الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية، قال عطاء عن ابن عباس (١) المدينة اشتد الضر عليهم؛ لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله ، فأنزل الله عز وجل تطييبًا لقلوبهم ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ الآية (٢) (٣) (٤) ﴿ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ﴾ .
فقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ قال الفراء: استفهم بـ (أم) في ابتداء ليس قبله ألف فيكون (أم) ردًا عليه، وذلك يجوز إذا كان قبله كلام يتصل به، ولو كان ابتداء ليس قبله كلام لم يجز ذلك، كقولك للرجل: أعندك خبز؟
لم يجز هاهنا: أم عندك خبز، ولو قلت: أنت رجل لا تُنْصِف أم لك سلطان تُدِلُّ به؟
لجاز ذلك، إذ تقدمه كلام فاتصل به (٥) قال ابن الأنباري: (أم) استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام، جعلوا للمتوسط لفظًا يخالف لفظ السابق، فكان للسابق (هل) وأخواتها، وللمتوسط (أم) يدل على صحة هذا قوله عز وجل: ﴿ الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ ، أتى بـ (أم) وسطًا، فجعلها استفهامًا، ولم يَرْدُدْهَا على استفهام متقدم، ومن هذا قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ ...
غَلَسَ الظلامِ من الرباب خَيَالا (٦) وقال قوم: (أم) هاهنا بمعنى (بل) (٧) كذبتك عينك أم رأيت ...............
البيت.
وقد استقصينا الكلام في (أم) عند قوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا ﴾ الآية.
وقال بعضهم: أم هاهنا عطفٌ على استفهام متقدم محذوف، تقديره: أعلمتم أن الجنة حفت (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ﴾ أي: ولم يأتكم، و (ما) صلة، والفرق بينهما أن (لما) يوقف عليها في مثل قولك: أَقَدم زيد؟
فيقول: (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ أي: شبه الذين مضوا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، أي: ولما يصبكم مثل الذي (١٢) (١٣) وفي الكلام حذف، تقديره: مثل محن الذين، أو مثل مصيبة الذين من قبلكم (١٤) ثم ذكر ما أصابهم، فقال: ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء ﴾ وهو اسم من البؤس بمعنى الشدة، قال عطاء: يريد: الفقر الشديد، ﴿ وَالضَّرَّاءُ ﴾ : المرض والجوع (١٥) ﴿ الْبَأْسَاءُ ﴾ : نقيض النعماء، والضراء نقيض السراء.
وقوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ أي: حركوا بأنواع البلايا والرزايا (١٦) (١٧) قال أبو إسحاق: وأصل الزلزلة في اللغة من: زَلّ الشيء عن (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ وَزُلزِلُوا ﴾ هنا: خوفوا وحقيقته ما ذكرنا، وذلك أن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه، ولهذا يقال للخوف: المقيم المُقْعِد؛ لأنه يُذْهب السكون، فيجوز أن يكون ﴿ وَزُلزِلُوا ﴾ هاهنا مجازًا، والمراد به: خوفوا، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف (٢٢) وقوله تعالى ﴿ حَتَى يَقُولَ اَلرَّسُولُ ﴾ قرئ (يقولَ) نصبًا ورفعًا (٢٣) أحدهما: أن يكون الدخول غاية للسير، والسير والدخول قد مضيا جميعًا، والمعنى: سرت (٢٤) (٢٥) والوجه الآخر في النصب: أن يكون السير قد وقع والدخول لم يقع، ويكون المعنى: سرت كي أدخلها، وليس هذا وجه نصب الآية (٢٦) فأحد الوجهين: هو وجه (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) فيا عَجَبًا حتى كُليبٌ تَسُبُّني (٣٢) (٣٣) (٣٤) أحدهما: أن يكون بمعنى (إلى)، وهو الذي تحمل (٣٥) والآخر: أن يكون بمعنى (كي)، وذلك قولك: (أسلمت حتى (٣٦) وأما قراءة من قرأ: (حَتَّى يَقُولُ) بالرفع، فالفعل الواقع بعد حتى إذا كان مضارعًا مرفوعًا لا يكون إلا فعلَ حالٍ، ويجيء على ضربين.
أحدهما: أن يكون السبب الذي أدى إلى (٣٧) ﴿ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّه ﴾ وفي قوله: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾ .
والوجه الآخر من وجهي الرفع: أن يكون الفعلان جميعًا قد مضيا، نحو: سِرتُ حتى أدخُلُها، والدخول متصل بالسير بلا فصل، كما (كان) (٣٨) في الوجه الأول بينهما فصل، والحال في هذا الوجه أيضًا محكية، كما كانت محكية (٣٩) (٤٠) واعلم أن (حتى) على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون جارة نحو ﴿ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ ، وهذه (٤١) (٤٢) (٤٣) والآخر: أن تكون (٤٤) والزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ ألْقَاهَا [[صدر البيت: ألقى الصحيفة كي يخاف رحله.
البيت منسوب للمتلمس، وفيه إشارة إلى قصة المتلمس وطرفة حين كتب لهما عمرو بن هند كتابين مختومين، أوهمهما أن فيهما أمرًا لعامله في البحرين بإكرامهما، إلا أن المتلمس فض صحيفته فوجد فيها أمرا بقتله فرجع.
وفي "الكتاب" لسيبويه 1/ 97 نسبه لابن مروان النحوي.
[وقال المحقق: الصواب أنه مروان النحوي] والبيت في "الكتاب" 1/ 97، و"الخزانة" 1/ 445، 4/ 140، و"مغني اللبيب" 167، والشاهد في البيت: مجيء حتى عاطفة، حيث نصب نعله، ويستشهد به أيضًا على مجيئها ابتدائية برفع نعله.]].
وهذه تكون عاطفة.
والثالث: أن تكون داخلة على الجمل ومنصرفًا بعدها الكلام إلى الابتداء، كأما وإذا ونحوهما، وذلك نحو قوله: فيا عجبًا حَتَى كليبٌ تَسُبُّني (٤٥) فهذا جملة الكلام في حتى (٤٦) ﴿ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ (متى) سؤال عن زمان؛ لأن جوابها يقع بالزمان، ألا ترى أنك تقول: متى زيد خارج؟، فيكون الجواب: يوم الجمعة أو يوم السبت، فإذا كان الاسم الذي يلي (متى) جثة احتاج إلى خبر، كقولك: متى زيد منطلق؟، ولا يجوز أن تقول: متى زيد، وتسكت؛ لأن ظروف الزمان لا تكون خبرًا للجثث، وإن كان الاسم الذي (يلي) (٤٧) ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ ؛ لأن ظروف الزمان تكون خبرًا للمصادر (٤٨) وقوله تعالى ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ ﴾ (ألا) صلةٌ لابتداء الكلام، كأنه تنبيهٌ للمخاطب.
قال صاحب النظم: في هذه الآية مبتدآن وجوابان، جمع بين المبتدأين والجوابين، فقوله: ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ مبتدآن.
وقوله: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ إلى آخر الآية جوابان لهما، مجموع بينهما، فيحتاج أن يرد كل جواب إلى ابتداء به ليبين نظم الكلام، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، وإنما قلنا إنه كذلك؛ لأن الرسول لا يشبهه (٤٩) (٥٠) ، "أن نبيًا من الأنبياء سأل ربه السعة في الرزق، فأوحى الله إليه: أما يكفيك أني عصمتك أن تكفرني حتى تسألني السعة في الرزق، ولو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال فيها كافر جرعة ماء، ولكن الله تعالى لم يجعلها ثوابًا لمؤمن ولا عقابًا لكافر"، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) ﴾ .
يريد: الجنة لا موت فيها ولا نصبَ ولا تَعَبَ ولا هَرَمَ ولا سَقَم ولا هَمّ ولا حَزَنَ ولا شيءَ من الضر.
(١) رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس في "تفسيره" 2/ 379، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 437 إلى ابن المنذر، وعن عطاء ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 728، والواحدي في "أسباب النزول" ص 68، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 231، البغوي في "تفسيره" 1/ 245، وأبو حيان في "البحر" 2/ 371.
(٢) رواه في "الدر المنثور" 1/ 437 بمعناه، وعزاه إلى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 379، وابن المنذر.
وينظر: "الوسيط" 1/ 317.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 83، والطبري في "تفسيره" 2/ 341، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 435، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 437 إلى ابن المنذر، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 727.
(٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 341، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 379، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 727.
(٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 132، "تفسير الثعلبي" 2/ 728.
(٦) البيت في "ديوانه" ص 385 "المعجم المفصل" 6/ 79.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 2/ 728.
(٨) في (أ) (تحف).
(٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "التبيان" ص 131، واختارا أنها منقطعة، وفي "البحر المحيط" 2/ 139 ذكر أبو حيان في (أم) هنا أربعة أقوال: الأول: أنها منقطعة بمعنى بل والهمزة.
والثاني: أنها متصلة على إضمار جملة قبلها.
والثالث: الاستفهام بمعنى الهمزة.
والرابع: الإضراب بمعنى بل، قال: والصحيح هو القول الأول.
(١٠) في (ش): (تقول).
(١١) ينظر: "التبيان" ص 131، "البحر المحيط" 2/ 140، "مغني اللبيب" ص 367، وذكر أنها تفارق (لم) من خمسة أمور: 1 - أنها لا تقترن بأداة شرط.
2 - أن منفيها مستمر النفي إلى الحال، ومنفي لم يحتمل الاتصال والانقطاع.
3 - أن معنى (لما) لا يكون إلا قريبا من الحال.
4 - أن منفي (لما) متوقع ثبوته.
5 - أن منفي (لما) جائز الحذف.
اهـ.
وقال أبو حيان: ولما، أبلغ في النفي من لم؛ لأنها تدل على نفي الفعل متصلا بزمان الحال، فهي لنفي التوقع.
(١٢) في (ي) و (ش) (الذين).
(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 729.
(١٤) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 140.
(١٥) ذكره في "الوسيط" 1/ 317.
(١٦) في (ي): (الرزايا والبلايا).
(١٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 730.
(١٨) في (م): (من).
(١٩) كذا في الأصول، وفي "معاني القرآن" زلزلته.
(٢٠) (صر) ليست في (ي)، وفي (ش): (ضر وضرضر) وفي (م): (صر وصَرّ).
(٢١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285.
بمعناه.
(٢٢) ينظر في زلزل "تهذيب اللغة" 2/ 1551، "المفردات" ص 219، "عمدة الحفاظ" 2/ 165،"اللسان" 3/ 1857 (زلل).
ونقل الأزهري عن ابن الأنباري في قولهم: أصابت القوم زلزلة، قال: الزلزلة: التخويف والتحذير، من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أي: خوفوا وحذِّروا قال بعضهم: الزلزلة مأخوذة من الزلل في الرأي، فإذا قيل: زلزل القوم، فمعناه: صرفوا عن الاستقامة، وأوقع في قلوبهم الخوف والحذر.
(٢٣) قرأ نافع برفع اللام، وقرأ الباقون بالنصب.
ينظر: "السبعة" ص 181 - 182، "الحجة" 2/ 305 - 306.
(٢٤) ليس في: (ش).
(٢٥) في (ي): (مضت).
(٢٦) رجح أبو حيان في "البحر" 2/ 140 الوجه الأول، قال: لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين.
(٢٧) من قوله: نصب الآية.
ساقط من (ي).
(٢٨) (سرت) ليست في (أ) ولا (م).
(٢٩) في (ش) (تعمل).
(٣٠) في (ش): (تقول).
(٣١) في (ي): (كأني).
(٣٢) البيت للفرزدق، وعجزه: كأن أباها نهشل أو مجاشع= في "ديوانه" ص419، "الكتاب" لسيبويه 3/ 18، "معاني القرآن" للفراء 1/ 138، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304، "الخزانة" 4/ 141، "همع الهوامع" 2/ 24، و"تفسير ابن يعيش" 8/ 18، "مغني اللبيب" 173.
والشاعر يهجو كليب بن يربوع رهط جرير، فجعلهم من الهون بحيث لا يُسابُّون مثله لشرفه.
ونهشل ومجاشع: ابنا دارم، وهم رهط الفرزدق.
(٣٣) ليست في (ي).
(٣٤) ينظر في ذلك: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304 - 306، "التبيان" ص 131، "البحر المحيط" 2/ 140، "مغني اللبيب" 166 - 176.
(٣٥) في (ش): (يجهل).
(٣٦) الجملة هذه ليست في (أ) و (م).
(٣٧) (إلى) ساقطة من (أ) و (ش) و (ي).
(٣٨) في (ش): (قال).
(٣٩) ليست في (أ) (م).
(٤٠) "الحجة" 2/ 306 - 307، وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 132، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 304 - 306، "تفسير الثعلبي" 2/ 730.
(٤١) (وهي) في (ي).
(٤٢) ليست في (ي).
(٤٣) ليست في (ش).
(٤٤) (يكون) في (م).
(٤٥) تقدم تخريج البيت قريبًا.
(٤٦) ينظر في حتى: "الكتاب" لسيبويه 1/ 96 - 97، 3/ 16 - 27، "المقتضب" للمبرد 2/ 38 - 43، "معاني القرآن" للفراء 1/ 132 - 138، "الأزهية" ص214 - 216، "مغني اللبيب" ص 166 - 176.
(٤٧) (هو) في (ي) و (ش).
(٤٨) ينظر في متى: "الكتاب" لسيبويه 1/ 217 - 218، "المقتضب" 3/ 63، 289، "الأزهية" 200 - 201، "مغني اللبيب" 440 - 441، قال في "التبيان" ص 131: وموضع متى رفع؛ لأنه خبر المصدر، وعلى قول الأخفش موضعه نصب على الظرف، ونصر مرفوع به.
(٤٩) في النسخ (أ) و (م) و (ب) يسبهه بدون نقط.
(٥٠) ساقطة من (ش).
<div class="verse-tafsir"