تفسير سورة البقرة الآية ١٨٠ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٠

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ١٨٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ الآية.

يعني: إذا تيقن حضور الموت، ورأى أعلامه، ولم يشكُك في قربهِ منه.

فقوله: ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ يريد: أسبابَ الموت ومقدماته، من العلل والأمراض.

وكان الإيصاء فرضًا قبل نزول أسباب الموت، ولكن يتضيق عند نزول سبب الموت حتى لا يجوز التأخير، فلذلك (١) ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ ليس أنه قبل الحضور لم يكتب عليه (٢) ﴿ كُتِبَ ﴾ ، لأنه أراد بالوصية الإيصاء، أو للفصل بين الفعل والوصية؛ لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حَضَرَ القاضي امرأةٌ، فَيُذَكِّرون؛ لأن القاضي فَصَل بين الفعل وبين المرأة.

وقد أحكمنا هذا فيما سبق (٣) ﴿ الْوَصِيَّةُ ﴾ من وجهين: أحدُهما: على ما لم يسم فاعله، والثاني: على الابتداء، ويكون ﴿ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾ الخبر، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ ﴿ كُتِبَ ﴾ ، كما تقول: قيل: عبدُ الله قائم، فترفع عبدَ الله بقائم، وقائمًا بعبد الله، وتكون الجملة في موضع رفعٍ بـ (قيل) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ الخيرُ: اسم جامعٌ للمالِ وغيرِهِ، والخيرُ يراد به المالُ في كثيرٍ من القرآنِ، كقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ  ﴾ ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ ، ﴿ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بالشيء الذي يعلم ذوو التمييز أنه لا حيف فيه، فهو العدل الذي لا ينكر، يعني: لا يزيد على الثلث (٦) وقوله تعالى: ﴿ حَقًّا ﴾ أي: حقَّ ذلك عليكم حقًّا (٧) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ أي: المؤمنين الذين يتقون الشرك (٨) وقد اجتمعت العلماء على نسخ هذه الآية (٩) وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعداء رياءً وسمعةً، ويتركون العيالَ عالةً، فصرف الله بهذه الآية ما كان يُصرف إلى البعداء إلى الأهلِ والأقرباء، فَعُمِل بها ما كان العمل صلاحًا، ثم نسختها آية المواريث (١٠) (١١)  : "ألا إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (١٢) فأما الأقرباء الذين لا يرثون، والوالدان اللذان لا يرثان بكفر أو رقٍّ، ففل تجب الوصية لهم؟

اختلفوا، فذهبت جماعة إلى أن الوصية للوارث نسخت، والوصيِّة لهؤلاء الذين لا يرثون لم تنسخ، وهو (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال طاوس: إن أوصى للأجانب (١٩) (٢٠) فعلى قول هؤلاء: النسخُ تناول بعض أحكام الآية وهو الوصية للوارث (٢١) (٢٢) (٢٣) قال أبو عبيد: وعلى هذا القول أجمعت العلماء من أهل الحجاز وتهامة والعراق والشام، منهم سفيان ومالك الأوزاعي (٢٤) (٢٥) والخير في هذه الآية حمل على المال الكثير (٢٦)  أنه دخل على مريض يعوده، فقال: إني أريد أن أوصي، فقال علي: إن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإنما تدع شيئًا يسيرًا، فَدعه لعيالك، فإنه أفضل (٢٧) وروي أيضًا أن رجُلًا قال لعائشة  ا: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟

قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟

قال: أربعة، قالت: إنما قال الله: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإن هذا شيء يسير، (٢٨) (٢٩) (١) في (ش): (فكذلك).

(٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، "تفسير الثعلبي" 2/ 193، "البحر المحيط" 2/ 16، وذكر قولًا آخر: وهو أن المراد بالموت حقيقته لا مقدماته، فيكون الخطاب متوجهًا للأوصياء والورثة أن ينفذوا الوصية.

(٣) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 60، "المحرر الوجيز" 2/ 92 - 94.

(٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 110، "تفسير الثعلبي" 2/ 193، "التفسير الكبير" 1/ 60، "البحر المحيط" 1/ 19.

(٥) ينظر في معاني الخير: "المفردات" ص 167 - 168، "البحر المحيط" 1/ 17.

(٦) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 194، "المحرر الوجيز" 2/ 97.

(٧) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 194، "المحرر الوجيز" 2/ 97، "البحر المحيط" 1/ 21، وقيل: نصب على المفعول، أي: جعل الوصية حقًّا، وقيل: على القطع من الوصية.

(٨) "تفسير الطبري" 2/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 194.

(٩) تابع المؤلف -رحمه الله- الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 249 في هذا الإجماع، وسيأتي في كلامه ما يدل على نقض هذا الإجماع، وممن ذكر الخلاف في الآية فأطنب: الإمام الطبري في "تفسيره" 2/ 116، ولو قال -رحمه الله-: أجمع العلماء على نسخ حكم هذه الآية في القريب الوارث، لكان مقاربا، وهذا ما ذكره بعد عدة أسطر.

(١٠) أشار إلى هذا الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 250، وذكره الرازي 5/ 60.

(١١) رواه عن ابن عباس: البخاري (2747) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأبو داود (2869) الوصايا، باب: ما جاء في نسخ الوصية للوالدين، والدارمي 2/ 419 - 420، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص230، والطبري 2/ 117 - 119.

(١٢) أخرجه الترمذي (2120) كتاب الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث، والنسائي 6/ 247 كتاب الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، وأبو داود (2870) كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الوصية للوارث، وابن ماجه (2713) كتاب الوصايا، باب: لا وصية لوارث، وأحمد في "المسند" 4/ 186 - 187، عن أبي أمامة الباهلي.

وقال الترمذي: حسن صحيح.

وحسنه الحافظ في "التلخيص الحبير" 3/ 106، وللحديث روايات ذكرها الزيلعي في "نصب الراية" 4/ 403، وقال الحافظ في "الفتح" 5/ 372 بعد أن ذكر رواياته: ولا يخلو إسناد كل منها من مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر.

وقال ابن عبد البر في "التمهيد" 23/ 442: استفاض عند أهل العلم، وقوله: لا وصية لوارث استفاضة هي أقوى من الإسناد والحمد لله.

وقد ذكره السيوطي ضمن الأحاديث في كتابه: "الأزهار المتناثرة" ص 119؛ وكذا الكتاني في "نظم المتناثرة من الحديث المتواترة" ص 176، ينظر: "نصب الراية" للزيلعي 4/ 403.

(١٣) في (م): (وهذا).

(١٤) العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، أحد العباد، توفي في ولاية الحجاج سنة 94 هـ.

ينظر: "الثقات" 5/ 246، "تهذيب التهذيب" 3/ 343.

(١٥) رواه عن مسلم والعلاء في أثر واحد: ابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 166، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 232، والطبري في "تفسيره" 2/ 118.

(١٦) هو: أبو عائشة، مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني، تابعي ثقة، من أخص تلاميذ ابن مسعود، كان عابدًا فقيهًا مقرئًا، توفي سنة 162 هـ، وقيل بعدها.

ينظر: "السير" 4/ 63 - 69، "الأعلام" 7/ 215.

(١٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 118.

(١٨) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 116، وسعيد بن منصور في "السنن" طبعة الأعظمي 1/ 135، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 484، ومكي في "الإيضاح" 144.

(١٩) في (ش): (الأجانب).

(٢٠) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 9/ 81، والطبري 2/ 117، وعزاه في "الدر" 1/ 319 إلى عبد بن حميد، وذكره الثعلبي 2/ 198، والرازي 5/ 63.

(٢١) عزا الطبري في "تفسيره" 2/ 117، 118 القول بذلك أيضًا إلى ابن عباس وقتادة والربيع وإياس بن معاوية.

(٢٢) سقطت من (م).

(٢٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 299، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 250، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 1/ 484، "تفسير البغوي" 1/ 192، "المحرر الوجيز" 2/ 97، "البحر المحيط" 1/ 17، "التفسير الكبير" 5/ 62.

(٢٤) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو يحمد الأوزاعي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلًا وزهدًا، توفي سنة 159 هـ.

ينظر: "السير" 7/ 107 - 138، "الأعلام" 3/ 320.

(٢٥) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 231.

(٢٦) الخير هنا: المال، في قول جميع المفسرين، وقد اختلف المفسرون فيه: فمنهم من جعل له حدًا معينًا، فمن ترك ذلك أوصى، وإلا فلا، واختلفوا في ذلك الحد، ومنهم من قيده بوصف، وهو المال الكثير عرفا كما بينه الواحدي، ومنهم من أطلق في القليل والكثير، كما روي عن الزهري، ونصره الطبري.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 121، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 299، "التفسير الكبير" 5/ 59، "البحر المحيط" 1/ 17.

(٢٧) رواه الثوري في "تفسيره" ص 55، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 63، والدارمي في "سننه" 2/ 405، والطبري في "تفسيره" 2/ 121، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 298، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 659، والبيهقي 6/ 270، وابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 208، والحاكم في "المستدرك" 2/ 301، وقال: صحيح على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي بقوله: فيه انقطاع يعني الانقطاع بين عروة بن الزبير وعلي -  -.

(٢٨) في (م): (شيئًا يسيرًا).

(٢٩) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 11/ 208، وسعيد بن منصور في "السنن" 2/ 656، والطبري في "تفسيره" 2/ 121، والبيهقي في "الوصايا"، باب: من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا كثيرًا 6/ 270، ونحوه عن عبد الرزاق في الوصايا، باب: الرجل يوصي وماله قليل 9/ 63.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده