحته وكذلك كتب الله جميعاً متواردة على تصديق بعضها البعض .وقوله : ( كَذَلِكَ قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) معناه : كما أن أهل الكتاب قد قال كل فريق منهم فيمن خالفه إنه ليس على شيء من الدين الحق .
فكذلك قال الذين لا يعلمون ، وهم مشركوا العرب ، في شأن المسلمين .
إنهم ليسوا على شيء من الدين الحق ، فتشابهت قلوب هؤلاء وقلوب أولئك في الزيغ والضلال .والهدف الذي ترمى إليه هذه الجملة ، هو أن إنكار اليهود والنصارى لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يثيير شبهة على عدم صحتها ، حيث يسبق إلى أذهان الضعفاء من الناس أن تلاوتهم للكتاب تجعهلم أعرف بالنبوة الصادقة من غيرها .
فكأن القرآن يقول : إن تلاوتهم للكتاب وحدها لا ينبغي أن تكون شبهه .ألا ترون اليهود والنصارى وهم يتلون الكتاب كيف أنكر كل فريق منهما أن يكون الآخر على شيء حقيقي من التدين ، فسبيلهم في إنكار دين الإِسلام كسبيل المشركين الذين أنكروه عن جهالة به .وفي هذه الجملة توبيخ شديد لأهل الكتاب ، حيث نظموا أنفسهم - مع علمهم - في سلك من لا يعلم .وقوله : ( فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) .
صدر بالفاء ، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة ، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والضلال ، متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها ، وهو خبر المقصود منه التوبيخ والوعيد .والضمير المجرور بإضافة بين إليه راجع إلى الفرق الثلاث ، وما كانوا فيه يختلفون يعم ما ذكر وغيره وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى .والاختلاف : تقابل رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه .ولم تصرح الآية الكريمة بماذا يحكم الله بينهم ، لأنهن من المعلوم أن من مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق ، وعقاب من كان على باطل .وبذلك تكون الآية الكريمة قد فضحت أهل الكتاب ، حيث بينت كيف أن كل فريق منهم قد رمى صاحبه بالضلال ، وفي هذا تثبيت للمؤمنين ونهى لهم عن أن ينهجوا نهجهم .
اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل فريق منهم في الآخر، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لَيْسَتِ النصارى على شَيء ﴾ أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم: أقل من لا شيء، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب لَسْتُمْ على شَيء حتى تُقِيمُواْ التوراة ﴾ ، فإن قيل: كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، وذلك قول فيه فائدة؟
قلنا: الجواب من وجهين: الأول: أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولاً باطلاً يحبط ثواب الأول، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق.
الثاني: أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه، وهي ما يتصل بباب النبوات.
المسألة الثانية: روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل، وقالت النصارى لهم: نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة.
المسألة الثالثة: اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام، ولا يجب لما نقل في سبب الآية أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله: ﴿ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيء ﴾ يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر.
أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب ﴾ فالواو للحال، والكتاب للجنس.
أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام.
أما قوله تعالى: ﴿ كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالماً لكي يصح هذا الفرق، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لايعلم، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه: أولها: أنهم كفار العرب الذين قالوا: إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه.
وثانيها: أنه إذا حملنا قوله: ﴿ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيء ﴾ على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، حملنا قوله: ﴿ كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ على المعاندين وعكسه أيضاً محتمل.
وثالثها: أن يحمل قوله: ﴿ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيء ﴾ على علمائهم ويحمل قوله: ﴿ كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم، والأول أقرب: لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: ﴿ كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يجب أن يكون غيرهم.
أما قوله تعالى: ﴿ فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ففيه أربعة أوجه: أحدها: قال الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار.
وثانيها: حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب.
وثالثها: يريهم من يدخل الجنة عياناً ومن يدخل النار عياناً، وهو قول الزجاج.
ورابعها: يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على شَيْء ﴾ أي على شيء يصح ويعتدّ به.
وهذه مبالغة عظيمة، لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه.
فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده.
وهذا كقولهم: أقل من لا شيء ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب ﴾ الواو للحال.
والكتاب للجنس أي قالوا ذلك، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب.
وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدّق للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب الله جميعاً متواردة على تصديق بعضها بعضاً ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج ﴿ قَالَ ﴾ الجهلة ﴿ الذين ﴾ لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شيء.
وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم.
وروى: أن وفد نجران لمّا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل.
وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة.
﴿ فالله يَحْكُمُ ﴾ بين اليهود والنصارى ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه.
وعن الحسن: حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار ﴿ أَن يُذْكَرَ ﴾ ثاني مفعولي منع.
لأنك تقول: منعته كذا.
ومثله ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ ﴾ [الاسراء: 59] ، ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ ﴾ [الاسراء: 94] ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن، ولك أن تنصبه مفعولاً له بمعنى كراهة أن يذكر، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، والسبب فيه أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وأن الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا.
وقيل: أراد به منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.
فإن قلت: فكيف قيل مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟
قلت: لا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً، كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممن آذى الصالحين.
وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1] والمنزول فيه الأخنس بن شريق ﴿ وسعى فِي خَرَابِهَا ﴾ بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان.
وينبغي أن يراد ب (من) منع العموم كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى أو المشركين ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا ﴾ أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ﴿ إِلاَّ خَائِفِينَ ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.
والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوّهم.
وقيل: ما كان لهم في حكم الله، يعني: أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر المؤمنين ويقوّيهم حتى لا يدخلوها إلا خائفين.
روى: أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة.
وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا أنهك ضرباً وأبلغ إليه في العقوبة.
وقيل: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يحجنّ بعد هذاالعام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان» وقرأ أبو عبد الله: ﴿ إلا خيفاً ﴾ ، وهو مثل صيم.
وقد اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد: فجوّزه أبو حنيفة رحمه الله، ولم يجوزه مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره.
وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله ﴾ [الاحزاب: 53] ﴿ خِزْىٌ ﴾ قتلٌ وسبيٌ، أو ذلة بضرب الجزية.
وقيل: فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ ﴾ أيْ عَلى أمْرٍ يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ.
نَزَلَتْ لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، وأتاهم أحْبارُ اليَهُودِ فَتَناظَرُوا وتَقاوَلُوا بِذَلِكَ.
﴿ وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والكِتابُ لِلْجِنْسِ أيْ: قالُوا ذَلِكَ وهم مِن أهْلِ العِلْمِ والكِتابِ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ كَعَبَدَةِ الأصْنامِ، والمُعَطِّلَةِ.
وبَّخَهم عَلى المُكابَرَةِ والتَّشَبُّهِ بِالجُهّالِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ وبَّخَهم وقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؟
قُلْتُ: لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ إبْطالَ دِينِ الآخَرِ مِن أصْلِهِ والكَفْرَ بِنَبِيِّهِ وكِتابِهِ مَعَ أنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنهُما حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ والعَمَلِ بِهِ ﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ ﴾ يَفْصِلُ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِما يَقْسِمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العِقابِ.
وقِيلَ حُكْمُهُ بَيْنَهم أنْ يُكَذِّبَهم ويُدْخِلَهُمُ النّارَ.
<div class="verse-tafsir"
{وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء} أي على شيء يصح ويعتد به والواو في {وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب} للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب وحق من حمل التوراة والإنجيل وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر {كذلك} مثل ذلك القول الذي سمعت به {قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم
{فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب اللائق به
﴿ وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ ﴾ المُرادُ يَهُودُ المَدِينَةِ، ووَفْدُ نَصارى نَجْرانَ تَمارَوْا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَسابُّوا، وأنْكَرَتِ اليَهُودُ الإنْجِيلَ، ونُبُوَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْكَرَ النَّصارى التَّوْراةَ ونُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْ في المَوْضِعَيْنِ لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: المُرادُ عامَّةُ اليَهُودِ وعامَّةُ النَّصارى، وهو مِنَ الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن بِحَضْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إذْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ، والكُتُبِ قَبْلَهُ، فَألْ في المَوْضِعَيْنِ لِلْجِنْسِ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، وعَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القائِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الطّائِفَتَيْنِ، وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ نافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ، ورَجُلٌ مِن نَصارى نَجْرانَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ حَيْثُ وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ، وهي طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ في نَظْمِها ونَثْرِها، وهَذا بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ عَلى وجْهِ العُمُومِ، (وعَلى شَيْءٍ) خَبَرُ لَيْسَ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مِن بابِ حَذْفِ الصِّفَةِ، أيْ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ في الدِّينِ، لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلًّا مِنهُما عَلى شَيْءٍ، والأوْلى عَدَمُ اعْتِبارِ الحَذْفِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، لِأنَّ الشَّيْءَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ، ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَإذا نُفِيَ مُطْلَقًا كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما هم عَلَيْهِ، وصارَ كَقَوْلِهِمْ: أقَلُّ مِن لا شَيْءَ، ﴿ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ حالٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِجَعْلِهِما فاعِلَ فِعْلٍ واحِدٍ، لِئَلّا يَلْزَمَ إعْمالُ عامِلَيْنِ في مَعْمُولٍ واحِدٍ، أيْ قالُوا ذَلِكَ وهم عالِمُونَ بِما في كُتُبِهِمُ النّاطِقَةِ بِخِلافِ ما يَقُولُونَ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وإرْشادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلى أنَّ مَن كانَ عالِمًا بِالقُرْآنِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ خِلافَ ما تَضَمَّنَهُ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ الجِنْسُ فَيَصْدُقُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ لِأنَّ النَّصارى تَمْتَثِلُها أيْضًا.
﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وهم مُشْرِكُو العَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، وقِيلَ: هم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُمُ اليَهُودُ، وأُعِيدَ قَوْلُهم مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى، ونُفِيَ عَنْهُمُ العِلْمُ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ قَوْلُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، والكافُ مِن (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ (بِقالَ) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أيْ قَوْلًا مِثْلَ قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى، ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ويَكُونُ ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ عَلى هَذا مَنصُوبًا (بِيَعْلَمُونَ)، والقَوْلُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ، أوْ يُقالُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ الكافِ، وقِيلَ: (كَذَلِكَ)، مَفْعُولٌ بِهِ، (ومِثْلَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ المَقُولِ بِالمَقُولِ في المُؤَدّى والمَحْصُولِ، وتَشْبِيهُ القَوْلِ بِالقَوْلِ في الصُّدُورِ عَنْ مُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى والعَصَبِيَّةِ، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ قالَهُ، (ومِثْلَ) صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ)، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (قالَ) لِأنَّهُ قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّ حَذْفَ العائِدِ عَلى المُبْتَدَإ الَّذِي لَوْ قُدِّرَ خُلُوُّ الفِعْلِ عَنِ الضَّمِيرِ لَنَصَبَهُ مِمّا خَصَّهُ الكَثِيرُ بِالضَّرُورَةِ، ومَثَّلُوا لَهُ بِقَوْلِهِ: وخالِدٌ يَحْمَدُ ساداتِنا بِالحَقِّ لا تُحْمَدُ بِالباطِلِ وقِيلَ: عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ أنَّ اسْتِعْمالَ الكافِ اسْمًا، وإنْ جَوَّزَهُ الأخْفَشُ إلّا أنَّ جَماعَةً خَصُّوهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُؤَوَّلُ ما ورَدَ مِنهُ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ التَّشْبِيهَيْنِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اللُّغَوِيَّةِ مِنَ التَّكَلُّفِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إعادَةً لِقَوْلِهِ تَعالى (كَذَلِكَ) لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ ﴾ وبِهِ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ (كَذَلِكَ) لَيْسَتْ لِلتَّشْبِيهِ هُنا بَلْ لِإفادَةِ أنَّ هَذا الأمْرَ عَظِيمٌ مُقَرَّرٌ، وقَدْ نَقَلَ الوَزِيرُ عاصِمُ بْنُ أيُّوبَ في شَرْحِ قَوْلِ زُهَيْرٍ: كَذَلِكَ خَيْمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ ∗∗∗ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خَيْمُ عَنِ الإمامِ الجُرْجانِيِّ: إنَّ كَذَلِكَ تَأْتِي لِلتَّثْبِيتِ، إمّا لِخَبَرٍ مُقَدَّمٍ، وإمّا لِخَبَرٍ مُتَأخِّرٍ، وهي نَقِيضُ كَلّا، لِأنَّ كَلّا تَنْفِي، وكَذَلِكَ تُثْبِتُ، ومِثْلُهُ ﴿ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ ﴾ وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ: إنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهاتِ هي المَعانِي الوَضْعِيَّةُ فَقَطْ، إذْ تَشْبِيهاتُ البُلَغاءِ قَلَّما تَخْلُو مِن مَجازاتٍ وكِناياتٍ، فَنَقُولُ: إنّا رَأيْناهم يَسْتَعْمِلُونَ كَذا وكَذا، لِلِاسْتِمْرارِ تارَةً نَحْوَ: عَدَلَ زَيْدٌ في قَضِيَّةِ فُلانٍ كَذا، وهَكَذا أيُّ عَدْلٍ مُسْتَمِرٍّ، وقالَ الحَماسِيُّ: هَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ ويَفْنى الـ ∗∗∗ عِلْمُ فِيهِ ويَدْرُسُ الأثَرُ نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ، ولَهُ شَواهِدُ كَثِيرَةٌ، وقالَ في شَرْحِ قَوْلِ أبِي تَمّامٍ: كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ ولْيَفْدَحِ الأمْرُ إنَّهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وهو في مَصْدَرِ القَصِيدَةِ لَمْ يَسْبِقْ ما يُشَبَّهُ بِهِ، وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وإنَّما جُعِلَ قَوْلُ أُولَئِكَ مُشَبَّهًا بِهِ لِأنَّهُ أقْبَحُ إذِ الباطِلُ مِنَ العالِمِ أقْبَحُ مِنهُ مِنَ الجاهِلِ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ التَّشْبِيهَ عَلى حَدِّ: ﴿ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّشَبُّهِ بِالجُهّالِ ما لا يَخْفى، وإنَّما وُبِّخُوا وقَدْ صَدَقُوا إذْ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ، وإنَّما قَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ إبْطالَ دِينِ الآخَرِ مِن أصْلِهِ، والكُفْرَ بِنَبِيِّهِ وكِتابِهِ، عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّ كِلا الدِّينَيْنِ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ في حَدِّ ذاتِهِ، وما لا يُنْسَخُ مِنهُما حَقٌّ واجِبُ القَبُولِ والعَمَلِ، فَيَكُونُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في حَدِّ ذاتِهِ، وإنْ يَكُنْ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا انْتِفاعَ بِما لَمْ يُنْسَخْ مَعَ الكُفْرِ بِالنّاسِخِ.
﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أيْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى لا بَيْنَ الطَّوائِفِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِبَيانِ حالِ تَيْنِكَ الطّائِفَتَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِمَقالَةِ غَيْرِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ بُطْلانِ مَقالِهِمْ، والحُكْمُ الفَصْلُ والقَضاءُ وهو يَسْتَدْعِي جارَيْنِ فَيُقالُ: حَكَمَ القاضِي في هَذِهِ الحادِثَةِ بِكَذا، وقَدْ حُذِفَ هُنا أحَدُهُما اخْتِصارًا وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العَذابِ، والمُتَبادِرُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ أنْ يُحْكَمَ لِأحَدِهِما بِحَقٍّ دُونَ الآخَرِ، فَكَأنَّ اسْتِعْمالَهُ بِما ذُكِرَ مَجازٌ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالحُكْمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ تَكْذِيبُهم وإدْخالُهُمُ النّارَ، وفي ذَلِكَ تَشْرِيكٌ في حُكْمٍ واحِدٍ، وهو بَعِيدٌ عَنْ حَقِيقَةِ الحُكْمِ، (ويَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَحْكُمُ)، وكَذا ما بَعْدَهُ، ولا ضَيْرَ لِاخْتِلافِ المَعْنى وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ (بِيَخْتَلِفُونَ)، لا (بِكانُوا)، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ أيْ ما نُزِيلُ مِن صِفاتِكَ شَيْئًا عَنْ دِيوانِ قَلْبِكَ أوْ نُخْفِيهِ بِإشْراقِ أنْوارِنا عَلَيْهِ، إلّا ونَرْقُمُ فِيهِ مِن صِفاتِنا الَّتِي لا تَظُنُّ قابِلِيَّتَكَ لِما يُشارِكُها في الِاسْمِ، والَّتِي تَظُنُّ وُجُودَ ما لا يُشارِكُها فِيكَ، ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ ﴾ عالَمِ الأرْواحِ وأرْضِ الأجْسادِ، وهو المُتَصَرِّفُ فِيهِما بِيَدِ قُدْرَتِهِ بَلِ العَوالِمُ عَلى اخْتِلافِها ظاهِرُ شُئُونِ ذاتِهِ ومَظْهَرُ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ غَيْرُهُ يَنْصُرُكم ويَلِيكُمْ، ﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ ﴾ العَقْلِ مِنَ اللَّذّاتِ الدَّنِيَّةِ، والشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما سُئِلَ مُوسى القَلْبُ مِن قَبْلُ، ومَن يَتَبَدَّلِ الظُّلْمَةَ بِالنُّورِ فَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، وقالَتِ اليَهُودُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ المَعْهُودَةَ عِنْدَهُمْ، وهي جَنَّةُ الظّاهِرِ وعالَمُ المُلْكِ الَّتِي هي جَنَّةُ الأفْعالِ وجَنَّةُ النَّفْسِ إلّا مَن كانَ هُودًا وقالَتِ النَّصارى لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ المَعْهُودَةَ عِنْدَهُمْ، وهي جَنَّةُ الباطِنِ وعالَمُ المَلَكُوتِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ وجَنَّةُ القَلْبِ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا، ولِهَذا قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَنْ يَلِجَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ مَن لَمْ يُولَدْ مَرَّتَيْنِ، تِلْكَ أمانِيُّهُمْ، أيْ غايَةُ مَطالِبِهِمُ الَّتِي وقَفُوا عَلى حَدِّها واحْتَجَبُوا بِها عَمّا فَوْقَها، قُلْ هاتُوا دَلِيلَكُمُ الدّالَّ عَلى نَفْيِ دُخُولِ غَيْرِكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمْ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى نَقِيضِ مُدَّعاكُمْ، فَإنَّ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ وخَلَّصَ ذاتَهُ مِن جَمِيعِ لَوازِمِها وعَوارِضِها لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ عِنْدَ المَحْوِ الكُلِّيِّ، وهو مُسْتَقِيمٌ في أحْوالِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ مُشاهِدٌ رَبَّهُ في أعْمالِهِ، راجِعٌ مِنَ الشُّهُودِ الذّاتِيِّ إلى مَقامِ الإحْسانِ الصِّفاتِيِّ الَّذِي هو المُشاهَدَةُ لِلْوُجُودِ الحَقّانِيِّ، فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أيْ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ الجَنَّةِ، وأصْفى، لِاخْتِصاصِهِ بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ الَّتِي حُجِبْتُمْ عَنْها، ولَهم زِيادَةٌ عَلى ذَلِكَ هي عَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنِ احْتِجابِ الذّاتِ، وعَدَمُ حُزْنِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن جَنَّةِ الأفْعالِ والصِّفاتِ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِالوُقُوفِ عِنْدَها، وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ لِاحْتِجابِهِمْ بِالباطِنِ عَنِ الظّاهِرِ، وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ لِاحْتِجابِهِمْ عَنِ الباطِنِ بِالظّاهِرِ، وهم يَتْلُونَ الكِتابَ وفِيهِ ما يُرْشِدُهم إلى رَفْعِ الحِجابِ، ورُؤْيَةِ حَقِّيَّةِ كُلِّ مَذْهَبٍ في مَرْتَبَتِهِ، كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ المَراتِبَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، فَخَطَّأ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الفِرْقَةَ الأُخْرى، ولَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الإرادَةِ الكَوْنِيَّةِ، والإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا وجْهَ الحَقِّ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ، فاللَّهُ تَعالى الجامِعُ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها وتَفاوُتِ دَرَجاتِها يَحْكُمُ بَيْنَهم بِالحَقِّ في اخْتِلافاتِهِمْ يَوْمَ قِيامِ القِيامَةِ الكُبْرى وظُهُورِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، وتَجَلِّي الرَّبِّ بِصُوَرِ المُعْتَقَداتِ، حَتّى يُنْكِرُونَهُ، فَلا يَسْجُدُ لَهُ إلّا مَن لَمْ يُقَيِّدْهُ سُبْحانَهُ حَتّى بِقَيْدِ الإطْلاقِ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ من أمر الدين.
وروي عن ابن عباس أنه قال: صدقوا ولو حلفوا على ذلك ما حنثوا، لأن كل فريق منهم ليس على شيء.
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، أي عندهم ما يخرجهم من ذلك الاختلاف أن لو نظروا فيه.
وقال الزجاج: معناه، كلا الفريقين يتلون الكتاب وبينهم هذا الاختلاف، فدلّ ذلك على ضلالتهم.
كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، أي الذين ليسوا من أهل الكتاب قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا.
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، يعني أنه يريهم من يدخل الجنة عياناً ومن يدخل النار عياناً ويبيّن لهم الصواب فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، أي في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يلحقه، وإن خلفه، أحبّ التّخلّف» «١» .
انتهى.
٣٣ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبرٌ في اللفظ، معناه الوعد والوعيد/.
وقوله تعالى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، معناه: قال اليهودُ:
لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم.
ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ.
وهُوداً: جمعُ هَائِدٍ «٢» ، ومعناه: التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه- عليه السلام- بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم: «لَنْ» نفي حسُنت بعده «بلى» إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: جملة في موضعِ الحالِ.
وقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...
الآية: معناه: أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة.
ع «٣» : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشير بعيسى، وكلاهما يتضمّن صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم،
فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا.
وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ تنبيه لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه، قيل: هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل: التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها.
وقوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار العَرَبِ لأنهم لا كتابَ لهم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...
الآية، أي: فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ...
الآيةَ، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ «١» ، وقال ابن زَيْد: المراد كُفَّار قريش حين صدّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المسجِدِ الحرامِ «٢» ، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة.
وقوله سبحانه: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ...
الايةَ: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضرباً، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ «٣» ، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ «٤» وفَأَيْنَما «٥» شرط، وتُوَلُّوا جزم به،
وفَثَمَّ: جوابه، ووَجْهُ اللَّهِ: معناه: الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآية، ٣٣ ب فقال ابنُ عُمَرَ: نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ، / حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته «١» ، وقال النَّخَعِيُّ: الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي: موضع رضاه، وثوابه، وجهة رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ «٣» : نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة «٤» ، فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بن ربيعة، قال: «كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ القبلة،
وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أخطئوها، فعرّفوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية» «١» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اخْتَصَمَ يَهُودُ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَقالَتِ اليَهُودَ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى.
وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، وكَفَرُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ » واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآَيَةِ مُجْمَلٌ، ومَعْناهُ: قالَتِ اليَهُودَ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.
واليَهُودُ، جَمْعُ: هائِدٍ.
﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ أيْ: ذاكَ شَيْءٌ يَتَمَنَّوْنَهُ، وظَنٌّ يَظُنُّونَهُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.
﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ أيْ: حُجَّتُكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بِأنَّ الجَنَّةَ لا يُدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِأنَّهُ لَيْسَ كَما زَعَمُوا فَقالَ: ﴿ بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ ﴾ وأسْلَمَ، بِمَعْنى: أخْلَصَ.
وفي الوَجْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ.
والثّانِي: العَمَلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: في عَمَلِهِ؛ ﴿ فَلَهُ أجْرُهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُرِيدُ: فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ أيْ: كُلٌّ مِنهم يَتْلُوا كِتابَهُ بِتَصْدِيقِ ما كَفَرَ بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.
﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُوا العَرَبِ قالَهُ لِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والثّانِي: أنَّهم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى، كَقَوْمِ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُرِيدُ حُكْمَ الفَصْلِ بَيْنَهم، فَيُرِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَيانًا [وَمَن يَدْخُلُ النّارَ عَيانًا ] فَأمّا الحُكْمُ بَيْنَهم في العَقَدِ فَقَدْ بَيَّنَهُ لَهم في الدُّنْيا بِما أقامَ عَلى الصَّوابِ مِنَ الحُجَجِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إنَّ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وأقِيمُوا الصَلاةَ ) عُمُومٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ، والمُرَجِّحُ أنَّ ذَلِكَ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، ومُجْمَلٌ مِن وجْهٍ، فَعُمُومٌ مِن حَيْثُ الصَلاةُ الدُعاءُ، فَحَمْلُهُ عَلى مُقْتَضاهُ مُمْكِنٌ، وخَصَّصَهُ الشَرْعُ بِهَيْئاتٍ وأفْعالٍ وأقْوالٍ، ومُجْمَلٌ مِن حَيْثُ الأوقاتُ وعَدَدُ الرَكَعاتِ لا يُفْهَمُ مِنَ اللَفْظِ، بَلِ السامِعُ فِيهِ مُفْتَقِرٌ إلى التَفْسِيرِ، وهَذا كُلُّهُ في أقِيمُوا الصَلاةَ، وأمّا الزَكاةُ فَمُجْمَلَةٌ لا غَيْرَ.
قالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللهُ هُنا بِالصَلاةِ والزَكاةِ لِتَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى أقْوالِ اليَهُودِ: "راعِنا" لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عن نَوْعِهِ، ثُمَّ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِما يَحُطُّهُ.
والخَيْرُ المُقَدِّمُ مُنْقَضٍ لِأنَّهُ فَعَلَ، فَمَعْنى "تَجِدُوهُ": تَجِدُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، خَبَرٌ في اللَفْظِ مَعْناهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ﴾ مَعْناهُ: قالَ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَ النَصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، فَجَمَعَ قَوْلَهُمْ، ودَلَّ تَفْرِيقُ نَوْعَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ قَوْلَيْهِمْ، وهَذا هو الإيجازُ واللَفُّ، وهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، مِثْلُ عائِدٍ وعُودٍ.
ومَعْناهُ التائِبُ الراجِعُ، ومِثْلُهُ في الجَمْعِ: بازِلٌ وبَزْلٌ، وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبائِرٌ وبُورٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ كَفَطَرَ وعَدَلَ ورَضا.
وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ يَهُودِيٌّ حُذِفَتْ ياءاهُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا"، وكَذَّبَهُمُ اللهُ تَعالى، وجَعَلَ قَوْلَهم أُمْنِيَةً، وقَدْ قَطَعُوا قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ ﴾ ، وأمَرَ مُحَمَّدٌ بِدُعائِهِمْ إلى إظْهارِ البُرْهانِ.
وقِيلَ: إنَّ الهاءَ في "هاتُوا" أصْلِيَّةٌ مِن "هاتا، يُهاتِي"، وأُمِيتُ تَصْرِيفُ هَذِهِ اللَفْظَةِ كُلِّهِ إلّا الأمْرُ مِنهُ، وقِيلَ: هي عِوَضٌ مِن هَمْزَةِ آتى، وقِيلَ: ها تَنْبِيهٌ، وأُلْزِمَتْ هَمْزَةُ آتى الحَذْفَ.
والبُرْهانُ: الدَلِيلُ الَّذِي يُوقِعُ اليَقِينَ.
قالَ الطَبَرِيُّ: طَلَبُ الدَلِيلِ هُنا يَقْضِي بِإثْباتِ النَظَرِ، ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ، وقَوْلُ اليَهُودِ: "لَنْ" نَفْيٌ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "بَلى" إذْ هي رَدٌّ بِالإيجابِ في جَوابِ النَفْيِ، حَرْفٌ مُرْتَجَلٌ لِذَلِكَ، وقِيلَ: هي "بَلْ" زِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِتُزِيلَها عَلى حَدِّ النَسَقِ الَّذِي في "بَلْ".
و"أسْلَمَ" مَعْناهُ: اسْتَسْلَمَ وخَضَعَ ودانَ، ومِنهُ قَوْلُ زِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا وخُصَّ الوَجْهُ بِالذِكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ومَوْضِعَ الحَواسِّ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُلُّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: وجْهُ الأمْرِ، أيْ مُعْظَمُهُ وأشْرَفُهُ، قالَ الأعْشى: أُؤَوِّلُ الحُكْمَ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضائِي بِالهَوى الجائِرِ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، المَقْصِدَ، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وعادَ الضَمِيرُ في "لَهُ" عَلى لَفْظِ "مَن" وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أجْرُهُ"، وعادَ في "عَلَيْهِمْ" عَلى المَعْنى، وكَذَلِكَ في "يَحْزَنُونَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ في الفاءِ المَرْفُوعَةِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: المُرادُ فَلا الخَوْفُ، فَحُذِفَتِ الألِفُ واللامُ.
والخَوْفُ: هو لِما يُتَوَقَّعُ، والحُزْنُ: هو لِما قَدْ وقَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ ادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ أحَقُّ بِرَحْمَةِ اللهِ مِنَ الآخَرِ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ نَصارى نَجْرانَ اجْتَمَعُوا مَعَ يَهُودِ المَدِينَةِ عِنْدَ النَبِيِّ ، فَتَسابُّوا، وكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِمِلَّتِهِ وبِالإنْجِيلِ، وكَفَرَ النَصارى بِمُوسى وبِالتَوْراةِ، وفي هَذا مِن فِعْلِهِمْ كَفَرَ كُلُّ طائِفَةٍ بِكِتابِها، لِأنَّ الإنْجِيلَ يَتَضَمَّنُ صِدْقَ مُوسى وتَقْرِيرَ التَوْراةِ، والتَوْراةُ تَتَضَمَّنُ التَبْشِيرَ بِعِيسى وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكِلاهُما تَضَمَّنَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ .
فَعَنَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ، وفي كُتُبِهِمْ خِلافَ ما قالُوا.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ ، تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلى مُلازَمَةِ القُرْآنِ والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، كَما قالَ الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللهِ.
والكِتابُ الَّذِي يَتْلُونَهُ قِيلَ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، فالألِفُ واللامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: التَوْراةُ لِأنَّ النَصارى تَمْتَثِلُها، فالألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ.
اخْتَلَفَ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: عَنى بِذَلِكَ كُفّارَ العَرَبِ ؛ لِأنَّهم لا كِتابَ لَهُمْ، وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَصارى، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ اليَهُودُ، وكَأنَّهُ أُعِيدَ قَوْلُهُمْ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وأخْبَرَهم تَعالى بِأنَّهُ ﴿ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، والمَعْنى بِأنْ يُثِيبَ مَن كانَ عَلى شَيْءٍ أيَّ شَيْءٍ حَقٍّ، ويُعاقِبُ مَن كانَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ.
وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى يُرِيهِمْ عِيانًا مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ومَن يَدْخُلُ النارَ.
و ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُمِّي بِقِيامِ الناسِ مِنَ القُبُورِ، إذْ ذَلِكَ مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ ما في اليَوْمِ، وفي الِاسْتِمْرارِ بَعْدَهُ.
وقَوْلُهُ: "كانُوا" بِصِيغَةِ الماضِي حَسَنٌ عَلى مُراعاةِ الحُكْمِ، ولَيْسَ هَذا مِن وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ اخْتِلافَهم لَيْسَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ في الدُنْيا.
<div class="verse-tafsir"
معطوف على قوله: ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ [البقرة: 111] لزيارة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمي المخالف لهم بأنه ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد المخالفة، فقديماً ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة، وفي ذلك إنحاء على أهل الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتاً على شركهم.
والمراد من القول التصريح بالكلام الدال فهم قد قالوا هذا بالصراحة حين جاء وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أعيان دينهم من النصارى فلما بلغ مقدمهم اليهود أتوهم وهم عند النبيء صلى الله عليه وسلم فناظروهم في الدين وجادلوهم حتى تسابوا فكفر اليهود بعيسى وبالإنجيل وقالوا للنصارى ما أنتم على شيء فكفر وفد نجران بموسى وبالتوراة وقالوا لليهود لستم على شيء.
وقولهم ﴿ على شيء ﴾ نكرة في سياق النفي والشيء الموجود هنا مبالغة أي ليسوا على أمر يعتد به.
فالشيء المنفي هو العرفي أو باعتبار صفة محذوفة على حد قول عباس بن مرداس: وقد كنت في الحرب ذا تُدْرَا *** فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمنع أي لم أعط شيئاً نافعاً مغنياً بدليل قوله ولم أُمنع، وسئل رسول الله عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء»، فالصيغة صيغة عموم والمراد بها في مجاري الكلام نفي شيء يعتد به في الغرض الجاري فيه الكلام بحسب المقامات فهي مستعملة مجازاً كالعام المراد به الخصوص أي ليسوا على حظ من الحق فالمراد هنا ليستْ على شيء من الحق وذلك كناية عن عدم صحة ما بين أيديهم من الكتاب الشرعي فكل فريق من الفريقين رمَى الآخر بأن ما عنده من الكتاب لاحظ فيه من الخير كما دل عليه قوله بعده: ﴿ وهم يتلون الكتاب ﴾ فإن قوله: ﴿ وهم يتلون الكتاب ﴾ جملة حالية جيء بها لمزيد التعجب من شأنهم أن يقولوا ذلك وكل فريق منهم يتلون الكتاب وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله حق اتباعه، ولا يخلو أَهل كتاب حق من أن يتبعوا بعض ما في كتابهم أو جل ما فيه فلا يصدق قولُ غيرهم أنهم ليسوا على شيء.
وجيء بالجملة الحالية لأن دلالتها على الهيئة أقوى من دلالة الحال المفردة لأن الجملة الحالية بسبب اشتمالها على نسبة خبرية تفيد أن ما كان حقه أن يكون خبراً عدل به عن الخبر لادعاء أنه معلوم اتصاف المخبر عنه به فيؤتى به في موقع الحال المفردة على اعتبار التذكير به ولفت الذهن إليه فصار حالاً له.
وضمير قوله: ﴿ هم ﴾ عائد إلى الفريقين وقيل عائد إلى النصارى لأنهم أقرب مذكور.
والتعريف في (الكتاب) جعله صاحب «الكشاف» تعريف الجنس وهو يرمي بذلك إلى أن المقصود أنهم أهل علم كما يقال لهم أهل الكتاب في مقابلة الأميين، وحداه إلى ذلك قوله عقبه ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فالمعنى أنهم تراجموا بالنسبة إلى نهاية الضلال وهم من أهل العلم الذين لا يليق بهم المجازفة ومن حقهم الإنصاف بأن يبينوا مواقع الخطأ عند مخالفيهم.
وجعل ابن عطية التعريف للعهد وجعل المعهود التوراة أي لأنها الكتاب الذي يقرأه الفريقان.
ووجه التعجيب على هذا الوجه أن التوراة هي أصل للنصرانية والإنجيل ناطق بحقيتها فكيف يَسُوغُ للنصارى ادعاء أنها ليست بشيء كما فعلت نصارى نجران، وأن التوراة ناطقة بمجيء رسل بعد موسى فكيف ساغ لليهود تكذيب رسول النصارى.
وإذا جعل الضمير عائداً للنصارى خاصة يحتمل أن يكون المعهود التوراة كما ذكرنا أو الإنجيل الناطق بأحقية التوراة وفي ﴿ يتلون ﴾ دلالة على هذا لأنه يصير التعجب مشرباً بضرب من الاعتذار أعني أنهم يقرأون دون تدبر وهدا من التهكم وإلا لقال وهم يعلمون الكتاب وبهذا يتبين أن ليست هذه الآية واردة للانتصار لأحد الفريقين أو كليهما.
وقوله: ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ أي يشبه هذا القول قول فريق آخر غير الفريقين وهؤلاء الذين لا يعلمون هم مقابل الذين يتلون الكتاب وأريد بهم مشركو العرب وهم لا يعلمون لأنهم أمّيون وإطلاق ﴿ الذين لا يعلمون ﴾ على المشركين وارد في القرآن من ذلك قوله الآتي: ﴿ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ﴾ [البقرة: 118] بدليل قوله: ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ﴾ [البقرة: 118] يعني كذلك قال اليهود والنصارى، والمعنى هنا أن المشركين كذبوا الأديان كلها اليهودية والنصرانية والإسلام والمقصود من التشبيه تشويه المشبه به بأنه مشابه لقول أهل الضلال البحت.
وهذا استطراد للإنحاء على المشركين فيما قابلوا به الدعوة الإسلامية، أي قالوا للمسلمين مثل مقالة أهل الكتابين بعضهم لبعض وقد حكى القرآن مقالتهم في قوله: ﴿ إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91].
والتشبيه المستفاد من الكاف في ﴿ كذلك ﴾ تشبيه في الادعاء على أنهم ليسوا على شيء والتقدير مثل ذلك القول الذي قالته اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون، ولهذا يكون لفظ ﴿ مثل قولهم ﴾ تأكيداً لما أفاده كاف التشبيه وهو تأكيد يشير إلى أن المشابهة بين قول ﴿ الذين لا يعلمون ﴾ وبين قول اليهود والنصارى مشابهة تامة لأنهم لما قالوا ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ قد كذَّبوا اليهود والنصارى والمسلمين.
وتقديم الجار والمجرور على متعلقه وهو ﴿ قال ﴾ إما لمجرد الاهتمام ببيان الماثلة وإما ليغني عن حرف العطف في الانتقال من كلام إلى كلام إيجازاً بديعاً لأن مفاد حرف العطف التشريك ومفاد كاف التشبيه التشريك إذ التشبيه تشريك في الصفة.
ولأجل الاهتمام أو لزيادته أكد قوله ﴿ كذلك ﴾ بقوله ﴿ مثل قولهم ﴾ فهو صفة أيضاً لمعمول قالوا المحذوف أي قالوا مقولاً مثل قولهم.
ولك أن تجعل ﴿ كذلك ﴾ تأكيداً لمثل قولهم وتعتبر تقديمه من تأخير، والأول أظهر.
وجوز صاحب «الكشف» وجماعة أن لا يكون قوله: ﴿ مثلَ قولهم ﴾ أو قوله: ﴿ كذلك ﴾ تأكيداً للآخر وأن مرجع التشبيه إلى كيفية القول ومنهجه في صدوره عن هَوىً، ومرجع المماثلة إلى المماثلة في اللفظ فيكون على كلامه تكريراً في التشبيه من جهتين للدلالة على قوة التشابه.
وقولُه: ﴿ فالله يحكم بينهم ﴾ الآية، جاء بالفاء لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والحسد متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها وهو خبر مراد به التوبيخ والوعيد والضمير المجرور بإضافة (بين) راجع إلى الفرق الثلاث و(ما كانوا فيه يختلفون) يعم ما ذكر وغيره.
والجملة تذييل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ أمّا المَساجِدُ فَهي مَواضِعُ العِباداتِ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما نُسِبَ إلى التَّعَبُّدِ مِن بُيُوتِ اللَّهِ تَعالى اسْتِعْمالًا لِحَقِيقَةِ الِاسْمِ.
والثّانِي: أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ، أُقِيمَتْ فِيهِ عِبادَةٌ مِن بُيُوتِ اللَّهِ وغَيْرِها مَسْجِدٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ : « (جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا)» .وَفِي المانِعِ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ (بُخْتَ نَصَّرَ) وأصْحابُهُ مِنَ المَجُوسِ الَّذِينَ خَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى الَّذِينَ أعانُوا (بُخْتَ نَصَّرَ) عَلى خَرابِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، مَنَعَ مِن كُلِّ مَسْجِدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَعى في خَرابِها ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالمَنعِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ فِيها.
والثّانِي: بِهَدْمِها.
﴿ أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: خائِفِينَ بِأداءِ الجِزْيَةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: خائِفِينَ مِنَ الرُّعْبِ، إنْ قُدِّرَ عَلَيْهِمْ عُوقِبُوا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى والإِنجيل.
فقال رجل من أهل نجران لليهود: ما أنتم على شيء وجحد نبوّة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ﴾ أي كل يتلو في كتابه تصديق من كفر به» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء...
﴾ الآية.
قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ﴾ قال: بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.
واخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟
قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ قال: هم العرب قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شيء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: قدم وفد نجران على رسول الله ، فتنازعوا مع اليهود، فكذّب كل واحد منهما صاحبه، فنزلت هذه الآية فيهم (١) فقوله تعالى ﴿ وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ ﴾ قال الزجَّاجُ: يعني (٢) (٣) ﴿ وَهُم يَتْلُونَ الكِتَبَ ﴾ رفع الشبهة بأنه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الإنكار إذا لم يكن لهم برهان على ما ينكرون، فلا ينبغي أن يدخل الشبهة بإنكار أهل الكتاب لملة الإسلام، إذ كلُّ فريق من أهل الكتاب قد أنكر ما عليه الآخر.
ثم بين أن سبيلهم كسبيل مَنْ لا يعلم الكتابَ في الإنكار لدين الله من مشركي العرب وغيرهم ممن لا كتاب لهم، فهم في جحدهم لذلك إذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم لا من جهة سمع ولا عقل، فقال: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ (٤) قال ابن عباس: يريد: أمةَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع، كلهم كذبوا الرسل، واختلفوا على أنبيائهم، وكذَّبوهم كما كذب اليهود والنصارى محمدًا (٥) وقال مقاتل (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: المعنى: أنه (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" بنحوه 1/ 494 - 495، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 208 وإسنادهما حسن، وذكره المصنف في "أسباب النزول" دون عزو لابن == عباس ص 39، وكذا الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1120، وذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" 2/ 175.
(٢) في (أ) و (م): (نعني).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 195.
(٤) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 353.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1121 عن ابن جريج عن عطاء قريبًا من هذا اللفظ، وأخرجه عن عطاء أيضا: الطبري في "تفسيره" 1/ 497، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 209.
(٦) هو مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي البلخي، أبو الحسن، من أعلام المفسرين، ولكنه رمي بالتجسيم، متروك الحديث، وانظر ترجمته في المقدمة.
(٧) "تفسير مقاتل" 1/ 132.
ويروى عن السدي فيما أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 497، و"ابن أبي حاتم" 1/ 209.
(٨) في (ش): (أنهم).
(٩) ليست في (أ)، (م).
وفي "معاني القرآن" للزجاج قال بعدها: وهذا هو حكم الفصل فيما تصير إليه كل فرقة.
(١٠) في (ش): (وأما).
(١١) في "معاني القرآن" فأما الحكم بينهم في العقيدة.
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 195، وزاد: وفي عجز الخلق عن أن يأتوا بمثل القرآن.
(١٣) ذكر هذا الوجه: أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 354.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَتِ اليهود ﴾ الآية: سببها اجتماع نصارى نجران مع يهود المدينة فذمت كل طائفة الأخرى ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ ﴾ تقبيح لقولهم مع تلاوتهم الكتاب ﴿ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ المشركون من العرب لأنهم لا كتاب لهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: قد سلفت.
الوقوف: ﴿ كفاراً ﴾ (ج) لأن ﴿ حسداً ﴾ مصدر محذوف أي يحسدون حسداً، أو حال أو مفعول له وهو أوجه والوصل أجوز ﴿ الحق ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ بأمره ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ الزكاة ﴾ (ط) لأن ما للشرط والشرط مصدر ﴿ عند الله ﴾ (ط) ﴿ بصير ﴾ (ه) ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أمانيهم ﴾ (ط) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ عند ربه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النصارى على شيء ﴾ (ص) لا لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ على شيء ﴾ (ص) لأن الواو للحال ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ مثل قولهم ﴾ (ج) لأن ﴿ فالله ﴾ مبتدأ مع فاء التعقيب ﴿ يختلفون ﴾ (ه).
التفسير: هذا نوع آخر من مكايد اليهود.
روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً.
فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟
قالوا شديد.
قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت.
فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.
وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً.
ثم أتيا رسول الله وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت.
و ﴿ كفاراً ﴾ نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ لـ "يردون" على أنه بمعنى "صير" والحسد من أقبح الخصال الذميمة قال "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" وقال: "إن لنعم الله أعداء قيل: وما أولئك؟
قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" وقال "ستة يدخلون النار قبل الحساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد" وروي أن موسى لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغتبط بمكانه فقال: إن هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: أحدثك من عمله ثلاثاً: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ويحكى أن عبد الله بن عون دخل على الفضل بن المهلب، وكان يومئذ على واسط فقال: إني أريد أن أعظك بشيء: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ثم قرأ ﴿ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ﴾ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه الله ثم تلا ﴿ اهبطا منها ﴾ وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ﴾ وقال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟
واعلم أنه إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد المحرم الذي ذم الله صاحبه في هذه الآية وغيرها ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم ﴾ ﴿ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ﴾ وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة المشتقة من النفاسة وليست بحرام لقوله ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ وقال "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلم الناس" وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة، وقد تكون واجبة إذا كانت النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، وقد تكون مندوبة في نحو الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم، وقد تكون مباحة.
وللحسد مراتب أربع: الأولى، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث.
الثانية: أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته فالمطلوب بالذات حصولها له، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض.
الثالثة: أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما.
الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه.
وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة منها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف والأولى أخبث قال : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم.
وأسباب الحسد سبعة: أولها العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه الحقد المنشئ للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ﴾ .
وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع والتقاتل، وثانيها التعزز فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً فترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه.
وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته.
وثالثها: أن يكون في طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ كالاستحقار لهم والأنفة منهم.
ورابعها: التعجب ﴿ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ﴾ وخامسها: الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد، كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة.
وسادسها: حب الرياسة كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه.
ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا لله ، ومن طمع في المحال خاب وخسر.
وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره.
وقد يجتمع بعض هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور الدنيوية، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين.
وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب اليقين، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين ﴾ وأما علاج الحسد فأمران: العلم والعمل.
أما العلم ففيه مقامان: إجمالي وهو أن يعلم أن الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يرده كراهية كاره ولا يجره إرادة مريد.
وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان حيث كره حكم الله وقسمته في عباده وغش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ومورث للوسواس، ومكدر للحواس.
ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه الله على ذلك.
وقد ينتفع في دنياه أيضاً من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك إلى أن يقضي بك إلى الدنف والتلف.
اصبر على مضض الحسو *** د فـإن صبــرك قائلــه النــار تـأكـل نفسـها *** إن لــم تجـد مـا تأكلـه وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من الله بمزيد الفضائل.
لا مات أعداؤك بل خلـدوا *** حتى يروا منك الـذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة *** فإنما الكامـل مـن يحسـد والحاسد مذموم بين الخلق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجراً إلى عدو ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه فيعود ثانياً فيرميه أشد من الأول فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، فيعود ثالثاً فيرجع على رأسه فيشدخه، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون؟
هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
وأما العمل فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوباً محباً له، ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ ، وذلك التكلف يصير بالآخرة طبعاً والله الموفق.
واعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟
وإنما الاخل تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعدما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، فألقوا إليهم ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه.
الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة.
قوله ﴿ من عند أنفسهم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ود ﴾ أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعدما تبين لهم أنكم على الحق، وإما أن يتعلق بـ ﴿ حسداً ﴾ أي منبعثاً من أصل نفوسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائماً بل ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن أنه المجازاة يوم القيامة، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين، والأكثرون على أنه الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية، وتحمل الذل والصغار.
والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعاً فليس كقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ بل يحل محل قوله ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ إلى أن أنسخه عنكم.
عن الباقر : إنه لم يؤمر رسول الله بقتال حتى نزل جبريل بقوله ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا ﴾ وقلده سيفاً فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر.
فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟
قلنا: إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على بعض التشفي والإستعانة بسائر أصحابه، فأمروا أن لا يهيجوا قتالاً وفتنة.
وأيضاً القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ وأيضاً جعل الصابر إلى القوة قوياً ليظهره على الدين كله.
وقيل: المراد بالعفو والصفح حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد، وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة.
وكذا لو قيل: المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم بالعفو والصفح، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع، فعمم بعدما خص تنبيهاً على أن الثواب لا يختص بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه، لأن وجدان عين تلك الأشياء غير مطلوب ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ لا يخفى عليه شيء من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة ﴾ نوع آخر من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في ﴿ وقالوا ﴾ لهم والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصارى، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ والهود جمعم هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ، والعائذ الحديثة النتاج من النوق، والبازل الذي خرج نابه، ووحد اسم "كان" حملاً على لفظ "من" وجمع خبره حملاً على المعنى ومثله ﴿ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ﴾ ﴿ تلك أمانيهم ﴾ على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل هذه وهي قولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أو أشير بتلك إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية، وودادتهم أن يردوهم كفاراً أمنية، وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أمنية أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ متصل بقوله ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ و ﴿ تلك أمانيهم ﴾ اعتراض على هذا.
وهات الشيء اسم فعل معناه أعط، ويتصرف فيه بحسب المأمور هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وقيل: الصحيح أنه ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة، وأصله آت من الإيتاء.
برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعواكم، وفيه دليل واضح على أن المدعي نفياً أو إثباتاً لا بدل له من برهان وإلا فدعواه باطلة.
مـن ادعـى شيئاً بلا شـاهد *** لا بـد أن تبطـل دعــواه ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وقوله ﴿ من أسلم ﴾ إلى آخره جملة شرطية مستأنفة، ويجوز أن يكون ﴿ من أسلم ﴾ فاعلاً لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم ويكون قوله ﴿ فله أجره ﴾ كلاماً معطوفاً على يدخلها ﴿ من أسلم ﴾ وفيه إشارة إلى أن لهؤلاء الداخلين برهاناً وهو استسلام النفس وانقيادها لطاعة الله مع الإحسان وفيه ترغيب لهم في الإسلام وبيان لمفارقة حالهم حال من يدخل الجنة كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس وينبوع الفكر والتخييل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى، ولأن الوجه قد يكنى به عن النفس والذات ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه ﴾ ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ﴾ ولأن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه.
وهذا الإسلام أخص من الإسلام الذي ورد في الحديث "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" لأن هذا عبارة عن الإذعان الكلي بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال والأوقات، وهو الإسلام الذي أمر به إبراهيم ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ﴾ ويؤكد ذلك قوله ﴿ لله ﴾ أي خالصاً له لا يشوبه شرك فلا يكون عابداً مع الله غيره ولا معلقاً رجاءه بغيره، وزاد التأكيد بقوله ﴿ وهو محسن ﴾ أي حال كونه محسناً في عمله، ومعنى الإحسان هو الذي في الحديث "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولا ريب أن العبادة على هذا الوجه لا تصدر إلا عن صدق النية وصفاء الطوية، فإن مثول العبد بين يدي مولاه يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فلا يقع قصده فيما هو فيه إلا لوجه الله فلا يصدر عنه شيء من السيئات، وأما الطاعات والمباحات فتكون مقتضية لتزايد الحسنات ورفع الدرجات في الخبر "من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" وذلك أن المتطيب إن كان قصده التنعم واستيفاء اللذات أو التودد إلى النسوان كان المتطيب معصية، وإن كان قصده إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد فهو عين الطاعة، وكذا الكلام في المناكح والمطاعم والمشارب.
والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب، روي أن رجلاً في بني إسرائيل مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس.
فأوحى الله إلى نبيه قل له: إن الله قد صدقك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.
وليس النية أن يقول في نفسه أو بلسانه عند تدريسه أو تجارته "نويت أن أدرس لله أو أتجر لله" هيهات أنها لحديث نفس أو لسان وما ذاك إلا كقول الفارغ "نويت أن أعشق" وأما النية فهي انبعاث النفس وميلها إلى سلوك طريق الحق في كل فعل، فاجتهد في تصيير ذلك ملكة لنفسك.
"وللناس فيما يعشقون مذاهب" *** فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ومنهم من يعمل لباعث الطمع في الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات أكثر أهل الجنة البله" ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما جمع الله أهل الكتابين في الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل فريق في حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان السبب خاصاً لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين في حق الأخرى.
روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل.
وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة.
ومعنى ﴿ على شيء ﴾ أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب "أقل من لا شيء" عن ابن عباس: والله صدقوا.
قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما يعتد به إذا كان مؤمناً برسوله وبكل ما أنزله ﴿ وهم يتلون الكتاب ﴾ الواو للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، لأن جميع الكتب السماوية متواردة في تصديق بعضها بعضاً ﴿ كذلك ﴾ الكاف للتشبيه و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور أي قولاً مثل الذي سمعت به ﴿ قال الذين لا يعلمون ﴾ و ﴿ مثل قولهم ﴾ مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة.
والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم فقالوا قولاً عن التشهي والعصبية مثلهم ﴿ فالله يحكم بينهم ﴾ أي بين اليهود والنصارى يوم القيامة.
عن الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكافرين الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإلى المسلمين، ويحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، فينتصر من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، أو يريهم من يدخل الجنة عياناً ويدخل النار عياناً أعاذنا الله منها.
قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أَن قالوا ذلك جميعاً؛ لما أَرادوا أَن يُروا الناس الموافقة فيما بينهم؛ ليرغبوا في دينهم، وينفروا عن دين الإِسلام، وإن كانوا هم - في الباطن - على الخلاف والعداوة.
ويحتمل: أَن يكون ذلك القولُ من كل فريق في نفسه، لا عن كل الفريقين جميعاً على الموافقة.
دليله: قوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ دلت الآية أن ذلك القولَ لم يكن من الفريقين جميعاً على الموافقة، ولكن كان من كلٍّ في نفسه على غير موافقة منهم ولا مساعدة، والله أعلم.
ثم في الآية دليلٌ، لزم الدليل على النَّافي؛ لأَنهم نفوا دخول غيرهم الجنَّة بقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ فطلبوا بالبرهان بقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنه لا يدخل فيها سواكم.
فإن قيل: إنهم إذا نفوا دخول غيرهم فيها ادعوا لأنفسهم الدخول، فإنما طولبوا بالبرهان على ما ادعوا، وليس على ما نَفَوا.
قيل: لا يحتمل ذا؛ لأَنهم لم يذكروا دخول أنفسهم تصريحاً، إنما نفوا دخول غيرهم وهو كمن يقول: لا يدخل هذه الدار إلا فلانٌ وفلان، ليس فيه أن فلاناً وفلاناً يدخلان ولكن فيه نفيُ دخول غيرهما.
أَو نقول: نَفَوْا دخول غيرهم تصريحاً، وادعوا لأَنفسهم الدخول مستدلا، وإنما يطلب الحجة على مُصَرَّح قولهم، لا على مستدلَّهم.
أَلا ترى أَن الجواب من الله - عز وجل - بالإكذاب والرد عليهم خرج على ما نفوا دخول غيرهم، وهو قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ - يدخل الجنة - ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .
ألا ترى إلى ما رُوي عن رسول الله أَنه قال: "لا نكاح إلا بشهود" ليس فيه إثبات النكاح إذا كان ثَّم شهود؛ ولكن فيه نفي النكاح بغير شهود تصريحاً.
ألا ترى أَن من قال: لا نكاح إلا بشهود، لا يسأَل أَنْ: لِم قلت: إن النكاح يجوز بالشهود؟
ولكن يسأَل أَنْ: لِمَ قلت: إنه لا يجوز بغير شهود؟
فعلى ذلك قوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ليس فيه إثبات الدخول لهم تصريحاً، وفيه نفي دخول غيرهم تصريحاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .
قد قلنا: إنه خرج مخرج الرد عليهم، والإنكار لحكمهم على الله؛ فقال: بل يدخلها من أَسلم وجهه لله وهو محسن.
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ﴾ .
قيل: أخلص دينه لله وعمله.
وقيل: أَسلم نفسه لله.
وقد يجوز أن يذكر الوجه على إرادة الذات، كقوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ أي: إلا هو.
وقيل: أَسلم، أَي: وجه أَمره إلى دينه فأَخلص.
وبعضُه قريب من بعض.
أَسلم نفسه لله أَي بالعبودية؛ كقوله: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ .
وذلك معنى الإِسلام: أَن تُخْلص نفسك لله، لا تجعل لأَحد شركاً من عبودة، ولا من عبادة.
وقوله: ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا متضمنها فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
فإن قيل: كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أَمر نبيه - - في آية أُخرى أَن يقول لهم ذلك ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ﴾ .
قيل: إنما أَمر نبيه: أَن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا التوراة، فأَما إذا أَقاموا التوراة - وفيها أَمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول محمد - فهُم على شيء.
ومعنى هذا الكلام - والله أعلم - أن قال لهم: كيف قلتم ذلك، وعندكم من الكتاب ما يبين لكم، ويميز الحق من الباطل، ويرفع من بينكم الاختلاف، لو تأَملتم فيه وتدبرتم؟!
ويحتمل: أَن كل فريق منهم لما قال لفريق آخر ذلك: أنهم ليسوا على شيء، أكذبهم الله - - وردّ عليهم: بلى من أَسلم منهم فهم على شيء؛ لأَنه كان أَسلم من أَوائلهم.
ويحتمل: أَنهم ليسوا على شيء، على نفس دعاويهم، وقولِهم في الله بما لا يليق، وهم على شيء، في تكذيب بعضهم بعضاً بما قالوا.
وقيل: لما قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين؛ فما لك يا محمد اتبع ديننا؛ فإنهم ليسوا على شيء؛ وكذلك قول الفريق الآخر لأُولئك.
ثم اختلف في "الإسلام": قيل: الإسلام هو الخضوع.
وقيل: الإسلام هو الإخلاص بالأفعال، وهو أَن يُسْلم نفسه لله، أَو يسلم دينه، لا يشركه فيه.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ .
قيل: الذين لا يعلمون: الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب.
وقيل: الذين لا يعلمون: هم الذين لا يقدرون على تلاوة [القرآن و] الكتاب، وتمييز ما فيه، وهم جهالهم.
سوَّى - عز وجل - بينهم في القول - مَنْ علم منهم ومَن لم يعلم - لأن من علم منهم لم ينتفع بعلمه؛ فكان كالذي لم يعلم شيئاً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ أَنه سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بالآيات، والأَسباب التي أَعطاهم الله - عز وجل - والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .
بالعذاب؛ لاختلافهم فيما بينهم، وبقولهم في الله بما لا يليق، الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
<div class="verse-tafsir"
وقالت اليهود: ليست النصارى على دين صحيح، وقالت النصارى: ليست اليهود على دين صحيح، وهم جميعًا يقرؤون الكتب التي أنزلها الله عليهم وما فيها من الأمر بالإيمان بكل الأنبياء دون تفريق، مشابهين في فعلهم هذا قول الذين لا يعلمون من المشركين؛ حين كذَّبوا بالرسل كلهم وبما أُنزل عليهم من الكتب، فلهذا يحكم الله بين المُختَلِفين جميعًا يوم القيامة، بحكمه العدل الذي أخبر به عباده: بأنه لا فوز إلا بالإيمان بكل ما أنزل الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.XndeR"
هذا بيان لحالين آخرين من أحوال أهل الكتاب في غرورهم بدينهم ما كان المسلمون قبل نزول الآيات يعرفونها.
أما الأولى فيما بينه تعالى بقوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ وهو عطف على قوله ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى كذلك في أنفسهم، وهو اختصار بديع غير مخل.
وهذه عقيدة الفريقين إلى اليوم ولا ينافي انسحاب حكمها على الآخرين أن نفرًا من الأولين قالوا ذلك بين يدي النبي كما يروى.
وقد بين لنا تعالى أن هذا القول لا حجة له في كتبهم المنزلة فقال ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه.
وهذا القول ناطق بأمنية واحدة ولكنها تتضمن أماني متعددة هي لوازم لها كنجاتهم من العذاب وكوقوع أعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم، ولهذا ذكر الأماني بالجمع ولم يقل تلك أمنيتهم.
ثم طالبهم تعالى بالبرهان على دعواهم فقرر لنا قاعدة لا توجد في غير القرآن من الكتب السماوية وهي أنه لا يُقْبَل من أحد قول لا دليل عليه، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها ذلك أن الأمم التي خوطبت بالكتب السالفة لم تكن مستعدة لاستقلال الفكر ومعرفة الأمور بأدلتها وبراهينها ولذلك اكتفى منهم بتقليد الأنبياء فيما يبلغونهم وإن لم يعرفوا برهانه، فهم مكلفون أن يفعلوا ما يؤمرون سواء عرفوا لماذا أمروا أم لم يعرفوا، ولكن القرآن يخاطب من أنزل عليه بمثل قوله ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ وقد فسروا البصيرة بالحجة الواضحة، ويستدل على قدرة الله وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته بالآيات الكونية وهي كثيرة جدًا في القرآن، وبالأدلة النظرية والعقلية كقوله ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ وغير ذلك، ويستدل على الأحكام بما يترتب عليها من نفي المضرات والإفضاء إلى المنافع.
علم القرآن أهله أن يطالبوا الناس بالحجة، لأنه أقامهم على سواء المحجة، وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به ويدعوه إليه.
وعلى هذا درج سلف هذه الأمة الصالح، قالوا بالدليل وطالبوا بالدليل ونهوا عن الأخذ بشيء من غير دليل، ثم جاء الخلف الطالح فحكم بالتقليد، وأمر بالتقليد، ونهى عن الاستدلال على غير صحة التقليد، حتى كأن الإسلام خرج عن حده، أو انقلب إلى ضده، وصار الذين يعلمون أن الإسلام امتاز عن سائر الأديان بإبطال التقليد، وبالمطالبة بالبرهان والدليل، وعلم الناس استقلال الفكر، مع المشاورة في الأمر، يطالبون المسلمين بالرجوع إلى الدليل، ويعيبون عليهم الأخذ بقال وقيل، ويا ليته كان الأخذ بقال الله، وقيل فيما يروى عن رسول الله، ولكنه الأخذ بقال فلان وقيل عن علان ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ .
قال تعالى ردًا عليهم ﴿ بَلَى ﴾ وهي كلمة تذكر في الجواب لإثبات نفي سابق فهي مبطلة لقولهم ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ﴾ إلخ، أي بلى إنه يدخلها من لم يكون هودًا ولا نصارى لأن رحمة الله ليست خاصة بشعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بينه بقوله ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ إسلام الوجه لله هو التوجه إليه وحده وتخصيصه بالعبادة دون سواه كما أشار إلى ذلك في قوله ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وغيرها من الآيات.
وقد عبر هنا عن إسلام القلب وصحة القصد إلى الشيء بإسلام الوجه كما عبر عنه بتوجيه الوجه في قوله تعالى حكاية إبراهيم ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ لأن قاصد الشيء يقبل عليه بوجهه لا يوليه دبره، فلما كان توجيه الوجه إلى شيء له جهة تابعًا لقصده واشتغال القلب به عبر عنه به وجعل التوجه بالوجه إلى جهة مخصوصة "وهي القبلة" بأمر الله مذكرًا بإقبال القلب على الله الذي لا تحدده الجهات، فالإنسان يتضرع ويسجد لله تعالى بوجهه وعلى الوجه يظهر أثر الخشوع.
وظاهر أن المراد من إسلام الوجه لله توحيده بالعبادة والإخلاص له في العمل، بأن لا يجعل العبد بينه وبينه وسطاء يقربونه إليه زلفى، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.
ومن هنا يفهم معنى الإسلام الذي يكون به المرء مسلمًا.
ذكر التوحيد والإيمان الخالص ولم يحمل عليه الوعد بالأجر عند الله تعالى واستحقاق الكرامة في دار المقامة إلا بعد أن قيده بإحسان العمل فقال ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان بعمل الصالحات كقوله ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ .
وهذا في معنى الآيات التي نفسرها.
نفى أماني المسلمين كما نفى أماني أهل الكتاب، وجعل أمر سعادة منوطًا بالإيمان والعمل الصالح معًا.
وكقوله ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ الآية.
ثم بعد أن أثبت للمسلم وجهه إلى الله والمحسن في عمله الأجر عند الله نفى عنه الخوف الذي يرهق الكافرين والمسيئين في هذه الدنيا وفي تلك الدار الآخرة والحزن الذي يصيبهم فقال ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ولاشك أن المخاوف والأحزان تساور الذين لبسوا إيمانهم بظلم الوثنية وأساءوا أعمالهم بالإعراض عن الهداية الدينية.
ترى أصحاب النزغات الوثنية في خوف دائم مما لا يخيف لأنهم يعتقدون بثبوت السلطة الغيبية القاهرة لكل ما يظهر لهم منه عمل لا يهتدون إلى سببه ولا يعرفون تأويله، يستخذون للدجالين والمشعوذين من حوادث الطبيعة الغريبة، إذا لاح لهم نجم مذنب تخيلوا أنه منذر يهددهم بالهلاك، وإذا أصابتهم مصيبة بما كسبت أيديهم من الفساد توهموا أنها من تصرف بعض العباد، وتراهم في جزع وهلع من حدوث الحوادث، ونزول الكوارث، لا يصبرون في البأساء والضراء، ولا ينفقون في الرخاء والسراء ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ هذه حال من فقد التوجيه الخالص وحرم من العمل الصالح في هذه الحياة الدنيا ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ وإنما كان صاحب النزعات الوثنية في خوف مما يستقبله، وحزن مما ينزل به، لأن ما اخترعه له وهمه من السلطة الغيبية لغير الله التي يحكمها في نفسه، ويجعلها حجابًا بينه وبين ربه، لا يمكنه أن يعتمد في الشدائد عليها، ولا يجد عندها غناء إذا هو لجأ إليها، وما هو من سلطتها على يقين، وإنما هو من الظانين أو الواهمين.
وأما ذو التوحيد الخالص فهو يعلم أنه لا فاعل إلا الله تعالى وأنه من رحمته قد هدى الإنسان إلى السنن الحكيمة التي يجري عليها في أفعاله، فإذا أصابه ما يكره بحث في سببه واجتهد في تلافيه من السنة التي سنها الله تعالى لذلك، فإن كان أمرًا لا مرد له سلم أمره فيه إلى الفاعل الحكيم، فلا يحار ولا يضطرب لأن سنده قوي عزيز، والقوة التي يلجأ إليها كبيرة لا يعجزها شيء، فإذا نزل به سبب الحزن أو عرض له مقتضى الخوف لا يكون أثرهما إلا كما يطيف الخاطر بالبال، ولا يلبث أن يعرض له الزوال ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ فكأنه تعالى يقول لأهل الكتاب: لا تغرنكم الأماني ولا يخدعنكم الانتساب الباطل إلى الأنبياء، فهذه هي طريق الجنة، أسلموا وجوهكم لله تسلموا، واعملوا الصالحات تؤجروا، وقد أفرد الضمير في قوله ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ ﴾ مراعاة للفظ (من) وجمعه في قوله ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ إلخ مراعاة لمعناها.
بعد أن ذكر تزكية كل فريق من أهل الكتاب نفسه وحكمه بحرمان غيره من رحمة الله كيفما كانت حاله ذكر طعن كل فريق منهما بالآخر خاصة فقال ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ من الدين حقيقي يعتد به، فالشيء في اللغة هو الموجود المتحقق والاعتقادات الخيالية التي لا تنطبق على موجود في الخارج لا تسمى شيئًا، فكفروا بعيسى وهم يتلون التوراة التي تبشر به وتذكر من العلامات ما ينطبق عليه، ولا تزال اليهود إلى اليوم تدعي أن المسيح المبشر به في التوراة لما يأت وتنتظر ظهوره وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ من الدين حقيقي يعتد به لإنكارهم المسيح المتمم لشريعتهم، يقول كل فريق منهم ما يقول ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ أي يتلو كل منهم كتابه، فكتابه الأولين (التوراة) يبشر برسول منهم ظهر ولم يؤمنوا به فهم مخالفون لكتابهم، وكتاب الآخرين (الإنجيل) يقول بلسان المسيح إنه جاء متممًا لناموس موسى لا ناقضًا له وهم قد نقضوه، فدينهم واحد ترك بعضهم أوله وبعضهم آخره فلم يؤمن به كله أحد منهم، والكتاب الذي يقرأون حجة عليهم.
ثم قال تعالى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي نحو ذلك السخف والجزاف ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ تعصب كل لملته التي جعلها جنسية وزعم أنها هي المنجية لكل من وسم بها، ورضي باسمها ولقبها، والحق وراء جميع المزاعم لا يتقيد بأسماء ولا بألقاب، وإنما هو إيمان خالص وعمل صالح، ولو اهتدى الناس إلى هذا لما تفرقوا في الدين واختلفوا في أصوله ولكنهم تعصبوا وتحزبوا لأهوائهم، فتفرقوا واختلفوا في آرائهم ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فإنه هو العليم بما عليه كل فريق من حق وباطل.
ولم يبين لنا تعالى هنا بماذا يحكم.
وقال بعض المفسرين إنه يكذبهم جميعًا ثم يلقيهم في النار، ولكن الذي يدل عليه القرآن أنه يحق الحق ويجعل أهله في النعيم، ويبطل الباطل ويلقي بأهله في الجحيم.
هذا هو معنى الآية ويروى في سبب نزولها أن يهود المدينة تماروا مع وفد نصارى نجران عند النبي فقال كل فريق منهم ما قال في إنكار حقيقة دين الآخر.
ولكن فهم الآية لا يتوقف على هذه الرواية فالآية تحكي لنا اعتقاد كل طائفة بالأخرى سواء قال ذلك من ذكر أو لم يقله.
على أن ما يروى في أسباب النزول من مثل ذلك هو من تاريخ الآيات وما فيها من الوقائع، وما روي في أسباب النزول عندنا غير كاف في ذلك فلا بد لنا من البحث والاطلاع على تاريخ الملل والأمم التي تكلم عنها القرآن لأجل أن نفهمه تمام الفهم ونعرف ما يحكيه عنهم من العقائد والشؤون والأعمال هل كان عامًا فيهم أو كان في طائفة منهم وأسند إلى الأمة لما نبهنا عليه مرارًا من إرادة تكافلها ومؤاخذة الجميع بما يصدر عن بعض الأفراد لأنهم كلفوا إزالة المنكر والتناهي عنه؟
والعبرة في الآية أن أهل الكتاب في تضليل بعضهم بعضًا واعتقاد كل واحد في الآخر أنه ليس على شيء حقيقي من أمر الدين، مع أن كتاب اليهود أصل لكتاب النصارى، وكتاب النصارى متمم لكتاب اليهود، قد صاروا إلى حال من التهافت واتباع الأهواء، لا يعتقد معها بقول أحد منهم في نفسه ولا في غيره، فطعنهم في النبي وإعراضهم عن الإيمان به لا ينهض حجة على كونهم علموا أنه مخالف للحق، بل لا يصلح شبهة على ذلك لأنهم أهل أهواء، وتعصب للمذاهب المبتدعة والآراء، فإذا كانت اليهود كفرت بعيسى وأنكرته وهو منهم وهم ينتظرونه لإعادة مجدهم وتجديد عزهم، وإذا كانت النصارى قد رفضت التوراة وكفرت أهلها وهي حجتهم على دينهم، فكيف يعتد بكفر هؤلاء وهؤلاء بمحمد وهو من شعب غير شعبهم، وقد جاء بشريعة ناسخة لشرائعهم، وهم لا يفهمون من الدين إلا أنه جنسية دنيوية لهم؟
وفي الآية إرشاد إلى بطلان التقليد مؤيد لما في الآية التي تطالب المدعي بالبرهان وإلى النعي على المقلدين المتعصبين لآرائهم، المتبعين لأهوائهم، وإلى التحري في الحكم على الشيء يعتقد الحاكم بطلانه لأنه مخالف لما يعتقده، فلا ينبغي للعاقل أن يحكم على شيء إلا بعد البحث والتحري ومعرفة مكان الخطأ والتنزيل بينه وبين ما عساه يكون معه صوابًا.
ألم تر أن سياق الآيات ناطق بإنكار حكم كل من الفريقين على الآخر من غير بينة ولا برهان، ولا فصل ولا فرقان، مع أن كل واحد منهم على شيء من الحق وشيء من الباطل لأن أصل دينه حق ثم طرأت عليه نزعات الوثنية والبدع وعرض له التحريف والتأويل، فتجريده من كل حق لم يكن إلا تعصبًا للتقاليد من غير بينة ولا تمحيص، وأنَّى للمقلدين بذلك؟
وانظر كيف ألحق التقليد أهل الكتاب الذين كانوا على علم بالدين الإلهي بالمشركين الذين لا يعلمون منه شيئًا، هذا ما فعله التقليد بهم وبمن بعدهم لأنه عدو للعلم في كل زمان وكل مكان.
<div class="verse-tafsir"