تفسير سورة البقرة الآية ٢٨٤ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨٤

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٢٨٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 11 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ وهو مالكُ أعيانه، يملك تصريفه وتدبيره ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ الآية.

اختلف الروايات عن ابن عباس في معنى هذه الآية، فقال في رواية مقسم ومجاهد (١) (٢) (٣) وقال في رواية سعيد بن جبير (٤) (٥) (٦)  ، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا وكلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا، فقال النبي  : "فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، فقولوا: سمعنا وأطعنا"، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتدَّ ذلك عليهم، فمكثوا بذلك حولًا، فأنزل الله عز وجل الفَرَجَ والرحمة، بقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ فنسخت هذه الآية ما قبلها [[تابع المصنف.

رحمه الله.

شيخه الثعلبي في "تفسيره" في ذكر هذه القصة بهذا السياق ["تفسير الثعلبي" 2/ 1827] وهي ملفقة من عدة أحاديث وآثار منها الصحيح البالغ في الصحة، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها الضعيف، ولذا أورد الحافظ في "العجاب" 1/ 654 هذه الرواية عن الثعلبي في "تفسيره" بتمامها وعقب قائلًا: وهذا من عيوب كتابه، ومن تبعه عليه، يجمعون الأقوال عن الثقات وغيرهم، ويسوقون القصة مساقًا واحدًا على لفظ من يُرْمَى بالكذب أو الضعف الشديد، ويكون == أصل القصة صحيحًا، والنكارة في ألفاظٍ زائدة، كما في هذه القصة من تسمية الذين ذكروا.

اهـ فمن الأحاديث هنا: حديث أبي هريرة، رواه مسلم في الإيمان، باب: بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق 1/ 115 برقم (125) وغيره.

ومنها حديث ابن عمر، رواه البخاري في التفسير، باب: سورة البقرة 5/ 195 برقم (6546) وغيره.

ومنها أثر ابن عباس في تسمية الصحابة المذكورين في القصة، رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 275، والطبراني في "مسند الشاميين" 3/ 326.

ينظر: تحقيق "تفسير الثعلبي" للمنيع 2/ 1828.]].

فقال النبي  : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال في رواية الضحاك (١٥) ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ والعبد (١٦) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ وكل عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله، فمن أبدى ما في نفسه أو أخفاه مما عزم عليه وعقد عليه في قلبه يحاسبه الله به، فأما ما حَدَّث به نفسه مما لم يعزم عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذ به (١٧) (١٨) (١٩) وقال في رواية علي بن أبي طلحة (٢٠) (٢١) (٢٢) فمعنى الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ فتعملوا به ﴿ تُخْفُوهُ ﴾ مما أضمرتم ونويتم ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ﴾ ويخبركم به، ويعرفكم إياه، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين.

يدل على هذا قوله: ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ﴾ ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، فالحِسَابُ ثابتٌ والعِقَابُ ساقط (٢٣) وروى الضحاك عن عائشة  ا، أنها قالت: ما حدَّث العبد به نفسه (٢٤) (٢٥)  أنها سألته عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه (٢٦) والمحققون يختارون أن تكون الآية محكمة غير منسوخة، لأن النسخ إنما يكون في الأمر والنهي، والأخذ بقول عائشة، وبقولِ من لم يحكم على الآية بنسخ أولى (٢٧) وقوله تعالى ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ قُرِئ رفعًا وجزمًا (٢٨) (٢٩) ومن رفع قَطَعَه من (٣٠) إما أن يجعل الفعل خبرًا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: فهو يغفر، فيرتفع (٣١) وإما أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها (٣٢) (١) أما رواية مجاهد فأخرجها سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 1004، والطبري في "تفسيره" 3/ 142، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.

وأما رواية مقسم فأخرجها أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 274، والطبري في "تفسيره" 2/ 143، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/ 315، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص280.

وقد بين الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/ 316 أن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر؛ لأنه حق من المشهود، وفي الآية ما قد منع من ذلكُ، وكذلك اعترض الشوكاني عليه في "فتح القدير" 1/ 463 قائلا: فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة.

(٢) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 143، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1826.

(٣) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 274، والطبري في "تفسيره" 3/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.

(٤) رواه الطبراني في "الكبير" 11/ 362، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 296، والطبري في "تفسيره" 3/ 145، وذكرها ابن أبي حاتم 2/ 574.

(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1829.

(٦) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن زهرة القرشي الزهري، من كبار الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من الأجواد الشجعان العقلاء، شَهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، كان من أثرياء الصحابة أنفق كثيرًا في سبيل الله، توفي سنة 32 هـ.

ينظر "أسد الغابة" 3/ 480، "الأعلام" 3/ 321.

(٧) في (ش) و (ي): (يعملوا).

(٨) أخرجه البخاري (5269) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره، ومسلم (127) كتاب: الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس.

وليس في روايتهما ما يدل على أن القصة المذكورة هى سبب ورود الحديث.

(٩) رواه سعيد بن منصور 3/ 1018، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 275، والطبري في "تفسيره" 3/ 146، والطبراني في "الكبير" 9/ 211.

(١٠) ذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 325، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1829.

(١١) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 146، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.

(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1830، والبغوي في "تفسيره" 1/ 355، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 342.

(١٣) ذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 239، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1830، والبغوي في "تفسيره" 1/ 355.

(١٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 111، والطبري في "تفسيره" 3/ 146، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.

(١٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 147 - 148 بمعناه، وذكره الثعلبي في "تفسيره"2/ 1833.

(١٦) في (ي): (والعمل).

(١٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1832 - 1833، وبين أن مما يدل على هذا القول: قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا  ﴾ .

(١٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 148، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.

(١٩) انظر المرجعين السابقين.

(٢٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 147، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.

(٢١) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 147، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 573.

(٢٢) في (ش): (لا).

(٢٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1843 - 1843، وذكر حديثين يتأيد بهما هذا القول: الأول: حديث النجوى عن ابن عمر مرفوعا: "يدنو العبد من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟

فيقول: رب أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، فيقول الله عز وجل: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، لا نطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا"، وأما الكفار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ  ﴾ رواه البخاري في المظالم، باب: قوله تعالى: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ 3/ 134 برقم (2441)، ومسلم في التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله 4/ 2120 برقم (2768).

والثاني: حديث أبي ذر مرفوعا: "يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه، فيقال له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وهو يقر ولا ينكر، وتخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا، قال: فلقد رأيت النبي  ضحك حتى بدت نواجذه".

رواه مسلم (190) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.

(٢٤) في (ي): (من نفسه).

(٢٥) رواه الطبري في "تفسيره" عنها 6/ 116 - 117.

(٢٦) حديث عائشة رواه الترمذي (2991) كتاب: التفسير، باب: سورة البقرة، وأحمد 6/ 218، والطيالسي 221 برقم 1584، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" 3/ 783 برقم (1413)، والطبري في "تفسيره" 3/ 149، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 574 من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أمية عن عائشة به.

قال الترمذي: حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 365: وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها في الكتب سواه.

ورواه أبو داود (3093) كتاب: الجنائز، باب: عيادة النساء، والطبري في "تفسيره" 5/ 295، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 1072 وغيرهم، من طريق صالح بن رستم أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عنها مرفوعا بمعناه، ولفظ الحديث عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ ، ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله  فقال: "يا عائشة هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفرع لها يجدها في خبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".

(٢٧) قال البيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 297: وهذا النسخ بمعنى التخصيص والتبيين، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم، فوردت الآية التي بعدها، فبينت أن ما يخفى مما لا يؤاخذ به، وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه، == وهذا لا يكون منه كسب في حدوثه وبقائه، وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ على الاتساع، بمعنى: أنه لولا الآية الأخرى لكانت الأولى تدل على مؤاخذته بجميع ذلك.

وبِين شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 14/ 101، صحة هذا القول، وأن المراد بالنسخ في الأحاديث هنا نسخ ما وقع في نفوس الصحابة من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ يقتضي أن الأمر إلِيه في المغفرة والعذاب لا إلى غيره.

وقال الطبري في "تفسيره" 3/ 149: وأولى الأقوال: أنها محكمة وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر هو ناف له من كل وجوهه، وليس في قوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: ﴿ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه.

اهـ كلامه، باختصار.

(٢٨) قرأ ابن عامر وعاصم بالرفع في: (فيغفرُ) و (يعذب)، وقرأ الباقون بالجزم.

ينظر: "السبعة" ص 195، "الحجة" 2/ 463.

(٢٩) في (ي): (المشاركة).

(٣٠) في (ي): (عن).

(٣١) في (ي): (ارتفع).

(٣٢) من "الحجة" 2/ 464 - 465 باختصار.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده