الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ أي: مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك (١) قال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما: أنه المستسلم لأمر الله.
والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ (٢) ﴿ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ ، معناه: خالصًا لرجل، وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر: فقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم (٣) (٤) أراد: استسلموا.
قالوا: فالمسلم الذي يعتقد الاستسلامَ لله تعالى والإيمانَ به محمودٌ، والمسلمُ الذي يستسلم خوفًا من القتل مذمومٌ، من ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ الأمَّةُ في اللغة تكون على وجوه، قال أبو العباس: الأمَّةُ تأويلها: الجماعة من كل شيء، من ذلك: أمة محمد ، ويقال: إنما فلان أمةٌ وَحْدَه، أي يَسُدُّ مَسَدَّ جَمَاعةٍ، ومنه يقال: فلان حسن الأُمَّة، إذا مُدِحَ بالتمامِ واستجماعِ الخُلُقِ على الاستواء (٧) قال الأعشى (٨) وإنَّ معاويةَ الأكْرَمِين ...
حسَانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ (٩) ومنه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ أَيْ: مجمع الحلال والحرام.
والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع (١٠) (١١) ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ ، أي: بعد حين من الدهر (١٢) (١٣) (١٤) قال الشنفرى [[هو ثابت بن أوس الأزدي، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته [البقرة: 30].]]: وأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ...
إذا أحْتَرتْهُمْ (١٥) (١٦) يعني: تأبط شرّا، والأَمَم: القريب المجتمع، وأمَّه: إذا قَصَدَ الاجتماع معه (١٧) وقال أبو إسحاق: الأمة في اللغة أشياء، الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم أي: قرون، والأمة: الدِّين، ومنه قوله: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: كانوا على دين واحد، والأمة: القامة وأنشد: ..........
طوال الأمم (١٨) والأمة: الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ (١٩) قال: وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت الشيء إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس: الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة، ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن قصده منفرد من قصد سائر الناس (٢٠) (٢١) قال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين (٢٢) : كل من أرسل إليه (٢٣) (٢٤) قال ابن الأنباري: والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد .
قال ابن عباس: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا ﴾ يريد: أمةَ محمَّدٍ ﴿ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (٢٥) ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .
(أرنا) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد بها إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير: حذف المضاف، كأنه قال: أرنا مواضع مناسكنا، والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر، جُمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عَرِّفْنا هذه المواضع التي تتعلق النسك بها؛ لنفعله ونقضي نسكنا فيها (٢٦) والوجه الآخر: أن يكون أرنا منقولًا من رأيت، الذي لا يراد به رؤية العين ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم.
وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: (وأرنا مناسكنا) أي: عَلِّمْنا، وأنشد: أريني جوادًا مات هَزْلًا لأَنني ...
أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلًا مُخَلَّدا (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال أبو إسحاق: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ معناه: عرِّفنا متعبداتنا، وكلُّ متعبدٍ فهو منسِك ومنسَك، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله: نسيكة، وإنما سمي الذبيحة نَسِيكة (٣٠) ﴿ مَنَاسِكَنَا ﴾ يحتمل أن يكون جمع مَنْسَك الذي هو المصدر، فيكون على تقدير حذف المضاف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون جمع منسك الذي هو الموضع، فلا يكون فيه حذف.
ونسك في اللغة على معنيين: أحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى (٣١) (٣٢) وفي قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قراءتان: كسر الراء، وإسكانها (٣٣) قال أبو إسحاق: والأجود الكسر؛ لأن الأصل أَرْئنا، فالكسرة في الراء إنما هي كسرة همزة، أُلقيت فَطُرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليلُ الهمزة، وحذفُها قبيحٌ، وهو جائزٌ على بُعدٍ؛ لأن الكسرةَ والضمةَ تُحذفانِ استثقالًا (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ ﴾ قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته (٣٦) (٣٧) (١) "تفسير الثعلبي" 1/ 1185، "تفسير البغوي" 1/ 150.
(٢) نقله في "تهذيب اللغة" 2/ 1745، وعنه في "لسان العرب" 4/ 2080.
(٣) في (ش): (باحركم).
(٤) البيت لعباس بن مرداس، في "ديوانه" ص 52، "لسان العرب" 1/ 41 "المعجم المفصل" 3/ 326.
(٥) في (م)، (ش): (لن).
(٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1745، "لسان العرب" 4/ 2080.
(٧) "تهذيب اللغة" 1/ 202 - 206، "لسان العرب" 1/ 135 (أمم).
(٨) هو أبو بصير ميمون بن قيس، تقدمت ترجمته.
(٩) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 199، "تهذيب اللغة" 1/ 204، "لسان العرب" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282، "الأمالي" لأبي علي القالي 1/ 25، "المعجم المفصل" 7/ 29.
(١٠) في (أ): (يجتمع)، وفي (م): (مجتمع).
(١١) "لسان العرب" 1/ 133 - 134 (أمم).
(١٢) "المفردات" للراغب الأصفهاني ص 33.
(١٣) "لسان العرب" 1/ 137 (أم).
(١٤) "لسان العرب" 1/ 133 (أمم).
(١٥) في (ش): (أخترتهم)، وفي (أ) لعلها كذلك.
(١٦) البيت للشنفرى في "ديوانه" ص 35، "تهذيب اللغة" 1/ 203 وروايته: إذا حَتَرَتْهم أتْفَهَتْ وأقَلَّتِ، "لسان العرب" 2/ 769 (مادة: حتر)، 1/ 137 (مادة: أمم)، "المعجم المفصل" 1/ 552.
(١٧) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 - 203، "لسان العرب" 1/ 135 (أمم).
(١٨) هذه قطعة من البيت المذكور في الصفحة السابقة.
(١٩) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، وزاد من المعاني: الأمة: بمعنى النعمة والخير.
(٢٠) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 283، ونقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 204 (أم).
(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.
(٢٢) "تهذيب اللغة" 1/ 204.
(٢٣) ساقط من (ش).
(٢٤) نقله في "تهذيب اللغة" 1/ 205.
(٢٥) لم أجده ولعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.
(٢٦) في (م): (فيه)، وفي (ش): (بها).
(٢٧) البيت لحاتم الطائي، في "ديوانه" ص 40، ولحطائط بن يعفر، "مجاز القرآن" 1/ 55، "الحجة" 2/ 225، "شرح أبيات المغني" 1/ 219، وفي "خزانة الأدب" 1/ 406، ولدريد في "لسان العرب" 1/ 158، ولمعن بن أوس في "ديوانه" ص 39.
قال: العيني 1/ 329: أقول قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قالت جماعة من النحاة.
ينظر: "المعجم المفصل" 2/ 202، وتحقيق أحمد شاكر لكتاب "الشعر والشعراء" 1/ 248.
(٢٨) ما تقدم من "الحجة" 2/ 224 - 225 بتصرف واختصار.
(٢٩) "مجاز القرآن" 1/ 55.
(٣٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 209، وقال بعده: وكان الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله جل وعز.
(٣١) في (ش): (ندري).
(٣٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3562 (نسو).
(٣٣) قرأ ابن كثير والسوسي ويعقوب بإسكان الراء، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء كسرتها: أي: اختلاسها، والباقون بالكسرة الكاملة على الأصل.
ينظر: "السبعة" ص 170، "الحجة" 2/ 224، "البدور الزاهرة" ص 50.
(٣٤) بتصرف من "معاني القرآن" 1/ 209، وفيه: (والأجود الكسر، وإنما أسكن أبو عمرو لأنه جعله بمنزلة فخذ وعضد، وهذا ليس بمنزلة فخذ ولا عضد؛ لأن الأصل ...).
(٣٥) في (ش): (وهذا).
(٣٦) في (أ)، (ش): (طاعة).
(٣٧) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها.
وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 1200.
<div class="verse-tafsir"