الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ معنى الفاء هاهنا: الجواب لما تقدم، وذلك أن ما قبله من الكلام وهو قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} ثم قال: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ ﴾ ، كأنه قال: من كان بهذه الصفة فما أصبرهم على النار، فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به.
فأما المعنى: ففيه وجهان لأهل التأويل (١) أحدهما: أن (ما) هاهنا تعجب (٢) (٣) (٤) (٥) فإن قيل: قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟
قيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا (٦) (٧) (٨) يا ما أُمَيْلح غزلانًا (٩) (١٠) (١١) وتصغيره لا يدل على أنه اسم، وذلك أن فعل التعجب قد لزم طريقةً واحدةً، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا عليه التصغير تشبيهًا بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على غيره لشبه بينهما أن يُخرج من جنسه، ألا ترى أن اسم الفاعل قد أُعمل عمل الفعل ولم يخرج من أن يكون اسمًا، وكذلك الفعل أعرب؛ لشبهه بالاسم ولم يخرجه ذلك من أن يكون فعلًا، فكذلك فعل التعجب وإن صُغِّر تشبيهًا بالاسم؛ لم يجب أن يكون اسمًا (١٢) ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ ﴾ إذا قلنا: إنه تعجب، فعل منقول من الثلاثي إلى الرباعي، والهاء والميم في محل النصب بوقوع الفعل عليه.
قال ابن الأنباري: ويكون أصبر ههنا بمعنى: صبّر (١٣) فأما التفسير على هذه الطريق: فقال المؤرّج: معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار (١٤) (١٥) (١٦) وقال أحمد بن يحيى: الصبر معناه هاهنا (١٧) (١٨) وهذا قول الحسن (١٩) (٢٠) (٢١) قال الفراء: وهذه لغة يمانية، وحكى عن الكسائي قال: قال لي قاضي اليمن: اختصم إليَّ رجلان، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له الآخر: ما أصبرك على الله عز وجل (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال أهل المعاني: وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبِّر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به.
وقال السدي: هذا على وجه الاستهانة (٢٥) (٢٦) وقيل: أراد ما أبقاهم في النار، وما أطول مكثهم فيها، كما يقال: ما أصبر فلانًا على الضرب والحبس، أي: ما أبقاه فيهما (٢٧) قال عطاء عن ابن عباس: لم يرد أنهم حين دخلوا النار صبروا عليها، ولكنه يريد: فما أعملهم بأعمال أهل النار (٢٨) قال أصحاب المعاني: ومعنى التعجب من الله أنه يُعجِّب المخلوقين، ويدلُّنا على أنهم قد حلّوا محلّ من يتعجب منه (٢٩) (٣٠) الوجه الثاني من التأويل: أن (ما) في هذه الآية استفهام يتضمن التوبيخ، معناه: ما الذي صبرهم؟، وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟
وهذا قول عطاء (٣١) (٣٢) وقيل: معناه: أيُّ: شيء غرّهم من النار أنهم يصبرون عليها؟.
(١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 90، "المحرر الوجيز" 1/ 75 - 76، "زاد المسير" 1/ 176 - 177.
(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1359، قال في "البحر المحيط" 1/ 494: والأظهر أنها تعجبية، وهو قول جمهور المفسرين.
(٣) في (أ): (نصبت).
(٤) في (أ): (نصبت).
(٥) "البحر المحيط" 1/ 494.
(٦) سقطت من (ش).
(٧) في (ش): (ما).
(٨) مذهب البصريين أنه فعل، وأما الكوفيون فيرون أنه اسم.
ينظر: "البحر المحيط" 1/ 494.
(٩) في (م): (عن).
وفي (أ): (عزلانا).
(١٠) في (م): (شدان).
(١١) تكملة البيت: من هؤليائكن الضال والسمر والبيت للمجنون في "ديوانه" ص 130، ونسب لآخرين.
(١٢) ينظر في ما تقدم: "المقتضب" للمبرد 4/ 175 وما بعدها.
(١٣) ينظر: "زاد المسير" 1/ 177.
(١٤) الثعلبي 1/ 1359، والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494.
(١٥) سقطت من (أ)، (م).
(١٦) عزاه إليهما الثعلبي 1/ 1360، والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494، وهو قريب من قول المؤرخ كما بيّن أبو حيان، ونسبه في "زاد المسير" 1/ 176 إلى عكرمة والربيع.
(١٧) في (م): (الصبر هاهنا معناه).
(١٨) ونسبه في "زاد المسير" 1/ 176 إلى مجاهد.
(١٩) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.
(٢٠) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.
(٢١) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.
(٢٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 103، "تفسير الثعلبي" 1/ 1359، والسمعاني 2/ 134.
(٢٣) في (م): (يقال).
(٢٤) بتصرف من "معاني القرآن" للفراء 1/ 103، وهذا اختيار الطبري 2/ 92.
(٢٥) في (ش): (الاستهابة).
(٢٦) ذكره الثعلبي 1/ 1360ولم ينسبه، وكذا القرطبي 2/ 236، وقد أخرج الطبري 2/ 91، والثعلبي 1/ 1360 عن السدي وعطاء وابن زيد وأبي بكر بن عياش نحوه.
(٢٧) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "تفسير السمرقندي" 1/ 178، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1360، "زاد المسير" 1/ 176 - 177.
(٢٨) تقدم الحديث عن هذه الرواية.
وقد ورد هذا عن مجاهد في "تفسيره" ص 94، ورواه عنه الطبري 2/ 91، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 647، وأبو نعيم في "الحلية" 3/ 331.
(٢٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 92، "زاد المسير" 1/ 176.
(٣٠) قد دلت النصوص على إثبات صفة التعجب لله، وعقيدة أهل السنة إثباتها كما جاءت دون تأويل، قال الله تعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ ، في قراءة ضم تاء الفاعل، وقوله : "عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره" رواه أحمد 4/ 11 - 12، وقال : "يعجب ربك من شاب ليست له صبوة" رواه أحمد 4/ 151، وفيه ضعف، وقوله : "عجب الله عز وجل من قوم بأيديهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة" أخرجه البخاري (3010) كتاب الجهاد والسير، باب: الأسارى في السلاسل وغيرها.
وحقيقة التعجب: استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين: الأول: لخفاء الأمر على المستغرب المتعجب، وهذا مستحيل على الله؛ لأن الله عليم بكل شيء.
والثاني: لخروج ذلك الشيء عن نظائره، وعما ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب، وهذا ثابت لله عز وجل، وليس فيه نقص.
ينظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين 2/ 446، "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 415.
(٣١) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره عنه الثعلبي.
(٣٢) رواه عنه الطبري 2/ 91، ورواه أيضا عن أبي بكر بن عياش، وزاد نسبته في "زاد == المسير" 1/ 177 إلى السدي، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن"، ونسبه في "البحر المحيط" 1/ 495 إلى ابن عباس والمبرد، وذكر قولًا ثالثًا وهو أن ما نافية، والمعنى: أن الله ما أصبرهم على النار، أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب.
<div class="verse-tafsir"